الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 18

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 18


[ 1 ]

بحار الانوار الجامعة لدرر اخبار الائمة الاطهار بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء الثامن عشر دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان الطبعة الثالثة المصححة 1403 ه‍ - 1983 م دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان - بناية كليوباترا - شارع دكاش - ص. ب 7957 / 11 تلفون المستودع: 274696 - 273032 - 278766 - المنزل 830711 - 830717 برقيا: التراث - تلكس 44632 / LE تراث

[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم * (باب 6) * * (معجزاته في استجابة دعائه في احياء الموتى، والتكلم معهم) * * (وشفاء المرضى وغيرها زائدا عما تقدم في باب الجوامع) * 1 - جا، ما: المفيد، عن علي بن بلال، عن النعمان بن أحمد، عن إبراهيم بن عرفة، عن أحمد بن رشيد بن خيثم (1)، عن عمه سعيد، عن مسلم الغلابي قال: جاء أعرابي إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: والله يا رسول الله لقد أتيناك وما لنا بعير يئط ولا غنم يغط، ثم أنشأ يقول: أتيناك يا خير البرية كلها * لترحمنا مما لقينا من الازل أتيناك والعذراء يدمي لبانها * وقد شغلت ام البنين (2) عن الطفل وألقى بكفيه الفتى اسكانة * من الجوع ضعفا لا يمر ولا يحلي ولا شئ مما يأكل الناس عندنا * سوى الحنظل العامي والعلهز الفسل وليس لنا إلا إليك، فرارنا * وأين فرار الناس إلا إلى الرسل. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لاصحابه: إن هذا الاعرابي بشكو قلة المطر وقحطا شديدا ثم قام يجر رداءه حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه فكان فيما حمده به أن قال: " الحمد الله الذي علا في السماء فكان عاليا، وفي الارض قريبا دانيا، أقرب إلينا من حبل الوريد " ورفع يديه إلى السماء وقال: اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا غدقا طبقا،


(1) هكذا في الكتاب، والصحيح: خيثم بتقديم المثلثة على الياء كما في التقريب. (2) في المجالس: ام الصبى

[ 2 ]

عاجلا غير رائث، نافعا غير ضار، تملا به الضرع، وتنبت به الزرع، وتحيي به الارض بعد موتها " فما رد يده إلى نحره حتى أحدق السحاب بالمدينة كالاكليل، وألقت السماء بأرواقها وجاء أهل البطاح يصيحون (1): يا رسول الله الغرق الغرق، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " اللهم حوالينا ولا علينا " فانجاب السحاب عن السماء، فضحك رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: لله در أبي طالب، لو كان حيا لقرت عيناه، من ينشدنا قوله ؟ فقام عمر فقال: عسى أردت يا رسول الله: وما حملت من ناقة فوق ظهرها * أبر وأوفى ذمة من محمد فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ليس هذا من قول أبي طالب هذا من قول حسان بن ثابت، فقام علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: كأنك أردت يا رسول الله. وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ربيع اليتامى عصمة للارامل تلوذ به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل كذبتم وبيت الله: " يبزى (2) محمد " ولما نماصع دونه ونقاتل ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل فقال رسول الله: أجل، فقام رجل من بني كنانة فقال: لك الحمد والحمد ممن شكر * سقينا بوجه النبي المطر دعا الله خالقه دعوة * وأشخص منه إليه البصر فلم يك إلا كألقى الرداء * وأسرع حتى أتانا الدرر دفاق العزائل جم البعاق * أغاث به الله عليا مضر فكان كما قاله عمه * أبو طالب ذا رواء أغر (3) به الله يسقي صيوب الغمام * فهذا العيان وذاك الخبر


(1) في المصدر: يضجون. (2) في المجالس: نبزى، وهو الموافق لما في سيرة ابن هشام. وفيه وفى السيرة ايضا: ولما نطاعن. قوله: يبزى أي يقهر ونماصع أي تقاتل ونجالد. (3) في المجالس: إذ رآه أغر (*).

[ 3 ]

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا كناني بواك الله بكل بيت قلته بيتا في الجنة (1). قب: مرسلا مثله (2) ثم قال: والسبب في ذلك أنه كان قحط في زمن أبي طالب، فقالت قريش: اعتمدوا اللات والعزى، وقال آخرون: اعتمدوا المناة (3) الثالثة الاخرى فقال ورقة بن نوفل: أنى تؤفكون وفيكم بقية إبراهيم، وسلالة إسماعيل أبو طالب ؟ فاستسقوه فخرج أبو طالب وحوله اغيلمة من بني عبد المطلب، وسطهم غلام كأنه شمس دجنة تجلت عنها غمامة (4)، فأسند ظهره إلى الكعبة ولاذ بإصبعه ؟ وبصبصت الاغلمة حوله فأقبل السحاب في الحال فأنشأ أبو طالب اللامية (5). بيان: قال الجزري: في حديث الاستسقاء لقد أتيناك ومالنا بعير يئط، أي يحن ويصيح، يريد مالنا بعير أصلا، لان البعير لابد أن يئط، وقال: الغطيط: الصوت الذي يخرج مع نفس النائم، ومنه الحديث: والله ما يغط لنا بعير، غط البعير: إذا هدر في الشقشقة، فإن لم يكن في الشقشقة فهو هدير، والازل: الشدة والضيق. وقال في قوله: يدمي لبانها: أي يدمي صدرها لامتهانها نفسها في الخدمة حيث لا تجد ما تعطيه من يخدمها من الجدب و شدة الزمان، وأصل اللبان في الفرس، موضع اللبب من الصدر، ثم استعير للناس، وقال في قوله: ما يمر وما يحلي، أي ما ينطق بخير ولاشر من الجوع والضعف، وقال: الحنظل العامي منسوب إلى العام، لانه يتخذ في عام الجدب، كما قالوا للجدب: السنة، و العلهز بكسر العين وسكون اللام وكسر الهاء قال: هو شئ يتخذونه في سني المجاعة، يخلطون الدم بأوبار الابل ثم يشوونه بالنار ويأكلونه، وقيل: كانوا يخلطون فيه القردان، ويقال للقراد الضخم: علهز، وقيل: العلهز شئ ينبت ببلاد سليم، له أصل كأصل البردي (6) والفسل هو الردي الرذل من كل شئ، قال: ويروى بالشين المعجمة، أي الضعيف،


(1) مجالس المفيد: 178 - 180. امالي ابن الشيخ: 45 - 47. (2) وفيه اختلاف كثير في اللفظ والمعنى، ولم يذكر حديث الكنانى. (3) في المصدر: مناة الثالثة بحذف حرف التعريف. (4) غمامها خ ل. (5) مناقب آل ابى طالب 1: 119. (6) البردى: نبت رخو ينبت في ديار المصر كثيرا يمضغ أصله كقصب السكر ويتخذ منه القرطاس وقيل: له ورق كخوص النخل، فارسية: لوخ.

[ 4 ]

يعني الفشل مدخره وآكله، فصرف الوصف إلى العلهز، وهو في الحقيفة لآكله، وقال بأرواقها، أي بجميع ما فيها من الماء، والارواق الاثقال، أراد مياهها المثقلة للسحاب. انتهى. والبطاح بالكسر جمع الابطح وهو مسيل واسع فيه دقاق الحصى، والدرر بالكسر جمع درة، يقال: للسحاب درة أي صب واندفاق، وقال الجزري، الدفاق: المطر الواسع الكثير، والعزائل، أصله العزالى هي مثل الشائك والشاكي، والعزالى جمع العزلاء وهو فم المزادة الاسفل فشبه اتساع المطر واندفافه بالذي يخرج من فم المزادة، والبعاق بالضم: المطر الغزير الكثير الواسع، والرواء بالضم والمد: المنظر الحسن انتهى. وقال الفيروز آبادي عليا مضر بالضم والقصر: أعلاها. والاغر الابيض والشريف والصوب والصيوب، الانصباب، والدجن: إلباس الغيم الارض وأقطار السماء، والدجنة بالضم (1) وبضمتين مع تشديد النون: الظلمة، والاغلمة من جموع الغلام. أقول: سيأتي شرح أبيات أبي طالب في باب أحواله (عليه السلام). 2 - جا، ما: المفيد، عن الجعابي، عن الحسين (2) بن الهاد بن حمزة أبو علي من أصل كتابه، عن الحسن بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن محمد بن سليمان الاصفهاني عن عبد الرحمن الاصفهاني (3)، عن عبد الرحمن بن أبى ليلى، عن علي بن أبى طالب قال: دعاني النبي (صلى الله عليه وآله) وأنا أرمد العين، فتفل في عيني، وشد العمامة على رأسي، وقال: " اللهم أذهب عنه الحر والبرد " فما وجدت بعدها حرا ولا بردا (4).


(1) وسكون الجيم. ويقال ايضا: الدجنة بكسرتين، وفتح الدال مع كسر الجيم. (2) في الامالى: الحسن بن الهاد، وفى المجالس: الحسن بن حماد، ولعل الاخير صحيح وهو الحسن بن حماد المترجم في التقريب: 104. قوله: أبو على فيه تصحيف والصحيح: أبي على، و في الاصل: حدثنى الحسن... أبو على، فبدل حدثنى بقوله: عن الحسن، ونسى أن يجر الكنية. (3) في الامالى: عبد الله الاصفهانى، ففيه وهم، والصحيح ما في الصلب، والرجل هو عبد الرحمن بن عبد الله الاصفهانى الكوفى الجهنى، (ويقال له: الجدلي ايضا كان يتجر إلى اصبهان) لرواية ابن أخيه محمد بن سليمان عنه، وروايته عن عبد الرحمن بن أبى ليلى، راجع تهذيب التهذيب 6: 217. (4) مجالس المفيد: 187 و 188. أمالى ابن الشيخ: 55.

[ 5 ]

3 - ما: المفيد، عن الحسين بن محمد التمار، عن محمد بن القاسم، عن موسى بن محمد الخياط، عن إسحاق بن إبراهيم الخراساني، عن شريك، عن عبد الله بن عمر، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: أصابنا عطش في الحديبية، فجهشنا إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فبسط يديه بالدعاء فتألق (1) السحاب، وجاء الغيث فروينا منه. قال أبو الطيب: قال الاصمعي: الجهش أن يفزع الانسان إلى الانسان، قال أبو عبيدة: وهو مع فزعه (2) كأنه يريد البكاء، وفي لغة اخرى: أجهشت إجهاشا فأنا مجهش، ومنه قول لبيد: قامت تشكي إلي النفس مجهشة * وقد حملتك سبعا بعد سبعينا فإن تزادي ثلاثا تبلغي أملا * وفي الثلاث وفاء للثمانينا (3) توضيح: قال الجوهري: الجهش أن يفزع الانسان إلى غيره وهو مع ذلك يريد البكاء، كالصبي يفزع إلى امه وقد تهيأ للبكاء، يقال: جهش إليه يجهش، وفي الحديث أصابنا عطش فجهشنا إلى رسول الله، وكذلك الاجهاش، يقال: جهشت نفسي وأجهشت، أي نهضت، ثم ذكر بيتا من الشعر، وقال: همعت عينه تهمع همعا وهموعا وهمعانا أي دمعت، وقال: تألق البرق: لمع. 4 - ير: أيوب بن نوح، عن صفوان بن يحيى، عن حماد بن أبي طلحة، عن أبي عوف، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: دخلت عليه فألطفني، وقال: إن رجلا مكفوف البصر أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرد علي بصري، قال: فدعا الله فرد عليه بصره، ثم أتاه آخر فقال: يا رسول الله ادع الله لي أن يرد علي بصري، قال: فقال: الجنة أحب إليك أو يرد عليك بصرك ؟ قال: يا رسول الله وإن ثوابها الجنة ؟ فقال: الله أكرم من أن يبتلي عبده المؤمن بذهاب بصره ثم لا يثيبه الجنة (4).


(1) فتألف خ ل وهو الموجود في المصدر. (2) أقول: هذا هو الصحيح وأما في النسختين المطبوعتين: " هيمعة فزعة " فهو تصحيف " هي مع فزعه " كما في المصدر المطبوع وهو ايضا تصحيف " هو مع فزعه " كما عرفت والمعنى: قال ابو عبيدة: الجهش ان يفزع الانسان إلى الانسان وهو مع فزعه ذلك على هيئة الباكى كانه يريد البكاء. (3) أمالى ابن الشيخ: 80. (4) بصائر الدرجات: 77.

[ 6 ]

ير: العباس بن معروف، عن علي بن مهزيار، عن الحسين بن سعيد، عن علي ابن إسماعيل الميثمي، عن كريم قال: سمعت من يرويه قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان قاعدا فذكر اللحم وقرمه إليه فقام رجل من الانصار وله عناق، فانتهى إلى امرأته فقال: هل لك في غنيمة ؟ قالت: وماذاك ؟ قال: إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يشتهي اللحم، قالت: خذها ولم يكن لهم غيرها، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعرفها، فلما جاء بها ذبحت وشويت، ثم وضعها النبي (صلى الله عليه وآله) فقال لهم: كلوا ولا تكسروا عظما، قال: فرجع الانصاري وإذا هي تلعب على بابه (1). بيان: القرم بالتحريك شدة شهوة اللحم، والعناق بالفتح: الانثى من ولد المعز. 6 - ير: إبراهيم بن هاشم، عن علي بن أسباط، عن بكر بن جناح، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما ماتت فاطمة بنت أسد ام أمير المؤمنين جاء علي إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا أبا الحسن مالك ؟ قال: امي ماتت، قال: فقال النبي (صلى الله عليه وآله): وامي والله، ثم بكى. وقال: وا اماه، ثم قال لعلي (عليه السلام): هذا قميصي فكفنها فيه، وهذا ردائي فكفنها فيه، فإذا فرغتم فآذنوني، فلما اخرجت صلى عليها النبي (صلى الله عليه وآله) صلاة لم يصل قبلها ولا بعدها على أحد مثلها، ثم نزل على قبرها (2) فاضطجع فيه، ثم قال لها: يا فاطمة، قالت: لبيك يا رسول الله، فقال: فهل وجدت ما وعد ربك حقا ؟ قالت: نعم، فجزاك الله خيرا، وطالت مناجاته في القبر، فلما خرج قيل: يا رسول الله لقد صنعت بها شيئا في تكفينك إياها ثيابك ودخولك في قبرها وطول مناجاتك وطول صلاتك ما رأيناك صنعته بأحد قبلها، قال: أما تكفيني إياها فإني لما قلت لها: يعرض الناس يوم يحشرون من قبورهم (3)، فصاحت وقالت: واسوأتاه فلبستها ثيابي، وسألت الله في صلاتي عليها بأن لا يبلى أكفانها حتى تدخل الجنة، فأجابني إلى ذلك، وأما دخولي


(1) بصائر الدرجات: 77. (2) إلى قبرها خ ل. (3) الظاهر أن الصحيح، يعرض الناس يوم يحشرون من قبورهم عراتا. كما استظهر ذلك في هامش المصدر.

[ 7 ]

في قبرها فإني قلت لها يوما: إن الميت إذا ادخل قبره وانصرف الناس عنه دخل عليه ملكان: منكر ونكير فيسئلانه، فقالت: واغوثاه بالله، فما زلت أسأل ربي في قبرها حتى فتح لها بابا من قبرها إلى الجنة، وجعله روضة من رياض الجنة (1). 7 - يج: روي عن أبي حمزة الثمالي قال: قلت لعلي بن الحسين (عليه السلام): أسألك عن شئ أنفي عني به ما قد خامر نفسي، قال: ذلك لك، قلت أسألك عن الاول والثاني، فقال: عليهما لعائن الله، كلاهما مضيا والله كافرين مشركين بالله العظيم، قلت فالائمة منكم يحيون الموتى، ويبرؤن الاكمه والابرص، ويمشون على الماء ؟ فقال (عليه السلام): ما أعطى الله نبيا شيئا إلا وقد أعطى محمدا (صلى الله عليه وآله) وأعطاه ما لم يعطهم ولم يكن عندهم، فكل ما كان عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد أعطاه أمير المؤمنين، ثم الحسن، ثم الحسين (عليهم السلام)، ثم إماما بعد إمام إلى يوم القيامة مع الزيادة التي في كل سنة، وفي كل شهر، وفي كل يوم، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان قاعدا فذكر اللحم، فقام رجل من الانصار إلى امرأته وكان لها عناق، فقال لها: هل لك في غنيمة ؟ قالت: وما ذلك ؟ قال: إن رسول الله يشتهي اللحم، فنذبح له عنزها هذا، قالت: خذها شأنك وإياها، ولم يملكا غيرها، وكان رسول الله يعرفهما (2) فذبحها وسمطها وشواها وحملها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فوضعها بين يديه، فجمع أهل بيته ومن أحب من أصحابه، فقال: كلوا ولا تكسروا لها عظما، وأكل معهم الانصاري، فلما شبعوا وتفرقوا رجع الانصاري وإذا العناق تلعب على بابه. وروي أنه (صلى الله عليه وآله) دعا غزالا فأتى، فأمر بذبحه ففعلوا وشووه وأكلوا لحمه ولم يكسروا له عظما، ثم أمر أن يوضع جلده ويطرح عظامه وسط الجلد، فقام الغزال حيا يرعى. بيان: قال الجوهري: سمطت الجدي أسمطه وأسمطه سمطا: إذا نظفته من الشعر بالماء الحار لتشويه.


(1) بصائر الدرجات: 82. (2) وتقدم في خبر البصائر: " وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعرفها " وعلى أي فالمعنى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يعرف أنهما لم يملكا غيرها.

[ 8 ]

عم، يج: من معجزات النبي (صلى الله عليه وآله) أن امرأة أتت (1) بصبي لها ترجو بركته بأن يمسه ويدعو له، وكان برأسه عاهة فرحمها والرحمة صفته، فمسح بيده على رأسه فاستوى شعره وبرئ داؤه، فبلغ ذلك أهل اليمامة فأتوا مسيلمة بصبي فسألوه، فمسح رأسه فصلع، وبقي نسله إلى يومنا هذا صلعا (2). 9 - عم، يج: روي أن رجلا من أصحابه (صلى الله عليه وآله) اصيب بإحدى عينيه في بعض مغازيه فسالت (3) حتى وقعت على خده، فأتاه مستغيثابه، فأخذها فردها مكانها، فكانت أحسن عينيه منظرا، وأحدهما بصرا (4). 10 - يج: روي أنه أتاه (صلى الله عليه وآله) رجل من جهينة يتقطع من الجذام، فشكى إليه، فأخذ قدحا من الماء فتفل فيه، ثم قال: امسح به جسدك ففعل فبرئ حتى لم يوجد منه شئ. 11 - يج: روي أن رجلا جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: إني قدمت من سفر لي فبينا بنية خماسية تدرج (5) حولي في صبغها (6) وحليها أخذت بيدها فانطلقت بها إلى وادي كذا فطرحتها فيه، فقال (صلى الله عليه وآله): انطلق معي وأرني الوادي، فانطلق مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الوادي فقال لابيها: ما اسمها ؟ قال: فلانة. فقال: يا فلانة (7) احيي بإذن الله، فخرجت الصبية تقول: لبيك يا رسول الله وسعديك، فقال: إن أبويك قد أسلما (8)، فإن أحببت أردك عليهما، قالت: لا حاجة لي فيهما، وجدت الله خيرا لي منهما. قب: عن الحسين (عليه السلام) مثله (9).


(1) في اعلام الورى: أتته. (2) إعلام الورى: 18 ط 1 و 37 ط 2. (3) في المصدر فسالت الدم. (4) إعلام الورى 19 ط 1 و 38 ط 2. (5) درج الصبى أو الشيخ: مشى. (6) في صنعها خ ل. وفى المناقب: تدرج حولي في حليها فاخذت. (7) أجيبيني خ ل، وهو الموجود في المناقب. (8) في المناقب: إن أبويك قد أساءا. (9) مناقب آل أبى طالب 1: 114 ط النجف.

[ 9 ]

12 - يج: روي أن سلمة بن الاكوع أصابه ضربة يوم خيبر، فأتى النبي (صلى الله عليه وآله) فنفث فيه ثلاث نفثات، فما اشتكاها حتى الممات، وأصاب عين قتادة بن النعمان ضربة أخرجتها فردها النبي (صلى الله عليه وآله) موضعها فكانت أحسن عينيه. 13 - يج: روي أن شابا من الانصار كان له ام عجوز عمياء وكان مريضا فعاده رسول الله (صلى الله عليه وآله) فمات، فقالت: اللهم إن كنت تعلم أني هاجرت إليك وإلى نبيك رجاء أن تعينني على كل شدة فلا تحملن علي هذه المصيبة قال أنس: فما برحنا إلى أن كشف الثوب عن وجه فطعم وطعمنا. 14 - يج: روي أن اسامة بن زيد قال: خرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حجته التي حجها حتى إذا كنا ببطن الروحاء نظر إلى امرأة تحمل صبيا، فقالت: يا رسول الله هذا ابني ما أفاق من خنق منذ ولدته إلى يومه هذا، فأخذه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتفل في فيه، فإذا الصبي قد برئ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1): انطلق انظر هل ترى من حش (2) ؟ قلت: إن الوادي ما فيه موضع يغطى عن الناس، قال لي: انطلق إلى النخلات، وقل: إن رسول الله يأمركن أن تدنين لمخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقل للحجارة مثل ذلك، فوالذي بعثه بالحق نبيا لقد قلت لهن ذلك وقد رأيت النخلات يتقاربن والحجارة يتفرقن (3)، فلما قضى حاجته رأيتهن يعدن إلى موضعهن. 15 - يج: روي أن النبي (صلى الله عليه وآله) لما قدم المدينة وهي أوبأ (4) أرض الله، فقال: اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة، وصححها لنا، وبارك لنا في صاعهاو مدها، وانقل حماها إلى الجحفة. 16 - يج: روي أن أبا طالب مرض فدخل عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا ابن أخي


(1) أي قال (صلى الله عليه وآله) لاسامة بن زيد. (2) الحش مثلثة النخل المجتمع. (3) يتقربن خ ل. (4) من وبأ المكان: كثر فيه الوباء.

[ 10 ]

ادع ربك (1) أن يعافيني، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) " اللهم اشف عمي " فقام كأنما انشط من عقال. قب: عن سلمان مثله (2). 17 - يج: روي أن عليا مرض وأخذ يقول: " اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحني وإن كان متأخرا فارفعني (2)، وإن كان للبلاء فصبرني " فقال النبي (صلى الله عليه وآله): " اللهم اشفه اللهم عافه " ثم قال: قم، قال علي (عليه السلام): فقمت فما عاد ذلك الوجع إلي بعد (4). 18 - يج: روي أن عبد الله بن بريدة قال: سمعت أبي يقول: إن النبي (صلى الله عليه وآله) تفل في رجل عمرو بن معاذ حين قطعت رجله فبرئ. 19 - يج: روى ابن عباس أن امرأة جاءت إلى النبي (صلى الله عليه وآله) بابن لها فقالت: ابني هذا به جنون يأخذه عند غدائنا وعشائنا فيحثوا علينا، فمسح (صلى الله عليه وآله) صدره ودعا، فتعثعث فخرج من جوفه مثل خرء الاسد فبرئ. بيان: قال الفيروز آبادي: عثعث: حرك وأقام وتمكن وركن. 20 - يج: روي أن معاذ بن عفراء جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحمل يده وكانت قد قطعها أبو جهل، فبصق (صلى الله عليه وآله) عليها وألصقها فلصقت. 21 - يج: روي أن نبي الله (صلى الله عليه وآله) رأى رجلا يكف (5) شعره إذا سجد فقال: " اللهم قبح (6) رأسه " فتساقط شعره حتى ما بقي في رأسه شئ. 22 - يج: روي أنه دعا لانس لما قالت امه ام سليم (7): ادع له فهو خادمك،


(1) ربك الذى تعبده خ ل. (2) مناقب آل ابى طالب 1: 74 وفيه: فعاده رسول الله (صلى الله عليه وآله). (3) فارفقني خ ل. (4) من بعد خ ل. (5) يلف خ ل أقول وهما وزنا ومعنى واحد يقال لف أو كف شعره إذا جمعه وضمه (6) اقبح خ ل. (7) هي أم سليم بنت ملحان بن خالد الانصارية، يقال: اسمها سهلة أو رميلة أو رميثة أو مليكة أو أنيثة.

[ 11 ]

قال: " اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته " قال أنس: أخبرني بعض ولدي أنه دفن من ولده أكثر من مأة. 23 - يج: روي أن النبي (صلى الله عليه وآله) أبصر رجلا يأكل بشماله، فقال: كل بيمينك فقال: لا أستطيع، فقال: لا استطعت، قال: فما وصلت إلى فيه من بعد (1)، كلما رفع اللقمة إلى فيه ذهبت في شق آخر. قب: سلمة ابن الاكوع، عن أبيه مثله (2). 24 - قب، يج: روى أبو نهيك الازدي، عن عمرو بن أخطب قال: استسقى النبي (صلى الله عليه وآله) فأتيته بإناء فيه ماء وفيه شعرة فرفعتها، فقال: " اللهم جمله جمله " قال: فرأيته بعد ثلاث وتسعين سنة ما في رأسه ولحيته شعرة بيضاء (3). 25 - يج: روي أن النابغة الجعدي أنشد رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوله: بلغنا السماء عزة وتكرما * وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا فقال: إلى أين يا ابن أبي ليلى ؟ قال: إلى الجنة يا رسول الله، قال: أحسنت لا يفضض الله فاك، قال الراوي: فرأيته شيخا له مأة وثلاثون سنة وأسنانه مثل ورق الاقحوان نقاء وبياضا، قد تهدم جسمه إلا فاه. بيان: الاقحوان بالضم: البابونج. 26 - يج: روي أن النبي (صلى الله عليه وآله) خرج فعرضت له امرأة فقالت: يا رسول الله إني امرأة مسلمة ومعي زوج في البيت مثل المرأة، قال: فادعي زوجك، فدعته، فقال لها: أتبغضينه ؟ قالت: نعم، فدعا النبي (صلى الله عليه وآله) لهما ووضع جبهتها على جبهته وقال: " اللهم ألف بينهما، وحبب أحدهما إلى صاحبه " ثم كانت المرأة تقول بعد ذلك: ما طارف ولا تالد ولا والد أحب إلى منه، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): اشهد (4) أني رسول الله.


(1) في المناقب، فما نالت يمينه فاه بعد. أقول: وهذا آخر الحديث في المناقب. (2) مناقب آل أبى طالب 1: 72. (3) مناقب آل أبى طالب 1: 74 وفيه: جملك الله، فرئى بعد ثلاث وتسعين سنة أسود الرأس والجسد. (4) اشهدي خ ل - أقول: الحديث في المناقب 1: 73 مع اختلاف في ألفاظه. وكذلك حديث النابغة وحديث عمرو بن الحمق.

[ 12 ]

بيان: الطارف من المال: المستحدث، وهو خلاف التالد. 27 - يج: روي أن عمرو بن الحمق الخزاعي سقى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: " اللهم أمتعه بشبابه، فمرت له ثمانون سنة لم يرله شعرة بيضاء. 28 - يج: وروي عن عطاء قال: كان في وسط رأس مولاي السائب بن يزيد شعر أسود، وبقية رأسه ولحيته بيضاء، فقلت: ما رأيت مثل ذلك، رأسك هذا أسود، وهذا أبيض، قال: أفلا أخبرك قلت: بلى، قال: إني كنت ألعب من الصبيان، فمربي نبي الله (صلى الله عليه وآله) فعرضت له وسلمت عليه، فقال: وعليك من أنت ؟ قال (1): أنا السائب أخو النمر ابن قاسط، فمسح رسول الله رأسي وقال: بارك الله فيك، فلا والله لا تبيض أبدا (2). 29 - قب، يج: روي أن عليا (عليه السلام) قال: بعثني رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى اليمن، فقلت: بعثتني يا رسول الله وأنا حدث السن لا أعلم (3) بالقضاء، قال: انطلق فإن الله سيهدي قلبك، ويثبت لسانك، قال علي (عليه السلام): فما شككت في قضاء، بين رجلين (4). 30 - قب، يج: روى مرة بن جعبل (5) الاشجعي قال: غزوت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بعض غزواته فقال: سريا صاحب الفرس، فقلت: يا رسول الله عجفاء ضعيفة، فرفع مخفقة عنده فضربها ضربا خفيفا، فقال: اللهم بارك له فيها، فقال: رأيتني ما أمسك رأسها أن تقدم الناس، ولقد بعت من بطنها باثنى عشر ألفا (6). بيان: في القاموس: المخفقة كمكنسة: الدرة أو سوط من خشب. 31 - قب، يج: روي أن جرهدا أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبين يديه طبق فأدلى (7)


(1) هكذا في النسخ، والصحيح: قلت. (2) ما ابيض خ ل. (3) لا علم لى خ ل. وفى المناقب: تبعثني وأنا حدث السن ولا علم لى بالقضاء. (4) مناقب آل أبى طالب 1: 74. (5) في المناقب: جعيل، أقول: ولم نجد ذكره في الصحابة. (6) مناقب آل أبى طالب 1: 73 (7) فأدنى خ ل.

[ 13 ]

جرهد بيده الشمال ليأكل، وكانت يده اليمنى مصابة، فقال: كل باليمين، فقال: إنها مصابة، فنفث رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليها فما اشتكاها بعد. 32 - يج: روى عن عثمان بن جنيد أنه قال: جاء رجل ضرير إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فشكى إليه ذهاب بصره، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين، ثم قل: اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بمحمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك ليجلو عن بصري، اللهم شفعه في وشفعني في نفسي " قال ابن جنيد: فلم يطل بنا الحديث حتى دخل الرجل كأن لم يكن به ضرر قط. 33 - يج: روي أن أبيض بن جمال (1) قال: كان بوجهي حزاز يعني القوبا (2) قد التمعت فدعا النبي (صلى الله عليه وآله) فمسح وجهه فذهب في الحال ولم يبق له أثر على وجهه. 34 - يج: روي أن الفضل بن العباس قال: إن رجلا قال: يا رسول الله إني بخيل جبان نؤوم فادع لي، فدعا الله أن يذهب جبنه، وأن يسخي نفسه، وأن يذهب كثرة نومه، فلم ير أسخى نفسا ولا أشد بأسا ولا أقل نوما منه. 35 - يج: عن ابن عباس قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) اللهم اذقت أول قريش نكالا فأذق آخرهم نوالا " فوجد كذلك. 36 - يج: روي أن عليا (عليه السلام) كان رمد العين يوم خيبر فتفل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في عينيه، ودعا له، وقال: " اللهم أذهب عنه الحر والبرد " فما وجد حرا ولا بردا، وكان يخرج في الشتاء في قميص واحد. 37 - يج: روي أن أبا هريرة قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله) إني أسمع منك الحديث الكثير أنساه، قال: أبسط رداك، قال: فبسطته فوضع يده فيه، ثم قال: ضمه فضممته، فما نسيت كثيرا (3) بعده:


(1) هكذا في النسخ، ولكن ابن حجر ضبطه بالحاء المهملة وتشديد الميم: حمال. (2) القوباء: خشونة تحدث في ظاهر الجلد مع حكة، ويكون لونها مرة مائلا إلى السواد، و مرة مائلا إلى الحمرة، ويطلق القوباء على البرص الاسود أيضا. (3) حديثا خ ل.

[ 14 ]

38 - يج: روي أن أعرابيا قال: يارسول الله هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يده وما وضعها حتى ثار (1) السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأينا المطر يتحادر (2) على لحيته، فمطرنا إلى الجمعة، ثم قام أعرابي فقال: تهدم البناء، فادع، فقال: " حوالينا ولا علينا " فما كان يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا تفرجت حتى صارت المدينة مثل الجوبة، وسال الوادي شهرا، فضحك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: لله در أبي طالب لو كان حيا قرت عيناه (3). بيان: قال الجزري: في حديث الاستسقاء حتى صارت المدينة مثل الجوبة، هي الحفرة المستديرة الواسعة، وكل منفتق بلا بناء جوبة، أي حتى صار الغيم والسحاب محيطا بآفاق المدينة. 39 - يج: روي أن النبي (صلى الله عليه وآله) لما نادى بالمشركين، واستعانوا عليه دعا الله أن يجدب بلادهم، فقال: " اللهم سنين كسني يوسف، اللهم اشدد وطأتك على مضر " فأمسك المطر عنهم حتى مات الشجر، وذهب الثمر، وفني المواشي، وعند ذلك وفد حاجب بن زرارة على كسرى فشكى إليه يستأذنه في رعي السواد، فأرهنه قوسه (4)، فلما أصاب مضر البأس الشديد عاد النبي (صلى الله عليه وآله) بفضله عليهم، فدعا الله بالمطر لهم. قب: ابن عباس ومجاهد مثله (5).


(1) أي ارتفع. (2) يتحادر أي ينزل. (3) حيث كان يقول: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للارامل (4) فارهنه فرسه خ ل. (5) مناقب آل أبى طالب 1: 72، ألفاظ الحديث فيه هكذا: ابن عباس ومجاهد في قوله تعالى: " ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة " جاء خباب بن الارت فقال: يا رسول الله ادع ربك ان يستنصر لنا على مضر، فقال: إنكم لتعجلون، ثم قال بعد كلام له: " اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعل عليها سنين كسنى يوسف (عليه السلام) " وفى خبر: اللهم سبعا كسنى يوسف " فقطع الله عنهم المطر حتى مات الشجر وذهب الثمر وأجدبت الارض وماتت المواشى واشتووا القد وأكلوا العلهز فعطفوه وعطف ورغب إلى الله فمطروا وامطر اهل المدينة مطرا خافوا الغرق و انهدام البنيان: فشكوا ذلك إليه فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فاطاف ؟ ؟ بها حولها مستديرا وهى في فجوته كالدارة.

[ 15 ]

40: يج: روي أنه كان جالسا إذ أطلق حبوته (1) فتنحى قليلا، ثم مد يده كأنه يصافح مسلما، ثم أتانا فقعد، فقلنا: كنا نسمع رجع الكلام، ولا نبصر أحدا، فقال: ذلك إسماعيل ملك المطر إستأذن ربه أن يلقاني فسلم علي (2)، فقلت له: أسقنا، قال: ميعادكم كذا في شهر كذا، فلما جاء ميعاده صلينا الصبح فقلنا (3) لا نرى شيئا، وصلينا الظهر فلم نرشيئا حتى إذا العصر، نشأت سحابة (4) فمطرنا فضحكنا، فقال (عليه السلام): مالكم ؟ قلنا: الذي قال الملك، قال: أجل مثل هذا فاحفظوا (5). 41 - يج: روي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعث إلى يهودي في قرض يسأله ففعل، ثم جاء اليهودي إليه فقال: جاءتك (6) حاجتك ؟ قال: نعم، قال: فابعث فيما أردت ولا تمتنع من شئ تريده، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): أدام الله جمالك، فعاش اليهودي ثمانين سنة ما رئي في رأسه شعرة بيضاء. 42 - يج: روي أنه في وقعة تبوك أصاب الناس عطش، فقالوا يا رسول الله لو دعوت الله لسقانا ؟ فقال (صلى الله عليه وآله): لو دعوت الله لسقيت، قالوا: يا رسول الله ادع لنا ليسقينا، فدعا فسالت الادوية: فإذا قوم على شفير الوادي يقولون: مطرنا بنوء (7) الذراع وبنوء كذا، فقال رسول الله: ألا ترون ؟ فقال خالد: ألا أضرب أعناقهم ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا، يقولون (8) هكذا، وهم يعلمون أن الله أنزله.


(1) الحبوة بالفتح والضم: ما يحتبى به أي يشتمل به من ثوب أو عمامة. (2) فيسلم على خ ل، (3) فكنا خ ل. (4) أي رفعت. (5) أي امثال هذه المعجزة فاحتفظوا بها واستظهروها وانقلوها إلى من لم يروها، أو احتفظوا بسائر ما ترونه وتسمعونه كما حفظتم هذه. (6) جاء بك خ ل. (7) النوء: النجم مال للغروب، وكانت العرب في الجاهلية إذا سقط منها نجم وطلع آخر قالوا: لابد من ان يكون عند ذلك مطر أو رياح، فينسبون كل غيث إلى ذلك النجم فيقولون: مطرنا بنوء الثريا أو بنوء الدبران. (8) هم يقولون خ ل.

[ 16 ]

43 - يج: عن أنس قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله) يدخل عليكم من هذا الباب خير الاوصياء وأدنى الناس منزلة من الانبياء، فدخل علي بن أبى طالب، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): " اللهم أذهب عنه الحر والبرد " فلم يجدهما حتى مات، فإنه كان يخرج في قميص في الشتوة. 44 - يج: روي أنه كان لبعض الانصار عناق فذبحها، وقال لاهله: اطبخوا بعضا، واشووا بعضا، فلعل رسولنا يشرفنا ويحضر بيتنا الليلة ويفطر عندنا، وخرج إلى المسجد، وكان له ابنان صغيران، وكانا يريان أباهما يذبح العناق، فقال أحدهما للآخر: تعالى حتى أذبحك، فأخذ السكين وذبحه، فلما رأتهما الوالدة صاحت، فعدى الذابح فهرب فوقع من الغرفة فمات، فسترتهما وطبخت وهيأت الطعام، فلما دخل النبي (صلى الله عليه وآله) دار الانصاري نزل جبرئيل (عليه السلام) وقال: يا رسول الله استحضر ولديه، فخرج أبوهما يطلبهما فقالت: والدتهما: ليسا حاضرين، فرجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وأخبره بغيبتهما، فقال: لابد من إحضارهما، فخرج إلى امهما فأطلعته على حالهما فأخذهما إلى مجلس النبي (صلى الله عليه وآله) فدعا الله فأحياهما وعاشا سنين. 45 - قب: الوافدي كتب النبي (صلى الله عليه وآله) إلى بني حارثة بن عمرو يدعوهم إلى الاسلام، فأخذوا كتاب النبي (صلى الله عليه وآله) فغسلوه ورقعوا به أسفل دلوهم، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): " ما لهم أذهب الله عقولهم " فقال: فهم أهل رعدة وعجلة وكلام مختبط وسفه. وخاف النبي (صلى الله عليه وآله) من قريش فدخل بين الاراك فنفرت (1) الابل، فجاء أبوثروان إليه وقال: من أنت ؟ قال: رجل استأنس إلى إبلك قال: أراك صاحب قريش ؟ قال: أنا محمد، قال: قم والله لا تصلح إبل أنت فيها، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): " اللهم أطل شقاه وبقاه " قال عبد الملك: إني رأيته شيخا كبيرا يتمنى الموت فلا يموت، فكان يقول له القوم: هذا بدعوة النبي (صلى الله عليه وآله). ولما كلم النبي (صلى الله عليه وآله) في سبي هوازن ردوا عليهم سبيهم إلا رجلين، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) خيروهما، أما أحدهما قال: إنى أتركه، وأما الآخر فقال: لا أتركه، فلما أدبر


(1) فتقرب خ ل. بحار الانوار - 1 -

[ 17 ]

الرجل قال النبي (صلى الله عليه وآله): " اللهم أخس سهمه " فكان يمر بالجارية البكر والغلام فيدعه حتى مر بعجوز، فقال: إني آخذ هذه فإنها أم حي فيفادونها مني بما قدروا عليه، فقال عطية السعدي: عجوز يا رسول الله سيبة (1) بتراء مالها أحد، فلما رأى أنه لا يعرضها أحد تركها. وفي حديث جابر: إن امرأة من المسلمين قالت: اريد (2) ما تريد المسلمة، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): علي بزوجها، فجئ به، فقال له في ذلك، ثم قال لها: أتبغضينه ؟ قالت: نعم والذي أكرمك بالحق، فقال: أدنيا رؤوسكما، فأدنيا فوضع جبهتها على وجهه، ثم قال: " اللهم ألف بينهما، وحبب أحدها إلى صاحبه " ثم رآها النبي (صلى الله عليه وآله) تحمل الادم على رقبتها، وعرفته فرمت الادم ثم قبلت رجليه، فقال (صلى الله عليه وآله): كيف أنت وزوجك ؟ فقالت: والذي أكرمك بالحق ما في الزمان أحد أحب إلي منه. وكان عند خديجة امرأة عمياء فقال (صلى الله عليه وآله): لتكونن عيناك صحيحتين، فصحتا، فقالت خديجة: هذا دعاء مبارك، فقال: " وما أرسلناك إلا رحمة ". ودعا (صلى الله عليه وآله) لقيصر فقال: ثبت الله ملكه كما كان. ودعا على كسرى: " مزق الله ملكه " فكان كما قال. جعفر بن نسطور الرومي كنت مع النبي (صلى الله عليه وآله) في غزوة تبوك فسقط من يده السوط فنزلت عن جوادي فرفعته ودفعته إليه، فنظر إلى وقال: يا جعفر مد الله في عمرك مدا، فعاش ثلاثمأة وعشرين سنة. وقوله للنابغة وقد مدحه: " لا يفضض الله فاك " فعاش مأة وثلاثين سنة، كلما سقطت له سن نبتت له اخرى أحسن منها، ذكره المرتضى في الغرر. وعن ميمونة أن عمرو بن الحمق سقى النبي (صلى الله عليه وآله) لبنا فقال: اللهم أمتعه بشبابه " فمرت عليه ثمانون سنة لم ير شعرة بيضاء. ومر النبي بعبد الله بن جعفر وهو يصنع شيئا من طين من لعب (3) الصبيان، فقال:


(1) في الصمدر: سبية. وفيه: لا يعرفها. وسيبة وزان ثيبة: المرأة التى لا ينظر إليها استعارة من سابت البعير إذا أهملت وتركت لا يركب عليها ولا تذبح ولا تباع اشفاقا عليها لما أدركت نتاج نتاجها (2) ما اريد خ ل. (3) اللعب: ما يلعب به.

[ 18 ]

ما تصنع بهذا ؟ قال: أبيعه، قال ما تصنع بثمنه ؟ قال: أشتري رطبا فآكله، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): " اللهم بارك له في صفقة (1) يمينه " فكان يقال: ما اشترى شيئا قط إلا ربح فيه فصار أمره إلى أن يمثل به، فقالوا: عبد الله بن جعفر الجواد، وكان أهل المدينة يتداينون (2) بعضهم من بعض إلى أن يأتي عطاء عبد الله بن جعفر. أبو هريرة أتيت النبي (صلى الله عليه وآله) بتميرات فقلت: ادع لي بالبركة فيهن، فدعا، ثم قال: اجعلهن في المزود، قال: فلقد حملت منها كذى وكذى وسقا (3). وقوله (صلى الله عليه وآله) في ابن عباس: " اللهم فقهه في الدين " الخبر، فخرج بحرا في العلم وحبرا للامة. في نزهة الابصار: أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لسعد: " اللهم سدد رميته، وأجب دعوته " وذلك أنه كان يرمي، فيقال: إنه تخلف يوم القادسية عن الوقعة لفترة عرضت له، فقال فيه شاعر: ألم تر أن الله أظهر دينه * وسعد بباب القادسية معصم رجعنا وقدآمت نساء كثيرة * ونسوة سعد ليس فيهن أيم فبلغ ذلك سعدا فقال، اللهم أخرس لسانه، فشهد حربا فأصابته رمية فخرس من ذلك لسانه. ورأى رجلا بالمدينة راكبا على بعير يشتم عليا (عليه السلام)، فقال: اللهم إن كان هذا الشيخ وليا من أوليائك فأرنا قدرتك فيه، فنفر به بعيره فألقاه فاندقت رقبته. وسمع النبي (صلى الله عليه وآله) في مسيره إلى خيبر سوق (4) عامر بن الاكوع بقوله:


(1) الصفقة: ضرب اليد على اليد في البيع وذلك علامة وجوب البيع. أو وضع أحد المتبايعين يده في يد الاخر عند البيع، وقد تطلق الصفقة على عقد البيع. (2) في المصدر: يقترض. (3) الوسق بالفتح: ستون صاعا وهو ثلاثمأة وعشرون رطلا عند أهل الحجاز، وأربعمأة و ثمانون رطلا عند أهل العراق. (4) السوق بالفتح: حث الماشية على السير والمراد ههنا: الحداء.

[ 19 ]

لا هم لولا أنت ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا فقال (صلى الله عليه وآله): برحمة الله (1)، قال رجل: وجبت يا رسول الله لولا أمتعتنا به، وذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله) ما استغفر قط لرجل يخصمه إلا استشهد. وكان الناس يحفرون الخندق وينشدون سوى سلمان رضي الله عنه، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): " اللهم أطلق لسان سلمان ولو على بيتين من الشعر " فأنشأ سلمان رضي الله عنه. مالي لسان فأقول شعرا * أسأل ربي قوة ونصرا على عدوي وعدو الطهرا * محمد المختار حاز الفخرا حتى أنال في الجنان قصرا * مع كل حوراء تحاكي البدرا فضج المسلمون، وجعل كل قبيلة يقول: سلمان منا، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) سلمان منا أهل البيت (2). بيان: قوله: سيبة، لعل المراد بها السائبة التي لا وارث لها، والبتراء: التي لا ولد لها، قولها: ما تريد المسلمة: أي الجماع. 46 - قب: عن الصادق (عليه السلام) في خبر إنه ذكر قوة (3) اللحم عند رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: ما ذقته منذ كذا، فتقرب إليه فقير بجدي كان له فشواه وأنفذه إليه فقال النبي (صلى الله عليه وآله): كلوه ولا تكسروا عظامه، فلما فرغوا أشار إليه وقال: انهض بإذن الله، فأحياه فكان يمر عند صاحبه كما يساق. وأتى أبو أيوب بشاة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في عرس فاطمة (عليها السلام)، فنهاه جبرئيل عن ذبحه (4)، فشق ذلك عليه فأمر (صلى الله عليه وآله): يزيد بن جبير (5) الانصاري فذبحه بعد


(1) يرحمه الله خ ل. (2) مناقب آل أبى طالب 1: 72 - 75. (3) قرم خ ل. (4) في المصدر: عن ذبحها، وكذا الضمائر الاتية الراجعة إلى الشاة كلها في المصدر مؤنثة. (5) في المصدر: لزيد بن جبير. أقول: يأتي في الشعر ما يؤيد المتن ولم نعرف ابن جبير هذا في الصحابة، ولعله مصحف يزيد بن جارية.

[ 20 ]

يومين، فلما طبخ أمر ألا يأكلوا إلا باسم الله، وأن لا يكسروا عظامه، ثم قال: " إن أبا أيوب رجل فقير، إلهي أنت خلقتها، وأنت أفنيتها، وإنك قادر على إعادتها، فاحيها يا حي لا إله إلا أنت فأحياه الله وجعل فيها بركة لابي أيوب، وشفاء المرضى في لبنها، فسماها أهل المدينة المبعوثة، وفيها قال عبد الرحمن بن عوف أبياتا منها: ألم يبصروا شاة ابن زيد (1) وحالها * وفي أمرها للطالبين مزيد وقد ذبحت ثم استجر (2) إهابها * وفصلها فيما هناك يزيد وأنضج منها اللحم والعظم والكلى * فهلهله بالنار وهو هريد فأحيا له ذو العرش والله قادر * فعادت بحال ما يشاء يعود وفي خبر عن سلمان: أنه لما نزل (صلى الله عليه وآله) دار أبي أيوب لم يكن له سوى جدي وصاع من شعير، فذبح له الجدي وشواه، وطحن الشعير وعجنه وخبزه، وقدم بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله) فأمر بأن ينادي: ألا من أراد الزاد فليأت إلى دار أبي أيوب، فجعل أبو أيوب ينادي، والناس يهرعون كالسيل حتى امتلات الدار، فأكل الناس بأجمعهم والطعام لم يتغير، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): أجمعوا العظام فجمعوها فوضعها في إهابها، ثم قال: قومي بإذن الله تعالى، فقام الجدي فضج الناس بالشهادتين (2). بيان: قوله: فهلهله، أي طبخه رق، من قولهم: هلهل النساج الثوب: إذا أرق نسجه وخففه، وفي بعض النسخ فخلخله، يقال: خلخل العظم: إذا أخذ ما عليه من اللحم، ويقال: هرد اللحم، أي أنعم إنضاجه أو طبخه حتى تهرأ. 47 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: لما استسقى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسقي الناس حتى قالوا: إنه الغرق، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيده وردها: " اللهم حوالينا ولا علينا " قال: فتفرق السحاب، فقالوا


(1) أراد أبا أيوب لانه خالد بن زيد بن كليب الانصاري الخزرجي. (2) في المصدر: استجز والاهاب بالكسر: الجلد. (3) مناقب آل أبى طالب 1: 114 وفى النسختين المطبوعتين اثبات حديث آخر ذيل الحديث من المناقب أوله: أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: لما غزونا خيبر، الحديث وقد مر نقلة من المناقب ص 365 ج 17 واما في نسخة المصنف (قده) فقد خط عليه لعدم مناسبته الباب.

[ 21 ]

يا رسول الله استسقيت لنا فلم نسق ثم استسقيت لنا فسقينا، قال: إني دعوت وليس لي في ذلك نية، ثم دعوت ولي في ذلك نية (1). 48 - كا: علي بن إبراهيم، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن علي، عن عبد الرحمن بن محمد الاسدي، عن سالم بن مكرم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: مر يهودي بالنبي (صلى الله عليه وآله) فقال: السام عليك فقال النبي (صلى الله عليه وآله) (2): عليك، فقال أصحابه: إنما سلم عليك بالموت: قال الموت عليك ؟ ! قال النبي (صلى الله عليه وآله): وكذلك رددت، ثم قال النبي (صلى الله عليه وآله): إن هذا اليهودي يعضه أسود في قفاه فيقتله، قال: فذهب اليهودي فاحتطب حطبا كثيرا فاحتمله ثم لم يلبث أن انصرف، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ضعه، فوضع الحطب، فإذا أسود في جوف الحطب عاض على عود، فقال: يا يهودي ما عملت (3) اليوم ؟ قال: ما عملت عملا إلا حطبي هذا احتملته (4) فجئت به، وكان معي كعكتان (5) فأكلت واحدة، وتصدقت بواحدة على مسكين، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) بها دفع الله عنه، وقال: إن الصدقة تدفع ميتة السوء عن الانسان (6). 49 - كا: علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن رزيق أبي العباس، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أتى قوم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا: يا رسول الله إن بلادنا قد قطحت وتوالت السنون علينا، فادع الله تبارك وتعالى يرسل السماء علينا، فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالمنبر فاخرج واجتمع الناس فصعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودعا، وأمر الناس أن يؤمنوا، فلم يلبث أن هبط جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمد أخبر الناس أن ربك قد وعدهم أن يمطروا يوم كذا وكذا، وساعة كذا وكذا، فلم يزل الناس ينتظرون (7) ذلك اليوم


(1) اصول الكافي 2: 474. (2) رسول الله (صلى الله عليه وآله) خ ل. (3) أي شئ عملت اليوم خ ل. (4) حملته خ ل. (5) الكعك، خبز يعمل مستديرا من الدقيق والحليب والسكر أو غير ذلك، الواحدة كعكة. (6) فروع الكافي 1: 162 و 163. (7) في هامش نسخة المصنف: يتلومون. ما. أقول: الموجود في المجالس: يتتبعون وهو الصحيح.

[ 22 ]

وتلك الساعة حتى إذا كانت تلك الساعة أهاج الله عزوجل ريحا فأثارت سحابا، وجللت السماء وأرخت عزاليها، فجاء اولئك النفر بأعيانهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقالوا: يا رسول الله ادع الله لنا أن يكف السماء عنا، فإنا قد كدنا أن نغرق، فاجتمع الناس ودعا النبي (صلى الله عليه وآله) وأمر الناس أن يؤمنوا على دعائه، فقال له رجل من الناس: يا رسول الله أسمعنا فإن كل ما تقول ليس نسمع، فقال: قولوا: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم صبها في بطون الاودية وفي نبات الشجر (1)، وحيث يرعى أهل الوبر، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا (2). ما: الحسين بن عبد الله (3) بن إبراهيم، عن التلعكبري، عن محمد بن همام بن سهل (4)، عن الحميري، عن الطيالسي، عن رزيق (5) بن الزبير الخلقاني عنه (عليه السلام) مثله (6). 50 - قب، يج، عم: من معجزاته (صلى الله عليه وآله) أن أبا براء ملاعب الاسنة كان به استسقاء (7) فبعث إليه لبيد بن ربيعة، وأهدى له فرسين ونجائب، فقال (صلى الله عليه وآله): لا أقبل هدية مشرك، قال لبيد: ما كنت أرى أن رجلا من مضر يرد هدية أبي براء، فقال (صلى الله عليه وآله): لو كنت


(1) في المجالس: منابت الشيخ، أقول: الصحيح بنات الشجر: وهى الاشجار الناعمة الصغيرة أو هي العشب والنبات وقد تقدم قبلا شرح بعض ألفاظ الحديث. (2) روضة الكافي: 217 و 218. (3) هكذا في نسخة المصنف، وفيه وهم، والصحيح: الحسين بن عبيد الله، وهو ابن الغضائري المعروف (4) فيه وهم، والصحيح كما في المصدر: سهيل مصغرا، والرجل هو أبو على محمد بن أبى بكر همام بن سهيل الكاتب الاسكافي شيخ أصحابنا ومتقدمهم الثقة. (5) ذكره الشيخ في الفهرست في باب الزاى خلافا لرجاله ولفهرست النجاشي حيث فيهما رزيق بالراء وهو الظاهر من غيرهما أيضا: والحديث يدل على اتحاد أبى العباس، رزيق وابن الزبير الخلقانى، ويؤيد ما احتمل في التعليقة من اتحادهما. والخلقانى بضم الخاء وسكون اللام: نسبة إلى بيع الخلق من الثياب وغيرها. (6) مجالس الشيخ: 76. (7) في امتاع الاسماع: كانت به الدبيلة، والدبيلة: خراج ودمل كبير تظهر في الجوف فتقتل صاحبها.

[ 23 ]

قابلا هدية من مشرك لقبلتها (1) قال: فإنه يستشفيك من علة أصابته في بطنه (2)، فأخذ حثوة من الارض فتفل عليها ثم أعطاه، وقال: دفها بماء ثم أسقه إياه، فأخذها متعجبا يرى أنه قد استهزئ به، فأتاه فشربها واطلق من مرضه كأنما انشط من عقال (2). بيان: دفت الدواء وغيره بللته بماء أو بغيره، وقال: نشطت الحبل: عقدته، و أنشطته: حللته. * (باب 7) * آخر وهو من الباب الاول، وفيه ما ظهر من اعجازه (صلى الله عليه وآله) * (في بركة أعضائه الشريفة، وتكثير الطعام والشراب) * 1 - ما: أبو عمرو، عن ابن عقدة، عن أحمد بن يحيى الصوفي، عن عبد الرحمن بن شريك، عن أبيه، عن عبد الله بن عاصم بن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبيه (4) قال: كنا بازاء الروم إذ أصاب الناس جوع فجاءت الانصار إلى رسول الله فاستأذنوه في نحر الابل، فأرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى عمربن الخطاب فقال: ما ترى ؟ فإن الانصار جاؤوني يستأذنوني في نحر الابل ؟ فقال: يا نبي الله فكيف لنا إذا القينا العدو غدا رجالا جياعا ؟ فقال: ما ترى ؟ قال: مر أبا طلحة فليناد في الناس بعزمة منك: لا يبقى أحد عنده طعام إلا جاء به، وبسط الانطاع، فجعل الرجل يجئ بالمد ونصف المد (5)، فنظرت إلى جميع ما جاؤوا به، فقلت: سبعة و عشرون صاعا ؟ ! ثمانية (6) وعشرون صاعا ؟ ! لا يجاوز الثلاثين واجتمع الناس يومئذ إلى


(1) ألفاظ الحديث من اعلام الورى، والمناقب خال عن قوله: قال لبيد إلى هنا. (2) في المناقب: يستشفيك من الاستسقاء. (3) مناقب آل أبى طالب 1: 101. إعلام الورى: 19 ط 1 و 38 ط 2. (4) في المصدر: عاصم بن عبد الرحمن بن أبى عمرة عن أبيه، ولعله الصحيح، لان عاصم لم يدرك النبي (صلى الله عليه وآله). (5) زاد في المصدر: وثلث المد. (6) في المصدر: أو ثمانية.

[ 24 ]

رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهم يومئذ أربعة آلاف رجل، فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأكثر (1) دعاء ما سمعته قط، ثم أدخل يده في الطعام، ثم قال للقوم: لا يبادرن أحدكم صاحبه، ولا يأخذن أحدكم حتى يذكر اسم الله، فقامت أول رفقة، فقال: اذكروا اسم الله، ثم خذوا، فأخذوا فملا واكل وعاء وكل شئ، ثم قام الناس فأخذوا (2) كل وعاء وكل شئ، ثم بقي طعام كثير، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، والذي نفسي بيده لا يقولها (3) أحد إلا حرمه الله على النار (4). قب: أبو هريرة وأبو سعيد وواثلة بن الاسقع وعبد الله بن عاصم وبلال وعمر بن الخطاب مثله (5). 2 - فس: عن جابر قال: علمت في غزوة الخندق أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مقوى، أي جائع، لما رأيت على بطنه الحجر، فقلت: يا رسول الله هل لك في الغداء ؟ قال: ما عندك يا جابر ؟ فقلت: عناق وصاع من شعير، فقال: تقدم وأصلح ما عندك، قال جابر: فجئت إلى أهلي فأمرتها فطحنت الشعير، وذبحت العنز وسلختها، وأمرتها أن تخبز وتطبخ و تشوي، فلما فرغت من ذلك جئت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت: بأبي (6) وأمي أنت يا رسول الله قد فرغنا، فاحضر مع من أحببت، فقام (صلى الله عليه وآله) إلى شفير الخندق ثم قال: يا معشر (7) المهاجرين والانصار أجيبوا جابرا، وكان في الخندق سبع مأة رجل، فخرجوا كلهم، ثم لم يمر بأحد من المهاجرين والانصار إلا قال: أجيبوا جابرا، قال جابر: فتقدمت وقلت لاهلي: قد والله أتاك رسول الله (صلى الله عليه وآله) بما لا قبل لك به، فقالت: أعلمته


(1) بأكبر خ ل. (2) في المصدر: فأخذوا وملاء واكل وعاء. (3) لا يقولهما خ ل. (4) امالي ابن الشيخ: 163. (5) مناقب آل أبى طالب 1: 89، وألفاظه يغاير ألفاظ الامالى كثيرا وذكر أنه كان في غزوة تبوك راجعه (6) في المصدر: بأبى أنت وامى. (7) في المصدر: يا معاشر المهاجرين.

[ 25 ]

أنت ما عندنا (1) ؟ قال: نعم، قالت: فهو أعلم بما أتى، قال جابر: فدخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فنظر في القدر ثم قال: اغرفي وأبقي، ثم نظر في التنور ثم قال: أخرجي وأبقي، ثم دعا بصحفة فثرد فيها وغرف، فقال: يا جابر أدخل علي عشرة عشرة، فأدخلت عشرة فأكلوا حتى نهلوا، وما يرى في القصعة إلا آثار أصابعهم، ثم قال: يا جابر علي بالذراع، فأتيته بالذراع فأكلوه، ثم قال: أدخل عشرة فأدخلتهم (2) حتى أكلوا ونهلوا، وما يرى في القصعة إلا آثار أصابعهم ثم قال: علي بالذراع، فأكلوا وخرجوا، ثم قال: أدخل علي عشرة فأدخلتهم فأكلوا حتى نهلوا، وما يرى في القصعة إلا آثار أصابعهم، ثم قال: يا جابر علي بالذراع، فأتيته فقلت: يا رسول الله كم للشاة من الذراع ؟ قال: ذراعان، فقلت: و الذي بعثك بالحق لقد آتيتك بثلاثة، فقال: أما لو سكت يا جابر لاكل الناس كلهم من الذراع، قال جابر: فأقبلت ادخل عشرة عشرة فيأكلون حتى أكلوا كلهم، وبقي والله لنا من ذلك الطعام ما عشنا به أياما (3). بيان: قال الجوهري: مالي به قبل، أي طاقة، والصحفة كالقصعة. وثردت الخبز: كسرته 3 - ص: الصدوق، عن أبيه، عن حبيب بن الحسن، عن محمد بن عبد الحميد العطار عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن الصادق، عن آبائه، عن علي صلوات الله عليهم قال: خرجنا مع النبي (صلى الله عليه وآله) في غزاة وعطش الناس، ولم يكن في المنزل ماء، وكان في إناء قليل ماء، فوضع أصابعه فيه فتحلب منها الماء حتى روي الناس والابل والخيل، فتزود الناس، وكان في العسكر اثنا عشر ألف بعير، ومن الخيل اثنا عشر ألف فرس، و من الناس ثلاثون ألفا (4). يج: مرسلا مثله، وذكر أنه كان في غزوة تبوك.


(1) بما عندنا خ ل. (2) فدخلوا خ ل. وفى المصدر: فادخلتهم فاكلوا حتى تهلوا ولم ير. (3) تفسير القمى: 518 و 519. (4) قصص الانبياء: مخطوط.

[ 26 ]

4 - ص: الصدوق، عن محمد بن هارون، عن موسى بن هارون، عن حماد بن زيد، عن هشام (1) عن محمد عن أنس قال: أرسلتني ام سليم - يعني امه - على شئ صنعته و هو مد من شعير طحنته وعصرت عليه من عكة (2) كان فيها سمن، فقام النبي (صلى الله عليه وآله) ومن معه فدخل عليها، فقال (صلى الله عليه وآله): أدخل (3) علي عشرة عشرة، فدخلوا فأكلوا وشبعوا حتى أتى عليهم، قال: فقلت لانس: كم كانوا ؟ قال: أربعين (4). 5 - يج: روي أن النبي (صلى الله عليه وآله) مر بامرأة يقال لها ام معبد لها شرف في قومها نزل بها فاعتذرت بأنه ما عندها إلا عنز لم تر لها قطرة لبن منذ سنة للجدب، فمسح ضرعها (5) ورواهم من لبنها، وأبقى لهم لبنها (6) وخيرا كثيرا، ثم أسلم أهلها لذلك. 6 - يج: روي أنه أتى امرأة من العرب يقال لها: ام شريك فاجتهدت في قراه وإكرامه، فأخرجت عكة لها فيها بقايا سمن فالتمست فيها فلم تجد شيئا، فأخذها فحركها بيده فامتلات سمنا عذبا، وهي تعالجها قبل ذلك لا يخرج منها شئ، فأروت القوم منها و أبقت فضلا عندها كافيا، وبقى لها النبي (صلى الله عليه وآله) شرفا تتوارثه الاعقاب، وأمر أن لا يشدوا رأس العكة. 7 - عم، يج: روي أن أصحابه (صلى الله عليه وآله) يوم الاحزاب صاروا بعرض العطب لفناء الازواد، فهيأ رجل قوت رجل أو رجلين لا أكثر من ذلك، فدعا النبي (صلى الله عليه وآله) فانقلبت القوم وهم الوف معه، فدخل، فقال: غطوا إناءكم فغطوه، ثم دعا وبرك عليه فأكلوا جميعا وشبعوا، والطعام بهيئته (7).


(1) هشام بن محمد خ ل. (2) العكة بالضم: زقيق للسمن اصغر من القربة. (3) الخطاب لانس، أو هو مصحف ادخلي. (4) قصص الانبياء: مخطوط. (5) فمسح بيده على ضرعها خ ل. (6) من لبنها خ ل. اعلام الورى: 17 ط 36 1 ط 2، والظاهر أن ألفاظ الحديث من الخرائج، واما اعلام =

[ 27 ]

8 - عم، يج: روي أن أصحابه شكوا إليه في غزوة تبوك نفاد أزوادهم، فدعا بفضلة زاد لهم فلم يوجد إلا بضع عشرة تمرة، فطرحت بين يديه فمسها بيده ودعا ربه، ثم صاح في الناس فانحفلوا، وقال: كلوا بسم الله، فأكل القوم وهم الوف، فصاروا كأشبع ما كانوا، وملاوا مزاودهم وأوعيتهم، والتمرات بحالها كهيئتها يرونها عيانا لا شبهة فيه (1). 9 - يج: روي أنه (صلى الله عليه وآله) ورد في غزاته هذه على ماء قليل لا يبل حلق واحد من القوم وهم عطاش، فشكوا ذلك إليه، فأخذ من كنانته سهما فأمر بغرزه (2) في أسفل الركي ففار الماء إلى أعلى الركي فارتووا للمقام واستقوا للظعن، وهم ثلاثون ألفا، ورجال من المنافقين حضور متحيرين (3) 10 - يج: روي أن أصحابه (صلى الله عليه وآله) كانوا معه في سفر فشكوا إليه أن لا ماء معهم، وأنهم بسبيل هلاك، فقال: كلا إن معي ربي (4)، عليه توكلي، وإليه مفزعي، فدعا بركوة فطلب ماء فلم يوجد إلا فضلة في الركوة، وما كانت تروي رجلا، فوضع كفه فيه فنبع الماء من بين أصابعه يجري، فصيح في الناس فسقوا واستسقوا (5)، وشربوا حتى نهلوا (6) وعلوا وهم الوف، وهو يقول: أشهد (7) أني رسول الله حقا.


= الورى فالفاظه فيه هكذا: ان اصحابه أرملوا وضاق بهم الحال، وصاروا بمعرض الهلاك، لفناء الازواد يوم الاحزاب، فدعاه رجل من أصحابه إلى طعامه، فاحتفل القوم معه فدخل وليس عند القوم الاقوت رجل أو رجلين، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): غطوا اناءكم، ثم برك عليه و قدمه والقوم الوف، فأكلوا وصدروا كأن لم يسغبوا قط شباعا ورواء، والطعام بحاله لم يفقدوا منه شيئا. (1) اعلام الورى: 17 ط 1 و 36 ط 2، والظاهر أن الحديث مخرج من الخرائج وألفاظه في اعلام الورى يخالفه راجعه، ويوجد في الخرائج حديث فيه تفصيل ذلك راجع ص 189. (2) أي باثباته وادخاله في أسفل الركى. (3) اعلام الورى: 17 و 18 ط 1 و 36 ط 2. (4) سيهدين خ. (5) واستقوا خ ل. (6) انهلوا خ ل. (7) اشهدوا خ ل.

[ 28 ]

بيان: قال الجوهري: النهل: الشرب الاول، وقد نهل بالكسر وأنهلته أنا، لان الابل تسقى في أول الورد فترد إلى العطن (1)، ثم تسقى الثانية وهي العلل فترد إلى المرعى، يقال: عله يعله ويعله، وعل بنفسه يتعدي ولا يتعدي، وأعل القوم: شربت إبلهم العلل. 11 - عم، يج: روي أن قوما شكوا إليه ملوحة مائهم (2)، فأشرف على بئرهم وتفل فيها، وكانت مع ملوحتها غائرة فانفجرت بالماء العذب (3)، فهاهي يتوارثها أهلها يعدونها أعظم مكارمهم (4)، وهذه البئر بظاهر مكة بموضع يسمى الزاهر، واسمها العسيلة، وكان مما أكد الله صدقه فيه أن قوم مسيلمة لما بلغهم ذلك سألوه مثلها، فأتى بئرا فتفل فيها فغار ماؤها ملحا اجاجا كبول الحمير، فهي بحالها إلى اليوم معروفة الاهل و المكان (5). قب: من لطائف القصص مثله (6). بيان: قال الفيروز آبادي: الزاهر: موضع بين مكة والتنعيم، وقال: العسيلة كجهينة: ماء شرقي سميراء. 12 - يج: روي أن سلمان الفارسي أتاه فأخبر أنه قد كاتب مواليه على كذا و كذا ودية وهي صغار النخل كلها تعلق، وكان العلوق أمرا غير مضمون عند العاملين على ما جرت به عادتهم، لولا ما علم من تأييد الله لنبيه، فأمر سلمان بضمان ذلك لهم، فجمعها لهم، ثم قام (عليه السلام) وغرسها بيده، فما سقطت واحدة منها، وبقيت علما معجزا يستشفى


(1) العطن: مبرك الابل ومربض الغنم حول الماء. (2) زاد في اعلام الورى: وانهم في جهد من الظماء وبعد المياه وأن لا قوة لهم على شربه فجاء معهم في جماعة أصحابه حتى أشرف. (3) في اعلام الورى: العذب الفرات. (4) في اعلام الورى: يعدونها أسنى مفاخرهم وأجل مكارمهم وانهم لصادقون، وكان مما أكد الله به صدقه اه‍. (5) إعلام الورى: 18 ط 1 و 36 ط 2. (6) مناقب آل أبى طالب 1: 102 و 103 ط النجف. وألفاظه تغاير المذكور راجعه.

[ 29 ]

بتمرها (1)، وترجى بركاتها، وأعطاه تبرة من ذهب كبيضة الديك، فقال: اذهب بها وأوف (2) منها أصحاب الديون، فقال متعجبا (3) مستقلا لها: وأين تقع هذه مما علي ؟ فأدارها على لسانه ثم أعطاها إياه وقد كانت في هيئتها الاولى ووزنها لا يفي بربع حقهم، فذهب بها فأوفى القوم منها حقوقهم (4). توضيح: قوله: تعلق أي تحبل وتثمر، والتبر بالكسر: ما كان من الذهب غير مضروب. 13 - يج: روى أنس قال: خرجت مع النبي (صلى الله عليه وآله) إلى السوق ومعي عشرة دراهم، وأراد (صلى الله عليه وآله) أن يشتري عباءة، ورأى جارية تبكي وتقول: سقط مني درهمان في زحام السوق، ولا أجسر أن أرجع إلى مولاي، فقال لي (صلى الله عليه وآله): أعطها درهمين، فأعطيتها، فلما اشترى (صلى الله عليه وآله) عباءة، بعشرة دراهم وزنت ما بقي معي فإذا هي عشرة كاملة. 14 - قب، يج: روي أن أبا هريرة قال: أتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوما بتمرات فقلت: ادع الله لي بالبركة فيهن، فدعا ثم قال: خذهن فاجعلهن في المزود، إذا أردت شيئا فأدخل يدك فيه ولا تنثره، قال: فلقد حملت من ذلك التمر أوسقا (5) وكنا نأكل ونطعم، وكان لا يفارق حقوي، فارتكبت مأثما فانقطع وذهب، وهو (6) أنه كتم الشهادة لعلي (عليه السلام) ثم تاب فدعا له علي (عليه السلام) فصار كما كان، فلما خرج إلى معاوية ذهب وانقطع (7) 15 - يج: روي عن أياس بن سلمة، عن أبيه قال: خرجت إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وأنا غلام حدث، وتركت أهلي ومالي إلى الله (8) ورسوله، فقدمنا الحديبية مع النبي (صلى الله عليه وآله)


(1) بثمرتها خ ل. (2) وأوف بها خ ل. (3) متعجبا به خ ل. في المصدر: متعجبا بها، أقول: استقله: عده ورآه قليلا. (4) الخرائج: 183، أقول: والخرائج المطبوع سقط عنه كثير من الاحاديث المتقدمة والاتية. (5) أوسقا منه خ ل وفى المناقب: كذا وكذا وسقا. (6) وقيل: إنه. (7) مناقب آل أبى طالب 1: 74. (8) على الله خ ل.

[ 30 ]

حتى قعد على مياهها وهي قليلة، قال: فإما بصق فيها وإما دعا فما نزفت بعد (1). 16 - يج: روي أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يخرج في الليلة ثلاث مرات إلى المسجد، فخرج في آخر ليلة وكان يبيت عند المنبر مساكين، فدعا بجارية تقوم على نسائه فقال: ائتيني بما عندكم، فأتته ببرمة (2) ليس فيها إلا شئ يسير، فوضعها، ثم أيقظ عشرة و قال كلوا بسم الله، فأكلوا حتى شبعوا، ثم أيقظ عشرة فقال: كلوا بسم الله، فأكلوا حتى شبعوا، ثم هكذا، وبقي في القدر بقية، فقال: اذهبي بهذا إليهم. 17 - يج: روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يأتي مراضع فاطمة فيتفل في أفواههم ويقول لفاطمة: لا ترضعيهم. 18 - يج: روي عن سلمان قال: كنت صائما فلم أقدر إلا على الماء ثلاثا، فأخبرت رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذلك، فقال: اذهب بنا، قال: فمررنا فلم نصب شيئا إ ؟ ؟ عنزه، فقال رسول الله لصاحبها: قربها، قال: حائل (3)، قال: قربها، فقربها فمسح موضع ضرعها فانسدلت، قال: قرب قعبك، فجاء به فملاه لبنا، فأعطاه صاحب العنز فقال: اشرب، ثم ملا القدح فناولني إياه فشربته، ثم أخذ القدح فملاه فشرب. 19 - يج: روي أنه (صلى الله عليه وآله) كان في سفر فمر على بعير قد أعيا وأقام على أصحابه، فدعا بماء فتمضمض منه في إناء وتوضأ وقال: افتح فاه، وصبه في فيه (4) وعلى رأسه، ثم قال: " اللهم احمل جلاد وعامرا ورفيقهما " وهما صاحبا الجمل، فركبوه وإنه ليهتز بهم أمام الخيل (5). 20 - يج: روي أن عليا (عليه السلام) قال: دخلت السوق فابتعت لحما بدرهم وذرة بدرهم فأتيت بهما فاطمة عليها السلام حتى إذا فرغت من الخبز والطبخ قالت: لو أتيت أبي


(1) أي فما نفدت بعده. (2) البرمة: القدر من الحجر. (3) الحائل. كل انثى لا تحمل. والقعب: القدح. (4) صب في فيه من ذلك الماء خ ل. (5) يمشى أمام الخيل خ ل.

[ 31 ]

فدعوته، فخرجت وهو مضطجع (1) يقول: أعوذ بالله من الجوع ضجيعا، فقلت: يا رسول الله عندنا طعام فاتكأ علي ومضينا نحو فاطمة (عليها السلام) فلما دخلنا قال: هلمي طعامك يا فاطمة فقدمت إليه البرمة والقرص، فغطى القرص وقال: " اللهم بارك لنا في طعامنا " ثم قال: اغرفي لعائشة فغرفت، ثم قال: اغرفي لام سلمة، فما زالت تغرف حتى وجهت إلى النساء التسع بقرصة قرصة ومرق، ثم قال: اغرفي لابيك وبعلك، ثم قال اغرفي وأهدي لجيرانك ففعلت، وبقي عندهم ما يأكلون أياما. 21 - يج روي أنه أقبل إلى الحديبية وفي الطريق وشل (2) بقدر ما يروي الراكب والراكبين، وقال: من سبقنا إلى الماء فلا يسقين، فلما انتهى إلى الماء دعا بقدح فتمضمض فيه ثم صبه في الماء فشربوا وملاوا أداواهم ومياضيهم (3) وتوضأوا، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): لئن بقيتم أو من بقي منكم ليسمعن يسقي (4) ما بين يديه من كثرة مائه، فوجدوا من ذلك ما قال. 22 - يج: روي أن بنت عبد الله بن رواحة الانصاري مرت به أيام حفرهم الخندق فقال لها من تريدين ؟ فقالت: أتي عبد الله بهذه التمرات، فقال: هاتيهن، فنثرت في كفه ثم دعا بالانطاع، ثم نادى: هلموا فكلوا، فأكلوا فشبعوا وحملوا ما أرادوا معهم ودفع ما بقي إليها. 23 - يج: روي أنه كان في سفر فأجهد الناس جوعا، فقال: من كان معه زاد فليأتنا فأتاه نفر بمقدار صاع، بالازر والانطاع، ثم صفف (5) التمر عليها ودعا ربه، فأكثر الله ذلك التمر حتى كان أزوادهم إلى المدينة. 24 - يج: روي عن جابر قال: استشهد والدي بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم أحد وهو ابن مأتي سنة. وكان عليه دين، فلقيني رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوما فقال: ما فعل دين أبيك ؟


(1) وهو يقول خ ل وقد مر الحديث ص 232 ج 17. (2) الوشل: الماء القليل يتحلب من صخر أو جبل. (3) الاداوى جمع الاداوة: اناء صغير من جلد. والمياضى جمع المضياة: المطهرة. (4) سقى خ ل. (5) صب خ ل.

[ 32 ]

فقلت: على حاله، فقال: لمن هذا (1) ؟ قلت: لفلان اليهودي، قال: متى حينه ؟ قلت: وقت جفاف التمر قال: إذا جف التمر فلا تحدث فيه حتى تعلمني، واجعل كل صنف من التمر على حدة (2)، ففعلت ذلك وأخبرته (صلى الله عليه وآله)، فصار معي إلى التمر وأخذ من كل صنف قبضة بيده وردها فيه، ثم قال: هات اليهودي فدعوته فقال له رسول الله: اختر من هذا التمر أي صنف شئت، فخذ دينك منه، فقال اليهودي: وأي مقدار لهذا التمر كله حتى آخذ صنفا بينه (3) ؟ ولعل كله لا يفي بديني، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): اختر أي صنف شئت فابتدئ به، فأومأ إلى صنف الصيحاني فقال: أبتدئ به فقال (4): بسم الله، فلم يزل يكيل منه حتى استوفى منه دينه كله، والصنف على حاله ما نقص منه شئ، ثم قال (صلى الله عليه وآله): يا جابر هل بقي لاحد عليك شئ من دينه قلت: لا، قال: فاحمل تمرك بارك الله لك فيه، فحملته إلى منزلي وكفانا السنة كلها، فكنا نبيع منه لنفقتنا ومؤونتنا ونأكل منه ونهب منه ونهدي إلى وقت التمر الجديد (5)، والتمر على حاله إلى أن جاءنا الجديد (6). 25 - يج: روي عن جابر قال: لما اجتمعت الاحزاب من العرب لحرب الخندق واستشار النبي (صلى الله عليه وآله) المهاجرين والانصار في ذلك فقال سلمان: أن العجم إذا حزبها (7) أمر مثل هذا اتخذوا الخنادق حول بلدانهم، وجعلوا القتال من وجه واحد، فأوحى الله إليه أن يفعل مثل ما قال سلمان، فخط رسول الله (صلى الله عليه وآله) الخندق حول المدينة، وقسمه بين المهاجرين والانصار بالذراع، فجعل لكل عشرة منهم عشرة أذرع، قال جابر: فظهرت يوما من الخط لناصخره عظيمة لم يمكن كسرها، ولا كانت المعاول تعمل فيها، فأرسلني أصحابي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) لاخبره بخبرها، فصرت إليه فوجدته مستلقيا وقد شد على بطنه الحجر، فأخبرته بخبر الحجر، فقام مسرعا فأخذ الماء في فمه فرشه على الصخرة،


(1) ممن هو ؟ (2) على حاله خ ل. (3) حتى أختار صنفا منه خ ل. (4) افعل خ. (5 و 6) الحديث خ ل. (7) حزبه أمر: أصابه واشتد عليه. بحار الانوار - 2 -

[ 33 ]

ثم ضرب المعول بيده وسط الصخرة برقت منها برقة، فنظر المسلمون فيها إلى قصور اليمن وبلدانها، ثم ضربها ضربة اخرى فبرقت برقة اخرى نظر (1) المسلمون فيها إلى قصور العراق وفارس ومدنها، ثم ضربها الثالثة فانهارت الصخرة (2) قطعا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما الذي رأيتم في كل برقة ؟ قالوا: رأينا في الاولى كذا، وفي الثانية كذا، وفي الثالثة كذا قال سيفتح الله عليكم ما رأيتموه، قال جابر: وكان في منزلي صاع من شعير وشاة مشدودة فصرت إلى أهلي فقلت: رأيت الحجر على بطن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأظنه جائعا، فلو أصلحنا هذا الشعير وهذه الشاة ودعونا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلينا كان لنا قربة عند الله، قالت: فاذهب فأعلمه، فإن أذن فعلناه، فذهبت فقلت له: يا رسول الله إن رأيت أن تجعل غداءك اليوم عندنا، قال: وما عندك ؟ قلت: صاع من الشعير وشاة، قال: أفأصير إليك مع من احب أو أنا وحدي ؟ قال: فكرهت أن أقول: أنت وحدك قلت: بل مع من تحب، وظننته يريد عليا (عليه السلام) بذلك، فرجعت إلى أهلي فقلت: أصلحي أنت الشعير، وأنا أصلح (3) الشاة، ففرغنا من ذلك، وجعلنا الشاة كلها قطعا في قدر واحدة وماء وملحا، وخبزت أهلي ذلك الدقيق، فصرت إليه وقلت: يا رسول الله قد أصلحنا ذلك، فوقف على شفير الخندق ونادى بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أجيبوا دعوة جابر، فخرج جميع المهاجرين والانصار، فخرج النبي - (صلى الله عليه وآله وسلم) - والناس (4) ولم يكن بمر بملا من أهل المدينة إلا قال: أجيبوا دعوة جابر فأسرعت إلى أهلي (5) وقلت: قد أتانا مالا قبل لنا به، و عرفتها خبر الجماعة، فقالت: ألست قد عرفت رسول الله ما عندنا ؟ ! قلت: بلى، قالت، فلا عليك هو أعلم بما يفعل، فكانت أهلي أفقه مني، فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) الناس بالجلوس خارج الدار، ودخل هو وعلي الدار، فنظر في التنور والخبز فيه فتفل فيه وكشف القدر فنظر فيها، ثم قال للمرأة: اقلعي من التنور رغيفا رغيفا، وناوليني واحدا


(1) فنظر خ ل. (2) أي انصدعت الصخرة وسقطت قطعا. (3) أسلخ خ ل. (4) والناس خلفه خ ل. (5) نحو أهلى خ ل.

[ 34 ]

بعد واحد، فجعلت تقلع رغيفا وتناوله إياه، وهو وعلي يثردان في الجفنة، ثم تعود المرأة إلى التنور فتجد مكان الرغيف الذي قلعته (1) رغيفا آخر، فلما امتلات الجفنة بالثريد غرف عليها (2) من القدر، وقال: أدخل علي عشرة من الناس، فدخلوا وأكلوا حتى شبعوا، ثم قال: يا جابر ايتني بالذراع، ثم قال: أدخل علي عشرة، فدخلوا وأكلوا حتى شبعوا، والثريد بحاله، ثم قال: هات الذراع فأتيته به فقال: أدخل عشرة فأكلوا وشبعوا، ثم قال: هات الذراع، قلت: كم للشاة من ذراع ؟ قال: ذراعان، قلت: قدآتيت بثلاث أذرع، قال: لو سكت لاكل الجميع من الذراع، فلم يزل يدخل عشرة، ويخرج عشرة حتى أكل الناس جميعا، ثم قال: تعالى حتى نأكل نحن وأنت. فأكلت أنا ومحمد (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) وخرجنا، والخبز في التنور بحاله (3)، والقدر على حالها والثريد في الجفنة على حاله، فعشنا أياما بذلك. 26 - يج: روي أن أعرابيا جاء إليه فشكى إليه نضوب ماء بئرهم، فأخذ حصاة أو حصاتين وفركها بأنامله، ثم أعطاها الاعرابي وقال: ارمها بالبئر، فلما رماها فيها فار الماء إلى رأسها. بيان: نضب الماء نضوبا، أي غار في الارض وسفل. 27 - يج: روي عن زياد بن الحارث الصيدائي (4) صاحب النبي (صلى الله عليه وآله) أنه بعث جيشا إلى قومي، فقلت: يا رسول الله اردد الجيش وأنا لك بإسلام قومي (5)، فرده، فكتبت إليهم كتابا فقدم وفدهم بإسلامهم، فقال (صلى الله عليه وآله): إنك لمطاع في قومك، قلت: بل الله


(1) اقتلعته خ ل. (2) غرف عليه خ ل. (3) على حاله خ ل. (4) هكذا في النسخة، وفى المصدر الصيداوي، وفيهما وهم والصحيح: الصدائى بضم الصاد نسبة إلى صداء واسمه الحارث بن صعب بن سعد العشيرة بن مذحج، وقيل: اسمه يزيد بن حرب بن علة بن جلد بن مالك وهو مذحج وهى قبيلة من اليمن. (5) في المصدر: وأنا أضمن لك باسلام قومي.

[ 35 ]

هداهم للاسلام، فكتب إلي كتابا يؤمرني، قلت: مر لي بشئ من صدقاتهم، فكتب (1) وكان في سفر له فنزل منزلا فأتاه أهل ذلك المنزل يشكون عاملهم، فقال: لا خير في الامارة لرجل مؤمن (2)، ثم أتاه آخر فقال: أعطني، فقال من سأل الناس عن ظهر (3) غني فصداع في الرأس وداء في البطن، فقال: أعطني من الصدقة، فقال: إن الله لم يرض فيها بحكم نبي ولا غيره حتى حكم هو فيها، فجزاها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الاجزاء أعطيناك حقك. قال الصيدائي (4): فدخل في نفسي من ذلك شئ فأتيته بالكتابين، قال: فدلني على رجل اؤمره عليكم، فدللته على رجل من الوفد، ثم قلنا: إن لنا بئرا إذا كان الشتاء وسعنا ماؤها واجتمعنا عليها، وإذا كان الصيف قل ماؤها وتفرقنا على مياه حولنا، وقد أسلمنا، وكل من حولنا لنا أعداء، فادع الله لنا في بئرنا أن لا تمنعنا ماءها فنجتمع عليها ولا نتفرق، فدعا بسبع حصيات ففركهن في يده ودعا فيهن ثم قال: اذهبوا بهذه الحصيات فإذا أتيتم البئر فألقوا واحدة واذكروا اسم الله، قال زياد ففعلنا ما قال لنا، فما استطعنا بعد (5) أن ننظر إلى قعر البئر ببركة رسول الله (6). بيان: قوله: بإسلام، أي ضامن أو كفيل أو رهن بإسلام قومي. 28 - قب: رأى (صلى الله عليه وآله) عمرة بنت رواحة تذهب بتميرات إلى أبيها يوم الخندق، فقال: اجعليها على يدي، ثم جعلها على نطع فجعل يربو حتى أكل منه ثلاثة آلاف رجل. ومنه حديث علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقد طبخ له ضلعا وقت بيعة العشيرة.


(1) في المصدر: يومرنى عليهم. وفيه: فكتب لى بذلك. (2) في المصدر: إلا لرجل مؤمن. (3) في النهاية: خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى أي ما كان عفوا قد فضل عن غنى، وقيل: أراد ما فضل عن العيال، والظهر قد يزاد في مثل هذا اشباعا للكلام وتمكينا، كأن صدقته مستندة إلى ظهر قوى من المال. (4) الصحيح: الصدائى كما تقدم والمراد بالكتابين: ما كتبه (صلى الله عليه وآله) في تأميره وأخذ الصدقات. (5) في المصدر: بعد ذلك. (6) الخرائج: 221 و 222. وقد مر الحديث في ج 17 ص 234 و 239 فراجعه. (*)

[ 36 ]

البخاري عن جابر الانصاري في حديث حفر الخندق: فلما رأيت ضعف النبي (صلى الله عليه وآله) طبخت جديا، وخبزت صاع شعير، وقلت: رسول الله (1) ! تكرمني بكذى وكذى، فقال: لا ترفع القدر من النار، ولا الخبز من التنور، ثم قال: يا قوم قوموا إلى بيت جابر فأتوا وهم سبعمأة رجل، وفي رواية ثمانمأة، وفي رواية ألف رجل، فلم يكن موضع الجلوس، فكان يشير إلى الحائط والحائط يبعد حتى تمكنوا، فجعل يطعمهم بنفسه حتى شبعوا، ولم يزل يأكل ويهدي إلى قومنا أجمع، فلما خرجوا أتيت القدر فإذا هو مملو والتنور محشو. روى أنس أنه أرسلني أبو طلحة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) لما رأى فيه أثر الجوع، فلما رآني قال: أرسلك أبو طلحة ؟ قلت: نعم، فقال لمن معه: قوموا، فقال أبو طلحة: يا ام سليم قد جاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالناس، وليس عندنا من الطعام ما نطعمهم، فقال (صلى الله عليه وآله): يا ام سليم هلمي بما عندك، فجاءت بأقراص من شعير، فأمر به ففت (2)، وعصرت ام سليم عكة سمن، فأخذها النبي (صلى الله عليه وآله) ثم وضع يده على رأس الثريد، وكان يدعو بعشرة عشرة فأكلوا حتى شبعوا، وكانو سبعين أو ثمانين رجلا. وروى أبو هريرة في أصحاب الصفة: وقد وضعت بين أيديهم صحفة، فوضع النبي (صلى الله عليه وآله) يده فيها فأكلوا، وبقيت ملاى فيها (3) أثر الاصابع. ومثله حديث ثابت البناني عن أنس في عرس زينب بنت جحش. وروي أن ام شريك أهدت إلى النبي (صلى الله عليه وآله) عكة فيها سمن، فأمر النبي (صلى الله عليه وآله) الخادم ففرغها وردها خالية، فجاءت ام شريك ووجدت العكة ملاى فلم تزل تأخذ منها السمن زمانا طويلا، وأبقى لها شرفا. وأعطى (صلى الله عليه وآله) لعجوز قصعة فيها عسل فكانت تأكل ولا يفنى، فيوما من الايام حولت ما كان فيها إلى إناء ففني سريعا، فجاءت إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وأخبرته بذلك، فقال


(1) في المصدر: يا رسول الله. (2) فأمر بها ففتت خ ل. (3) ما فيها خ ل.

[ 37 ]

(صلى الله عليه وآله) إن الاول كان من فعل الله وصنعه، والثاني كان من فعلك. وقال جابر: إن رجلا أتى النبي (صلى الله عليه وآله) يستطعمه فطعمه وسق شعير، فما زال الرجل يأكل منه وامرأته ووصيفهما حتى كاله، فأتى النبي (صلى الله عليه وآله) فأخبره، فقال: لو لم تكيلوه لاكلتم منه، ولقام بكم. جابر بن عبد الله والبراء بن عازب وسلمة بن الاكوع والمسور بن مخرمة: فلما: نزل النبي (صلى الله عليه وآله) بالحديبية في ألف وخمسمأة وذلك في حر شديد قالوا: يا رسول الله ما بها من ماء، والوادي يابس، وقريش في بلدح (1) في ماء كثير، فدعا بدلو من ماء فتوضأ من الدلو ومضمض فاه، ثم مج فيه، وأمر أن يصب في البئر، فجاشت فسقينا واستقينا. وفي رواية، فنزع سهما من كنانته فألقاه في البئر ففارت بالماء حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها وهم جلوس على شفتها. أبو عوانة وأبو هريرة أنه (صلى الله عليه وآله) أعطى ناجية بن عمر ونشابة وأمر أن يغرزها في البئر فامتلا البئر ماء، فأتته امرأة وأنشأت: يا أيها الماتح دلوي دونكا * إني رأيت الناس يحمدونكا يثنون خيرا ويمجدونكا * أرجوك للخير كما يرجونكا فأجابها ناجية: قد علمت جارية بمائية (2) * أني انا الماتح واسمي ناجيه وطعنة ذات رشاش واهية * طعنتها تحت صدور العاتيه وفي رواية أنه دفعها إلى البراء بن عازب فقال: أغرز هذا السهم في بعض قلب (3) الحديبية، فجاءت قريش ومعهم سبيل بن عمرو فأشرفوا على القليب، والعيون تنبع تحت السهم، فقالت: ما رأينا كاليوم قط، وهذا من سحر محمد قليل، فلما أمر الناس بالرحيل قال: خذوا حاجتكم من الماء، ثم قال للبراء: اذهب فرد السهم، فلما فرغوا وارتحلوا


(1) بلدح: واد قبل مكة من جهة المغرب. (2) في المصدر: يمانية وفى سيرة ابن هشام: المائح في الموضعين. (3) القلب جمع القليب: البئر.

[ 38 ]

أخذ البراء السهم فجف الماء كأنه لم يكن هناك ماء. أمير المؤمنين (عليه السلام): إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمرني في بعض غزواته وقد نفد الماء يا علي قم وائت بتور (1)، قال: فأتيته فوضع يده اليمنى ويدي معها في التور، فقال: انبع فنبع. وفي رواية سالم بن أبي الجعد وأنس: فجعل الماء يخرج من بين أصابعه كأنه العيون فشربنا ووسعنا (2)، وذلك في يوم الشجرة، وكانوا (3) في ألف وخمسمأة رجل. وشكى أصحابه (صلى الله عليه وآله) إليه في غزوة تبوك من العطش، فدفع سهما إلى رجل فقال: انزل فاغرزه في الركي، ففعل ففار الماء، فطما (4) إلى أعلى الركي فارتوى منه ثلاثون ألف رجل في دوابهم. ووضع (عليه السلام) يده تحت وشل بوادي المشقق (5) فجعل ينصب في يديه فانخرق الماء حتى سمع له حس كحس الصواعق، فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لئن بقيتم أو بقي منكم أحد ليسمعن بهذا الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه قيل: وهو إلى اليوم كما قاله (صلى الله عليه وآله). وفي رواية أبي قتادة: كان يتفجر الماء من بين أصابعه لما وضع يده فيها حتى شرب الجيش العظيم، وسقوا وتزودوا في غزوة بني المصطلق. وفي رواية علقمة بن عبد الله: أنه وضع يده في الاناء فجعل الماء يفور من بين أصابعه فقال: حي (6) على الوضوء والبركة من الله فتوضأ القوم كلهم.


(1) التور: اناء صغير. (2) في المصدر: وشبعنا. (3) خلا المصدر عن لفظة (في). (4) طما الماء: ارتفع وملاء الركى. (5) المشقق: واد في طريق تبوك، قال ياقوت في معجم البلدان: قال ابن اسحاق في غزوة تبوك: وكان في الطريق ماء يخرج من وشل ما يروى الراكب والراكبين والثلاثة بواد يقال له: المشقق اه‍. ثم ذكر الحديث بتفصيله. (6) أي هلموا وأقبلوا على الوضوء.

[ 39 ]

وفي حديث أبي ليلي: شكونا إلى النبي (صلى الله عليه وآله) من العطش، فأمر بحفرة فحفرت فوضع عليها نطعا، ووضع يده على النطع، وقال: هل من ماء ؟ فقال لصاحب الاداوة: صب الماء على كفي واذكر اسم الله، ففعل فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى روي القوم وسقوا ركابهم. وشكى إليه الجيش في بعض غزواته فقدان الماء، فوضع (صلى الله عليه وآله) يده في القدح فضاق القدح عن يده، فقال للناس: اشربوا فشرب الجيش وأسقوا وتوضؤوا وملؤوا المزاود (1). محمد بن المنكدر: سمعت جابرا يقول: جاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعودني وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ وصب علي من وضوئه، فعقلت، الخبر. وشكى إليه (صلى الله عليه وآله) طفيل العامري الجذام فد عابر كوة ثم تفل فيها وأمره أن يغتسل به، فاغتسل فعاد صحيحا. وأتاه (صلى الله عليه وآله) حسان بن عمرو الخزاعي مجذوما فدعا له بماء فتفل فيه ثم أمره فصبه على نفسه، فخرج من علته، فأسلم قومه. وأتاه (صلى الله عليه وآله) قيس اللخمي وبه برص فتفل عليه فبرئ. محمد بن خاطب (2): انكب القدر على ساعدي في الصغر، فأتت بي امي إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، قالت: فتفل في في ومسح على ذراعي وجعل يقول ويتفل: " اذهب البأس رب الناس ! واشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت شفاء لا يغادر سقما " فبرئ بإذن الله: الفائق: إن النبي (صلى الله عليه وآله) مسح على رأس غلام وقال: عش قرنا، فعاش مأة. وإن امرأة أتته (صلى الله عليه وآله) بصبي لها للتبرك، وكانت به عاهة، فمسح يده على رأس الصبي فاستوى شعره وبرئ داؤه.


(1) مناقب آل أبى طالب 1: 89 - 92. (2) هكذا في النسخة والمصدر، والظاهر أنه مصحف حاطب بالحاء المهملة، والرجل هو محمد بن حاطب بن الحارث بن معمر الجمحى الكوفى، صحابي صغير مات سنة 74. راجع التقريب: 440.

[ 40 ]

وروى ابن بطة أن الصبي كان المهلب، وبلغ ذلك أهل اليمامة فأتت امرأة مسيلمة بصبي لها فمسح رأسه فصلع، وبقي نسله إلى يومنا هذا. وقطع يد أنصاري وهو عبد الله بن عتيك في حرب احد فألزقها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونفخ عليه فصار كما كان. وتفل (صلى الله عليه وآله) في عين علي (عليه السلام) وهو أرمد يوم خيبر فصح من وقته. وفقئ في احد عين قتادة بن ربعي أو قتادة بن النعمان الانصاري فقال: يا رسول الله الغوث الغوث، فأخذها بيده فردها مكانها فكانت أصحهما، وكانت تعتل الباقية ولا تعتل المردودة، فلقب ذا العينين، أي له عينان مكان الواحدة، فقال الخرنق الاوسي: ومنا الذي سالت على الخد عينه * فردت بكف المصطفى أحسن الرد فعادت كما كانت لاحسن حالها * فيا طيب ما عيني ويا طيب ما يدي واصيبت رجل بعض أصحابه فمسحها بيده فبرأت من حينها، وأصاب محمد بن مسلمة يوم قتل كعب بن الاشرف مثل ذلك في عيني ركبتيه (1)، فمسحه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيده فلم تبن من اختها. وأصاب عبد الله بن انيس مثل ذلك في عينه فمسحها فما عرفت من الاخرى. عروة بن الزبير، عن زهرة قال: أسلمت فاصيب بصرها، فقالوا لها: أصابك اللات والعزى، فرد (صلى الله عليه وآله) عليها بصرها، فقالت: قريش: لو كان ما جاء محمد خيرا ما سبقتنا إليه زهرة، فنزل: " وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه " الآية (2). وأنفذ النبي (صلى الله عليه وآله) عبد الله بن عتيك إلى حصن أبي رافع اليهودي فدخل عليه بغتة فإذا أبو رافع في بيت مظلم لا يدري أين هو، فقال: أبا رافع ! قال: من هذا ؟ فأهوى نحو الصوت فضربه ضربة وخرج، فصاح أبو رافع، ثم دخل عليه فقال: ما هذا الصوت يا أبا رافع


(1) احدى عينى ركبتيه ظ. (2) الاحقاف: 11.

[ 41 ]

فقال: إن رجلا في البيت ضربني، فضربه ضربة اخرى فكان ينزل فانكسر ساقه فعصبها، فلما انتهى إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فحدثه قال: ابسط رجلك، فبسطها فمسحها فبرأت. وروي أن النبي (صلى الله عليه وآله) تفل في بئر معطلة ففاضت حتى سقي منها بغير دلو ولا رشاء (1). وكانت امرأة متبرزة وفيها وقاحة، فرأت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يأكل فسألت لقمة من فلق (2) فيه، فأعطاها فصارت ذات حياء بعد ذلك. ومسح (صلى الله عليه وآله) ضرع شاة حائل لا لبن لها فدرت فكان ذلك سبب إسلام ابن مسعود. أمالي الحاكم: إن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يوما قائظا، فلما انتبه من نومه دعا بماء فغسل يديه، ثم مضمض ماء ومجه إلى عوسجة فأصبحوا وقد غلظت العوسجة وأثمرت وأينعث بثمر أعظم ما يكون في لون الورس، ورائحة العنبر، وطعم الشهد، والله ما أكل منها جائع إلا شبع، ولا ظمآن إلا روي، ولا سقيم إلا برئ، ولا أكل من ورقها حيوان إلا در لبنها، وكان الناس يستشفون من ورقها، وكان يقوم مقام الطعام والشراب، ورأينا النماء والبركة في أموالنا، فلم يزل كذلك حتى أصبحنا ذات يوم وقد تساقط ثمرها. و صفر (3) ورقها، فإذا قبض النبي (صلى الله عليه وآله)، فكانت بعد ذلك تثمر دونه في الطعم والعظم والرائحة، وأقامت على ذلك ثلاثين سنة فأصبحنا يوما وقد ذهبت نضارة عيدانها، فإذا قتل أمير المؤمنين (عليه السلام)، فما أثمرت بعد ذلك قليلا ولا كثيرا، فأقامت بعد ذلك مدة طويلة، ثم أصبحنا وإذا بها قد نبع من ساقها دم عبيط ورقها ذابل (4) يقطر ماء كماء اللحم، فإذا قتل الحسين (عليه السلام). أمالي الطوسي: عن زيد بن أرقم في خبر طويل: إن النبي (صلى الله عليه وآله) أصبح طاويا، فأتى فاطمة عليها السلام فرأى الحسن والحسين يبكيان من الجوع، وجعل يزقهما


(1) الرشاء: الحبل. (2) أي من وسط فيه. (3) استظهر المصنف في الهامش أن الصحيح: اصفر. أقول: في المصدر: وصفر ورقها. (4) ذبل النبات قل ماؤه. وذهبت نضارته.

[ 42 ]

بريقه حتى شبعا وناما، فذهب مع علي (عليه السلام) إلى دار أبي الهيثم، فقال: مرحبا برسول الله ما كنت احب أن تأتيني وأصحابك إلا وعندي شئ، وكان لي شئ ففرقته في الجيران، فقال: أوصاني جبريل بالجار حتى حسبت أنه سيورثه، قال: فنظر النبي (صلى الله عليه وآله) إلى نخلة في جانب الدار فقال: يا أبا الهيثم تأذن في هذه النخلة ؟ فقال: يا رسول الله إنه لفحل، وما حمل شيئا قط، شأنك به، فقال: يا علي ائتني بقدح ماء، فشرب منه ثم مج فيه، ثم رش على النخلة فتملت أعذاقا من بسر ورطب ما شئنا، فقال: ابدءوا بالجيران، فأكلنا و وشربنا ماء باردا حتى روينا، فقال: يا علي هذا من النعيم الذي يسألون عنه يوم القيامة يا علي تزود لمن وراك، لفاطمة والحسن والحسين، قال: فما زالت تلك النخلة عندنا نسميها نخلة الجيران حتى قطعها يزيد عام الحرة (1). إيضاح: فت الشئ: كسره، وبلدح بفتح الباء والدال وسكون اللام: اسم موضع بالحجاز قرب مكة، وقال الجوهري: ومن أمثالهم في التحزن بالاقارب: " لكن على بلدح قوم عجفى ". قاله بيهس الملقب بنعامة لما رأى قوما في خصب وأهله في شدة، وقال: الماتح: المستقي، وقال: قاظ بالمكان وتقيظ به: إذا أقام به في الصيف، والطوى: الجوع. قوله: فتملت أصله تملات بمعنى امتلات فخفف. 29 - قب: البخاري: إن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لمديون مر عليه والديان يطلبونه بالديون صف تمرك كل شئ على حدته، ثم جاء فقعد عليه، وكال لكل رجل حتى استوفى و بقي التمر كما هو كأن لم يمس. وأتى عامر بن كريز يوم الفتح رسول الله بابنه عبد الله بن عامر وهو ابن خمس أوست فقال: يا رسول الله حنكه، فقال: إن مثله لا يحنك، وأخذه وتفل في فيه، فجعل يتسوغ ريق رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويتلمظه، فقال: (صلى الله عليه وآله): إنه لمستقي، فكان لا يعالج أرضا إلا ظهر له الماء وله سقايات معروفة، وله النباح والجحفة وبستان ابن عامر. وفي مسلم، عن جابر إن ام مالك كانت تهدي إلى النبي (صلى الله عليه وآله) في عكة لها سمنا،


(1) مناقب آل أبى طالب 1: 101 - 105. (*)

[ 43 ]

فيأتيها بنوها فيسألون الادم وليس عندهم شئ: فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه للنبي (صلى الله عليه وآله) فتجد فيها سمنا، فما زال تقيم لها ادم بيتها حتى عصرته (1)، فأتت النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: عصرتيها ؟ قالت: نعم، قال: لو تركتيها ما زال مقيما (2). بيان: لمظ وتلمظ: تتبع بلسانه الطعام في فمه، أو أخرج لسانه فمسح به شفتيه. 30 - عم: من معجزات النبي (صلى الله عليه وآله) حديث شاة ام معبد، وذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله) لما هاجر من مكة ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة، ودليلهم عبد الله ابن اريقط الليثي فمروا على ام معبد الخزاعية، وكانت امرأة برزة تحتبي (3) وتجلس بفناء الخيمة فسألوا تمرا أو لحما ليشتروه، فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، وإذا القوم مرملون، فقالت لو كان عندنا شئ ما أعوزكم القرى، فنظر رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كسر خيمتها فقال: ما هذه الشاة يا ام معبد قالت، شاة خلفها الجهد عن الغنم، فقال: هل بها من لبن ؟ قالت: هي أجهد من ذلك، قال: أتأذنين في أن أحلبها ؟ قالت: نعم بأبي أنت وامي إن رأيت بها حلبا فاحلبها، فدعا رسول الله بالشاة فمسح ضرعها، وذكر اسم الله، وقال: ؟ " اللهم بارك في شاتها " فتفاجت و درت (4)، فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بإناء لها يريض الرهط فحلب فيه ثجا حتى علته الثمال، فسقاها فشربت حتى رويت، ثم سقى أصحابه فشربوا حتى رووا، فشرب آخرهم وقال: " ساقي القوم آخرهم شربا " فشربوا جميعا عللا بعد نهل حتى أراضوا، ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء فغادره عندها، ثم ارتحلوا عنها، فقلما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا هزلى مخهن قليل، فلما رأى اللبن قال: من أين لكم هذا والشاء (5) عازب ولا حلوبة


(1) في المصدر: عصرتها. (2) مناقب آل أبى طالب 1: 117 و 118 و 121. فيه ما زالت مقيمة. (3) احتبى بالثوب: اشتمل به. جمع بين ظهره وساقية بثوب. (4) تفاجت أي فتحت ما بين رجليها. قوله: درت لبنها وجرى. (5) الشاء جمع الشاة.

[ 44 ]

في البيت ؟ قالت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت (1) وكيت. الخبر بطوله (2). قب: هند بنت الجون وحبيش بن خالد وأبو معبد الخزاعى مثله (3). بيان: أرمل القوم: نفد زادهم، والكسر بالكسر: أسفل شقة البيت التي تلي الارض من حيث يكسر جانباه عن يمينك ويسارك: والتفاج: المبالغة في تفريج ما بين الرجلين، وهو من الفج: الطريق قال الجزري، وقال: يريض الرهط، أي يرويهم بعض الري، من أراض الحوض: إذا صب فيه من الماء ما يواري أرضه، وقال: ثجا، أي لبنا سائلا كثيرا، وقال: الثمال بالضم: الرغوة، واحده ثمالة، وقال: حتى أراضوا أي شربوا عللا بعد نهل حتى رووا، من أراض الوادي: إذا استنقع فيه الماء، وقيل: أراضوا أي ناموا على الارض، وهو البساط، وقيل: حتى صبوا اللبن على الارض، وقال الجوهري: رجع عوده على بدئه: إذا رجع في الطريق الذي جاء منه، قوله: فغادره، أي تركه، قوله: عازب، أي غائب. 31 - يج: روي أن ابن الكوا قال لعلي (عليه السلام): بما كنت وصي محمد (صلى الله عليه وآله) من بين بني عبد المطلب ؟ قال إذن ما الخبر تريد ؟ لما نزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) " وأنذر عشيرتك الاقربين (4) " جمعنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونحن أربعون رجلا، فأمرني فأنضجت له رجل شاة، وصاعا من طعام أمرني فطحنته وخبزته، وأمرني فأدنيته، قال: ثم قدم عشرة من أجلتهم فأكلوا حتى صدروا، وبقي الطعام كما كان، وإن منهم لمن يأكل الجذعة، ويشرب الفرق (5)، فأكلوا منها كلهم أجمعون، فقال أبو لهب: سحر كم صاحبكم، فتفرقوا عنه،


(1) كيت وكيت وقد يكسر آخرهما، يكنى بهما عن الحديث والخبر. ويستعملان بلا واو أيضا ولا تستعملان الا مكررتين. (2) اعلام الورى. 16 ط 1 و 32 ط 2. (3) مناقب آل أبى طالب 1: 105. (4) الشعراء: 214. (5) الجذعة من البهائم: صغيرها. والفرق بالتحريك: مكيال يسع ستة عشر رطلا وهى اثنا عشر مدا أو ثلاثة أصواع عند أهل الحجاز، وقيل: الفرق: خمسة أقساط، والقسط: نصف صاع، فأما الفرق بالسكون فمأة وعشرون رطلا قاله الجزرى في النهاية، أقول: الظاهر أنه اراد الاول وهو غريب جدا ولعله محمول على المبالغة من الراوى.

[ 45 ]

ثم دعاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثانية، ثم قال: أيكم يكون أخي ووصيي ووارثي ؟ فعرض عليهم فكلهم يأبى حتى انتهى إلي وأنا أصغرهم سنا، وأعمشهم عينا، وأحمشهم ساقا (1) فقلت: أنا فرمى إلي بنعله فلذلك كنت وصيه من بينهم (2). * (باب 8) * * (معجزاته (صلى الله عليه وآله) في كفاية شر الاعداء) * الايات: البقرة " 2 ": فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم 137. المائدة " 5 ": يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم 11. الحجر " 15 ": كما أنزلنا على المقتسمين * الذين جعلوا القرآن عضين 90 و 91. وقال تعالى: إنا كفيناك المستهزئين * الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون 95 و 96. النحل " 16 ": وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون * ولقد جائهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون 112 و 113.


(1) عمشت عينه: ضعف بصرها مع سيلان دمعها في أكثر الاوقات فهو اعمش، وحمشت ساقه: دقت فهو أحمش. وهما كنايتان عن الصغر. (2) بنفله خ ل. أقول: هكذا في نسخة المصنف، والظاهر أن الحديث قد وقع فيه تصحيف لما اختصره الرواة ونقلوه بالمعنى، وقد ذكر الحديث مفصلا محمد بن العباس بن على بن مروان الماهيار المعروف بالحجام باسناده عن ابى رافع في كتابه، فقال بعد ما ذكر اجابة على (عليه السلام) له (صلى الله عليه وآله): فقال: ادن منى فدنا منه، فقال: افتح فاك، ففتحه فنفث فيه من ريقه، وتفل بين كتفيه وبين ثدييه، فقال أبو لهب: بئس ما حبوت به ابن عمك، أجابك لما دعوته إليه، فملات فاه ووجهه بزاقا ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): بل ملاته علما وحكما وفقها. راجع تفسير البرهان 3 - 191 (3) لم نجد الحديث وكثيرا مما تقدم في الخرائج المطبوع، واستظهرنا سابقا أن المطبوع ملخص منه.

[ 46 ]

الاسرى " 17 ": وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا * وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا 45 و 46. وقال تعالى: وإن كادوا ليستفزونك من الارض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا * سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا 76 و 77. الزمر " 39 ": أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يظلل الله فماله من هاد 36. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " فسيكفيكهم الله ": وعد الله سبحانه رسوله بالنصرة وكفاية من يعاديه من اليهود والنصارى الذين شاقوه، وفي هذا دلالة بينة على نبوته وصدقه (صلى الله عليه وآله) (1). وفي قوله تعالى: " إذ هم قوم ": اختلف فيمن بسط إليهم الايدي على أقوال: أحدها: أنهم اليهود، هموا بأن يفتكوا (2) بالنبي (صلى الله عليه وآله)، وهم بنو النضير، دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع جماعة من أصحابه عليهم وكانوا قد عاهدوه على ترك القتال، و على أن يعينوه في الديات، فقال (صلى الله عليه وآله): رجل من أصحابي أصاب رجلين معهما أمان مني، فلزمني ديتهما، فاريد أن تعينوني، فقالوا: نعم أجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا، وهموا بالفتك بهم، فآذن الله رسوله (3) فأطلع النبي (صلى الله عليه وآله) أصحابه على ذلك وانصرفوا، وكان ذلك إحدى معجزاته، عن مجاهد وقتادة وأكثر المفسرين. وثانيها: أن قريشا بعثوا رجلا ليفتك بالنبي (صلى الله عليه وآله) فدخل عليه وفي يده سيف مسلول، فقال له: أرنيه، فأعطاه إياه، فلما حصل في يده قال: ما الذي يمنعني من قتلك ؟ قال: الله يمنعك، فرمى السيف وأسلم، واسم الرجل عمرو بن وهب الجمحي،


(1) مجمع البيان 1: 218. (2) فتك به: بطش به أو قتله على غفلة. (3) في المصدر: فآذن الله به رسوله. (4) شهر السيف: سله فرفعه.

[ 47 ]

بعثه صفوان بن أمية ليغتاله بعد بدر، وكان ذلك سبب إسلام عمرو بن وهب عن الحسن. وثالثها: أن المعني بذلك ما لطف الله للمسلمين من كف أعدائهم عنهم حين هموا باستئصالهم بأشياء شغلهم بها من الامراض والقحط وموت الاكابر وهلاك المواشي وغير ذلك من الاسباب التي انصرفوا عندها من قتل المؤمنين عن الجبائي. ورابعها: ماقاله الواقدي: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) غزا جمعا من بنى ذبيان ومحارب بذي أمر فتحصنوا برؤوس الجبال، ونزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحيث يراهم، فذهب لحاجته فأصابه مطر فبل ثوبه فنشره على شجرة واضطجع تحته والاعراب ينظرون إليه، فجاء سيدهم دعثور بن الحارث حتى وقف على رأسه بالسيف مشهورا، فقال: يا محمد من يمنعك مني اليوم ؟ فقال: الله، فدفع جبرئيل في صدره، ووقع السيف من يده، فأخذه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقام على رأسه وقال: من يمنعك مني اليوم ؟ فقال: لا أحد، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فنزلت الآية، وعلى هذا فيكون تخليص النبي (صلى الله عليه وآله) مما هموا به نعمة على المؤمنين من حيث أن مقامه بينهم نعمة عليهم (1). وقال في قوله تعالى: " كما أنزلنا على المقتسمين " قيل: فيه قولان: أحدهما: أن معناه أنزلنا القرآن عليك كما أنزلنا على المقتسمين، وهم اليهود والنصارى " الذين جعلوا القرآن عضين " جمع عضة، وأصله عضوة، فنقصت الواو، و التعضية: التفريق: أي فرقوه وجعلوه أعضاء كأعضاء الجزور، فآمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه، وقيل: سماهم مقتسمين لانهم اقتسموا كتب الله فآمنوا ببعضها، وكفروا ببعضها. والآخر: أن معناه أني انذركم عذابا كما أنزلنا على المقتسمين الذين اقتسموا طريق مكة يصدون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) والايمان به، قال مقاتل: وكانوا ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم يقولون لمن أتى مكة: لا تغتروا بالخارج منا، و المدعي للنبوة، فأنزل الله بهم عذابا فماتوا شر ميتة، ثم وصفهم فقال: " الذين جعلوا


(1) مجمع البيان 3: 169 و 170.

[ 48 ]

القرآن عضين " جزءا جزءا (1) فقالوا: سحر، وقالوا: أساطير الاولين، وقالوا: مفترى عن ابن عباس (2). وفي قوله تعالى: " إنا كفيناك المستهزئين " أي كفيناك شر المستهزئين واستهزائهم بأن أهلكناهم، وكانوا خمسة نفر من قريش: العاص بن وائل، والوليد بن المغيرة، وأبو زمعة وهو الاسود بن المطلب، والاسود بن عبد يغوث، والحارث بن قيس، عن ابن عباس وابن جبير، وقيل: كانوا ستة رهط عن محمد بن ثور، وسادسهم: الحارث بن الطلاطلة، و امه غيطلة (3)، قالوا: وأتى جبرئيل النبي (صلى الله عليه وآله) والمستهزؤون يطوفون بالبيت، فقام جبرئيل ورسول الله إلى جنبه، فمر به الوليد بن المغيرة المخزومي فأومأ بيده إلى ساقه، فمر الوليد على فنن (4) لخزاعة وهو يجر ثيابه، فتعلقت بثوبه شوكة فمنعه الكبر أن يخفض رأسه فينزعها، وجعلت تضرب ساقه فخدشته فلم يزل مريضا حتى مات، ومر به العاص بن وائل السهمي فأشار جبرئيل إلى رجله فوطئ العاص على شبرقة (5) فدخلت في أخمص رجله، فقال: لدغت، فلم يزل يحكها حتى مات، ومر به الاسود بن المطلب ابن عبد مناف فأشار إلى عينه فعمى، وقيل: رماه بورقة خضراء فعمى، وجعل يضرب رأسه على الجدار حتى هلك، ومر به الاسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه فاستسقى فمات


(1) في المصدر: جزأوه أجزاء. (2) مجمع البيان 6: 344 و 345. أقول: أضاف الشريف الرضى قدس الله روحه في كتاب مجازات القرآن: 104 وجها آخر وهو أن يكون معنى عضين معنى الكذب، قال: وأما التأويل الاخر هو أن يكون معناها على ما قال بعض المفسرين معنى الكذب، قال: وهو جمع عضة: ومعناها الكذب والزور، وقد ذكر ثقاة اهل اللغة في العضة وجوها، فقالوا: العضة: النميمة والعضة: الكذب، وجمعه عضون، مثل عزة وعزين، والعضة: السحر، والعاضة: الساحر، وقد يجوز أن يكون جعلوا القران عضين، جمع عضة من السحر، أي جعلوه سحرا وكهانة، كما قال سبحانه حاكيا عنهم: " ان هذا الا سحر يؤثر * إن هذا الا سحر مبين ". (3) في المصدر: عيطلة بالعين المهملة. (4) في المصدر: فمر على قين. والقين: العبد. وفى مفاتيح الغيب: فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم فلم ينعطف تعظما لاخذه فأصاب عرقا في عقبه فقطعه فمات. (5) شبرقة: شجر منبته نجد وتهامة، وثمرته شاكة صغيرة الحجم حمراء مثل الدم، منبتها القيعان والسباخ. وفي المصدر: فوطئ العاص على شوكة. بحار الانوار - 3 - (*)

[ 49 ]

وقيل: أصابه السموم فصار أسود فأتى أهله فلم يعرفوه فمات، وهو يقول: قتلني رب محمد، ومر به الحارث بن الطلاطلة فأومأ إلى رأسه فامتخط قيحا فمات، وقيل: إن الحارث بن قيس أخذ (1) حوتا مالحا فأصابه العطش، فما زال يشرب حتى انقد (2) بطنه فمات (3). وفي قوله تعالى: " ضرب الله مثلا قرية " أي مثل قرية " كانت آمنة " أي ذات أمن " مطمئنة " قارة ساكنة بأهلها، لا يحتاجون إلى الانتقال عنها لخوف أو ضيق " يأتيها رزقها رغدا من كل مكان " أي يحمل إليها الرزق الواسع من كل موضع ومن كل بلد، كما قال سبحانه: " يجبى إليه ثمرات كل شئ (4) ". " فكفرت بأنعم الله أي فكفر أهل تلك القرية " فأذاقها الله " الآية أي فأخذهم الله بالجوع والخوف بسوء أفعالهم، وسمى أثر الجوع والخوف لباسا، لان أثر الجوع و الهزال يظهر على الانسان، كما يظهر اللباس، وقيل: لانه شملهم الجوع والخوف كاللباس، قيل: إن هذه القرية هي مكة، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، عذبهم الله بالجوع سبع سنين، وهم مع ذلك خائفون وجلون عن النبي (صلى الله عليه وآله) وأصحابه يغيرون (5) عليهم قوافلهم، وذلك حين دعا النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: " اللهم اشدد وطأتك على مضرو اجعل عليهم سنين كسني يوسف " وقيل: إنها قرية كانت قبل نبينا (صلى الله عليه وآله) بعث الله إليهم نبيا فكفروا به وقتلوه فعذبهم الله بعذاب الاستيصال " ولقد جاءهم رسول منهم " يعني أهل مكة بعث الله إليهم رسولا من جنسهم فكذبوه (6) وجحدوا نبوته " فأخذهم العذاب وهم


(1) في المصدر: أكل حوتا. (2) انقد: انشق. (3) مجمع البيان 6: 346 و 347. (4) يجبى إليه: يجمع إليه، أي يؤتى إليه من كل صوب بثمرات كل شئ. والاية في سورة القصص: 57. (5) أغار عليهم: هجم وأوقع بهم. (6) في المصدر: بعث الله عليهم رسولا من صميمهم ليتبعوه لا من غيرهم فكذبوه. أقول: من صميمهم أي من خالصهم.

[ 50 ]

ظالمون " أي ماحل بهم من الخوف والجوع المذكورين (1) ومانا لهم يوم بدر وغيره من القتل (2). وفي قوله: " وإذا قرأت القرآن " قال: نزل في قوم كانوا يؤذون النبي (صلى الله عليه وآله) بالليل إذا تلا القرآن وصلى عند الكعبة، وكانوا يرمونه بالحجارة ويمنعونه من دعاء الناس إلى الدين، فحال الله سبحانه بينهم وبينه حتى لا يؤذوه، عن الجبائي والزجاج " جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة " قال الكلبي: هم أبو سفيان والنضرين الحارث وأبو جهل وام جميل امرأة أبي لهب، حجب الله رسوله عن أبصارهم عند قراءة القرآن، فكانوا يأتونه ويمرون به ولا يرونه " حجابا مستورا " قيل: أي ساترا، عن الاخفش، والفاعل قد تكون (3) في لفظ المفعول كالمشؤوم والميمون، وقيل: هو على بناء النسب، أي ذاسترو قيل: مستورا عن الاعين لا يبصر، إنما هو من قدرة الله (4). " وجعلنا على قلوبهم أكنة " الاكنة جمع كنان وهو ما وقى شيئا وستره قيل: كان الله يلقي عليهم النوم، أو يجعل في قلوبهم أكنة ليقطعهم عن مرادهم أو أنه عاقب هؤلاء الكفار الذين علم أنهم لا يؤمنون بعقوبات يجعلها في قلوبهم تكون موانع من أن يفهموا ما يستمعونه (5). " ولوا على أدبارهم نفورا " قيل: كانوا إذا سمعوا " بسم الله الرحمن الرحيم " ولوا، وقيل: إذا سمعوا " لا إله إلا الله " (6).


(1) في المصدر: وعذابهم ما حل بهم من الجوع والخوف المذكورين في الاية المتقدمة. (2) مجمع البيان: 6: 389 و 390. (3) في المصدر: قد يكون. (4) مجمع البيان: 6: 418. (5) مجمع البيان 4: 285 و 286. أقول: قال الشريف الرضى في مجازات القرآن: 115: وهذه استعارة، لانه ليس هناك على الحقيقة كنان على قلب ولا وقر في سمع، وانما المراد به أنهم لاستثقالهم سماع القرآن عند أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله) بتلاوته على اسماعهم وافراغه في آذانهم كالذين على قلوبهم أكنة دون علمه، وفى آذانهم وقردون فهمه، وان كانوا من قبل نفوسهم اوتوا، وبسوء اختيارهم اخذوا، ولو لم يكن الامر كذلك لما ذموا على اطراحه، ولمذروا بالاضراب عن استماعه. (6) مجمع البيان 6: 418.

[ 51 ]

وفي قوله تعالى: " وإن كادوا ليستفزونك " أي أن المشركين أرادوا أن يزعجوك (1) من أرض مكة بالاخراج، وقيل: عن أرض المدينة، يعني اليهود، وقيل: يعني جميع الكفار أرادوا أن يخرجوك من أرض العرب، وقيل: معناه ليقتلونك " وإذا لا يلبثون أي لو أخرجوك لكانوا لا يلبثون بعد خروجك " إلا " زمانا " قليلا " ومدة يسيرة، قيل: وهي المدة بين خروج النبي (صلى الله عليه وآله) من مكة وقتلهم يوم بدر، والصحيح أن المعنيين في الآية مشركو مكة: وأنهم لم يخرجوا النبي (صلى الله عليه وآله) من مكة، ولكنهم هموا بإخراجه، ثم خرج (صلى الله عليه وآله) لما امر بالهجرة، وندموا على خروجه، ولذلك ضمنوا الاموال في رده ولو أخرجوه لا ستؤصلوا بالعذاب، ولماتوا طرا (2). وفي قوله تعالى: " أليس الله تقرير، يعني به محمدا (صلى الله عليه وآله) يكفيه عداوة من يعاديه " ويخوفونك " كانت الكفار يخيفونه بالاوثان التي كانوا يعبدونها، قالوا: أما تخاف أن يهلكك آلهتنا، وقيل: إنه لما قصد خالد لكسر العزى بأمر النبي (صلى الله عليه وآله) قالوا: إياك يا خالد فبأسها شديد، فضرب خالد أنفها بالفأس فهشمها، فقال: كفرانك يا عزى لاسبحانك، سبحان من أهانك (3). 1 - فس: " فكف أيديهم عنكم " يعني أهل مكة من قبل أن فتحها، فكف أيديهم بالصلح يوم الحديبية (4). 2 - فس: " حجابا مستورا " يعني يحجب الله عنك الشياطين (5) " أكنة " أي غشاوة أي صمما " نفورا " قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا صلى تهجد بالقرآن وتسمع (6) له قريش لحسن صوته، فكان إذا قرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " فر وا عنه (7). 3 - فس: " وإن كادوا ليستفزونك من الارض " يعني أهل مكة " إلا قليلا ".


(1) أزعجه: قلعه من مكانه وطرده. (2) مجمع البيان 6: 432 و 433. (3) مجمع البيان 8: 499. وزاد فيه: إنى رأيت الله قد أهانك. (4) تفسير القمى: 151. (5) أراد بالشياطين شياطين الانس وهم الذين لا يؤمنون، أو الاعم. (6) في المصدر: ويستمع قريش. (7) تفسير القمى: 382.

[ 52 ]

حتى قتلوا ببدر (1). 4 - ن: الدقاق، عن الاسدي، عن جرير بن حازم (2) عن أبى مسروق، عن الرضا (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتاه أبو لهب فتهدده، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن خدشت من قبلك خدشة فأنا كذاب، فكانت أول آية (3) نزع بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) الخبر (4). 5 - ما: المفيد، عن الجعابي، عن الفضل بن الحباب الجمحي، عن الحسين بن عبد الله الابلي، عن أبي خالد الاسدي، عن أبي بكر بن عياش، عن صدقة بن سعيد الحنفي، عن جميع بن عمير قال: سمعت عبد الله بن عمر بن الخطاب يقول: انتهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى العقبة فقال: لا يجاوزها أحد، فعوج الحكم بن أبي العاص فمه مستهزئا به (صلى الله عليه وآله)، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من اشترى شاة مصراة فهو بالخيار (5)، فعوج الحكم فمه، فبصر به النبي (صلى الله عليه وآله) فدعا عليه فصرع شهرين، ثم أفاق، فأخرجه النبي (صلى الله عليه وآله) عن المدينة طريدا ونفاه عنها (6). 6 - فس: في رواية أبى الجارود، عن أبى جعفر (عليه السلام) في قوله: " وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم " يقول: فأعميناهم " فهم لا يبصرون (7) " الهدى أخد الله سمعهم وأبصارهم وقلوبهم فأعماهم عن الهدى، نزلت في أبى جهل بن هشام عليه اللعنة ونفر من أهل بيته، وذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله) قام يصلي وقد حلف أبو جهل لئن رآه يصلي ليدمغنه، فجاءه ومعه حجر والنبي (صلى الله عليه وآله) قائم يصلي، فجعل كلما رفع الحجر ليرميه


(1) تفسير القمى: 386. قوله، حتى قتلوا ببدر، أي ما لبثوا بعد خروجه الا زمانا قليلا حتى قتلوا ببدر. (2) في نسخة من المصدر: جرير بن دارم. (3) أي اول آية بينها، قال الزمخشري في الاساس: وفلان ينزع بحجته: يحضر بها. (4) عيون أخبار الرضا: 333. والحديث طويل راجعه. (5) المصراة من الشاة أو النوق: التى لا تحلب أياما حتى يجتمع اللبن في ضرعها. (6) أمالى ابن الشيخ: 110 و 111. (7) يس: 9.

[ 53 ]

أثبت الله يده إلى عنقه، ولا يدور الحجر بيده، فلما رجع إلى أصحابه سقط الحجر من يده (1)، ثم قام رجل آخر من رهطه أيضا فقال: أنا أقتله، فلما دنامنه فجعل يسمع قراءة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فارعب فرجع إلى أصحابه فقال: حال بيني وبينه كهيئة الفحل يخطر بذنبه، فخفت أن أتقدم (2). بيان: خطر البعير بذنبه كضرب: رفعه مرة بعد أخرى وضرب به فخذيه. 7 - فس: " فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين * إنا كفيناك المستهزئين " فإنها نزلت بمكة بعد أن نبئ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بثلاث سنين، وذلك أن النبوة نزلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم الاثنين، وأسلم علي (عليه السلام) يوم الثلثاء، ثم أسلمت خديجة بنت خويلد زوجة النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم دخل أبو طالب إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وهو يصلي وعلي بجنبه، وكان مع أبي طالب جعفر فقال له أبو طالب: صل جناح ابن عمك، فوقف جعفر على يسار رسول الله فبدر رسول الله من بينهما: فكان يصلي رسول الله وعلي (عليه السلام) وجعفر وزيد بن حارثة و خديجة، فلما أتى لذلك ثلاث سنين أنزل الله عليه " اصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين * إنا كفيناك المستهزئين " وكان المستهزؤون برسول الله (صلى الله عليه وآله) خمسة: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والاسود بن المطلب - وكان رسول الله دعا عليه (3) لما كان بلغه من إيذائه واستهزائه فقال: " اللهم أعم بصره وأثكله بولده " فعمي بصره، وقتل ولده ببدر - والاسود بن عبد يغوث (4)، والحارث بن طلاطلة الخزاعي، فمر الوليد بن المغيرة برسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعه جبرئيل فقال جبرئيل: يا محمد هذا الوليد بن المغيرة وهو من المستهزئين بك قال: نعم، وقد كان مر برجل من خزاعة على باب المسجد وهو يريش نبالا له فوطئ على بعضها، فأصاب أسفل عقبه قطعة من ذلك فدميت، فلما مر بجبرئيل أشار إلى ذلك الموضع، فرجع الوليد إلى منزله ونام على سريره، وكانت ابنته نائمة أسفل منه فانفجر الموضع الذي أشار إليه جبرئيل أسفل عقبه، فسال منه الدم حتى صار إلى فراش ابنته، فانتبهت


(1) عن يده خ ل. (2) تفسير القمى: 548. (3) الضمير راجع إلى الاخير. (4) في المصدر: وكذلك دعا على الاسود بن عبد يغوث. (*)

[ 54 ]

ابنته فقالت الجارية: انحل وكاء (1) القربة قال الوليد: ما هذا وكاء القربة، ولكنه دم أبيك. فاجمعي لي ولدي وولد أخي، فإني ميت، فجمعتهم فقال لعبد الله بن أبي ربيعة: إن عمارة ابن الوليد بأرض الحبشة بدار مضيعة (2) فخذ كتابا من محمد إلى النجاشي أن يرده، ثم قال لابنه هاشم وهو أصغر ولده: يا بني اوصيك بخمس خصال فاحفظها: اوصيك بقتل أبي رهم الدوسي وإن أعطوكم ثلاث ديات، فإنه غلبني على امرأتي وهي بنته، ولو تركها وبعلها كانت تلد لي ابنا مثلك، ودمي في خزاعة وما تعمدوا قتلي، وأخاف أن تنسو بعدي، ودمي في بني خزيمة بن عامر، ودياتي (3) في سقيف فخذه ولاسقف نجران علي مأتا دينار فاقضها، ثم فاضت نفسه. ومر أبو زمعة الاسود (4) برسول الله فأشار جبرئيل إلى بصره فعمي ومات، ومر به الاسود بن عبد يغوث فأشار جبرئيل إلى بطنه فلم يزل يستسقي حتى انشق بطنه، و مر العاص بن وائل فأشار جبرئيل إلى رجله فدخل عود في أخمص قدمه (5) وخرجت من ظاهره ومات، ومر ابن الطلاطلة فأرسل الله إليه جبرئيل فأشار إلى (6) وجهه فخرج إلى جبال تهامة فأصابته السمائم، ثم استسقى حتى انشق بطنه، وهو قول الله: " إنا


(1) الوكاء: رباط القربة ونحوها. (2) في نسخة من المصدر: مضيقة. (3) في المصدر المطبوع: ديانى، ولعله الصحيح، وفى نسخة مخطوطة. رياتى (رثاثى خ ل) والظاهر أن فيهما تصحيفا. قوله: سقيف بالسين، هكذا في نسخة المصنف وسائر النسخ المطبوعة والمخطوطة، وفى المصدر المطبوع ونسختين مخطوطتين والبرهان: ثقيف بالثاء المثلثة. (4) هكذا في نسخة المصنف وسائر النسخ، وأبو زمعة هو الاسود بن المطلب، وقد تقدم ذكره، ففيه تكرار، وفى نسخ المصدر جميعها: ربيعة بن الاسود، والظاهر أن كليهما مصحفان، ولعل الصحيح: زمعة بن الاسود، وهو: ابن الاسود بن المطلب، وتقدم في صدر الحديث أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعا عليه وعلى أبيه في قوله. " اللهم أعم بصره، وأثكله بولده " ولكن هذا ينافى ما يأتي بعد ذلك من قتله ببدر فتأمل. (5) في المصدر: فأشار جبرئيل إلى رجليه فدخل عود في أخمص قدميه. (6) فأشار جبرئيل إلى وجهه خ ل.

[ 55 ]

كفيناك المستهزئين (1) ". بيان. السمائم جمع السموم وهو الريح الحارة. 8 - شى: عن أبان الاحمر رفعه قال: كان المستهزؤون خمسة من قريش: الوليد بن المغيرة المخزومي، والعاص بن وائل السهمي، والحارث بن حنظلة (2)، والاسود بن عبد يغوث بن وهب الزهري، والاسود بن المطلب بن أسد، فلما قال الله: " إنا كفيناك المستهزئين " علم رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قد أخزاهم، فأماتهم الله بشر ميتات (3). 9 - ل: القطان: عن عبد الرحمن بن محمد الحسني، عن محمد بن علي الخراساني عن سهل بن صالح العباسي، عن أبيه، وإبراهيم بن عبد الرحمن الابلي، عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال ليهودي من يهود الشام وأحبارهم فيما أجابه عنه من جواب مسائله: فأما المستهزؤون فقال الله عزوجل له: " إنا كفيناك المستهزئين " فقتل الله خمستهم، قد قتل كل واحد منهم بغير قتلة صاحبه في يوم واحد، أما الوليد بن المغيرة فإنه مر بنبل لرجل من خزاعة قد راشه في الطريق، فأصابته شظية منه فانقطع أكحله حتى أدماه فمات، وهو يقول: قتلني رب محمد، وأما العاص بن وائل السهمي فإنه خرج في حاجته له إلى كدافتدهده تحته حجر فسقط فتقطع قطعة قطعة فمات، وهو يقول: قتلني رب محمد، وأما الاسود بن عبد يغوث فإنه خرج يستقبل ابنه زمعة ومعه غلام له فاستظل بشجرة تحت كدا، فأتاه جبرئيل (عليه السلام) فأخذ رأسه فنطح به الشجرة، فقال لغلامه: امنع هذا عني، فقال: ما أرى أحدا يصنع بك شيئا إلا نفسك فقتله، وهو يقول: قتلني رب محمد. قال الصدوق رحمة الله عليه: ويقال في خبر آخر في الاسود قول آخر، يقال: إن النبي (صلى الله عليه وآله) كان قد دعا عليه أن يعمي الله بصره، وأن يثكله ولده، فلما كان في ذلك اليوم جاء حتى صار إلى كدافأتاه جبرئيل بورقة خضراء فضرب بها وجهه فعمي وبقي


(1) تفسير القمى: 353 و 354. (2) هكذا في نسخة المصنف وتفسير البرهان، ولعل حنظلة مصحف طلاطلة، أو الثاني لقب حنظلة. (3) تفسير العياشي: مخطوط: وأخرجه أيضا البحراني في البرهان 2: 356.

[ 56 ]

حتى أثكله الله عزوجل ولده يوم بدر ثم مات، وأما الحارث بن الطلاطلة فإنه خرج من بيته في السموم فتحول حبشيا فرجع إلى أهله فقال: أنا الحارث، فغضبوا عليه فقتلوه، وهو يقول: قتلني رب محمد، وأما الاسود بن الحارث فإنه أكل حوتا مالحا فأصابه العطش (1) فلم يزل يشرب الماء حتى انشق بطنه فمات، وهو يقول: قتلني رب محمد، كل ذلك في ساعة واحدة، وذلك أنهم كانوا بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا له: يا محمد ننتظر بك الظهر، فإن رجعت عن قولك وإلا قتلناك، فدخل النبي (صلى الله عليه وآله) منزله فأغلق عليه بابه مغتما بقولهم، فأتاه جبرئيل (عليه السلام) ساعته فقال له: يا محمد السلام يقرأ عليك السلام وهو يقول: " فاصدع بما تؤمر " يعني أظهر أمرك لاهل مكة وادع " وأعرض عن المشركين " قال: يا جبرئيل كيف أصنع بالمستهزئين وما أوعدوني ؟ قال له: " إنا كفيناك المستهزئين " قال: يا جبرئيل كانوا عندي الساعة بين يدي، فقال: قد كفيتهم، فأظهر أمره عند ذلك. قال الصدوق رحمه الله: والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة، وقد أخرجته بتمامه في آخر الجزء الرابع من كتاب النبوة (2). بيان: النبل بالفتح: السهام العربية، وراش السهم يريشه ألزق عليه الريش، و الشظية بفتح الشين وكسر الظاء المعجمة وتشديد الياء: الفلقة من العصا ونحوها، و الاكحل: عرق في اليد يفصد، وكداء بالفتح والمد: الثنية العليا بمكة مما يلي المقابر وهو المعلى، وكدا بالضم والقصر: الثنية السفلى مما يلي باب العمرة، ويقال: دهده الحجر فتدهده أي دحرجه فتدحرج. 10 - قب، يج: روي، أن أبا جهل طلب غرته (3) فلما رآه ساجدا أخذ صخرة ليطرحها عليه ألزقها الله بكفه، ولما عرف أن لا نجاة إلا بمحمد سأله أن يدعو ربه


(1) عليه العطش خ ل. أقول: وفى المصدر: وأصابه غلبة العطش. وهو الصحيح. (2) الخصال 1: 134 و 135. (3) الغرة بالكسر. الغفلة.

[ 57 ]

فدعا الله فأطلق يده، وطرح بصخرته (1). 11 - يج: روي أن امرأة من اليهود عملت له سحرا فظنت أنه ينفذ فيه كيدها، والسحر باطل محال، إلا أن الله دله عليه، فبعث من استخرجه، وكان على الصفة التي ذكرها، وعلى عدد العقد التي عقد فيها ووصف، مالو عاينه معاين لغفل عن بعض ذلك (2). 12 - يج: روي عن ابن مسعود قال: كنا مع النبي (صلى الله عليه وآله) فصلى في ظل الكعبة وناس من قريش وأبو جهل نحروا جزورا في ناحية مكة فبعثوا وجاءوا بسلاها فطرحوه بين كتفيه، فجاءت فاطمة عليها السلام فطرحته عنه، فلما انصرف قال: " اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بأبي جهل وبعتبة وشيبة ووليد بن عتبة وأمية بن خلف وبعقبة ابن أبي معيط قال عبد الله: ولقد رأيتهم قتلى في قليب بدر. بيان: السلا مقصورة: الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد من المواشي. 13 - يج: روي أن أبا ثروان كان راعيا في إبل عمرو بن تميم، فخاف رسول الله (صلى الله عليه وآله) من قريش، فنظر إلى سواد الابل فقصد له وجلس بينها، فقال: يا محمد لا تصلح إبل أنت فيها، فدعا عليه، فعاش شقيا يتمنى الموت. 14 - يج: روي أن عتبة بن أبي لهب قال: كفرت برب النجم، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) أما تخاف أن يأكلك كلب الله، فخرج في تجارة إلى اليمن فبينما هم قد عرسوا (3) إذ سمع صوت الاسد فقال لاصحابه: إني مأكول بدعاء محمد، فناموا حوله فضرب (4) على آذانهم، فجاءه الاسد حتى أخذه فما سمعوا إلا صوته. وفي خبر آخر: أنه لما قال: كفرت بالذي دنا فتدلى، وتفل في وجه محمد قال (صلى الله عليه وآله): " اللهم سلط عليه كلبا من كلابك " فخرجوا إلى الشام فنزلوا منزلا


(1) مناقب آل أبى طالب 1: 69، أقول: ألفاظ الحديث من الخرائج، وأما هي في المناقب فهكذا: وكان أبو جهل يطلب غرته فوجده يوما في سجوده فرفع صخرة عظيمة يدفعها عليه، فامسكت من يده وصار عبرة للناس، فتضرع إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فدعا له بفرج فرالت. (2) ألفاظ الحديث لا تخلو عن اضطراب، والحديث غير مذكور في المطبوع. (3) عرسواأى نزلوا من السفر للاستراحة ثم يرتحلون. (4) ضرب على اذنه أي ضرب على اذنه حجاب من النوم. أي أنيم انامة ثقيلة.

[ 58 ]

فقال لهم راهب من الدير: هذه أرض مسبعة، فقال أبو لهب: يا معشر قريش أعينونا هذه الليلة، إنى أخاف عليه دعوة محمد، فجمعوا جمالهم (1) وفرشوا لعتبة في أعلاها وناموا حوله، فجاء الاسد يتشمم وجوههم، ثم ثنى ذنبه فوثب فضربه بيده ضربة واحدة فخدشه، قال: قتلني (2)، فمات مكانه. قب: روت العامة عن الصادق (عليه السلام) وعن ابن عباس، وذكر مثله (3). 15 - يج من معجزاته أنه (صلى الله عليه وآله) كان يصلي مقابل الحجر الاسود، ويستقبل بيت المقدس ويستقبل الكعبة، فلا يرى حتى يفرغ من صلاته، وكان يستتر بقوله: " وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا (4) " وبقوله: " أولئك الذين طبع الله على قلوبهم (5) " وبقوله: " وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا (6) " وبقوله: " أرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة (7) ". 16 - يج: روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: قال عبد الله بن أمية لرسول الله: إنا لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا، أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء، ولن نؤمن لرقيك، والله لو فعلت ذلك ما كنت أدري أصدقت أم لا، فانصرف النبي (صلى الله عليه وآله) ثم نظروا (8) في امورهم فقال أبو جهل: لئن أصبحت وهو قد دخل المسجد لاطرحن على رأسه اعظم حجر أقدر عليه، فدخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) المسجد فصلى، فأخذ


(1) هكذا في نسخة المصنف، ولعله مصحف أحمالهم. (2) قتلتنى خ ل. (3) مناقب آل أبى طالب 1: 71، ألفاظ الحديث فيه تخالف ما مر من الخرائج، قال في صدره: عن ابن عباس: لما نزل: " والنجم " قال عتبة بن أبى لهب: كفرت بالنجم إذا هوى، وبالنجم إذا تدلى. (4) الاسراء: 45. (5) النحل: 107. (6) الانعام: 25. (7) الجاثية: 33 والصحيح كما في المصحف الشريف: أفرأيت. (8) ثم نظر خ ل.

[ 59 ]

أبو جهل الحجر وقريش تنظر، فلما دنا ليرمي بالحجر من يده أخذته الرعدة، فقالوا: مالك ؟ قال: رأيت أمثال الجبال متقنعين في الحديد لو تحركت أخذوني. 17 - يج: روي عن جابر قال: إن الحكم بن العاص عم عثمان بن عفان كان يستهزئ من رسول الله بخطوته في مشيته، ويسخر منه، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوما (1) والحكم خلفه يحرك كتفيه ويكسر يديه خلف رسول الله استهزاء منه بمشيته (صلى الله عليه وآله)، فأشار رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيده وقال: هكذى فكن، فبقي الحكم على تلك الحال من تحريك أكتافه وتكسر (2) يديه، ثم نفاه عن المدينة ولعنه، فكان مطرودا إلى أيام عثمان فرده إلى المدينة (3). 18 - يج: روي عن جابر، عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بعض الليالي فقرأ: " تبت يدا أبي لهب " فقيل لام جميل اخت أبي سفيان امرأة أبي لهب: إن محمدا لم يزل البارحة يهتف بك وبزوجك في صلاته ويقنت عليكما، فخرجت تطلبه وهي تقول: لئن رأيته لاسمعته وجعلت تنشد (4) من أحس لي محمدا حتى انتهت إلى رسول الله وأبو بكر جالس معه، فقال أبو بكر: يا رسول الله لو انتحيت (5) فإن ام جميل قد أقبلت وأنا خائف أن تسمعك شيئا، فقال: إنها لم ترني، فجاءت حتى قامت عليه، و قالت: يا أبا بكر أرأيت محمدا ؟ قال: لا، فمضت راجعة إلى بيتها. فقال أبو جعفر (عليه السلام): ضرب الله بينهما حجابا أصفر، وكانت تقول له (صلى الله عليه وآله): مذمم، وكذا قريش كلهم، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): إن الله أنساهم اسمي وهم يعلمون، يسمون (6) مذمما وأنا محمد.


(1) في المصدر: وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يمشى. (2) وتكسير خ ل. (3) الخرائج: 188 و 189. (4) أي تسترشد عنه وتقول: من أحس إ ه‍. (5) أي لو أخذت ناحية وانصرفت عنها، والكلمة واوى. (6) يذمون خ ل. أقول: والصحيح: يسبون مذمما وأنا محمد كما في السيرة: 1 - 356 (*)

[ 60 ]

19 - قب: جابر بن عبد الله (1): إن النبي (صلى الله عليه وآله) نزل تحت شجرة فعلق بها سيفه ثم نام، فجاء أعرابي فأخذ السيف وقام على رأسه، فاستيقظ النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال: يا محمد من يعصمك الآن مني ؟ قال: الله تعالى، فرجف وسقط السيف من يده. وفي خبر آخر: أنه بقي جالسا زمانا ولم يعاقبه النبي (صلى الله عليه وآله). الثمالي: في تفسير قوله: " يا أيها الناس (2) اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم " إن القاصد إلى النبي (صلى الله عليه وآله) كان دعثور بن الحارث، فدفع جبرئيل في صدره فوقع السيف من يده، فأخذه رسول الله وقام على رأسه، فقال: ما يمنعك مني ؟ فقال: لا أحد، وأنا أعهد أن لا اقاتلك أبدا، ولا اعين عليك عدوا، فأطلقه، فسئل بعد انصرافه عن حاله فقال: نظرت إلى رجل طويل أبيض دفع في صدري، فعرفت أنه ملك، ويقال: إنه أسلم وجعل يدعو قومه إلى الاسلام. حذيفة وأبو هريرة: جاء أبو جهل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وهو يصلي ليطأ على رقبته، فجعل ينكص على عقبيه، فقيل له: مالك ؟ قال: إن بيني وبينه خندقا من نار مهولا، ورأيت ملائكة ذوي أجنحة فقال النبي (صلى الله عليه وآله): لودنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا، فنزل: " أفرأيت الذى ينهى (3) " الآيات. ابن عباس: إن قريشا اجتمعوا في الحجر فتعاقدوا باللات والعزى ومناة لو رأينا محمدا لقمنا مقام رجل واحد ولنقتلنه، فدخلت فاطمة عليها السلام على النبي (صلى الله عليه وآله) باكية وحكت مقالهم، فقال: يا بنية احضري لي وضوءا، فتوضأ ثم خرج إلى المسجد، فلما رأوه قالوا: هاهوذا، وخفضت رؤوسهم وسقطت أذقانهم في صدورهم، فلم يصل إليه رجل منهم، فأخذ النبي (صلى الله عليه وآله) قبضة من التراب فحصبهم (4) بها وقال: شاهت (5) الوجوه،


(1) أي قال جابر بن عبد الله. وكذا الكلام فيما يأتي بعد. (2) هكذا في النسخة والمصدر، والوهم من ابن شهر آشوب أو ناسخ كتابه، والصحيح: " يا أيها الذين آمنوا " راجع المائدة: 11. (3) العلق: 9. (4) الوضوء بالفتح: الماء الذى يتوضأ به. (5) أي رماهم بها. (6) أي قبحت.

[ 61 ]

فما أصاب رجلا منهم إلا قتل يوم بدر. محمد بن إسحاق: لما خرج النبي (صلى الله عليه وآله) مهاجرا تبعه سراقة بن جعشم مع خيله، فلما رآه رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعا فكان قوائم فرسه ساخت حتى تغيبت، فتضرع إلى النبي (صلى الله عليه وآله) حتى دعا وصار إلى وجه الارض فقصد، كذلك ثلاثا والنبي (صلى الله عليه وآله) يقول: يا أرض خذيه، وإذا تضرع قال: دعيه: فكف بعد الرابعة وأضمر أن لا يعود إلى ما يسوئه. وفي رواية: وأتبعه دخان حتى استغاثه فانطلقت الفرس فعذله أبو جهل، فقال سراقة: أبا حكم واللات لو كنت شاهدا * لامر جوادي إذ تسيخ قوائمه عجبت ولم تشكك بأن محمدا * نبي وبرهان فمن ذا يكاتمه ؟ عليك فكف الناس عنه فإنني * أرى أمره يوما ستبدو معالمه وكان (صلى الله عليه وآله) مارا في بطحاء مكة فرماه أبو جهل بحصاة فوقفت الحصاة معلقة سبعة أيام ولياليها فقالوا: من يرفعها ؟ قال: يرفعه الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها. عكرمة: لما غزا يوم حنين قصد إليه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة عن يمينه، فوجد عباسا، فأتى عن يساره فوجد أبا سفيان بن الحارث، فأتى من خلفه فوقعت بينهما شواظ من نار، فرجع القهقرى، فرجع النبي (صلى الله عليه وآله) إليه وقال: " يا شيب يا شيب ادن مني، اللهم أذهب عنه الشيطان " قال: فنظرت إليه ولهو أحب إلى من سمعي وبصري فقال: يا شيب قاتل الكفار، فلما انقضى القتال دخل عليه فقال: الذي أراد الله بك خير مما أردته لنفسك، وحدثه بجميع مازوى (1) في نفسه فأسلم. ابن عباس في قوله: " ويرسل الصواعق (2)، قال: قال عامر بن الطفيل لاربد بن قيس: قد شغلته عنك مرارا فألا ضربته ؟ يعني النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال أربد: أردت ذلك مرتين فاعترض لي في أحدهما حائط من حديد، ثم رأيتك الثانية بيني وبينه، أفأقتلك ؟


(1) روى خ ل. أقول: يقال: زوى الكلام إذا هياه في نفسه: وروى في الامر: نظر فيه و تفكر. (2) الرعد: 13.

[ 62 ]

وفي رواية الكلبي: أنه لما اخترط من سيفه شبرا لم يقدر على سله، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): اللهم أكفنيهما بما شئت. وفي رواية: أن السيف لصق به، وفي الروايات كلها: أنه لم يصل واحد منهما إلى منزله، أما عامر فغد (1) في ديار بني سلول، فجعل يقول: أغدة كغدة البعير و موتا في بيت السلولية ؟ وأما أربد فارتفعت له سحابة فرمته بصاعقة فأحرقته، وكان أخا لبيد لامه، فقال يرثيه. فجعني الرعد والصواعق بال‍ * فارس يوم الكريهة النجد أخشى على أربد الحتوف ولا * أرهب نوء السماك والاسد ابن عباس وأنس وعبد الله بن مغفل: إن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا من جبل التنعيم عند صلاة الفجر عام الحديبية ليقتلوهم. وفي رواية: كان النبي (صلى الله عليه وآله) جالسا في ظل شجرة وبين يديه علي (عليه السلام) يكتب الصلح، وهم ثلاثون شابا، فدعا عليهم النبي (صلى الله عليه وآله)، فأخذ الله بأبصارهم حتى أخذناهم فخلى سبيلهم فنزل: " وهو الذي كف أيديهم عنكم (2) ". ابن جبير وابن عباس ومحمد بن ثور في قوله: " فاصدع بما تؤمر " الآيات كان المستهزؤون به جماعة مثل الوليد بن المغيرة المخزومي، والاسود بن عبد يغوث الزهري، وأبو زمعة الاسود بن المطلب، والعاص بن وائل السهمي، والحارث بن قيس السهمي، و عقبة بن أبي معيط، وفيهلة بن عامر الفهري، والاسود بن الحارث، وأبوا حيحة (3) وسعيد بن العاص، والنضر بن الحارث العبدري، والحكم بن العاص بن أمية، وعتبة بن ربيعة، و طعيمة بن عدي، والحارث بن عامر بن نوفل، وأبو البختري العاص بن هاشم بن أسد، و أبو جهل، وأبو لهب وكلهم قد أفناهم الله بأشد نكال، وكانوا قالوا له: يا محمد ننتظر بك إلى الظهر فإن رجعت عن قولك وإلا قتلناك، فدخل (صلى الله عليه وآله) منزله وأغلق عليه بابه فأتاه جبرئيل ساعته فقال له: يا محمد السلام يقرأ عليك السلام وهو يقول: اصدع بما تؤمر وأنا معك


(1) فأغد خ ل. (2) الفتح: 24. (3) وهوامية بن خلف وفى طبع الكمبانى: ابو اجنحة سعيد بن العاص.

[ 63 ]

وقد أمرني ربي بطاعتك، فلما أتيا (1) البيت رمى الاسود بن المطلب في وجهه بورقة خضراء فقال: " اللهم أعم بصره وأثكله ولده " فعمي وأثكله الله ولده. وروي أنه أشار إلى عينه فعمي وجعل يضرب رأسه على الجدار حتى هلك، ثم مر به الاسود بن عبد يغوث فأومأ إلى بطنه فاستسقى ماء ومات حبنا، ومر به الوليد فأومأ إلى جرح اندمل في بطن رجله من نبل فتعلقت به شوكة فنن (2) فخدشت ساقه ولم يزل مريضا حتى مات، ونزل فيه: " سارهقه صعودا (3) " وإنه يكلف أن يصعد جبلا في النار من صخرة ملساء فإذا بلغ أعلاها لم يترك أن يتنفس فيجذب إلى أسفلها، ثم يكلف مثل ذلك. ومر به العاص فعابه فخرج من بيته فلفحته السموم: فلما انصرف إلى داره لم يعرفوه، فباعدوه فمات غما. وروي أنهم غضبوا عليه فقتلوه. وروي أنه وطئ على شبرقة فدخلت في أخمص رجله، فقال: لدغت، فلم يزل يحكها حتى مات، ومر به الحارث فأومأ إلى رأسه فتقيأ ؟ قيحا، ويقال: إنه لدغته الحية ويقال: خرج إلى كدا فتدهده عليه حجر فتقطع، أو استقبل ابنه في سفر فضرب جبرئيل رأسه على شجرة، وهو يقول: يا بني أدركني، فيقول: لا أرى أحدا حتى مات. وأما الاسود بن الحارث أكل حوتا فأصابه العطش فلم يزل يشرب الماء حتى انشقت بطنه، وأما فيهلة بن عامر فخرج يريد الطائف ففقد ولم يوجد، وأما عيطلة (4) فاستسقى فمات، ويقال: أتى بشوك فأصاب عينيه فسالت حدقته على وجهه، وأما أبو لهب فإنه سأل أبا سفيان عن قصة بدر فقال: إنا لقيناهم فمنحناهم أكتافنا فجعلوا يقتلوننا وياسروننا كيف شاءوا، وايم الله مع ذلك ما مكث الناس لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والارض لا يقوم لها شئ، فقال أبو رافع لام الفضل بنت العباس: تلك الملائكة،


(1) أي النبي (صلى الله عليه وآله) وجبرئيل. وفى المصدر: فلما أتى. (2) قين خ ل. (3) المدثر: 17. (4) هكذا في نسخة المصنف، والصحيح كما في المصدر: عقبة، وهو عقبة بن أبى معيط.

[ 64 ]

فجعل يضربني، فضربت ام الفضل على رأسه بعمود الخيمة، فلقت (1) رأسه شجة منكرة فعاش سبع ليال، وقد رماه الله بالعدسة (2)، ولقد تر كه ابناه ثلاثا لا يدفنانه، وكانت قريش تتقي العدسة فدفنوه بأعلى مكة على جدار، وقذفوا عليه الحجارة حتى واروه. ونزل قوله تعالى: " لقد حق القول (3) " الآيات في أبى جهل، وذلك أنه كان حلف لئن رأى محمدا يصلي ليرضخن رأسه، فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليد مغنه (4)، فلما رفعه أثبتت يده إلي عنقه ولزق الحجر بيده، فلما عاد إلى أصحابه وأخبرهم بما رأى سقط الحجر من يده، فقال رجل من بني مخزوم: أنا أقتله بهذا الحجر فأتاه وهو يصلي ليرميه بالحجر فأغشى الله بصره، فجعل يسمع صوته ولا يراه، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه ما صنعت ؟ فقال: ما رأيته، ولقد سمعت صوته، وحال بيني وبينه كهيئة الفحل يخطر (5) بذنبه، لو دنوت منه لاكلني. ابن عباس في قوله: " وجعلنا من بين أيديهم سدا (6) ": إن قريشا اجتمعت فقالت: لئن دخل محمد لنقومن إليه قيام رجل واحد، فدخل النبي (صلى الله عليه وآله) فجعل الله من بين أيديهم سدا فلم يبصروه، فصلى (صلى الله عليه وآله) ثم أتاهم فجعل ينثر على رؤوسهم التراب وهم لا يرونه، فلما جلى عنهم رأوا التراب فقالوا: هذا ما سحر كم ابن أبي كبشة. ولما نزلت الاحزاب على المدينة عبى أبو سفيان سبعة آلاف رام كو كبة (7) واحدة ثم قال: ارموهم رشقا واحدا، فوقع في أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) سهام كثيرة، فشكوا ذلك إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فلوح إلى السهام بكمه، ودعا بدعوات فهبت ريح عاصفة فردت السهام


(1) في المصدر: ففلقت. (2) العدسة: بثرة تخرج في الجسد وهى من الطاعون تقتل صاحبها (3) يس: 7. (4) في المصدر: ليدمغه. (5) أي رفعه مرة بعد مرة وضرب به فخذيه. (6) خطر بزنبه يس: 9. (7) كركبة واحدة خ ل. بحار الانوار - 4 -

[ 65 ]

إلى القوم، فكل من رمى سهما عاد السهم إليه فوقع فيه، جرحه بقدرة الله وبركة رسوله. ودخل النبي (صلى الله عليه وآله) مع ميسرة إلى حصن من حصون اليهود ليشتروا خبزا وادما، فقال يهودي: عندي مرادك، ومضى إلى منزله وقال لزوجته: اطلعي إلى عالي الدار، فإذا دخل هذا الرجل فارمي هذه الصخرة عليه، فأدارت المرأة الصخرة، فهبط جبرئيل فضرب الصخرة بجناحه، فخرقت الجدار وأتت تهتز كأنها صاعقة، فأحاطت بحلق الملعون، وصارت في عنقه كدور الرحى (1)، فوقع كأنه المصروع، فلما أفاق جلس وهو يبكي، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): ويلك ما حملك على هذا الفعال ؟ فقال: يا محمد لم يكن لي في المتاع حاجة، بل أردت قتلك، وأنت معدن الكرم، وسيد العرب والعجم، اعف عني فرحمه النبي (صلى الله عليه وآله) فانزاحت الصخرة عن عنقه. جابر وابن عباس: قال رجل من قريش لاقتلن محمدا، فوثب به فرسه فاندقت رقبته، واستغاث الناس إلى معمر بن يزيد وكان أشجع الناس ومطاعا في بني كنانة، فقال لقريش: أنا اريحكم منه، فعندي عشرون ألف مدجج، فلا أرى هذا الحي من بني هاشم يقدرون على حربي، فإن سألوني الدية أعطيتهم عشر ديات ففي مالي سعة، وكان يتقلد بسيف طوله عشرة أشبار في عرض شبر، فأهوى إلى النبي (صلى الله عليه وآله) بسيفه وهو ساجد في الحجر، فلما قرب منه عثر بدرعه فوقع ثم قام وقد ادمي وجهه بالحجارة، وهو يعدو أشد العدو حتى بلغ البطحاء فاجتمعوا إليه وغسلوا الدم عن وجهه وقالوا: ماذا أصابك فقال: المغرور والله من غررتموه، قالوا: ما شأنك ؟ قال: دعوني تعد إلي نفسي، ما رأيت كاليوم، قالوا: ماذا أصابك ؟ قال: لما دنوت منه وثب إلي من عند رأسه شجاعان أقرعان ينفخان بالنيران. وروي أن كلدة بن أسد رمى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمزراق (2) وهو بين دار عقيل وعقال فعاد المزراق إليه فوقع في صدره، فعاد فزعا وانهزم، وقيل له: ما لك ؟ قال: ويحكم أما


(1) كحجر الرحى. (2) المزراق: الرمح القصير. (*)

[ 66 ]

ترون الفحل خلفي ؟ قالوا: ما نرى شيئا، قال: ويحكم فإني أراه، فلم يزل يعدو حتى بلغ الطائف. الواقدي: خرج النبي (صلى الله عليه وآله) للحاجة في وسط النهار بعيدا، فبلغ إلى أسفل ثنية الحجون فأتبعه النضر بن الحارث يرجو أن يغتاله، فلما دنا منه عاد راجعا، فلقيه أبو جهل فقال: من أين جئت ؟ قال: كنت طمعت أن أغتال محمدا، فلما قربت منه فإذا أساود تضرب بأنيابها على رأسه، فاتحة أفواهها، فقال أبو جهل: هذا بعض سحره. وقصد إليه رجل بفهر وهو ساجد، فلما رفع يده ليرمي به، يبست يده على الحجر. ابن عباس: كان النبي (صلى الله عليه وآله) يقرأ في المسجد فيجهر بقراءته فتأذى به ناس من قريش، فقاموا ليأخذوه، وإذا أيديهم مجموعة إلى أعناقهم، وإذا هم عمى لا يبصرون فجاءوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقالوا: ننشدك الله والرحم، فدعا النبي (صلى الله عليه وآله) فذهب ذلك عنهم فنزلت " يس " إلى قوله: فهم لا يبصرون ". أبو ذر: كان النبي (صلى الله عليه وآله) في سجوده فرفع أبو لهب حجرا يلقيه عليه فثبتت (1) يده في الهواء، فتضرع إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وعقد الايمان لو عوفي لا يؤذيه، فلما برئ قال: لانت ساحر حاذق، فنزل: " تبت يدا أبي لهب (2) ". وتكمن (3) نضر بن الحارث بن كلدة لقتل النبي (صلى الله عليه وآله) فلما سل سيفه رئي خائفا مستجيرا، فقيل: يا نضر هذا خير لك مما أردت يوم حنين مما حال الله بينك وبينه (4). بيان: العذل: الملامة، والشواظ بالضم والكسر: اللهب الذي لا دخان له، والغدة: طاعون الابل، وقلما يسلم منه، يقال: أغد (5) البعير فهو مغد، والنجد بكسر


(1) هكذا في نسخة المصنف، وهو الصحيح الظاهر مما ياتي في البيان وقد يحتمل أنه مصحف " فتبت " وهو الموجود أيضا في المصدر. (2) السورة: 111. (3) تكمن: استخفى. (4) مناقب آل أبى طالب 1: 63 - 69. (5) يقال: غد البعير: أصابه الغدد، وأغد: صار ذاغدة.

[ 67 ]

الجيم: الشديد البأس، والنوء: سقوط الكوكب، وكانت العرب في الجاهلية تنسب الامطار إلى الانواء وسيأتي بيانها، والحبن بالتحريك: عظم البطن، والاحبن: المستسقي والفنن (1) بالتحريك: الغصن، وفي بعض النسخ: قين بالقاف والياء وهو الحداد، والشبرق بكسر الشين والراء وسكون الباء: نبت حجازي يؤكل وله شوك، فإذا يبس سمي الضريع، والمدجج بفتح الجيم وكسرها: الشائك في السلاح، والفهر بالكسر: الحجر قدر ما يدق به الجوز، أو ما يملا الكف، والتباب: الهلاك والخسران، ويحتمل أن يكون هنا كناية عن ثبوت يده في الهواء، وهو خلاف المشهور بين المفسرين. 20 - قب: سار النبي (صلى الله عليه وآله) إلى بني شاجعة (2) فجعل يعرض عليهم الاسلام فأبوا وخرجوا إليه في خمسة آلاف فارس، فتبعوا النبي (صلى الله عليه وآله) فلما لحقوا به عاجلهم بدعوات فهبت عليهم ريح فأهلكتهم عن آخرهم (3). 21 - قب: رمى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ابن قمية بقذافة فأصاب كعبه حتى بدر السيف عن يده في يوم احد، وقال: خذها مني وأنا ابن قمية فقال النبي (صلى الله عليه وآله): أذلك الله وأقمأك، فأتى ابن قمية تيس وهو نائم فوضع قرنه في مرافه ثم دعسه - فجعل ينادي: واذلاه - حتى أخرج قرنيه من ترقوته. وكانت الكفار في حرب الاحزاب عشرة آلاف رجل وبنو قريظة قائمون بنصرتهم والصحابة في أزل (4) شديد، فرفع يديه وقال: يا منزل الكتاب سريع الحساب، اهزم الاحزاب، فجاءتهم ريح عاصف تقلع خيامهم فانهزموا بإذن الله وأيدهم بجنود لم يروها. وأخذ (صلى الله عليه وآله) يوم بدر كفا من التراب ويقال: حصى وترابا، ورمى به في وجوه القوم فتفرق الحصى في وجوه المشركين، فلم يصب من ذلك أحدا إلا قتل أو أسر، وفيه نزل: " وما (5) رميت إذ رميت ولكن الله رمى (6) ".


(1) أقول: ولعله مصحف " فيتن " كحيدر وهو النجار (2) في المصدر: بنى شجاعة. (3) مناقب آل أبى طالب 1: 69. (4) الازل، الشدة والضيق. (5) الانفال: 17. (6) مناقب آل أبى طالب 1: 69 و 70.

[ 68 ]

بيان: القذافة بفتح القاف وتشديد الذال: الذي يرمي به الشئ فيبعد وأقمأه بالهمز: صغره وأذله، ومراق البطن بفتح الميم وتشديد القاف: ما رق منه ولان من أسفله ولا واحد له، والدعس: الطعن. 22 - قب: جابر بن عبد الله: لما قتل العرنيون (1) راعي النبي (صلى الله عليه وآله) دعا عليهم فقال: " اللهم أعم عليهم الطريق " قال: فعمي عليهم حتى أدركوهم وأخذوهم. وحكى الحكم بن العاص مشية رسول الله (صلى الله عليه وآله) مستهزءا فقال (صلى الله عليه وآله): " كذلك فلتكن " فكان (2) يرتعش حتى مات وخطب (صلى الله عليه وآله) امرأة فقال أبوها، إن بها برصا امتناعا من خطبته، ولم يكن بها برص، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " فلتكن كذلك " فبرصت وهي ام شبيب ابن البرصاء (3) الشاعر. الاغاني: إن النبي (صلى الله عليه وآله) نظر إلى زهير بن أبي سلمى وله مأة سنة فقال: " اللهم أعذني من شيطانه " فما لاك بيتا (4) حتى مات (5). 23 - قب: طعن (صلى الله عليه وآله) ابيا في حربان (6) الدرع بعنزة في يوم احد، فاعتنق فرسه فانتهى إلى عسكره وهو يخور خوار الثور، فقال أبو سفيان: ويلك ما أجزعك ؟ إنما هو خدش ليس بشئ، فقال: طعنني ابن أبي كبشة، وكان يقول: أقتلك، فكان يخور الملعون حتى صار إلى النار. وكان بلال إذا قال: " أشهد أن محمدا رسول الله " كان منافق يقول كل مرة: حرق الكاذب، يعني النبي (صلى الله عليه وآله)، فقام المنافق ليلة ليصلح السراج فوقعت النار في سبابته، فلم


(1) العرنيون منسوب إلى العرينة وزان جهينة: بطن من بجيلة. (2) في المصدر: فلم يزل يرتعش. (3) خلا المصدر عن لفظة: ابن، وفى القاموس: البرصاء لقب ام شبيب الشاعر واسمها امامة أو قرصافة. (4) لاك اللقمة: مضغها، ومن المجاز: هو يلوك أعراض الناس، أي يقع فيهم ويطعن في عرضهم، و " ما لاك بيتا " هنا كناية عن عدم انشاده وقراءته. (5) مناقب آل أبى طالب 1: 71 و 72. (6) الجربان من القميص: طوقة، ولعله معرب، وأصله كريبان.

[ 69 ]

يقدر على إطفائها حتى أخذت كفه، ثم مرفقه، ثم عضده حتى احترق كله (1). 24 - قب: ابن عباس والضحاك في قوله: " ويوم يعض الظالم (2) " نزلت في عقبة ابن أبي معيط وابي بن خلف وكانا توأمين في الخلة، فقدم عقبة من سفره وأولم جماعة الاشراف وفيهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) لا آكل طعامك حتى تقول: " لا إله إلا الله، وإني رسول الله " فشهد الشهادتين، فأكل من طعامه، فلما قدم ابي بن خلف عذله وقال، صبأت (3)، فحكى قصته فقال: إني لا أرضى عنك أو تكذبه، فجاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وتفل في وجهه (صلى الله عليه وآله) فانشقت التفلة شقتان (4) وعادتا إلى وجهه فأحرقتا وجهه وأثرتا (5) ووعده النبي (صلى الله عليه وآله) حياته ما دام في مكة، فإذا خرج قتل بسيفه، فقتل عقبة يوم بدر، وقتل النبي (صلى الله عليه وآله) بيده ابيا (6). 25 - طب: محمد بن جعفر البرسي، عن محمد بن يحيى الارمني (7)، عن محمد بن سنان، عن المفضل (8)، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: إن جبرئيل (عليه السلام) أتى النبي (صلى الله عليه وآله) وقال له: يا محمد، قال: لبيك يا جبرئيل، قال: إن فلان اليهودي سحرك، وجعل السحر في بئر بني فلان، فابعث إليه - يعني إلى البئر - أوثق الناس عندك، وأعظمهم في عينك (9)، وهو عديل نفسك، حتى يأتيك بالسحر، قال: فبعث النبي (صلى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقال: انطلق إلى بئر ذروان فإن فيها سحرا سحرني به لبيد بن أعصم اليهودي فأتني به، قال علي (عليه السلام): فانطلقت في حاجة رسول الله (صلى الله عليه وآله)


(1) مناقب آل أبى طالب 1: 117. (2) الفرقان: 27. (3) عذله: لامه. قوله: صبأت أي خرجت من دين آباءك وألحدت. (4) في المصدر: شقتين وهو الصحيح. (5) أي تركتا في وجهه أثرا. (6) مناقب آل أبى طالب 1: 118. (7) في المصدر: أحمد بن يحيى الارمني. (8) في المصدر: محمد بن فضل بن عمر. (9) عينيك خ ل.

[ 70 ]

فهبطت فإذا ماء البئر قد صار كأنه ماء الحناء من السحر (1)، فطلبته مستعجلا حتى انتهيت إلى أسفل القليب فلم أظفر به، قال الذين معي: ما فيه شئ فاصعد، فقلت: لا والله ما كذبت وما كذبت (2) وما يقيني به مثل يقينكم، يعني رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم طلبت طلبا بلطف فاستخرجت حقا فأتيت النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: افتحه، ففتحته فإذا في الحق قطعة كرب النخل في جوفه وتر عليها أحد عشر (3) عقدة، وكان جبرئيل (عليه السلام) أنزل يومئذ المعوذتين على النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): يا علي اقرأهما على الوتر، فجعل أمير المؤمنين (عليه السلام) كلما قرأ آية انحلت عقدة حتى فرغ منها، وكشف الله عزوجل عن نبيه ما سحر به وعافاه. ويروى أن جبرئيل وميكائيل (عليهما السلام) أتيا إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فجلس أحدهما عن يمينه. والآخر عن شماله، فقال جبرئيل لمكائيل: ما وجع الرجل ؟ فقال ميكائيل: هو مطبوب: فقال جبرئيل (عليه السلام): ومن طبه ؟ قال لبيد بن أعصم اليهودي، ثم ذكر الحديث إلى آخره (4). بيان: الكرب بالتحريك: اصول السعف العراض الغلاظ، وقال الجزري: فيه أنه احتجم حين طب، أي سحر، ورجل مطبوب أي مسحور، كنوا بالطب عن السحر تفاءلا بالبئر، كما كنوا بالسليم عن اللديغ انتهى. أقول: المشهور بين الامامية عدم تأثير السحر في الانبياء والائمة عليهم السلام، وأولوا بعض الاخبار الواردة في ذلك، وطرحوا بعضها، وقد أشار إليه الراوندي رحمه الله فيما سبق. وقال الطبرسي رحمه الله: روي أن لبيد بن أعصم اليهودي سحر رسول الله (صلى الله عليه وآله)،


(1) في المصدر: كأنه ماء الحياض من السحر. (2) في المصدر: ما كذب وما كذبت. (3) في المصدر: أحد وعشرين. والظاهر انه مصحف لان أيات المعوذتين إحدى عشرة، أو في الحديث سقط، وكان ما قرأ عليها على (عليه السلام) المعوذتين وسورتي الكافرون والاخلاص. (4) طب الائمة: 118

[ 71 ]

ثم دس ذلك في بئر لبني زريق، فمرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) فبينما هو نائم إذ أتاه ملكان فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فأخبراه بذلك، وأنه في بئر ذروان، في جف طلعة تحت راعوفة - والجف: قشر الطلع، والراعوفة: حجر في أسفل البئر يقف عليه المائح - فانتبه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبعث عليا والزبير وعمارا فنزحوا ماء تلك البئر، ثم رفعوا الصخرة وأخرجوا الجف فإذا فيه مشاطة رأس وأسنان من مشطة، وإذا فيه معقد فيه إحدى عشرة عقدة مغروزة بالابر، فنزلت المعوذتان، فجعل كلما يقرأ آية انحلت عقدة، ووجد رسول الله خفة فقام كأنما أنشط من عقال، وجعل جبرئيل يقول: " بسم الله أرقيك، من كل شئ يؤذيك (1) من حاسد وعين والله يشفيك ". ورووا ذلك عن عائشة وابن عباس، وهذا لا يجوز لان من وصفه (2) بأنه مسحور فكأنه قد خبل عقله، وقد أبى الله سبحانه ذلك في قوله: " وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا * انظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوا (3) " ولكن يمكن أن يكون اليهودي أو بناته على ما روي اجتهدوا في ذلك فلم يقدروا عليه، وأطلع الله نبيه (صلى الله عليه وآله) ما فعلوه من التمويه حتى استخرج، وكان ذلك دلالة على صدقه، وكيف يجوز أن يكون المرض من فعلهم ولو قدروا على ذلك لقتلوه، وقتلوا كثيرا من المؤمنين مع شدة عداوتهم لهم انتهى كلامه قدس سره. ثم روى عن الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) اشتكى شكوى شديدا ووجع وجعا شديدا فأتاه جبرئيل ومكائيل عليهما السلام فقعد جبرئيل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، فعوذه جبرئيل ب‍ " قل أعوذ برب الفلق " وعوذه ميكائيل ب‍ " قل أعوذ برب الناس ". وعن أبي خديجة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جاء جبرئيل (عليه السلام) إلى النبي (صلى الله عليه وآله)


(1) في المصدر: من شركل شئ يؤذيك. (2) في المصدر: لان من وصف، وهو الصحيح. (3) الفرقان: 8 و 9.

[ 72 ]

وهو شاك، فرقاه بالمعوذتين وقل هو الله أحد، وقال: بسم الله أرقيك، والله يشفيك، من كل داء يؤذيك، خذها فلتهنيك (1). 26 - عم: من معجزاته (صلى الله عليه وآله) أنه أخذ يوم بدر ملا كفه من الحصباء فرمى بها وجوه المشركين وقال: " شاهت الوجوه " فجعل الله سبحانه لتلك الحصباء شأنا عظيما لم يترك من المشركين رجلا إلا ملات عينيه، وجعل المسلمون والملائكة يقتلونهم ويأسرونهم ويجدون كل رجل منهم منكبا على وجهه لا يدري أين يتوجه يعالج التراب: ينزعه من عينيه. ومنها: ما روته أسماء بنت أبي بكر قالت: لما نزلت: " تبت يدا أبي لهب " أقبلت العوراء ام جميل بنت حرب ولها ولولة وهي تقول: مذمما أبينا * ودينه قلينا * وأمره عصينا والنبي (صلى الله عليه وآله) جالس في المسجد ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله أنا أخاف أن تراك (2)، قال رسول الله: إنها لا تراني (3)، وقرأ: " وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا (4) " فوقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله، فقالت: يا أبا بكر اخبرت أن صاحبك هجاني، فقال: لا ورب البيت ما هجاك فولت وهي تقول: قريش تعلم أني بنت سيدها. ومنها ما رواه الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس إن ناسا من بني مخزوم تواصوا بالنبي (صلى الله عليه وآله) ليقتلوه، منهم أبو جهل والوليد بن المغيرة ونفر من بني مخزوم، فبينا النبي (صلى الله عليه وآله) قائم يصلي إذ أرسلوا إليه الوليد ليقتله، فانطلق حتى انتهى إلى المكان الذي كان يصلي فيه، فجعل يسمع قراءته ولا يراه، فانصرف إليهم فأعلمهم ذلك، فأتاه من بعده أبو جهل والوليد ونفر منهم فلما انتهوا إلى المكان الذي يصلي فيه سمعوا قراءته


(1) مجمع البيان 10: 568 و 569. (2) في المصدر، قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك. (3) في المصدر: وقرأ قرآنا فاعتصم به كما قال: وقرأ. (4) الاسراء: 45.

[ 73 ]

وذهبوا إلى الصوت، فإذا الصوت من خلفهم فيذهبون إليه فيسمعونه أيضا من خلفهم، فانصرفوا ولم يجدوا إليه سبيلا، فذلك قوله سبحانه: " وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون (1). بيان: قال الطبرسي: بعد ذكر قصة ام جميل: قيل: كيف يجوز أن لا ترى النبي (صلى الله عليه وآله) وقد رأت غيره ؟ فالجواب أنه يجوز أن يكون قد عكس الله شعاع عينيها أو صلب الهواء فلم ينفذ فيه الشعاع، أو فرق الشعاع فلم يتصل بالنبي (صلى الله عليه وآله)، وروي أن النبي قال: ما زال ملك يسترني عنها انتهى (2). وزاد الرازي على تلك الوجوه: أنه (صلى الله عليه وآله) لعله أعرض بوجهه عنها وولاها ظهره ثم إنها لغاية غضبها لم تفتش، أو لان الله ألقى في قلبها خوفا فصار ذلك صارف لها عن النظر، أو أن الله تعالى ألقى شبه إنسان آخر على الرسول (صلى الله عليه وآله) كما فعل بعيسى (عليه السلام) (3). 27 - يج: من معجزاته ما هو مشهور أنه خرج في متوجهه إلى المدينة فأوى إلى غار بقرب مكة تعتوره النزال وتأوي إليه الرعاء فلا تخلو من جماعة نازلين يستريحون فيه، فأقام (صلى الله عليه وآله) به ثلاثا لا يطرده بشر، وخرج القوم في أثره وصدهم الله عنه بأن بعث عنكبوتا فنسجت عليه فآيسهم من الطلب فيه، فانصرفوا وهو نصب أعينهم. 28 - يج: من معجزاته (صلى الله عليه وآله) أنه لاقى أعدائه يوم بدر وهم ألف وهو في عصابة كثلث أعدائه، فلما التحمت الحرب (4) أخذ قبضة من التراب والقوم متفرقون في نواحي عسكره، فرمى به وجوههم، فلم يبق منهم رجل إلا امتلات منه عيناه، وإن كانت الريح العاصف يومها إلى الليل لتعصف أعاصير التراب لا يصيب أحدا من عسكره، وقد نطق به القرآن، وصدق به المؤمنون، وشاهد الكفار ما نالهم منه.


(1) إعلام الورى: 18 و 20 ط 1، و 37 و 40 ط 2. والاية في سورة يس: 9. (2) مجمع البيان 10، 560. (3) مفاتيح الغيب: سورة تبت. (4) التحمت الحرب بينهم. اشتبكت.

[ 74 ]

29 - قب: كان ابي بن خلف يقول: عندي رمكة أعلفها كل يوم فرق (1) ذرة أقتلك عليها، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): أنا أقتلك إن شاء الله، فطعنه النبي (صلى الله عليه وآله) يوم احد في عنقه، وخدشه خدشة فتدهدى عن فرسه وهو يخور كما يخور الثور، فقالوا له في ذلك فقال: لو كانت الطعنة بربيعة ومضر لقتلهم، أليس قال لي: أقتلك ؟ فلو بزق علي بعد تلك المقالة قتلني، فمات بعد يوم (2). 30 - يج، عم: روي أن أبا جهل اشترى من رجل طارئ (3) بمكة إبلا فبخسه أثمانها ولواه بحقه فأتى الرجل نادي (4) قريش مستجيرا بهم، وذكرهم حرمة البيت، فأحالوه على النبي (صلى الله عليه وآله) استهزاء فأتاه مستجيرا به، فمضى معه ودق الباب على أبي جهل فعرفه فخرج منخوب العقل (5) فقال: أهلا بأبي القاسم، فقال له: أعط هذا حقه، قال: نعم، وأعطاه من فوره، فقيل له في ذلك فقال: إني رأيت ما لم تروا، رأيت والله على رأسه تنينا فاتحا فاه، والله لو أبيت لالتقمني (6). بيان: يقال: رجل نخب بكسر الخاء أي جبان لا فؤاد له، وكذلك نخيب ومنخوب. أقول: روى السيد ابن طاوس رحمه الله في كتاب سعد السعود من تفسير الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: أقبل عامر بن الطفيل وأربد بن قيس وهما عامريان ابنا عم يريدان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو في المسجد جالس في نفر من أصحابه، قال: فدخلا المسجد، قال: فاستبشر الناس بجمال عامر بن الطفيل، وكان من أجمل الناس أعور، فجعل يسأل أين محمد ؟ فيخبرونه، فيقصد نحو رجل من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: هذا عامر بن


(1) الرمكة: الفرس أو البرذونة تتخذ للنسل، والفرق بفتحتين مكيال، يقال: إنه تسع عشر رطلا. (2) مناقب آل أبى طالب 1: 102. (3) الطارئ: الغريب: خلاف الاصلى. (4) قوله: لواه بحقه أي جحده أياه. والنادى: المجلس ومحل اجتماع القوم. (5) منخوب القلب خ ل. (6) إعلام الورى: 19 و 20 ط 1 و 39 و 40 ط 2.

[ 75 ]

الطفيل يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأقبل حتى قام عليه، فقال: أين محمد ؟ فقالوا: هو ذا، قال: أنت محمد ؟ قال: نعم، فقال: ما لي إن أسلمت ؟ قال: لك ما للمسلمين، وعليك ما للمسلمين قال: تجعل لي الامر بعدك ؟ قال: ليس ذلك لك ولا لقومك، ولكن ذاك إلى الله تعالى يجعل حيث يشاء، قال: فتجعلني على الوبر - يعني على الابل - وأنت على المدر، قال: لا، قال: فماذا تجعل لي ؟ قال: أجعل لك أعنة الخيل تغزوا عليها، قال: أو ليس ذلك لى اليوم ؟ قم معي فاكلمك، قال: فقام معه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأومأ لاربد بن قيس ابن عمه أن اضربه، قال: فدار أربد بن قيس خلف النبي (صلى الله عليه وآله) فذهب ليخترط السيف فاخترط منه شبرا أو ذراعا فحبسه الله عزوجل فلم يقدر على سله، فجعل يؤمئ عامر إليه فلا يستطيع سله، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " اللهم هذا عامر بن الطفيل اوعر (1) الدين عن عامر " ثلاثا ثم التفت ورأى أربدا وما يصنع بسيفه فقال: " اللهم اكفنيهما بم شئت " وبدر بهما (2) الناس فوليا هاربين، قال: أرسل الله على أربد بن قيس صاعقة فأحرقته، ورأى عامر بن الطفيل بيت (3) سلولية فنزل عليها، فطعن (4) في خنصره فجعل يقول: يا عامر غدة كغدة البعير، وتموت في بيت سلولية، وكان يعير بعضهم بعضا بنزوله على سلول ذكرا كان أو انثى، قال: فدعا عامر بفرسه فركبه ثم أجراه حتى مات على ظهره خارجا من منزلها، فذلك قول الله عزوجل: " ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال (5) " يقول العقاب، فقتل عامر بن الطفيل بالطعنة وأربد بالصاعقة (6). ورواه الطبرسي أيضا في المجمع بهذا الاسناد مع اختصار (7).


(1) أوعز خ ل. وفى المصدر: أعر. ومعنى أو عر الدين. احبس الدين عنه فلا يناله بمكروه وفى الامتاع: اللهم اكفني عامرا. (2) في المصدر: اللهم اكفيهما " ثم رجع وبدر بهما الناس. (3) خلا المصدر عن (بيت). (4) طعن الرجل: أصابه الطاعون. (5) الرعد: 13 وفى المصدر: " يجادلون في الله " في آيات الله " وهو شديد المحال " اقول: قوله: العقاب، تفسير لقوله: المحال. (6) سعد السعود: 218 و 219. (7) مجمع البيان 6: 283.

[ 76 ]

، * (باب 9) * * (معجزاته صلى الله عليه وآله في استيلائه على الجن والشياطين) * * (وايمان بعض الجن به) * الآيات: الاحقاف 46 وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن - إلى قوله تعالى: - اولئك في ضلال مبين 29 - 32. الجن 72 قل اوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا. إلى آخر السورة. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن " معناه واذكر يا محمد إذ وجهنا إليك جماعة من الجن تستمع القرآن، وقيل: معناه صرفناهم إليك عن بلادهم بالتوفيق والالطاف حتى أتوك، وقيل: صرفناهم إليك عن استراق السمع من السماء برجوم الشهب، ولم يكونوا بعد عيسى (عليه السلام) قد صرفوا عنه، فقالوا. ما هذا الذي حدث في السماء إلا من أجل شئ قد حدث في الارض، فضربوا في الارض حتى وقفوا على النبي (صلى الله عليه وآله) ببطن نخلة عائدا (1) إلى عكاظ وهو يصلي الفجر، فاستمعوا القرآن ونظروا كيف يصلي عن ابن عباس وابن جبير، فعلى هذا يكون الرمي بالشهب. لطفا للجن. " فلما حضروه " أي القرآن أو النبي (صلى الله عليه وآله) " قالوا " أي بعضهم لبعض " أنصتوا " أي اسكتوا نستمع إلى قراءته " فلما قضى " أي فرغ من تلاوته " ولوا " أي انصرفوا " إلى قومهم منذرين " أي محذرين إياهم عذاب الله إن لم يؤمنوا " قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا انزل من بعد موسى " يعنون القرآن " مصدقا لما بين يديه " أي لما تقدم من الكتب " يهدي إلى الحق " أي إلي الدين الحق " وإلى طريق مستقيم " يؤدي بسالكه إلى الجنة. القصة: عن الزهري قال: لما توفي أبو طالب (عليه السلام) اشتد البلاء على رسول الله


(1) في المصدر: عامدا.

[ 77 ]

(صلى الله عليه وآله)، فعمد لثقيف بالطائف رجاء أن يؤووه، فوجد ثلاثة نفر منهم هم سادة، وهم إخوة عبد ياليل، ومسعود، وحبيب بنو عمرو، فعرض عليهم نفسه فقال أحدهم: أنا أسرق ثياب الكعبة إن كان الله بعثك بشئ قط، وقال الآخر: أعجز الله أن يرسل غيرك ؟ وقال الآخر: والله لا اكلمك بعد مجلسك هذا أبدا، ولئن كنت رسولا كما تقول فلانت أعظم خطرا من أن يرد عليك الكلام، وإن كنت تكذب على الله فما ينبغي لي أن اكلمك بعد، وتهزؤا به، وأفشوا في قومهم (1) ما راجعوه به، فقعدوا له صفين على طريقه، فلما مر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين صفيهم جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة حتى أدموا رجليه، فخلص منهم وهما يسيلان دما، فعمد فجاء إلى حائط من حيطانهم فاستظل في ظل نخلة (2) منه وهو مكروب موجع تسيل رجلاه دما، فإذا في الحائط عتبة ابن ربيعة وشيبة بن ربيعة، فلما رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما لله ورسوله، فلما رأياه أرسلا إليه غلاما لهما يدعى عداس معه عنب وهو نصراني من أهل نينوى، فلما جاءه قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أي أرض أنت ؟ قال: من أهل نينوى، قال: من مدينة العبد الصالح يونس بن متى ؟ فقال له عداس: وما يدريك من يونس بن متى ؟ فقال (صلى الله عليه وآله): أنا رسول الله، والله تعالى أخبرني خبر يونس بن متى، فلما أخبره بما أوحى الله إليه من شأن يونس خر عداس ساجدا لله، ومعظما لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، وجعل يقبل قدميه وهما تسيلان الدماء، فلما بصر عتبة وشيبة ما يصنع غلامهما سكتا، فلما أتاهما قالا: ما شأنك سجدت لمحمد وقبلت قدميه ولم نرك فعلت ذلك بأحد منا ؟ قال: هذا رجل صالح أخبرني بشئ عرفته من شأن رسول بعثه الله إلينا يدعى يونس بن متى، فضحكا وقالا: لا يفتننك عن نصرانيتك، فإنه رجل خداع، فرجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى مكة حتى إذا كان بنخلة قام في جوف الليل يصلي، فمر به نفر من أهل نصيبين من اليمن فوجدوه يصلي صلاة الغداة، ويتلو القرآن، فاستمعوا له، وهذا معنى قول سعيد بن جبير وجماعة.


(1) في قومهم خ ل. (2) في المصدر: في ظل: حبلة. أقول: حبلة: شجر العنب.

[ 78 ]

وقال آخرون: امر رسول اله (صلى الله عليه وآله) أن ينذر الجن ويدعوهم إلى الله، ويقرأ عليهم القرآن فصرف الله إليه نفرا من الجن من نينوى، فقال (صلى الله عليه وآله): إني امرت أن أقرأ على الجن الليلة، فأيكم يتبعني ؟ فاتبعه عبد الله بن مسعود، قال عبد الله: ولم يحضر معه أحد غيري، فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة، ودخل نبي الله شعبا يقال له: شعب الحجون، وخط لي خطا، ثم أمرني أن أجلس فيه وقال: لا تخرج منه حتى أعود إليك ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن فغشيته أسودة (1) كثيرة حتى حالت بيني وبينه، حتى لم أسمع صوته، ثم انطلقوا وطفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين حتى بقي منهم رهط. وفرغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع الفجر فانطلق فبرز، ثم قال: هل رأيت شيئا ؟ فقلت: نعم رأيت رجالا سودا مستثفري (2) ثياب بيض قال: اولئك جن نصيبين. وروى علقمة، عن عبد الله قال: لم أكن مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليلة الجن، ووددت أني كنت معه، وروي عن ابن عباس أنهم كانوا سبعة نفر من جن نصيبين، فجعلهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) رسلا إلى قومهم، وقال زر بن حبيش: كانوا تسعة نفر منهم: زوبعة، وروى محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: لما قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) " الرحمن (3) " على الناس سكتوا فلم يقولوا شيئا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الجن كانوا أحسن جوابا منكم، لما قرأت عليهم " فبأي آلاء ربكما تكذبان (4) " قالوا: " لا ولا بشئ من آلائك ربنا نكذب ". " يا قومنا أجيبوا داعي الله " يعنون محمدا (صلى الله عليه وآله) إذ دعاهم إلى توحيده وخلع الانداد دونه " وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم " أي إن آمنتم بالله ورسوله يغفر لكم " ويجركم من عذاب أليم " في هذا دلالة على أنه (عليه السلام) كان مبعوثا إلى الجن، كما كان مبعوثا إلى الانس، ولم يبعث الله نبيا إلى الانس والجن قبله " ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الارض " أي لا يعجز الله فيسبقه ويفوته " وليس له من دونه أولياء " أي أنصارا


(1) الاسودة: جمع السواد. (2) استثفر بثوبه: ثنى طرفه فأخرج من بين فخذيه وغرزه في حجزته. (3) السورة: 55. (4) الاية: 16 وغيرها. (*)

[ 79 ]

يمنعونه من الله " اولئك في ضلال مبين " أي عدول عن الحق ظاهرا انتهى كلامه رفع مقامه (1). وقال الرازي: روي عن الحسن أن هؤلاء من الجن كانوا يهودا لان في الجن مللا كما في الانس، والمحققون على أن الجن مكلفون، سئل ابن عباس هل للجن ثواب ؟ قال: نعم لهم ثواب وعليهم عقاب يلتقون في الجنة، ويزدحمون على أبوابها، ثم قال: واختلفوا في أن الجن هل لهم ثواب أم لا ؟ فقيل: لا ثواب لهم إلا النجاة من النار، ثم يقال لهم: كونوا ترابا مثل البهائم ! واحتجوا بقوله تعالى: " ويجركم من عذاب أليم " وهو قول أبي حنيفة، والصحيح أنهم في حكم بني آدم في الثواب والعقاب وهذا قول ابن أبي ليلى ومالك، وكل دليل يدل على أن البشر يستحقون الثواب على الطاعة فهو بعينه قائم في حق الجن، والفرق بين البابين بعيد جدا (2). وقال الطبرسي في قوله تعالى: " قل اوحي إلي أنه استمع نفر من الجن " أي استمع القرآن طائفة من الجن وهم جيل رقاق الاجسام، خفية (3) على صورة مخصوصة بخلاف صورة الانسان والملائكة، فإن الملك مخلوق من النور، والانس من الطين، والجن من النار " فقالوا " أي الجن بعضها لبعض: " إنا سمعنا قرآنا عجبا " العجب ما يدعو إلى التعجب منه لخفاء سببه وخروجه عن العادة (4) " يهدي إلى الرشد " أي الهدى " فآمنا به " أي بأنه من عند الله " ولن نشرك " فيما بعد " بربنا أحدا " فنوجه العبادة إليه، وفيه دلالة على أنه (صلى الله عليه وآله) كان مبعوثا إلى الجن أيضا، وأنهم عقلاء مخاطبون، وبلغات العرب عارفون، وأنهم يميزون بين المعجز وغير المعجز، وأنهم دعوا قومهم إلى الاسلام وأخبروهم بإعجاز القرآن وأنه كلام الله تعالى.


(1) مجمع البيان 9: 91 - 94. (2) مفاتيح الغيب: تفسير سورة الاحقاف ج 28 ص 31. (3) في المصدر: خفيفة. (4) في المصدر: زيادة لم يوردها المصنف وهي: وخروجه عن العادة في مثله، فلما كان القرآن قد خرج بتأليفه المخصوص عن العادة في الكلام وخفى سببه عن الانام كان عجبا لا محالة، وأيضا فانه مباين لكلام الخلق في المعنى والفصاحة والنظام، لا يقدر أحد على الاتيان بمثله، وقد تضمن أخبار الاولين والاخرين وما كان وما يكون أجراه الله على يد رجل امى فاستعظموه وسموه عجبا.

[ 80 ]

وروى الواحدي بإسناده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ما قرء رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الجن وما رآهم، انطلق رسول الله (صلى الله عليه وآله) في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: مالكم ؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وارسلت علينا الشهب، قالوا: ما ذاك إلا من شئ حدث، فاضربوا مشارق الارض ومغاربها، فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة بالنبي (صلى الله عليه وآله) وهو بنخل عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فرجعوا إلى قومهم وقالوا: " إنا سمعنا قرآنا عجبا * بهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا " فأوحى الله تعالى إلى نبيه (صلى الله عليه وآله): " قل اوحي إلي أنه استمع نفر من الجن " ورواه البخاري ومسلم. وعن علقمة بن قيس قال: قلت لعبد الله بن مسعود: من كان منكم مع النبي (صلى الله عليه واله) ليلة الجن، فقال: ما كان منا معه أحد، فقدناه ذات ليلة ونحن بمكة، فقلنا اغتيل رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو استطير، فانطلقنا نطلبه من الشعاب فلقيناه مقبلا من نحو حرا، فقلنا: يا رسول الله أين كنت لقد أشفقنا عليك ؟ وقلنا له بتنا الليلة بشر ليلة بات بها قوم حين فقدناك، فقال لنا: إنه أتاني داعي الجن فذهبت اقرئهم القرآن، فذهب بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. فأما أن يكون صحبه منا أحد فلم يصحبه، وعن أبي روق قال: هم تسعة نفر من الجن قال أبو حمزة الثمالي: وبلغنا أنهم من بني الشيبان (1) وهم أكثر الجن عددا، وهم عامة جنود إبليس، وقيل: كانوا سبعة نفر من جن نصيبين، رآهم النبي (صلى الله عليه وآله) فآمنوا به، وأرسلهم إلى سائر الجن. " وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا " أي تعالى جلال ربنا وعظمته عن اتخاذ الصاحبة والولد، أو تعالت صفاته أو قدرته أو ذكره أو فعله وأمره، أو ملكه أو آلاؤه ونعمه. والجميع يرجع إلى معنى واحد وهو العظمة والجلال، وروي عن الباقر والصادق عليهما السلام أنه ليس لله تعالى جد، وإنما قالته الجن بجهالة، فحكاه سبحانه كما


(1) في المصدر: من بنى الشيصبان. بحار الانوار - 5 -

[ 81 ]

قالت (1). " وأنه كان يقول سفيهنا " أي جاهلنا، والمراد به إبليس " على الله شططا " والشطط السرف في ظلم النفس والخروج عن الحق " وأنا ظننا أن لن تقول الانس والجن على الله كذبا " أي حسبنا أن ما يقولونه من اتخاذ الشريك والصاحبة والولد صدق، وأنا على حق حتى سمعنا القرآن وتبينا الحق به " وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن " أي يعتصمون ويستجيرون، وكان الرجل من العرب إذا نزل الوادي في سفره ليلا قال: أعوذ بعزيز هذا الوادي من شر سفهاء قومه، وكان هذا منهم على حسب اعتقادهم أن الجن تحفظهم، وقيل: معناه أنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من أجل الجن ومن معرة الجن " فزادوهم رهقا " أي فزاد الجن للانس إثما على إثمهم الذي كانوا عليه من الكفر والمعاصي، وقيل: " رهقا " أي طغيانا، وقيل: فرقا وخوفا، و قيل: شرا، وقيل: ذلة، وقال الزجاج: يجوز أن يكون الانس الذين كانوا يستعيذون بالجن زادوا الجن رهقا، لانهم كانوا يزدادون طغيانا في قومهم بهذا التعوذ، فيقولون: سدنا الجن والانس، ويجوز أن يكون الجن زادوا الانس رهقا. " وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا " أي قال مؤمنوا الجن لكفارهم إن كفار الانس الذين يعوذون برجال من الجن في الجاهلية حسبوا كما حسبتم يا معشر الجن أن لن يبعث الله رسولا بعد موسى (عليه السلام) أو عيسى (عليه السلام)، وقيل: إن هذه الآية مع ما قبلها اعتراض من إخبار الله تعالى، يقول: إن الجن ظنوا كما ظننتم معاشر الانس أن الله لا يحشر أحدا يوم القيامة ولا يحاسبه، أو لن يبعث الله أحدا رسولا، ثم حكى عن الجن قولهم: " وأنا لمسنا السماء " أي مسسناها، وقيل: معناه طلبنا الصعود إلى السماء، فعبر عن ذلك باللمس مجازا، وقيل: التمسنا قرب السماء لاستراق السمع " فوجدناها ملئت حرسا شديدا " أي حفظة من الملائكة شدادا " وشهبا " والتقدير ملئت من الحرس والشهب " وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع " أي كان يتهيأ لنا فيما قبل القعود في مواضع الاستماع فنسمع منا صوت الملائكة وكلامهم " فمن يستمع " منا " الآن "


(1) أقول: الجد: الحظ والبخت: ويأتى بمعنى العظمة والجلال أيضا، والظاهر أن المعنى المنفى في الحديث هو الاول، لانه من صفات الادميين التى يمكن أن يفقدوها مرة، ويجدوها اخرى.

[ 82 ]

ذلك " يجد له شهابا رصدا " يرمى به ويرصد له، و " شهابا " مفعول به و " رصدا " صفته، قال معمر: قلت للزهري: كان يرمى بالنجوم في الجاهلية ؟ قال: نعم، قلت: أفرأيت قوله: " أنا كنا نقعد منها " الآية، قال: غلظ وشدد أمرها حين بعث النبي (صلى الله عليه وآله)، قال البلخي: إن الشهب كانت لا محالة فيما مضى من الزمان، غير أنه لم يكن يمنع بها الجن عن صعود السماء، فلما بعث النبي (صلى الله عليه وآله) منع بها الجن من الصعود " وأنا لا ندري أشر اريد بمن في الارض " أي بحدوث الرجم بالشهب وحراسة السماء، جوزوا هجوم انقطاع التكليف أو تغيير الامر بتصديق نبي من الانبياء، وذلك قوله: " أم أراد بهم ربهم رشدا " أي صلاحا، وقيل: معناه أن هذا المنع لا يدرى العذاب سينزل بأهل الارض أم لنبي يبعث ويهدي إلى الرشد، فإن مثل هذا لا يكون إلا لاحد هذين " وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك " أي دون الصالحين في الرتبة " كنا طرائق قددا " أي فرقا شتى على مذاهب مختلفة، وأهواء متفرقة، " وأنا ظننا " أي علمنا " أن لن نعجز الله في الارض " أي لن نفوته إن أراد بنا أمرا " ولن نعجزه هربا " أي أنه يدركنا حيث كنا " وأنا لما سمعنا الهدى " أي القرآن " آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا " أي نقصانا فيما يستحقه من الثواب " ولا رهقا " أي لحاق ظلم وغشيان مكروه " وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون " أي الجائرون عن طريق الحق " فمن أسلم فاولئك تحروا رشدا " أي التمسوا الصواب والهدى " وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا " يلقون فيها فتحرقهم كما تحرق النار الحطب انتهى (1). أقول: سيأتي الكلام في حقيقة الجن وكيفياتهم وأحوالهم في كتاب السماء و العالم إنشاء الله تعالى. وقال القاضي في الشفا: رأي عبد الله بن مسعود الجن ليلة الجن، وسمع كلامهم، وشبههم برجال الزط (2)، وقال النبي (صلى الله عليه وآله): إن شيطانا تفلت البارحة ليقطع علي صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته، فأردت أن أربطه إلى سارية (3) من سواري المسجد حتى


(1) مجمع البيان 10. 367 - 371. (2) الزط: قوم من السودان والهنود طوال. (3) السارية: الاسطوانة.

[ 83 ]

تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان (عليه السلام): " رب اغفري وهب لي (1) ملكا " الآية، فرده الله خاسئا (2). 1 - ل: أبي، عن سعد، عن محمد بن عبد الحميد، عن محمد بن راشد، عن عمر بن سهل، عن سهيل بن غزوان قال. سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن امرأة من الجن كان يقال لها: عفراء، كانت تنتاب (3) النبي (صلى الله عليه وآله) فتسمع من كلامه فتأتي صالحي الجن فيسلمون على يديها، وإنها فقدها النبي (صلى الله عليه وآله) فسأل عنها جبرئيل فقال: إنها زارت اختا لها تحبها في الله، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): طوبى للمتحابين في الله، إن الله تبارك وتعالى خلق في الجنة عمودا من ياقوتة حمراء، عليه سبعون ألف قصر، في كل قصر سبعون ألف غرفة، خلقها الله عزوجل للمتحابين والمتزاورين في الله، ثم قال: يا عفراء أي شئ رأيت ؟ قالت رأيت عجائب كثيرة، قال: فأعجب ما رأيت ؟ قالت: رأيت إبليس في البحر الاخضر على صخرة بيضاء مادا يديه إلى السماء وهو يقول: إلهي إذا بررت قسمك وأدخلتني نار جهنم فأسألك بحق محمد و علي وفاطمة والحسن والحسين إلا خلصتني منها، وحشرتني معهم، فقلت: يا حارث ما هذه الاسماء التي تدعو بها ؟ قال لي: رأيتها على ساق العرش من قبل أن يخلق الله آدم بسبعة آلاف سنة، فعلمت أنهم أكرم الخلق على الله عزوجل، فأنا أسأله بحقهم، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): والله لو أقسم أهل الارض بهذه الاسماء لاجابهم (4). 2 - فس: قال الجن من ولد الجان، منهم مؤمنون وكافرون، ويهود ونصارى وتختلف أديانهم، والشياطين من ولد إبليس، وليس فيهم مؤمن (5) إلا واحدا اسمه هام ابن هيم بن لاقيس بن إبليس، جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فرآه جسيما عظيما وامرءا مهولا فقال له: من أنت ؟ قال: أناهام بن هيم بن لاقيس بن إبليس، كنت يوم قتل قابيل هابيل


(1) ص: 35. (2) شرح الشفاء 1: 736 و 738. (3) تأتى خ ل. (4) الخصال 2: 171. (5) مؤمنون خ ل

[ 84 ]

غلاما ابن أعوام أنهى عن الاعتصام وآمر بإفساد الطعام، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): بئس لعمري الشاب المؤمل، والكهل المؤمر، فقال: دع عنك هذا يا محمد، فقد جرت توبتي على يد نوح (عليه السلام)، ولقد كنت معه في السفينة فعاتبته على دعائه على قومه، ولقد كنت مع إبراهيم (عليه السلام) حيث القي في النار، فجعلها الله عليه بردا وسلاما، ولقد كنت مع موسى (عليه السلام) حين غرق الله فرعون ونجى بني إسرائيل، ولقد كنت مع هود (عليه السلام) حين دعا على قومه فعاتبته على (1) دعائه على قومه ولقد كنت مع صالح (عليه السلام) فعاتبته على دعائه على قومه، و لقد قرأت الكتب فكلها تبشرني بك، والانبياء يقرءونك السلام، ويقولون، أنت أفضل الانبياء وأكرمهم، فعلمني مما أنزل الله عليك شيئا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لامير المؤمنين (عليه السلام): علمه، فقال هام: يا محمد إنا لا نطيع إلا نبيا أو وصي نبي: فمن هذا ؟ قال: هذا أخي ووصيي ووزيري ووارثي علي بن أبي طالب، قال: نعم نجد اسمه في الكتب اليا، فعلمه أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلما كانت ليلة الهرير بصفين جاء إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) (2). بيان: قوله (صلى الله عليه وآله): الشاب المؤمل، لعل المعنى بئس حالك في حال شبابك حيث كنت مؤملا - على بناء المفعول - (3)، يأملون منك الخير، وفي حال شيخوختك حيث صيرورك أميرا، وفي روايات العامة: " بئس لعمر الله عمل الشيخ المتوسم، والشباب المتلوم " قال الجزري: المتوسم المتحلي بسمة الشيوخ، والمتلوم المتعرض للائمة في الفعل السيئ، ويجوز أن يكون من اللؤمة وهي الحاجة إي المنتظر لقضائها. 3 - عم: جاء في الآثار عن ابن عباس قال: لما خرج النبي (صلى الله عليه وآله) إلى بني المصطلق ونزل بقرب واد وعر، فلما كان آخر الليل هبط عليه جبرئيل يخبره عن طائفة من كفار الجن قد استبطنوا (4) الوادي، يريدون كيده وإيقاع الشر بأصحابه، فدعا أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: اذهب إلى هذا الوادي، فسيعرض لك من أعداء الله الجن، من


(1) فعاتبته عن دعائه على قومه خ ل. (2) تفسير القمى: 351. (3) أو على بناء الفاعل، أي يأمل كل ما تطلبه نفسه. وافق الصواب أم لا. (4) أي دخلوا بطن الوادي. (*)

[ 85 ]

يريدك فادفعه بالقوة التي أعطاك الله إياها، وتحصن منه (1) بأسماء الله التي خصك بعلمها وأنفذ معه مأة رجل من أخلاط الناس، وقال لهم: كونوا معه، وامتثلوا أمره، فتوجه أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الوادي، فلما قارب (2) شفيره أمر المأة الذين صحبوه أن يقفوا بقرب الشفير ولا يحدثوا شيئا حتى يأذن لهم، ثم تقدم فوقف على شفير الوادي وتعوذ بالله من أعدائه، وسماه بأحسن أسمائه، وأومأ إلى القوم الذين تبعوه أن يقربوا منه فقربوا وكان بينه وبينهم فرجة مسافتها غلوة، ثم رام الهبوط إلى الوادي فاعترضت ريح عاصف كاد القوم أن يقعوا على وجوههم لشدتها ولم تثبت أقدامهم على الارض من هول ما لحقهم، فصاح أمير المؤمنين (عليه السلام): أنا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب وصي رسول الله وابن عمه اثبتوا إن شئتم، وظهر للقوم أشخاص كالزط تخيل في أيديهم شعل النار، قد اطمأنوا بجنبات الوادي (3)، فتوغل (4) أمير المؤمنين (عليه السلام) بطن الوادي وهو يتلو القرآن، و يؤمئ بسيفه يمينا وشمالا، فما لبثت الاشخاص حتى صارت كالدخان الاسود، وكبر أمير المؤمنين عليه السلام ثم صعد من حيث هبط، فقام مع القوم الذين تبعوه حتى أسفر الموضع عما اعتراه، فقال له أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما لقيت يا أبا الحسن فقد كدنا نهلك خوفا و إشفاقا عليك ؟ فقال (عليه السلام): لما تراءى لي العدو جهرت فيهم بأسماء الله فتضاءلوا، وعلمت ما حل بهم من الجزع فتوغلت الوادي غير خائف منهم، ولو بقوا على هيئاتهم لاتيت على آخرهم، وكفى الله كيدهم، وكفى المسلمين شرهم، وسيسبقني بقيتهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فيؤمنوا به، وانصرف أمير المؤمنين (عليه السلام) بمن معه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخبره الخبر فسري عنه، ودعا له بخير، وقال له: قد سبقك يا علي إلي من أخافه الله بك، فأسلم وقبلت إسلامه (5).


(1) في المصدر: تحصن منهم. (2) في المصدر: قرب. (3) في المصدر: قد اطمأنوا فأطافوا بجنبات الوادي. (4) توغل: ذهب وابعد (5) اعلام الورى: 107 و 108 ط 1 و 182 و 183 ط 2

[ 86 ]

بيان: ضؤل ضئالة: صغر، ورجل متضائل: دقيق وسري عنه الهم على بناء المفعول مشددا: انكشف. 4 - عيون المعجزات: من كتاب الانوار عن أحمد بن عبدويه (1)، عن سليمان بن علي الدمشقي، عن أبي هاشم (2) الزبالي، عن زاذان، عن سلمان قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله) ذات يوم جالسا بالابطح وعنده جماعة من أصحابه، وهو مقبل علينا بالحديث إذ نظرنا إلى زوبعة (3) قد ارتفعت فأثارت الغبار، وما زالت تدنو والغبار يعلو إلى أن وقفت بحذاء النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم برز منها شخص كان فيها، ثم قال: يا رسول الله إني وافد قومي وقد استجرنا بك فأجرنا، وابعث معي من قبلك من يشرف على قومنا - فإن بعضهم قد بغى علينا - ليحكم بيننا وبينهم بحكم الله وكتابه، وخذ علي العهود والمواثيق المؤكدة أن أرده إليك في غداة غد سالما إلا أن تحدث علي حادثة من عند الله، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): من أنت ؟ ومن قومك ؟ قال: أنا عطرفة (4) بن شمراخ أحد بني نجاح، وأنا وجماعة من أهلي كنا نسترق السمع، فلما منعنا من ذلك آمنا، ولما بعثك الله نبيا آمنا بك على ما علمته، وقد صدقناك، وقد خالفنا بعض القوم وأقاموا على ما كانوا عليه، فوقع بيننا وبينهم الخلاف وهم أكثر منا عددا وقوة، وقد غلبوا على الماء والمراعي وأضروا بنا وبدوا بنا، فابعث معي من يحكم بيننا بالحق، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): فاكشف لنا عن وجهك حتى نراك على هيئتك التي أنت عليها، قال: فكشف لنا عن صورته فنظرنا فإذا شخص عليه شعر كثير، وإذا رأسه طويل، طويل العينين، عيناه في طول رأسه صغير الحدقتين، وله اسنان السباع، ثم إن النبي (صلى الله عليه وآله) أخذ عليه العهد والميثاق على أن يرد عليه في غد من يبعث به معه، فلما فرغ من ذلك التفت إلى أبي بكر فقال: سرمع أخينا عطرفة، وانظر إلى ماهم عليه واحكم بينهم بالحق، فقال: يا رسول الله وأين هم ؟ قال: هم تحت الارض،


(1) في المصدر: عبدربه. (2) في المصدر: عن أبى هاشم الرماني. (3) الزوبعة: ريح ترتفع بالتراب أو بمياه البحار وتستدير كأنها عمود. (4) عرفطة خ ل في المواضع.

[ 87 ]

فقال أبو بكر: وكيف اطيق النزول تحت الارض ؟ وكيف أحكم بينهم ولا احسن كلامهم ثم التفت إلى عمر بن الخطاب فقال له: مثل قوله لابي بكر، فأجاب بمثل جواب أبي بكر ثم أقبل على عثمان وقال له: مثل قوله لهما: فأجابه كجوابهما، ثم استدعى بعلي (عليه السلام) وقال له: يا علي سر مع أخينا عطرفة، وتشرف على قومه وتنظر إلى ماهم عليه، وتحكم بينهم بالحق، فقام أمير المؤمنين (عليه السلام) مع عطرفة وقد تقلد سيفه، قال سلمان: فتبعتهما إلى أن صار إلى الوادي، فلما توسطاه تنظر إلي أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: قد شكر الله تعالى سعيك يا با عبد الله فارجع، فوقفت أنظر إليهما فانشقت الارض ودخلا فيها. ورجعت (1) وتداخلني من الحسرة ما الله أعلم به، كل ذلك إشفاقا على أمير المؤمنين، وأصبح النبي (صلى الله عليه وآله) وصلى بالناس الغداة، وجاء وجلس على الصفا وحف به أصحابه وتأخر أمير المؤمنين (عليه السلام) وارتفع النهار، وأكثر الناس الكلام إلى أن زالت الشمس، وقالوا: إن الجني احتال على النبي (صلى الله عليه وآله) وقد أراحنا الله من أبي تراب، و ذهب عنا افتخاره بابن عمه علينا، وأكثرو الكلام إلى أن صلى النبي (صلى الله عليه وآله) صلاة الاولى وعاد إلى مكانه وجلس على الصفا، ومازال يحدث أصحابه (2) إلى أن وجبت صلاة العصر، وأكثر القوم الكلام وأظهروا اليأس من أمير المؤمنين (عليه السلام)، فصلى النبي (صلى الله عليه وآله) صلاة العصر وجاء وجلس على الصفا، وأظهر الفكر في أمير المؤمنين (عليه السلام) وظهرت شماتة المنافقين بأمير المؤمنين (عليه السلام)، وكادت الشمس تغرب فتيقن القوم أنه قد هلك وإذا قد انشق الصفا وطلع أمير المؤمنين (عليه السلام) منه، وسيفه يقطر دما، ومعه عطرفة، فقام إليه النبي (صلى الله عليه وآله) وقبل بين عينيه وجبينيه، وقال له: ما الذي حبسك عني إلى هذا الوقت ؟ فقال (عليه السلام): صرت إلى جن كثير قدبغوا على عطرفة وقومه من المنافقين، فدعوتهم إلى ثلاث خصال فأبوا علي، وذلك أني دعوتهم إلى الايمان بالله تعالى والاقرار بنبوتك ورسالتك فأبوا، فدعوتهم إلى أداء الجزية فأبوا، فسألتهم أن يصالحوا عطرفة وقومه فيكون بعض المرعى لعطرفة وقومه وكذلك الماء فأبوا ذلك كله، فوضعت سيفي فيهم وقتلت


(1) في المصدر: وعادت إلى ما كانت، وعلى هذا فالضمير للارض. (2) في المصدر: يحدث اصحابه بالحديث.

[ 88 ]

منهم ثمانين (1) ألفا، نظروا إلى ما حل بهم طلبوا الامان والصلح، ثم آمنوا، وزال الخلاف بينهم (2)، وما زلت معهم إلى الساعة، فقال عطرفة (3): يا رسول الله جزاك الله وأمير المؤمنين عنا خيرا (4). بيان: الزوبعة: رئيس من رؤساء الجن، ومنه سمي الاعصار زوبعة (5)، قاله الجوهري. 5 - سن: عبد الله بن الصلت، عن أبي هدية (6)، عن أنس بن مالك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان ذات يوم جالسا على باب الدار ومعه على بن أبي طالب (عليه السلام) إذ أقبل شيخ فسلم على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم انصرف، فقال: رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): أتعرف الشيخ ؟ فقال علي (عليه السلام): ما أعرفه، فقال (صلى الله عليه وآله): هذا ابليس، فقال على (عليه السلام) لو علمت يارسول الله لضربته ضربة بالسيف فخلصت امتك منه، قال: فانصرف إبليس إلى علي (عليه السلام) فقال له: ظلمتني يا أبا الحسن، أما سمعت الله عزوجل يقول: " وشاركهم في الاموال والاولاد (7) فوالله ما شركت أحدا أحبك في امه (8). 6 - ع: الحسين بن محمد بن سعيد، عن فرات بن إبراهيم، عن محمد بن علي بن معتمر عن أحمد بن علي الرملي، عن أحمد بن موسى، عن يعقوب بن إسحاق: المروزي، عن عمر (9) ابن منصور، عن إسماعيل بن أبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبيه، عن أبي هارون العبدي


(1) في المصدر: زهاء ثمانين ألفا. (2) في المصدر: ثم آمنوا وصاروا اخوانا وزال الخلاف بينهم. (3) عرفطة خ ل. (4) عيون المعجزات: 36 - 39. (5) والمراد بها في الحديث هو المعنى الثاني. (6) هكذا في النسخة، ولعله بالباء الموحدة، والحديث مرسل جدا، لان رواية ابن الصلت الراوى عن الامام الجواد (عليه السلام) من أنس بن مالك بواسطة واحدة غريبة جدا. (7) الاسراء: 64. (8) المحاسن: 332، وفيه: ما شاركت. (9) في المصدر: عمرو بن منصور.

[ 89 ]

عن جابر بن عبد الله الانصاري قال: كنا بمنى مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ بصرنا برجل ساجد وراكع ومتضرع، فقلنا: يا رسول الله ما أحسن صلاته ؟ ! فقال (صلى الله عليه وآله): هو الذي أخرج أباكم من الجنة، فمضى إليه علي (عليه السلام) غير مكترث (1) فهزه هزة أدخل أضلاعه اليمنى في اليسرى، واليسرى في اليمنى، ثم قال: لاقتلنك إنشاء الله، فقال: لن تقدر على ذلك إلى أجل معلوم من عند ربي، مالك تريد قتلي ؟ فوالله ما أبغضك، أحد إلا سبقت نطفتي إلى رحم امه قبل نطفة أبيه، ولقد شاركت مبغضيك في الاموال والاولاد وهو قول الله عزوجل في محكم كتابه: " وشاركهم في الاموال والاولاد " الخبر (2). 7 - ب: محمد بن عبد الحميد، عن أبي جميلة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول سليمان " هب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي إنك أنت الوهاب (2) " قلت فاعطي الذي دعا به ؟ قال: نعم، ولم يعط بعده إنسان ما اعطي نبي الله من غلبة الشيطان فخنقه إلى إبطه (4) حتى أصاب لسانه (5) يد رسول الله، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لولا ما دعا به سليمان (عليه السلام) لاريتكموه (6). 8 - فس: " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن " إلى قوله: " فلما قضى " أي فرغ " ولو إلى قومهم منذرين " إلى قوله: " اولئك في ضلال مبين ": فهذا كله حكاية عن الجن، وكان سبب نزول هذه الآية أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خرج من مكة إلى سوق عكاظ ومعه زيد بن حارثة يدعو الناس إلى الاسلام، فلم يجبه أحد ولم يجد (7) من يقبله، ثم رجع إلى مكة فلما بلغ موضعا يقال له: وادي مجنة. تهجد بالقرآن في جوف الليل فمر به نفر من الجن، فلما سمعوا قراءة رسول الله (صلى الله عليه وآله) استمعوا له، فلما سمعوا قراءته قال


(1) اكترث للامر به. ولا يكترث له: لا يعبأ به ولا يباليه. (2) علل الشرائع: 58 و 59. والاية في الاسراء: 65. (3) ص: 35. (4) سارية خ ل. أقول: وفى المصدر: سوابطه. (5) بلسانه خ ل. (6) قرب الاسناد: 81. (7) ولم يجد أحدا خ ل.

[ 90 ]

بعضهم لبعض: " أنصتوا " يعني اسكتوا " فلما قضى " أي فرغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) من القراءة " ولوا إلى قومهم منذرين * قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا انزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم * يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به " إلى قوله: " اولئك في ضلال مبين " فجاءوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأسلموا وآمنوا وعلمهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) شرائع الاسلام فأنزل الله (1) على نبيه " قل اوحي إلي أنه استمع نفر من الجن " السورة كلها، فحكى الله قولهم وولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليهم منهم، وكانوا يعودون إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كل وقت، فأمر أمير المؤمنين صلوات الله عليه أن يعلمهم ويفقههم فمنهم مؤمنون وكافرون وناصبون ويهود ونصارى ومجوس وهم ولد الجان (2). 9 - قب: ابن جبير قال: توجه النبي (صلى الله عليه وآله) تلقاء مكة وقام بنخلة في جوف الليل يصلي، فمر به نفر من الجن فوجدوه يصلي صلاة الغداة ويتلو القرآن فاستمعوا إليه، وقال آخرون: امر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن ينذر الجن فصرف الله إليه نفرا من الجن من نينوى. قوله: " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ": وكان بات في وادي الجن وهو على ميل من المدينة، فقال (عليه السلام): إني امرت أن أقرأ على الجن الليلة، فأيكم يتبعني، فاتبعه ابن مسعود وساق الحديث مثل ما رواه الطبرسي. وروي عن ابن عباس أنهم كانوا سبعة نفر من جن نصيبين، فجعلهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) رسلا إلى قومهم، وقال زر بن حبيش: كانوا سبعة منهم زوبعة، وقال غيره: وهم مسار و يسار وبشار والازد وخميع (3). 10 - قب: لما سار النبي (صلى الله عليه وآله) إلي وادي حنين للحرب إذا بالطلائع قد رجعت والاعلام والاولوية قد وقفت، فقال لهم النبي (صلى الله عليه وآله): يا قوم ما الخبر ؟ فقالوا: يا رسول الله حية عظيمة قد سدت علينا الطريق كأنها جبل عظيم، لا يمكننا من المسير، فسار


(1) في المصدر: فجاؤا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يطلبون شرائع الاسلام، فأنزل الله اه (2) تفسير القمى: 623 و 624. (3) مناقب آل أبي طالب 1، 44.

[ 91 ]

النبي (صلى الله عليه وآله) حتى أشرف عليها، فرفعت رأسها ونادت: السلام عليك يا رسول الله، أنا الهيثم بن طاح بن إبليس، مؤمن بك، قد سرت إليك في عشرة آلاف من أهل بيتي حتى اعينك على حرب القوم، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): انعزل عنا وسر بأهلك عن أيماننا ففعل ذلك وسار المسلمون (1). أقول: سيأتي في باب عمل النيروز عن المعلى بن خنيس، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن يوم النيروز هو اليوم الذي وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) إلي وادي الجن، فأخذ عليهم العهود والمواثيق، وسيأتي أكثر أخبار هذا الباب في باب استيلاء أمير المؤمنين صلوات الله عليه على الجن والشياطين. * (باب 10) * * (آخر، وهو من الاول، في الهواتف من الجن وغيرهم) * * (بنبوته (صلى الله عليه وآله)) * 1 - قب: في حديث مازن بن العصفور الطائي أنه لما نحر عتيرة (2) سمع من صنمه. بعث نبي من مضر * فدع نحيتا من حجر ثم نحر يوما آخر. عتيرة (3) اخرى فسمع منه: هذا نبي مرسل * جاء بخير منزل أبو عبيس قال: سمعت قريش في الليل هاتفا على أبي قبيس يقول شعرا: إذا أسلم السعدان يصبح بمكة * محمد لا يخشى خلاف المخالف فلما أصبحوا قال: أبو سفيان: من السعدان سعد بكر (4) وسعد تميم ؟ ثم سمع في الليلة الثانية:


(1) مناقب آل ابى طالب 1: 88 ط النجف. (2) العتيرة: شاة كان العرب يذبحونها لالهتهم في شهر رجب. (3) بحيرة خ ل. (4) في المصدر: من السعدان ؟ قيل: سعد بكر وسعد تميم. (*)

[ 92 ]

أيا سعد سعد الاوس كن أنت ناصرا * ويا سعد سعد الخزرجين غطارف أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا * على الله في الفردوس خير زخارف فلما أصبحوا قال أبو سفيان: هو سعد بن معاذ وسعد بن عبادة. قال تميم الداري: أدركني الليل في بعض طرقات الشام فلما أخذت مضجعي قلت: أنا الليلة في جوار هذا الوادي، فإذا مناد يقول: عذبالله، فإن الجن لا تجير أحدا على الله قد بعث نبي الاميين رسول الله، وقد صلينا خلفه بالحجون، وذهب كيد الشياطين، و رميت بالشهب، فانطلق إلى محمد رسول رب العالمين. سعيد بن جبير قال: قال سواد بن قارب: نمت على جبل من جبال السراة فأتاني آت وضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب. أتاك رسول من لوي بن غالب فلما استويت أدبرو هو يقول: عجبت للجن وأرجاسها * ورحلها العيس بأحلاسها (1) تهوي إلى مكة تبغي الهدى (2) * ما صالحوها مثل أنجاسها فعدت فنمت فضربني برجله فقال مثل الاول، فأدبر قائلا: عجبت للجن وتطلابها (3) * ورحلها العيس بأقتابها (4) تهوي إلى مكة تبغي الهدى * ما صادقوها مثل كذابها فعدت فنمت فضربني برجله فقال مثل الاول فلما استويت أدبرو هو يقول: عجبت للجن وأشرار ها * ورحلها العيس بأكوارها (5) تهوي إلى مكة تبغي الهدى * ما مؤمنوها مثل كفارها قال: فركبت ناقتي وأتيت مكة عند النبي وأنشدته:


(1) العيس: كرام الابل. وايضا الابل البيض يخالط بياضها سواد خفيف. والاحلاس جمع الحلس: كل ما يوضع على ظهر الدابة تحت السرج أو الرحل. (2) أي تطلبه. (3) وطلابها خ ل. (4) الاقتاب جمع القتب: الرحل. (5) الاكوار جمع الكور: رحل البعير أو الرحل بأداته.

[ 93 ]

أتاني جن قبل هدء ورقدة * ولم يك فيما قد أتانا بكاذب ثلاث ليال قوله كل ليلة: * أتاك رسول من لوي بن غالب فأشهد أن الله لا رب غيره * وأنك مأمون على كل غائب وكان لبني عذرة صنم يقال له: حمام، فلما بعث النبي (صلى الله عليه وآله) سمع من جوفه يقول: يا بني هند بن حزام، ظهر الحق وأودى (1) الحمام، ودفع الشرك الاسلام، ثم نادى بعد أيام لطارق يقول يا طارق يا طارق، بعث النبي الصادق، جاء بوحي ناطق، صدع صادع بتهامة، لناصريه السلامة، ولخاذليه الندامة، هذا الوداع مني إلى يوم القيامة، ثم وقع الصنم لوجهه فتكسر، قال زيد بن ربيعة: فأتيت النبي (صلى الله عليه وآله) فأخبرته بذلك، فقال: كلام الجن المؤمنين، فدعانا إلى الاسلام. وسمع صوت الجن بمكة ليلة خرج النبي (صلى الله عليه وآله): جزى الله رب الناس خير جزائه * رسولا أتى في خيمتي ام معبد فيا لقصي ما زوى الله عنكم * به من فعال لا يجازى بسودد فأجابه حسان في قوله: لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم * وقد سر من يسري إليه ويغتدي (2) نبي يرى ما لا يرى الناس حوله * ويتلو كتاب الله في كل مشهد وإن قال في يوم مقالة غائب * فتصديقها في ضحوة العيد أوغد وهتف من جبال مكة يوم بدر: أذل الحنيفيون بدرا بوقعة * سينقض منها ملك كسرى وقيصرا أصاب رجالا من لوي وجردت * حرائر يضربن الحرائر حسرا


(1) أودى: هلك. (2) سرى إليه: سار إليه ليلا. اغتدى عليه: أتاه غدءة.

[ 94 ]

ألا ويح من أمسى عدو محمد * لقد ضاق خزيا في الحياة وخسرا وأصبح في هافي (1) العجاجة معفرا * تناوله الطير الجياع وتنقرا فعلموا الواقعة وظهر الخبر من الغد. ودخل العباس بن مرداس السلمي على وثن يقال له: الضمير، فكنس ما حوله ومسحه وقبله، فإذا صائح يصيح: يا عباس بن مرداس، قل للقبائل من سليم كلها: * هلك الضمير وفاز أهل المسجد هلك الضمير وكان يعبد مرة * قبل الكتاب إلى النبي محمد إن الذي جا بالنبوة (2) والهدى * بعد ابن مريم من قريش مهتد فخرج في ثلاثمأة راكب من قومه إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، فلما رآه النبي (صلى الله عليه وآله) تبسم ثم قال: يا عباس بن مرداس كيف كان إسلامك ؟ فقص عليه القصة، فقال (صلى الله عليه وآله): صدقت، وسر بذلك (صلى الله عليه وآله). وفي حديث سيار الغساني: لما قال له عمر: أكاهن أنت ؟ فقال: قد هدى الله بالاسلام كل جاهل، ودفع الحق كل باطل، وأقام بالقرآن كل مائل القصة: فأخذت ظبية بذي العسف فإذا بهاتف: يا أيها الركب السراع الاربعة * خلوا سبيل الظبية المروعه فخليتها فلما جن الليل فإذا أنا بهاتف يقول. خذها ولا تعجل وخذها عن ثقه * فإن شر السير سير الحقحقه هذا نبي فائز من حققه وقال عمرو بن جبلة الكلبي: عترنا عتيرة لعمرة - اسم صنم - فسمعنا من جوفه مخاطب سادنه عصام (3): يا عصام، يا عصام، جاء الاسلام، وذهبت الاصنام، وحقنت


(1) هامى خ ل. (2) في المصدر: جاء النبوة. (3) في المصدر ": يخاطب سادنه. أقول: السادن الخادم والحاجب.

[ 95 ]

الدماء، ووصلت الارحام، ففزعت من ذلك، ثم عترنا أخرى فسمعنا يقول لرجل اسمه بكر: يا بكر بن جبل، جاء النبي المرسل، يصدقه المطعمون في المحل، أرباب يثرب ذات النخل، ويكذبه أهل نجد وتهامة، وأهل فلج واليمامة. فأتيا إلى النبي وأسلما وأنشد عمرو: أجبت رسول الله إذ جاء بالهدى * فأصبحت بعد الحمد لله أوحدا تكلم شيطان من جوف هبل بهذه الابيات: قاتل الله رهط كعب بن فهر * ما أضل العقول والاحلاما جاءنا تائه (1) يعيب علينا * دين آبائنا الحماة الكراما فسجدوا كلهم وتنقصوا النبي (صلى الله عليه وآله)، وقال: هلموا غدا فسمع أيضا، فحزن النبي (صلى الله عليه وآله) من ذلك، فأتاه جني مؤمن وقال: يا رسول الله أنا قتلت مسعر، الشيطان المتكلم في الاوثان، فاحضر المجمع لاجيبه، فلما اجتمعوا ودخل النبي (صلى الله عليه وآله) خرت الاصنام على وجوهها فنصبوها وقالوا: تكلم، فقال: أنا الذي سماني المطهرا * أنا قتلت ذا الفخور (2) مسعرا إذا طغى لما طغى واستكبرا * وأنكر الحق ورام المنكرا بشتمه نبينا المطهرا * قد أنزل الله عليه السورا من بعد موسى فاتبعنا الاثرا فقالوا: إن محمدا يخادع اللات (3) كما خادعنا. تاريخ الطبري: إنه روى الزهري في حديث جبير بن مطعم، عن أبيه قال: كنا جلوسا قبل أن يبعث رسول الله بشهر نحرنا جزورا، فإذا صائح يصيح من جوف الصنم:


(1) التائه: المتكبر والضال. (2) في المصدر: ذا الفجور. (3) هكذا في الكتاب ومصدره، ولعله مصحف هبل، أو أن الجنى دخل جوف اللات.

[ 96 ]

اسمعوا العجب، ذهب استراق الوحي، ويرمى بالشهب، لنبي بمكة، اسمه محمد، مهاجرته إلى يثرب. الطبري في حديث ابن إسحاق والزهري عن عبد الله بن كعب مولى عثمان أنه قال عمر: لقد كنا في الجاهلية نعبد الاصنام، ونعلق (1) الاوثان حتى أكرمنا الله بالاسلام، فقال الاعرابي: لقد كنت كاهنا في الجاهلية، قال: فأخبرنا: ما أعجب ما جاءك به صاحبك ؟ قال: جاءني قبل الاسلام جاء فقال: ألم تر إلى الجن أبالسها، وإياسها من دينها، ولحاقها بالقلاص وأحلاسها (2)، فقال عمر: إني والله لعند وثن من أوثان الجاهلية في معشر من قريش قد ذبح له رجل من العرب عجلا، فنحن ننظر قسمه ليقسم لنا منه إذ سمعت من جوف العجل صوتا ما سمعت صوتا قط أنفذ منه، وذلك قبل الاسلام بشهر أو سنة، يقول: يا آل ذريح، أمر نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله. ومنه حديث الخثعمي، وحديث سعد بن عبادة، وحديث سعد بن عمرو الهذلي (3). وفي حديث خزيم بن فاتك الاسدي أنه وجد إبله بأبرق العزل، القصة، فسمع هاتفا. هذا رسول الله ذو الخيرات * جاء بياسين وحاميمات فقلت: من أنت ؟ قال: أنا مالك بن مالك، بعثني رسول الله إلى حي نجد، قلت: لو كان لي من يكفني إبلي لاتيته فآمنت به، فقال: أنا، فعلوت بعيرا منها وقصدت المدينة والناس في صلاة الجمعة، فقلت في نفسي: لا أدخل حتى ينقضي صلاتهم، فأنا أنيخ راحلتي إذ خرج إلي رجل قال: يقول لك رسول الله: ادخل فدخلت، فلما رآني قال: ما فعل الشيخ الذي ضمن لك أن يؤدي إبلك إلى أهلك ؟ قلت: لا علم لي به، قال: إنه أداها سالمين (4)، قلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله (5).


(1) في المصدر: ونعنق الاوثان. (2) القلاص جمع القلوص: الشابة من الابل أو الباقية على السير. والاحلاس جمع الحلس: كل ما يوضع على ظهر الدابة تحت السرج أو الرحل. (3) مناقب آل أبى طالب 1: 76 - 79. (4) في المصدر: أداها سالمة. (5) مناقب آل أبى طالب 1: 89. بحار الانوار - 6 -

[ 97 ]

بيان: العتيرة: شاة كانوا يذبحونها في رجب لآلهتهم، والغطريف: السيد، والحجون بفتح الحاء: جبل بمكة، وهي مقبرة، ويقال: رحلت البعير، أي شددت على ظهره الرحل، وهفا الشئ في الهواء: إذا ذهب، والعجاجة: الغبار. وقال الجزري: في حديث سلمان: شر السير الحقحقة، هو المتعب من السير، وقيل: هو أن تحمل الدابة على مالا تطيقه، والفلج: موضع بين بصرة وضرية. 2 - أقول روى في المنتقى بإسناده عن يعقوب بن زيد بن طلحة أن رجلا مر على مجلس بالمدينة فيه عمر بن الخطاب، فنظر إليه عمر فقال: أكاهن هو ؟ فقال: يا أمير المؤمنين هدي بالاسلام كل جاهل، ودفع بالحق كل باطل، واقيم بالقرآن كل مائل، واغني بمحمد (صلى الله عليه وآله) كل عائل، فقال عمر: متى عهدك بها ؟ يعني صاحبته، قال: قبيل الاسلام أتتني فصرخت: يا سلام يا سلام، الحق المبين، والخير الدائم، غير حلم النائم، الله أكبر فقال رجل من القوم: يا أمير المؤمنين أنا احدثك بمثل هذا، والله إنا لنسير في بادية ملساء لا يسمع فيها إلا الصدى (1) إذ نظرنا فإذا راكب مقبل أسرع من الفرس حتى كان منا على قدر ما يسمعنا صوته، فقال: يا أحمد يا أحمد الله أعلى وأمجد، أتاك ما وعدك، من الخير يا أحمد، ثم ضرب راحلته حتى أتى من ورائنا، فقال عمر: الحمد لله الذي هدانا بالاسلام وأكرمنا به، فقال رجل من الانصار: أنا احدثك يا أمير المؤمنين بمثل هذا وأعجب، قال عمر: حدث، قال: انطلقت أنا وصاحبان لي نريد الشام حتى إذا كنا بقفرة من الارض نزلنا بها، فبينا نحن كذلك إذ لحقنا راكب فكنا أربعة قد أصابنا سغب (2) شديد، فالتفت فإذا أنا بظبية عضباء ترتع قريبا منا فوثبت إليها، فقال الرجل الذي لحقنا: خل سبيلها لا أبالك، والله لقد رأيتها ونحن نسلك هذا الطريق ونحن عشرة أو أكثر من ذلك فيخطف (3) بعضنا فما هو إلا أن كان هذه الظبية، فما يهيجها أحد، فأبيت وقلت لعمرو الله (4) لا اخليها، فارتحلنا وقد شددتها معي حتى إذا ذهب سدف


(1) الصدى: ما يرده الجبل أو غيره إلى المصوت مثل صوته. (2) السغب: الجوع. (3) في المصدر: فيختطف. (4) هكذا في النسخة، والصحيح لعمر الله بلاوا وكما في المصدر.

[ 98 ]

من الليل إذا هاتف يهتف بنا ويقول: يا أيها الركب السراع الاربعة * خلوا سبيل النافر المفزعه خلوا عن العضباء في الوادي معه * لا تذبحن الظبية المروعه فيها لايتام صغار منفعه قال: فخليت سبيلها، ثم انطلقنا حتى أتينا الشام فقضينا حوائجنا ثم أقبلنا حتى إذا كنا بالمكان الذي كنا فيه هتف هاتف من خلفنا: إياك لا تعجل وخذها من ثقه * فإن شر السير سير الحقحقه قد لاح نجم وأضاء مشرقه * يخرج من ظلماء عسف موبقه (1) ذاك رسول مفلح من صدقه * الله أعلى أمره وحققه (1) بيان: السدف بالضم: الطائفة من الليل، والسدف محركة: سواد الليل. 3 - ختص: أبو محمد، عن صباح المزني، عن الحارث بن حصيرة، عن الاصبغ بن نباتة قال: كنا مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) يوم الجمعة في المسجد بعد العصر إذ أقبل رجل طوال كأنه بدوي، فسلم عليه، فقال له علي (عليه السلام): ما فعل جنيك الذي كان يأتيك ؟ قال: إنه ليأتيني إلى أن وقفت بين يديك يا أمير المؤمنين، قال علي (عليه السلام) فحدث القوم بما كان منه، فجلس وسمعنا له، فقال: إني لراقد باليمن قبل أن يبعث الله نبيه (صلى الله عليه وآله) فإذا جني أتاني نصف الليل فرفسني (2) برجله وقال: اجلس، فجلست ذعرا، فقال: اسمع، قلت: وما أسمع ؟ قال: عجبت للجن وإبلاسها * وركبها العيس بأحلاسها تهوي إلى مكة تبغي الهدى * ما طاهر الجن كأنجاسها فارحل إلى الصفوة من هاشم * وارم بعينيك إلى رأسها قال: فقلت: والله لقد حدث في ولد هاشم شئ أو يحدث، وما أفصح (3) لي وإني


(1) المنتقى في مولود المصطفى: القسم الثالث: باب فيما كان من زمان نبوته ومدة إقامته بمكة. (2) رفسه: ضربه في صدره. (3) أي ما بين مراده ولا أوضحه.

[ 99 ]

لارجو أن يفصح لي، فأرقت (1) ليلتي وأصبحت كئيبا، فلما كان من القابلة أتاني نصف الليل وأنا راقد فرفسني برجله وقال: اجلس، فجلست ذعرا، فقال: اسمع، فقلت: وما أسمع ؟ قال: عجبت للجن وأخبارها * وركبها العيس بأكوارها تهوي إلى مكة تبغي الهدى * ما مؤمنو الجن ككفارها فارحل إلى الصفوة من هاشم * بين روابيها (2) وأحجارها فقلت: والله لقد حدث في ولد هاشم أو يحدث، وما أفصح لي وإني لارجو أن يفصح لي، فأرقت ليلتي وأصبحت كئيبا، فلما كان من القابلة أتاني نصف الليل وأنا راقد فرفسني برجله، وقال: أجلس، فجلست وأنا ذعر، فقال: اسمع، قلت: وما أسمع ؟ قال: عجبت للجن وألبانها * وركبها العيس بأنيابها تهوي إلى مكة تبغي الهدى * ما صادقو الجن ككذابها فارحل إلى الصفوة من هاشم * أحمد أزهر خير أربابها قلت: عدو الله أفصحت، فأين هو ؟ قال: ظهر بمكة يدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فأصبحت ورحلت ناقتي ووجهتها قبل مكة، فأول ما دخلتها لقيت أبا سفيان وكان شيخا ضالا، فسلمت عليه وساءلته عن الحي، فقال: والله إنهم مخصبون، إلا أن يتيم أبي طالب قد أفسد علينا ديننا، قلت: وما اسمه ؟ قال: محمد، أحمد، قلت، وأين هو ؟ قال: تزوج بخديجة بنت خويلد فهو عليها نازل، فأخذت بخطام ناقتي ثم انتهيت إلى بابها فعقلت ناقتي، ثم ضربت الباب فأجابتني: من هذا ؟ فقلت: أنا أردت محمدا، فقالت: اذهب إلى عملك، ما تذرون محمدا يأويه ظل بيت، قد طردتموه وهر بتموه وحصنتموه، اذهب إلى عملك، قلت: رحمك الله إني رجل أقبلت من اليمن، وعسى الله أن يكون قد من علي به، فلا تحرميني النظر إليه، وكان (صلى الله عليه وآله) رحيما، فسمعته يقول: يا خديجة افتحي الباب


(1) أرق: ذهب عنه النوم في الليل. (2) الروابي جمع الرابية: ما ارتفع من الارض.

[ 100 ]

ففتحت فدخلت فرأيت النور في وجهه ساطعا، نور في نور، ثم درت خلفه فإذا أنا بخاتم النبوة معجون على كتفه الايمن، فقبلته ثم قمت بين يديه وأنشأت أقول: أتاني نجي (1) بعد هدء ورقدة * ولم يك فيما قد تلوت (2) بكاذب ثلاث ليال قوله كل ليلة * أتاك رسول من لوي بن غالب فشمرت عن ذيلي الازار ووسطت * بي الذعلب (3) الوجناء بين السباسب فمرنا بما يأتيك ياخير قادر (4) * وإن كان فيما جاء شيب الذوائب وأشهد أن الله لا شئ غيره * وأنك مأمون على كل غائب وأنك أدنى المرسلين وسيلة * إلى الله يا ابن الاكرمين الاطائب وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة * إلى الله يغني (5) عن سواد بن قارب وكان اسم الرجل سواد بن (6) قارب، فرحت (7) والله مؤمنا به (صلى الله عليه وآله)، ثم خرج إلى صفين فاستشهد مع أمير المؤمنين (عليه السلام) (8). بيان: العيس بالكسر: الابل البيض يخالط بياضها شئ من الشقرة، والاحلاس جمع حلس وهو كساء يطرح على ظهر البعير، قوله: إلى رأسها، الضمير راجع إلى القبيلة، والاكوار جمع الكور بالضم، وهو الرحل بأداته، والهدء: السكون، والذعلب: الناقة القوية، والوجناء: الناقة الصلبة وسباسب جمع سبسب (9)، قوله: شيب الذوائب، أي قبلنا و صدقنا بما يأتيك به الوحي من الله وإن كان فيه امور شداد وتشيب منها الذوائب، ورأيت في بعض الكتب مكان الشعر الاول:


(1) نجيى خ ل. (2) قد بلوت خ ل. (3) قال الجزرى في النهاية: في حديث سواد بن مطرف: الذعلب الوجناء، الذعلب والذعلبة: الناقة السريعة. (4) يا خير من مشى خ ل. (5) سواك بمغن خ ل. (6) وقد سماه الجزرى سواد بن مطرف. (7) فرجعت خ ل. (8) الاختصاص: مخطوط. (9) والسبسب: القفر والمفازة.

[ 101 ]

عجبت للجن وتجساسها * وشدها العيس بأحلاسها تهوي إلى مكة تبغي الهدى * ما خير الجن كأنجاسها ومكان الثاني. عجبت للجن وتطلابها * وشدها العيس بأقتابها إلى قوله: فارحل إلى الصفوة من هاشم * ليس قد اماها كأذنا بها التجساس: تفعال من التجسس، كالتطلاب من الطلب، والقدامى: المتقدمون، والاذناب: المتأخرون وروى فيه عن أبي هريرة أن قوما من خثعم كانوا عند صنم لهم جلوسا وكانوا يتحامون إلى أصنامهم - فيقال لابي هريرة: هل كنت تفعل ذلك ؟ فيقول أبو هريرة: والله فعلت فأكثرت، فالحمد لله الذي أنقذني بمحمد (صلى الله عليه وآله) - قال أبو هريرة: فالقوم مجتمعون عند صنمهم إذ سمعوا بهاتف يهتف: يا أيها الناس ذوي الاجسام * ومسند والحكم إلى الاصنام أكلكم أوره كالكهام * ألا ترون ما أرى أمامي من ساطع يجلو دجى الظلام * قد لاح للناظر من تهام قد بدأ للناظر الشئام * ذاك نبي سيد الانام من هاشم في ذروة السنام * مستعلن بالبلد الحرام جاء يهد الكفر بالاسلام * أكرمه الرحمن من إمام قال أبو هريرة: فأمسكوا ساعة حتى حفظوا ذلك، ثم تفرقوا فلم تمض بهم ثالثة حتى جاءهم خبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قد ظهر بمكة. أقول: الاوره: الاحمق، ويقال كهمته الشدائد، أي جبنته عن الاقدام، وأكهم بصره: كل ورق، ورجل كهام كسحاب: كليل عيي لاغناء عنده، وقوم كهام: أيضا، و المتكهم: المتعرض للشر. والشئام كفعال بالهمز نسبة إلى الشام، أي يظهر نوره للشامي كما يظهر للتهامي.

[ 102 ]

4 - كنز الكراجكي: ذكروا أنه كان لسعد العشيرة صنم يقال له: فراص، و كانوا يعظمونه، وكان سادنه رجل من بني أنس الله بن سعد العشيرة يقال له: ابن وقشة، فحدث رجل من بني أنس الله يقال له: ذباب بن الحارث بن عمرو قال: كان لابن وقشة رئي (1) من الجن يخبره بما يكون، فأتاه ذات يوم فأخبره، قال: فنظر إلي وقال: يا ذباب، اسمع العجب العجاب، بعث أحمد بالكتاب، يدعو بمكة لا يجاب، قال: فقلت: ماهذا الذي تقول ؟ قال: ما أدري هكذا قيل لي، قال: فلم يكن إلا قليل حتى سمعنا بخروج النبي (صلى الله عليه وآله)، فقام ذباب إلى الصنم فحطمه، ثم أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فأسلم على يده وقال بعد إسلامه. " شعر " تبعت رسول الله إذ جاء بالهدى * وخلفت فراصا بأرض هوان شددت عليه شدة فتركته * كأن لم يكن والدهر ذوحدثان ولما رأيت الله أظهر دينه * أجبت رسول الله حين دعاني فمن مبلغ سعد العشيرة أنني * شريت الذي يبقي بآخر فاني ؟ قال: وروي أنه كان لبني عذرة صنم يقال له حمام، وكانوا يعظمونه، وكان في بني هند بن حزام، وكان سادنه رجل منهم يقال له: طارق، وكانوا يعترون عنده العتائر، قال زمل بن عمرو العذري: فلما ظهر النبي (صلى الله عليه وآله) سمعنا منه صوتا وهو يقول: يا بني هند بن حزام، ظهر الحق وأودى حمام، ودفع الشرك الاسلام، قال: ففزعنا لذلك وهالنا فمكثنا أياما ثم سمعنا صوتا آخر وهو يقول: يا طارق يا طارق، بعث النبي الصادق، بوحي ناطق، صدع صادع بأرض تهامة، لناصريه السلامة، ولخاذليه الندامة، هذا الوداع مني إلى يوم القيامة، ثم وقع الصنم لوجهه، قال زمل: فخرجت حتى أتيت النبي (صلى الله عليه وآله) و معي نفر من قومي فأخبرناه بما سمعنا، فقال: ذاك كلام مؤمن من الجن، ثم قال: يا معشر العرب إني رسول الله إلى الانام كافة، أدعوهم (2) إلى عبادة الله وحده وأني رسوله


(1) الرئى: الذى يرجع إلى رأيه. (2) في المصدر: أدعوكم.

[ 103 ]

وعبده، وأن تحجوا البيت، وتصوموا شهرا من اثني عشر شهرا وهو شهر رمضان، فمن أجابني فله الجنة نزلا وثوابا، ومن عصاني كانت له النار منقلبا وعقابا، قال: فأسلمنا وعقد لي لواء وكتب لي كتابا، فقال زمل عند ذلك. * (شعر) * إليك رسول الله أعملت نصها * اكلفها حزنا وقوزا من الرمل لانصر خير الناس نصرا مؤزرا * وأعقد حبلا من حبالك في حبلي وأشهد أن الله لا شئ غيره * آدين له ما أثقلت قدمي نعلي قال: وذكروا أن عمرو بن مرة كان يحدث فيقول: خرجت حاجا في الجاهلية في جماعة من قومي، فرأيت في المنام وأنا في الطريق كأن نورا قد سطع من الكعبة حتى أضاء إلى نخل يثرب، وجبلي جهينة: الاشعر والاجرد، وسمعت في النوم قائلا يقول: تقشعت الظلماء، وسطع الضياء، وبعث خاتم الانبياء، ثم أضاء إضاءة اخرى حتى نظرت إلى قصور الحيرة وأبيض المدائن وسمعته يقول: أقبل حق فسطع، ودمغ باطل فانقمع فانتبهت فزعا وقلت لاصحابي: والله ليحدثن بمكة في هذا الحي من قريش حدث، ثم أخبرتهم بما رأيت، فلما انصرفنا إلى بلادنا جاءنا مخبر يخبر أن رجلا من قريش يقال له: أحمد قد بعث، وكان لنا صنم فكنت أنا الذي أسدنه فشددت عليه فكسرته، وخرجت حتى قدمت عليه مكة فأخبرته، فقال: يا عمرو بن مرة أنا النبي المرسل إلى العباد كافة، أدعوهم إلى الاسلام، وآمرهم بحقن الدماء، وصلة الارحام، وعبادة الرحمن، ورفض الاوثان وحج البيت، وصوم شهر رمضان، فمن أجاب فله الجنة، ومن عصى فله النار، فآمن بالله يا عمرو بن مرة تأمن يوم القيامة من النار، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله آمنت بما جئت به من حلال وحرام من إن أرغم ذلك كثيرا من الاقوام، وأنشأت أقول: شهدت بأن الله حق وأنني * لآلهة الاحجار أول تارك وشمرت عن ساقي الازار مهاجرا * إليك أجوب (1) الوعث بعد الدكادك لاصحب خير الناس نفسا ووالدا * رسول مليك الناس فوق الحبائك ثم قلت: يا رسول الله ابعثني إلى قومي لعل الله تبارك وتعالى أن يمن بي عليهم


(1) جاب البلاد: قطعها. (*)

[ 104 ]

كما من علي بك، فبعثني وقال: عليك بالرفق، والقول السديد، ولاتك فظا غليظا، ولا مستكبرا ولا حسودا، فأتيت قومي فقلت: با بني رفاعة بل يا معشر جهينة (1) إن الله واله الحمد قد جعلكم خيار من أنتم منه، وبغض إليكم في جاهليتكم ما حبب إلى غيركم من العرب، الذين كانوا يجمعون بين الاختين، ويخلف الرجل منهم على امرأة أبيه، وإغارة في الشهر الحرام، فأجيبوا هذا الذي من لوي تنالوا شرف الدنيا وكرامة الآخرة وسارعوا في أمره يكن بذلك لكم عنده فضيلة، قال: فأجابوني إلا رجل منهم فإنه قام فقال: يا عمرو بن مرة أمر الله عيشك، أتأمرنا برفض آلهتنا، وتفريق جماعتنا، ومخالفة دين آبائنا، ومن مضى من أوائلنا إلى ما يدعوك إليه هذا المضري من تهامة، لا ولا حبا ولا كرامة، ثم أنشأ يقول: * (شعر) * إن ابن مرة قد أتى بمقالة * ليست مقالة من يريد صلاحا إني لاحسب قوله وفعاله * يوما وإن طال الزمان ذباحا يسفه الاحلام (2) ممن قد مضى * من رام ذلك لا أصاب فلاحا فقال له عمرو: الكذاب مني ومنك أمر الله عيشه، وأبكم لسانه، وأكمه إنسانه (3) قال عمرو: فو الله لقد عمي، وما مات حتى سقط فوه، وكان لا يقدر على الكلام، ولا يبصر شيئا وافتقروا احتاج (4). بيان: في النهاية: النص: التحريك حتى يستخرج أقصى سير الناقة، وفي القاموس القوز: المستدير من الرمل، والكثيب المشرف، وقال: الوعث: المكان السهل الدهش تغيب فيه الاقدام، والطريق العسر، وقال: الدكداك من الرمل: ما يكبس، أو ما التبد منه بالارض أو هي أرض فيها غلظ والجمع دكادك. وقال الجوهري: الحباك والحبيكة:


(1) في المصدر: يا معشر جهينة أنا رسول الله إليكم، أدعوكم إلى الجنة وأحذركم من النار، يا معشر جهينة اه‍. أقول: فيه سقط، والصحيح: أنا رسول رسول الله إليكم. (2) في المصدر: أتسفه الاشياخ ممن قد مضى * من رام ذلك لا أصاب فلاحا. (3) أي عينه. (4) كنز الكراجكى: 92 - 94.

[ 105 ]

الطريقة في الرمل ونحوه، وجمع الحباك الحبك، وجمع الحبيكة حبائك، وقوله تعالى: " والسماء ذات الحبك (1) " قالوا: طرائق النجوم، وقال في النهاية: في حديث كعب بن مرة وشعره: إني لاحسب، البيت، هكذا جاء في الرواية، والذباح: القتل، وهو أيضا نبت يقتل آكله. * (باب 11) * * (معجزاته في اخباره صلى الله عليه وآله بالمغيبات، وفيه) * * (كثير مما يتعلق بباب اعجاز القرآن) * 1 - نجم: من كتاب الدلائل تصنيف عبد الله بن جعفر الحميري بإسناده عن الصادق (عليه السلام) قال: طلب قوم من قريش إلى النبي (صلى الله عليه وآله) حاجة، فقال: إنكم تمطرون غدا، فأصبحت (2) كأنها زجاجة وارتفع النهار، قال: فأتاه رجل عظيم عند الناس، فقال: ما كان أغناك عما تكلمت به أمس ؟ ما رأيناك هكذا قط، فارتفعت سحابة من قبل الصورين. فاطردت الاودية وجاءهم من المطر ما جاءوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا: اطلب إلى الله أن يكفها عنا، فقال: " اللهم حوالينا ولا علينا " فارتفع السحاب يمينا وشمالا (3). بيان: قال الفيروز آبادي: صورة بالضم: موضع من صدر يلملم، وصوران: قرية باليمن، وموضع بقرب المدينة. 2 - ب: اليقطيني، عن ابن ميمون، عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: قال أبي: كان النبي (صلى الله عليه وآله) أخذ من العباس يوم بدر دنانير كانت معه، فقال: يا رسول الله ما عندي غيرها فقال: فأين الذي استخبيته عند ام الفضل ؟ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله،


(1) الذاريات: 7. (2) أي السماء. (3) فرج المهموم: 222.

[ 106 ]

ما كان معها أحد حين استخبيتها (1). 3 - ير: محمد بن الحسين، عن موسى بن سعدان، عن عبد الله بن القاسم، عن صباح المزني، عن الحارث بن حصيرة، عن حبة العرني قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول إن يوشع بن نون (عليه السلام) كان وصي موسى بن عمران (عليه السلام) وكانت ألواح موسى (عليه السلام) من زمرد أخضر، فلما غضب موسى (عليه السلام) ألقى الالواح من يده، فمنها ما تكسر، ومنها ما بقي، ومنها ما ارتفع، فلما ذهب عن موسى (عليه السلام) الغضب قال يوشع بن نون (عليه السلام): أعندك تبيان ما في الالواح ؟ قال: نعم، فلم يزل يتوارثها رهط من بعد رهط حتى وقعت في أيدي أربعة رهط من اليمن، وبعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله) بتهامة وبلغهم الخبر، فقالوا: ما يقول هذا النبي ؟ قيل: ينهى عن الخمر والزنا، ويأمر بمحاسن الاخلاق وكرم الجوار، فقالوا: هذا أولى بما في أيدينا منا، فاتفقوا أن يأتوه في شهر كذا وكذا، فأوحى الله إلى جبرئيل ائت النبي فأخبره، فأتاه فقال: إن فلانا وفلانا وفلانا وفلانا و رثواألواح موسى (عليه السلام) وهم يأتوك في شهر كذا وكذا، في ليلة كذا وكذا، فسهر لهم تلك الليلة، فجاء الركب فدقوا عليه الباب وهم يقولون: يا محمد، قال: نعم يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أين الكتاب الذي توارثتموه من يوشع بن نون وصي موسى بن عمران ؟ قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك محمدا رسول الله، والله ما علم به أحد قط منذ وقع عندنا قبلك، قال: فأخذه النبي (صلى الله عليه وآله) فإذا هو كتاب بالعبرانية دقيق (2)، فدفعه إلي، ووضعته عند رأسي فأصبحت بالغداة (3) وهو كتاب بالعربية جليل، فيه علم ما خلق الله منذ قامت السماوات والارض إلى أن تقوم الساعة فعلمت ذلك (4). 4 - ص: الصدوق: عن عبد الله بن حامد، عن الحسن بن محمد بن إسحاق: عن الحسين بن إسحاق الدقاق، عن عمر بن خالد، عن عمر بن راشد، عن عبد الرحمن بن حرملة


(1) قرب الاسناد: 11. (2) رقيق خ ل. (3) في المصدر: وأصبحت بالكتاب. (4) بصائر الدرجات: 39.

[ 107 ]

عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوما جالسا فاطلع عليه علي (عليه السلام) مع جماعة، فلما رآهم تبسم، قال: جئتموني تسألوني عن شئ إن شئتم أعلمتكم بما جئتم، وإن شئتم تسألوني، فقالوا: بل تخبرنا يا رسول الله، قال: جئتم تسألونني عن الصنائع لمن تحق، فلا ينبغي أن يصنع إلا لذي حسب أو دين، وجئتم تسألونني عن الجهاد المرأة، فإن جهاد المرأة حسن التبعل (1) لزوجها، وجئتم تسألونني عن الارزاق من أين أبى الله أن يرزق عبده إلا من حيث لا يعلم، فإن العبد إذا لم يعلم وجه رزقه كثر دعائه (2). بيان: الصنائع جمع الصنيعة وهي العطية والكرامة والاحسان. 5 - ص: الصدوق: عن عبد الله بن حامد، عن محمد بن جعفر، عن عبد الله بن أحمد ابن إبراهيم، عن عمر بن حصين الباهلي، عن عمر بن مسلم، عن عبد الرحمن بن زياد، عن مسلم بن يسار قال: قال أبو عقبة الانصاري: كنت في خدمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجاء نفر من اليهود فقالوا لي: استأذن لنا على محمد، فأخبرته فدخلوا عليه، فقالوا: أخبرنا عما جئنا نسألك عنه، قال: جئتموني تسألونني عن ذي القرنين، قالوا: نعم، فقال: كان غلاما من أهل الروم، ناصحا لله عزوجل فأحبه الله وملك الارض، فسار حتى أتى مغرب الشمس، ثم سار إلى مطلعها، ثم سار إلى خيل (3) يأجوج ومأجوج فبنى فيها السد، قالوا: نشهد أن هذا شأنه وأنه لفي التوراة (4). 6 - ص: بالاسناد إلى الصدوق بإسناده إلى ابن عباس قال: دخل أبو سفيان على النبي (صلى الله عليه وآله) يوما فقال: يا رسول الله اريد أن أسألك عن شئ، فقال (صلى الله عليه وآله): إن شئت أخبرتك قبل أن تسألني، قال: افعل، قال: أردت أن تسأل عن مبلغ عمري، فقال: نعم يا رسول الله، فقال: إني أعيش ثلاثا وستين سنة، فقال: أشهد أنك صادق، فقال (صلى الله عليه وآله): بلسانك دون قبلك، قال ابن عباس: والله ما كان إلا منافقا، قال: ولقد كنا في محفل فيه


(1) التبعل: طاعة المرأة لزوجها وحسن العشرة معه. (2) قصص الانبياء: مخطوط. (3) جبل خ ل. (4) قصص الانبياء: مخطوط.

[ 108 ]

أبو سفيان وقد كف بصره وفينا علي (عليه السلام) فأذن المؤذن، فلما قال: أشهد أن محمدا رسول الله قال أبو سفيان: ههنا من يحتشم ؟ قال واحد من القوم: لا، فقال: لله در أخي بني هاشم، انظروا أين وضع اسمه ؟ فقال علي (عليه السلام): أسخن الله عينك يا باسفيان، الله فعل ذلك بقوله عز من قائل: ورفعنا لك ذكرك (1) " فقال أبو سفيان: أسخن الله عين من قال: ليس هيهنا من يحتشم (2). بيان: أسخن الله عينه: أبكاه. 7 - ص: الصدوق، عن عبد الله بن حامد، عن محمد بن جعفر، عن علي بن حرب، عن محمد بن حجر، عن عمه سعيد، عن أبيه، عن امه، عن وائل بن حجر قال: جاء نا ظهور النبي (صلى الله عليه وآله) وأنا في ملك عظيم وطاعة من قومي، فرفضت ذلك وآثرت الله ورسوله وقدمت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخبرني أصحابه أنه بشرهم قبل قدومي بثلاث، فقال: هذا وائل بن حجر قد أتاكم من أرض بعيدة، من حضر موت، راغبا في الاسلام طائعا بقية أبناء الملوك، فقلت: يا رسول الله أتانا ظهورك وأنا في ملك، فمن الله علي أن رفضت ذلك وآثرت الله ورسوله ودينه راغبا فيه، فقال (صلى الله عليه وآله): صدقت، اللهم بارك في وائل وفي ولده وولد ولده (3). يج: مرسلا مثله، وفيه: فلما قدمت عليه أدناني وبسط لي ردائه فجلست عليه، فصعد المنبر وقال: هذا وائل بن حجر قد أتانا راغبا في الاسلام طائعا بقية أبناء الملوك، اللهم بارك في وائل وولده وولد ولده. 8 - ص: الصدوق، عن أبيه، عن سعد. عن البرقي، عن ابن محبوب، عن هشام ابن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أتي النبي (صلى الله عليه وآله) باسارى فأمر بقتلهم ما خلا رجلا من بينهم، فقال الرجل: كيف أطلقت عني من بينهم ؟ فقال: اخبرني جبرئيل عن الله تعالى ذكره أن فيك خمس خصال يحبه الله ورسوله: الغيرة الشديدة على حرمك، والسخاء، وحسن الخلق، وصدق اللسان: والشجاعة، فأسلم الرجل وحسن إسلامه (4).


(1) الشرح: 4. (2 - 4) قصص الانبياء: مخطوط.

[ 109 ]

9 - ص: الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه علي، عن الحسن بن سعيد، عن النضر، عن موسى بن بكر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ضلت ناقة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في غزوة تبوك، فقال المنافقون: يحد ثنا عن الغيب ولا يعلم مكان ناقته ! فأتاه جبرئيل (عليه السلام) فأخبره بما قالوا، وقال: إن ناقتك في شعب كذا، متعلق زمامها بشجرة كذا، فنادى رسول الله (صلى الله عليه وآله): الصلاة جامعة، قال: فاجتمع الناس فقال: أيها الناس إن ناقتي بشعب كذا، فبادروا إليها حتى أتوها (1). 10 - ير: موسى بن عمر، عن عثمان بن عيسى، عن خالد بن نجيح قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك سمى رسول الله أبا بكر الصديق ؟ قال: نعم، قال: فكيف ؟ قال: حين كان معه في الغار قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إني لارى سفينة جعفر بن أبي طالب تضطرب في البحر ضالة، قال: يا رسول الله وإنك لتراها ؟ قال: نعم، قال: فتقدر أن ترينيها ؟ قال: ادن منى قال: فدنا منه فمسح على عينيه ثم قال: انظر، فنظر أبو بكر فرأى السفينة وهي تضطرب في البحر، ثم نظر إلى قصور أهل المدينة فقال في نفسه: الآن صدقت أنك ساحر، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الصديق أنت ! (2). بيان: قوله: الصديق أنت على سبيل التهكم. 11 - عم، يج: روي أن ناقته افتقدت فأرجف (3) المنافقون فقالوا: يخبرنا بخبر السماء ولا يدري أين هو ناقته ؟ فسمع ذلك فقال: إني وإن كنت اخبركم بلطائف الاسرار لكني لا أعلم من ذلك إلا ما علمني الله، فلما وسوس لهم الشيطان دلهم على حالها، ووصف لهم الشجرة التي هي متعلقة بها، فأتوها فوجدوها على ما وصف قد تعلق خطامها (4) بشجرة (5).


(1) قصص الانبياء: مخطوط. (2) بصائر الدرجات: 125. (3) أرجف: خاض في الاخبار السيئة قصد أن يهيج الناس، أي خاضوا في تشكيك الناس و الطعن عليه (صلى الله عليه وآله). (4) قد تعلق خطامها بشجرة أشار إليها خ ل. (5) إعلام الورى: 18 و 19 ط 1 و 38 ط 2. وأقول: ألفاظ الحديث من الخرائج، وأما إعلام الورى فالفاظه يخالف ذلك. راجعه.

[ 110 ]

12 - يج: روي أن من كان بحضرته من المنافقين كانوا لا يكونون في شئ من ذكره إلا أطلعه الله عليهم وبينه فيخبرهم به، حتى كان بعضهم يقول لصاحبه: اسكت وكف، فو الله لو لم يكن عندنا إلا الحجارة لاخبرته حجارة البطحاء، لم يكن ذلك منه ولا منهم مرة ولا مرات، بل يكثر ذلك أن يحصى عدده حتى يظن ظان أن ذلك كان بالظن والتخمين، كيف وهو يخبرهم بما قالوا على ما لفظوا، ويخبرهم عما في ضمائرهم، فكلما ضوعفت عليهم الآيات ازدادوا عمى لعنادهم (1). 13 - يج: روي أنه أتى يهود النضير مع جماعة من أصحابه فاندس له رجل منهم ولم يخبر أحدا، ولم يؤامر (2) بشرا إلا ما أضمره عليه، وهو يريد أن يطرح عليه صخرة وكان قاعدا في ظل اطم من آطامهم، فنذرته (3) نذارة الله، فقام راجعا إلى المدينة وأنبأ القوم بما أراد صاحبهم، فسألوه فصدقهم وصدقوه، وبعث الله على الذي أراد كيده أمس الخلق به (4) رحما فقتله، فنفل (5) ماله رسول الله كله. بيان: قوله: فاندس أي اختفى، والاطم بضمتين: القصر وكل حصن مبني بحجارة، وكل بيت مربع مسطح، والجمع آطام واطوم. 14 - يج: روي أن عليا قال: بعثني رسول الله والزبير والمقداد معي فقال: انطلقوا حتى تبلغوا روضة خاخ فإن فيها امرأة معها صحيفة من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين فانطلقنا وأدركناها وقلنا: أين الكتاب ؟ قال: ما معي كتاب، ففتشها الزبير والمقداد وقالا: ما نرى معها كتابا، فقلت: حدث به رسول الله وتقولان: ليس معها ؟ لتخرجنه أو لاجردنك، فأخرجته من حجزتها (6)، فلما عادوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله) قال: يا حاطب


(1) قوله: لم يكن ذلك الى آخره من كلام الراوندي. (2) أي لم يشاور. (3) فبدرته خ ل. (4) أي أقربهم به رحما. (5) نقل خ ل. أقول: نفل ماله أي أعطاه الناس وقسمه بينهم نافلة. (6) الحجزة: معقد الازار.

[ 111 ]

ما حملك على هذا ؟ قال: أردت أن يكون لي يد عند القوم وما ارتددت، فقال: صدق حاطب، لا تقولوا له إلا خيرا. وفي هذا إعلام (1) بمعجزات: منها إخباره عن الكتاب وعن بلوغ المرأة روضة خاخ ومنها شهادته لحاطب بالصدق، فقد وجد كل ذلك كما أخبر. 15 - يج: روي أن النبي (صلى الله عليه وآله) أنفذ عمارا في سفر ليستقي، فعرض له شيطان في صورة عبد أسود فصرعه ثلاث مرات، فقال (صلى الله عليه وآله): إن الشيطان قد حال بين عمار وبين الماء في صورة عبد أسود، وإن الله أظفر عمارا، فدخل فأخبر بمثله. 16 - يج: روي أن أبا سعيد الخدري قال: كنا نخرج في غزوات مترافقين تسعة وعشرة، فنقسم العمل، فيقعد بعضنا في الرحال، وبعضنا يعمل لاصحابه ويسقي ركابهم ويصنع طعامهم، وطائفة تذهب إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فاتفق في رفقتنا رجل يعمل عمل ثلاثة نفر: يخيط، ويسقي، ويصنع طعاما، فذكر ذلك للنبي (صلى الله عليه وآله) فقال: ذلك رجل من أهل النار، فلقينا العدو وقاتلناهم فجرح وأخذ الرجل سهما فقتل به نفسه فقال: أشهد أني رسول الله وعبده. 17 - يج روي عن ابن عباس قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله) جالسا في ظل حجر كاد أن ينصرف عنه الظل فقال: إنه سيأتيكم رجل ينظر إليكم بعين شيطان، فإذا جاءكم فلا تكلموه فلم يلبثوا أن طلع عليهم رجل أزرق فدعاه وقال: على ما تشتموني أنت وأصحابك ؟ فقال: لا نفعل، قال: دعني آتك بهم، فدعاهم فجعلوا يحلفون بالله ما قالوا وما فعلوا، فأنزل الله: " يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم (2) ". 18 - يج: من معجزات النبي (صلى الله عليه وآله) أن أبا الدرداء كان يعبد صنما في الجاهلية وأن عبد الله بن رواحة ومحمد بن مسلمة ينتظران خلوة أبي الدرداء فغاب فدخلا على بيته و كسرا صنمه، فلما رجع قال لاهله: من فعل هذا ؟ قالت: لا أدري، سمعت صوتا فجئت وقد خرجوا، ثم قالت: لو كان الصنم يدفع لدفع عن نفسه، فقال: أعطيني حلتي فلبستها (3)،


(1) قوله: وفى هذا إعلام اه‍ من كلام الراوندي. (2) المجادلة: 18. (3) أي اعطاها اياه ليلبسها.

[ 112 ]

فقال النبي (صلى الله عليه وآله): هذا أبو الدرداء يجئ ويسلم، فإذا هو جاء وأسلم. ومنها: أنه (صلى الله عليه وآله) أخبر أبا ذر بما جرى عليه بعد وفاته، فقال: كيف بك إذا اخرجت من مكانك ؟ قال: أذهب إلى المسجد الحرام، قال: كيف بك إذا اخرجت منه ؟ قال: أذهب إلى الشام، قال: كيف بك إذا اخرجت منها ؟ قال: أعمد إلى سيفي فأضرب به حتى اقتل، قال: لا تفعل، ولكن اسمع وأطع، فكان ما كان، حتى أخرج إلى الربذة. ومنها: أنه (صلى الله عليه وآله) قال لفاطمة: إنك أول أهل بيتي لحاقابي فكانت أول من مات بعده. ومنها: أنه قال لازواجه: أطولكن يدا أسرعكن بي لحوقا، قالت عائشة: كنا نتطاول بالايدي حتى ماتت زينب بنت جحش. ومنها: أنه (صلى الله عليه وآله) ذكر زيد بن صوحان فقال: زيد، وما زيد ؟ ! يسبق منه عضو إلى الجنة، فقطعت يده يوم نهاوند في سبيل الله (1). ومنها: ما أخبر عن ام ورقة (2) الانصارية فكان يقول: انطلقوا بنا إلى الشهيدة نزورها، فقتلها غلام وجارية لها، بعد وفاته. ومنها: أنه (صلى الله عليه وآله) قال في محمد (3) بن الحنفية: يا علي سيولد لك ولد قد نحلته اسمي وكنيتي. ومنها: أنه (صلى الله عليه وآله) قال: رأيت في يدي سوارين من ذهب فنفختهما فطارا، فأولتهما هذين الكذابين: مسيلمة كذاب اليمامة، وكذاب صنعاء العبسي. ومنها: أن عبد الله بن الزبير قال: احتجم النبي (صلى الله عليه وآله) فأخذت الدم لا هريقه، فلما برزت حسوته (4)، فلما رجعت قال: ما صنعت ؟ قلت: جعلته في أخفى مكان، قال:


(1) فكان كما قال خ. (2) روقة خ ل. أقول: هو مصحف، والصحيح مافى المتن، وهى ام ورقة بنت عبد الله بن الحارث بن عويمر الانصارية الصحابية. وترجمها ابن حجر في التقريب: 670. (3) بل قال (صلى الله عليه وآله) ذلك في ابنه أبى القاسم محمد بن الحسن الامام الثاني عشر المهدى المنتظر عجل الله ظهوره الشريف. (4) حسا المرق. شربه شيئا بعد شئ. بحار الانوار - 7 -

[ 113 ]

ألفاك (1) شربت الدم ؟ ثم قال: ويل للناس منك، وويل لك من الناس. ومنها: أنه (صلى الله عليه وآله) قال: ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الاديب، تخرج فتنبحها كلاب الحوأب. وروي لما أقبلت عائشة مياه بني عامر ليلا نبحتها كلاب الحوأب، قالت: ماهذا ؟ قالوا: الحوأب، قالت: ما أظنني إلا راجعة، ردوني، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لنا ذات يوم: كيف بإحداكن إذا نبح عليها كلاب الحوأب ؟ ومنها: أنه (صلى الله عليه وآله) قال: أخبرني جبرائيل أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف، فجاءني بهذه التربة فأخبرني أن فيها مضجعه. ومنها: أن ام سلمة قالت: كان عمار ينقل اللبن بمسجد الرسول، وكان (صلى الله عليه وآله) يمسح التراب عن صدره ويقول: تقتلك الفئة الباغية (2). ومنها: ماروى أبو سعيد الخدري أن النبي (صلى الله عليه وآله) قسم يوما قسما، فقال رجل من تميم اعدل، فقال: ويحك ومن يعدل إذا لم أعدل ؟ ! قيل: نضرب عنقه ؟ قال: لا، إن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته وصيامه مع صلاتهم وصيامهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، رئيسهم (3) رجل أدعج إحدى (4) ثدييه مثل ثدي المرأة، قال أبو سعيد: إني كنت مع علي حين قتلهم فالتمس في القتلى بالنهروان فاتي به على النعت الذي نعته رسول الله (صلى الله عليه وآله). ومنها: أنه (صلى الله عليه وآله) قال: تبنى مدينة بين دجلة ودجيل، وقطربل والصراة، تجبى إليها خزائن الارض، يخسف بها - يعني بغداد - وذكر أرضا يقال لها: البصرة إلى جنبها نهر يقال له: دجلة، ذو نخل ينزل بها بنو قنطورا، يتفرق الناس فيه ثلاث فرق: فرقة تلحق بأهلها فيهلكون، وفرقة تأخذ على أنفسها فيكفرون، وفرقة تجعل ذراريهم خلف


(1) أي أجدك شربت ذلك ؟ (2) فقتله معاوية وأصحابه عليهم لعائن الله. (3) أيتهم خ ل. (4) أحد ثدييه خ ل.

[ 114 ]

ظهورهم يقاتلون، قتلاهم شهداء يفتح الله على بقيتهم (1). بيان: قال في النهاية: في الحديث أنه قال لنسائه: أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا، كنى بطول اليد عن العطاء والصدقة، يقال: فلان طويل الباع: إذا كان سمحا جوادا، وكان زينب تحت الصدقة وهي ماتت قبلهن، وقال في قوله: الادبب: أراد الادب، فترك الادغام لاجل الحوأب، والادب: الكثير وبر الوجه، والنباح: صياح الكلب، والحوأب: منزل بين البصرة ومكة، والادعج: الاسود العين، وقيل: المراد به هنا سواد الوجه. وقال الفيروز آبادي: قطر بل بالضم وتشديد الباء الموحدة، أو بتخفيفها وتشديد اللام: موضعان: أحدهما بالعراق ينسب إليه الخمر، وقال. الصراة: نهر بالعراق. وقال الجزري: في حديث حذيفة: يوشك بنو قنطورا أن يخرجوا أهل العراق من عراقهم - ويروى أهل البصرة منها - كأني بهم خنس الانوف، خزر العيون، عراض الوجوه، قيل: إن قنطورا كانت جارية لابراهيم الخليل (عليه السلام) ولدت له أولادا منهم الترك والصين، ومنه حديث ابن عمر: ويوشك بنو قنطورا أن يخرجوكم من أرض البصرة، و حديث أبي بكرة: إذا كان آخر الزمان جاء بنو قنطورا، وقال: وفيه تقاتلون قوما خنس الانف، الخنس بالتحريك: انقباض قصبة الانف، وعرض الارنبة (2)، والمراد بهم الترك لانه الغالب على آنافهم وهو شبيه بالفطس (3). 19 - يج: روي أن رجلا أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: إني خرجت وامرأتي حائض ورجعت وهي حبلى، فقال: من تتهم ؟ قال: فلانا وفلانا، قال: ائت بهما، فجاء بهما فقال (صلى الله عليه وآله): إن يكن من هذا فسيخرج قططا (4) كذا وكذا، فخرج كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله). 20 - يج روي أن رجلا جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: ما طعمت طعاما منذ يومين،


(1) على يقينهم خ ل. (2) الارنبة واحدة الارنب: طرف الانف. (3) الفطس: انخفاص قصبة الانف. (4) رجل قطط: قصير الشعر جعدة.

[ 115 ]

فقال: عليك بالسوق، فلما كان من الغد دخل فقال: يا رسول الله أتيت السوق أمس فلم أصب شيئا، فبت بغير عشاء، قال: فعليك بالسوق، فأتى بعد ذلك أيضا فقال (صلى الله عليه وآله): عليك بالسوق، فانطلق إليها فإذا عير قد جاءت وعليها متاع فباعوه ففضل بدينار (1) فأخذه الرجل وجاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: ما أصبت شيئا، قال: هل أصبت من عير آل فلان شيئا ؟ قال: لا، قال: بلى ضرب لك فيها بسهم وخرجت منها بدينار، قال: نعم قال: فما حملك على أن تكذب ؟ قال: أشهد أنك صادق، ودعاني إلى ذلك إرادة أن أعلم أتعلم ما يعمل الناس، وأن أزداد خيرا إلى خير، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): صدقت من استغنى أغناه الله ومن فتح على نفسه باب مسألة فتح الله عليه سبعين بابا من الفقر لا يسد أدناها شئ فمارئي سائلا بعد ذلك اليوم، ثم قال: إن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة سوي (2) أي لا يحل له أن يأخذها وهو يقدر أن يكف نفسه عنها. 21 - يج: روي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: بينما رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوما جالسا إذ قام متغير اللون فتوسط المسجد ثم أقبل يناجي طويلا ثم رجع إليهم، قالوا: يا رسول الله رأينا منك منظرا ما رأيناه فيما مضى، قال: إني نظرت إلى ملك السحاب اسماعيل ولم يهبط الى الارض الا بعذاب، فوثبت مخافة ان يكون قد نزل في امتي شئ (3)، فسألته ما أهبطه ؟ فقال: استأذنت ربي في السلام عليك فأذن لي، قلت: فهل امرت فيها (4) بشئ ؟ قال: نعم، في يوم كذا، وفي شهر كذا، في ساعة كذا، فقام المنافقون وظنوا أنهم على شئ، فكتبوا ذلك اليوم وكان أشد يوم حرا، فأقبل القوم يتغامزون، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لعلي (عليه السلام) انظر هل ترى في السماء شيئا ؟ فخرج ثم قال: أرى في مكان كذا كهيئة الترس غمامة، فما لبثوا أن جللتهم سحابة سوداء، ثم هطلت عليهم حتى ضج الناس.


(1) بفضل دينار خ ل. (2) في النهاية: فيه لا تحل الصدقة لغنى ولذي مرة سوى، المرة: القوة، والشدة، والسوى: الصحيح الاعضاء. (3) بشئ خ ل. (4) أمرت فينا خ ل.

[ 116 ]

بيان: الهطل: تتابع المطر. 22 - يج: روي عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: مر رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوما على علي (عليه السلام) والزبير قائم معه (1) يكلمه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما تقول له ؟ فو الله لتكونن أول العرب تنكث بيعته. 23: يج روي أنه (صلى الله عليه وآله) قال لجيش بعثهم إلى اكيدر دومة الجندل: أما إنكم تأتونه فتجدونه يصيد البقر فوجدوه كذلك. 24 - يج: روي أنه لما نزلت: " إذا جاء نصر الله والفتح (2) " قال: نعيت (3) إلى نفسي أني (4) مقبوض، فمات في تلك السنة. وقال لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن: إنك لا تلقاني بعد هذا. 25 - يج: روي عن الصادق (عليه السلام) قال: أصابت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في غزوة المصطلق ريح شديدة فقلبت (5) الرحال وكادت تدقها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أما إنها موت منافق قالوا: فقدمنا المدينة فوجدنا رفاعة بن زيد مات في ذلك اليوم، وكان عظيم النفاق، وكان أصله من اليهود، فضلت ناقة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في تلك (6) الريح فزعم يزيد بن الاصيب (7) وكان في منزل عمارة بن حزم كيف يقول: إنه يعلم الغيب ولا يدري أين ناقته ؟ قال (8): بئس ما قلت، والله ما يقول هو إنه يعلم الغيب، وهو صادق، فاخبر النبي بذلك فقال لا يعلم الغيب إلا الله وإن الله أخبرني أن ناقتي في هذا الشعب تعلق زمامها بشجرة، فوجدوها كذلك، ولم يبرح أحد من ذلك الموضع، فأخرج عمارة ابن الاصيب (9) من منزله. 26 - يج: روي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كتب إلى قيس بن عرنة البجلي يأمره بالقدوم


(1) قائم بين يديه خ ل. (2) النصر: 1. (3) أي أخبرت بوفاتي. (4) وانى خ ل. (5) فبتت خ ل. (6) في تلك الليلة خ ل. (7) زيد بن الاصب خ ل. (8) قالوا خ ل. (9) ابن الاصب خ ل.

[ 117 ]

عليه، فأقبل ومعه خويلد بن الحارث الكلبي حتى إذا دنا من المدينة هاب الرجل أن يدخل، فقال له قيس: أما إذا أبيت أن تدخل فكن في هذا الجبل حتى آتيه، فإن رأيت الذي تحب (1) أدعوك فاتبعني، فأقام ومضى قيس حتى إذا دخل على النبي (صلى الله عليه وآله) المسجد فقال: يا محمد أنا آمن ؟ قال: نعم وصاحبك الذي تخلف في الجبل، قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فبايعه، وأرسل إلى صاحبه فأتاه، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): يا قيس إن قومك قومي، وإن لهم في الله وفي رسوله خلفا. 27 - قب، يج: روي أن أبا ذر قال: يا رسول الله إني قد اجتويت المدينة أفتأذن لي أن أخرج أنا وابن أخي إلى الغابة فتكون بها ؟ فقال: إني أخشى أن تغير حي من العرب فيقتل ابن أخيك فتأتي فتسعى فتقوم بين يدي متكئا على عصاك فتقول: قتل ابن أخي، واخذ السرح (2)، فقال: يا رسول الله لا يكون إلا (3) خير، فأذن له فأغارت خيل بني فزارة، فأخذوا السرح وقتلوا ابن أخيه، فجاء أبو ذر معتمدا على عصاه ووقف عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبه طعنة قد جافته (4) فقال: صدق الله رسوله (5). بيان: قال الجزري: في الحديث العرنيين: فاجتووا المدينة، أي أصابهم الجوى وهو المرض وداء الجوف إذا تطاول، وذلك إذا لم يوافقهم هواؤها واستوخموها، يقال: اجتويت البلد: إذا كرهت المقام فيه وإن كنت في نعمة انتهى. والغابة: موضع بالحجاز،


(1) نحب خ ل. (2) السرح: الماشية. (3) على خير خ ل. (4) أجافته خ ل. (5) مناقب آل أبى طالب 1: 100 ط النجف، ألفاظ الحديث فيه هكذا: واستأذن أبو ذر رسول الله أن يكون في مزينة مع ابن أخيه، فقال: انى أخشى أن تغير عليك خيل من العرب فتقتل ابن أخيك فتأتيني شعثا فتقوم بين يدى متكئا على عصى فتقول: قتل ابن أخى واخذ السرح، ثم أذن له فخرج ولم يلبث الا قليلا حتى أغار عليه عيينة بن حصن وأخذ السرح وقتل ابن أخيه و أخذت امرأته، فأقبل أبو ذر يستند حتى وقف بين يدى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبه طعنة جائفة، فاعتمد على عصاه وقال: صدق الله ورسوله، اخذ السرح، وقتل ابن أخى، وقمت بين يديك على عصاي، فصاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المسلمين فخرجوا بالطلب فردوا السرح.

[ 118 ]

ثم إن هذا من أبي ذر رضي الله عنه على تقدير صحته لعله كان قبل كمال إيمانه واستقرار أمره. 28 - يج: روي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لقي في غزوة ذات الرقاع رجلا من محارب يقال له: عاصم، فقال له: يا محمد أتعلم الغيب ؟ قال: لا يعلم الغيب إلا الله، قال: والله لجملي هذا أحب إلي من إلهك، قال: لكن الله أخبرني (1) من علم غيبه أنه تعالى يبعث عليك قرحة في مسبل (2) لحيتك حتى تصل إلى دماغك فتموت والله إلى النار، فرجع فبعث الله قرحة فأخذت في لحيته حتى وصلت إلى دماغه، فجعل يقول: لله در القرشي إن قال بعلم أو زجر أصاب (3). 29 - يج: روي أن وابصة بن معبد الاسدي أتاه وقال في نفسه: لا أدع من البر والاثم شيئا إلا سألته، فلما أتاه قال له بعض أصحابه: إليك يا وابصة عن سؤال رسول الله، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): دعوا وابصة، ادن فدنوت (4)، فقال: تسأل عما جئت له أم أخبرك ؟ قال: أخبرني، قال: جئت تسأل عن البر والاثم، قال: نعم فضرب يده على صدره ثم قال: البر ما اطمأنت إليه النفس والبر ما اطمأن إليه الصدر، والاثم ما تردد في الصدر وجال في القلب، وإن أفتاك الناس وإن أفتوك. 30 - يج: روي أنه أتاه وفد عبد القيس فدخلوا عليه، فلما أدركوا حاجتهم قال: ائتوني بتمر أرضكم مما معكم، فأتاه كل واحد منهم بنوع منه فقال النبي (صلى الله عليه وآله): هذا يسمى كذا، وهذا يسمى كذا، فقالوا: أنت أعلم بتمر أرضنا منا، فوصف لهم أرضهم، فقالوا أدخلتها ؟ قال: لا، لكن فسح لي فنظرت إليها، فقام رجل منهم فقال: يا رسول الله هذا خالي به خبل، فأخذ بردائه وقال: اخرج يا عبد الله (5) ثلاثا ثم أرسله فبرئ، ثم


(1) قد أخبرني خ ل. (2) مشتبك لحيتك خ ل. ومسبل اللحية: الدائرة في وسط الشفة العليا أو الذقن. (3) فأصاب خ ل. أقول: الزجر: التكهن. والتفاءل بطير ان الطير إن كان عن يمين، أو التطير منه إن كان عن يسار. (4) هكذا في النسخة، ولعله مصحف فدنى. (5) يا أبا عبد الله خ ل. والصحيح يا عدو الله - خطابا للشيطان - راجع ج 17 ص 229

[ 119 ]

أتوه بشاة هرمة فأخذ إحدى اذنيها بين إصبعيه فصار لها ميسما ثم قال: خذوها فإن هذا ميسم في آذان ما تلد إلى يوم القيامة فهي تتوالد كذلك. 31 - يج: روي أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال للعباس: ويل لذريتي من ذريتك، فقال: يا رسول الله فأختصي ؟ قال: إنه أمر قد قضي، أي لا ينفع الخصا (1) فعبد الله قد ولد وصار له ولد. 32 - يج: روي أن ناقة ضلت لبعض أصحابه في سفر كان فيه، فقال صاحبها: لو كان نبيا لعلم أين الناقة، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله) فقال (صلى الله عليه وآله): الغيب لا يعلمه إلا الله، انطلق يا فلان فإن ناقتك في مكان كذا (2)، قد تعلق زمامها بشجرة، فوجدها كما قال. 33 - يج: من معجزاته (صلى الله عليه وآله) أنه أخبر الناس بمكة بمعراجه وقال: آية ذلك أنه ند لبني فلان في طريقي بعير فدللتهم عليه، وهو الآن يطلع (3) عليكم من ثنية كذا، يقدمها جمل أورق، عليه غرارتان (4): احداهما سوداء والاخرى برقاء، فوجدوا الامر على ما قال. ومنها: أنه (صلى الله عليه وآله) رأى عليا (عليه السلام) نائما في بعض الغزوات في التراب، فقال: يا أبا تراب، ألا احدثك بأشقى الناس أخي ثمود (5)، والذي يضربك على هذا - ووضع يده على قرنه - حتى تبل هذه من هذا ؟ وأشار إلى لحيته. ومنها: أنه (صلى الله عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام): تقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين، فكان كذلك. ومنها: قوله لعمار: ستقتلك الفئة الباغية، وآخر زادك ضياح من لبن، فاتي عمار بصفين بلبن فشربه فبارز (6) فقتل.


(1) وعبد الله خ ل. أقول: قوله: أي لا ينفع اه‍ من كلام الراوندي. (2) بمكان كذا خ ل. (3) وهى الان تطلع عليكم خ ل. (4) الغرارة: الجوالق. (5) احيمر ثمود خ ل. (6) وبارز خ ل.

[ 120 ]

ومنها: أنه لما كانت قريش تحالفوا وكتبوا بينهم صحيفة ألا يجالسوا واحدا من بني هاشم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم محمدا ليقتلوه، وعلقوا تلك الصحيفة في الكعبة، وحاصروا بني هاشم في الشعب شعب عبد المطلب أربع سنين فأصبح النبي (صلى الله عليه وآله) يوما وقال لعمه أبي طالب: إن الصحيفة التي كتبتها قريش في قطيعتنا قد بعث الله عليها دابة فلحست كل ما فيها غير اسم الله، وكانوا قد ختموها بأربعين خاتما من رؤساء قريش، فقال أبو طالب: يا ابن أخي أفأصير (1) إلى قريش فاعلمهم بذلك ؟ قال: إن شئت، فصار أبو طالب رضي الله عنه إليهم فاستبشروا بمصيره إليهم واستقبلوه بالتعظيم والاجلال، وقالوا: قد علمنا الآن أن رضى قومك أحب إليك مما كنت فيه، أفتسلم إلينا محمدا ولهذا جئتنا ؟ فقال: يا قوم قد جئتكم (2) بخبر أخبرني به ابن أخي محمد، فانظروا في ذلك، فإن كان كما قال فاتقوا الله وارجعوا عن قطيعتنا، وإن كان بخلاف ما قال سلمته إليكم واتبعت مرضاتكم، قالوا وما الذي أخبرك ؟ قال: أخبرني أن الله قد بعث على صحيفتكم دابة فلحست ما فيها غير اسم الله، فحطوها فإن كان الامر بخلاف ما قال سلمته إليكم، ففتحوها فلم يجدوا فيها شيئا غير اسم الله فتفرقوا وهم يقولون: سحر سحر، وانصرف أبو طالب رضي الله عنه. بيان: ند البعير: شرد ونفر، والبرقاء: ما اجتمع فيه سواد وبياض، والضياح بالفتح: اللبن الرقيق يصب فيه ماء ثم يخلط، واللحس باللسان معروف، واللحس أيضا أكل الدود الصوف، وأكل الجراد الخضر. 34 - يج: روي أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يوما جالسا وحوله علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام فقال لهم: كيف بكم إذا كنتم صرعى وقبوركم شتى ؟ فقال الحسين (عليه السلام) أنموت موتا أو نقتل قتلا ؟ فقال: بل تقتل يا بني ظلما، ويقتل أخوك ظلما ويقتل أبوك ظلما، وتشرد ذراريكم في الارض، فقال الحسين (عليه السلام): ومن يقتلنا ؟ قال: شرار الناس، قال: فهل يزورنا أحد ؟ قال: نعم طائفة من أمتي يريدون بزيارتكم بري وصلتي، فإذا كان يوم


(1) أأمضى خ ل. (2) انى قد جئتكم خ ل.

[ 121 ]

القيامة جئتهم وأخلصهم من أهواله (1). 35 - شف: من كتاب عتيق تاريخه سنة ثمان وثمانين (2) هجرية قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الزهري، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده - ثم قال: ما هذا لفظه -: وأنا كنت معه (صلى الله عليه وآله) يوم قال: يأتي تسع نفر من حضرموت فيسلم منهم ستة، ولا يسلم منهم ثلاثة، فوقع في قلوب كثير من كلامه ما شاء الله أن يقع، فقلت أنا: صدق الله و رسوله، هو كما قلت يا رسول الله، فقال: أنت الصديق الاكبر، ويعسوب المؤمنين و إمامهم، وترى ما أرى، وتعلم ما أعلم، وأنت أول المؤمنين إيمانا، وكذلك خلقك الله و نزع منك الشك والضلال، فأنت الهادي الثاني، والوزير الصادق، فلما أصبح رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقعد في مجلسه ذلك وأنا عن يمينه أقبل التسعة رهط من حضرموت حتى دنوا من النبي (صلى الله عليه وآله) وسلموا، فرد عليهم السلام، وقالوا: يا محمد أعرض علينا الاسلام، فأسلم منهم ستة، ولم يسلم الثلاثة، فانصرفوا فقال النبي (صلى الله عليه وآله) للثلاثة: أما أنت يا فلان فستموت بصاعقة من السماء، وأما أنت يا فلان فسيضربك أفعى في موضع كذا وكذا، و أما أنت يا فلان فإنك تخرج في طلب ماشية وإبل لك فيستقبلك ناس من كذا فيقتلونك، فوقع في قلوب الذين أسلموا فرجعوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال لهم: ما فعل أصحابكم الثلاثة الذين تولوا عن الاسلام ولم يسلموا، فقالوا: والذي بعثك بالحق نبيا ما جاوزوا ما قلت، وكل مات بما قلت، وإنا جئناك لنجدد الاسلام، ونشهد أنك رسول الله صلى الله عليك، وأنك الامين على الاحياء والاموات (3). 36 - عم: وأما آياته صلوات الله عليه في إخباره بالغائبات والكوائن بعده فأكثر من أن تحصى وتعد، فمن ذلك ما روي عنه في معنى قوله تعالى: " ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (4) " وهو ما رواه ابي بن كعب أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: بشر


(1) الخرائج: 220 و 221. فيه، فقال الحسن: أنموت موتا أو نقتل قتلا ؟ فقال: بل تقتل يا بني بالسم. (2) واستظهر المصنف في الهامش أن الصحيح: ثمان وثمانين ومأة. (3) كشف اليقين: 196. وفيه. وانك الامين على الاحياء والاموات بعد هذا وهذه. (4) التوبة: 33.

[ 122 ]

هذه الامة بالسناء والرفعة والنصرة والتمكين في الارض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب. وروى بريدة الاسلمي أنه عليه وآله السلام قال: ستبعث بعوث (1) فكن في بعث يأتي خراسان، ثم أسكن مدينة مرو فإنه بناها ذو القرنين، ودعا لها بالبركة، وقال: لا يصيب أهلها سوء. وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزا و كرمان قوما من أعاجم حمر الوجوه، فطس الانوف، صغار الاعين، كأن وجوههم المجان المطرقة (2). وروى أنس بن مالك قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): رأيت ذات ليلة فيما يرى النائم كأنا في دار عقبة بن رافع فاتينا برطب من رطب ابن طاب (3)، فأولت الرفعة لنا في الدنيا، والعافية في الآخرة، وإن ديننا قد طاب. ومن ذلك إخباره بما يحدث أمته بعده، نحو قوله (صلى الله عليه وآله): " ولا ترجعوا (4) بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " رواه البخاري في الصحيح مرفوعا إلى ابن عمر. وقوله - رواه أبو حازم، عن سهل بن حنيف، عن النبي (صلى الله عليه وآله) -: أنا فرطكم على الحوض من ورد شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا، وليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم. قال أبو حازم: سمع النعمان بن أبي عياش وأنا أحدث الناس بهذا الحديث، فقال: هكذا سمعت سهلا يقول ؟ قلت: نعم، قال: فأنا أشهد على أبي سعيد الخدري يزيد فيه: " فأقول: إنهم امتي، فيقال: إنك لا تدري ما عملوا (5) بعدك، فأقول: سحقا


(1) البعوث جمع البعث: الجيش، أو كل قوم بعثوا. (2) المجن والمجنة: كل ما وقى من السلاح. الترس والجمع المجان. قال الجزرى في طرق أي التراس التى البست العقب شيئا فوق شئ، ومنه طارق النعل: إذا صيرها طاقا فوق طاق و ركب بعضها فوق بعض، ورواه بعضهم بتشديد الراء للتكثير والاول أشهر. (3) ابن طاب ضرب من الرطب (4) في المصدر: لترجعوا. (5) في المصدر: ما فعلوا.

[ 123 ]

لمن بدل بعدي (1) " ذكره البخاري في الصحيح. وقوله (صلى الله عليه وآله) فيما رواه شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم أن عائشة لما أتت على الحوأب سمعت نباح الكلب (2) فقالت: ما أظنني إلا راجعة (3)، سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) قال لنا: أيتكن تنبح عليها كلاب الحوأب ؟ ! فقال الزبير: لعل الله أن يصلح بك بين الناس. وقوله للزبير لما لقيه وعليا (عليه السلام) في سقيفة بني ساعدة فقال: أتحبه يا زبير ؟ قال: وما يمنعني ؟ قال: فكيف بك إذا قاتلته وأنت ظالم له ؟ وعن أبي جروة المازني قال: سمعت عليا يقول للزبير: نشدتك الله أما سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إنك تقاتلني وأنت ظالم (4) ؟ قال: بلى ولكني نسيت. وقوله (صلى الله عليه وآله) لعمار بن ياسر: تقتلك الفئة الباغية، أخرجه مسلم في الصحيح. وعن أبي البختري أن عمارا اتي بشربة من لبن فضحك، فقيل له: ما يضحكك ؟ قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخبرني وقال: هو آخر شراب أشربه حين أموت. وقوله في الخوارج: سيكون في امتي فرقة يحسنون القول، ويسيؤون الفعل،


(1) سيأتي الحديث باسانيده المتكثرة في محله، والحديث صريح في أن صحابة النبي (صلى الله عليه وآله) أحدثوا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) امورا فيها خلاف ما قال الله ورسوله، ولذا استحقوا السحق والويل. (2) في المصدر: نباح الكلاب. (3) لسائل أن يسأل عائشة ام المؤمنين ! لماذا خرجت من بيتك بعد ما سمعت ذلك من الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله)، وبعد ما كنت تقرأ آناء الليل وأطراف النهار: " وقرن في بيوتكن " الاية ؟ ! وهلا رجعت إلى بيتك بعد ما رأيت بعينيك كلاب الحواب وسمعت بأذنيك نباحها وكان بذاكرتك قوله (صلى الله عليه وآله). " ايتكن تنبح عليها كلاب الحوأب " وهل كان يقنعك قول زبير " لعل الله أن يصلح بك " بعد قول الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) ؟ وهل كان قوله حجة بعد حجة الله وحجة رسوله ؟ نعم هذا واشباهه مما وقع بعد النبي الاقدس (صلى الله عليه وآله) مما جعل الناس حيارى كيف رجعوا بعد نبيهم الهادى (صلى الله عليه وآله) القهقرى ولم يتمسكوا بهداه وانقادوا ميولهم وأهواءهم المردية ؟ أعاذنا الله من شرور أنفسنا، وسياتى ان شاء الله في محله تفصيل تلك الواقعة واشباهها. (4) في المصدر: وانت ظالم لى.

[ 124 ]

يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شئ، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لا يرجعون إليه حتى يرتد على فوقه، هم شر الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلوه، طوبى لمن قتلهم، ومن قتلهم كان أولى بالله منهم، قالوا: يا رسول الله فما سيماهم ؟ قال: التحليق رواه أنس بن مالك (صلى الله عليه وآله). وقوله لامير المؤمنين علي (عليه السلام): إن الامة ستغدر بك بعدي. وقوله له (عليه السلام): تقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين. ومن ذلك إخباره بقتل معاوية حجرا وأصحابه فيما رواه ابن وهب، عن أبي لهيعة، عن أبي الاسود قال: دخل معاوية على عائشة فقالت: ما حملك على قتل أهل عذراء حجر و أصحابه ؟ فقال: يا ام المؤمنين إني رأيت قتلهم صلاحا للامة، وبقاءهم فسادا للامة، فقالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: سيقتل بعذراء ناس يغضب الله لهم وأهل السماء. وروى ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن عبد الله بن زرير (1) الغافقي قال: سمعت عليا (عليه السلام) يقول: يا أهل العراق سيقتل سبعة نفر بعذراء مثلهم كمثل أصحاب الاخدود، فقتل حجربن عدي وأصحابه. ومن ذلك إخباره بقتل الحسين بن علي (عليه السلام)، روى أبو عبد الله الحافظ بإسناده عن ام سلمة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) اضطجع ذات يوم للنوم فاستيقظ وهو خاثر، ثم اضطجع فرقد ثم استيقظ وهو خاثر دون ما رأيت منه في المرة الاولى، ثم اضطجع واستيقظ وفي يده تربة حمراء يقبلها، فقلت: ما هذه التربة يا رسول الله ؟ قال: أخبرني جبرئيل (عليه السلام) أن هذا يقتل بأرض العراق - للحسين (عليه السلام) - (2)، فقلت: يا جبرئيل أرني تربة الارض التي يقتل بها فهذه تربتها. وعن أنس بن مالك قال: استأذن ملك المطر أن يأتي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأذن له، فقال لام سلمة: احفظي علينا الباب لا يدخل أحد، فجاء الحسين بن علي (صلى الله عليه وآله) فوثب


(1) في المصدر: عبد الله بن رزين، وهو مصحف، والصواب ما في المتن، وهو بتقديم الزاء المعجمة على الراء مصغرا. (2) هكذا في نسخة المصنف، وفى الطبعة الحروفية: يعنى الحسين، وفى المصدر: وأشار إلى الحسين (عليه السلام).

[ 125 ]

حتى دخل، فجعل يقع على منكب النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال الملك: أتحبه ؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله): نعم، قال: فإن امتك ستقتله، وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه، قال: فضرب يده فأراه ترابا أحمر، فأخذته ام سلمة فصيرته في طرف ثوبها، فكنا نسمع أن يقتل بكربلا. ومن ذلك إخباره بمصارع أهل بيته (صلى الله عليه وآله): روى الحاكم أبو عبد الله الحافظ بإسناده عن سيد العابدين علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده قال: زارنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فعملنا له خزيرة وأهدت إليه ام أيمن قعبا (1) من زبد وصحفة من تمر، فأكل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأكلنا معه ثم وضأت (2) رسول الله (صلى الله عليه وآله) فمسح رأسه ووجهه بيده، واستقبل القبلة فدعا الله ما شاء، ثم أكب إلى الارض بدموع غزيرة مثل المطر، فهبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن نسأله، فوثب الحسين (عليه السلام) فأكب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا أبه رأيتك تصنع ما لم تصنع مثله قط، قال: يا بني سررت بكم اليوم سرورا لم أسر بكم مثله، وإن حبيبي جبرئيل أتاني وأخبرني أنكم قتلى ومصارعكم شتى، وأحزنني ذلك، فدعوت الله لكم بالخيرة، فقال الحسين (عليه السلام): فمن يزورنا على تشتتنا وتبعد قبورنا ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) طائفة من امتي يريدون به بري وصلتي، إذا كان يوم القيامة زرتها بالموقف، وأخذت بأعضادها فأنجيتها من أهواله وشدائده. ومن ذلك إخباره عن قتلى أهل الحرة، فكان كما أخبر: روي عن أيوب بن بشير قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) في سفر من أسفاره، فلما مر بحرة، زهرة، وقف فاسترجع فساء ذلك من معه وظنوا أن ذلك من أمر سفرهم، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ما الذي رأيت ؟ فقال رسول الله: أما إن ذلك ليس من سفركم، قالوا: فما هو يا رسول الله ؟ قال: يقتل بهذه الحرة خيار امتي بعد أصحابي، قال أنس بن مالك: قتل يوم الحرة سبع مأة رجل من حملة القرآن فيهم ثلاثة من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله)، وكان الحسن يقول: لما كان يوم الحرة قتل أهل المدينة حتى كاد لا ينفلت أحد، وكان فيمن قتل ابنا زينب ربيبة


(1) القعب: القدح الضخم الغليظ. وفي المصدر: وأهدت له أم ايمن قعبا من ثريد. (2) في المصدر: توضأ.

[ 126 ]

رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهما ابنا زمعة بن عبد الله بن الاسود (1)، وكان وقعت الحرة يوم الاربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين. ومن ذلك قوله (صلى الله عليه وآله) في ابن عباس: لن يموت حتى يذهب بصره ويؤتى علما، فكان كما قال. وقوله في زيد بن أرقم وقد عاده من مرض كان به: ليس عليك من مرضك بأس، ولكن كيف بك إذا عمرت بعدي فعميت ؟ قال: إذا أحتسب وأصبر، قال: إذا تدخل (2) الجنة بغير حساب. ومن ذلك قوله في الوليد بن يزيد الاوزاعي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: ولد لاخي ام سلمة من امها غلام فسموه الوليد، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): تسمون بأسماء فراعنتكم، غيروا اسمه - فسموه عبد الله - فإنه سيكون في هذه الامة رجل يقال له: الوليد، لهو شر لامتي من فرعون لقومه، قال: فكان الناس يرون أنه الوليد بن عبد الملك، ثم رأينا أنه الوليد بن يزيد. ومن ذلك قوله (صلى الله عليه وآله) في بني أبي العاص وبني أمية: روى أبو سعيد الخدري عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا اتخذوا دين الله دغلا، وعباد الله خولا، ومال الله دولا. وفي رواية أبي هريرة: أربعين رجلا. ابن مرهب قال: كنت عند معاوية بن أبي سفيان فدخل عليه مروان يكلمه في حاجته فقال: اقض حاجتي فو الله إن مؤنتي لعظيمة، وإني أبو عشرة، وعم عشرة، وأخو عشرة فلما أدبر مروان وابن عباس جالس معه على السرير فقال معاوية: اشهد بالله يابن عباس أما تعلم أن رسول الله قال: إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله بينهم دولا، وعباد الله خولا، ودين الله دغلا، فإذا بلغوا تسعة وتسعين وأربعمأة كان هلاكهم أسرع


(1) في المصدر: عبد الاسود. (2) تدخل به خ ل.

[ 127 ]

من لوك (1) تمرة ؟ فقال ابن عباس: اللهم نعم، وترك مروان حاجة له (2) فرد عبد الملك إلى معاوية فكلمه فلما أدبر عبد الملك قال: انشدك الله يا ابن عباس أما تعلم أن رسول الله ذكر هذا فقال: أبو الجبابرة الاربعة ؟ قال: ابن عباس: اللهم نعم. يوسف بن مازن الراسبي قال: قام رجل إلى الحسن بن علي (عليه السلام) فقال: يا مسود وجه المؤمن، فقال الحسن: لا تؤبنني (3) رحمك الله، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) رأى بني امية يخطبون على منبره رجلا فرجلا، فساءه ذلك فنزلت " إنا أعطيناك الكوثر (4) " - الكوثر نهر في الجنة - ونزلت: " إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر (5) " يعني ألف شهر تملكه بنو امية، فحسبنا ذلك فإذا هو لا يزيد ولا ينقص. والروايات في هذا الفن من الآيات كثيرة لا يتسع لذكر جميعها هذا الكتاب، وفيما أوردناه منها كفاية لذوي الالباب (6). بيان، قال في النهاية: فيه ذكر خوزو كرمان وروي خوزاو كرمان، والخوز: جبل معروف وكرمان: صقع معروف في العجم، ويروى بالراء المهملة، وهو من أرض فارس وصوبه الدار قطني وقيل: إذا اضيف فبالراء، وإذا عطف فبالزاي، وقال: الفطس انخفاض قصبة الانف وانفراشها، والرجل أفطس، وقال المجان المطرقة: المجان جمع مجن أي التراس التي ألبست العقب شيئا بعد شئ انتهى، والعقب العصب الذي تعمل منه الاوتار، والمراد تشبيه وجوه الترك في عرضها ونتو وجناتها بالتراس المطرقة، ويقرأ المطرقة على بناء الافعال والتفعيل كلاهما بفتح الراء، والاول أفصح. وفي النهاية: في حديث الحوض فأقول: سحقا سحقا، أي بعدا بعدا.


(1) اللوك: ما يمضغ. (2) في المصدر: فورد. (3) أبنه: عابه وعيره وفى المصدر (ط 2) لا تؤنبني والمعنى واحد. (السورة: 97. (5) السورة: 108. (6) اعلام الورى: 20 - 24 ط 1 و 41 - 46 ط 2

[ 128 ]

قوله: حتى يرتد - أي السهم - على فوقه، والفوق بالضم: موضع الوتر من السهم، والمعنى أنهم لا يرجعون إلى الدين كما لا يرجع السهم بعد خروجه من الرمية على جهة فوقه، وقال الجزري في قوله: يمرقون من الدين: أي يجوزونه ويخرقونه ويبعدونه كما يمرق السهم الشئ المرمي به انتهى. وكون التحليق علامة لهم لا يدل على ذم حلق الرأس، كما ورد أنه مثلة لاعدائكم وجمال لكم، وسيأتي في بابه إن شاء الله تعالى. وقال الفيروز آبادي: العذراء: مدينة النبي (صلى الله عليه وآله)، وبلا لام موضع على بريد من دمشق أو قرية بالشام. وقال الجزري: فيه أصبح رسول الله وهو خاثر النفس، أي ثقيل النفس غير طيب ولا نشيط، وقال: الخزيرة: لحم يقطع صغارا ويصب عليه ماء كثير، فإذا نضج زر عليه الدقيق، فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة، وقيل: هي حساء من دقيق ودسم، وقيل: إذا كان من دقيق فهو حريرة، وإذا كان من نخالة فهو خزيرة، وقال في قوله: دغلا: أي يخدعون الناس، وأصل الدغل: الشجر الملتف الذي يكمن أهل الفساد فيه، وقيل: هو من قولهم أدغلت هذا الامر: إذا أدخلت فيه ما يخالفه ويفسده، وفي قوله خولا بالتحريك: أي خدما وعبيدا، يعني أنهم يستخدمونهم ويستعبدونهم، والدول بضم الدال وفتح الواو جمع الدولة بالضم، وهو ما يتداول من المال فيكون لقوم دون قوم. 37 - كا: العدة، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن محمد بن قيس قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول وهو يحدث الناس بمكة: صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الفجر ثم جلس مع أصحابه حتى طلعت الشمس، فجعل يقوم الرجل بعد الرجل حتى لم يبق معه إلا رجلان: أنصاري وثقفي، فقال لهما رسول الله (صلى الله عليه وآله): قد علمت أن لكما حاجة تريدان أن تسألا عنها، فإن شئتما أخبرتكما بحاجتكما قبل أن تسألاني وإن شئتما فاسألا عنها، قالا: بل تخبرنا قبل أن نسألك عنها، فإن ذلك أجلى للعمى، وأبعد من الارتياب وأثبت للايمان، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أما أنت يا أخا ثقيف فإنك جئت تسألني عن وضوئك وصلاتك ما لك في ذلك من الخير، أما وضوؤك فإنك إذا وضعت يدك في إنائك بحار الانوار - 8 -

[ 129 ]

ثم قلت: بسم الله تناثرت منها ما اكتسبت من الذنوب، فإذا غسلت وجهك تناثرت الذنوب التي اكتسبتها عيناك بنظرها (1) وفوك، فإذا غسلت ذراعك (2) تناثرت الذنوب عن يمينك وشمالك، فإذا مسحت رأسك وقدميك تناثرت الذنوب التي مشيت إليها على قدميك، فهذا لك في وضوئك (3). 38 - كا: العدة، عن سهل، عن محمد بن عبد الحميد، عن يونس بن يعقوب، عن عمر أخي عذافر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ضلت ناقته، فقال الناس فيها يخبرنا عن السماء، ولا يخبرنا عن ناقته، فهبط عليه جبرئيل فقال: يا محمد ناقتك في وادي كذا وكذا، ملفوف خطامها بشجرة كذا وكذا، قال: فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس أكثرتم علي في ناقتي، ألا وما أعطاني الله خير مما أخذ مني، ألا وإن ناقتي في وادي كذا وكذا ملفوف خطامها بشجرة كذا وكذا، فابتدرها الناس فوجدوها كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (4). 39 - قب: الزبيري والشعبي: إن قيصر حارب كسرى فكان هوى المسلمين مع قيصر لانه صاحب كتاب وملة وأشد تعظيما لامر النبي (صلى الله عليه وآله) - وكان وضع كتابه على عينه، وأمر كسرى بتمزيقه - حين أتاهما كتابه يدعوهما إلى الحق، فلما كثر الكلام بين المسلمين والمشركين قرأ الرسول: " الم غلبت الروم (5) " الآية، ثم حدد الوقت في قوله: " في بضع سنين (6) " ثم آكده في قوله: " وعد الله (7) " فغلبوا يوم الحديبية وبنوا الرومية (8)، وروي عنه لفارس نطحة أو نطحتان، ثم قال: لا فارس بعدها أبدا، والروم ذات القرون، كلما ذهب قرن خلف قرن هبهب إلى آخر الابد.


(1) في المصدر: بنظرهما. (2) في المصدر: ذراعيك. (3) فروع الكافي 1: 21. (4) روضة الكافي: 221 و 222. (5 - 7) الروم: 1 و 2 و 6. (8) الرومية: بلد بالمدائن خرب.

[ 130 ]

قتادة وجابر بن عبد الله في قوله: " وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله (1) " نزلت في النجاشي، لما مات نعاه جبرئيل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فجمع الناس في البقيع، وكشف له من المدينة إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه، فقالت المنافقون في ذلك فجاءت الاخبار من كل جانب أنه مات في ذلك اليوم في تلك الساعة، وما علم هرقل بموته إلا من تجار رأوا من المدينة. الكلبي في قوله: " فشدوا الوثاق (2) " نزلت في العباس لما اسر في يوم بدر، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): افد نفسك وابني أخيك - يعني عقيلا ونوفلا - وحليفك - يعني عتبة بن أبي جحدر - فإنك ذو مال، فقال: إن القوم استكرهوني ولا مال عندي، قال: فأين المال الذي وضعته بمكة عند ام الفضل حين خرجت، ولم يكن معكما أحد، وقلت: إن اصبت في سفري فللفضل كذا، ولعبد الله كذا، ولقثم كذا، قال: والذي بعثك بالحق نبيا ما علم بهذا أحد غيرها، وإني لاعلم أنك لرسول الله، ففدى نفسه بمأة اوقية، وكل واحد بمأة اوقية، فنزل: " يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسرى (3) " الآية، فكان العباس يقول: صدق الله وصدق رسوله، فإنه كان معي عشرون اوقية فاخذت فأعطاني الله مكانها عشرين عبدا كل منهم يضرب (4) بمال كثير، أدناهم يضرب بعشرين ألف درهم، وقال أبو جعفر (عليه السلام)، بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المسجد إذ قال: قم يا فلان: قم يا فلان حتى أخرج خمسة نفر، فقال: اخرجوا من مسجدنا لا تصلون فيه وأنتم لا تزكون. وحكمه: " لتدخلن المسجد الحرام (5) " وفيه حديث عمر، ومثل حكمه على اليهود إنهم لن يتمنوا الموت (6)، فعجزوا عنه وهم مكلفون مختارون، ويقرأ هذه الآية في


(1) آل عمران: 199. (2) محمد: 4. (3) الانفال: 70. (4) أي يتجر بماله له. (5) الفتح: 27. (6) راجع سورة الجمعة آية: 7.

[ 131 ]

سورة يقرأ بها في جوامع الاسلام يوم الجمعة جهرا تعظيما للآية التي فيها، وحكمه على أهل نجران أنهم لو باهلوا لاضرم الوادي عليهم نارا، فامتنعوا وعلموا صحة قوله، ونحو قوله: " فسوف يكون لزاما (1) " وقوله: " يوم نبطش البطشة الكبرى (2) " وروي أنهم كانوا على تبوك فقال لاصحابه: الليلة تهب ريح عظيمة شديدة، فلا يقومن أحدكم الليلة، فهاجت الريح، فقام رجل من القوم فحملته الريح فألقته بجبل طيئ، وأخبر وهو بتبوك بموت رجل (3) بالمدينة عظيم النفاق، فلما قدموا المدينة وجدوه قد مات في ذلك اليوم، وأخبر بمقتل الاسود العنسي الكذاب ليلة قتله وهو بصنعاء، وأخبر بمن قتله، وقال يوما لاصحابه: اليوم تنصر العرب على العجم، فجاء الخبر بوقعة ذي قار بنصر العرب على العجم، وكان يوما جالسا بين أصحابه فقال: وقعت الواقعة، أخذ الراية زيد بن حارثة فقتل ومضى شهيدا، وقد أخذها بعده جعفر بن أبي طالب وتقدم فقتل ومضى شهيدا، ثم وقف (صلى الله عليه وآله) وقفة - لان عبد الله كان توقف عند أخذ الراية ثم أخذها - ثم قال: أخذ الراية عبد الله بن رواحة وتقدم فقتل ومات شهيدا، ثم قال: أخذ الراية خالد بن الوليد فكشف العدو عن المسلمين، ثم قام من وقته ودخل إلى بيت جعفر ونعاه إلى أهله، و استخرج ولده، ونظر (صلى الله عليه وآله) إلى ذراعي سراقة بن مالك دقيقين أشعرين، فقال: كيف بك يا سراقة إذا البست بعدي سواري كسرى ؟ فلما فتحت فارس دعاه عمر وألبسه سواري كسرى، وقوله (صلى الله عليه وآله) لسلمان: سيوضع على رأسك تاج كسرى، فوضع التاج على رأسه عند الفتح، وقوله لابي ذر: كيف تصنع إذا اخرجت منها الخبر. وذكر (صلى الله عليه وآله) يوما زيد بن صوحان فقال: زيد وما زيد ؟ يسبقه عضو منه إلى الجنة فقطعت يده في يوم نهاوند في سبيل الله، وقال (صلى الله عليه وآله): إنكم ستفتحون مصر، فإذا فتحتموها فاستوصوا بالقبط خيرا، فإن لهم رحما وذمة: يعني أن ام إبراهيم (4) منهم، وقوله (صلى الله عليه وآله):


(1) الفرقان: 77. (2) الدخان: 16. (3) هو رفاعة بن زيد على ما تقدم. (4) أي مارية القبطية.

[ 132 ]

إنكم تفتحون رومية، فإذا فتحتم كنيستها الشرقية فاجعلوها مسجدا، وعدوا سبع بلاطات (1)، ثم ارفعوا البلاطة الثامنة فإنكم تجدون تحتها عصا موسى (عليه السلام) وكسوة إيليا، وأخبر (صلى الله عليه وآله) بأن طوائف من امته يغزون في البحر، وكان كذلك، وخرج الزبير إلى ياسر بخيبر مبارزا فقالت امه صفية: أياسر يقتل ابني يا رسول الله ؟ قال: لابل ابنك يقتله إنشاء الله، فكان كما قال. وفي شرف المصطفى عن الخركوشي أنه قال لطلحة: إنك ستقاتل عليا وأنت ظالم، وقوله المشهور للزبير: إنك تقاتل عليا وأنت ظالم، وقوله (صلى الله عليه وآله) لعائشة: ستنبح عليك كلاب الحوأب، وقوله لفاطمة عليها السلام: بأنها أول أهله لحاقا به، فكان كذلك، و قوله لعلي صلوات الله عليهما: لاعطين الراية غدا رجلا، فكان كما قال، وقوله (صلى الله عليه وآله) له: إنك ستقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، وقوله (صلى الله عليه وآله) في يوم احد وقد افاق من غشيته انهم لن ينالوا منا مثلها أبدا، وإخباره (صلى الله عليه وآله) بقتل علي والحسين (2) (عليهما السلام) وعمار. سليمان بن صرد قال النبي (صلى الله عليه وآله) حين اجلي عنه الاحزاب أن: لا نغزوهم ولا يغزوننا، وقال (صلى الله عليه وآله) لرجل من أصحابه مجتمعين: أحدكم ضرسه في النار مثل احد، فماتوا كلهم على استقامة، وارتد منهم واحد فقتل مرتدا، وقال لآخرين: آخركم موتا في النار - يعني أبا مخدورة وأبا هريرة وسمرة - فمات أبو هريرة، ثم أبو مخدورة، و وقع سمرة في نار فاحترق فيها، وأخبر (صلى الله عليه وآله) بقتل ابي بن خلف الجمحي فخدش يوم احد خدشا لطيفا فكان منيته (3). الخر كوشي في شرف النبي: إنه قال للانصار: إنكم سترون بعدي أثرة (4)، فلما ولي معاوية عليهم منع عطاياهم فقدم عليهم فلم يتلقوه، فقال لهم: ما الذي منعكم


(1) البلاط: صفائح الحجارة التى يفرش بها. (2) في المصدر: والحسنين. وهو الصحيح على ما تقدم. (3) في المصدر: فكانت منيته. (4) أي سيفضل غيركم عليكم.

[ 133 ]

أن تلقوني ؟ قالوا: لم يكن لنا ظهور (1) نركبها، فقال لهم: أين كانت نواضحكم ؟ فقال أبو قتادة: عقرناها يوم بدر في طلب أبيك، ثم رووا له الحديث، فقال لهم: ما قال لكم رسول الله ؟ قالوا: قال لنا: اصبروا حتى تلقوني، قال: فاصبروا إذا، فقال في ذلك عبد الرحمن بن حسان: ألا أبلغ معاوية بن صخر * أمير المؤمنين بنا كلامي فإنا صابرون ومنظروكم * إلى يوم التغابن والخصام السدي: قال النبي (صلى الله عليه وآله) لاصحابه: يدخل عليكم الآن رجل من ربيعة يتكلم بكلام شيطان، فدخل الحطيم بن هند وحده، فقال: إلى ما تدعو يا محمد ؟ فأخبره، فقال: أنظرني فلي من اشاوره، ثم خرج فقال النبي (صلى الله عليه وآله): دخل بوجه كافر، وخرج بعقب غادر، فذهب وأخذ سرح المدينة. أبو هريرة: قال (صلى الله عليه وآله): ليرعفن جبار من جبابرة بني امية على منبري هذا، فرئي عمرو بن سعيد بن العاص سال رعافة. وروي عنه (صلى الله عليه وآله) الائمة من قريش، فلم يوجد إمام ضلال أو حق إلا منهم. أنس: إنه قال: لا تسألوني عن شئ إلا بينته، فقام رجل من بني سهم يقال له: عبد الله بن حذافة وكان يطعن في نسبه، فقال: يا نبي الله من أبي ؟ قال: أبوك حذافة ابن قيس، فنزلت " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء (2). قوله: " سبحان الذي أسرى بعده ليلا (3) " ووصفه لبيت المقدس وتعديده أبوابه وأساطينه، وحديث العير التي مر بها، والجمل الاحمر الذي يقدمها، والغرارتين (4) عليه. واستأسر بنو لحيان خبيب بن عدي الانصاري وباعوه من أهل مكة، فأنشد خبيب:


(1) الظهور جمع الظهر: الركاب التى تحمل الاثقال. (2) المائدة: 101. (3) الاسرى: 1. (4) الغرارة: الجوالق.

[ 134 ]

لقد جمع الاحزاب حولي وألبوا * قبائلهم واستجمعوا كل مجمع وقد حشدوا أولادهم ونساءهم * وقربت من جذع (1) طويل ممنع فذا العرش صبرني على ما يراد بي * فقد ياس منهم بعد يومي ومطمعي وتا لله ما أخشى إذا كنت ذاتقى * على أي جمع كان لله مصرعي فلما صلب قال: السلام عليك يا رسول الله، وكان النبي (صلى الله عليه وآله) في ذلك الوقت بين أصحابه بالمدينة، فقال: وعليك السلام، ثم بكى وقال: هذا خبيب يسلم علي حين قتلته قريش. وكتب (صلى الله عليه وآله) عهدا لحي سلمان بكازرون: هذا كتاب من محمد بن عبد الله رسول الله، سأله الفارسي سلمان وصية بأخيه مهاد (2) بن فروخ بن مهيار وأقاربه وأهل بيته وعقبه من بعده ما تناسلوا، من أسلم منهم وأقام على دينه: سلام الله، أحمد الله إليكم، إن الله تعالى أمرني (3) أن أقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أقولها، وآمر الناس بها، و الامر كله لله (4) خلقهم وأماتهم وهو ينشرهم وإليه المصير، ثم ذكر فيه من احترام سلمان - إلى أن (5) قال: - وقد رفعت عنهم جز الناصية والجزية والخمس والعشر و سائر المؤن والكف، فإن سألوكم فأعطوهم، وإن استغاثوا بكم فأغيثوهم، وإن استجاروا بكم فأجيروهم، وإن أساؤوا فاغفروا لهم، وإن اسيئ إليهم فامنعوا عنهم، و


(1) أراد به الصليب. (2) مهيار خ ل. أقول: وفيما حكى عن تاريخ كزيده: ماهاد بن فرخ. (3) فيما حكى عن تاريخ كزيده: أحمد الله إليك الذى أمرنى. (4) فيما حكى عن تاريخ كزيده: وان الخلق خلق الله والامر حكم الله. (5) في المحكى عن تاريخ كزيده تمام الحديث هكذا: وإن كل أمره يزول، وكل شئ يفنى، وكل نفس ذائقة الموت، من آمن بالله ورسوله كان له في الاخرة دعة الفائزين، ومن أقام على دينه تركناه فلا اكراه في الدين، فهذا الكتاب لاهل بيت سلمان، ان لهم ذمة الله وذمتي على دمائهم وأموالهم في الارض التى يقيمون سهلها وجبلها ومرعها وعيونها غير مظلومين، ولا مضيقا عليهم، فمن قرئ عليه كتابي هذا من المؤمنين والمؤمنات فعليه أن يحفظهم ويكرمهم ولا يتعرض لهم بالاذى والمكروه.

[ 135 ]

ليعطوا (1) من بيت مال المسلمين في كل سنة مأتي حلة، ومن الاواقي مأة، فقد استحق سلمان ذلك من رسول الله، ثم دعا لمن عمل به، ودعا على من أذاهم، وكتب علي بن أبي طالب، والكتاب إلى اليوم في أيديهم ويعمل القوم برسم النبي (صلى الله عليه وآله)، فلولا ثقته بأن دينه يطبق الارض لكان كتبة هذا السجل مستحيلا. وكتب نحوه لاهل تميم الداري: من محمد رسول الله للداريين، إذا أعطاه الله الارض وهبت لهم بيت عين وصرين (2) وبيت إبراهيم. وكتب (صلى الله عليه وآله) للعباس الحيرة من الكوفة، والميدان من الشام، والخط من هجر، ومسيرة ثلاثة أيام من أرض اليمن، فلما افتتح ذلك أتى به إلى عمر فقال: هذا مال كثير القصة. ومن العجائب الموجودة تدبيره (صلى الله عليه وآله) أمر دينه بأشياء قبل حاجته إليها، مثل وضعه


(1) في المحكى المذكور: ولهم أن يعطوا من بيت المال في كل سنة مأة حلة في شهر رجب، ومأة في الاضحية فقد استحق سلمان ذلك منا، ولان فضل سلمان على كثير من المؤمنين، وانزل في الوحى أن الجنة إلى سلمان أشوق من سلمان إلى الجنة وهو ثقتى واميني وتقى ونقى وناصح لرسول الله والمؤمنين، وسلمان منا أهل البيت، فلا يخالفن أحد هذه الوصية فيما أمرت به من الحفظ والبر لاهل بيت سلمان وذراريهم من أسلم منهم وأقام على دينه، ومن خالف هذه الوصية فقد خالف لوصية الله ورسوله، وعليه لعنة الله إلى يوم الدين، ومن أكرمهم فقد أكرمنى وله عند الله الثواب، ومن آذاهم فقد آذانى وأنا خصمه يوم القيامة، جزاؤه نار جهنم وبرئت منه ذمتي والسلام عليكم. وكتب على بن أبى طالب بأمر رسول الله في رجب سنة تسع من الهجرة، وشهد على ذلك سلمان وأبو ذر وعمار وبلال والمقداد وجماعة اخرى من المؤمنين. انتهى. أقول: ما ذكر في العهد من التاريخ الهجرى يخالف ما اشتهر من أن ذلك التاريخ حدث في زمان خلافة عمر بمشورة على عليه السلام وسائر الصحابة، وذكر بعض أفاضل علمائنا أن النبي صلى الله عليه وآله كان عالما بفتح بلاد فارس بعد وفاته، كذلك الوصي كان عالما بما يحدث في خلافة الثاني من جعل مبدء التاريخ في الاسلام هجرة النبي (صلى الله عليه وآله) فأرخه بها لانه ما كان ينتفع به الا بعد الفتح، ففيه معجزة لهما صلوات الله عليهما. بل يمكن الاستدلال بهذا على ان اول من وضع التاريخ الهجرية وارخ بذلك كان على بن ابي طالب (عليه السلام). (2) هكذا في نسخة المصنف، وفى المصدر، وهب لهم بين عين وحيرين.

[ 136 ]

المواقيت للحج، ووضع عمرة، والمسلخ وبطن العقيق ميقاتا لاهل العراق ولاعراق يومئذ، والجحفة لاهل الشام وليس به من يحج يومئذ، ومن أصغى إلى ما نقل عنه علم أن الاولين والآخرين يعجزون عن أمثالها، وأن ذلك لا يتصور إلا أن يكون من الوحي والتنزيل. وقوله (صلى الله عليه وآله) زويت (1) لي الارض فاريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك امتي مازوي لي منها، فصدق في خبره فقد ملكهم من أول المشرق إلى آخر المغرب من بحر الاندلس وبلاد البربر، ولم يتسعوا في الجنوب ولا في الشمال كما أخبر (صلى الله عليه وآله) سواء بسواء. وقوله لعدي بن حاتم: لا يمنعك من هذا الدين الذي ترى من جهد أهله وضعف أصحابه، فلكأنهم بيضاء المدائن قد فتحت عليهم، وكأنهم بالظعينة تخرج من الحيرة حتى تأتي مكة بغير خفار (2)، ولا تخاف إلا الله ؟ فأبصر عدي ذلك كله. وقوله (صلى الله عليه وآله) لخالد بن الوليد وقد بعثه إلى اكيدر بن عبد الملك ملك كنده وكان نصرانيا ستجده يصيد البقر، فخرج حتى كان من حصنه بمنظر العين في ليلة مقمرة صائفة وهو على سطح له ومعه امرأته، فباتت البقر تخد بقرونها باب القصر، فقالت: هل رأيت مثل ذلك قط ؟ قال: لا والله، قالت فمن بترك (3) هذا ؟ قال: لا أحد، فنزل وركب على فرسه


(1) أي جمعت. (2) من خفره: أجاره وحماه وأمنه. (3) هكذا في الكتاب ومصدره، واستظهر المصنف في الهامش أنه مصحف ببابك. أقول: أورده المقريزى في الامتاع: 464 وابن هشام في السيرة 4: 181 وفيهما: من يترك هذه. ونص الحديث في الامتاع هكذا: ومعه امرأته الرباب بنت أنيف بن عامر، وقينته تغنيه وقد شرب، فأقبلت البقر تحك بقرونها باب الحصن، فأشرفت امرأته فرأت البقر فقالت: ما رأيت كالليلة في اللحم، هل رأيت مثل هذا قط ؟ قال: لا، قالت: من يترك هذا ؟ قال: لا أحد: قال اكيدر: والله ما رأيت جاءتنا ليلا بقر غير تلك الليلة، ولقد كنت اضمر لها الخيل إذا أردت أخذها شهرا أو اكثر، ثم أركب بالرجال وبالالة، فنزل فأمر بفرسه فأسرج، وأمر بخيل فأسرجت، وركب معه نفر من أهل بيته، معه أخوه حسان ومملوكان له، فخرجوا من حصنهم بمطاردهم، وخيل =

[ 137 ]

ومعه نفر من أهل بيته فيهم أخ له يقال له: حسان، وبعث إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، و أنشد في ذلك رجل من بنى طيئ: تبارك سائق البقرات إني * رأيت الله يهدي كل هاد فمن يك حائدا عن ذي تبوك * فإنا قد امرنا بالجهاد وقوله لكنانة زوج صفية والربيع: أين آنيتكما التي كنتما تعيرانها أهل مكة ؟ قالا: هزمنا فلم تزل تضعنا أرض وتقلنا أرض اخرى وأنفقناها، فقال لهما: إنكما إن كتمتما شيئا فاطلعت عليه استحللت دماءكما وذراريكما ؟ قالا: نعم، فدعا رجلا من الانصار وقال: اذهب إلى قراح (1) كذا وكذا ثم ائت النخيل فانظر نخلة عن يمينك وعن يسارك، وانظر نخلة مرفوعة فأتني بما فيها، فانطلق فجاء بالآنية والاموال، فضرب عنقهما. وقال الجارود بن عمرو العبدي وسلمة بن عباد الازدي: إن كنت نبينا فحدثنا عما جئنا نسألك عنه، فقال (صلى الله عليه وآله): أما أنت يا جارود فإنك جئت تسألني عن دماء الجاهلية، وعن حلف الاسلام، وعن المنيحة: قال: أصبت، فقال (صلى الله عليه وآله): فإن دماء الجاهلية موضوع: وحلفها لا يزيده الاسلام إلا شدة، ولا حلف في الاسلام، ومن أفضل الصدقة أن تمنح أخاك ظهر الدابة ولبن الشاة، وأما أنت يا سلمة بن عباد فجئت تسألني عن عبادة الاوثان، ويوم السباسب، وعقل الهجين، أما عبادة الاوثان فإن الله جل وعز يقول: " إنكم وما تعبدون من دون الله (2) " الآية، وأما يوم السباسب فقد أبدلك الله عزوجل ليلة القدر ويوم العيد لمحة تطلع الشمس لا شعاع لها، وأما عقل الهجين فإن أهل الاسلام تتكافأ دماؤهم، ويجير أقصاهم على أدناهم، وأكرمهم عند الله أتقاهم، قالا: نشهد بالله أن ذلك كان في أنفسنا.


= خالد تنتظرهم، لا يصهل منها فرس ولا يتحرك، فساعة فصل أخذته الخيل، وقاتل حسان حتى قتل عند باب الحصن اه‍ ونحوه يوجد في السيرة. (1) القراح: الارض لاماء فيها ولا شجر. (2) الانبياء: 98.

[ 138 ]

وفي حديث أبي جعفر (عليه السلام) أن النبي (صلى الله عليه وآله) صلى وتفرق الناس، فبقي أنصاري وثقفي، فقال لهما: قد علمت أن لكما حاجة تريدان أن تسألاني عنها، فإن شئتما أخبرتكما بحاجتكما قبل أن تسألاني، وإن شئتما فاسألا، فقالا: نحب أن تخبرنا بها قبل أن نسألك، فإن ذلك أجلى للعمى، وأثبت للايمان، فقال (صلى الله عليه وآله): يا أخا الانصار إنك من قوم يؤثرون على أنفسهم وأنت قروي وهذا بدوي، أفتؤثره بالمسألة ؟ قال: نعم، قال: أما أنت يا أخا ثقيف فإنك جئت تسألني عن وضوئك وصلاتك، ومالك على ذلك من الاجر، فأخبره بذلك، وأما أنت يا أخا الانصار فجئت تسألني عن حجك وعمرتك ومالك فيهما، وأخبره (صلى الله عليه وآله) بفضلهما. أنس: إنه قال لرجل اسمه أبو بدر: قل: لا إله إلا الله، فسأله حجة فقال: في قلبك من أربعة أشهر كذا وكذا، فصدقه وأسلم. أتى سائل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وسأله شيئا فأمره بالجلوس، فأتاه رجل بكيس ووضع قبله وقال: يا رسول الله هذه أربع مأة درهم أعطه (1) المستحق، فقال (صلى الله عليه وآله): يا سائل خذ هذه الاربع مأة دينار، فقال صاحب المال: يا رسول الله ليس بدينار وإنما هو درهم، فقال (صلى الله عليه وآله): لا تكذبني فإن الله صدقني: وفتح رأس الكيس، فإذا هو دنانير، فعجب الرجل وحلف أنه شحنها (2) من الدراهم، قال: صدقت، ولكن لما جرى على لساني الدنانير جعل الله الدارهم دنانير. وكتب (صلى الله عليه وآله) إلى ابن جلندي وأهل عمان وقال: أما إنهم سيقبلون كتابي و يصدقوني، ويسألكم ابن جلندي هل بعث رسول الله معكم بهدية ؟ فقولوا: لا، فسيقول: لو كان رسول الله بعث معكم بهدية لكانت مثل المائدة التي نزلت على بني إسرائيل وعلى المسيح، فكان كما قال (صلى الله عليه وآله). وفي حديث جرير بن عبد الله البجلي وعبدة بن مسهر لما قال له: أخبرني عما أسألك


(1) في المصدر: أعطها المستحق. (2) أي ملاها.

[ 139 ]

وما أحرت وما أبصرت - يريد في المنام - فقال (صلى الله عليه وآله): أما ما أحرت فسيفك الحسام، و ابنك الهمام، وفرسك عصام، ورأيت في المنام في غلس الظلام، أن ابنك يريد الغزل، فلقيه أبوثغل، على سفح الجبل، مع إحدى نساء بني ثغل (1)، فقتله نجدة بن جبل، ثم أخبره بما يجري (2) وما يجب أن يعمل. قال أبو شهم: مرت بي جارية بالمدينة فأخذت بكشحها (3) قال: وأصبح الرسول (صلى الله عليه وآله) يبايع الناس، قال: فأتيته فلم يبايعني، فقال: صاحب الجنبذة (4) قلت: والله لا أعود، قال: فبايعني. وأمثلة ذلك كثيرة فصار مخبرات مقاله على ما أخبر به (صلى الله عليه وآله) (5). بيان: قال في النهاية: فيه: فارس نطحة أو نطحتين ثم لا فارس بعدها أبدا، معناه أن فارس تقاتل المسلمين مرة أو مرتين، ثم يبطل ملكها ويزول، فحذف الفعل لبيان المعنى، والقرون جمع قرن وهو أهل كل زمان، وفي القاموس الهبهبة: السرعة، وترقرق السراب، والزجر والانتباه، والذبح، والهبهبي: الحسن الخدمة، والقصاب، والسريع كالهبهب. " فسوف يكون لزاما "، بناء على كونه إشارة إلى قتلهم ببدر، وكذا البطشة، قوله: ولم يتسعوا في الجنوب، أي لم يحصل لهم السعة في الملك في الجنوب والشمال ما حصلت لهم في المشرق والمغرب. قوله: بالظعينة، أي المرأة المسافرة، وقال الفيروز آبادي: الظعينة: الهودج فيه امرأة أم لا، والمرأة مادامت في الهودج، وقال الجوهري: خد الارض: شقها، وفي القاموس: منحه كمنعه وضربه: أعطاه، والاسم المنحة بالكسر، ومنحه الناقة:


(1) في المصدر: ثعل بالعين المهملة في الموضعين، ولعله الصحيح، قال ابن الاثير في اللباب 1: 195: الثعلى بضم الثاء وفتح العين نسبة إلى ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيئ، قبيل كبير فيهم العدد منهم عدة بطون: بحتر وسلامان وغيرهما. (2) يجزى خ ل. (3) الكشح: ما بين السرة ووسط الظهر. (4) في المصدر: الخبندة، ولعله الصحيح، وفي القاموس: جارية خبندة: ثامة القصب أو ثقيلة الوركين. (5) مناقب آل أبى طالب 1: 93 - 100 ط النجف.

[ 140 ]

جعل له وبرها ولبنها وولدها، وهي المنحة والمنيحة. وقال الجزري: في الحديث: أبدلكم الله بيوم السباسب يوم العيد، يوم السباسب: عيد للنصاري (1) انتهى. قوله: عقل الهجين، أي دية غير شريف النسب هل تساوي دية الشريف، أو أنه لما كان عنده أنه لا يقتص الشريف للهجين سأله (صلى الله عليه وآله) عن قدر ديته، فأجابه (صلى الله عليه وآله) بنفي ما توهمه، قوله: ما أحرت بالحاء المهملة المخففة، أي رددت، أو بالخاء المعجمة المشددة، أي تركت وراء ظهرك، والجنبذة بالضم: القبة: ولعله تصحيف الجبذة بمعنى الجذبة (2). 40 - قب: قال أبو سفيان في فراشه مع هند: العجب يرسل يتيم أبي طالب ولا ارسل: فقص عليه النبي (صلى الله عليه وآله) من غده، فهم أبو سفيان بعقوبة هند لافشاء سره، فأخبره النبي (صلى الله عليه وآله) بعزمه في عقوبتها، فتحير أبو سفيان. قتادة: قال ابي بن خلف الجمحي - وفي رواية غيره صفوان بن امية المخزومي - لعميربن وهب الجمحي: علي نفقاتك ونفقات عيالك مادمت حيا إن سرت إلى المدينة وقتلت محمدا في نومه، فنزل جبرئيل بقوله: " سواء منكم من أسر القول (3) " الآية، فلما رآه رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لم جئت ؟ فقال: لفداء أسرى عندكم، قال: وما بال السيف ؟ قال: قبحها الله وهل أغنت من شئ ؟ (4) قال: فماذا شرطت لصفوان بن امية في الحجر ؟ قال: وماذا شرطت ؟ قال: تحملت له بقتلي على أن يقضي دينك ويعول عيالك، والله حائل بيني وبينك، فأسلم الرجل ثم لحق بمكة وأسلم معه بشر، وحلف صفوان أن لا يكلمه أبدا (5).


(1) وهو عيد السعانين: عيد الاحد الذى قبل الفصح والفصح بالكسر عند النصارى: عيد تذكار قيامة السيد المسيح الفادى من الموت، وعند اليهود: عيد تذكار خروجهم من مصر (2) قدمنا أن الصحيح خبندة. (3) الرعد: 10. (4) في المصدر: وهل أغنت عن شئ. (5) مناقب آل أبى طالب 1: 113.

[ 141 ]

41 - قب: في حديث خزيم بن أوس: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول هذه الحيرة البيضاء قد رفعت لي، وهذه الشيماء بنت نفيلة الازدية على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود، فقلت: يا رسول الله إن نحن دخلنا الحيرة فوجدنا (1) كما تصف فهي لي ؟ قال: نعم هي لك، قال: فلما فتحوا الحيرة تعلق بها وشهد له محمد بن مسيلمة (2) ومحمد بن بشير الانصاريان بقول النبي (صلى الله عليه وآله)، فسلمها إليه خالد، فباعها من أخيها بألف دينار. أبو هريرة: قال (صلى الله عليه وآله): إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لينفقن كنوزهما في سبيل الله. جبير بن عبد الله قال النبي (صلى الله عليه وآله). تبنى مدينة بين دجلة ودجيل والصراة وقطر بل تجبى (3) إليها خزائن الارض. وفي رواية: تسكنها جبابرة الارض الخبر. أبو بكرة: قال النبي (صلى الله عليه وآله): إن ناسا (4) من امتي ينزلون بغائط يسمونه البصرة وعنده نهر يقال له: دجلة، يكون لهم عليها جسر ويكثر أهلها، ويكون من أمصار المهاجرين الخبر. فضالة بن أبي فضالة الانصاري وعثمان بن صهيب إنه قال لعلي (عليه السلام) في خبر: أشقى الآخرين الذي يضربك على هذه، وأشار إلى يافوخه (5). أنس بن الحارث قال: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: إن ابني هذا يعني الحسين يقتل بأرض من العراق، فمن أدركه منكم فلينصره، قال: فقتل أنس مع الحسين (عليه السلام). وفيه حديث القارورة التي أعطى ام سلمة.


(1) في المصدر: فوجدناها. (2) هكذا في الكتاب ومصدره، وفيه وهم، والصحيح محمد بن مسلمة، وهو محمد بن مسلمة ابن سلمة الانصاري صحابي مشهور، مات بعد الاربعين. (3) أي تجمع إليها. (4) في المصدر: إن اناسا من امتى. (5) اليافوخ: أو اليأفوخ: الموضع الذى يتحرك من رأس الطفل، وهو فراغ بين عظام جمجمته في مقدمتها وأعلاها لا يلبث أن تلتقي فيه العظام.

[ 142 ]

وحديث الحسن بن علي عليهما السلام إنه سيصلح الله به فئتين. وحديث فاطمة الزهراء عليها السلام وبكائها وضحكها عند وفاة النبي (صلى الله عليه وآله). وحديث كلاب الحوأب. وحديث عمار: تقتلك الفئة الباغية. حذيفة قال: لو احدثكم بما سمعت من رسول الله لوجمتموني (1)، قالوا: سبحان الله نحن نفعل ؟ قال: لو احدثكم أن بعض امهاتكم تأتيكم في كتيبة: كثير عددها، شديد بأسها، تقاتلكم صدقتم ؟ قالوا: سبحان الله ومن يصدق بهذا ؟ قال: تأتيكم امكم الحميراء في كتيبة يسوق بها أعلاجها من حيث تسوء وجوهكم. ابن عباس: قال النبي (صلى الله عليه وآله): أيتكن صاحبة الجمل الاديب، يقتل حولها - قتلى كثيرة بعد أن كادت. وقال (صلى الله عليه وآله): أطولكن يدا أسرعكن لحوقا بي، فكانت سودة أطولهن يدا بالمعروف. ابن عمر: عن النبي (صلى الله عليه وآله): يكون في ثقيف كذاب ومبير، فكان الكذاب المختار (2) والمبير الحجاج. ومنه إخباره (صلى الله عليه وآله) باويس القرني حكى العقبي (3) أن أبا أيوب الانصاري رئي عند خليج قسطنطينية فسئل عن حاجته، قال: أما دنياكم فلا حاجة لي فيها، ولكن إن مت فقدموني ما استطعتم في بلاد العدو، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: يدفن عند سور القسطنطينية رجل صالح من أصحابي، وقد رجوت أن أكونه، ثم مات، فكانوا يجاهدون والسرير يحمل ويقدم، فأرسل قيصر في ذلك، فقالوا: صاحب نبينا وقد سألنا أن ندفنه في بلادك ونحن منفذون


(1) في المصدر: لرجمتموني. (2) الحديث كما ترى مروى عن العامة، ولا يعتمد عليه بعد ارساله وتعارضه مع ما ورد في حق المختار من الروايات المادحة. (3) في المصدر: القعبى. ولعله مصحف القعنبى.

[ 143 ]

وصيته، قال: فإذا وليتم أخرجناه إلى الكلاب، فقالوا: لو نبش من قبره ما ترك بأرض العرب نصراني إلا قتل، ولا كنيسة إلا هدمت، فبني على قبره قبة يسرج فيها إلى اليوم وقبره إلى الآن يزار في جنب سور القسطنطينية (1). بيان: في الصحاح: أصل الغائط: المطمئن من الارض الواسع، ووجمه: دفعه و ضربه بجمع الكف، والاعلاج جمع العلج بالكسر وهو الرجل القوي الضخم، والرجل من كفار العجم وغيرهم. قوله: بعد أن كادت، أي أن تغلب وتظفر أو تهلك، أو هو من الكيد بمعنى الحرب أو بمعنى المكر. 42 - شى: عن عبد الله بن يحيى الكاهلي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: لما اسري برسول الله عليه وآله السلام أتاه جبرئيل بالبراق فركبها فأتى بيت المقدس فلقي من لقي من إخوانه من الانبياء، ثم رجع فأصبح يحدث أصحابه أني أتيت بيت المقدس الليلة، ولقيت إخوانا من الانبياء، فقالوا: يا رسول الله وكيف أتيت بيت المقدس الليلة ؟ فقال: جاءني جبرئيل (عليه السلام) بالبراق فركبته، وآية ذلك أني مررت بعير لابي سفيان على ماء بني فلان وقد أضلوا جملا لهم وهم في طلبه، قال: فقال القوم (2) بعضهم لبعض: إنما جاء راكب سريع، ولكنكم قد أتيتم الشام وعرفتموها، فاسألوه عن أسواقها وأبوابها وتجارها، قال: فسألوه فقالوا: يا رسول الله كيف الشام ؟ وكيف أسواقها ؟ وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا سئل عن الشئ لا يعرفه شق عليه حتى يرى ذلك في وجهه، قال: فبينا هو كذلك إذ أتاه جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا رسول الله هذه الشام قد رفعت لك، فالتفت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإذا هو بالشام وأبوابها وتجارها، فقال: أين السائل عن الشام ؟ فقالوا: أين بيت فلان ومكان فلان ؟ فأجابهم في كل ما سألوه عنه، قال: فلم يؤمن فيهم (3) إلا


(1) مناقب آل أبى طالب 1: 121 و 122. (2) فقال له القوم خ ل. (3) فلم يؤمن منهم خ ل.

[ 144 ]

قليل، وهو قول الله: " وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون (1) " فنعوذ بالله أن لا نؤمن بالله ورسوله: آمنا بالله ورسوله، آمنا بالله وبرسوله (2). أقول: الابواب السالفة والآتية مشحونة بإخباره (صلى الله عليه وآله) بالغائبات، لا سيما قصص بدر، وإنما أوردنا في هذا الباب شطرا منها. * (باب 12) * * (آخر فيما أخبر بوقوعه بعده (صلى الله عليه وآله) * 1 - ما: حمويه بن علي بن حمويه، عن محمد بن محمد بن بكر، عن الفضل بن حباب الجمحي، عن مكي، عن محمد بن يسار، عن وهب بن حزام، عن أبيه، عن يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن، عن ام سلمة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أوصى عند وفاته بخروج اليهود من جزيرة العرب، فقال: الله الله في القبط، فإنكم ستظهرون عليهم، ويكونون لكم عدة وأعوانا في سبيل الله (3). بيان: القبط بالكسر: أهل مصر. 2 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن داود بن الهيثم، عن جده إسحاق بن بهلول، عن أبيه بهلول بن حسان، عن طلحة بن زيد، عن الوصين (4) بن عطاء، عن عمير بن هاني، عن جنادة بن أبي امية، عن عبادة بن الصامت، عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: ستكون فتن لا يستطيع المؤمن أن يغير فيها بيد ولا لسان، فقال علي بن أبي طالب (عليه السلام): وفيهم (5) يومئذ مؤمنون ؟ قال: نعم قال: فينقص ذلك من إيمانهم شيئا ؟ قال: لا إلا كما ينقص


(1) يونس: 101. (2) تفسير العياشي: مخطوط. (3) امالي ابن الشيخ: 258. (4) هكذا في النسخة، والصحيح الوضين بالمعجمة كما في التقريب. (5) في المصدر: فقال على بن أبى طالب (عليه السلام): يا رسول الله وفيهم. بحار الانوار - 9 -

[ 145 ]

القطر من الصفا، إنهم يكرهونه بقلوبهم (1). 3 - مع: الهمداني، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمرو بن جميع، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا مشت امتي المطيطا (2) وخدمتهم فارس والروم كان باسهم بينهم. والمطيطا: التبختر ومد اليدين في المشي (3). 4 - ب: هارون، عن ابن زياد، عن جعفر، عن آبائه (عليهم السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: تاركوا الحبشة ما تاركوكم، فوالذي نفسي بيده لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين (4). بيان: قال في النهاية: في الحديث: لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة، السويقة تصغير الساق وهي مؤنثة، فلذلك ظهرت التاء في تصغيرها وإنما صغر الساقين لان الغالب على سوق الحبشة الدقة والحموشة. انتهى. وقال في جامع الاصول: الكنز مال كان معدا فيها من نذور كانت تحمل إليهما قديما وغيرها، وقال الطيبي في شرح المشكاة: قيل: هو كنز مدفون تحت الكعبة، وقال الكرماني في شرح البخاري: ومنه يخرب الكعبة ذو السويقتين، وهذا عند قرب الساعة حيث لا يبقى قائل الله الله (5)، وقيل: يخرب بعد رفع القرآن من الصدور والمصحف بعد موت عيسى (عليه السلام) انتهى. 5 - ب: هارون، عن ابن صدقة، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: إذا ظهرت القلانس (6) المتركة ظهر الرياء (7).


(1) أمالى ابن الشيخ، 302. (2) هكذا في الكتاب، والصحيح المطيطاء بالمد. (3) معاني الاخبار 87. (4) قرب الاسناد 40. (5) كذا في النسخة مكررا. (6) المشركة خ ل. (7) الزنا خ ل أقول: الحديث يوجد في قرب الاسناد: 41 وفيه: إذا ظهرت القلانيس المشتركة ظهر الزنا وأخرجه الشيخ الحر العاملي في الوسائل في ب 31 من الملابس وفيه: إذا = (*)

[ 146 ]

بيان: في بعض النسخ المشركة بالشين، ولعله من الشراك، أي القلانس التي فيه خطوط وطرائق، كما تلبسه البكتاشية، أو من الشرك بمعنى الحبالة، أي قلانس أهل الشيد، فعلى الوجهين يناسب نسخة الرياء بالراء المهملة والياء المثناة التحتانية، ويحتمل أن يكون من الشرك بالكسر بمعنى الكفر، أي قلانس الاعاجم وأهل الشرك فيناسب نسخة الزنا بالزاي المعجمة والنون، وفى بعض النسخ بالتاء المثناة الفوقانية، وقيل: إنه منسوب إلى طائفة الترك، وسيأتي مزيد شرح له في باب القلانس إن شاء الله تعالى. 6 - ثو: أبي، عن علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): سيأتي على امتي زمان تخبث فيه سرائرهم، و تحسن فيه علانيتهم، طمعا في الدنيا، لا يريدن به ما عند الله عزوجل، يكون أمرهم رياء لا يخالطه خوف، يعمهم الله منه بعقاب فيدعونه دعاء الغريق فلا يستجاب لهم (1). 7 - ثو: بهذا الاسناد قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله). سيأتي على امتي زمان لا يبقى من القرآن إلا رسمه، ولا من الاسلام إلا اسمه، يسمون (2) به وهم أبعد الناس منه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، فقهاء ذلك الزمان شر فقهاء تحت ظل السماء، منهم خرجت الفتنة وإليهم تعود (3). 8 - كا: أبو علي الاشعري، عن الحسن بن علي الكوفي، عن العباس بن عامر،


= ظهرت القلانس المتركة ظهر الزنا. ويوجد مثل ذلك بألفاظه في فروع الكافي 2: 213. باسناد الكليني عن على بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني، وقال المصنف في شرحه على ذلك: يحتمل أن يكون المتركة مأخوذا من الترك الذى يطلق في لغة الاعاجم أي ما يكون فيه أعلام محيطة، كالمعروف عندنا بالبكتاشى ونحوه، أو من الترك بالمعنى العربي، أي يكون فيه زوائد متروكة فوق الرأس وهو معروف عندنا بالشروانى، وهى القلانس الطويلة العرضية التى يكسر بعضها فوق الرأس وبعضها من جهة الوجه، أو بمعنى التركية بهذا المعنى أيضا، فانها منسوبة إليهم: أو من التركة بمعنى البيضة من الحديدة، أي ما يشبهها من القلانس. (1) ثواب الاعمال: 244. وفيه: لا يخالطهم خوف يعمهم الله بعقاب. (2) يتسمون خ ل. (3) ثواب الاعمال: 244.

[ 147 ]

عن العرزمي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): سيأتي على الناس زمان لا ينال الملك فيه إلا بالقتل والتجبر (1)، ولا الغنى إلا بالغصب والبخل، ولا المحبة إلا باستخراج الدين واتباع الهوى، فمن أدرك ذلك الزمان فصبر على الفقر وهو يقدر على الغنى، وصبر على البغضة وهو يقدر على المحبة، وصبر على الذل وهو يقدر على العز آتاه الله ثواب خمسين صديقا ممن صدق بي (2). أقول: قد مضت الاخبار من هذا الباب في باب أشراط الساعة، وستأتي في باب علامات قيام القائم (عليه السلام).


(1) والتجرى خ ل. (2) اصول الكافي 2: 91.

[ 148 ]

* (ابواب) * * (أحواله (صلى الله عليه وآله) من البعثة إلى نزول المدينة) * * (باب 1) * * (المبعث واظهار الدعوة وما لقى (صلى الله عليه وآله) من القوم) * * (وما جرى بينه وبينهم، وجمل أحواله إلى دخول الشعب،) * * (وفيه اسلام حمزة رضى الله عنه، وأحوال كثير من) * * (أصحابه وأهل زمانه) * الايات، البقرة " 2 ": ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم 105. وقال تعالى: كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم و يعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون 151. وقال تعالى: واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شئ عليم 231. وقال تعالى: تلك الآيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين 252. آل عمران " 3 ": واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون 103. وقال تعالى: لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين 164.

[ 149 ]

النساء " 4 ": ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك و أرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا * من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا 79 و 80. وقال تعالى: إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين - إلى قوله -: لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا 163 - 166. المائدة " 5 " يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين 67. وقال تعالى: ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون 99. الانعام " 6 " قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والارض وهو يطعم ولا يطعم قل إني امرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين 14. إلى آخر الآيات. وقال تعالى: قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون 33. وقال تعالى: قل لاأسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين 90. وقال تعالى: اتبع ما اوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين * ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل * ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل امة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون 106 - 108. إلى قوله تعالى: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون * ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون 112 و 113. إلى قوله تعالى: أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون * وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون 122 و 123.

[ 150 ]

الاعراف " 7 ": قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والارض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الامي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون 158. وقال: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين 199. الانفال " 8 "، وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم * وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون * وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون * وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء و تصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون 32 - 35. التوبة " 9 ": هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون 33. يونس " 10 ": وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون 46. يوسف " 12 ": نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن و إن كنت من قبله لمن الغافلين 3. وقال تعالى: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين 108. الرعد " 13 ": إنما أنت منذر ولكل قوم هاد 7. وقال تعالى: وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ و علينا الحساب 40. الحجر " 15 ": لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين * وقل إني أنا النذير المبين، كما أنزلنا على المقتسمين * الذين جعلوا القرآن عضين * فوربك لنسئلنهم أجمعين، عما كانوا يعملون * فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين * إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر

[ 151 ]

فسوف يعلمون * ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون * فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين * واعبد ربك حتى يأتيك اليقين 88 - 99. النحل " 16 ": وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون 64. وقال تعالى: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين 89. وقال تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين 125. الاسرى " 17 ": نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذهم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا * انظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا 47 و 48. الكهف " 18 ": واتل ما اوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا 27. مريم " 19 ": أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لاوتين مالا وولدا * أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا * كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا * ونرثه ما يقول ويأتينا فردا 77 - 80. وقال تعالى: فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا 97. طه " 20 ": كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا * من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيمة وزرا 99 و 100. الانبياء " 21 ": وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا * أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون 36. الحج " 22 ": ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد * كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير 3 و 4. وقال تعالى: قل يا أيها الناس إنما أنالكم نذير مبين 49.

[ 152 ]

وقال تعالى: لكل امة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الامر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم 67. الفرقان " 25 ": وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا * قال ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا * وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكف به بذنوب عباده خبيرا 56 - 58. الشعراء " 26 ": لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين 3 و 4. وقال تعالى: وأنذر عشيرتك الاقربين 214. فاطر " 35 ": إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور * إن أنت إلا نذير * إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا 22 - 24. يس " 36 " لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين 70. المؤمن " 40 ": فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون 77. حمعسق " 42 ": فلذلك فادع واستقم كما امرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وامرت لاعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير 15. وقال تعالى: ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السموات وما في الارض ألا إلى الله تصير الامور 52 و 53. الزخرف " 43 ": فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون * أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون * فاستمسك بالذي اوحي إليك إنك على صراط مستقيم * وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون 41 - 44. الفتح " 48 ": إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * لتؤمنوا بالله ورسوله و تعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا 8 و 9.

[ 153 ]

الذاريات " 51 ": فتول عنهم فما أنت بملوم * وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين 54 و 55. الطور " 52 ": فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون 29. النجم " 53 ": فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحيوة الدنيا - إلى قوله تعالى - هذا نذير من النذر الاولى 29 - 56. القمر " 54 ": فتول عنهم 6. القلم " 68 ": فلا تطع المكذبين * ودوا لو تدهن فيدهنون * ولا تطع كل حلاف مهين * هماز مشاء بنميم * مناع للخير معتد أثيم * عتل بعد ذلك زنيم. إلى آخر الآيات 8 - 52. المعارج " 70 ": سأل سائل بعذاب واقع * للكافرين ليس له دافع * من الله ذي المعارج 1 - 3. وقال تعالى: فما للذين كفروا قبلك مهطعين * عن اليمين وعن الشمال عزين * أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم. إلى آخر السورة 36 - 44. المزمل " 72 ": إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا * فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا 15 و 16. المدثر " 74 " يا أيها المدثر * قم فأنذر - إلى قوله: - ذرني ومن خلقت وحيدا * وجعلت له مالا ممدودا * وبنين شهودا * ومهدت له تمهيدا * ثم يطمع أن أزيد * كلا إنه كان لآياتنا عنيدا * سارهقه صعودا * إنه فكر وقدر * فقتل كيف قدر * ثم قتل كيف قدر * ثم نظر * ثم عبس وبسر * ثم أدبر واستكبر * فقال إن هذا إلا سحر يؤثر * إن هذا إلا قول البشر * ساصليه سقر 1 - 26 إلى قوله تعالى: - فما لهم عن التذكرة معرضين * كأنهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة * بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة 49 - 52. القيمة " 75 ": فلا صدق ولا صلى * ولكن كذب وتولى * ثم ذهب إلى أهله يتمطى * أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى 31 - 35.

[ 154 ]

النبأ " 87 ": عم يتسائلون * عن النبأ العظيم * الذي هم فيه مختلفون 1 - 3. عبس " 80 ": قتل الانسان ما أكفره * من أي شئ خلقه * من نطفة خلقه فقدره * ثم السبيل يسره * ثم أماته فأقبره * ثم إذا شاء أنشره * كلا لما يقض ما أمره 17 - 23. التكوير " 81 ": إنه لقول رسول كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين * وما صاحبكم بمجنون * ولقد رآه بالافق المبين * وما هو على الغيب بضنين * وما هو بقول شيطان رجيم * فأين تذهبون * إن هو إلا ذكر للعالمين * لمن شاء منكم أن يستقيم 19 - 28. المطففين " 83 ": إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون * و إذا مروا بهم يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * وما ارسلوا عليهم حافظين * فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على الارائك ينظرون * هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون 29 - 36. الاعلى " 87 ": سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهروما يخفى * ونيسرك لليسرى، فذكر إن نفعت الذكرى، سيذكر من يخشى * ويتجنبها الاشقى * الذي يصلى النار الكبرى * ثم لا يموت فيها ولا يحيى 6 - 13. الغاشية " 88 ": فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمصيطر * إلا من تولى وكفر * فيعذبه الله العذاب الاكبر * إن إلينا إيابهم * ثم إن علينا حسابهم 21 - 26. البلد " 90 ": لا اقسم بهذا البلد * وأنت حل بهذا البلد * ووالد وما ولد * لقد خلقنا الانسان في كبد * أيحسب أن لن يقدر عليه أحد * يقول أهلكت مالا لبدا * أيحسب أن لم يره أحد * ألم نجعل له عينين * ولسانا وشفتين * وهديناه النجدين 1 - 10. العلق " 96 ": اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الانسان من علق * اقرء وربك الاكرم * الذي علم بالقلم * علم الانسان ما لم يعلم إلى آخر السورة 1 - 19. البينة " 98 " لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى

[ 155 ]

تأتيهم البينة * رسول من الله يتلو صحفا مطهرة * فيها كتب قيمة * ما تفرق الذين اوتوا الكتاب إلا من بعدما جاءتهم البينة 1 - 4. القريش " 106 ": لايلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتاء والصيف. السورة 1 - 4. الماعون " 107 " أرأيت الذى يكذب بالدين. 1 - 7 الجحد " 109 ": قل يا أيها الكافرون. السورة 1 - 6. تبت " 111 ": تبت يدا أبي لهب. السورة 1 - 5. الفلق " 113 ": قل أعوذ برب الفلق. إلى آخر السورة 1 - 5. تفسير: قال البيضاوي: " من خير " فسر الخير بالوحي وبالعلم والنصرة، ولعل المراد به ما يعم ذلك (1). " ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون " أي بالفكر والنظر، إذ لا طريق إلى معرفته سوى الوحي (2). " واذكروا نعمت الله عليكم " التي من جملتها الهداية وبعثة محمد (صلى الله عليه وآله) بالشكر و القيام بحقوقها " وما انزل عليكم من الكتاب والحكمة " القرآن والسنة " يعظكم به " بما أنزل عليكم (3). " إذ كنتم أعداء " أي في الجاهلية متقاتلين " فألف بين قلوبكم " بالاسلام " فأصبحتم بنعمته إخوانا " متحابين مجتمعين على الاخوة في الله، وقيل كان الاوس والخزرج أخوين لابوين فوقع بين أولادهما العداوة، وتطاولت الحروب مأة وعشرين سنة حتى أطفأها الله بالاسلام، وألف بينهم رسول الله (صلى الله عليه وآله). " وكنتم على شفا حفرة من النار " مشرفين على الوقوع في نار جهنم لكفر كم، إذ لو أدرككم الموت في تلك الحالة لوقعتم في النار " فأنقذكم منها " بالاسلام، وشفا البئر: طرفها وجانبها (4).


(1) أنوار التنزيل 1: 104. (2) أنوار التنزيل 1: 123. (3) أنوار التنزيل 1: 161. (4) أنوار التنزيل 1: 224.

[ 156 ]

قال الطبرسي رحمه الله: قال مقاتل: افتخر رجلان من الاوس والخزرج: ثعلبة بن غنم بن الاوس، وأسعد بن زرارة من الخزرج، فقال الاوسي: منا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، ومنا حنظلة غسيل الملائكة، ومنا عاصم بن ثابت بن أفلح حمى الديار (1)، ومنا سعد بن معاذ الذي اهتز عرش الرحمن له، ورضي الله بحكمه في بني قريظة، وقال الخزرجي: منا أربعة أحكموا القرآن: ابي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، ومنا سعد بن عبادة خطيب الانصار ورئيسهم، فجرى الحديث بينهما تعصبا و تفاخرا (2)، وناديا فجاء الاوس إلى الاوسي، والخزرج إلى الخزرجي، ومعهم السلاح فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله) فركب حمارا وأتاهم فأنزل الله هذه الآيات، فقرأها عليهم فاصطلحوا (3). قوله تعالى: " من أنفسهم " قال البيضاوي: من نسبهم، أو من جنسهم عربيا مثلهم ليفهموا كلامه بسهولة، ويكونوا واقفين على حاله في الصدق والامانة مفتخرين به، و قرئ " من أنفسهم " أي من أشرفهم، لانه (صلى الله عليه وآله) كان من أشرف القبائل " ويزكيهم " يطهرهم من دنس الطبائع وسوء العقائد والاعمال " وإن كانوا " إن هي المخففة (4). " ما أصابك من حسنة " من نعمة " فمن الله " أي تفضلا منه " وما أصابك من سيئة " من بلية " فمن نفسك " لانها السبب فيها لاجتلابها بالمعاصي (5). قال الطبرسي: قيل: خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله) والمراد به الامة، وقيل: خطاب للانسان، أي ما أصابك أيها الانسان (6). قوله، " حفيظا " أي تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها، إنما عليك البلاغ و


(1) في المصدر: حمى الدين. (2) في المصدر: فغضبا وتفاخرا. (3) مجمع البيان 2: 482. (4) أنوار التنزيل 1: 242. (5) أنوار التنزيل 1: 289. (6) مجمع البيان 3: 79.

[ 157 ]

علينا الحساب (1). " إنا أوحينا إليك كما أوحينا ": قال البيضاوي: جواب لاهل الكتاب عن اقتراحهم أن ينزل عليهم كتابا من السماء واحتجاج عليهم بأن أمره في الوحي كسائر الانبياء " لكن الله يشهد " استدراك عن مفهوم ما قبله، وكأنه لما تعنتوا عليه بسؤال كتاب ينزل عليهم من السماء، واحتج عليهم بقوله: " إنا أوحينا إليك " قال: إنهم لا يشهدون ولكن الله يشهد، أو إنهم أنكروه ولكن الله يثبته ويقرره " بما أنزل إليك " من القرآن المعجز الدال على نبوتك، روي أنه لما نزلت " إنا أوحينا إليك " قالوا: ما نشهد لك، فنزلت، " أنزله بعلمه " أنزله متلبسا بعلمه الخاص به، وهو العلم بتأليفه على نظم يعجز عنه كل بليغ، أو بحال من يستعد النبوة ويستأهل نزول الكتاب عليه، أو بعلمه الذي يحتاج إليه الناس في معاشهم ومعادهم " والملائكة يشهدون " أيضا بنبوتك " وكفى بالله شهيدا " أي وكفى بما أقام من الحجج على صحة نبوتك عن الاستشهاد بغيره (2). قوله تعالى: " بلغ ما انزل إليك من ربك " أقول: سيأتي أنها نزلت في ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام). " والله يعلم ما تبدون وما تكتمون " أي من تصديق أو تكذيب أو الاعم. قوله تعالى: " قل أغير الله " قال الطبرسي رحمه الله: قيل: إن أهل مكة قالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله): يا محمد تركت ملة قومك وقد علمنا أنه لا يحملك على ذلك إلا الفقر، فإنا نجمع لك من أموالنا حتى تكون من أغنانا، فنزلت (3). قوله تعالى: " قد نعلم أنه ليحزنك الذي يقولون " قال الطبرسي رحمه الله، أي ما يقولون: إنك شاعر أو مجنون، وأشباه ذلك " فإنهم لا يكذبونك " قرأ نافع والكسائي والاعشي عن أبي بكر " لا يكذبونك " بالتخفيف، وهو قراءة علي (عليه السلام) والمروي عن الصادق (عليه السلام)، والباقون بفتح الكاف والتشديد، واختلف في معناه على وجوه: أحدها: لا يكذبونك بقلوبهم اعتقادا، وإن كانوا يظهرون بأفواههم التكذيب عنادا


(1) انوار التنزيل 1: 22. (2) انوار التنزيل 1: 317 و 318. (3) مجمع البيان 4: 279.

[ 158 ]

وهو قول أكثر المفسرين، ويؤيده ما روي عن سلام بن مسكين، عن أبي يزيد المدني أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لقي أبا جهل فصافحه أبو جهل، فقيل له في ذلك فقال: والله إني لاعلم أنه صادق، ولكن متى كنا تبعا لعبد مناف ؟ ! فأنزل الله هذه الآية. وثانيها: أن المعنى لا يكذبونك بحجة ولا يتمكنون من إبطال ما جئت به ببرهان، ويؤيده ما روي عن علي (عليه السلام) أنه كان يقرأ لا يكذبونك ويقول: إن المراد بها أنهم لا يؤتون بحق هو أحق من حقك. وثالثها: أن المراد لا يصادفونك كاذبا. ورابعها: أن المراد لا ينسبونك إلى الكذب فيما أتيت به، لانك كنت عندهم أمينا صدوقا، وإنما يدفعون ما أتيت به ويقصدون التكذيب بآيات الله. وخامسها: أن المراد أن تكذيبك راجع إلي، ولست مختصا به لانك رسول، فمن رد عليك فقد رد علي (1). قوله تعالى: " قل لا أسألكم عليه " أي على التبليغ، وقيل: القرآن " أجرا " أي جعلا من قبلكم " إن هو " أي التبليغ، وقيل: القرآن، أو الغرض " إلا ذكرى للعالمين " تذكير وعظة لهم (2). قوله تعالى: " ولا تسبوا " قال الطبرسي رحمه الله: قال ابن عباس: لما نزلت " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم (3) " الآية، قال المشركون: يا محمد لتنتهين عن سب آلهتنا، أو لنهجون ربك ؟ فنزلت الآية، وقال قتادة: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار فنهاهم الله عن ذلك لئلا يسبوا الله، فإنهم قوم جهلة، وسئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن قول النبي (صلى الله عليه وآله): " إن الشرك أخفى من دبيب النمل على صفوانة سوداء في ليلة ظلماء " فقال: كان المؤمنون يسبون ما يعبد المشركون من دون الله، وكان المشركون يسبون ما يعبد المؤمنون، فنهى الله المؤمنين عن سب آلهتهم لكيلا يسبوا - الكفار - إله المؤمنين، فيكون


(1) مجمع البيان 4: 293 و 294. (2) أنوار التنزيل 1: 390. (3) الانبياء: 98.

[ 159 ]

المؤمنون قد أشركوا من حيث لا يعلمون (1). وفي قوله: " أو من كان ميتا " قيل: إنها نزلت في حمزة بن عبد المطلب وأبي جهل وذلك أن أبا جهل آذى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فاخبر بذلك حمزة وهو على دين قومه، فغضب و جاء ومعه قوس فضرب بها رأس أبي جهل وآمن، عن ابن عباس، وقيل: نزلت في عمار بن ياسر حين آمن وأبي جهل، عن عكرمة، وهو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام)، وقيل: إنها عامة في كل مؤمن وكافر (2). قوله تعالى: " إني رسول الله إليكم " قال البيضاوي: الخطاب عام، وكان رسول الله مبعوثا إلى كافة الثقلين وسائر الرسل إلى أقوامهم " جميعا " حال من إليكم " الذي له ملك السماوات والارض " صفة لله، أو مدح منصوب، أو مرفوع، أو مبتدأ خبره " لا إله إلا هو " و على الوجوه الاول بيان لما قبله " يحيي ويميت " مزيد تقرير لاختصاصه بالالوهية (3). قوله تعالى: " وإذ قالوا اللهم " قال الطبرسي رحمه الله: القائل لذلك النضر بن الحارث وروي في الصحيحين أنه من قول أبي جهل، " وما كان الله ليعذبهم " أي أهل مكة بعذاب الاستيصال " وأنت فيهم " أي وأنت مقيم بن أظهرهم، قال ابن عباس إن الله لم يعذب قومه حتى أخرجوه منها " وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون " أي وفيهم بقية المؤمنين بعد خروجك من مكة، وذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله) لما خرج من مكة بقيت فيها بقية من المؤمنين لم يهاجروا لعذر وكانوا على عزم الهجرة، فرفع الله العذاب عن مشركي مكة لحرمة استغفارهم، فلما خرجوا أذن الله في فتح مكة، وقيل: معناه وما يعذبهم الله بعذاب الاستيصال في الدنيا وهم يقولون: غفرانك ربنا، وإنما يعذبهم على شركهم في الآخرة، وفي تفسير علي بن إبراهيم لما قال النبي (صلى الله عليه وآله) لقريش: إني أقتل جميع ملوك الدنيا، وأجر الملك إليكم فأجيبوني إلى ما أدعوكم إليه تملكون بها العرب، ويدين لكم العجم، فقال أبو جهل: " اللهم إن كان هذا هو الحق، الآية حسدا لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم قال: غفرانك اللهم ربنا، فأنزل الله " وما كان الله ليعذبهم " الآية، ولما هموا بقتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) و


(1) مجمع البيان 4: 347. (2) مجمع البيان 4: 359. (3) أنوار التنزيل 1: 450 و 451.

[ 160 ]

أخرجوه من مكة أنزل الله سبحانه " وما لهم أن لا يعذبهم الله " الآية، فهذبهم الله بالسيف يوم بدر وقتلوا، وقيل: معناه لو استغفروا لم يعذبهم، وفي ذلك استدعاء للاستغفار، وقال مجاهد: وفي أصلابهم من يستغفر " وما كانوا " أي المشركون " أولياءه " أي أولياء المسجد الحرام " إن أولياءه " أي ما أولياء المسجد الحرام " إلا المتقون " هذا هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) " وما كان صلاتهم " أي صلاة هؤلاء المشركين الصادين عن المسجد الحرام " إلا مكاء وتصدية ". قال ابن عباس: كانت قريش يطوفون بالبيت عراة يصفرون ويصفقون: وصلاتهم معناه دعاؤهم، أي يقيمون المكاء والتصدية مكان الدعاء والتسبيح، وقيل: أراد ليست لهم صلاة ولا عبادة، وإنما يحصل منهم ما هو ضرب من اللهو واللعب، فالمسلمون الذين يطيعون الله ويعبدونه عند هذا البيت أحق بمنع المشركين منه. وروي أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان إذا صلى في المسجد الحرام قام رجلان من بني عبد الدار عن يمينه فيصفران، ورجلان عن يساره فيصفقان بأيديهما، فيخلطان عليه صلاته، فقتلهم الله جميعا ببدر، ولهم يقول ولبقية بني عبد الدار: " فذوقوا العذاب " أي عذاب السيف يوم بدر، أو عذاب الآخرة (1). " بعض الذي نعدهم " أي من العقوبة في الدنيا ومنها وقعة بدر " أو نتوفينك " أي نميتنك قبل أن ينزل ذلك بهم، قيل: إن الله سبحانه وعد نبيه (صلى الله عليه وآله) أن ينتقم له منهم إما في حياته أو بعد وفاته، ولم يحده بوقت. قوله تعالى: " وإن كنت من قبله " أي قبل الوحي أو القرآن " لمن الغافلين " عن الحكم والقصص التي في القرآن. " قل هذه سبيلي " أي طريقتي وسنتي " أدعو إلى الله " أي إلى توحيده وعدله ودينه " على بصيرة " على يقين ومعرفة وحجة، لا على وجه التقليد والظن " أنا ومن اتبعني " أي أدعوكم أنا، ويدعوكم أيضا من آمن بي واتبعني، وسيأتي أن المراد به أمير المؤمنين (عليه السلام) " وسبحان الله " أي سبح الله تسبيحا، أو قل: سبحان الله، وقيل: اعتراض بين الكلامين.


(1) مجمع البيان 4: 539 - 541. بحار الانوار - 10 -

[ 161 ]

قوله: " ولكل قوم هاد " أي أنت لكل قوم، أو المعنى جعل الله لكل قوم هاديا وستأتي الاخبار في ذلك في كتاب الامامة. قوله تعالى: " وإما نرينك بعض الذي نعدهم " قال الطبرسي: أي نعد هؤلاء الكفار من نصر المؤمنين عليهم، وتمكينك منهم بالقتل والاسر واغتنام الاموال " أو نتوفينك " أي نقبضنك إلينا قبل أن نريك ذلك، وبين بذلك أن بعض ذلك في حياته، وبعضه بعد وفاته " فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب " أي عليك أن تبلغهم ما أرسلناك به إليهم، وتقوم بما أمرناك بالقيام به، وعلينا حسابهم ومجازاتهم والانتقام منهم إما عاجلا وإما آجلا، وفي هذا دلالة على أن الاسلام سيظهر على سائر الاديان في أيامه (1) و بعد وفاته، وقد وقع المخبر به على وفق الخبر (2). " ولا تحزن عليهم " أي على كفار قريش أن لم تؤمنوا ونزل بهم العذاب " واخفض جناحك " أي تواضع " للمؤمنين " وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إلى نفسه بسط جناحه ثم خفضه " فاصدع بما تؤمر " أي أظهر وأعلن وصرح بما امرت به غير خائف " وأعرض عن المشركين " أي لا تخاصمهم إلى أن تؤمر بقتالهم، أولا تلتفت إليهم ولا تخف منهم " وكن من الساجدين " أي المصلين " حتى يأتيك اليقين " أي الموت المتيقن (3). " بالحكمة " أي القرآن، وقيل: هي المعرفة بمراتب الافعال في الحسن والقبح و الصلاح والفساد " والموعظة الحسنة " هي الصرف عن القبيح على وجه الترغيب في تركه، والتزهيد في فعله " وجادلهم بالتي هي أحسن " أي ناظرهم بالقرآن وبأحسن ما عندك من الحجج، وقيل: هو أن يجادلهم على قدر ما يحتملونه، كما جاء في الحديث " امرنا معاشر الانبياء أن نكلم الناس على قدر عقولهم (4) ". قوله تعالى: " نحن أعلم بما يستمعون به " قد مر تفسيره في كتاب الاحتجاج. قوله: " لا مبدل لكلماته " أي لآياته وكتبه أو مواعيده وتقديراته أو أنبيائه وحججه


(1) في المصدر: سيظهر على سائر الاديان ويبطل الشرك في ايامه. (2) مجمع البيان 6: 298 و 299. (3) مجمع البيان 6: 345 - 347. (4) مجمع البيان 6: 392 و 393.

[ 162 ]

صلوات الله عليهم. قوله: " ملتحدا " أي ملجأ ومعدلا ومحيصا. قوله تعالى: " أفرأيت الذي كفر بآياتنا " قال الطبرسي رحمه الله روي في الصحيح عن خباب بن الارت قال: كنت رجلا غنيا وكان لى على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه، فقال لي: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لن أكفر به حتى نموت و نبعث (1)، فقال: فإني لمبعوث بعد الموت فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد، فنزلت (2). قوله تعالى: " لدا " اللد جمع الالد وهو الشديد الخصومة " من لدناذكرا " أي كتابا مشتملا على الاقاصيص والاخبار، حقيقا بالتفكر والاعتبار، وقيل: ذكرا جميلا بين الناس " من أعرض عنه " عن الذكر أو عن الله " فإنه يحمل يوم القيامة وزرا " عقوبة ثقيلة فادحة على كفره وذنوبه. قوله تعالى: " ومن الناس من يجادل " قال الطبرسي رحمه الله: قيل: المراد به النضر ابن الحارث فإنه كان كثير الجدال، وكان يقول: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الاولين، وينكر البعث (3). قوله تعالى: " لكل امة " أي أهل دين " جعلنا منسكا " متعبدا أو شريعة تعبدوا بها " هم ناسكوه " ينسكونه " فلا ينازعنك " سائر أرباب الملل " في الامر " في أمر الدين أو النسائك لانهم أهل عناد، أو لان دينك أظهر من أن يقبل النزاع. وقيل: المراد نهي الرسول عن الالتفات إلى قولهم وتمكينهم من المناظرة، فإنها إنما تنفع طالب حق، وهؤلاء أهل مراء وقيل: نزلت في كفار خزاعة قالوا للمسلمين: مالكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله ؟ " إلا من شاء " أي إلا فعل من شاء " أن يتخذ إلى ربه سبيلا " أن يتوب إليه ويطلب الزلفى عنده بالايمان والطاعة، فصور ذلك بصورة الاجر من حيث إنه مقصود فعله، وقيل: الاستثناء منقطع " باخع نفسك " أي قاتل نفسك " أن لا يكونوا مؤمنين "


(1) في المصدر: حتى تموت وتبعث. (2) مجمع البيان 6: 528. (3) مجمع البيان 7: 71.

[ 163 ]

لئلا يؤمنوا، أو خيفة أن لا يؤمنوا " إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية " أي دلالة ملجئة إلى الايمان، أو بلية قاسرة إليه (1). " وأنذر عشيرتك الاقربين " قال الطبرسي رحمه الله: أي رهطك الادنين، واشتهرت القصة (2) بذلك عند الخاص والعام، وفي الخبر المأثور عن البراء بن عازب أنه قال: لما نزلت هذه الآية جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلا الرجل منهم يأكل المسنة ويشرب العس فأمر عليا (عليه السلام) برجل شاة فأدمها (3) ثم قال: ادنوا بسم الله، فدنا القوم عشرة عشرة فأكلوا حتى صدروا، ثم دعا بقعب من لبن فجرع منه جرعة ثم قال: هلموا اشربوا بسم الله، فشربوا حتى رووا، فبدرهم أبو لهب فقال: هذا ما سحركم به الرجل، فسكت (صلى الله عليه وآله) يومئذ ولم يتكلم، ثم دعاهم من الغد إلى مثل ذلك من الطعام والشراب، ثم أنذرهم رسول الله فقال: يا بني عبد المطلب إني أنا النذير إليكم من الله عزوجل والبشير فأسلموا وأطيعوني تهتدوا، ثم قال: من يؤاخيني و يوازرني ويكون وليي ووصيي بعدي وخليفتي في أهلي ويقضي ديني ؟ فسكت القوم فأعادها ثلاثا كل ذلك يسكت القوم ويقول علي: أنا، فقال في المرة الثالثة: أنت، فقام القوم و هم يقولون لابي طالب: أطع ابنك، فقد امر عليك، أورده الثعلبي في تفسيره، وروى عن أبي رافع هذه القصة وأنه جمعهم في الشعب فصنع لهم رجل شاة فأكلوا حتى تضلعوا (4)، وسقاهم عسا فشربوا كلهم حتى رووا، ثم قال: إن الله أمرني أن أنذر عشيرتك الاقربين وأنتم عشيرتي ورهطي، وإن الله لم يبعث نبيا إلا وجعل له من أهله أخا ووزيرا ووارثا ووصيا وخليفة في أهله، فأيكم يقوم فيبايعني على أنه أخي ووارثي ووزيري ووصيي و يكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ؟ فسكت القوم فقال: ليقومن


(1) قاسرة عليه خ ل. (2) ستأتي أخبار كثيرة في ذلك عن العامة والخاصة في محله. (3) في النهاية: فيه فأدمته أي خلطته وجعلت فيه إداما يؤكل، يقال فيه بالمد والقصر، وفى الصحاح، الادم: الالفة والاتفاق، يقال: أدم الله بينهما، أي أصلح وألف، وكذلك آدم الله بينهما. منه رحمه الله. (4) تضلع: امتلا شبعا أو ريا.

[ 164 ]

قائمكم أو ليكونن من غيركم ثم لتندمن، ثم أعاد الكلام ثلاث مرات، فقام علي (عليه السلام) فبايعه فأجابه، ثم قال: ادن مني، فدنا منه ففتح فاه ومج في فيه من ريقه وتفل بين كتفيه وثدييه، فقال أبو لهب: بئس ما حبوت به ابن عمك أن أجابك فملات فاه ووجهه بزاقا، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): ملاته حكما وعلما. وعن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية صعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الصفا فقال: يا صباحاه، فاجتمعت إليه قريش فقالوا: مالك ؟ فقال: أرأيتكم إن أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم ما كنتم تصدقونني ؟ قالوا: بلى، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، قال أبو لهب: تبا لك، ألهذا دعوتنا جميعا ؟ ! فأنزل الله تعالى: " تبت يدا أبي لهب " إلى آخر السورة (1). وفي قراءة ابن مسعود: " وأنذر عشيرتك الاقربين * ورهطك منهم المخلصين " وروي ذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2). قوله تعالى: " إن الله يسمع من يشاء " بهدايته فيوفقه لفهم آياته والاتعاظ بعظاته " وما أنت بمسمع من في القبور " ترشيح لتمثيل المصرين على الكفر بالاموات، ومبالغة في إقناطه عنهم " إن أنت إلا نذير " فما عليك إلا الانذار، وأما الاسماع فلا إليك. قوله: " لينذر " أي القرآن أو الرسول (صلى الله عليه وآله) " من كان حيا " أي عاقلا فهما، فإن الغافل كالميت، أو مؤمنا في علم الله، فإن الحياة الابدية بالايمان، وتخصيص الانذار به، لانه المنتفع به " ويحق القول " أي تجب كلمة العذاب على الكافرين المصرين على الكفر " فاصبر إن وعد الله " بهلاك الكفار " حق " كائن لا محالة " فإما نرينك " " ما " مزيدة لتأكيد الشرط " بعض الذي نعدهم " وهو القتل والاسر " أو نتوفينك " قبل أن تراه " فإلينا يرجعون " يوم القيامة فنجازيهم بأعمالهم. قوله تعالى: " لا حجة " أي لا حجاج ولا خصومة. قوله تعالى: " فاستمسك بالذي اوحي إليك " أي من القرآن بأن تتلوه حق تلاوته


(1) السورة: 111. (2) مجمع البيان 7: 206.

[ 165 ]

وتتبع أوامره، وتنتهي عما نهي فيه عنه " إنك على صراط مستقيم " أي على دين حق " وإنه لذكر لك ولقومك " أي وإن القرآن الذي اوحي إليك لشرف لك ولقومك من قريش " وسوف تسألون " عن شكر ما جعله الله لكم من الشرف، أو عما يلزمكم من القيام بحق القرآن. أقول: سيأتي في الاخبار أن المراد بالقوم الائمة (عليهم السلام) وهم يسألون عن علم القرآن. قوله تعالى: " فتول عنهم " أي فأعرض عن مجادلتهم بعد ما كررت عليهم الدعوة فأبوا إلا الاصرار والعناد " فما أنت بملوم " على الاعراض بعد ما بذلت جهدك في البلاغ " وذكر " ولا تدع التذكير والموعظة " فإن الذكرى تنفع المؤمنين " من قدر الله إيمانه، أو من آمن فإنه يزداد بصيرة. " فذكر " فاثبت على التذكير ولا تكترث بقولهم " فما أنت بنعمة ربك " بحمد الله و إنعامه " بكاهن ولا مجنون " كما يقولون. " فأعرض عمن تولى " أي عن دعوته والاهتمام بشأنه، فإن من كانت الدنيا منتهى همته ومبلغ علمه لا تزيده الدعوة إلا عنادا. " هذا نذير من النذر الاولى " أي هذا القرآن نذير من جنس الانذارات المتقدمة أو هذا الرسول نذير من جنس المنذرين الاولين (1). " فتول عنهم " لعلمك أن الانذار لا يغني فيهم. قوله تعالى: " ودوا لو تدهن فيدهنون " أي تلين لهم في دينك فيلينون في دينهم " كل حلاف " أي كثير الحلف بالباطل لقلة مبالاته بالكذب " مهين " من المهانة وهي القلة في الرأي والتميز، وقيل: ذليل عند الله وعند الناس، قيل: يعنى الوليد بن المغيرة، عرض على النبي (صلى الله عليه وآله) المال ليرجع عن دينه، وقيل: الاخنس بن شريق، وقيل: الاسود ابن عبد يغوث هماز، أي عياب " مشاء بنميم " أي يفسد بين الناس بالنميمة " مناع للخير " أي بخيل بالمال أو عن الاسلام " معتد " متجاوز في الظلم " أثيم " كثير الاثم " عتل بعد ذلك " أي جاف غليظ بعد ما عد من مثالبه " زنيم " أي دعي ملصق إلى قوم ليس


(1) وذلك لان النذير قد يكون مصدرا غير قياسية للانذار وقد يكون صفة بمعنى المنذر والجمع نذر

[ 166 ]

منهم " أن كان ذامال وبنين " أي قال ذلك حينئذ لان كان متمولا مستظهرا بالبنين من فرط غروره، أو علة ل‍ " لا تطع " أي لا تطع من هذه مثالبه لان كان ذامال " سنسمه " بالكي " على الخرطوم " أي على الانف، وقد أصاب أنف الوليد جراحة يوم بدر فبقي أثره، وقيل هو عبارة عن غاية الاذلال، أو نسود وجهه يوم القيامة. قوله تعالى: " سأل سائل " قال البيضاوي: أي دعا داع به، بمعنى استدعاه، ولذلك عدي الفعل بالباء، والسائل نضر بن الحارث فإنه قال: " إن كان هذا هو الحق من عندك " أو أبو جهل فإنه قال: " فأسقط علينا كسفا من السماء " سأله استهزاء، أو الرسول استعجل بعذابهم (1). أقول: ستأتي أخبار كثيرة في أنها نزلت في النعمان بن الحارث الفهري حين أنكر ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء " فرماه الله بحجر على رأسه فقتله. قوله: " مهطعين " أي مسرعين " عزين " أي فرقا شتى، قيل: كان المشركون يحلقون حول رسول الله (صلى الله عليه وآله) حلقا حلقا ويستهزؤون بكلامه " أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم " بلا إيمان، وهو إنكار لقولهم: لو صح ما يقوله لنكونن فيها أفضل حظا منهم كما في الدنيا (2). " إنا أرسلنا إليكم رسولا " يا أهل مكة " شاهدا عليكم " يشهد عليكم يوم القيامة بالاجابة والامتناع. " وبيلا " أي ثقيلا (3). قوله تعالى: " يا أيها المدثر " قال الطبرسي رحمه الله أي المتدثر بثيابه، قال الاوزاعي: سمعت يحيى بن أبي كثير يقول: سألت أبا سلمة أي القرآن انزل من قبل قال: " يا أيها المدثر " فقلت: أو " اقرء باسم ربك " ؟ فقال: سألت جابر بن عبد الله أي القرآن انزل قبل ؟ قال: " يا أيها المدثر " فقلت: أو " اقرء " ؟ قال جابر: احدثكم ما


(1) أنوار التنزيل 2: 547. (2) أنوار التنزيل 2: 549 و 550. (3) أنوار التنزيل 2: 559.

[ 167 ]

حدثنا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: جاورت بحراء شهرا، فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي فنوديت، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فلم أر أحدا، ثم نوديت فرفعت رأسي فإذا هو على العرش في الهواء، يعني جبرئيل (عليه السلام)، فقلت: دثروني دثروني فصبوا علي ماء، فأنزل الله عزوجل: " يا أيها المدثر " وفي رواية: فخشيت (1) منه فرقا حتى هويت إلى الارض، فجئت إلى أهلي فقلت: زملوني، فنزل: " يا أيها المدثر * قم فأنذر " أي ليس بك ما تخافه من الشيطان، إنما أنت نبي فأنذر الناس وادعهم إلى التوحيد. وفي هذا ما فيه لان الله تعالى لا يوحي إلى رسوله إلا بالبراهين النيرة، والآيات البينة الدالة على أن ما يوحي إليه إنما هو من الله تعالى، فلا يحتاج إلى شئ سواها ولا يفزع ولا يفزع ولا يفرق، وقيل: معناه يا أيها الطالب صرف الاذى بالدثار اطلبه بالانذار، وخوف قومك بالنار إن لم يؤمنوا، وقيل: إنه كان قدتدثر بشملة صغيرة لينام فقال: يا أيها النائم قم من نومك فأنذر قومك، وقيل: إن المراد به الجد في الامر والقيام بما ارسل به، فكأنه قيل له: لا تنم عما أمرتك به، وهذا كما تقول العرب: فلان لا ينام في أمره، إذا وصف بالجد وصدق العزيمة (2). وقال في قوله تعالى: " ذرني ومن خلقت وحيدا ": نزلت الآيات في الوليد بن المغيرة المخزومي، وذلك أن قريشا اجتمعت في دار الندوة فقال لهم الوليد: إنكم ذووا أحساب وذووا أحلام، وإن العرب يأتونكم فينطلقون من عندكم على أمر مختلف، فأجمعوا أمركم على شئ واحد، ما تقولون في هذا الرجل ؟ قالوا: نقول: إنه شاعر، فعبس عندها وقال: قد سمعنا الشعر فما يشبه قوله الشعر، فقالوا: نقول: إنه كاهن، قال: إذا يأتونه فلا يجدونه يحدث بما يحدث به الكهنة، قالوا: نقول: إنه مجنون، قال: إذا يأتونه فلا يجدونه مجنونا، قالوا: نقول: إنه ساحر، قال: وما الساحر ؟ فقالوا: بشر يحببون بين المتباغضين، ويبغضون بين المتحابين، قال: فهو ساحر، فخرجوا فكان


(1) في المصدر: فجثيت منه فرقا. (2) مجمع البيان 10: 384.

[ 168 ]

لا يلقى أحد منهم النبي (صلى الله عليه وآله) إلا قال: يا ساحر يا ساحر، واشتد عليه ذلك، فأنزل الله تعالى: " يا أيها المدثر " إلى قوله: " إلا قول البشر " عن مجاهد، ويروى أن النبي (صلى الله عليه وآله) لما انزل عليه " حم تنزيل الكتاب (1) " قام إلى المسجد والوليد بن المغيرة قريب منه يسمع قراءته فلما فطن النبي (صلى الله عليه وآله) لاستماعه لقراءته أعاد قراءة الآية، فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه بني مخزوم فقال: والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الانس ولا من كلام الجن، وإنه له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة (2)، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمعذق، وإنه ليعلو وما يعلى، ثم انصرف إلى منزله فقال قريش: صبأ (3) والله الوليد، والله ليصبأن قريش كلهم، وكان يقال للوليد: ريحانة قريش، فقال لهم أبو جهل: أنا أكفيكموه، فانطلق فقعد إلى جنب الوليد حزينا، فقال له: مالي أراك حزينا يا ابن أخي ؟ قال: هذه قريش يعيبونك على كبر سنك ويزعمون أنك زينت كلام محمد، فقام مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه فقال: تزعمون أن محمدا مجنون ؟ فهل رأيتموه يخنق قط ؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه كاهن ؟ فهل رأيتم عليه شيئا من ذلك ؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه شاعر ؟ فهل رأيتموه أنه ينطق بشعر قط ؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه كذاب ؟ فهل جربتم عليه شيئا من الكذب ؟ قالوا: اللهم لا، وكان يسمى الصادق الامين قبل النبوة من صدقه، قالت قريش للوليد: فما هو ؟ فتفكر في نفسه ثم نظر وعبس فقال: ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه، فهو ساحر، وما يقوله سحر يؤثر (4). أقول: قد مر تفسير الآيات في كتاب الاحتجاج. ثم قال رحمه الله في قوله: " عليها تسعة عشر ": قالوا لما نزلت هذه الآية قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم امهاتكم أما تسمعون ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار


(1) غافر: 1 و 2. (2) الطلاوة: بتثليث الطاء: الحسن والبهجة. (3) صبأ: خرج من دين إلى دين آخر. (4) مجمع البيان 10: 386 و 387.

[ 169 ]

تسعة عشر، وأنتم الدهم والشجعان (1) أفيعجز كل عشرة منكم أن تبطشوا برجل من خزنة جهنم ؟ فقال أبو الأسد الجمحي: أنا أكفيكم سبعة عشر عشرة على ظهري، وسبعة على بطني، فاكفوني أنتم اثنين، فنزل تمام الآيات (2). وقال رحمه الله في قوله: كأنهم حمر مستنفرة " أي وحشية نافرة " فرت من قسورة " يعنى الاسد عن عطاء والكلبي، قال ابن عباس: الحمر الوحشية إذا عاينت الاسد هربت منه، كذلك هؤلاء الكفار إذا سمعوا النبي (صلى الله عليه وآله) يقرأ القرآن هربوا منه، وقيل: القسورة الرماة ورجال القنص (3). " بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة " أي كتبا من السماء تنزل إليهم بأسمائهم أن آمنوا بمحمد، وقيل: معناه أنهم يريدون صحفا من الله تعالى بالبراءة من العقوبة وإسباغ النعمة حتى يؤمنوا، وقيل: يريد كل واحد منهم أن يكون رسولا يوحى إليه متبوعا، وأنف من أن يكون تابعا (4). وقال في قوله تعالى: " ثم ذهب إلى أهله يتمطى " أي رجع إليهم يتبختر ويختال في مشيه، قيل: إن المراد بذلك أبو جهل بن هشام " أولى لك فأولى " هذا تهديد من الله له، والمعنى وليك المكروه يا أبا جهل وقرب منك، وجاءت الرواية أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخذ بيد أبي جهل ثم قال له: " أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى " فقال أبو جهل: بأي شئ تهددني ؟ لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئا، وإني لاعز أهل هذا الوادي، فأنزل الله سبحانه كما قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقيل: معناه: الذم أولى لك من تركه. إلا أنه حذف، وكثر في الكلام حتى صار بمنزلة الويل لك، وصار من المحذوف الذي لا يجوز إظهاره، وقيل: هو وعيد على وعيد، وقيل: معناه وليك الشر في الدنيا وليك، ثم وليك الشر في الآخرة وليك، والتكرار للتأكيد، وقيل (5): بعدا لك من خيرات


(1) الدهم: العدد الكثير. (2) مجمع البيان 10: 388. (3) أي الصيادين. (4) مجمع البيان 10: 392. (5) عن الاصمعي أنه تهديد ووعيد، معناه قاربك ما يهلكك، أي نزل بك.

[ 170 ]

الدنيا، وبعدا لك من خيرات الآخرة، وقيل: أولى لك ما تشاهده يا أبا جهل يوم بدر فأولى لك في القبر، ثم أولى لك يوم القيامة - ولذلك أدخل " ثم " - فأولى لك في النار (1). وقال في قوله تعالى: " عم يتساءلون ": أصله " عما " قالوا: لما بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأخبرهم بتوحيد الله وبالبعث بعد الموت وتلا عليهم القرآن جعلوا يتساءلون بينهم، أي يسأل بعضهم بعضا على طريق الانكار والتعجب فيقولون: ماذا جاء به محمد ؟ وما الذي أتى به ؟ فأنزل الله " عم يتساءلون " أي عن أي شئ يتساءلون، والمعنى تفخيم القصة، ثم ذكر أن تساءلهم عماذا فقال: " عن النبإ العظيم " وهو القرآن، وقيل: هو نبأ القيامة، وقيل: كل ما اختلفوا فيه من اصول الدين (2). أقول: سيأتي أنه ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) في أخبار كثيرة. وقال رحمه الله في قوله تعالى: " قتل الانسان " أي عذب ولعن، وهو إشارة إلى كل كافر، وقيل: هو امية بن خلف، وقيل: عتبة بن أبي لهب إذ قال: كفرت برب النجم إذا هوى " ما أكفره " أي ما أشد كفره ؟ ! وقيل: إن ما للاستفهام، أي أي شئ أوجب كفره ؟ أي ليس ههنا شئ يوجب الكفر، فما الذي دعاه إليه مع كثرة نعم الله عليه ؟ " من أي شئ خلقه " استفهام للتقرير، وقيل: معناه لم لا ينظر إلى أصل خلقته ليدله على وحدانية الله تعالى ؟ " من نطفة خلقه فقدره " أطوارا: نطفة ثم علقة إلى آخر خلقه، وعلى حد معلوم من طوله وقصره وسمعه وبصره وأعضائه وحواسه ومدة عمره ورزقه وجميع أحواله " ثم السبيل يسره " أي سبيل الخروج من بطن امه (3)، أو طريق الخير والشر


(1) مجمع البيان 10: 401. (2) مجمع البيان 10: 421. (3) زاد الطبرسي قدس سره توضيحا تركه المصنف، وهو: وذلك أن رأسه كان إلى رأس امه وكذلك رجلاه كانت إلى رجليها فقلبه الله عند الولادة ليسهل خروجه منها. ثم قال: وقيل: " ثم السبيل " أي سبيل الدين " يسره " وطريق الخير والشر بين له وخيره ومكنه من فعل الخير واجتناب الشر، ونظيره " وهديناه النجدين ".

[ 171 ]

" كلا " أي حقا " لما يقض ما أمره " من إخلاص عبادته، ولم يؤد حق الله عليه مع كثرة نعمه (1). وقال في قوله تعالى: " إنه لقول رسول كريم " أي إن القرآن قول رسول كريم على ربه وهو جبرئيل (عليه السلام)، وهو كلام الله أنزله على لسانه، ثم وصف جبرئيل فقال: " ذي قوة " أي فيما كلف وامر به من العلم والعمل وتبليغ الرسالة، وقيل: ذي قدرة في نفسه " عند ذي العرش مكين " أي متمكن عند الله خالق العرش، رفيع المنزلة عنده " مطاع ثم " أي في السماء تطيعه الملائكة، قالوا: ومن طاعة الملائكة لجبرئيل (عليه السلام) أنه أمر خازن الجنة ليلة المعراج حتى فتح لمحمد (صلى الله عليه وآله) أبوابها فدخلها ورأى ما فيها، وأمر خازن النار ففتح له عنها حتى نظر إليها " أمين " على وحي الله ورسالاته إلى أنبيائه، وفي الحديث أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لجبرئيل: ما أحسن ما أثنى عليك ربك: " ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين " فما كانت قوتك ؟ وما كانت أمانتك ؟ فقال: أما قوتي فإني بعثت إلى مدائن قوم لوط وهي أربع مدائن في كل مدينة أربعمأة ألف مقاتل سوى الذراري فحملتهم من الارض السفلى حتى سمع أهل السماوات أصوات الدجاج ونباح الكلاب، ثم هويت بهن فقلبتهن، وأما أمانتي فإني لم اؤمر بشئ فعدوته إلى غيره، ثم خاطب سبحانه جماعة الكفار فقال: " وما صاحبكم " الذي يدعوكم إلى الله " بمجنون " والمجنون: المغطى على عقله حتى لا يدرك الامور على ماهي عليه " ولقد رآه بالافق المبين " أي رأي محمد (صلى الله عليه وآله) جبرئيل (عليه السلام) على صورته التي خلقه الله تعالى عليها حيث تطلع الشمس وهو الافق الاعلى من ناحية المشرق " وما هو على الغيب بضنين " قرأ أهل البصرة غير سهل وابن كثير والكسائي بالظاء والباقون بالضاد، فعلى الاول أي ليس بمتهم فيما يخبر به عن الله، وعلى الثاني أي ليس ببخيل فيما يؤدي عن الله " وما هو بقول شيطان رجيم " أي ليس القرآن بقول شيطان ألقاه إليه، كما قال المشركون: إن الشيطان يلقي إليه كما يلقي إلى الكهنة " فأين تذهبون " فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بينت لكم ؟ أو فأين تعدلون عن القرآن ؟ " إن هو إلا ذكر للعالمين " أي ما القرآن إلا عظة وتذكرة للخلق


(1) مجمع البيان 10: 438 و 439.

[ 172 ]

" لمن شاء منكم أن يستقيم " على أمر الله وطاعته (1). وقال في قوله: " إن الذين أجرموا " يعني كفار قريش ومترفيهم كأبي جهل و الوليد ابن المغيرة والعاص بن وائل وأصحابهم " كانوا من الذين آمنوا " يعني أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) مثل عمار وخباب وبلال وغيرهم " يضحكون " على وجه السخرية بهم و الاستهزاء في دار الدنيا، أو من جدهم في عبادتهم لانكارهم البعث، أو لايهام العوام أن المسلمين على باطل " وإذا مروا " أي المؤمنون " بهم يتغامزون " أي يشير بعضهم إلى بعض بالاعين والحواجب استهزاء بهم، وقيل: نزلت في علي (عليه السلام) وذلك أنه كان في نفر من المسلمين جاءوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا، ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم الاصلع فضحكنا منه، فنزلت الآية قبل أن يصل علي (عليه السلام) وأصحابه إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، قوله: " فكهين " أي إذا رجع هؤلاء الكفار إلى أهلهم رجعوا معجبين بما هم فيه يتفكهون بذكرهم " وما ارسلوا عليهم حافظين " أي لم يرسل هؤلاء الكفار حافظين على المؤمنين ما هم عليه، وما كلفوا حفظ أعمالهم (2). قوله تعالى: " سنقرئك فلا تنسى " قال البيضاوي: أي سنقرئك على لسان جبرئيل أو سنجعلك قارئا بإلهام القراءة فلا تنسى أصلا من قوة الحفظ " إلا ما شاء الله " نسيانه بأن ينسخ تلاوته، وقيل: المراد به القلة، أو نفي النسيان رأسا " إنه يعلم الجهر وما يخفى " ما ظهر من أحوالكم وما بطن، أو جهرك بالقراءة مع جبرئيل وما دعاك إليه من مخافة النسيان فيعلم ما فيه صلاحكم من إبقاء وإنساء " ونيسرك لليسرى " ونعدك للطريقة اليسرى في حفظ الوحي أو التدين، ونوفقك لها، ولهذه النكتة قال: " نيسرك " لا " نيسر لك " عطف على سنقرئك، و " إنه يعلم " اعتراض " فذكر " بعد ما استتب لك الامر " إن نفعت الذكرى " لعل هذه الشرطية إنما جاءت بعد تكرير التذكير وحصول اليأس عن البعض لئلا يتعب نفسه ويتلهف عليهم، أو لذم المذكرين، واستبعاد تأثير الذكرى فيهم، أو للاشعار بأن التذكير إنما يجب إذا ظن نفعه، ولذلك امر بالاعراض عمن تولى


(1) مجمع البيان 10: 345 - 347. (2) مجمع البيان 10: 456 و 458. (*)

[ 173 ]

" سيذكر من يخشى " سيتعظ وينتفع بها من يخشى الله " ويتجنبها " ويتجنب الذكرى " الاشقى " الكافر، فإنه أشقى من الفاسق، أو الاشقى من الكفرة لتوغله في الكفر " الذي يصلى النار الكبرى " أي نار جهنم " ثم لا يموت فيها " فيستريح " ولا يحيى " حياة تنفعه (1). " لست عليهم بمصيطر " بمتسلط " إلا من تولى وكفر " لكن من تولى وكفر، " فيعذبه الله العذاب الاكبر " يعني عذاب الآخرة، وقيل: متصل، فإن جهاد الكفار وقتلهم تسلط، وكأنه أوعدهم بالجهاد في الدنيا، والعذاب في الآخرة، وقيل: هو استثناء من قوله: " فذكر ". " إن إلينا إيابهم " رجوعهم " ثم إن علينا حسابهم، في المحشر (2). " لا اقسم بهذا البلد " أقسم سبحانه بمكة وقيده بحلول الرسول (صلى الله عليه وآله) فيه إظهارا لمزيد فضله، وإشعارا بأن شرف المكان شرف (3) أهله، وقيل: حل مستحل تعرضك فيه (4) " ووالد " أي آدم أو إبراهيم (عليهما السلام) " وما ولد " ذريته أو محمد (صلى الله عليه وآله) " في كبد " أي تعب ومشقة، وهو تسلية للرسول (صلى الله عليه وآله) بما كان (5) يكابده من قريش، والضمير في " أيحسب " لبعضهم الذي كان يكابد منه أكثر، أو يغتر بقوته كأبي الاشد بن كلدة، فإنه كان يبسط تحت قدمه (6) أديم عكاظي ويجذبه عشرة فيتقطع ولا يزل قدماه، أو لكل أحد منهم أو الانسان (7) " أن لن يقدر عليه أحد " فينتقم منه " يقول " أي في ذلك الوقت: " أهلكت مالا لبدا " أي كثيرا، والمراد ما أهلكه سمعة ومفاخرة ومعاداة للرسول (صلى الله عليه وآله) " أيحسب


(1) انوار التنزيل 2: 598 و 599. (2) انوار التنزيل 2: 600 و 601. (3) في المصدر: بشرف أهله. (4) في المصدر: وقيل: حل مستحل تعرضك فيه، كما يستحل تعرض الصيد في غيره، أو حلال لك أن تفعل فيه ما تريد ساعة من النهار، فهو وعد بما أحل له عام الفتح. (5) في المصدر: مما كان. (6) في المصدر: تحت قدميه. (7) في المصدر: أو للانسان.

[ 174 ]

أن لم يره أحد "، حين كان ينفق أو بعد ذلك فيسأله عنه (1). وقال الطبرسي: قيل: هو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، وذلك أنه أذنب ذنبا فاستفتى النبي (صلى الله عليه وآله) فأمره أن يكفر، فقال: لقد ذهب مالي في الكفارات والنفقات منذ دخلت في دين محمد عن مقاتل (2). " اقرء باسم ربك " أي اقرء القرآن مفتتحا باسمه، أو مستعينا به، وقيل: الباء زائدة أي اقرء اسم ربك الذي خلق كل شئ " خلق الانسان من علق " جمع علقة " اقرء " تكرير للمبالغة، أو الاول مطلق، والثاني للتبليغ، أو في الصلاة، ولعله لما قيل: اقرء باسم ربك فقال: ما أنا بقارئ، فقيل له: " اقرء وربك الاكرم " الزائد في الكرم على كل كريم " الذي علم بالقلم " أي الخط بالقلم " علم الانسان ما لم يعلم " بخلق القوى، ونصب الدلائل، وإنزال الآيات، فيعلمك القراءة وإن لم تكن قارئا، وأكثر المفسرين على أن هذه السورة أول ما نزل من القرآن، وأول يوم نزل جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو قائم على حراء علمه خمس آيات من أول هذه السورة، وقيل: سورة المدثر، وقيل: سورة الحمد. " لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب " أي اليهود والنصارى " والمشركين " أي عبدة الاصنام " منفكين " عما كانوا عليه من دينهم " حتى تأتيهم البينة " أي الرسول (صلى الله عليه وآله) أو القرآن " رسول من الله " بدل من " البينة " بنفسه، أو بتقدير مضاف. أو مبتدء " يتلو صحفا مطهرة " صفته أو خبره، والرسول وإن كان اميا لكنه لما تلا مثل ما في الصحف كان كالتالي لها، وقيل المراد جبرئيل، وكون الصحف مطهرة أن الباطل لا يأتي ما فيها، و أنها لا يمسها إلا المطهرون " فيها كتب قيمة " مكتوبات مستقيمة ناطقة بالحق " وما تفرق الذين اوتوا الكتاب " عما كانوا عليه بأن آمن بعضهم وكفر آخرون " إلا من بعد ما جاءتهم " البشارة به في كتبهم وعلى ألسنة رسلهم فكانت الحجة قائمة عليهم.


(1) أنوار التنزيل 2: 604. (2) مجمع البيان 10: 493 و 494.

[ 175 ]

قوله تعالى " رحلة الشتاء " قال الطبرسي: كانت لقريش رحلتان في كل سنة رحلة في الشتاء إلى اليمن، لانها بلاد حامية، ورحلة في الصيف إلى الشام لانها بلاد باردة ولولا هاتان الرحلتان لم يمكنهم به مقام، وقيل: إن كلتا الرحلتين كانت إلى الشام ولكن رحلة الشتاء في البحر إلى وايله طلبا للدفء، ورحلة الصيف إلى بصرى وأذرعات طلبا للهواء (1). وقال في قوله: " أرأيت الذي يكذب بالدين ": أي بالجزاء والحساب، قال الكلبي: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وقيل: في الوليد بن المغيرة عن السدي ومقاتل، وقيل: في أبي سفيان كان ينحر في كل اسبوع جزورين، فأتاه يتيم فسأله شيئا فقرعه بعصاه (2) عن ابن جريح، وقيل: في رجل من المنافقين عن ابن عباس. " يدع اليتيم " أي يدفعه بعنف " ولا يحض على طعام المسكين " أي لا يطعمه ولا يحث عليه إذا عجز (3). أقول: قد مضى سبب نزول سورة الجحد في كتاب الاحتجاج. وقال الطبرسي: روى ابن جبير، عن ابن عباس قال: صعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم الصفا فقال: يا صباحاه، فاجتمعت إليه قريش فقالوا له: مالك ؟ فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أما كنتم تصدقوني ؟ قالوا: بلى، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبا لك لهذا دعوتنا جميعا ؟ فأنزل الله هذه السورة: " تبت يدا أبي لهب وتب " أي خسرت يداه أو صفرتا من كل خير، وهو ابن عبد المطلب عم النبي (صلى الله عليه وآله) " وامرأته " وهى ام جميل بنت حرب اخت أبي سفيان " حمالة الحطب " كانت تحمل الغضا والشوك فتطرحه في طريق رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا خرج إلى الصلاة ليعقره عن ابن عباس، وفي رواية الضحاك: قال الربيع بن أنس كانت تبث وتنشر الشوك على طريق الرسول (صلى الله عليه وآله) فيطأه كما يطأ أحدكم الحرير، وقيل: إنها كانت تمشي بالنميمة بين الناس فتلقي بينهم العداوة، وتوقد نارها بالتهييج كما يوقد النار


(1) مجمع البيان 10: 545. (2) أي ضربه به. (3) مجمع البيان 10: 547.

[ 176 ]

الحطب، فسمي النميمة حطبا عن ابن عباس، وقيل: معناه حمالة الخطايا " في جيدها حبل من مسد " أي حبل من ليف، وإنما وصفها بهذه الصفة تخسيسا لها وتحقيرا، وقيل: حبل تكون له خشونة الليف، وحرارة النار، وثقل الحديد يجعل في عنقها زيادة في عذابها، وقيل: في عنقها سلسلة من حديد طولها سبعون ذراعا تدخل في فيها، وتخرج من دبرها، وتدار على عنقها في النار عن ابن عباس، وسميت السلسلة مسدا لانها ممسودة، أي مفتولة، وقيل: إنها كانت لها قلادة فاخرة من جوهر فقالت: لانفقها في عداوة محمد، فتكون عذابا في عنقها يوم القيامة عن سعيد بن المسيب، ويروى عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما نزلت هذه السورة أقبلت العوراء ام جميل بنت حرب ولها ولولة، وفي يدها فهر، وهي تقول: مذمما أبينا * ودينه قلينا وأمره عصينا والنبي (صلى الله عليه وآله) جالس في المسجد ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنها لن تراني - وقرأ قرآنا فاعتصم به كما قال - وقرأ: " وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا " (1) فوقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقالت: يا أبا بكر اخبرت أن صاحبك هجاني، فقال: لا ورب البيت ما هجاك، قالت: فولت وهي تقول: قريش علمت أني بنت سيدها. وروي أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: صرف الله سبحانه عني، ثم إنهم يذمون مذمما وأنا محمد (2). أقول: قد مر تفسير سورة الفلق في باب عصمته (صلى الله عليه وآله). 1 - ك: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن ابن عميرة، عن داود بن يزيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان علي (عليه السلام) مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في غيبته لم يعلم بها أحد (3). 2 - ك: ابن الوليد، عن سعد والصفار معا عن ابن أبي الخطاب واليقطيني معا،


(1) الاسراء: 45. (2) مجمع البيان 10: 559 و 560. (3) كمال الدين: 197. اسناد الحديث في المصدر فيه وهم راجعه. بحار الانوار - 11 -

[ 177 ]

عن صفوان، عن ابن مسكان، عن محمد الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال اكتتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمكة مختفيا خائفا خمس سنين ليس يظهر أمره، وعلي (عليه السلام) اكتتم (1) معه وخديجة (عليها السلام) ثم أمره الله أن يصدع بما امر به، فظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأظهر أمره (2). غط: عن سعد، مثله (3). 3 - ك: وفي خبر آخر إنه (صلى الله عليه وآله) كان مختفيا بمكة ثلاث سنين (4). 4 - ك: أبي وابن الوليد معا عن سعد والحميري ومحمد العطار وأحمد بن إدريس جميعا عن ابن عيسى وابن أبي الخطاب وإبراهيم بن هاشم جميعا، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن عبيد الله الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: مكث رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمكة بعد ما جاءه الوحي عن الله تبارك وتعالى ثلاثة عشر سنة، منها ثلاث سنين مختفيا خائفا لا يظهر حتى أمره الله أن يصدع بما امر به، فأظهر حينئذ الدعوة (5). غط: سعد، مثله (6). 5 - ل: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: رن إبليس أربع رنات أولهن: يوم لعن، وحين اهبط إلى الارض، وحين بعث محمد (صلى الله عليه وآله) على حين فترة من الرسل، وحين انزلت ام الكتاب، ونخر نخرتين: حين أكل آدم (عليه السلام) من الشجرة، وحين اهبط من الجنة (7). بيان: الرنة: الصياح، والنخير: صوت بالانف. 6 - ع: الطالقاني، عن الجلودي، عن الجوهري، عن عبد الواحد بن غياث، عن


(1) فيه وفى الغيبة: وعلى معه. (2) كمال الدين: 197. (3) غيبة الطوسى: 216 و 217، والاسناد فيه هكذا: سعد بن عبد الله عن محمد بن الحسن بن أبى الخطاب، عن صفوان اه‍. (4 و 5) كمال الدين: 197. (6) غيبة الطوسى: 217. رواه الطوسى باسناده عن سعد، عن أحمد بن محمد بن عيسى و محمد بن الحسين بن أبى الخطاب عن الحسن بن محبوب. (7) الخصال 1: 126.

[ 178 ]

أبي عوانة، عن عمر (1) بن المغيرة، عن أبي صادق (2)، عن ربيعة بن ناجد أن رجلا قال لعلي (عليه السلام): يا أمير المؤمنين بما ورثت ابن عمك دون عمك ؟ فقال: يا معشر الناس ففتحوا (3) آذانهم واستمعوا فقال (عليه السلام): جمعنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بني عبد المطلب في بيت رجل منا، - أو قال أكبرنا - فدعا بمد ونصف من طعام وقدح له يقال له: الغمر، فأكلنا وشربنا وبقي الطعام والشراب كما هو، وفينا من يأكل الجذعة، ويشرب الفرق، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن: قد ترون هذه فأيكم يبايعني على أنه أخي ووارثي ووصيي ؟ فقمت إليه وكنت أصغر القوم وقلت: أنا، قال: أجلس، ثم قال ذلك ثلاث مرات، كل ذلك أقوم إليه فيقول: اجلس، حتى كان في الثالثة فضرب بيده على يدي فبذلك ورثت ابن عمي دون عمي (4). بيان: الغمر بضم الغين وفتح الميم: القدح الصغير، والفرق بالفتح وقد يحرك: مكيال هو ستة عشر رطلا. 7 - ع: الطالقاني عن الجلودي، عن المغيرة بن محمد، عن إبراهيم بن محمد الازدي عن قيس بن الربيع وشريك بن عبد الله، عن الاعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: لما نزلت (5): " وأنذر عشيرتك الاقربين " أي رهطك المخلصين، دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بني عبد المطلب وهم إذ ذاك أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون رجلا، فقال: أيكم يكون أخي ووارثي ووزيري و وصيي وخليفتي فيكم بعدي ؟ فعرض عليهم ذلك رجلا رجلا كلهم يأبى ذلك حتى أتى علي، فقلت: أنا يا رسول الله، فقال: يا بني عبد المطلب هذا أخي ووارثي ووصيي ووزيري وخليفتي فيكم بعدي، فقام القوم يضحك بعضهم إلى بعض ويقولون لابي طالب: قد أمرك


(1) في المصدر: عمرو بن المغيرة. (2) في التقريب: اسمه مسلم بن زيد أو عبد الله بن ناجد، وفى رجال الطوسى: عبد خير بن ناجد (3) افتحوا آذانكم واسمعوا خ ل. وفى المصدر جمع بين الجملتين، فقال: افتحوا آذانكم و اسمعوا ففتحوا اه‍. (4) علل الشرائع: 67 و 68. (5) انزلت خ ل. (*)

[ 179 ]

أن تسمع وتطيع لهذا الغلام (1). أقول: ورواه السيد في الطرف بإسناده عن الاعمش مثله (2). 8 - فس: أبي، عن الحسن بن علي بن فضال، عن علي بن عقبة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن إبليس رن رنينا لما بعث الله نبيه (صلى الله عليه وآله) على حين فترة من الرسل، وحين انزلت ام الكتاب (3). 9 - فس: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: " حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا " أي عينا " أو تكون لك جنة " أي بستان " من نخيل وعنب فتفجر الانهار خلالها تفجيرا " من تلك العيون " أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا " وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: إنه سيسقط من السماء كسف لقوله: " وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم (4) " وقوله: " أو تأتي بالله والملائكة قبيلا " و القبيل: الكثير " أو يكون لك بيت من زخرف " المزخرف بالذهب " أو ترقى في السماء و ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه " يقول: من الله إلى عبد الله بن أبي أمية أن محمدا صادق، وأني أنا بعثته، ويجئ معه أربعة من الملائكة يشهدون أن الله هو كتبه فأنزل الله: " قال سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا (5). أقول: سيأتي ما يوضح الخبر في باب فتح مكة. 10 - فس: " فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين * إنا كفيناك المستهزئين " فإنها نزلت بمكة بعد أن نبئ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بثلاث سنين، وذلك أن النبوة نزلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم الاثنين، وأسلم علي (عليه السلام) يوم الثلثاء، ثم أسلمت خديجة بنت خويلد زوجة النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم دخل أبو طالب إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وهو يصلي وعلي (عليه السلام) بجنبه، وكان مع أبي طالب رضي الله عنه جعفر رضي الله عنه فقال له أبو طالب: صل جناح


(1) علل الشرائع: 68. (2) الطرف: 7. (3) تفسير القمى: 26. (4) الطور: 44. (5) تفسير القمى: 388 و 389، والايات في الاسراء: 90 - 93.

[ 180 ]

ابن عمك، فوقف جعفر رضي الله عنه على يسار رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فبدر رسول الله من بينهما، فكان يصلي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) وجعفر وزيد بن حارثة وخديجة، فلما أتى لذلك سنون أنزل الله عليه " اصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين * إنا كفيناك المستهزئين " وكان المستهزؤون برسول الله (صلى الله عليه وآله) خمسة: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والاسود بن المطلب، والاسود بن عبد يغوث، والحارث بن طلاطلة الخزاعي. أقول: ثم ساق الحديث إلى آخر خبر هلاك المستهزئين على ما نقلنا عنه في أبواب المعجزات، ثم قال: فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقام على الحجر فقال: يا معشر قريش يا معشر (1) العرب أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وآمركم بخلع الانداد والاصنام فأجيبوني تملكون بها العرب، وتدين لكم العجم، وتكونون ملوكا في الجنة، فاستهزؤوا منه وقالوا: جن محمد بن عبد الله، ولم يجسروا عليه لموضع أبي طالب، فاجتمعت قريش على أبي طالب (2) فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سفه أحلامنا، وسب آلهتنا، وأفسد شباننا، وفرق جماعتنا، فإن كان يحمله على ذلك العدم جمعنا له مالا فيكون أكثر قريش مالا، ونزوجه أي امرأة شاء من قريش، فقال له أبو طالب: ما هذا يا ابن أخ ؟ فقال: يا عم هذا دين الله الذي ارتضاه لانبيائه ورسله، بعثني الله رسولا إلى الناس، فقال: يا ابن أخ إن قومك قد أتوني يسألوني أن أسألك أن تكف عنهم، فقال يا عم لا أستطيع أن اخالف أمر ربي، فكف عنه أبو طالب، ثم اجتمعوا إلى أبي طالب فقالوا: أنت سيد من ساداتنا فادفع إلينا محمد لنقتله وتملك علينا، فقال أبو طالب قصيدته الطويلة يقول فيها: ولما رأيت القوم لاود بينهم (3) * وقد قطعوا كل العرى والوسائل كذبتم وبيت الله يبزى محمد * ولما نطاعن دونه ونناضل ونسلمه (4) حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل


(1) يا معاشر خ ل. (2) في المصدر: إلى أبى طالب. (3) في المصدر: لاود عندهم. (4) في المصدر: وننصره.

[ 181 ]

فلما اجتمعت قريش على قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكتبوا الصحيفة القاطعة، جمع أبو طالب بني هاشم وحلف لهم بالبيت والركن والمقام والمشاعر في الكعبة لئن شاكت محمدا شوكة لآتين عليكم يا بني هاشم (1)، فأدخله الشعب وكان يحرسه بالليل والنهار قائما بالسيف على رأسه أربع سنين، فلما خرجوا من الشعب حضر (2) أبا طالب الوفاة فدخل إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يجود بنفسه فقال: يا عم ربيت صغيرا، وكفلت يتيما، فجزاك الله عني خيرا، أعطني كلمة أشفع لك بها عند ربي (3)، فروي أنه لم يخرج من الدنيا حتى أعطى رسول الله الرضا (4). بيان: قال الجزري: يبزى أي يقهر ويغلب، أراد لا يبزى فحذف " لا " من جواب القسم، وهي مرادة، أي لا يقهر ولم نقاتل عنه وندافع، وفلان يناضل عن فلان: إذا رامى عنه وحاج وتكلم بعذره ودفع عنه. 11 - فس: " وأنذر عشيرتك الاقربين " قال: نزلت (5): " ورهطك منهم المخلصين (6) " قال: نزلت بمكة فجمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بني هاشم وهم أربعون رجلا كل واحد منهم يأكل الجذع ويشرب القربة فاتخذ لهم طعاما يسيرا بحسب ما أمكن فأكلوا حتى شبعوا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من يكون وصيي ووزيري وخليفتي ؟ فقال أبو لهب: هذا (7) ما سحركم محمد، فتفرقوا، فلما كان اليوم الثاني أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ففعل بهم مثل ذلك ثم سقاهم اللبن (8) فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): أيكم يكون وصيي ووزيري وخليفتي ؟ فقال


(1) لاتين عليكم (عليهم خ ل) ببنى هاشم خ ل. (2) في المصدر: حضرت. (3) إن ما عليه الشيعة الامامية أن أبا طالب كان مؤمنا يتقى قومه ويستر دينه، والاخبار بذلك كثيرة، وأشعاره عليه دالة، فما في الخبر اما أخذه القمى من العامة وأورده على طبق عقيدتهم في ذلك، واما كان ذلك من النبي (صلى الله عليه وآله) على ظاهر حال أبى طالب، وأراد أنه يظهر في آخر لحظاته من الدنيا ما كان يستره من عقيدته، وسيجئ الكلام في ذلك مشبعا في محله إن شاء الله (4) تفسير القمى: 354 و 355. (5) المصدر خال عن قوله: قال: نزلت. (6) تقدم أنه قراءة ابن مسعود. (7) خذوا خ ل، وفى المصدر: جزما سحركم محمد. (8) حتى رووا خ.

[ 182 ]

أبو لهب: هذا ما سحركم محمد، فتفرقوا، فلما كان يوم الثالث أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ففعل بهم مثل ذلك، ثم سقاهم اللبن فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): أيكم يكون وصيي ووزيري وخليفتي وينجز عداتي ويقضي ديني ؟ فقام علي (عليه السلام) وكان أصغرهم سنا وأحمشهم ساقا، وأقلهم مالا، فقال: أنا يا رسول الله، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنت هو (1). 12 - فس: " وعجبوا أن جاءهم منذر منهم " قال: نزلت بمكة، لما أظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله) الدعوة بمكة اجتمعت قريش إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سفه أحلامنا، وسب آلهتنا وأفسد شبابنا، وفرق جماعتنا، فإن كان الذي يحمله على ذلك العدم جمعنا له مالا حتى يكون أغنى رجل في قريش ونملكه علينا، فأخبر أبو طالب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذلك فقال: لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري ما أردته، و لكن يعطوني كلمة يملكون بها العرب، ويدين لهم بها العجم، ويكونون ملوكا في الجنة، فقال لهم أبو طالب: ذلك، فقالوا: نعم وعشر كلمات، فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) تشهدون أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فقالوا: ندع ثلاث مأة وستين إلها ونعبد إلها واحدا ؟ ! فأنزل الله سبحانه: " وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب - إلى قوله - إلا اختلاق (2) " أي تخليط (3). 13 - فس: أبي، عن الاصبهاني، عن المنقري (4)، عن حفص قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): يا حفص إن من صبر صبر قليلا، وإن من جزع جزع قليلا، ثم قال: عليك بالصبر في جميع امورك، فإن الله بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) وأمره (5) بالصبر والفرق، فقال: " واصبر (6) على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا (7) وقال: " ادفع بالتي هي أحسن "


(1) تفسير القمى: 474. (2) ص: 4 - 7. (3) تفسير القمى: 561 و 562. (4) رواه الكليني في الكافي أيضا، وفيه اختلاف ذكره المصنف في الهامش، نذكره بعد ذلك (5) فأمره خ ل. (6) المزمل: 10. (7) وذرنى والمكذبين اولى النعمة. كا.

[ 183 ]

السيئة (1) " فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم (2) " فصبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى قابلوه بالعظام (3)، ورموه بها (4)، فضاق صدره فأنزل الله (5): " ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون (6) " ثم كذبوه ورموه فحزن لذلك فأنزل الله: " قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون * ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا واوذوا حتى أتاهم نصرنا (7) " فألزم نفسه (صلى الله عليه وآله) الصبر (8) فقعدوا وذكروا الله تبارك وتعالى وكذبوه فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لقد صبرت في نفسي وأهلي و وعرضي ولا صبر لي على ذكرهم (9) إلهي، فأنزل الله: " ولقد خلقنا السماوات والارض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب * فاصبر على ما يقولون (10) " فصبر (صلى الله عليه وآله) في جميع أحواله، ثم بشر في الائمة من عترته (11) ووصفوا بالصبر، فقال: " وجعلناهم (12) أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون (13) " فعند ذلك قال (صلى الله عليه وآله): الصبر من الايمان كالرأس من البدن (14)، فشكر الله له ذلك فأنزل الله عليه: " وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا


(1) لفظة " السيئة " ليست في المصحف الشريف، ولكنه موجود في المصدرين والاية في فصلت: 34. (2) ومما يلقاها الا الذين صبروا وما يلقاها الا ذو حظ عظيم. كا. (3) حتى نالوه بالعظائم كا. (4) أي بالعظائم، وهى نسبتهم اياه إلى السحر والجنون والشعر وغيرها. (5) فأنزل الله عزوجل عليه. كا. (6) فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين، كا. أقول: الايتان في سورة الحجر: 97 و 98. (7) الانعام: 33. (8) فتعدوا. كا. أقول: هو موجود أيضا في نسخة مخطوطة من تفسير القمى. (9) على ذكر الهى كا. (10) ق: 38 و 39. (11) ثم بشر في عترته بالائمة. كا. (12) الصحيح كما في المصحف الشريف: وجعلنا منهم. (13) السجدة: 24. (14) من الجسد. كا.

[ 184 ]

يعرشون (1) " فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): آية بشرى (2) وانتقام، فأباح الله قتل المشركين (3) حيث وجدوا فقتلهم على يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأحبائه، وعجل له ثواب صبره مع ما ادخر له في الآخرة (4). كا: علي، عن أبيه، وعلي بن محمد القاساني، عن الاصبهاني مثله (5). 14 - ص: ذكر علي بن إبراهيم وهو من أجل رواة أصحابنا أن النبي (صلى الله عليه وآله) لما أتى له سبع وثلاثون سنة كان يرى في نومه كأن آتيا أتاه فيقول: يا رسول الله، وكان بين الجبال يرعى غنما فنظر إلى شخص يقول له: يا رسول الله، فقال له: من أنت ؟ قال: أنا جبرئيل، أرسلني الله إليك ليتخذك رسولا، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكتم ذلك فأنزل جبرئيل بماء من السماء، فقال: يا محمد فتوضأ، فعلمه جبرئيل الوضوء على الوجه واليدين من المرفق ومسح الرأس والرجلين إلى الكعبين، وعلمه الركوع والسجود، فدخل علي إلى رسول الله صلوات الله عليهما وهو يصلي - هذا لماتم له (صلى الله عليه وآله) أربعون سنة - فلما نظر إليه يصلي قال: يا أبا القاسم ما هذا ؟ قال: هذه الصلاة التي أمرني الله بها، فدعاه إلى الاسلام فأسلم، وصلى معه، وأسلمت خديجة، فكان لا يصلي إلا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعلي (عليه السلام) وخديجة (عليها السلام) خلفه، فلما أتى لذلك أيام دخل أبو طالب إلى منزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعه جعفر، فنظر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي بجنبه يصليان، فقال لجعفر: يا جعفر صل جناح ابن عمك، فوقف جعفر بن أبي طالب من الجانب الآخر، ثم خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى بعض أسواق العرب فرأى زيدا فاشتراه لخديجة ووجده غلاما كيسا، فلما تزوجها وهبته له، فلما نبئ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أسلم زيد أيضا، فكان يصلي خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) علي وجعفر وزيد وخديجة (6).


(1) الاعراف: 137. (2) انه بشرى. (3) فاباح الله عزوجل له قتال. (4) تفسير القمى: 184 و 185. (5) اصول الكافي 2: 88 و 89. (6) قصص الانبياء: مخطوط.

[ 185 ]

بيان: قوله: صل جناح ابن عمك، أمر من وصل يصل، أي لما كان علي (عليه السلام) في أحد جنبيه بمنزلة جناح واحد فقف بجنبه الآخر ليتم جناحاه، ويحتمل التشديد من الصلاة (1)، والاول أظهر. 15 - ص: قال علي بن إبراهيم: ولما أتى على رسول الله (صلى الله عليه وآله) زمان، عند ذلك أنزل الله عليه: " فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (2) " فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) و قام على الحجر وقال يا معشر قريش يا معشر العرب، أدعوكم إلى عبادة الله وخلع الانداد والاصنام، وأدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فأجيبوني تملكون بها العرب، و تدين لكم بها العجم، وتكونون ملوكا، فاستهزؤوا منه وضحكوا وقالوا: جن محمد بن عبد الله وآذوه بألسنتهم، وكان من يسمع من خبره ما سمع من أهل الكتب يسلمون، فلما رأت قريش من يدخل في الاسلام جزعوا من ذلك ومشوا إلى أبي طالب وقالوا: كف عنا ابن أخيك، فإنه قد سفه أحلامنا، وسب آلهتنا، وأفسد شبابنا، وفرق جماعتنا، وقالوا: يا محمد إلى ما تدعو ؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وخلع الانداد كلها، قالوا: ندع ثلاثمأة وستين إلها، ونعبد إلها واحدا ؟ وحكى الله تعالى عز وعلا قولهم: " وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب * أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب " إلى قوله: " بل لما يذوقوا عذاب (3) " ثم قالوا لابي طالب: إن كان ابن أخيك يحمله على هذا العدم جمعنا له مالا فيكون أكثر قريش مالا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، مالي حاجة في المال فأجيبوني تكونوا ملوكا في الدنيا وملوكا في الآخرة، فتفرقوا ثم جاءوا ألى أبي طالب فقالوا: أنت سيد من ساداتنا، وابن أخيك فرق جماعتنا، فهلم ندفع إليك أبهى فتى من قريش وأجملهم وأشرفهم عمارة بن الوليد يكون لك ابنا، وتدفع إلينا محمدا لنقتله، فقال أبو طالب: ما أنصفتموني، تسألوني أن أدفع إليكم ابني لتقتلوه، وتدفعون إلي ابنكم لاربيه لكم، فلما أيسوا منه كفوا (4).


(1) * أقول وسيأتى بيان ذلك مشروحا في ج 35: ص 69. (2) الحجر: 94. (3) ص: 4 - 8. (4) قصص الانبياء: مخطوط.

[ 186 ]

16 - ص: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يكف عن عيب آلهة المشركين، ويقرأ عليهم القرآن، وكان الوليد بن المغيرة من حكام العرب يتحاكمون إليه في الامور، وكان له عبيد عشرة عند كل عبد ألف دينار يتجر بها، وملك القنطار، وكان عم أبي جهل، فقالوا له: عبد شمس (1) ما هذا الذي يقول محمد ؟ أسحر، أم كهانة، أم خطب ؟ فقال: دعوني أسمع كلامه، فدنا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو جالس في الحجر فقال: يا محمد أنشدني شعرك، فقال: ما هو بشعر ولكنه كلام الله الذي بعث أنبياءه ورسله به فقال: اتل، فقرأ: " بسم الله الرحمن الرحيم " فلما سمع الرحمن استهزأ منه وقال: تدعو إلى رجل باليمامة بسم الرحمن ؟ !، قال: لا ولكني أدعو إلى الله وهو الرحمن الرحيم، ثم افتتح حم السجدة، فلما بلغ إلى قوله: " فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود (2) " وسمعه، اقشعر جلده وقامت كل شعرة في بدنه، وقام ومشى إلى بيته، ولم يرجع إلى قريش، فقالوا: صبأ أبو عبد شمس إلى دين محمد، فاغتمت قريش وغدا عليه أبو جهل فقال: فضحتنا يا عم، قال: يا ابن أخ ما ذاك وإني على دين قومي، ولكني سمعت كلاما صعبا تقشعر منه الجلود، قال أفشعر هو ؟ قال: ما هو بشعر، قال: فخطب ؟ قال: لا، إن الخطب كلام متصل، وهذا كلام منثور لا يشبه بعضه بعضا، له طلاوة، قال: فكهانة هو ؟ قال: لا، قال: فما هو ؟ قال: دعني افكر فيه، فلما كان من الغد قالوا: يا عبد شمس ما تقول ؟ قال: قولوا: هو سحر، فإنه أخذ بقلوب الناس فأنزل الله تعالى فيه: " ذرني ومن خلقت وحيدا * وجعلت له مالا ممدودا * وبنين شهودا " إلى قوله: " عليها تسعة عشر (3) ". وفي حديث حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة قال: جاء وليد بن المغيرة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: اقرء علي، فقال: " إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون (4) " فقال: أعد،


(1) هكذا في النسخة، والصحيح يا باعبد شمس. (2) فصلت: 13. (3) المدثر: 11 - 30. (4) النحل: 90.

[ 187 ]

فأعاد، فقال: والله إن له الحلاوة والطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمعذق، وما هذا بقول بشر (1). قب: ذكر القصتين مختصرا مثله (2). بيان: في القاموس: الطلاوة مثلثة: الحسن والبهجة والقبول، وفي النهاية: العذق بالفتح: النخلة، وبالكسر: العرجون بما فيه من الشماريخ، ومنه حديث مكة، وأعذق أذخرها، أي صارت له عذوق وشعب، وقيل: أعذق بمعنى أزهر. 17 - ص: كان قريش يجدون في أذى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكان أشد الناس عليه عمه أبو لهب، فكان (صلى الله عليه وآله) ذات يوم جالسا في الحجر فبعثوا إلى سلى الشاة (3) فألقوه على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فاغتم من ذلك، فجاء إلى أبي طالب فقال: يا عم كيف حسبي فيكم ؟ قال: وما ذاك يا ابن أخ ؟ قال: إن قريشا ألقوا على السلى، فقال لحمزة: خذ السيف، و كانت قريش جالسة في المسجد، فجاء أبو طالب ومعه السيف، وحمزة ومعه السيف، فقال: أمر السلى على سبالهم، فمن أبي فاضرب عنقه، فما تحرك أحد حتى أمر السلى على سبالهم، ثم التفت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: يا ابن أخ هذا حسبك منا وفينا (4). 18 - قب: ابن عباس دخل النبي (صلى الله عليه وآله) الكعبة وافتتح الصلاة، فقال أبو جهل: من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته ؟ فقام ابن الزبعري وتناول فرثا ودما وألقى ذلك عليه، فجاء أبو طالب وقد سل سيفه، فلما رأوه جعلوا ينهضون فقال: والله لئن قام أحد جللته بسيفي، ثم قال: يا ابن أخي من الفاعل بك ؟ قال: هذا عبد الله (5)، فأخذ أبو طالب فرثا ودما، وألقى عليه. وفي روايات متواترة إنه أمر عبيده أن يلقوا السلى عن ظهره ويغسلوه، ثم أمرهم


(1) قصص الانبياء: مخطوط. (2) مناقب آل أبى طالب 1: 52 و 53 راجعه. (3) السلى: جلدة يكون ضمنها الولد في بطن امه، وإذا انقطعت في البطن هلكت الام والولد. (4) قصص الانبياء: مخطوط. (5) في المصدر: من الفاعل بك هذا ؟ قال عبد الله.

[ 188 ]

أن يأخذوه فيمروا على أسبلتهم بذلك. وفي رواية البخاري: إن فاطمة (عليها السلام) أماطته (1)، ثم أوسعتهم شتما وهم يضحكون فلما سلم النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " اللهم عليك الملا من قريش، اللهم عليك أبا جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وعقبة بن أبي معيط وامية بن خلف " فوالله الذي لا إله إلا هو ما سمى النبي (صلى الله عليه وآله) يومئذ أحد إلا وقد رأيته يوم بدر وقد اخذ برجله يجر إلى القليب مقتولا إلا امية فإنه كان منتفخا في درعه فتزايل من جره فأقروه و ألقوا عليه الحجر. محمد بن إسحاق: وقف النبي (صلى الله عليه وآله) على قليب بدر فقال: " بئس عشيرة الرجل كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، ثم قال: هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟ فقد وجدت ما وعدني ربي حقا " ثم قال: إنهم يسمعون ما أقول (2) أقول: تمامه في فضائل أبي طالب (عليه السلام). 19 - ك: أبي وابن الوليد معا، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب ومحمد بن عيسى معا، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن محمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): ما أجاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحد قبل علي بن أبي طالب وخديجة صلوات الله عليهما، ولقد مكث رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمكة ثلاث سنين مختفيا خائفا يترقب ويخاف قومه والناس (3). 20 - فس: علي بن جعفر، عن محمد بن عبد الله الطائي، عن ابن أبي عمير، عن حفص الكناسي قال: سمعت عبد الله بن بكر (4) الارجاني قال: قال لي الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام: أخبرني عن الرسول (5) (صلى الله عليه وآله) كان عاما للناس ؟ أليس قد قال الله في محكم كتابه " وما أرسلناك إلا كافة للناس (6) " لاهل الشرق والغرب، وأهل السماء والارض من الجن


(1) أي أبعدته وأزالته عنه صلى الله عليه وآله. (2) مناقب آل أبى طالب 1: 54 و 55. (3) كمال الدين: 189 وفيه: يخاف الناس بحذف العاطف. (4) بكير خ ل، وهو الموجود في المصدر، ولكن في رجال الشيخ: بكر كما في المتن. (5) رسول الله خ ل. (6) سباء: 28.

[ 189 ]

والانس هل بلغ (1) رسالته إليهم كلهم ؟ قلت: لا أدري، قال: يا ابن بكر (2) إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يخرج من المدينة فكيف بلغ (3) أهل الشرق والغرب ؟ قلت: لا أدري (4)، قال: إن الله تبارك وتعالى أمر جبرئيل فاقتلع الارض بريشة من جناحه ونصبها لمحمد (صلى الله عليه وآله) (5) وكانت بين يديه مثل راحته في كفه ينظر إلى أهل الشرق والغرب ويخاطب كل قوم بألسنتهم، ويدعوهم إلى الله وإلى نبوته بنفسه، فما بقيت قرية ولا مدينة إلا ودعاهم النبي (صلى الله عليه وآله) بنفسه (6). 21 - كا: علي، عن أبيه، عن القاسم، عن جده الحسن، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا تدع صيام يوم سبع وعشرين من رجب فإنه اليوم الذي نزلت فيه النبوة على محمد (صلى الله عليه وآله) (7). 22 - كا: العدة، عن سهل، عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن الاول (عليه السلام) قال بعث الله عزوجل محمدا (صلى الله عليه وآله) رحمة للعالمين في سبع وعشرين من رجب الخبر (8). 23 - ما: المفيد، عن ابن قولويه، عن محمد بن الحسن الجوهري، عن الاشعري، عن البزنطي، عن أبان بن عثمان، عن كثير النوا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: في اليوم السابع والعشرين من رجب نزلت النبوة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) الخبر (9).


(1) أبلغ خ ل. (2) بكير خ ل. (3) أبلغ خ ل. (4) ولا أدرى خ ل. (5) لرسول الله خ ل. (6) تفسير القمى: 539 و 540. أقول: لعل المراد من تبليغه الناس كلهم معنى ورد مثله في حق ابراهيم (عليه السلام) أيضا، من انه امر أن ينادى بالحج فصعد ركنا من البيت ونادى: ألا هلم الحج فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فلبوا: لبيك داعى الله، لبيك داعى الله ويشبهه أيضا، ما ورد من روايات الذر راجع. (7 و 8) فروع الكافي 1: 203. (9) أمالى ابن الشيخ: 28.

[ 190 ]

24 - كا: علي بن محمد رفعه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يوم سبعة وعشرين من رجب نبئ فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) الحديث. أقول: سيأتي مثله بأسانيد في كتاب الصوم. 25 - ن: في علل الفضل عن الرضا (عليه السلام) قال: فإن قال: فلم جعل الصوم في شهر رمضان خاصة دون سائر الشهور ؟ قيل: لان شهر رمضان هو الشهر الذي أنزل الله تعالى فيه القرآن إلى قوله (عليه السلام) وفيه نبئ محمد (صلى الله عليه وآله) (1). بيان هذا الخبر مخالف لسائر الاخبار المستفيضة، ولعل المراد به معنى آخر ساوق لنزول القرآن أو غيره من المعاني المجازية، أو يكون المراد بالنبوة في سائر الاخبار الرسالة، ويكون النبوة فيه بمعنى نزول الوحي عليه (صلى الله عليه وآله) فيما يتعلق بنفسه كما سيأتي تحقيقه، ويمكن حمله على التقية فإن العامة قد اختلفوا في زمان بعثته (صلى الله عليه وآله) على خمسة أقوال:. الاول: لسبع عشرة خلت من شهر رمضان. الثاني: لثمان عشرة خلت من رمضان. الثالث: لاربع وعشرين خلت من شهر رمضان. الرابع: للثاني عشر من ربيع الاول. الخامس: لسبع وعشرين من رجب، وعلى الاخير اتفاق الامامية. 26 - كا: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة وبريد العجلي (2) قال: قلت لابي جعفر (عليه السلام): إنما أنت منذر ولكل قوم هاد (3) فقال: المنذر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعلي الهادي، وفي كل زمان إمام منا يهديهم إلى ما جاء به رسول الله (صلى الله عليه وآله) (4).


(1) عيون أخبار الرضا: 261. (2) في المصدر: المطبوع والمخطوط: عن بريد العجلى، وهو الصحيح والا فيلزم أن يكون: قالا قلنا. (3) الرعد: 7. (4) كمال الدين: 375.

[ 191 ]

27 - ما: جماعة، عن أبي المفضل قال: حدثنا محمد بن جرير الطبري سنة ثمان وثلاث مائة قال: حدثنا محمد بن حيد الرازي، عن سلمة بن الفضل الابرش، عن محمد بن إسحاق: عن عبد الغفار بن القاسم، قال أبو المفضل: وحدثنا محمد بن محمد بن سليمان الباغندي (1) - واللفظ له - عن محمد بن الصباح الجرجرائي (2)، عن سلمة بن صالح الجعفي، عن سليمان الاعمش وأبي مريم جميعا عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن عباس، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه وآله): " وأنذر عشيرتك الاقربين (3) دعاني رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال لي يا علي إن الله تعالى أمرني أن أنذر عشيرتك (4) الاقربين قال: فضقت بذلك ذرعا، وعرفت أني متى اباديهم بهذا الامر أرى منهم ما أكره، فصمت على (5) ذلك وجاءني جبرئيل فقال: يا محمد إنك إن لم تفعل ما امرت به عذبك، ربك فاصنع لنا يا علي صاعا من طعام، واجعل عليه رجل شاة، واملا (6) لنا عسا من لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى اكلمهم وابلغهم ما امرت به، ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم أجمع وهم يؤمئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون رجلا فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب، فلما اجتمعوا له دعاني بالطعام الذي صنعت له فجئت به،


(1) منسوب إلى باغند بفتح الغين وسكون النون، قال ياقوت: قال تاج الاسلام: أظنها من قرى واسط: ينسب إليها أبو بكر أحمد بن محمد بن سليمان الازدي المعروف بالباغندى، كان عارفا حافظا للحديث، توفى في ذى الحجة سنة 312، وأخوه محمد بن محمد، حدث عن شعيب بن أيوب الصريفينى، روى عنه أبو الحسين محمد بن المظفر الحافظ، وذكر أنه سمع منه بالموصل. (2) منسوب إلى جرجرايا بفتح الجيم وسكون الراء الاولى: بلد من أعمال النهروان الاسفل بين واسط وبغداد من الجانب الشرقي، كانت مدينة وخربت مع ما خرب من النهر وانات وقد خرج منها جماعة من العلماء والشعراء والكتاب والوزراء، منهم محمد بن الصباح بن سفيان الجرجرائى وابنه جعفر. (3) تقدم الايعاز إلى موضع الاية في الايات. (4) في المصدر: عشيرتي. (5) في تفسير فرات: فصمت عن ذلك، أقول: هو الصحيح إما من صام يصوم أي أمسكت، أو بتشديد التاء من صمت أي سكت. (6) في تفسير فرات: وأعدلنا.

[ 192 ]

فلما وضعته تناول رسول الله (صلى الله عليه وآله) جذمة من اللحم فنتفها (1) بأسنانه، ثم ألقاها في نواحى الصفحة، ثم قال: خذوا بسم الله، فأكل القوم حتى صدروا (2) مالهم بشئ من الطعام حاجة وما أرى إلا مواضع أيديهم وايم الله الذي نفس علي بيده أن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم، ثم جئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا جميعها (3)، وايم الله أن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لشد ما سحركم صاحبكم، فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال لي من الغد: يا علي إن هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول فتفرق القوم قبل أن اكلمهم، فعد (4) لنا من الطعام بمثل ما صنعت، ثم أجمعهم لي، قال: ففعلت ثم جمعتهم فدعاني بالطعام فقربته لهم، ففعل كما فعل بالامس وأكلوا حتى ما لهم به من حاجة، ثم قال: اسقهم فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا منه جميعا، ثم تكلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله عزوجل أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤمن بي ويؤازرني على أمري فيكون أخي ووصيي ووزيري وخليفتي في أهلي من بعدي ؟ قال: فأمسك القوم، وأحجموا عنها جميعا، قال: فقمت وإني لاحدثهم سنا وأرمصهم عينا، وأعظمهم بطنا، وأحمشهم ساقا، فقلت: أنا يا نبي الله أكون وزيرك على ما بعثك الله به، قال: فأخذ بيدي، ثم قال: إن هذا أخي ووصيي ووزيري وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا، قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لابي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع (5).


(1) في المصدرين: فشقها. (2) في تفسير فرات: كلوا بسم الله فأكل القوم حتى نهلوا. (3) في تفسير فرات: ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اسقهم يا على فجئت بذلك العس فشربوا منه حتى نهلوا جميعا. (4) في تفسير فرات: أعدلى وهو الصحيح. (5) مجالس الشيخ: 20 و 21. بحار الانوار - 12 -

[ 193 ]

فر: جعفر بن محمد بن أحمد الاودي بإسناده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) مثله (1). بيان: العس بالضم: القدح الكبير، والجذمة بالكسر: القطعة، قوله (عليه السلام): أرمصهم عينا، الرمص بالتحريك: وسخ يجتمع في مؤق (2) العين، ولما كان الغالب أن ذلك يكون في الاطفال كنى (عليه السلام) عن صغر السن بذلك، وكذا عظم البطن، ورجل احمش الساقين: دقيقهما. 28 - ما: بإسناده عن إبراهيم بن صالح، عن زيد بن الحسن، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): رقدت بالابطح على ساعدي، وعلي عن يميني وجعفر عن يساري، وحمزة عند رجلي، قال: فنزل جبرئيل وميكائيل وإسرافيل ففزعت لخفق أجنحتهم قال: فرفعت رأسي فإذا إسرافيل يقول لجبرئيل: إلى أي الاربعة بعثت وبعثنا معك ؟ قال: فركض (3) برجله فقال: إلى هذا وهو محمد سيد النبيين، ثم قال: من هذا الآخر قال: هذا أخوه ووصيه (4) وهو سيد الوصيين، ثم قال: فمن الآخر ؟ قال: جعفر بن أبي طالب له جناحان خضيبان يطير بهما في الجنة، ثم قال: فمن الآخر ؟ قال: عمه حمزة وهو سيد الشهداء يوم القيامة (5). 29 - قب: أرسله الله تعالى بعد أربعين سنة من عمره حين تكامل بها واشتد قواه ليكون متهيئا ومتأهبا لما انذربه، ولبعثته درجات: اولاها: الرؤيا الصادقة، والثانية: ما رواه الشعبي وداود بن عامر أن الله تعالى قرن جبرئيل بنبوة رسوله ثلاث سنين يسمع حسه ولا يرى شخصه، ويعلمه الشئ بعد الشئ، ولا ينزل عليه القرآن، فكان في هذه المدة مبشرا غير مبعوث إلى الامة، والثالثة: حديث خديجة وورقة بن نوفل، الرابعة: أمره بتحديث النعم فأذن له في ذكره دون إنذاره، قوله: " وأما بنعمة ربك فحدث (6) "


(1) تفسير فرات: 108 و 109 فيه: جعفر بن محمد بن أحمد بن يوسف الازدي، وفى متنه اختلافات ذكرت بعضها راجعه. (2) المؤق والموق: مجرى الدمع من العين. (3) فرفس خ ل. أقول: رفس أي ضرب. (4) في المصدر: ووصيه وابن عمه. (5) مجالس الشيخ: 89. (6) تقدم ذكر موضع الاية والايات التى بعد ذلك في الايات.

[ 194 ]

أي بما جاءك من النبوة، والخامسة: حين نزل عليه القرآن بالامر والنهي فصار به مبعوثا ولم يؤمر بالجهر ونزل: " يا أيها المدثر " فأسلم علي وخديجة ثم زيد ثم جعفر، و السادسة: امر بأن يعم بالانذار بعد خصوصه ويجهر بذلك، ونزل: " فأصدع بما تؤمر " قال ابن إسحاق: وذلك بعد ثلاث سنين من مبعثه، ونزل: " وأنذر عشيرتك الاقربين " فنادى يا صباحاه، والسابعة: العبادات لم يشرع منها مدة مقامه بمكة إلا الطهارة والصلاة وكانت فرضا عليه وسنة لامته، ثم فرضت الصلواة الخمس بعد إسرائه وذلك في السنة التاسعة من نبوته، فلما تحول إلى المدينة فرض صيام شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة في شعبان، وحولت القبلة، وفرض زكاة الفطر، وشرع (1) فيها صلاة العيد، وكان فرض الجمعة في أول الهجرة بدلا من صلاة الظهر، ثم فرضت زكاة الاموال، ثم الحج والعمرة والتحليل والتحريم والحظر والاباحة والاستحباب والكراهة، ثم فرض الجهاد ثم ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) ونزل: " أليوم أكملت لكم دينكم (2) ". 30 - قب: علي بن إبراهيم بن هاشم القمي في كتابه: إن النبي (صلى الله عليه وآله) لما أتى له سبع وثلاثون سنة كان يرى في نومه كأن آتيا أتاه فيقول: يا رسول الله، فينكر ذلك: فلما طال عليه الامر كان يوما بين الجبال يرعى غنما لابي طالب فنظر إلى شخص يقول: يا رسول الله، فقال له: من أنت ؟ قال: أنا جبرئيل أرسلني الله إليك ليتخذك رسولا، فأخبر النبي (صلى الله عليه وآله) خديجة بذلك، فقالت: يا محمد أرجوا أن يكون كذلك، فنزل عليه جبرئيل و أنزل عليه ماء من السماء وعلمه الوضوء والركوع والسجود، فلما تم له أربعون سنة علمه حدود الصلاة، ولم ينزل عليه أوقاتها، فكان يصلي ركعتين في كل وقت. أبو ميسرة وبريدة: إن النبي (صلى الله عليه وآله) كان إذا انطلق بارزا سمع صوتا: يا محمد، فيأتي خديجة ويقول: يا خديجة قد خشيت أن يكون خالط عقلي شئ، إني إذا خلوت أسمع صوتا وأرى نورا. محمد بن كعب وعائشة: أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصادقة، وكان


(1) في المصدر: وفرض. (2) مناقب آل أبى طالب 1: 40 و 41. والاية في المائدة: 3.

[ 195 ]

يرى الرؤيا فتأتيه مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلا فكان يخلو بغار حراء فسمع نداء يا محمد، فغشي عليه، فلما كان اليوم الثاني سمع مثله نداء فرجع إلى خديجة وقال: زملوني زملوني فو الله لقد خشيت على عقلي، فقالت: كلا والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدم (1)، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق فانطلقت خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل، فقال ورقة: هذا والله الناموس (2) الذي انزل على موسى وعيسى (عليهما السلام)، وإني أرى في المنام ثلاث ليال أن الله أرسل في مكة رسولا اسمه محمد وقد قرب وقته، ولست أرى في الناس رجلا أفضل منه، فخرج (صلى الله عليه وآله) إلى حراء فرأى كرسيا من ياقوتة حمراء، مرقاة من زبرجد، ومرقاة من لؤلؤ، فلما رأى ذلك غشي عليه، فقال ورقة: يا خديجة فإذا أتته الحالة فاكشفي عن رأسك، فإن خرج فهو ملك، وإن بقي فهو شيطان، فنزعت خمارها فخرج الجائي، فلما اختمرت عاد، فسأله ورقة عن عن صفة الجائي فلما حكاه قام وقبل رأسه وقال: ذاك الناموس الاكبر الذي نزل على موسى وعيسى (عليهما السلام)، ثم قال: أبشر فإنك أنت النبي الذي بشر به موسى وعيسى عليهما السلام وإنك نبي مرسل، ستؤمر بالجهاد، وتوجه نحوها وأنشأ يقول: فإن يك حقايا خديجة فاعلمي * حديثك إيانا فأحمد مرسل وجبريل يأتيه وميكال معهما * من الله وحي يشرح الصدر منزل يفوز به من فاز عزا لدينه * ويشقى به الغاوي الشقي المضلل فريقان منهم: فرقة في جنانه * واخرى بأغلال الجحيم تغلل ومن قصيدة له (3): يا للرجال لصرف الدهر والقدر * وما لشئ قضاه الله من غير


(1) الكل: الضعيف. اليتيم. قوله: تكسب المعدم أي تعطى الفقير من قولهم: كسب وكسب وأكسب فلانا مالا أو علما: أناله إياه. (2) الناموس: الوحى. جبرئيل (عليه السلام). (3) والقصيدة طويلة أخرجها الحاكم في المستدرك 2: 9. 6 وفيه: بخفى الغيب.

[ 196 ]

حتى خديجة تدعوني لاخبرها *. وما لنا بخفي العلم من خبر فخبرتني بأمر قد سمعت به * فيما مضى من قديم الناس والعصر بأن أحمد يأتيه فيخبره * جبريل أنك مبعوث إلى البشر ومن قصيدة له: فخبرنا عن كل خير بعلمه * وللحق أبواب لهن مفاتح وإن ابن عبد الله أحمد مرسل * إلى كل من ضمت عليه الاباطح وظني به أن سوف يبعث صادقا * كما ارسل العبدان نوح وصالح وموسى وإبراهيم حتى يرى له * بهاء ومنشور من الذكر واضح وروي أنه نزل جبرئيل على جياد (1) أصفر والنبي (صلى الله عليه وآله) بين علي (عليه السلام) وجعفر، فجلس جبرئيل عند رأسه، وميكائيل عند رجله، ولم ينبهاه إعظاما له، فقال ميكائيل: إلى أيهم بعثت ؟ قال: إلى الاوسط، فلما انتبه أدى إليه جبرئيل الرسالة عن الله تعالى، فلما نهض جبرئيل ليقوم أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بثوبه ثم قال: ما اسمك، قال: جبرئيل، ثم نهض النبي (صلى الله عليه وآله) ليلحق بقومه فما مر بشجرة ولا مدرة إلا سلمت عليه وهنأته، ثم كان جبرئيل يأتيه ولا يدنو منه إلا بعد أن يستأذن عليه، فأتاه يوما وهو بأعلى مكة فغمز بعقبه بناحية الوادي فانفجر عين فتوضأ جبرئيل، وتطهر الرسول، ثم صلى الظهر وهي أول صلاة فرضها الله عزوجل، وصلى أمير المؤمنين (عليه السلام) مع النبي (صلى الله عليه وآله)، ورجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) من يومه إلى خديجة فأخبرها، فتوضأت وصلت صلاة العصر من ذلك اليوم. وروي أن جبرئيل (عليه السلام) أخرج قطعة ديباج فيها خط فقال: اقرء، قلت: كيف أقرء ولست بقارئ ؟ إلى ثلاث مرات، فقال في المرة الرابعة، " اقرء باسم ربك " إلى قوله: " ما لم يعلم " ثم أنزل الله تعالى جبرئيل وميكائيل (عليهما السلام) ومع كل واحد منهما سبعون ألف ملك، وأتي بالكرسي ووضع تاجا على رأس محمد (صلى الله عليه وآله) وأعطى لواء الحمد بيده فقال: اصعد عليه واحمد الله، فلما نزل عن الكرسي توجه إلى خديجة فكان كل شئ يسجد له ويقول بلسان فصيح: السلام عليك يا نبي الله، فلما دخل الدار صارت الدار منورة، فقالت


(1) * أقول: كذا في النسخ كلها ولعله مصحف " جواد " والاصفر صفة له راجع ص 198.

[ 197 ]

خديجة: وما هذا النور ؟ قال: هذا نور النبوة، قولي: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فقالت طال ما قد عرفت ذلك، ثم أسلمت، فقال: يا خديجة إني لاجد بردا، فدثرت عليه فنام فنودي: " يا أيها المدثر " الآية، فقام وجعل إصبعه في اذنه وقال: الله أكبر، الله أكبر فكان كل موجود يسمعه يوافقه. وروي أنه لما نزل قوله: " وأنذر عشيرتك الاقربين (1) " صعد رسول الله ذات يوم الصفا فقال: يا صباحاه (2)، فاجتمعت إليه قريش فقالوا: مالك ؟ قال: أرأيتكم إن أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم ما كنتم تصدقونني ؟ قالوا: بلى، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبا لك ألهذا دعوتنا ؟ ! فنزلت سورة تبت (3). قتادة: إنه خطب ثم قال: " أيها الناس إن الرائد لا يكذب أهله، ولو كنت كاذبا لما كذبتكم، والله الذي لا إله إلا هو إني رسول الله إليكم حقا خاصة، وإلى الناس عامة والله لتموتون كما تنامون، ولتبعثون كما تستيقظون، ولتحاسبون كما تعملون، و لتجزون بالاحسان إحسانا، وبالسوء سوءا، وإنها الجنة أبدا، والنار أبدا وإنكم أول من انذرتم " ثم فتر الوحي فجزع لذلك النبي (صلى الله عليه وآله) جزعا شديدا، فقالت له خديجة: لقد قلاك (4) ربك، فنزل سورة الضحى (5)، فقال لجبرئيل: ما يمنعك أن تزورنا في كل


(1) تقدم الايعاز إلى موضع الاية وغيرها في صدر الباب. (2) قال الجزرى في النهاية 2: 271: فيه لما نزلت " وأنذر عشيرتك الاقربين " صعد على الصفا وقال: يا صبا حاه، هذه كلمة يقولها المستغيث، وأصلها إذا صاحوا للغارة، لانهم اكثر ما كانوا يغيرون عند الصباح، ويسمون يوم الغارة يوم الصباح، فكأن القائل: يا صباحاه يقول: قد غشينا العدو، وقيل: ان المتقاتلين كانوا إذا جاء الليل يرجعون عن القتال، فإذا عاد النهار عاودوه، فكأنه يريد بقوله: يا صباحاه قد جاء وقت الصباح فتأهبوا للقتال. (3) سورة: 111. (4) لم نظفر في غير ذلك الطريق أن يسند ذلك إلى خديجة عليها سلام الله. والمذكور في مجمع البيان وغيره في نزول الاية إسناد ذلك القول إلى المشركين، وفى بعض الروايات إلى أم جميل امرأة أبى لهب، والمعلوم من حال خديجة أنها كانت من المصدقين له (صلى الله عليه وآله) من أول يوم، وكانت تراعى نهاية الادب في تكليمها معه وعشرتها أياه (صلى الله عليه وآله)، فالنسبة غير خالية عن البعد والغرابة فتأمل. (5) سورة: 93.

[ 198 ]

يوم ؟ فنزل " وما نتنزل إلا بأمر ربك - إلى قوله: - نسيا (1) ". بيان: قال الجزري: فيه ذكر جياد (2) وهو موضع بأسفل مكة معروف من شعابها، وقال الجوهري: الرائد: الذي يرسل في طلب الكلاء، يقال: لا يكذب الرائد أهله. 31 - قب: الفائق: إنه لما اعترض أبو لهب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند إظهار الدعوة قال له أبو طالب: يا أعور ما أنت وهذا: قال الاخفش: الاعور الذي خيب، وقيل: يا ردي، ومنه الكلمة العوراء، وقال ابن الاعرابي: الذي ليس له أخ من أبيه وأمه. ابن عباس: إن الوليد بن المغيرة أتى قريشا فقال: إن الناس يجتمعون غدا بالموسم وقد فشا أمر هذا الرجل في الناس وهم يسألونكم عنه فما تقولون ؟ فقال أبو جهل أقول: إنه مجنون، وقال أبو لهب: أقول: إنه شاعر، وقال عقبة بن أبي معيط: أقول: إنه كاهن، فقال الوليد: بل أقول: هو ساحر، يفرق بين الرجل والمرأة وبين الرجل و أخيه وأبيه، فأنزل الله تعالى: " ن * والقلم (3) " الآية، وقوله: " وما هو بقول شاعر " الآية. وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يقرأ القرآن فقال أبو سفيان والوليد وعتبة وشيبة للنضربن الحارث: ما يقول محمد ؟ فقال: أساطير الاولين، مثل ما كنت احدثكم عن القرون الماضية فنزل: " ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة (4) " الآية. الكلبي: قال النضر بن الحارث وعبد الله بن امية: يا محمد لن نؤمن بك حتى تأتينا بكتاب من عند الله، ومعه أربعة أملاك يشهدون عليه أنه من عند الله، وأنك رسوله فنزل: " ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس (5) " وقال قريش مكة أو يهود المدينة: إن هذه الارض ليست بأرض الانبياء، وإنما أرض الانبياء الشام، فأت الشام، فنزل: " وإن


(1) مناقب آل أبى طالب 1: 40 - 44 والاية في سورة مريم: 64. (2) أقول: في المصدر: فيه ذكر أجياد، اه‍ وهو الصحيح. (3) سورة: 68. (4) الانعام: 25. (5) الانعام: 7.

[ 199 ]

كادوا ليستفزونك من الارض (1) " وقال أهل مكة: تركت ملة قومك وقد علمنا أنه لا يحملك على ذلك إلا الفقر، فإنا نجمع لك من أموالنا حتى تكون من أغنانا، فنزل: " قل أغير الله أتخذ وليا (2) " وكان المشركون إذا قيل لهم: ماذا أنزل ربكم على محمد، قالوا أساطير الاولين، فنزل: " وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم (3): الآية. ابن عباس. قالت قريش: إن القرآن ليس من عند الله وإنما يعلمه بلعام، وكان قينا بمكة روميا نصرانيا، وقال الضحاك: أرادوا به سلمان، وقال مجاهد: عبدا لبني الحضرمي يقال له: يعيش، فنزل: " ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر (4) " الآية. وقوله: " وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه " محمد واختلقه من تلقاء نفسه " وأعانه عليه قوم آخرون " يعنون عداسا مولى خويطب ويسارا غلام العلابن الحضرمي وحبرا مولى عامر، وكانوا من أهل الكتاب فكذبهم الله تعالى فقال: فقد جاؤوا ظلما (5) " الآيات (6). 32 - قب: ابن عباس ومجاهد في قوله: " وقال الذين كفروا لولا انزل (7) عليه القرآن جملة واحدة " كما انزلت التوراة والانجيل، فقال الله تعالى: " كذلك " متفرقا " لنثبت به فؤادك (8) " وذلك أنه كان يوحى في كل حادثة، ولانها نزلت على أنبياء يكتبون ويقرؤون والقرآن نزل على نبي امي، ولان فيه ناسخا ومنسوخا، وفيه ما هو جواب لمن سأله امور، وفيه ما هو إنكار لما كان، وفيه ما هو حكاية شئ جرى،


(1) الاسراء: 67. (2) الانعام: 14. (3) النحل: 24. (4) النحل: 103. (5) الفرقان: 4. (6) مناقب آل أبى طالب 1: 45 و 46. (7) هكذا في الكتاب ومصدره، والصحيح كما في المصدر: نزل. (8) الفرقان: 32. (*)

[ 200 ]

ولم يزل (صلى الله عليه وآله) يريهم الآيات ويخبرهم بالمغيبات فنزل: ولا تعجل بالقرآن (1) " الآية، ومعناه لا تعجل بقراءته عليهم حتى انزل عليك التفسير في أوقاته كما انزل عليك التلاوة. باع خباب بن الارت سيوفا من العاص بن وائل فجاءه يتقاضاه، فقال: أليس يزعم محمد أن في الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب وفضة وثياب وخدم ؟ قال: بلى، قال: فأنظرني أقضك هناك حقك، فو الله لا تكون هنالك وأصحابك عند الله آثر مني، فنزل: " أفرأيت الذي كفر بآياتنا " إلى قوله: " فردا " (2). وتكلم النضر بن الحارث مع النبي (صلى الله عليه وآله) فكلمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى أفحمه (3) ثم قال: " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم (4) " الآية: فلما خرج النبي (صلى الله عليه وآله) قال ابن الزبعرى: أما والله لو وجدته في مجلس لخصمته، فسلوا محمدا أكل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرا، و النصارى تعبد عيسى، فاخبر النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال: ياويل امه، أما علم أن " ما " لمالا يعقل و " من " لمن يعقل ؟ فنزل: " إن الذين سبقت لهم (5) " الآية. وقالت اليهود: ألست لم تزل نبيا ؟ قال: بلى قالت: فلم لم تنطق في المهد كما نطق عيسى (عليه السلام) ؟ فقال: إن الله عزوجل خلق عيسى من غير فحل، فلولا أنه نطق في المهد لما كان لمريم عذر إذ اخذت بما يؤخذ به مثلها، وأنا ولدت بين أبوين. واجتمعت قريش إليه فقالوا: إلى ما تدعونا يا محمد ؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله وخلع الانداد كلها، قالوا: ندع ثلاث مائة وستين إلها ونعبد إلها واحدا ؟ فنزل: " وعجبوا أن جاءهم منذر منهم " إلى قوله: " عذاب (6) ".


(1) طه: 115. (2) مريم: 77 - 80. (3) أفحمه: أسكته بالحجة. (4) الانبياء: 98. (5) الانبياء: 101. (6) ص: 4 - 8.

[ 201 ]

نزل أبو سفيان وعكرمة وأبو الاعور السلمي على عبد الله بن أبي وعبد الله بن أبي سرح فقالوا: يا محمد ارفض ذكر آلهتنا وقل: إن لها شفاعة لمن عبدها، وندعك وربك فشق ذلك على النبي (صلى الله عليه وآله)، فأمر فأخرجوا من المدينة، ونزل: " ولا تطع الكافرين " من أهل مكة " والمنافقين (1) " من أهل المدينة. ابن عباس عيروا النبي بكثرة التزوج وقالوا: لو كان نبيا لشغلته النبوة عن تزوج النساء، فنزل " ولقد أرسلنا رسلا من قبلك (2) ". ابن عباس: والاصم: كان النبي (صلى الله عليه وآله) يصلي عند المقام فمر به أبو جهل فقال: يا محمد ألم أنهك عن هذا وتوعده، فأغلظ له رسول الله وانتهره، فقال: يا محمد بأي شئ تهددني أما والله إني لاكبر هذا الوادي ناديا، فنزلت: " أرأيت الذي ينهى " ألى قوله: " فليدع ناديه * سندع الزبانية (3) " فقال ابن عباس: لو نادى لاخذته الزبانية بالعذاب مكانه. القرظي: قالت قريش: يا محمد شتمت الآلهة، وسفهت الاحلام، وفرقت الجماعة، فإن طلبت مالا أعطيناك، أو الشرف سودناك، أو كان بك علة داويناك، فقال (صلى الله عليه وآله): ليس شئ من ذلك، بل بعثني الله إليكم رسولا، وأنزل كتابا، فإن قبلتم ما جئت به فهو حظكم في الدنيا والآخرة: وإن تردوه أصبر حتى يحكم الله بيننا، قالوا: فسل ربك أن يبعث ملكا يصدقك، ويجعل لنا كنوزا وجنانا وقصورا من ذهب، أو يسقط علينا السماء كما زعمت كسفا، أو تاتي بالله والملائكة قبيلا، فقال عبد الله بن امية المخزومي والله لا اؤمن بك حتى تتخذ سلما إلى السماء، ثم ترقى وأنا أنظر، فقال أبو جهل: إنه أبى إلا سب الآلهة، وشتم الآباء، وإني اعاهد الله لاحملن حجرا، فإذا سجد ضربت به رأسه، فانصرف النبي (صلى الله عليه وآله) حزينا، فنزل " وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا (4) " الآيات.


(1) الاحزاب: 1 و 48. (2) الرعد: 38. (3) العلق: 9 - 18. (4) الاسراء: 90 - 93

[ 202 ]

الكلبي، قالت قريش: يا محمد تخبرنا عن موسى وعيسى وعاد وثمود فأت بآية حتى نصدقك، فقال (صلى الله عليه وآله): أي شئ تحبون أن آتيكم به ؟ قالوا: اجعل لنا الصفا ذهبا، وابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم عنك، وأرنا الملائكة يشهدون لك، أوائتا بالله والملائكة قبيلا، فقال (صلى الله عليه وآله): فإن فعلت بعض ما تقولون أتصدقوني ؟ قالوا: والله لئن فعلت (1) لنتبعنك أجمعين، فقام (صلى الله عليه وآله) يدعو أن يجعل الصفا ذهبا، فجاءه جبرئيل (عليه السلام) فقال: إن شئت أصبح الصفا ذهبا، ولكن إن لم يصدقوا عذبتهم، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم، فقال (صلى الله عليه وآله): بل يتوب تائبهم، فنزل: " وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير (2) ". وروي أن قريشا كانوا يلعنون اليهود والنصارى بتكذيبهم الانبياء، ولو أتاهم نبي لنصروه، فلما بعث الله النبي (صلى الله عليه وآله) كذبوه، فنزلت هذه الآية، وكانوا يشيرون إليه بالاصابع بما حكى الله عنهم: وإذا رأوك " إن يتخذونك إلا هزوا (3) " يقول بعضهم لبعض: " أهذا الذي يذكر آلهتكم " وذلك قوله: إنها جماد لا تنفع ولا تضر " وهم بذكر الرحمان هم كافرون " ومشش ابي بن خلف بعظم رميم ففته في يده ثم نفخه فقال: أتزعم أن ربك يحيي هذا بعد ما ترى ؟ فنزل " وضرب لنا مثلا (4) " السورة. وذكروا أنه كان إذا قدم على النبي (صلى الله عليه وآله) وفد ليعلموا علمه انطلقوا بأبي لهب إليهم وقالوا له: أخبر عن ابن أخيك، فكان يطعن في النبي (صلى الله عليه وآله)، وقال الباطل، وقال: إنا لم نزل نعالجه من الجنون، فيرجع القوم ولا يلقونه. طارق المحاربي: رأيت النبي (صلى الله عليه وآله) في سويقة ذي المجاز عليه حلة حمراء وهو يقول: " يا أيها الناس قولوا لاإله إلا الله تفلحوا " وأبو لهب يتبعه ويرميه بالحجارة وقد أدمى كعبه وعرقوبيه (5)، وهو يقول: يا أيها الناس لا تطيعوه فإنه كذاب (6).


(1) في المصدر: والله لو فعلت. (2) فاطر: 42. (3) هكذا في نسخة المصنف وغيره: وفى المصدر " وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا " وهو الصحيح، راجع المصحف الشريف: الانبياء: 36. (4) يس: 78. (5) عرقوب: عصب غليظ فوق العقب. (6) مناقب آل أبى طالب 1: 49 - 51.

[ 203 ]

بيان: المش: مسح اليد بالشئ والخلط. 33 - قب: روى أبو أيوب الانصاري أن النبي (صلى الله عليه وآله) وقف بسوق ذي المجاز فدعاهم إلى الله، والعباس قائم يسمع الكلام، فقال: أشهد أنك كذاب، ومضى إلى أبي لهب وذكر ذلك فأقبلا يناديان إن ابن أخينا هذا كذاب، فلا يغرنكم عن دينكم، قال واستقبل النبي (صلى الله عليه وآله) أبو طالب فاكتنفه، وأقبل على أبي لهب والعباس فقال لهما: ما تريدان تربت أيديكما، والله إنه لصادق القيل، ثم أنشأ أبو طالب: أنت الامين أمين الله لا كذب * والصادق القول لا لهو ولا لعب أنت الرسول رسول الله نعلمه * عليك تنزل من ذي العزة الكتب مقاتل: إنه رفع أبو جهل يوما بينه وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا محمد أنت من ذلك الجانب، ونحن من هذا الجانب، فاعمل أنت على دينك ومذهبك وإننا عاملون على ديننا ومذهبنا، فنزل " وقالوا قلوبنا في أكنة (1) ". ابن عباس: كان جماعة إذا صح جسم أحدهم ونتجت فرسه وولدت امرأته غلاما و كثرت ما شيته رضي بالاسلام، وإن أصابه وجع أو سوء قال: ما أصبت في هذا الدين إلا سوءا، فنزل: " ومن الناس من يعبد الله على حرف (2) ". ونهى أبو جهل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الصلاة وقال: إن رأيت محمدا يصلي لاطأن عنقه فنزل: " فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا (3) ". ابن عباس في قوله: " وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا (4) " قال وفد ثقيف: نبايعك على ثلاث لا ننحني (5)، ولا نكسر إلها بأيدينا، وتمتعنا باللات سنة، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): لا خير في دين ليس فيه ركوع وسجود، فأما كسر أصنامكم


(1) فصلت: 5. (2) الحج: 11. (3) الانسان: 24. (4) الاسراء: 73 (5) أي لا نركع ولا نسجد أي لا نصلى.

[ 204 ]

بأيديكم فذاك لكم، وأما الطاغية اللات فإني غير ممتعكم بها، قالوا: أجلنا سنة حتى نقبض ما يهدى لآلهتنا، فإذا قبضناها كسرناها وأسلمنا، فهم بتأجيلهم فنزلت هذه الآية. قال قتادة: فلما سمع قوله: " ثم لا تجد لك علينا نصيرا (1) " قال: اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا. وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يطوف فشتمه عقبة بن أبي معيط، وألقى عمامته في عنقه، وجره من المسجد، فأخذوه من يده، وكان (صلى الله عليه وآله) يوما جالسا على الصفا فشتمه أبو جهل، ثم شج رأسه حمزة بن عبد المطلب (2). [ شعر ] لقد عجبت لاقوام ذوي سفه * من القبيلين: من سهم ومخزوم القائلين لما جاء النبي به * هذا حديث أتانا غير ملزوم فقد أتاهم بحق غير ذي عوج * ومنزل من كتاب الله معلوم من العزيز الذي لا شئ يعدله * فيه مصاديق من حق وتعظيم فإن تكونوا له ضدا يكن لكم * ضدا بغلباء مثل الليل علكوم فآمنوا بنبي - لا أبالكم - * ذي خاتم صاغه الرحمان مختوم (3) بيان: قال الجزري: في الحديث عليك بذات الدين تربت يداك، ترب الرجل: إذا افتقر، أي لصق بالتراب، وأترب: إذا استغنى، وهذه الكلمة جارية على ألسنة العرب لا يريدون بها الدعاء على المخاطب ولا وقوع الامر به، وقال: الغلباء: الغليظة العنق، وهم يصفون السادة بغلظ الرقبة وطولها، وقال: العلكوم: القوية الصلبة. أقول: يحتمل أن يكون الموصوف بهما الناقة أو الفرقة والجماعة. 34 - قب: ابن عباس وأنس: أوحى الله إليه يوم الاثنين: السابع والعشرين من رجب وله أربعون سنة (4). ابن مسعود: إحدى وأربعون سنة.


(1) الاسراء: 75. (2) في المصدر: قال حمزة بن عبد المطلب. (3) مناقب آل أبى طالب 1: 51 و 52. (4) عليه اتفاق الامامية كما تقدم، وأما سائر الاقوال فشاذة.

[ 205 ]

ابن المسيب وابن عباس، ثلاث وأربعون سنة، وكان لاحدى عشرة خلون من ربيع الاول، وقيل: لعشر خلون من ربيع الاول، وقيل: بعث في شهر رمضان لقوله: " شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن (1) " أي ابتداء إنزاله للسابع عشر أو الثامن عشر عن ابن عباس: والرابع والعشرين. عن أبي الخلد (2): قام يدعو الناس وأقام (3) أبو طالب بنصرته، فأسلم خديجة وعلي وزيد، واسري به بعد النبوة بسنتين، وقالوا: بسنة وستة أشهر بعد رجوعه من الطائف. الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: اكتتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمكة مستخفيا خائفا خمس سنين ليس يظهر، وعلي (عليه السلام) معه وخديجة، ثم أمره الله أن يصدع بما يؤمر فظهر وأظهر أمره (4). 35 - شى: عن زرارة وحمران، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قوله: " خير الماكرين (5) " قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد كان لقي من قومه بلاء شديدا حتى أتوه ذات يوم وهو ساجد حتى طرحوا عليه رحم شاة، فأتته ابنته وهو ساجد لم يرفع رأسه فرفعته عنه ومسحته، ثم أراه الله بعد ذلك الذي يحب، إنه كان ببدر وليس معه غير فارس واحد ! ثم كان معه يوم الفتح اثنا عشر ألفا، حتى جعل أبو سفيان والمشركون يستغيثون ثم لقي أمير المؤمنين (عليه السلام) من الشدة والبلاء والتظاهر عليه، ولم يكن معه أحد من قومه بمنزلته، أما حمزة - رضي الله عنه - فقتل يوم احد، وأما جعفر - رضي الله عنه - فقتل يوم مؤتة (6). 36 - م: قال علي بن محمد (عليه السلام) إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما ترك التجارة إلى الشام، وتصدق بكل ما رزقه الله تعالى من تلك التجارات كان يغد وكل يوم إلى حراء يصعده


(1) البقرة: 185. (2) في المصدر: أبى الجليد. ولم أتحققهما. (3) في المصدر: وقام. (4) مناقب آل أبى طالب 1: 150. (5) آل عمران: 54: أو الانفال: 30. (6) تفسير العياشي: مخطوط وأخرجه البحراني في تفسيره البرهان 78 2.

[ 206 ]

وينظر من قلله الى آثار رحمة الله، وإلى أنواع عجائب رحمته وبدائع حكمته، وينظر إلى أكناف السماء (1) وأقطار الارض والبحار والمفاوز والفيافي، فيعتبر بتلك الآثار، ويتذكر بتلك الآيات، ويعبد الله حق عبادته، فلما استكمل أربعين سنة ونظر الله عزوجل إلى قلبه فوجده أفضل القلوب وأجلها وأطوعها وأخشعها وأخضعها أذن لابواب السماء ففتحت ومحمد ينظر إليها، وأذن للملائكة فنزلوا ومحمد ينظر إليهم، وأمر بالرحمة فانزلت عليه من لدن ساق العرش إلى رأس محمد وغرته، ونظر إلى جبرئيل الروح الامين المطوق بالنور طاووس الملائكة هبط إليه وأخذ بضبعه (2) وهزه وقال: يا محمد اقرء، قال: وما أقرء ؟ قال يا محمد " اقرء باسم ربك الذي خلق * خلق الانسان من علق * اقرء وربك الاكرم * الذي علم بالقلم * علم الانسان ما لم يعلم (3) " ثم أوحى إليه ما أوحى إليه ربه عزوجل ثم صعد إلى العلو ونزل محمد (صلى الله عليه وآله) من الجبل (4) وقد غشيه من تعظيم جلال الله وورد عليه من كبير (5) شأنه ما ركبه الحمى والنافض (6) يقول وقد اشتد عليه ما يخافه من تكذيب قريش في خبره ونسبتهم إياه إلى الجنون، وإنه يعتريه شياطين (7)، وكان من أول أمره أعقل خلق الله (8)، وأكرم براياه، وأبغض الاشياء إليه الشيطان وأفعال المجانين وأقوالهم، فأراد الله عزوجل أن يشرح صدره، ويشجع قلبه، فأنطق الله الجبال والصخور والمدر، وكلما وصل إلى شئ منها ناداه: السلام عليك يا محمد، السلام عليك يا ولي الله، السلام عليك يا رسول الله (9) أبشر، فإن الله عزوجل قد فضلك وجملك و


(1) وأقطارها خ (2) الضبع. وسط العضد. وفى المصدر: بضبعيه. وهزه: حركه. (3) سورة العلق: 1 - 5. (4) عن الجبل خ ل. (5) من كبر شأنه خ ل وفى المصدر: من كبرياء شأنه. (6) النافض: حمى الرعدة. (7) شيطان خ ل. وفى المصدر: الشيطان. (8) خليقة الله. خ ل. (9) زاد في المصدر: بعد قوله: رسول الله: السلام عليك يا حبيب الله ابشر ولم يذكر قوله: السلام عليك يا محمد.

[ 207 ]

زينك وأكرمك فوق الخلائق أجمعين من الاولين والآخرين، لا يحزنك أن تقول قريش إنك مجنون، وعن الدين مفتون، فإن الفاضل من فضله رب العالمين،، والكريم من كرمه خالق الخلق أجمعين، فلا يضيقن صدرك من تكذيب قريش وعتاة العرب لك، فسوف يبلغك ربك أقصى منتهى الكرامات، ويرفعك إلى أرفع الدرجات، وسوف ينعم ويفرح أولياءك بوصيك علي بن أبي طالب، وسوف يبث علومك في العباد والبلاد بمفتاحك وباب مدينة حكمتك (1): علي بن أبي طالب، وسوف يقر عينك ببنتك فاطمة، وسوف يخرج منها ومن علي الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، وسوف ينشر في البلاد دينك وسوف يعظم اجور المحبين لك ولاخيك، وسوف يضع في يدك لواء الحمد فتضعه في يد أخيك علي، فيكون تحته كل نبي وصديق وشهيد، يكون قائدهم أجمعين إلى جنات النعيم، فقلت في سري: يا رب من علي بن أبي طالب الذي وعدتني به ؟ - وذلك بعد ما ولد علي (عليه السلام) وهو طفل -، أهو ولد عمي. وقال بعد ذلك لما تحرك علي وليدا (2) وهو معه: أهو هذا ففي كل مرة من ذلك أنزل عليه ميزان الجلال، فجعل محمد في كفة منه، و مثل له علي (عليه السلام) وسائر الخلق من امته إلى يوم القيامة في كفة فوزن بهم فرجح، ثم اخرج محمد من الكفة وترك علي في كفة محمد التي كان فيها فوزن بسائر امته فرجح بهم وعرفه (3) رسول الله بعينه وصفته ونودي في سره: يا محمد هذا علي بن أبي طالب صفيي الذي أؤيد به هذا الدين، يرجح على جميع امتك بعدك، فذلك حين شرح الله صدري بأداء الرسالة، وخفف عني (4) مكافحة الامة، وسهل علي مبارزة العتاة الجبابرة (5) من قريش (6). 37 - عم: أبو بكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة: قال أخبرنا الحافظ أبو عبد الله


(1) في المصدر: مدينة علمك. (2) قليلا خ ل. وهو الموجود في المصدر. (3) نعرفه خ ل. (4) على خ ل. (5) والجبابرة خ ل. (6) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري (عليه السلام): 60 و 61.

[ 208 ]

عن محمد بن يعقوب، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكر، عن أبي إسحاق، عن يحيى بن أبي الاشعث، عن إسماعيل بن أياس بن عفيف، عن أبيه، عن جده عفيف أنه قال: كنت امرءا تاجرا فقدمت منى أيام الحج، وكان العباس بن عبد المطلب امرءا تاجرا فأتيته أبتاع منه وأبيعه، قال فبينا نحن، إذا خرج (1) رجل من خبأ يصلي فقام تجاه الكعبة، ثم خرجت امرأة فقامت تصلي، وخرج غلام يصلي معه، فقلت: يا عباس ما هذا الدين ؟ إن هذا الدين ما ندري ما هو ؟ فقال: هذا محمد بن عبد الله يزعم أن الله أرسله وأن كنوز كسرى وقيصر يستفتح (2) عليه وهذه امرأته خديجة بنت خويلد آمنت به، وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبي طالب آمن به، قال عفيف: فليتني كنت آمنت به يومئذ فكنت أكون ثانيا تابعه. إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق وقال في الحديث: إذ خرج من خبأ فوثب نظر إلى السماء فلما رآها قد مالت قام يصلي، ثم ذكر قيام خديجة خلفه. وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل بإسناد ذكره عن مجاهدين حبر (3) قال: كان مما أنعم الله على علي بن أبي طالب وأراد به الخير أن قريشا أصابتهم أزمة (4) شديدة، وكان أبو طالب ذاعيال كثيرة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) للعباس عمه وكان من أيسر بني هاشم: يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الازمة، فانطلق (5)


(1) في المصدر: إذ خرج. (2) في المصدر: ستفتح عليه. (3) هكذا في الكتاب وفيه وهم، والصحيح مجاهد بن جبر وهو بفتح الجيم وسكون الباء، و الرجل مجاهد بن جبر أبو الحجاج المخزومى مولاهم الكوفى، امام في التفسير وفى العلم وثقه ابن حجر في التقريب: 482 وقال: مات سنة 101 (أو) 102 (أو) 103 (أو) 104 وله 83 سنة. أقول: والحديث أيضا ذكره الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في المستدرك 3: 576 باسناده عن أبى محمد الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن ابن أخى طاهر العقيقى، عن جده يحيى بن الحسن، عن عبيد الله بن عبيد الله الطلحى، عن أبيه، عن يحيى بن محمد بن عباد بن هانئ السجزى، عن محمد بن اسحاق، عن ابن ابى نجيح، عن مجاهد بن جبر أبى الحجاج. (4) الازمة: الشدة والضيقة. القحط. (5) في المستدرك: فانطلق بنا إليه. بحار الانوار - 13 -

[ 209 ]

حتى نخفف عنه من عياله (1). وأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا فضمه إليه، فلم يزل علي مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى بعثه الله نبيا، فاتبعه علي وآمن به وصدقه (2). 38 - عم: جدت قريش في أذى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان أشد الناس عليه عمه أبو لهب وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم جالسا في الحجر فبعثوا إلى سلى الشاة فألقوه على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فاغتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ذلك، فجاء إلى أبي طالب فقال: يا عم كيف حسبي فيكم ؟ قال: وما ذاك يا ابن أخ ؟ قال: إن قريشا ألقوا علي السلى، فقال لحمزة خذ السيف، وكانت قريش جالسة في المسجد، فجاء أبو طالب ومعه السيف وحمزة ومعه السيف فقال: أمر السلى على سبالهم، فمن أبى فاضرب عنقه. فما تحرك أحد حتى أمر السلى على سبالهم، ثم التفت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا ابن أخ هذا حسبك فينا. وفي كتاب دلائل النبوة عن أبي داود، عن شعبة، عن أبي إسحاق سمعت عمرو بن ميمون يحدث عن عبد الله قال: بينما رسول الله (صلى الله عليه وآله) ساجدا وحوله ناس من قريش وثم سلى بعير فقالوا: من يأخذ سلى هذا الجزور أو البعير فيفرقه (3) على ظهره، فجاء عقبة بن أبي معيط فقذفه على ظهر النبي (صلى الله عليه وآله)، وجاءت فاطمة (عليها السلام) فأخذته من ظهره، ودعت على من صنع ذلك، قال عبد الله: فما رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعا عليهم إلا يومئذ، فقال: " اللهم عليك الملا من قريش، اللهم عليك أبا جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة وعقبة بن أبي معيط، وامية بن خلف - أو ابي بن خلف - شك شعبة.


(1) في المصدر بعد ذلك: فانطلقا إليه وقالا له، فقال: اتركوا لى عقيلا وخذوا من شئتم، فأخذ اه‍. أقول: فيه اختصار، وتفصيله على ما في المستدرك هكذا: نخفف عنه من عياله، آخذ من بنيه رجلا، وتأخذ أنت ؟ رجلا فنكفلهما عنه، فقال العباس: نعم، فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا: انا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى تنكشف عن الناس ماهم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لى عقيلا فاصنعا ما شئتما، فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا فضمه إليه، وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه اه‍ وزاد في آخر الحديث: وأخذ العباس جعفرا ولم يزل جعفر مع العباس حتى اسلم واستغنى عنه. (2) اعلام الورى: 25 ط 1 و 49 ط 2. (3) في المصدر: فيقذفه.

[ 210 ]

قال عبد الله: ولقد رأيتهم قتلوا يوم بدر والقوا في القليب - أو قال: في بئر - غير أن امية بن خلف - أو ابي بن خلف - كان رجلا بادنا فقطع قبل أن يبلغ البئر، أخرجه البخاري في الصحيح. قال: وأخبرنا الحافظ، أخبرنا أبو بكر الفقيه، أخبرنا بشر بن موسى حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا بنان بن بشر. (1)، وابن أبي خالد قالا: سمعنا قيسا يقول سمعنا خبابا يقول: أتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو متوسد برده في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة شديدة، فقلت: يا رسول الله ألا تدعو الله لنا ؟ فقعد وهو محمر وجهه فقال: إن كان من كان قبلكم ليمشط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الامر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله عزوجل والذئب على غنمه. رواه البخاري في الصحيح عن الحميدي، وأخرجاه (2) من وجه آخر عن إسماعيل (3). قال: وحدثنا الحافظ بإسناده عن هشام، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مر بعمار وأهله وهم يعذبون في الله، فقال: أبشروا آل عمار فإن موعدكم الجنة. وأخبرنا ابن بشران العدل بإسناده عن مجاهد قال: أول شهيد كان استشهد في الاسلام ام عمار: سمية، طعنها أبو جهل بطعنة في قبلها (4). وروى علي بن إبراهيم بن هاشم بإسناده قال: كان أبو جهل تعرض لرسول الله (صلى الله عليه وآله)


(1) هكذا في الكتاب وفى المصدر الطبعة الاولى، وفى الثانية: بيان بن بشر، وهو الصحيح. راجع التقريب: 69. (2) في المصدر: وأخرجه. (3) وأخرج نحوه الحاكم النيسابوري في المستدرك 3: 382 باسناد له عن قيس بن أبى حازم، عن خباب. (4) هكذا في الكتاب وفى أسد الغابة، وفى المصدر: في قلبها.

[ 211 ]

وآذاه بالكلام، واجتمعت بنو هاشم فأقبل حمزة وكان في الصيد، فنظر إلى اجتماع الناس فقال: ما هذا ؟ فقالت له امرأة من بعض السطوح: يا بايعلى إن عمرو بن هشام تعرض لمحمد وآذاه، فغضب حمزة ومر نحو أبي جهل وأخذ قوسه فضرب بها رأسه، ثم احتمله فجلد به الارض، واجتمع الناس وكاد يقع فيهم شر، فقالوا له: يا بايعلى صبوت إلى دين ابن أخيك قال: نعم، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله - على جهة الغضب والحمية - فلما رجع إلى منزله ندم فغدا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا ابن أخ أحقا ما (1) تقول ؟ فقرأ عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) سورة من القرآن فاستبصر حمزة، وثبت على دين الاسلام، وفرح رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسر أبو طالب بإسلامه، وقال في ذلك: [ ف‍ ] صبرا أبا يعلى على دين أحمد * وكن مظهرا للدين وفقت صابرا وحط من أتى بالدين من عند ربه * بصدق وحق لا تكن حمز كافرا (2) فقد سر ني إذ قلت إنك مؤمن * فكن لرسول الله في الله ناصرا وناد قريشا بالذي قد أتيته * جهارا وقل ما كان أحمد ساحرا (3) ص: كان أبو جهل تعرض لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وذكر مثله (4). 39 - فر: الحسين بن سعيد معنعنا، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما نزلت علي " وأنذر عشيرتك الاقربين " ورهطك منهم المخلصين، فقال أبو جعفر (عليه السلام) هذه قراءة عبد الله (5). 40 - فر: عبيد بن كثير معنعنا، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) في قوله تعالى: " وأنذر عشيرتك الاقربين " قال: دعاهم - يعني النبي (صلى الله عليه وآله) - فجمعهم على فخذة شاة وقدح من لبن،


(1) في المصدر: أحق ما تقول ؟ (2) في المصدر: وخط بالخاء المعجمة وفى هامشه: أي امش موضع قدمه، أقول: لعله أخذه المحشى من خاط يخيط، يقال: خاط إليه أي مر عليه مرة واحدة أو سريعة. والا فالامر من خطا يخطو يكون اخط لا خط اللهم الا ان يكون الهمزة قد سقطت للضرورة. (3) إعلام الورى: 31 و 32 ط 1 و 58 ط 2. (4) قصص الانبياء: مخطوط. (5) تفسير فرات: 109.

[ 212 ]

أو قال: قعب من لبن، وإن فيهم يومئذ ثلاثين رجلا يأكل كل رجل جذعة، قال: فأكلنا حتى شبعنا، وشربنا حتى روينا (1). 41 - فر: الحسن بن علي بن عفان معنعنا عن أبي رافع - رضي الله عنه - أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) جمع ولد عبد المطلب في الشعب وهم يومئذ - ولده لصلبه وأولادهم - أربعون رجلا (2)، فصنع لهم رجل شاة، وثرد لهم ثريدة فصب عليه (3) ذلك المرق واللحم، ثم قدموها إليهم فأكلوا منه حتى شبعوا (4)، ثم سقاهم عسا واحدا (5)، فشربوا كلهم من ذلك العس حتى رووا، ثم قال أبو لهب: والله وإن منا نفر يأكل أحدهم الجفرة وما يصلحها فما يكاد يشبعه، ويشرب الفرق من النبيذ فما يرويه، وإن ابن أبي كبشة دعانا على رجل شاة وعس من شراب فشبعنا وروينا، إن هذا لهو السحر المبين، قال: ثم دعاهم فقال لهم: إن الله أمرني أن انذر عشيرتي الاقربين، ورهطي المخلصين، وإنكم عشيرتي الاقربون (6)، ورهطي المخلصون (7)، وإن الله لم يبعث نبيا إلا جعل له أخا من أهله ووارثا ووصيا ووزيرا، فأيكم يقوم فيبا يعني على أنه أخي ووزيري ووارثي دون أهلي، ووصيي وخليفتي في أهلي، ويكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي فأمسك القوم، فقال: والله ليقومن قائمكم أو لتكونن (8) في غير كم ثم لتندمن، فقام علي (عليه السلام) وهم ينظرون إليه كلهم فبايعه وأجابه إلى ما دعاه إليه، فقال: ادن مني، فدنا منه فقال: افتح فاك فمج في فيه من ريقه، وتفل بين كتفيه وبين ثدييه، فقال أبو لهب لبئس ما حبوت به ابن عمك، أجابك (9) فملات فاه ووجهه بزاقا، قال: فقال النبي (صلى الله عليه وآله)


(1) تفسير فرات: 111 و 112. (2) في المصدر: وهم يومئذ اربعون رجلا. (3) في المصدر: فصب عليها. (4) في المصدر: حتى تضلعوا. أقول: أي امتلاؤا شبعا. (5) في المصدر: عسا واحدا من لبن. (6) الاقربين خ ل. (7) المخلصين خ ل. (8) في المصدر: ليكونن. (9) في المصدر: أجابك لما دعوته إليه.

[ 213 ]

بل ملاته علما وحلما وفهما (1). بيان: الجفر من أولاد المعز ما بلغ أربعة أشهر، وفصل عن امه، وأخذ في الرعى، والانثى جفرة، ذكره الجزري، وقال: كان المشركون ينسبون النبي (صلى الله عليه وآله) إلى أبي كبشة وهو رجل من خزاعة خالف قريشا في عبادة الاوثان، شبهوه به، وقيل: إنه كان كان جد النبي (صلى الله عليه وآله) من قبل امه (2)، فأرادوا أنه نزع في الشبه إليه. 42 - كا: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن الحسين بن الحسن قال: سمعت جعفرا (عليه السلام) يقول: جاء جبرئيل إلى النبي (صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد ربك يقرؤك السلام ويقول لك: دار خلقي (3). 43 - كا: أبو علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن حمزة بن بزيع، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض (4). 44 - كا: العدة، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن علي، عن عبيد بن يحيى الثوري العطار، عن محمد بن الحسين العلوي، عن أبيه، عن جده، عن علي (عليه السلام) قال: لما أمر الله عزوجل رسوله (صلى الله عليه وآله) بإظهار الاسلام وظهر الوحي رأى قلة من المسلمين، وكثرة من المشركين. فاهتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) هما شديدا، فبعث الله عزوجل إليه جبرئيل (عليه السلام) بسدر من سدرة المنتهى فغسل به رأسه فجلا به همه (5). 45 - كا: الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشاء، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا: إن الناس لما كذبوا برسول الله (صلى الله عليه وآله) هم الله تبارك وتعالى بهلاك أهل الارض إلا عليا فما سواه بقوله: " فتول عنهم فما أنت بملوم " ثم بداله فرحم المؤمنين ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله): " وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين (6) ".


(1) تفسير فرات: 113. (2) أقول: يعنى أنها كنية وهب بن عبد مناف جده (صلى الله عليه وآله) من قبل امه، وقد يحتمل في ذلك أنها كنية زوج حليمة السعدية. (3 و 4) اصول الكافي 2: 116 و 117. (5) فروع الكافي 2: 220. (6) روضة الكافي: 103، والايتان في سورة الذاريات: 54 و 55.

[ 214 ]

أقول: سيأتي في باب عمل النيروز عن المعلى بن خنيس، عن أبي عبد الله (عليه السلام) إن يوم النيروز هو اليوم الذي هبط فيه جبرئيل (عليه السلام) على النبي (صلى الله عليه وآله)، وقد مضى بعض أخبار الباب في أبواب المعجزات. 46 - وروى السيد ابن طاووس في كتاب سعد السعود من كتاب تفسير محمد بن العباس بن مروان، عن حسين بن الحكم الخيبري، عن محمد بن جرير، عن زكريا بن يحيى، عن عفان بن سلمان، قال: وحدثنا محمد بن أحمد الكاتب عن جده، عن عفان، وحدثنا عبد العزيز بن يحيى، عن موسى بن زكريا، عن الواحد بن غياث، قالا (1): حدثنا أبو عوانة، عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادق، عن أبي ربيعة بن ناجد إن رجلا قال لعلي (عليه السلام): يا أمير المؤمنين لم ورثت ابن عمك دون عمك ؟ قالها ثلاث مرات حتى اشرأب الناس، ونشروا آذانهم، ثم قال: جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) - أودعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) - بني عبد المطلب، كلهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق، قال: فصنع لهم مدا من طعام فأكلوا حتى شبعوا، قال: وبقي الطعام كما هو، كأنه لم يمس ولم يشرب، فقال: يا بني عبد المطلب إني بعثت إليكم بخاصة (2)، وإلى الناس بعامة، وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم (3)، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووراثي ؟ فلم يقم إليه أحد، قال: فقمت وكنت أصغر القوم سنا، فقال: أجلس، قال: ثم قال ثلاث مرات، كل ذلك أقوم إليه فيقول لي: اجلس حتى كانت الثالثة، ضرب يده على يدي، فقال: فلذلك ورثت ابن عمي دون عمي (4).


(1) أي عفان بن سليمان وعبد الواحد بن غياث. (2) في المصدر: خاصة. وفيه بعد ذلك: عامة. (3) أي كفاية الطعام والشراب بقلتهما جميعكم وبقاؤهما بحالهما. (4) سعد السعود: 104 و 105. أقول: سأل هارون موسى بن جعفر (عليه السلام) عن تلك المسألة فأجاب بوجه آخر فقال: ان النبي (صلى الله عليه وآله) لم يورث من قدر على الهجرة فلم يهاجر، وإن عليا آمن وهاجر، قال الله تعالى: " إن الذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا " راجع تفصيلهاج 10: 242.

[ 215 ]

بيان: قال الجزري: فيه: فينادي يوم القيامة مناد فيشرئبون لصوته، أي يرفعون رؤوسهم لينظروا إليه، وكل رافع رأسه مشرئب. 47 - أقول: ثم روى السيد - رحمه الله - في الكتاب المسطور من الكتاب المذكور عن محمد الباهلي، عن إبراهيم بن إسحاق النهاوندي، عن عمار بن حماد الانصاري، عن عمرو بن شمر، عن مبارك بن فضال (1) والعامة عن الحسن، عن رجل من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) قال: إن قوما خاضوا في بعض أمر علي (عليه السلام) بعد الذي كان من وقعة الجمل، قال الرجل الذي سمع من (2) الحسن الحديث: ويلكم ما تريدون من أول السابق بالايمان بالله، والاقرار بما جاء من عند الله ؟ لقد كنت عاشر عشرة من ولد عبد المطلب إذ أتانا علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: أجيبوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى غد (3) في منزل أبي طالب، فتغامزنا، فلما ولى قلنا: أترى محمدا أن يشبعنا اليوم ؟ وما منا يومئذ من العشرة رجلا إلا وهو يأكل الجذعة السمينة، ويشرب الفرق من اللبن، فغدوا عليه في منزل أبي طالب وإذا نحن برسول الله (صلى الله عليه وآله) فحييناه بتحية الجاهلية، وحيانا هو بتحية الاسلام، فأول ما أنكرنا منه ذلك، ثم أمر بجفنة من خبز ولحم فقدمت إلينا، ووضع يده اليمنى على ذروتها وقال: بسم الله كلوا على اسم الله، فتغيرنا لذلك ثم تمسكنا لحاجتنا إلى الطعام، وذلك أننا جوعنا أنفسنا للميعاد بالامس فأكلنا حتى انتهينا والجفنة كما هي مدفقة، ثم دفع إلينا عسا من لبن، فكان علي يخدمنا فشربنا كلنا حتى روينا والعس على حاله، حتى إذا فرغنا قال: يا بني عبد المطلب إني نذير لكم من الله جل وعز إني أتيتكم بما لم يأت به أحد من العرب، فإن تطيعوني ترشدوا وتفلحوا وتنجحوا، إن هذه مائدة أمرني الله بها فصنعتها لكم كما صنع عيسى بن مريم (عليه السلام) لقومه، فمن كفر بعد ذلك منكم فإن الله يعذبه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين، واتقو الله و اسمعوا ما أقول لكم، واعلموا يا بني عبد المطلب إن الله لم يبعث رسولا إلا جعل له أخا


(1) هكذا في الكتاب وفى المصدر: فضالة، وهو الصحيح، والرجل مترجم في التقريب 81 (2) هكذا في الكتاب ومصدره، واستظهر المصنف أن الصحيح: سمع منه. (3) غداء: ظ.

[ 216 ]

ووزيرا ووصيا ووارثا من أهله، وقد جعل لي وزيرا كما جعل للانبياء قبلي، وإن الله قد أرسلني إلى الناس كافة، وأنزل علي " وأنذر عشيرتك الاقربين " ورهطك المخلصين، وقد والله أنبأني به وسماه لي، ولكن أمرني أن أدعوكم وأنصح لكم، وأعرض عليكم لئلا يكون لكم الحجة فيما بعد، وأنتم عشيرتي وخالص رهطي، فأيكم يسبق إليها، على أن يؤاخيني في الله ويوازرني في الله جل وعز، ومع ذلك يكون لي يدا على جميع من خالفني فأتخذه وصيا ووليا ووزيرا، يؤدي عني، ويبلغ رسالتي، ويقضي ديني من بعدي وعداتي، مع أشياء اشترطها، فسكتوا فأعادها ثلاث مرات كلها ليسكتون (1) ويثب فيها علي، فلما سمعها أبو لهب، قال: تبا لك يا محمد ولما جئتنا به، ألهذا دعوتنا ؟ وهم أن يقوم موليا، فقال: أما والله لتقومن أو يكون في غيركم، وقال: يحرصهم لئلا يكون لاحد منهم فيما بعد حجة، قال: فوثب علي (عليه السلام) فقال: يا رسول الله أنالها، فقال رسول الله: يا أبا الحسن أنت لها، قضي القضاء، وجف القلم (2)، يا علي اصطفاك الله بأولها وجعلك ولي آخرها (3). بيان: قوله: تمسكنا لعل المعنى أمسكنا عن الكلام متكلفين، قوله: مدفقة، أي ممتلئة ينصب الطعام من أطرافها. 48 - نهج: إلى أن بعث الله سبحانه محمدا (4) لانجاز عدته، وتمام نبوته، مأخوذا على النبيين ميثاقه، مشهورة سماته (5)، كريما ميلاده، وأهل الارض يومئذ ملل متفرقة وأهواء منتشرة، وطرائق (6) متشتتة، بين مشبه لله بخلقه، أو ملحد في اسمه، أو مشير إلى غيره، فهداهم به من الضلالة، وأنقذهم بمكانه من الجهالة، ثم اختار سبحانه لمحمد


(1) في المصدر: يسكتون. (2) قال الجزرى في النهاية: جفت الاقلام وطويت الصحف: يريد ما كتب في اللوح المحفوظ من المقادير والكائنات، والفراغ منها، تمثيلا بفراغ الكاتب من كتابته ويبس قلمه. (3) سعد السعود: 106. (4) في المصدر: محمدا رسول الله. (5) أي علاماته، في كتب الانبياء السابقين الذين بشروا الخلائق بنبوته وإنقاذهم من المهالك (6) في المصدر: طوائف، وفى طبعة: طرائق.

[ 217 ]

لقاءه، ورضي له ما عنده، وأكرمه عن دار الدنيا، ورغب به عن مقاربة (1) البلوى، فقبضه إليه كريما (صلى الله عليه وآله) (2). بيان: الضمير في عدته راجع إلى الله، وفي نبوته إلى الرسول، ويحتمل إرجاعهما إلى الرسول بأن يكون الاضافة في عدته إضافة إلى المفعول، كما يحتمل إرجاعهما إلى الله بأن يكون المراد بقوله: نبوته النبوة التي سنها وقدرها لاصلاح الخلق، والسمة: العلامة، والميلاد: وقت الولادة، والطرائق: المذاهب، والتشتت: التفرق والانتشار، قوله: ملحد في اسمه، أي يطلق عليه وينسب إليه مالا يليق به. أو يطلق اسمه على غيره. قوله: أو مشير إلى غيره كالدهرية وعبدة الاصنام، وفي قوله: ملل وما بعده تقدير مضاف أي ذووا ملل، أو الحمل على المبالغة، أو يقدر المضاف في المبتدء وبعضها مؤكدة لبعض، و يمكن الفرق بوجه. 49 - نهج: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالدين المشهور، والعلم المأثور والكتاب المسطور، والنور الساطع، والضياء اللامع، والامر الصادع إزاحة للشبهات، واحتجاجا بالبينات، وتحذيرا بالآيات، وتخويفا للمثلات (3)، والناس في فتن انجذم (4) فيها حبل الدين، وتزعزعت سواري اليقين، واختلف النجر (5)، وتشتت الامر، وضاق المخرج، وعمي المصدر، فالهدى خامل، والعمى شامل، عصي الرحمن، ونصر الشيطان، وخذل الايمان، فانهارت دعائمه، وتنكرت معالمه، ودرست سبله، وعفت (6) شركه، أطاعوا الشيطان فسلكوا مسالكه، ووردوا مناهله، بهم سارت أعلامه وقام لواؤه، في فتن


(1) عن مقام البلوى خ ل. (2) نهج البلاغة 1: 27 و 28 المطبوع بالمطبعة الرحمانية بمصر، 8 و 9 المطبوع بطهران في سنة 1302. (3) في المصدر: بالمثلات. أقول: أي إنذارا بالعقوبات. (4) انجزم خ ل. (5) بفتح النون وسكون الجيم، أي اختطفت أصول معتقداتهم، فكل يزعم نفسه على الحق و غيره على الباطل. (6) أي محت ودرست واضحات الطرق وسويتها.

[ 218 ]

داستهم بأخفافها، ووطئتهم بأظلافها، وقامت على سنابكها، فهم فيها تائهون حائرون، جاهلون مفتونون، في خير دار، وشر جيران، نومهم سهود، وكحلهم دموع، بأرض عالمها ملجم، وجاهلها مكرم (1). توضيح: قوله: والعلم المأثور، العلم إما بالكسر أو بفتحتين أي ما يهتدى به و المأثور: المقدم على غيره، والمنقول، ولا يخفى مناسبتهما، والصادع: الظاهر الجلي و المثلات جمع مثلة بفتح الميم وضم الثاء: العقوبة، قوله: انجذم أي انقطع، وفي بعض النسخ بالزاي بمعناه، والزعزعة: الاضطراب، والسواري جمع السارية وهي الدعامة، و النجر: الاصل والطبع، فانهارت أي انهدمت وتنكرت: أي تغيرت والشرك بضمتين جمع شركة بفتحتين وهي معظم الطريق أو وسطها قوله: في فتن داستهم متعلق بقوله: سارت وقام، أو خبر ثان لقوله: والناس، والسنابك: أطراف مقدم الحافر، قوله: في خيردار، إما خبر ثالث، أو متعلق بقوله: تائهون وما بعده، والمراد بخير الدار مكة وبشر الجيران كفار قريش، والعالم الملجم من آمن به، والجاهل المكرم من كذبه، وفيه احتمالات اخر لا يناسب المقام، وقوله (عليه السلام): نومهم سهود، وكحلهم دموع، كناية عن كثرة الفتن فيهم بحيث كانوا لا ينامون اهتماما بأنفسهم، وإعدادا لقتال عدوهم، ويبكون على قتلاهم وما ذهب منهم من الاموال وغيرها. 50 - نهج: أرسله على حين فترة من الرسل، وطول هجعة من الامم، واعتزام (2) من الفتن، وانتشار من الامور، وتلظ من الحروب، والدنيا كاسفة النور، ظاهرة الغرور على حين اصفرار من ورقها (3)، وإياس من ثمرها، واغورار من مائها، قد درست أعلام الهدى (4)، وظهرت أعلام الردى، فهي متجهمة لاهلها، عابسة في وجه طالبها، ثمرها


(1) نهج البلاغة 1: 31 - 33. (2) من اعتزم الفرس في عنانه: مر جامحا لا ينثنى، وهى كناية عن غلبة الفتن. ويروى بالراء المهملة كما سيأتي من اعترم الفرس: سطا ومالت. ويحتمل أن يكون من اعترم الصبى ثدى امه أي مصه، والمعنى التزمت الفتن بهم كما التزم الصبى ثدى امه. (3) هذا وما بعدها تمثيل لتغير الدنيا وزوال خيراتها وغلبة الشرور والفتن عليها، ويأس الناس من التمتع بها. والايام ايام الجاهلية. (4) في المصدر: قد درست منار الهدى.

[ 219 ]

الفتنة، وطعامها الجيفة، وشعارها (1) الخوف، ودثارها السيف (2). بيان: الفترة: انقطاع الوحي بين الرسل، والهجعة: النوم، والاعتزام: العزم، كأن الفتنة مصممة للهرج والفساد، وفي بعض النسخ بالراء المهملة أي كثرة وشدة، وفي الكافي: واعتراض، من قولهم: اعترض الفرس: إذا مشى على غير الطريق، والتلظي: التلهب، والاغورار: ذهاب الماء: من غار الماء: إذا ذهب، ومنه قوله تعالى: " إن أصبح ماؤكم غورا (3) " والدروس: الامحاء والتهجم: العبوس، والمراد بالجيفة ما كانوا يكتسبونه بالمكاسب المحرمة في الجاهلية أو ما كانوا يأكلون من الحيوانات التي ازهقت روحها بغير التذكية وفي تشبيه الخوف بالشعار والسيف بالدثار وجوه من اللطف والبلاغة. 51 - نهج: بعثه والناس ضلال في حيرة، وحاطبون (4) في فتنة قد استهوتهم الاهواء، واستزلتهم الكبرياء (5)، واستخفتهم الجاهلية الجهلاء حيارى في زلزال من الامر وبلاء (6) من الجهل، فبالغ (صلى الله عليه وآله) في النصيحة، ومضى على الطريقة، ودعا إلى الحكمة والموعظة الحسنة (7). بيان: الحاطب: هو الذي يجمع الحطب، ويقال: حاطب دليل لمن يجمع بين الصواب والخطاء، ويتكلم بالغث والسمين. أقول: ويحتمل أن يكون (عليه السلام) استعار الحطب لما يكتسبونه من الاعمال، لانها كانت مما يحرقهم في النار، وفي بعض النسخ خابطون، أي كانت حركاتهم على غير نظام. قوله (عليه السلام): استهوتهم الاهواء، أي دعتهم وجذبتهم إلى أنفسها، أو إلى مهاوي الهلاك،


(1) الشعار من الثياب: ما يلي البدن، والدثار: فوق الشعار. (2) نهج البلاغة 1: 170 و 171. (3) الملك: 30. (4) خابطون خ. (5) واستزلهم الكبراء خ. أقول: أي أضلهم سادتهم وكبراؤهم. (6) بلبال خ ل. (7) نهج البلاغة: 202 و 203.

[ 220 ]

ويقال: استخفه. أي وجده خفيفا وخف عليه تحريكه، والزلزال بالفتح اسم، وبالكسر مصدر. 52 - نهج: أما بعد فإن الله سبحانه بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) وليس أحد من العرب يقرأ كتابا، ولا يدعي نبوة ولا وحيا، فقاتل بمن أطاعه من عصاه، يسوقهم إلى منجاتهم، و يبادر الساعة (1) أن تنزل بهم، يحسر الحسير، ويقف الكسير (2)، فيقيم عليه حتى يلحقه غايته، إلا هالكا لا خير فيه حتى أراهم منجاتهم، وبوأهم محلتهم، فاستدارت رحاهم، و استقامت قناتهم (3). ايضاح: قوله: وليس أحد من العرب يقرأ كتابا، أي في زمانه (صلى الله عليه وآله) وما قاربه، فلا ينافي بعثة هود وصالح وشعيب (عليهم السلام) في العرب، وأما خالد بن سنان فلو ثبت بعثته فلم يكن يقرأ كتابا ويدعي شريعة، وإنما نبوته كانت مشابهة لنبوة جماعة من أنبياء بني إسرائيل لم يكن لهم كتب ولا شرائع، مع أنه يمكن أن يكون المراد الزمان الذي بعده. قوله (عليه السلام): ويبادر الساعة أن تنزل بهم، أي يسارع إلى هدايتهم وتسليكهم لسبيل الله كيلا تنزل بهم الساعة على عمى منهم عن صراط الله، قوله (عليه السلام): يحسر الحسير، الحسير الذي أعيى في طريقه، والغرض وصفه (صلى الله عليه وآله) بالشفقة على الخلق في حال أسفارهم معه في الغزوات ونحوها، أي أنه كان يسير في آخرهم، ويفتقد المنقطع منهم عن عياء أو انكسار مركوب فلا يزال يلطف به حتى يبلغه أصحابه، إلا مالا يمكن إيصاله ولا يرجى، أو المراد من وقف قدم عقله في السلوك إلى الله أو انكسر لضلاله كان (صلى الله عليه وآله) هو المقيم له على المحجة البيضاء ويهديه حتى يوصله الى الغاية المطلوبة الا من لا يرجى فيه الخير كأبي جهل وأبي لهب وأضرابهما، ومنجاتهم: نجاتهم، أو محل نجاتهم، ومحلتهم: منزلهم، واستدارة رحاهم كناية عن اجتماعهم واتساق امورهم. 53 - نهج: أرسله داعيا إلى الحق، وشاهدا على الخلق، فبلغ رسالات ربه غير


(1) في المصدر: ويبادر بهم الساعة. (2) الكسير: المكسور. (3) نهج البلاغة: 215 و 216.

[ 221 ]

وان ولا مقصر، وجاهد في الله أعداءه غير واهن ولا معذر، إمام من اتقى، وبصر من اهتدى (1). بيان: الواني: الفاتر الكال، والواهن: الضعيف، والمعذر: المعتذر من غير عذر. 54 - نهج: أرسله على حين فترة من الرسل، وتنازع من الالسن، فقفي به الرسل، وختم به الوحي، فجاهد في الله المدبرين عنه، والعادلين به (2). بيان: العادلون به: الجاعلون له عديلا ومثله. 55 - نهج: فبعث محمدا (صلى الله عليه وآله) بالحق ليخرج عباده من عبادة الاوثان إلى عبادته ومن طاعة الشيطان إلى طاعته، بقرآن قد بينه وأحكمه، ليعلم العباد ربهم إذا جهلوه، وليقروا به (3) إذ جحدوه، وليثبتوه بعد إذ أنكروه، فتجلى سبحانه لهم في كتابه من غير أن يكونوا رأوه، بما أراهم من قدرته، وخوفهم من سطوته، وكيف محق من محق بالمثلات واحتصد من احتصد بالنقمات (4). بيان أحكمه أي أتقنه ومنعه من الفساد لفظا ومعنى، وليقروا به، أي باللسان وليثبتوه أي بالقلب، فتجلى سبحانه لهم، أي ظهر وانكشف بما نبههم عليه فيه من آيات القدرة والقصص، وقيل المراد بالكتاب (5) عالم الايجاد لاشتماله على آثار الصنع ومحق الشئ: أبطله ومحاه، والاحتصاد: قطع الزرع وهنا كناية عن استئصالهم. 56 - نهج: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ونجيبه وصفوته، لا يوازى فضله، ولا يجبر فقده أضاءت به البلاد بعد الضلالة المظلمة، والجهالة الغالبة (6)، والجفوة الجافية، والناس


(1) نهج البلاغة 1: 247. (2) نهج البلاغة 1: 270. (3) بعد خ ل. (4) نهج البلاغة 1: 284. (5) استعمال الكتاب في عرفه (عليه السلام) بهذا المعنى بعيد جدا بل هو استعمال محدث بعده بكثير. (6) الغالبة خ.

[ 222 ]

يستحلون الحريم، ويستذلون الحكيم، يحيون على فترة، ويموتون على كفرة (1). بيان: لا يوازى: أي لا يساوي فضله ولا يبلغه أحد، والجبر: إصلاح العظم من كسر والغالبة: في بعض النسخ بالياء المثناة أي المجاوزة عن الحد. والحفوة: غلظ الطبع وقساوة القلب والوصف للمبالغة كشعر شاعر، والمراد بالفترة هنا انقطاع الوحي أو ترك الاجتهاد في الطاعات. 57 - نهج: أرسله على حين فترة من الرسل، وطول هجعة (2) من الامم، وانتقاض من المبرم، فجاءهم بتصديق الذى بين يديه، والنور المقتدى به (3). بيان: المبرم من الحبل: المفتول، وانتقاضه كناية عن تعطيل قواعد الشرع، و تزلزل أساس الدين. 58 - نهج بعثه (4) بالنور المضئ، والبرهان الجلي، والمنهاج البادي والكتاب الهادي، اسرته خير اسرة، وشجرته خير شجرة، أغصانها معتدلة، وثمارها متهدلة، مولده بمكة، وهجرته بطيبة (5)، علا بها ذكره، وامتد (6) بها صوته، أرسله بحجة كافية. وموعظة شافية، ودعوة متلافية، أظهر به الشرائع المجهولة، وقمح به البدع المدخولة وبين به الاحكام المفصولة (7). بيان: لعل المراد بالنور المضئ نور النبوة، وبالبرهان الجلي المعجزات الباهرة وبالمنهاج البادي شريعته الواضحة، واسرته: أهل بيته (صلى الله عليه وآله)، وشجرته: أصله وقبيلته، و اعتدال أغصانه كناية عن تقارب أهل بيته في الفضل والكمال، أو عدم الاختلاف بينهم،


(1) نهج البلاغة 1: 291. (2) قيل الهجعة: المرة من الهجوع وهو النوم ليلا، نوم الغفلة في ظلمات الجهالة، و انتقاض الاحكام الالهية التى ابرمت على ألسنة الانبياء السابقين نقضها الناس على مخالفتها. (3) نهج البلاغة 1: 308. (4) ابتعثه خ. (5) طيبة: المدينة المنورة. (6) وامتد منها خ ل. (7) نهج البلاغة 1: 315 و 316.

[ 223 ]

قوله (عليه السلام): متهدلة، أي متدلية، كناية عن سهولة اجتناء العلم منها وظهورها وكثرتها وقوله (عليه السلام): ودعوة متلافية، لتلافيها ما فسد من قلوبهم، ونظام امورهم في الجاهلية، قوله (عليه السلام): المفصولة، أي ببيانه (صلى الله عليه وآله)، أو فصلها الله سبحانه وأوضحها له (صلى الله عليه وآله). 59 - نهج: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الصفي، وأمينه الرضي (صلى الله عليه وآله) أرسله بوجوب الحجج، وظهور الفلج، وإيضاح المنهج، فبلغ الرسالة صادعا (1) بها، وحمل على المحجة دالا عليها، وأقام أعلام الاهتداء ومنار الضياء، وجعل أمراس الاسلام متينة، وعرى الايمان وثيقه (2). بيان: قوله: بوجوب الحجج، أي تمامها ونفوذها ولزومها، والفلج بالتحريك: النصرة والغلبة، والمرسة بالتحريك: الحبل، وجمع جمعه أمراس، والمتانة: الشدة. 60 - نهج: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، دعا إلى طاعته، وقاهر أعداءه جهادا عن دينه: لا يثنيه عن ذلك اجتماع على تكذيبه، والتماس لاطفاء نوره (3). بيان: لا يثنيه، أي لا يصرفه ولا يعطفه. 61 - نهج: ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة، ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه (صلى الله عليه وآله)، فقلت: يا رسول الله ما هذه الرنة ؟ فقال: هذا الشيطان قد أيس من عبادته إنك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى، إلا أنك لست بنبي، ولكنك وزير، وإنك لعلى خير (4). بيان: قال ابن أبي الحديد: وأما رنة الشيطان فروى أحمد بن حنبل في مسنده عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال كنت مع رسول الله صبيحة الليلة التي اسري به فيها و هو بالحجر يصلي، فلما قضى صلاته وقضيت صلاتي سمعت رنة شديدة، فقلت: يارسول


(1) صدع به: تكلم به جهارا وفصله. والمحجة: جادة الطريق أي وسطه. (2) نهج البلاغة 1: 372 و 373. (3) نهج البلاغة 1: 388. (4) نهج البلاغة 1: 417.

[ 224 ]

الله ما هذه الرنة ؟ قال: ألا تعلم ؟ هذه رنة الشيطان، علم أنه اسري بي الليلة إلى السماء فأيس من أن يعبد في هذه الارض. وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) ما يشابه هذا لما بايعه الانصار السبعون ليلة العقبة، سمع من العقبة صوت عال في جوف الليل: يا أهل مكة هذا مذمم والصباة معه قد أجمعوا على حربكم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) للانصار: ألا تسمعون ما يقول هذا أزب الكعبة يعني شيطانها - وقد روي أزيب العقبة - ثم التفت إليه فقال: أتسمع يا عدو الله ؟ أما والله لافرغن لك انتهي (1). أقول: وهاتان الرنتان غير ما ورد في الخبر، وهي إحدى الرنتين اللتين مضتا في الخبرين. 62 - نهج: ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، خاض إلى رضوان الله كل غمرة، و تجرع فيه كل غصة، وقد تلون له الادنون، وتألب عليه الاقصون، وخلعت إليه العرب أعنتها، وضربت إلى محاربته بطون رواحلها، حتى أنزلت بساحته عداوتها من أبعد الدار وأسحق المزار (2). بيان: الغمرة: الزحمة من الماء والناس، والشدة، وخوضها: اقتحامها، قوله (عليه السلام) وقد تلون أي تغير أقاربه ألوانا (3) وتألب: أي تجمع عليه الابعدون نسبا، قوله (عليه السلام) وخلعت هذا مثل سائر أي أوجفوا إليه مسرعين لمحاربته، لان الخيل إذا خلعت أعنتها كان أسرع لجريها، والسحق: البعد. 63 - نهج: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله وأعلام الهدى دارسة، ومناهج الدين طامسة، فصدع بالحق ونصح للخلق، وهدى إلى الرشد، وأمر بالقصد (صلى الله عليه وآله) (4). 64 - نهج: بعثه حين لا علم قائم، ولا منار ساطع، ولا منهج واضح (5).


(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 3: 254. (2) نهج البلاغة 1: 425. (3) فلم يثبتوا معه: ولم يوفوا بعهدهم له. (4) نهج البلاغة 1: 428. (5) نهج البلاغة 1: 430. بحار الانوار - 14 -

[ 225 ]

بيان: الساطع: المرتفع. 65 - نهج: ثم إن الله سبحانه بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) بالحق حين دنا من الدنيا الانقطاع وأقبل من الآخرة الاطلاع، وأظلمت بهجتها بعد إشراق، وقامت بأهلها على ساق، وخشن منها مهاد، وأزف منها قياد (1)، في انقطاع من مدتها، واقتراب من أشراطها، وتصرم من أهلها، وانفصام من حلقتها، وانتشار من سببها، وعفاء من أعلامها، وتكشف من عوراتها، وقصر من طولها، جعله الله سبحانه بلاغا لرسالته، وكرامة لامته، وربيعا لاهل زمانه ورفعة لاعوانه، وشرفا لانصاره (2). بيان: على ساق، أي على شدة، والمهاد: الفراش، قوله (عليه السلام): وأزف منها قياد أي قرب منها انقياد للانقطاع والزوال، وأشراط الساعة: علاماتها، والتصرم: الانقضاء والانفصام، الانقطاع، وكنى بالحلقة عن نظامها واجتماع أهلها بالنواميس والشرائع والسبب: كل شئ يتوصل به إلى غيره، وانتشاره كناية عن فساد أسباب ذلك النظام والعفاء: الدروس والهلاك، ويمكن أن يكون المراد بالاعلام العلماء والصلحاء (3) قوله من طولها، أي من امتدادها، وقرئ الطول بكسر الطاء وفتح الواو بمعنى الحبل. 66 - نهج: أرسله بالضياء، وقدمه في الاصطفاء، فرتق به المفاتق، وساور به المغالب وذلل به الصعوبة، وسهل به الحزونة، حتى سرح الضلال عن يمين وشمال (4). بيان: قوله (عليه السلام): في الاصطفاء أي على غيره من الانبياء والاوصياء، والمفاتق جمع مفتق، أي أصلح به المفاسد والامور المنتشرة، والمساورة: المواثبة أي كسر به (صلى الله عليه وآله) سورة من أراد الطغيان، والحزن: المكان الغليظ الخشن، والحزونة: الخشونة، قوله (عليه السلام) حتى سرح الضلال، أي طرده وأسرع به ذهابا عن يمين وشمال، من قولهم: ناقة سرح ومنسرحة، أي سريعة. 67 - نهج: فصدع بما امر به، وبلغ رسالة ربه، فلم الله به الصدع، ورتق به


(1) نفاد خ ل. (2) نهج البلاغة 1: 437. (3) أو الخيرات والمحاسن، قبال العورات. (4) نهج البلاغة 1: 455.

[ 226 ]

الفتق، وألف به بين ذوي الارحام، بعد العداوة الواغرة في الصدور، والضغائن القادحة في القلوب (1). بيان: لم الله شعثه، أي أصلح وجمع ما تفرق من اموره، والصدع: الشق وكذا الفتق، والرتق: ضده، والوغرة: شدة توقد الحر، ومنه قيل: في صدره علي وغر، بالتسكين، أي ضغن وعداوة، وتوقد من الغيظ، والضغينة: الحقد، أي الحقد الذي يقدح النار في القلوب ويوقدها فيها. 68 - نهج: إن الله سبحانه بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) نذيرا للعالمين، وأمينا على التنزيل وأنتم معشر العرب على شر دين، وفي شر دار، منيخون بين حجارة خشن وحيات صم، تشربون الكدر، وتأكلون الجشب: وتسفكون دماءكم، وتقطعون أرحامكم، الاصنام فيكم منصوبة، والآثام بكم معصوبة (2). بيان: قوله (عليه السلام): شر دار أي باعتبار شمول الكفر والضلالة، أو باعتبار أن أكثرها البوادي، ولقلة المعمورة وقلة الماء فلا ينافي كونها خير دار للصالحين لشرافة المكان ويحتمل أن يكون المراد الدار المجازية أي دار الجاهلية، والاناخة: الاقامة بالمكان والحية الصماء: التي لا تنزجر بالصوت، كأنها لا تسمع وربما يراد بها الصلبة الشديدة وقيل: يجوز أن يعني بالحجارة والحيات المجاز: يقال للاعداء حيات وإنه لحجر خشن المس: إذا كان ألد الخصام، والجشب: الطعام الغليظ الخشن والذي لا إدام معه. قوله (عليه السلام): معصوبة أي مشدودة. 69 - نهج: إن الله سبحانه بعث محمدا وليس أحد من العرب يقرأ كتابا ولا يدعي نبوة فساق الناس حتى بوأهم محلتهم (3)، وبلغهم منجاتهم، فاستقامت قناتهم، واطمأنت صفاتهم (4).


(1) نهج البلاغة 1: 489. وفيه: وبلغ رسالات ربه. (2) نهج البلاغة 1: 74. (3) أي موضع حلولهم الذى يليق انسانيتهم ومنزلتهم واستعدادهم. (4) نهج البلاغة 1: 89. (*)

[ 227 ]

بيان: قوله (عليه السلام): حتى بوأهم محلتهم، أي أسكنهم منزلتهم التي خلقوا لاجلها من الاسلام والايمان والعلم وسائر الكمالات بحسب استعداداتهم، والمنجاة: محل النجاة والقناة: الرمح واستقامتها كناية عن القوة والغلبة والدولة (1)، والصفاة: الحجر الاملس المنبسط، استعيرت لحالهم التي كانوا عليها من النهب والغارة والخوف والتزلزل، فكانوا كالواقف على حجر أملس متزلزل، فاطمأنت أحوالهم، وسكنوا في مواطنهم بسبب مقدمه (صلى الله عليه وآله). 70 - نهج: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ابتعثه والناس يضربون في غمرة، و يموجون في حيرة، قد قادتهم أزمة الحين، واستغلقت على أفئدتهم أقفال الرين (2). بيان: الضرب: السير السريع، والضارب: السابح، والغمرة: الماء الكثير (3)، والحين: الهلاك، واستغلقت، أي تعسر فتحها، والرين: الطبع والتغطية (4). 71 - أقول: قال الكازروني في المنتقى فيما رواه بإسناده (5): أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصادقة، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت به مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان يأتي حراء فيتعبد فيه (6)، حتى فجأه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك وساق الحديث إلى أن قال:


(1) أو عن استقامة أحوالهم. (2) نهج البلاغة 1: 391 و 392. (3) والمراد شدة الفتن وبلاياها، أو شدة الجهل ورزاياه. (4) أي غطاه الجهل وحجاب الضلال. (5) والاسناد هكذا: حدثنا شيخنا تقى الدين ابو الثناء محمود بن على بن مقبل الدقوقى، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن أبى الفرج حدثنا أبو على حنبل بن عبد الله بن فرج الرصافي، حدثنا أمين الحضرة أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين، حدثنا ابو على الحسن بن على بن محمد المشهور بابن المذهب، حدثنا أبو بكر احمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعى حدثنا عبد الله بن احمد بن محمد بن حنبل حدثنى أبى حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري اخبرني عروة عن عائشة أنها قالت: اول اه‍. (6) في المصدر: فكان يأتي حراء فيتحنث فيه. وهو التعبد الليالى ذوات العدد ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فتزوده لمثلها حتى فجأه الحق.

[ 228 ]

كان ورقة بن نوفل ابن عم خديجة: امرءا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب العبراني بالعربية من الانجيل ما شاء الله أن يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: أي ابن عم اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة: يا ابن أخي ما ترى ؟ فأخبره رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال ورقة: هذا الناموس الاكبر الذي أنزل الله تعالى على موسى (عليه السلام) ياليتني فيها جذعا أكون حيا حين يخرجك قومك، فقال رسول الله (عليه السلام): أو مخرجي هم قال: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي فترة، ثم أتاه الوحي الناموس جبرئيل (عليه السلام) وصاحب سر الملك. قوله: جذعا، أي شابا قويا كالجذع من الدواب حتى ابالغ في نصرك قوله: مؤزرا، أي بالغا في القوة، لم ينشب بفتح الشين، أي لم يمكث ولم يحدث شيئا ولم يشتغل به. وفي رواية اخرى أن خديجة أتت ورقة وقالت: أخبرني عن جبرئيل ما هو ؟ قال: قدوس قدوس ما ذكر جبرئيل في بلدة لا يعبدون فيها الله، قالت: إن محمد بن عبد الله أخبرني أنه أتاه، قال: فإن كان جبرئيل هبط إلى هذه الارض لقد أنزل الله إليها خيرا عظيما، هو الناموس الاكبر الذي أتى موسى وعيسى عليهما السلام بالرسالة والوحي، قالت: فأخبرني هل تجد فيما قرأت من التوراة والانجيل أن الله يبعث نبيا في هذا الزمان يكون يتيما فيؤويه الله، وفقيرا فيغنيه الله تكفله امرأة من قريش أكثرهم حسبا، وذكرت كلاما آخر فقال لها: نعته مثل نعتك يا خديجة ؟ قالت: فهل تجد غيرها ؟ قال: نعم، إنه يمشي على الماء كما مشى عيسى بن مريم وتكلمه الموتى كما كلمت عيسى بن مريم (عليه السلام)، وتسلم عليه الحجارة وتشهد له الاشجار، وأخبرها بنحو قول بحيرا، ثم انصرفت عنه وأتت عداسا الراهب وكان شيخا قد وقع حاجباه على عينيه من الكبر فقالت: يا عداس أخبرني عن جبرئيل (عليه السلام) ما هو ؟ فقال: قدوس قدوس وخر ساجدا، وقال: ما ذكر جبرئيل في بلدة لا يذكر الله فيها ولا يعبد، قالت: أخبرني عنه قال: لا والله لااخبرك حتى تخبرني من أين عرفت اسم جبرئيل ؟ قالت: لي عليك عهد الله وميثاقه بالكتمان ؟ قال: نعم، قالت:

[ 229 ]

أخبرني به محمد بن عبد الله أنه أتاه، قال عداس: ذلك الناموس الاكبر الذي كان يأتي موسى وعيسى عليهم السلام بالوحي والرسالة، والله لئن كان نزل جبرئيل على هذه الارض لقد نزل إليها خير عظيم، ولكن يا خديجة إن الشيطان ربما عرض للعبد فأراه امورا، فخذي كتابي هذا فانطلقي به إلى صاحبك فإن كان مجنونا فإنه سيذهب عنه، وإن كان من أمر الله فلن يضره (1)، ثم انطلقت بالكتاب معها، فلما دخلت منزلها إذا هي برسول الله (صلى الله عليه وآله) مع جبرئيل (عليه السلام) قاعد يقرؤه هذه الآيات: " ن * والقلم وما يسطرون * ما أنت بنعمة ربك بمجنون * وإن كل لاجرا غير ممنون * وإنك لعلى خلق عظيم * فستبصر ويبصرون * بأيكم المفتون " أي الضال، أو المجنون (2)، فلما سمعت خديجة قراءته اهتزت فرحا، ثم رآه (صلى الله عليه وآله) عداس (3) فقال: اكشف لي عن ظهرك، فكشف فإذا خاتم النبوة يلوح بين كتفيه، فلما نظر عداس إليه خر ساجدا يقول: قدوس قدوس، أنت والله النبي الذي بشر بك موسى وعيسى عليهما السلام أما والله يا خديجة ليظهرن له أمر عظيم، ونبأ كبير، فوالله يا محمد إن عشت حتى تؤمر بالدعاء لاضربن بين يديك بالسيف هل امرت بشئ بعد ؟ قال: لا، قال: ستؤمر ثم تؤمر ثم تكذب ثم يخرجك قومك (4) والله ينصرك وملائكته. قال ابن إسحاق: كان أول من اتبع رسول الله (صلى الله عليه وآله) خديجة، وكان أول ذكر آمن به علي (عليه السلام) هو يومئذ ابن عشر سنين، ثم زيد بن حارثة، قيل: ثم أسلم بلال، وقيل ثم أبو بكر، ثم الزبير وعثمان وطلحة وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمان بن عوف (5).


(1) في المصدر: وسألته عما سألت عنه ورقة بن نوفل فأخبرها بنحو ما قال ورقة بن نوفل ثم انطلقت. (2) في المصدر: يعنى بالمفتون الضال، والصحيح في تفسير المفتون أنه المجنون. (3) في المصدر: اهتزت فرحا، ثم قال للنبي (صلى الله عليه وآله): فداك أبى وامى امض معى إلى عداس، فقام معها إلى عداس، فلما أن سلم عليه قال: ادن منى، فدنا منه، قال: اكشف اه‍. (4) في المصدر بعد ذلك: فشق ذلك على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: يا عداس و انهم ليخرجوني ؟ قال: نعم ما جاء والله أحد بمثل ما جئت به الا أخرجه قومه، وكان قومه أشد الناس عليه، والله ينصرك وملائكته، ثم انصرف عنه النبي. (5) المنتقى في مولود المصطفى: الباب الثاني فيما كان في السنة الاولى من نبوته.

[ 230 ]

وقال ابن الاثير في الكامل: قال الواقدي: وأسلم أبو ذر قالوا: رابعا أو خامسا، وأسلم عمرو بن عيينة السلمي رابعا أو خامسا، وقيل: إن الزبير كان رابعا أو خامسا، و أسلم خالد بن سعيد بن العاص خامسا (1). وقال في المنتقى: ومما كان في مبعثه (صلى الله عليه وآله) رمي الشياطين بالشهب بعد عشرين يوما من البعث، روي عن ابن عباس قال: لما بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله) دحر (2) الجن ورموا بالكواكب، وكانوا قبل يستمعون، لكل قبيل من الجن مقعد يستمعون فيه، فأول من فزع لذلك أهل الطائف، فجعلوا يذبحون لآلهتهم من كان له أبل أو غنم كل يوم حتى كادت أموالهم يذهب، ثم تناهوا وقال بعضهم لبعض: ألا ترون معالم السماء كما هي لم يذهب منها شئ، وقال إبليس: هذا أمر حدث في الارض، ائتوني من كل أرض بتربة، فكان يؤتى بالتربة فيشمها ويلقيها حتى اتي بتربة تهامة فشمها وقال: هنا الحدث. ومما كان في مبعثه (صلى الله عليه وآله) ما روي أنه لما بعث الله نبيه أصبح كسرى ذات غداة وقد انفصم طاق ملكه من وسطها، فلما رأى ذلك أحزنه، وقال " شاه بشكست " يقول: الملك انكسر، ثم دعا كهانه وسحرته ومنجميه وقال: انظروا في ذلك الامر، فنظروا ثم قالوا: ليخرجن من الحجاز سلطان يبلغ المشرق تخصب عنه الارض كأفضل ما أخصبت من ملك كان قبله. وروي عن الحسن البصري أن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قالوا: يا رسول الله ما حجة الله على كسرى فيك ؟ قال: بعث الله عزوجل ملكا فأخرج يده من سور جدار بيته الذي هو فيه تلالا نورا، فلما رآها فزع، فقال: لم تفزع يا كسرى ؟ إن الله قد بعث رسولا، وأنزل عليه كتابا فاتبعه تسلم دنياك وآخرتك، قال: سأنظر. وعن أبي سلمة (3) قال: بعث الله عزوجل ملكا إلى كسرى وهو في بيت من بيوت


(1) الكامل 1: 21. (2) دحره: طرده دفعه. أبعده. (3) في المصدر: عن ابى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. اقول: قيل: امه عبد الله، وقيل اسماعيل.

[ 231 ]

أيوانه الذي لا يدخل عليه فيه احد، فلم يرعه الا به قائما على راسه في يده عصا بالهاجرة في ساعته التي كان يقيل فيها، فقال: يا كسرى أتسلم أو أكسر هذه العصا، فقال: بهل بهل بالفارسية، ومعناها خل خل وأمهل ولا تكسر، فانصرف عنه، ثم دعا حراسه و حجابه فتغيظ عليهم وقال: من أدخل الرجل علي ؟ قالوا: ما دخل عليك أحد ولا رأيناه حتى إذا كان العام القابل أتاه في الساعة التي أتاه فيها فقال له كما قال له، ثم قال: أتسلم أو أكسر هذه العصا ؟ فقال: بهل بهل، فخرج عنه فدعا كسرى حجابه وبوابه فتغيظ عليهم وقال لهم كما قال أول مرة، فقالوا: ما رأينا أحدا دخل عليك، حتى إذا كان في العام الثالث أتاه في الساعة التي جاء فيها وقال له كما قال، ثم قال: أتسلم أو أكسر هذه العصا ؟ فقال: بهل بهل، قال: فكسر العصا، ثم خرج، فهلك كسرى عند ذلك. ويروى عن أبي سلمة أنه قال: ذكر لي أن الملك إنما دخل عليه بقارورتين في يده ثم قال: أسلم، فلم يفعل فضرب إحداهما على الاخرى فرضضهما ثم خرج، وكان من هلاكه ما كان. ويروى أن خالد بن وبدة (1) كان رئيسا في المجوس وأسلم، قال: كان كسرى إذا ركب ركب أمامه رجلان فيقولان له ساعة فساعة: أنت عبد ولست برب، فيشير برأسه، أي نعم، قال: فركب يوما فقالا له: ذلك، فلم يشر برأسه، فشكوا إلى صاحب شرطه فركب صاحب شرطه ليعاتبه، وكان كسرى قد نام، فلما وقع صوت حوافر الدواب في سمعه استيقظ فدخل عليه صاحب شرطه فقال: أيقظتموني ولم تدعوني أنام إني رأيت أنه رمي بي فوق سبع سماوات، فوقفت بين يدي الله تعالى، فإذا رجل بين يديه عليه إزار ورداء فقال لي: سلم مفاتيح خزائن أرضي إلى هذا، فأيقظتموني، قال: وصاحب الازار والرداء يعني به النبي (صلى الله عليه وآله) (2). 72 - شى: عن عمار بن (3) ميثم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قرأ رجل عند


(1) في المصدر: خالد بن ربدة. (2) المنتقى: الباب الثاني فيما كان في السنة الاولى من نبوته. (3) هكذا في الكتاب وفى تفسير البرهان 1: 523، ولم نجد الرجل في أصحاب الصادق (عليه السلام)، والظاهر أنه مصحف عمران بن ميثم كما في اسناد الكافي، والرجل عمران بن ميثم بن يحيى الاسدي المترجم في رجال الشيخ وفى فهرست النجاشي

[ 232 ]

أمير المؤمنين (عليه السلام) " فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون (1) " فقال: بلى، والله لقد كذبوه أشد التكذيب، ولكنها مخففة " لا يكذبونك ": لا يأتون بباطل يكذبونك به حقك (2). كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر، عن محمد بن أبي حمزة، عن يعقوب بن شعيب، عن عمران بن ميثم عنه (عليه السلام) مثله (3). 73 - شى: عن الحسين بن المنذر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله: " فإنهم لا يكذبونك " قال: لا يستطيعون إبطال قولك (4). 74 - ختص: قرن إسرافيل برسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاث سنين يسمع الصوت ولا يرى شيئا، ثم قرن به جبرئيل (عليه السلام) عشرين سنة، وذلك حيث أوحى إليه فأقام بمكة عشر سنين، ثم هاجر إلى المدينة فأقام بها عشر سنين، وقبض (صلى الله عليه وآله) وهو ابن ثلاث وستين سنة (5). 75 - الطرف للسيد بن طاووس: نقلا من كتاب الوصية لعيسى بن المستفاد، عن موسى بن جعفر عليهما السلام قال: سألت عن بدء الاسلام كيف أسلم علي ؟ وكيف أسلمت خديجة ؟ فقال: تأبى إلا أن تطلب اصول العلم ومبتدأه، أما والله إنك لتسأل تفقها، ثم قال: سألت أبي (عليه السلام) عن ذلك فقال لي: لما دعاهما (6) رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: يا علي ويا خديجة أسلمتما لله وسلمتما له، وقال: إن جبرئيل عندي يدعو كما إلى بيعة الاسلام فأسلما تسلما، وأطيعا تهديا، فقالا: فعلنا وأطعنا يا رسول الله فقال: إن جبرئيل عندي يقول لكما: إن للاسلام شروطا وعهودا ومواثيق، فابتدءاه بما شرط الله عليكما لنفسه و


(1) الانعام: 33. أقول قد عرفت قبلا أن نافع والكسائي والاعشى عن أبى بكر قرؤوا بالتخفيف كما في الرواية. (2) تفسير العياشي: مخطوط. (3) روضة الكافي: 200 وفيه. على أمير المؤمنين (عليه السلام). (4) تفسير العياشي مخطوط، وأخرجه البحراني في الموضع المتقدم ذكره. (5) الاختصاص: 130. (6) في المصدر: لما أسلما دعاهما.

[ 233 ]

لرسوله أن تقولا: نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ملكه (1)، لم يتخذ ولدا ولم يتخذ صاحبة، إلها واحدا مخلصا، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله إلى الناس كافة بين يدي الساعة، ونشهد أن الله يحيي ويميت ويرفع ويضع ويغني ويفقر ويفعل ما يشاء ويبعث من في القبور، قالا: شهدنا، قال: وإسباغ الوضوء على المكاره، وغسل الوجه واليدين والذراعين ومسح الرأس والرجلين إلى الكعبين، وغسل الجنابة في الحر والبرد، وإقام الصلاة، و أخذ الزكاة من حلها، ووضعها في أهلها، وحج البيت، وصوم شهر رمضان، والجهاد في سبيل الله، وبر الوالدين، وصلة الرحم والعدل في الرعية والقسم بالسوية والوقوف عند الشبهة ورفعها إلى الامام، فإنه لا شبهة عنده، وطاعة ولي الامر بعدي، ومعرفته في حياتي وبعد موتي، والائمة من بعده واحد بعد واحد، وموالاة أولياء الله ومعاداة أعداء الله والبراءة من الشيطان الرجيم وحزبه وأشياعه، والبراءة من الاحزاب: تيم وعدي و امية وأشياعهم وأتباعهم والحياة على ديني وسنتي ودين وصيي، وسنته إلى يوم القيامة والموت على مثل ذلك (2)، وترك شرب الخمر وملاحاة الناس (3)، يا خديجة فهمت ما شرط ربك عليك ؟ قالت: نعم وآمنت وصدقت ورضيت وسلمت، قال علي: وأنا على ذلك، فقال: يا علي تبايعني على ما شرطت عليك ؟ قال: نعم، قال: فبسط رسول الله (صلى الله عليه وآله) كفه ووضع كف علي (عليه السلام) في كفه وقال: بايعني يا علي على ما شرطت عليك وأن تمنعني مما تمنع منه نفسك فبكى علي (عليه السلام) وقال: بأبي وامي لاحول ولا قوة إلا بالله، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اهتديت ورب الكعبة ورشدت ووفقت، أرشدك الله يا خديجة ضعي يدك فوق يد علي فبايعي له، فبايعت على مثل ما بايع عليه علي بن أبي طالب (عليه السلام) على أنه لا جهاد عليها، ثم قال: يا خديجة هذا علي مولاك ومولى المؤمنين وإمامهم بعدي، قالت: صدقت يا رسول الله قد بايعته على ما قلت، أشهد الله وأشهدك (4) وكفى بالله شهيدا عليما (5).


(1) زاد المصدر: لم يلده والد. (2) زاد في المصدر بعد ذلك: غير شاقة لامانته، ولا متعيدة ولا متأخرة عنه. أقول المتعيدة الغضبان. الظلوم. (3) الملاحاة: المنازعة. الملاومة. (4) في المصدر: واشهدك بذلك. (5) الطرف: 4 - 6. أقول: لعل شرطه (صلى الله عليه وآله) عليهما زائدا على ما كان يشرط =

[ 234 ]

76 - فس: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: " قل أي شئ أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم (1) " وذلك أن مشركي أهل مكة قالوا: يا محمد ما وجد الله رسولا يرسله غيرك ؟ ما نرى أحدا يصدقك بالذي تقول، وذلك في أول ما دعاهم وهو يومئذ بمكة، قالوا: ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك ذكر عندهم فأتنا (2) بمن يشهد أنك رسول الله، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " الله شهيد بيني وبينكم " الآية قال: " أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة اخرى " يقول الله لمحمد: " فإن شهدوا فلا تشهد معهم " قال: " قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني برئ مما تشركون (3) ". 77 - فس: " وإذا قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك (4) " الآية، فإنها نزلت لما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لقريش: إن الله بعثني أن أقتل جميع ملوك الدنيا، وأجر الملك إليكم، فأجيبوني إلى ما أدعوكم إليه تملكوا (5) بها العرب، وتدين لكم بها العجم وتكونوا ملوكا في الجنة، فقال أبو جهل: اللهم إن كان هذا الذي يقول (6) محمد هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أوائتنا بعذاب أليم، حسدا لرسول الله، ثم قال: كنا وبني هاشم (7) كفرسي رهان نحمل إذا حملوا، ونظعن إذا ظعنوا، ونوقد إذا أوقدوا فلما استوى بنا وبهم الركب قال قائل منهم: منا نبي، لا نرضى بذلك أن يكون في (8)


= على سائر المسلمين كان لحصول مرتبة كمال الايمان فيهما كما أن شرطه بعض ما لم يشرع عليه بعد كان لعلمه بأنها ستشرع عن قريب علم ذلك اما بالوحى، أو لكونها في جميع الشرائع، مع أن بعضها مما يشهد العقول السليمة بحسنه. (1) الانعام: 19. (2) فأرنا من خ ل. (3) تفسير القمى: 182. (4) الانفال: 32. (5) تملكون خ ل. (6) يقوله خ ل. (7) في المصدر: وبنو هاشم. (8) من بنى هاشم خ ل.

[ 235 ]

بني هاشم، ولا يكون في (1) بني مخزوم، ثم قال: غفرانك اللهم فأنزل الله في ذلك " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون (2) " حين قال: غفرانك اللهم. فلما هموا بقتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأخرجوه من مكة قال الله: " وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه " يعني قريشا ما كانوا أولياء مكة " إن أولياءه إلا المتقون (3) " أنت وأصحابك يا محمد، فعذبهم الله بالسيف يوم بدر فقتلوا (4). 78 - قب: الكلبي: أتى أهل مكة النبي (صلى الله عليه وآله) فقالوا: ما وجد الله رسولا غيرك ؟ ! ما نرى أحدا يصدقك فيما تقول، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر، فأرنا من يشهد أنك رسول الله كما تزعم فنزل: " قل أي شئ أكبر شهادة (5) " الآية، وقالوا: العجب أن الله تعالى لم يجد رسولا يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب فنزل: " الر تلك آيات الكتاب الحكيم * أكان للناس (6) " الآيات. وقال الوليد بن المغيرة: والله لو كانت النبوة حقا لكنت أولى بها منك، لانني أكبر منك سنا، وأكثر منك مالا، وقال جماعة: لم لم يرسل رسولا من مكة أو من الطائف عظيما ؟ يعني أبا جهل وعبد نايل (7)، فنزل: " وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل (8) " وقال أبو جهل: زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يوحى إليه، والله لا نؤمن به ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه فنزل: وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى " (9) الآية


(1) من بنى مخزوم. (2 و 3) الانفال: 33 و 34. (4) تفسير القمى: 253 و 254. (5) تقدم موضع الاية قبيل ذاك. (6) سورة يونس: 1. (7) هكذا في الكتاب والمصدر، وفى مجمع البيان: ابن عبد ياليل. (8) الزخرف: 32. (9) الانعام: 124.

[ 236 ]

وقال الحارث بن نوفل بن عبد مناف: إنا لنعلم أن قولك حق، ولكن يمنعنا أن نتبع الهدى معك ونؤمن بك مخافة أن يتخطفنا العرب من أرضنا، ولا طاقة لنا بها فنزلت: " وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا " فقال الله تعالى رادا عليهم: " أولم نمكن لهم حرما آمنا (1) ". 79 - قب: محمد بن إسحاق في خبر طويل عن كثير بن عامر أنه طلع من الابطح راكب ومن ورائه سبع عشرة ناقة محملة ثياب ديباج، على كل ناقة عبد أسود، يطلب النبي الكريم ليدفعها إليه بوصية من أبيه، فأومأ ابن أبي البختري إلى أبي جهل وقال: هذا صاحبك، فلما دنا منه قال: ما أنت بصاحبي، فما زال يدور حتى رأي النبي (صلى الله عليه وآله) فسعى إليه وقبل يديه رجليه، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): أليس أنت بلحا (2) ناجي بن المنذر السكاكي ؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: فأين سبع عشرة ناقة محملة ذهبا وفضة و درا وياقوتا وجوهرا ووشيا وملحما وغير ذلك ؟ قال: هي ورائي مقبلة، فقال: هي سبع عشرة ناقة، على كل ناقة عبد أسود، عليهم أقبية الديباج، ومناطق الذهب، وأسماؤهم محرز، ومنعم، وبدر، وشهاب، ومنهاج وفلان وفلان، قال: بلى يا رسول الله، قال: سلم المال وأنا محمد بن عبد الله، فأورد المال بجملته إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال أبو جهل: يا آل غالب إن لم تنصفوني وتنصروني عليه لاضعن سيفي في صدري، وهذا المال كله للكعبة، وركب فرسه وجرد سيفه ونفرت مكة أقصاها وأدناها حتى أجابت أبا جهل سبعون ألف مقاتل، وركب أبو طالب في بني هاشم وبني عبد المطلب وأحاطوا بالنبي (صلى الله عليه وآله)، ثم قال أبو طالب: ما الذي تريدون ؟ قال أبو جهل: إن ابن أخيك قد جنى علينا جنايات عظيمة، ويحق للعرب أن تغضب وتسفك الدماء وتسبي النساء، قال أبو طالب: وماذاك ؟ فذكر قصة الغلام وأن محمدا سحره ورده إلى دينه، وأخذ منه المال وهو شئ مبعوث للكعبة، فقال: قف حتى أمضي إليه وأسأله عن ذلك، فلما أتى النبي (صلى الله عليه وآله) وسأله رد ذلك قال: لا اعطيه حبة واحدة، قال: خذ عشرة وأعطه سبعة، فأبى، ثم أمر (صلى الله عليه وآله) أن توقف الهدية بين


(1) مناقب آل أبى طالب 1: 49، والاية في القصص: 57. (2) في المصدر: ملجأ.

[ 237 ]

يديه ويناديها سبع مرات فإن كلمتها فالهدية هديتها، وإن كلمتها أنا وأجابتني فالهدية هديتي، فأتى أبو طالب وقال: إن ابن أخي قد أجابك إلى النصفة، وذكر مقال النبي (صلى الله عليه وآله) والميعاد غدا عند طلوع الشمس، فأتى أبو جهل إلى الكعبة وسجد لهبل ورفع رأسه وذكر القصة، ثم قال: أسألك أن تجعل النوق تخاطبني، ولا يشمت بي محمد وأنا أعبدك من أربعين سنة وما سألتك حاجة، فإن أجبتني هذه لاضعن لك قبة من لؤلؤ أبيض وسوارين من الذهب وخلخالين من الفضة وتاجا مكللا بالجوهر وقلادة من العقيان (1)، ثم إن النبي (صلى الله عليه وآله) حضر وكان منه المعجزات، أجابه كل ناقة سبع مرات وشهدت بنبوته بعد عجز أبي جهل فأخذ المال (2). 80 - قب: كان أبو جهل يقول: ليت لمحمد إلي حاجة فأسخر منه وأرده، إذ اشترى أبو جهل من رجل طارئ (3) بمكة إبلا فلواه بحقه (4)، فاتى نادي (5) قريش مستجيرا بهم، فأحالوه على النبي (صلى الله عليه وآله) استهزاء به لقلة منعته (6) عندهم فأتى الرجل مستجيرا به فمضى (صلى الله عليه وآله) معه وقال: قم يا أبا جهل وأد إلى الرجل حقه، إنما كني أبا جهل ذلك اليوم وكان اسمه عمرو بن هشام فقام مسرعا وأدى حقه، فقال له بعض أصحابه فعل ذلك (7) فرقا من محمد قال: ويحكم أعذروني إنه لما أقبل رأيت عن يمينه رجالا بأيديهم حراب تتلألأ وعن يساره ثعبانان تصطك أسنانهما، وتلمع النيران من أبصارهما لو امتنعت لم آمن أن يبعجوا (8) بالحراب بطني ويقضمني الثعبانان (9). 81 - شى: عن سدير: عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أخبرني جابر بن عبد الله أن


(1) العقبان: الذهب الخالص. (2) مناقب آل أبى طالب 1: 116. (3) الطارئ: الغريب: خلاف الاصلى. (4) أي جحده دينه. (5) النادى: المجلس. ومجمع القوم. (6) المنعة: العز والقوة. (7) أي خوفا منه. (8) أي أن يشقوا. (9) مناقب آل أبى طالب 1: 112 و 113.

[ 238 ]

المشركين كانوا إذا مروا برسول الله (صلى الله عليه وآله) طأطأ أحدهم رأسه (1) وظهره هكذا وغطى رأسه بثوبه حتى لا يراه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأنزل الله: " ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون (2) ". كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن سدير مثله (3). 82 - كا: أبو علي الاشعري، عن محمد بن سالم، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أقبل أبو جهل بن هشام ومعه قوم (4) من قريش فدخلوا على أبي طالب فقالوا: إن ابن أخيك قد آذانا وآذى آلهتنا فادعه ومره فليكف عن آلهتنا ونكف عن إلهه قال: فبعث أبو طالب إلى رسول الله فدعاه، فلما دخل النبي (صلى الله عليه وآله) لم ير في البيت إلا مشركا، فقال: السلام على من اتبع الهدى، ثم جلس فخبره أبو طالب بما جاؤوا له، فقال: أو هل لهم في كلمة خير لهم من هذا يسودون بها العرب ويطأون أعناقهم ؟ فقال أبو جهل: نعم وما هذه الكلمة ؟ فقال تقولون: لا إله إلا الله، قال: فوضعوا أصابعهم في آذانهم، وخرجوا هرابا وهم يقولون: ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق فأنزل الله في قولهم: " ص * والقرآن ذي الذكر " إلى قوله: " إلا اختلاق (5) ". 83 - فر: يحيى بن زياد معنعنا عن عمرو بن شمر قال: سألت جعفر بن محمد (عليه السلام) أني أؤم قومي فأجهر الله ببسم الله الرحمان الرحيم ؟ قال: نعم، حق ما جهر به (6)، قد جهر بها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان من أحسن الناس صوتا بالقرآن، فإذا قام من الليل يصلي جاء أبو جهل والمشركون يستمعون قراءته، فإذا قال: " بسم الله الرحمان


(1) في الكافي: إذا مروا برسول الله (صلى الله عليه وآله) حول البيت طأطأ. (2) تفسير العياشي: مخطوط، والاية في هود: 5. (3) روضة الكافي: 144. (4) فوج خ ل. (5) اصول الكافي 2: 649، والايات في سورة ص: 1 - 7. (6) في المصدر: حق فاجهر به.

[ 239 ]

الرحيم " وضعوا أصابعهم في آذانهم وهربوا، فإذا فرغ من ذلك جاؤوا فاستمعوا، وكان أبو جهل يقول: إن ابن أبي كبشة ليردد اسم ربه أنه ليحبه، فقال جعفر (عليه السلام): صدق وإن كان كذوبا، قال: فأنزل الله: " وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا (1) " وهو " بسم الرحمن الرحمان الرحيم (2). 84 - فر: محمد بن الحسن بن إبراهيم، عن علوان بن محمد، عن داود بن داود (3)، عن أبيه عن أبي حفص الصائغ، عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: لما نزلت على النبي (صلى الله عليه وآله) " ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا * إذا لاذقناك ضعف الحياة وضعف الممات (4) " قال: تفسيرها قالوا (5): نعبد إلهك سنة، وتعبد إلهنا سنة، قال: فأنزل الله تعالى عليه " قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد (6) " إلى آخر السورة (7). 85 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: بينا النبي (صلى الله عليه وآله) في المسجد الحرام وعليه ثياب له جدد فألقى المشركون عليه سلى ناقة فملاؤا ثيابه بها، فدخله من ذلك ما شاء الله، فذهب إلى أبي طالب فقال له: يا عم كيف ترى حسبي فيكم ؟ فقال له: وما ذاك يا ابن أخي ؟ فأخبره الخبر، فدعا أبو طالب حمزة وأخذ السيف وقال لحمزة: خذ السلى، ثم توجه إلى القوم والنبي (صلى الله عليه وآله) معه فأتى قريشا وهم حول الكعبة، فلما رأوه عرفوا الشر في وجهه، ثم قال لحمزة: أمر السلى على سبالهم، ففعل ذلك حتى أتى على آخرهم، ثم التفت أبو طالب إلى النبي (صلى الله عليه وآله)


(1) الاسراء: 46. (2) تفسير فرات: 85. (3) في المصدر: داود بن أبى داود، عن أبيه قال: حدثنا جعفر بن أبى الصائغ (4) الاسراء: 74 و 75. (5) في المصدر: قال قومه: تعال حتى نعبد. (6) الكافرون: 1 - 3. (7) تفسير فرات: 231.

[ 240 ]

فقال: يا ابن أخي هذا حسبك فينا (1). 86 - عم: روي أن أبا جهل عاهد الله أن يفضخ (2) رأسه (صلى الله عليه وآله) بحجر إذا سجد في صلاته، فلما قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلي وسجد - وكان إذا صلى صلى بين الركنين: الاسود واليماني، وجعل الكعبة بينه وبين الشام - احتمل أبو جهل الحجر، ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع منتقعا (3) لونه مرعوبا قد يبست يداه على حجره حتى قذف الحجر من يده، وقام إليه رجال من قريش فقالوا: مالك يا أبا الحكم ؟ قال: عرض لي دونه فحل من الابل ما رأيت مثل هامته وقصرته ولا أنيابه لفحل قط، فهم أن يأكلني (4). بيان: القضرة محركة: أصل العنق. 87 - يج: روي أنه لما نزل " فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين * إنا كفيناك المستهزنين (5) " يعني خمسة نفر، فبشر النبي (صلى الله عليه وآله) أصحابه أن الله كفاه أمرهم فأتى الرسول (صلى الله عليه وآله) البيت والقوم في الطواف، وجبرئيل عن يمينه، فمر الاسود بن المطلب فرمى (6) في وجهه بورقة خضراء فأعمى الله بصره، وأثكله ولده، ومر به الاسود بن عبد يغوث فأومأ إلى بطنه فسقى ماء فمات حبنا (7)، فمر به الوليد بن المغيرة فأومأ إلى جرح كان في أسفل رجله فانتقض بذلك فقتله، ومر به العاص بن وائل فأشار إلى أخمص رجله فخرج على حمار له يريد الطائف فدخلت فيه شوكة فقتلته، ومر به الحارث بن طلاطلة فأومأ إليه فتفقأ قيحا فمات (8).


(1) اصول الكافي 1: 449. (2) أي أن يكسر رأسه. (3) انتقع لونه: تغير واختطف لامر أصابه كالحزن والفرغ. (4) اعلام الورى: 19 ط 1 و 39 ط 2. (5) تقدم الايعاز إلى موضع الاية مكررا. (6) أي جبرئيل. (7) الحبن: عظم البطن وتورمه، والمراد به الاستسقاء. (8) تفقأ الدمل: تشقق. واستظهر المصنف في الهامش أنه مصحف: فتقيأ. أقول: تقدم ذكر المستهزئين وكيفية قتلهم في ج 17: 282 و 283 وفى باب معجزاته في كفاية شر الاعداء بما يخالف المذكور ههنا راجع ص 65 - 67. بحار الانوار - 15 -

[ 241 ]

88 - يج روي أنه (صلى الله عليه وآله) لما تلا " والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى (1) " قال رجل من قريش (2): كفرت برب النجم، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): سلط الله عليك كلبا من كلابه، يعني أسدا، فخرج مع أصحابه (3) إلى الشام حتى إذا كانوا بها رأى أسدا فجعلت فرائصة ترعد (4)، فقيل له: من أي شئ ترعد وما نحن وأنت إلا سواء فقال: إن محمدا دعاعلي، لا والله ما أظلت هذه السماء ذا لهجة (5) أصدق من محمد، ثم وضعوا العشاء فلم يدخل يده في فيه، ثم جاء القوم فحاطوه بأنفسهم وبمتاعهم ووسطوه بينهم وناموا جميعا حوله، فجاءهم الاسد فهمس يستنشق رجلا رجلا حتى انتهى إليه فضغمه ضغمه كانت إياها، وقال بآخر رمق: ألم أقل إن محمدا أصدق الناس ؟ ومات (6). بيان: الهمس: الصوت الخفي وأخفى ما يكون من صوت القدم، والضغم: العض كانت إياها: إي موتته وقاطعة حياته. 89 - وأقول: قال في المنتقى: في السنة الخامسة من نبوته (صلى الله عليه وآله) توفيت سمية بنت حياط مولاة أبي حذيفة بن المغيرة، وهي ام عمار بن ياسر، أسلمت بمكة قديما، و كانت ممن تعذب في الله لترجع عن دينها فلم تفعل. فمر بها أبو جهل فطعنها في قلبها (7) فماتت، وكانت عجوزا كبيرة، فهي أول شهيدة في الاسلام. وفي سنة ست أسلم حمزة وعمر، وقد قيل: أسلما في سنة خمس، قال: ولما أنزل الله تعالى: " فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين " قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الصفا ونادى في أيام الموسم: يا أيها الناس إني رسول الله رب العالمين، فرمقه الناس بأبصارهم، قالها ثلاثا، ثم انطلق حتى أتى المروة ثم وضع يده في اذنه ثم نادى ثلاثا بأعلى صوته: يا


(1) النجم: 1 و 2. (2) تقدم في باب معجزاته في كفاية شر الاعداء ص: 57 أنه عتبة بن أبى لهب. (3) مع أصحابه في كثرة خ ل. (4) في المصدر: ترتعد، وكذا فيما بعده. (5) في المصدر: من ذى لهجة. (6) الخرائج: 185. أقول: ضغمه، عضه بملء فمه. (7) في المصدر: فطعنها في قبلها، وقد تقدم مثله في حديث.

[ 242 ]

أيها الناس إني رسول الله، ثلاثا فرمقه الناس بأبصارهم، ورماه أبو جهل قبحه الله بحجر فشج بين عينيه، وتبعه المشركون بالحجارة فهرب حتى أتى الجبل فاستند إلى موضع يقال له: المتكأ وجاء المشركون في طلبه، وجاء رجل إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) و قال: يا علي قد قتل محمد، فانطلق إلى منزل خديجة - رضي الله عنها - فدق الباب فقالت خديجة: من هذا ؟ قال: أنا علي قالت: يا علي ما فعل محمد ؟ قال: لا أدري إلا أن المشركين قد رموه بالحجارة، وما أدري أحي هو أم ميت، فأعطيني شيئا فيه ماء وخذي معك شيئا من هيس (1) وانطلقي بنا نلتمس رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإنا نجده جائعا عطشانا، فمضى حتى جاز الجبل وخديجة معه فقال علي: يا خديجة استبطني (2) الوادي حتى أستظهره، فجعل ينادي: يا محمداه، يا رسول الله، نفسي لك الفداء في أي واد أنت ملقى ؟ وجعلت خديجة: تنادي من أحس لي النبي المصطفى ؟ من أحس لي الربيع المرتضى ؟ من أحس لي المطرود في الله ؟ من أحس لي أبا القاسم ؟ وهبط عليه جبرئيل (عليه السلام) فلما نظر إليه النبي (صلى الله عليه وآله) بكى وقال: ما ترى ما صنع بي قومي ؟ كذبوني وطردوني وخرجوا علي، فقال يا محمد ناولني يدك فأخذ يده فأقعده على الجبل، ثم أخرج من تحت جناحه درنوكا (3) من درانيك الجنة منسوجا بالدر والياقوت وبسطه حتى جلل به جبال تهامة، ثم أخذ بيد رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى أقعده عليه، ثم قال له جبرئيل: يا محمد أتريد أن تعلم كرامتك على الله ؟ قال نعم، قال: فادع إليك تلك الشجرة تجبك، فدعاها فأقبلت حتى خرت بين يديه ساجدة، فقال: يا محمد مرها ترجع فأمرها فرجعت إلى مكانها، وهبط عليه إسماعيل حارس السماء الدنيا فقال: السلام عليك يا رسول الله، قد أمرني ربي أن اطيعك، أفتأمرني أن أنثر عليهم النجوم فأحرقهم، وأقبل ملك الشمس فقال: السلام عليك يا رسول الله، أتأمرني أن آخذ عليهم الشمس فأجمعها على رؤوسهم فتحرقهم، وأقبل ملك الارض فقال: السلام عليك يا رسول الله: إن الله عزوجل قد أمرني أن اطيعك، أفتأمرني أن آمر الارض فتجعلهم في بطنها


(1) هكذا في النسخة ومصدره، ولعله مصحف حيس، قال الفيروز آبادى: الحيس: الخلط وتمر يخلط بسمن واقط فيعجن شديدا ثم يندر منه نواه وربما جعل فيه سويق. (2) أي أدخلي أنت بطن الوادي حتى أعلو أنا ظهره. (3) الدرنوك والدرنيك: نوع من البسط له خمل.

[ 243 ]

كما هم على ظهرها ؟ وأقبل ملك الجبال فقال: السلام عليك يا رسول الله إن الله قد أمرني أن اطعيك، أفتأمرني أن آمر الجبال فتنقلب عليهم فتحطمهم ؟ وأقبل ملك البحار فقال: السلام عليك يا رسول الله، قد أمرني ربى أن اطيعك، أفتأمرني أن آمر البحار فتغرقهم ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قد امرتم بطاعتي ؟ قالوا: نعم، فرفع رأسه إلى السماء ونادى: إني لم ابعث عذابا، إنما بعثت رحمة للعالمين، دعوني وقومي فإنهم لا يعلمون، ونظر جبرئيل (عليه السلام) إلى خديجة تجول في الوادي فقال: يا رسول الله ألا ترى إلى خديجة قد أبكت لبكائها ملائكة السماء ؟ ادعها اليك فاقرئها مني السلام، وقل لها: ان الله يقرئك السلام، وبشرها أن لها في الجنة بيتا من قصب لانصب فيه ولا صخب (1)، لؤلؤا مكللا بالذهب، فدعاها النبي (صلى الله عليه وآله) والدماء تسيل من وجهه على الارض، وهو يمسحها ويردها قالت فداك أبي وامي دع الدمع يقع على الارض، قال: أخشى أن يغضب رب الارض على من عليها، فلما جن عليهم الليل انصرفت خديجة رضي الله عنها ورسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) ودخلت به منزلها، فأقعدته على الموضع الذي فيه الصخرة، وأظلته بصخرة من فوق رأسه، وقامت في وجهه تستره ببردها (2)، وأقبل المشركون يرمونه بالحجارة، فإذا جاءت من فوق رأسه صخرة وقته الصخرة، وإذا رموه من تحته وقته الجدران الحيط، وإذا رمي من بين يديه وقته خديجة - رضي الله عنها - بنفسها، وجعلت تنادي يا معشر قريش ترمى الحرة في منزلها ؟ فلما سمعوا ذلك انصرفوا عنه، وأصبح رسول الله (صلى الله عليه وآله) وغدا إلى المسجد يصلي، وفي سنة ثمان من نبوته (صلى الله عليه وآله) نزلت " الم غلبت الروم (3) " كما مرت قصته في باب إعجاز القرآن.


(1) في النهاية: في حديث خديجة: " بشر خديجة ببيت من قصب في الجنة " القصب في هذا الحديث: لؤلؤ مجوف واسع كالقصر المنيف. والقصب من الجوهر: ما استطال منه في تجويف. وقال: الصخب: الضجة واضطراب الاصوات للخصام. (2) في المصدر: تستره ببردته. (3) المنتقى في مولود المصطفى: الفصل الرابع في ذكر هجرة الحبشة، والباب الرابع: فيما كان في سنة ست وسنة سبع من نبوته (صلى الله عليه وآله)، والباب الخامس: فيما كان في سنة ثمان من نبوته (صلى الله عليه وآله).

[ 244 ]

2 - - * (باب آخر) * * (في كيفية صدور الوحى، ونزول جبرئيل (عليه السلام)، وعلة) * * (احتباس الوحى، وبيان أنه (صلى الله عليه وآله) هل) * * (كان قبل البعثة متعبدا بشريعة أم لا) * الايات: مريم " 19 " وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا 64. طه " 20 ": ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما 114. الفرقان " 25 ": وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا 32. الشعراء: " 26 " وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الامين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين 192 - 195. النمل: " 27 " وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم 6. حمعسق: " 42 " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم * وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم 51 و 52. النجم: " 53 " علمه شديد القوى، ذو مرة فاستوى - إلى قوله -: أو أدنى 5 - 9 القيامة: " 75 " لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه 16 - 19.

[ 245 ]

تفسير: قال البيضاوي في قوله تعالى: " وما نتنزل إلا بأمر ربك ": حكاية قول جبرئيل (عليه السلام) حين استبطأه رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما سئل عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح، ولم يدر ما يجيب، ورجا أن يوحى إليه فيه، فأبطأ عليه خمسة عشر يوما وقيل: أربعين يوما، حتى قال المشركون ودعه ربه وقلاه، ثم نزل ببيان ذلك، و التنزل: النزول على مهل، لانه مطاوع نزل، وقد يطلق التنزل بمعنى النزول مطلقا، كما يطلق نزل بمعنى أنزل، والمعنى وما ننزل وقتا غب وقت إلا بأمر الله على ما تقتضيه حكمته، وقرئ " وما يتنزل " بالياء، والضمير للوحي " له مابين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك " وهو ما نحن فيه من الاماكن أو الاحايين لا ننقل من مكان إلى مكان ولا ننزل في زمان دون زمان إلا بأمره ومشيته " وما كان ربك نسيا " تاركا لك، أي ما كان عدم النزول إلا لعدم الامر به ولم يكن ذلك عن ترك الله لك وتوديعه (1) إياك كما زعمت الكفرة، وإنما كان لحكمة، رآها فيه (2). قوله تعالى: " ولا تعجل بالقرآن " قال الطبرسي: فيه وجوه: أحدها أن معناه لا تعجل بتلاوته قبل أن يفرغ جبرئيل من إبلاغه، فإنه (صلى الله عليه وآله) كان يقرأ معه ويعجل بتلاوته مخافة نسيانه، أي تفهم ما يوحى إليك إلى أن يفرغ الملك من تلاوته، ولا تقرأ معه ثم اقرأ بعد فراغه منه. وثانيها: أن معناه لا تقرئ به أصحابك ولا تمله (3) حتى يتبين لك معانيه. وثالثها: أن معناه ولا تسأل إنزال القرآن قبل أن يأتيك وحيه، لانه تعالى إنما ينزله بحسب المصلحة وقت الحاجة (4). قوله تعالى: " كذلك لنثبت به فؤادك " قال البيضاوي: أي كذلك أنزلناه مفرقا لنقوي بتفريقه فؤادك على حفظه وفهمه، لان حاله يخالف حال موسى وعيسى وداود (عليهم السلام)


(1) التوديع: الهجران، (2) أنوار التنزيل: 25: 42. (3) من أملى يملى إملاء، وفى المصدر: ولا تقرئه لاصحابك ولا تمله عليهم. (4) مجمع البيان 7: 32.

[ 246 ]

حيث كان اميا وكانوا يكتبون، فلو القي عليه جملة لتعيي (1) بحفظه، ولان نزوله بحسب الوقائع يوجب مزيد بصيرة وخوض في المعنى، ولانه إذا نزل منجما (2) ويتحدي بكل نجم فيعجزون عن معارضته زاد ذلك قوة قلبه، ولانه إذا نزل به جبرئيل حالا بعد حال يثبت به فؤاده، ومن فوائد التفريق معرفة الناسخ والمنسوخ، ومنها انضمام القرائن الحالية إلى الدلالات اللفظية، فإنه يعين على البلاغة " ورتلناه ترتيلا " أي وقرأنا عليك شيئا بعد شئ على توءدة وتمهل في عشرين سنة، أو ثلاث وعشرين سنة (3). قوله تعالى: " ما كان لبشر " أي لا يصح له " أن يكلمه الله إلا وحيا " أي إلهاما و قذفا في القلوب، أو إلقاء في المنام " أو من وراء حجاب " أي يكلمه من وراء حجاب كما كلم موسى (عليه السلام) بخلق الصوت في الطور، وكما كلم نبينا (صلى الله عليه وآله) في المعراج، وهذا إما على سبيل الاستعارة والتشبيه، فإن من يسمع الكلام ولا يرى المتكلم، يشبه حاله بحال من يكلم من وراء حجاب، أو المراد بالحجاب الحجاب المعنوي من كماله تعالى، ونقص الممكنات، ونوريته تعالى، وظلمانية غيره، كما سبق تحقيقه في كتاب التوحيد " أو يرسل رسولا، أي ملكا " فيوحي بإذنه ما يشاء "، فظهر أن وحيه تعالى منحصر في أقسام ثلاثة: إما بالالهام والالقاء في المنام، أو بخلق الصوت بحيث يسمعه الموحى إليه، أو بإرسال ملك، وعلم الملك أيضا يكون على هذه الوجوه (4)، والملك الاول (5) لا يكون علمه إلا بوجهين منها، وقد يكون بأن يطالع في اللوح، وسيأتي تحقيقه في الاخبار " إنه علي " عن أن يدرك بالابصار " حكيم " في جميع الافعال " وكذلك أوحينا إليك روحا " قيل: المراد القرآن، وقيل جبرئيل وسيأتي في الاخبار أن المراد به روح القدس، فعلى الاخيرين المراد ب‍ " أوحينا " أرسلنا " من أمرنا " أي بأمرنا " أو أنه من عالم الامر، وقد مر تحقيقه و


(1) عى وعيى وتعيى بأمره: عجز عنه، ولم يطق إحكامه. (2) أي في أوقات معينة. (3) أنوار التنزيل 2: 162. (4) أي بالالهام، أو بخلق الصوت، أو بتوسيط ملك، وأما الالقاء في المنام فلا يكون في ملك. (5) أي الملك الذى يأخذ عن الله بلا واسطة لا يكون عليه الا بالالهام أو بخلق الصوت.

[ 247 ]

سيأتي " ما كنت تدري " أي قبل الوحي " ما الكتاب ولا الايمان " قيل: الكتاب: القرآن، والايمان الصلاة، وقيل: المراد أهل الايمان على حذف المضاف، وقيل: المراد به الشرائع ومعالم الايمان، وهو (صلى الله عليه وآله) لم يكن في حال من الاحوال على غير الايمان، واستدل بهذه الآية على أنه (صلى الله عليه وآله) لم يكن قبل النبوة متعبدا بشرع، وسيأتي تحقيقه. " ولكن جعلناه " أي القرآن أو الروح أو الايمان. قوله تعالى: " علمه شديد القوى " قال الطبرسي - رحمه الله - يعني جبرئيل (عليه السلام) أي القوي في نفسه وخلقته " ذو مرة " أي قوة وشدة في خلقه، ومن قوته أنه اقتلع قرى قوم لوط، ومن شدته صيحته لقوم ثمود حتى هلكوا، وقيل: ذو صحة وخلق حسن، و قيل: " شديد القوى " في ذات الله " ذو مرة " أي صحة في الجسم، سليم من الآفات والعيوب وقيل: ذو مرة، أي ذو مرور في الهواء ذاهبا وجائيا ونازلا وصاعدا " فاستوى " أي جبرئيل على صورته التي خلق عليها بعد انحداره إلى محمد (صلى الله عليه وآله) " وهو بالافق الاعلى " أي افق المشرق (1)، قالوا: إن جبرئيل (عليه السلام) كان يأتي النبي (صلى الله عليه وآله) في صورة الآدميين، فسأله رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يريه نفسه على صورته التي خلق عليها، فأراه نفسه مرتين: مرة في الارض، ومرة في السماء أما في الارض ففي الافق الاعلى وذلك أن محمدا (صلى الله عليه وآله) كان بحراء فطلع له جبرئيل (عليه السلام) من المشرق فسد الافق إلى المغرب فخر النبي (صلى الله عليه وآله) مغشيا عليه فنزل جبرئيل (عليه السلام) في صورة الآدميين فضمه إلى نفسه، وهو قوله: " ثم دنا فتدلى " وتقديره ثم تدلى، أي قرب بعد بعده وعلوه في الافق الاعلى فدنا من محمد (صلى الله عليه وآله)، قال الحسن و قتادة: ثم دنا جبرئيل بعد استوائه بالافق الاعلى من الارض فنزل إلى محمد (صلى الله عليه وآله)، وقال الزجاج: معنى دنا وتدلى واحد، أي قرب فزاد في القرب (2)، وقيل: فاستوى، أي ارتفع وعلا إلى السماء بعد أن علم محمدا وقيل: اعتدل واقفا في الهواء بعد أن كان ينزل بسرعة ليراه النبي (صلى الله عليه وآله)، وقيل: معناه استوى جبرئيل ومحمد (صلى الله عليه وآله) بالافق الاعلى يعني السماء


(1) في المصدر: " وهو " كناية عن جبرئيل أيضا " بالافق الاعلى " يعنى افق المشرق، و المراد بالاعلى جانب المشرق، وهو فوق جانب المغرب في صعيد الارض لا في الهواء. (2) في المصدر: لان معنى دنا قرب، وتدلى زاد في القرب.

[ 248 ]

الدنيا ليلة المعراج " فكان قاب قوسين أو أدنى " أي كان ما بين جبرئيل وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله) قاب قوسين، قال عبد الله بن مسعود: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) رأى جبرئيل وله ستمائة جناح (1). أقول سيأتي تفسير بقية الآيات في باب المعراج. قوله تعالى: " لا تحرك به لسانك " قال البيضاوي: أي بالقرآن قبل أن يتم وحيه " لتعجل به " لتأخذه على عجلة مخافة أن ينفلت منك " إن علينا جمعه " في صدرك " و قرآنه " وإثبات قراءته في لسانك " فإذا قرأناه " بلسان جبرئيل عليك " فاتبع قرآنه " قراءته، وتكرر فيه حتى يرسخ في ذهنك " ثم إن علينا بيانه " بيان ما اشكل عليك من معانيه (2). 1 - عد: الاعتقاد في نزول الوحي من عند الله عزوجل بالامر والنهي: إعتقادنا في ذلك أن بين عيني إسرافيل لوحا، فإذا أراد الله عزوجل أن يتكلم بالوحي ضرب اللوح جبين إسرافيل، فينظر فيه فيقرأ ما فيه، فليقيه ميكائيل، ويلقيه ميكائيل إلى جبرئيل عليهم السلام، ويلقيه جبرئيل إلى الانبياء عليهم السلام، وأما الغشية التي كانت تأخذ النبي (صلى الله عليه وآله) حتى يثقل ويعرق فإن ذلك كان يكون (3) منه عند مخاطبة الله عزوجل إياه فأما جبرئيل فإنه كان لا يدخل على النبي (صلى الله عليه وآله) حتى يستأذنه إكراما له، وكان يقعد بين يديه قعدة العبد (4). بيان: قال الشيخ المفيد قدس الله روحه في شرح هذا الكلام: هذا أخذه أبو جعفر من شواذ الحديث، وفيه خلاف لما قدمه من أن اللوح ملك من ملائكة الله تعالى، وأصل الوحي هو الكلام الخفي، ثم قد يطلق على كل شئ قصد به إلى إفهام (5) المخاطب


(1) مجمع البيان 9: 173. (2) أنوار التنزيل 2: 567. (3) في المصدر: فانها كانت تكون. (4) اعتقادات الصدوق: 100 (5) المصدر خال عن كلمة (إلى) وهو الصحيح.

[ 249 ]

على الستر له عن غيره، والتخصيص له به دون من سواه، وإذا اضيف إلى الله تعالى كان فيما يخص به الرسل صلى الله عليهم خاصة دون من سواهم (1) على عرف الاسلام و شريعة النبي (صلى الله عليه وآله)، قال الله تعالى: " وأوحينا إلى ام موسى أن أرضعيه (2) " الآية، فاتفق أهل الاسلام على أن الوحي كان رؤيا مناما وكلاما (3) سمعته ام موسى على الاختصاص وقال تعالى: " وأوحى ربك إلى النحل (4) " الآية، يريد به الالهام الخفي إذ كان خالصا لمن أفرده (5) دون من سواه، فكان علمه حاصلا للنحل بغير كلام جهر به المتكلم فأسمعه غيره، وقال تعالى: " وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم (6) " بمعنى يوسوسون إلى أوليائهم بما يلقونه من الكلام في أقصى أسماعهم، فيخصون بعلمهم دون من سواهم، وقال: " فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم (7) " يريد به أشار إليهم من غير إفصاج


(1) اعلم أن الوحى قد يطلق ويراد به الكلمة المقدسة الالهية التى تلقى إلى انبياء الله و رسله صلواته عليهم في بيان شرائع الله وأحكامه، اما بتبليغ ملك يتمثل لهم فيروه، كتمثل جبرئيل كثيرا لنبينا صلوات الله عليه، أو يلقيها في روعهم بلا مشاهدة، كقوله تعالى: " نزل به الروح الامين * على قلبك " وقوله (صلى الله عليه وآله): " إن روح القدس نفث في روعى " أو بلا واسطة ملك باسماع الله تعالى نبيه تلك الكلمة، أو القائه في روعه، والهامه إليه، كل ذلك إما في حال اليقظة أو النوم، والوحى بهذا المعنى يختص بالانبياء عليهم السلام ولا يعم غيرهم، وقد يراد به تلك الكلمة لكن في غير موضع الشرائع والاحكام، بالالقاء في الروع والالهام، وذلك المعنى يعم الانبياء عليهم السلام وغيرهم، كما قال الله تعالى: " وأوحينا إلى ام موسى أن أرضعيه " وقد يطلق ويراد به التسخير وذلك في غير ذوى العقول كقوله تعالى: " وأوحى ربك إلى النحل " وقوله: " بان ربك أوحى لها " كما يطلق ويراد به الوسواس كقوله تعالى: " ان الشياطين ليوحون إلى أوليائهم " وذلك يختص بالشياطين ولا يضاف الا إليهم، وسيأتى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) الايعاز إلى معان أخر عن قريب. (2) القصص: 7. (3) في المصدر: أو كلاما. (4) النحل: 67. (5) في المصدر: إذا كان خاصا بمن أفرده. (6) الانعام: 121. (7) مريم: 11.

[ 250 ]

الكلام، شبه ذلك بالوحي لخفائه عمن سوى المخاطبين، ولستره عمن سواهم، وقد يري الله في المنام خلقا كثيرا ما يصح تأويله ويثبت حقه، لكنه لا يطلق - بعد استقرار الشريعة - عليه اسم الوحي، ولا يقال في هذا الوقت لمن طبعه الله (1) على علم شئ: إنه يوحى إليه وعندنا أن الله تعالى يسمع الحجج بعد نبيه صلى الله عليهم كلاما يلقيه إليهم في علم ما يكون، لكنه لا يطلق عليه اسم الوحي، لما قدمناه من إجماع المسلمين على أنه لا وحي لاحد بعد نبينا، وإنه لا يقال في شئ مما ذكرنا: إنه أوحى إلى أحد، ولله تعالى أن يبيح إطلاق الكلام أحيانا، ويحظره أحيانا، ويمنع السمات بشئ حينا ويطلقها حينا، وأما المعاني فإنها لا تتغير عن حقائقها على ما قدمناه، وأما الوحي من الله تعالى إلى نبيه فقد كان تارة بإسماعه الكلام من غير واسطة، وتارة بإسماعه الكلام على ألسن الملائكة والذي ذكره أبو جعفر - رحمه الله - من اللوح والقلم وما يثبت فيه فقد جاء به حديث إلا أنا لا نعزم على القول به، ولا نقطع على الله بصحته، ولا نشهد منه إلا بما علمناه، وليس الخبر به متواتر يقطع العذر، ولا عليه إجماع، ولا نطق القرآن به، ولا ثبت عن حجة الله تعالى فينقاد له، والوجه أن نقف فيه ونجوزه ولا نقطع به ولا نرده، ونجعله في حيز الممكن فأما قطع أبي جعفر به وعلمه على اعتقاده فهو مستند إلى ضرب من التقليد، ولسنا من التقليد في شئ (2). 3 - عد: الاعتقاد في نزول القرآن: اعتقادنا في ذلك أن القرآن نزل في شهر رمضان في ليلة القدر جملة واحدة إلى البيت المعمور، ثم نزل من البيت المعمور في مدة عشرين سنة، وأن الله تبارك وتعالى أعطى نبيه العلم جملة واحدة، ثم قال له: " ولا تعجل بالقرآن


(1) في نسخة من المصدر: اطلعه الله (2) الظاهر من كلام الصدوق قدس الله روحه انه بعد ما اعتقد أن الوحى قد يكون باسماع الله تعالى نبيه، وقد يكون بتوسيط الملك أراد أن يبين كيفية علم الملائكة واطلاعهم على الوحى وأنه كيف يلقى الله إليهم ذلك فما ذكره مذكور في بعض الاحاديث، وستأتى في الاخبار كيفية اخرى في ذلك. (3) تصحيح الاعتقادات: 56 و 57.

[ 251 ]

من قبل أن يقضى إليك وحيه (1) " وقال عزوجل: " لا تحرك به لسانك لتعجل به (2) " إلى قوله: " بيانه " (3). بيان: قال الشيخ المفيد - رحمه الله - الذي ذهب إليه أبو جعفر في هذا الباب أصله حديث واحد لا يوجب علما ولا عملا، ونزول القرآن على الاسباب الحادثة حالا بحال يدل على خلاف ما تضمنه الحديث، وذلك أنه قد تضمن حكم ما حدث، وذكر ما جرى على وجهه، وذلك لا يكون على الحقيقة إلا بحدوثه عند السبب، ألا ترى إلى قوله تعالى: " و قالوا (4) قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم " وقوله: " وقالوا لو شاء الرحمان ما عبدناهم مالهم بذلك من علم (5) " وهذا خبر عن ماض، ولا يجوز أن يتقدم مخبره، فيكون حينئذ خبرا عن ماض وهو لم يقع، بل هو في المستقبل، وأمثال ذلك في القرآن كثيرة، وقد جاء الخبر بذكر الظهار وسببه، وأنه لما جادلت النبي (صلى الله عليه وآله) في ذكر الظهار أنزل الله تعالى " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها (6) " وهذه قصة كانت بالمدينة، فكيف ينزل الله تعالى الوحي بها بمكة قبل الهجرة، فيخبر أنها قد كانت ولم تكن، ولو تتبعنا قصص القرآن لجاء مما ذكرناه كثيرا ينسد (7) به المقال، وفيما ذكرنا منه كفاية لذوي الالباب، وما أشبه ما جاء به من الحديث بمذهب المشبهة الذين زعموا أن الله تعالى لم يزل متكلما بالقرآن ومخبرا عما يكون بلفظ كان، وقد رد عليهم أهل التوحيد بنحو ما


(1) طه: 114. (2) القيامة: 6 - 19. (3) الاعتقادات: 101. (4) هكذا في الكتاب، والصحيح كما في المصدر والمصحف الشريف، " وقولهم قلوبنا غلف " راجع سورة النساء: 155، واما قوله تعالى. " وقالوا قلوبنا غلف " فتمامه: " بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون " راجع سورة البقرة: 88. (5) الزخرف: 20. (6) المجادلة: 1. (7) في المصدر: يتسع به المقال

[ 252 ]

ذكرناه، وقد يجوز أن الخبر (1) بنزول القرآن جملة في ليلة القدر المراد به أنه نزل جملة منه في ليلة القدر، ثم تلاه ما نزل منه إلى وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)، فأما أن يكون نزل بأسره وجميعه في ليلة القدر فهو بعيد مما يقتضيه ظاهر القرآن، والتواتر من الاخبار، و إجماع العلماء على اختلافها (2) في الآراء، وأما قوله تعالى: " ولا تعجل بالقرآن " ففيه وجهان غير ما ذكره أبو جعفر وعول فيه على حديث شاذ: أحدهما: أن الله تعالى نهاه عن التسرع إلى تأويل القرآن قبل الوحي إليه به، وإن كان في الامكان من جهة اللغة ما لو قالوه (3) على مذهب أهل اللسان. والوجه الآخر: أن جبرئيل (عليه السلام) كان يوحي إليه بالقرآن فيتلوه معه حرفا بحرف، فأمره الله تعالى أن لا يفعل ذلك، ويصغي إلى ما يأتيه به جبرئيل أو ينزله الله تعالى عليه بغير واسطة حتى يحصل الفراغ منه، فإذا تم (4) الوحي به تلاوة ونطق به فاقرأه، فأما ما ذكره المعول على الحديث من التأويل فبعيد، لانه لا وجه لنهي الله تعالى عن العجلة بالقرآن الذي هو في السماء (5) الرابعة حتى يقضى إليه وحيه، لانه لم يكن محيطا علما بما في السماء الرابعة قبل الوحي به إليه، فلا معنى لنهيه عما ليس في إمكانه، اللهم إلا أن يقول قائل ذلك: إنه كان محيطا بعلم القرآن المودع في السماء الرابعة فينتقض كلامه ومذهبه أنه كان في السماء الرابعة، لان ما في صدر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحفظه في الارض فلا معنى لاختصاصه بالسماء، ولو كان ما في حفظ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوصف بأنه في السماء الرابعة خاصة لكان ما في حفظ غيره موصوفا بذلك، ولا وجه حينئذ يكون


(1) في المصدر: ان الخبر الوارد. (2) في المصدر: على اختلافهم. (3) في المصدر: ما قالوه وهو الصحيح. (4) في المصدر: فإذا اتم الوحى. (5) لم يرد الصدوق ذلك، بل أراد أنه تعالى نهاه عن العجلة بالقرآن الذى علمه جملة واحدة بعد ما نزل إلى البيت المعمور، وبعبارة ان الله تعالى أنزل في ليلة القدر القرآن جملة واحدة إلى البيت المعمور، ثم أعلم النبي ذلك وعلمه القرآن بجملته، فلا يحتاج إلى احاطته بالسماء الرابعة حتى ؟ ؟ عنه، ولا ينتقض كلامه أنه كان في السماء الرابعة.

[ 253 ]

لاضافته إلى السماء الرابعة ولا إلى السماء الاولى، ومن تأمل ما ذكرناه علم أن تأويل الآية على ما ذكره المتعلق بالحديث بعيد عن الصواب انتهى كلامه رفع الله مقامه (1). وأقول: أما الاعتراض الاول الذي أورده قدس سره على الصدوق رحمه الله فغير وارد، إذ ثبت بالاخبار المستفيضة أن جميع الكتب التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه أثبتها في اللوح المحفوظ قبل خلق السماء والارض، ثم ينزل منها بحسب المصالح في كل وقت وزمان، وأما انطباقها على الوقائع المتأخرة فلا ينافي ذلك، لان الله تعالى عالم بما يتكلمون ويصدر منهم ويقع بينهم بعد ذلك، فأثبت في القرآن المثبت في اللوح جواب جميع ذلك على وفق علمه الذي لا يتخلف، فالمضي إنما يكون بالنسبة إلى زمان التبليغ إلى الخلق فلا استبعاد في أن ينزل هذا الكتاب جملة على النبي (صلى الله عليه وآله) ويأمره بأن لا يقرأ على الامة شيئا منه إلا بعد أن ينزل كل جزء منه في وقت معين يناسب تبليغه، وفي واقعة معينة يتعلق بها، وأما تشبيه صاحب هذا القول بالمشبهة القائلين بقدم كلام الله فلا يخفى ما فيه، لان صاحب هذا القول لا يقول بقدم القرآن المؤلف من الحروف، ولا بكونه صفة قديمة لله، قائمة بذاته تعالى، فأي مفسدة تلزم عليه، وأما المشابهة في أنه يمكن نفي القولين بتلك الآيات ففيه أن نفي هذا المذهب السخيف أيضا بتلك الآيات لا يتم بل ثبت بطلانه بسائر البراهين الموردة في محالها، وأما الاعتراضات التي أوردها على تفسير الصدوق للآية الكريمة فلعلها مبنية على الغفلة عن مراده فإن الظاهر أن الصدوق رحمه الله أراد بذلك الجمع بين الآيات والروايات، ودفع ما يتوهم من التنافي بينها، لانه دلت الآيات على نزول القرآن في ليلة القدر، والظاهر نزول جميعه فيها، ودلت الآثار والاخبار على نزول القرآن في عشرين أو ثلاث وعشرين سنة، وورد في بعض الروايات أن القرآن نزل في أول ليلة من شهر رمضان، ودل بعضها على أن ابتداء نزوله في المبعث فجمع بينها بأن: في ليلة القدر نزل القرآن جملة من اللوح إلى السماء الرابعة لينزل من السماء الرابعة إلى الارض بالتدريج، ونزل في أول ليلة من شهر رمضان جملة القرآن على النبي (صلى الله عليه وآله) ليعلم هو، لا ليتلوه على الناس، ثم ابتداء نزوله آية آية وسورة سورة في المبعث أو غيره


(1) تصحيح الاعتقادات 57 - 60.

[ 254 ]

ليتلوه على الناس، وهذا الجمع مؤيد بالاخبار، ويمكن الجمع بوجوه اخر سيأتي تحقيقها في باب ليلة القدر وغيره، فقوله رحمه الله: إن الله تعالى أعطى نبيه (صلى الله عليه وآله) العلم جملة لا يعني به أنه أعطاه بمحض النزول إلى البيت المعمور ليرد عليه ما أورده رحمه الله، ولا أن المراد بالنزول إلى البيت المعمور أنه علمه النبي (صلى الله عليه وآله)، وهذا منه رحمه الله غريب، وأما اللوح الذي ذكره أولا أنه يضرب جبين إسرافيل (عليه السلام) فيحتمل أن يكون المراد به اللوح المحفوظ، ويكون ذلك عند أول النزول إلى البيت المعمور، أو يكون المراد اللوح الذي ثبت فيه القرآن في السماء الرابعة، ولعله بعد نظر إسرافيل في اللوح على الوجهين يجد فيه علامة يعرف بها مقدار ما يلزمه إنزالها، أو يكون لوحا آخر ينقش فيه شئ فشئ عند إرادة الوحي، ولا ينافي انتقاش الاشياء فيه كونه ملكا كما اعترض عليه المفيد رحمه الله وإن كان بعيدا. 3 - فس: " وما كان لبشر أن يكلمه الله " الآية، قال: وحي مشافهة، ووحي إلهام، وهو الذى يقع في القلب " أو من وراء حجاب " كما كلم الله نبيه (صلى الله عليه وآله)، وكما كلم الله موسى (عليه السلام) من النار " أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء " قال: وحي مشافهة يعني إلى الناس، ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله): " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان " قال: روح القدس، هي التي قال الصادق (عليه السلام) في قوله: " ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي (1) " قال: هو ملك أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهو مع الائمة (2). أقول: سيأتي في تفسير النعماني عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: وأما تفسير وحي النبوة والرسالة فهو قوله تعالى: " إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل (3) " إلى آخر الآية، وأما وحي الالهام فهو قوله عزوجل: " وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما


(1) الاسراء: 85. (2) تفسير القمى: 605 و 606. (3) النساء: 163.

[ 255 ]

يعرشون (1) " ومثله " وأوحينا إلى ام موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم (2) " وأما وحي الاشارة فقوله عزوجل: " فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا (3) " أي أشار إليهم كقوله تعالى: " أن لاتكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا (4) " وأما وحي التقدير فقوله تعالى: " وأوحى في كل سماء أمرها وقدر فيها أقواتها (5) وأما وحي الامر فقوله سبحانه: " وإذا أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي (6) " وأما وحي الكذب فقوله عزوجل: " شياطين الانس والجن يوحي بعضهم إلى بعض (7) " إلى آخر الآية، وأما وحي (8) الخبر فقوله سبحانه: " وجعلنا منهم (9) أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين (10). 4 - ب: اليقطيني، عن القداح، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: احتبس الوحي على النبي (صلى الله عليه وآله) فقيل: احتبس عنك الوحي يا رسول الله ؟ قال: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): وكيف لا يحتبس عني الوحي وأنتم لاتقلمون أظفاركم ولا تنقون (11) روائحكم (12).


(1) النحل: 68. (2) القصص: 7. (3) مريم: 11. (4) آل عمران: 41. (5) هكذا في الكتاب ومصدره، ولعل قوله: " وقدر " تفسير لقوله: " وأوحى " والا فالاية هكذا: " وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين * ثم استوى الى السماء وهى دخان فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين * فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها " راجع سورة فصلت 10 - 12. (6) المائدة: 111. (7) الانعام: 112. (8) أي الاخبار بوساطة الانبياء عليهم السلام. (9) هكذا في الكتاب ومصدره، وفى المصحف الشريف: " وجعلناهم " راجع سورة الانبياء: 73. (10) المحكم والمتشابة: 21 و 22. (11) لا تنقون خ ل. رواجبكم خ ل (12) قرب الاسناد: 13.

[ 256 ]

بيان: قوله: روائحكم، أي الكريهة، وفي الكافي (1) وبعض نسخ المنقول منه رواجبكم وهو أظهر، وهي مفاصل اصول الاصابع، أو بواطن مفاصلها، أو هي قصب الاصابع أو مفاصلها، أو ظهور السلاميات (2)، أو ما بين البراجم من السلاميات، أو المفاصل التي تلي الانامل، ذكرها الفيروز آبادي. 5 - ع: ابن البرقي، عن أبيه، عن جده (3)، عن ابن أبي عمير، عن عمرو بن جميع، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان جبرئيل إذا أتي النبي (صلى الله عليه وآله) قعد بين يديه قعدة العبد، وكان لا يدخل حتى يستأذنه (4). 6 - يد: أبي، عن سعد عن ابن هاشم، عن ابن أبي نجران، عن محمد بن سنان، عن إبراهيم والفضل ابني محمد الاشعريين، عن عبيد بن زرارة، عن أبيه قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك الغشية التي كانت تصيب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا نزل عليه الوحي ؟ قال: فقال ذلك (5) إذا لم يكن بينه وبين الله أحد، ذاك إذا تجلى الله له، قال: ثم قال: تلك النبوة يا زرارة، وأقبل يتخشع (6). بيان: تجلي الله تعالى. ظهور آيات عظمته وجلاله (7)، أو هو كناية عن غاية المعرفة. 7 - يد: ابن الوليد، عن ابن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله الفراء، عن محمد بن مسلم، ومحمد بن مروان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما علم


(1) فروع الكافي 2: 217. (2) السلاميات جمع السلامى: كل عظم مجوف من صغار العظام، مثل عظام الاصابع والبراجم جمع البرجمة: مفاصل الاصابع أو العظام الصغار في اليد والرجل. (3) الصحيح كما في المصدر: عن جده، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، والمراد بالجد أحمد بن أبى عبد الله البرقى، والاب محمد بن خالد البرقى. (4) علل الشرائع: 14. (5) ذاك خ ل. (6) التوحيد 102. (7) أو تكليمه. بحار الانوار - 16 -

[ 257 ]

رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن جبرئيل (عليه السلام) من قبل الله إلا بالتوفيق (1). شى: عن محمد بن هارون عنه (عليه السلام) مثله (2). بيان: أي وفقه بأن علم (3) علما ضروريا أنه جبرئيل وليس بشيطان أو قرن الوحي بمعجزات علم بها أنه من قبل الله. 8 - يد، ج: فيما أجاب به أمير المؤمنين (عليه السلام) عن أسئلة الزنديق المدعي للتناقض في القرآن: قال (عليه السلام): وأما قوله: " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء (4) " وقوله: " وكلم الله موسى تكليما (5) " وقوله: " وناداهما ربهما (6) " وقوله: " يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة (7) " فأما قوله: " ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب ": ما ينبغي (8) لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا وليس بكائن إلا من وراء حجاب " أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء " كذلك (9) قال الله تبارك وتعالى علوا كبيرا، قد كان الرسول يوحى إليه من رسل السماء، فتبلغ رسل السماء رسل الارض، وقد كان الكلام بين رسل أهل الارض وبينه من غير أن يرسل بالكلام مع رسل أهل السماء، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يا جبرئيل هل رأيت ربك ؟ فقال جبرئيل: إن ربي لا يرى، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أين تأخذ الوحي ؟ فقال: آخذه من إسرافيل، فقال: ومن أين يأخذه إسرافيل ؟ قال: يأخذه من ملك فوقه من الروحانيين، قال: فمن أين يأخذه ذلك الملك ؟ قال: يقذف في قلبه قذفا، فهذا وحي، وهو كلام الله عزوجل، وكلام الله ليس بنحو واحد، منه ما كلم


(1) التوحيد: 246 و 247. (2) تفسير العياشي: مخطوط. (3) أو ألهم إليه ذلك. (4) الشورى: 51. (5) النساء: 164. (6) الاعراف: 22. (7) البقرة: 35. (8) في التوحيد: فانه ما ينبغى. (9) خلا الاحتجاج عن قوله: وقوله " وكلم الله موسى تكليما " إلى قوله كذلك قال الله.

[ 258 ]

الله به الرسل، ومنه ما قذفه في قلوبهم، ومنه رؤيا يريها الرسل، ومنه وحي وتنزيل يتلى ويقرأ فهو كلام الله (1)، فاكتف بما وصفت لك من كلام الله فإن معنى كلام الله ليس بنحو واحد، فإنه (2) منه ما تبلغ منه رسل السماء رسل الارض، قال: فرجت عني فرج الله عنك، وحللت عني عقدة فعظم الله أمرك يا أمير المؤمنين (3). بيان: لعل سؤاله (صلى الله عليه وآله) عن رؤية الرب تعالى بعد ما علم بالعقل أنه يمتنع عليه الرؤية ليعلم بالوحي أيضا كما علم بالعقل، وليخبر الناس بما اوحي إليه من ذلك. 9 - فس: أبي، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال جبرئيل لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في وصف إسرافيل: هذا حاجب الرب وأقرب خلق الله منه، واللوح بين عينيه من ياقوتة حمراء، فإذا تكلم الرب تبارك وتعالى بالوحي ضرب اللوح جبينه فنظر فيه، ثم ألقى إلينا نسعى (4) به في السماوات والارض إنه لادنى خلق الرحمان منه وبينه وبينه تسعون (5) حجابا من نور، يقطع دونها الابصار ما يعد (6) ولا يوصف، وإني لاقرب الخلق منه، وبيني وبينه مسيرة ألف عام (7). بيان: قوله: وبينه وبينه، أي وبين الموضع الذي جعله الله محل صدور الوحي من العرش، أو المراد بالحجب الحجب المعنوية (8). 10 - فس: قال علي بن إبراهيم في قوله: " بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ (9) " قال: اللوح المحفوظ له طرفان: طرف على العرش (10) وطرف على جبهة.


(1) إلى هنا تم الحديث في الاحتجاج. (2) فان منه خ ل. (3) التوحيد 269 و 270، الاحتجاج 127. (4) في المصدر: ثم ألقاه إلينا فنسعى به. (5) في المصدر: سبعون. (6) مالا يعد خ ل. وهو الموجود في المصدر (7) تفسير القمى: 389 و 390. (8) والمراد بالدنو القرب المعنوي لا المكانى. (9) البروج: 21 و 22. (10) في المصدر: على يمين العرش.

[ 259 ]

إسرافيل، فإذا تكلم الرب جل ذكره بالوحي ضرب اللوح جبين إسرافيل، فنظر في اللوح فيوحي بما في اللوح إلى جبرئيل (عليه السلام) (1). 11 - فس: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: " حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير (2) وذلك أن أهل السماوات لم يسمعوا وحيا فيما بين أن بعث عيسى بن مريم (عليه السلام) إلى أن بعث محمد (صلى الله عليه وآله)، فلما بعث الله جبرئيل إلى محمد (صلى الله عليه وآله) سمع أهل السماوات صوت وحي القرآن كوقع الحديد على الصفا، فصعق أهل السماوات، فلما فرغ من الوحي انحدر جبرئيل، كلما مر بأهل السماء (3) فزع عن قلوبهم، يقول: كشف عن قلوبهم، فقال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير (4). بيان: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " حتى إذا فزع عن قلوبهم، أي كشف الفزع عن قلوبهم، واختلف في الضمير في " قلوبهم " فقيل: يعود إلى المشركين المتقدم ذكرهم، أي إذا اخرج (5) عن قلوبهم الفزع وقت الفزع ليسمعوا كلام الملائكة " قالوا " أي قالت الملائكة لهم: " ماذا قال ربكم قالوا " أي المشركون: " الحق " أي قال الحق، فيعترفون أن ما جاء به الرسل كان حقا، عن ابن عباس وغيره، وقيل: يعود إلى الملائكة ثم اختلف فيه على وجوه: أحدها: أن الملائكة إذا صعدوا بأعمال العباد ولهم زجل (6) وصوت عظيم فتحسب الملائكة أنها الساعة فيخرون سجدا ويفزعون، فإذا علموا أنه ليس ذلك قالوا: " ماذا قال ربكم قالوا الحق ".


(1) تفسير القمى: 720 وفيه: فينظر. (2) سبأ: 23. (3) في المصدر: كلما مر بأهل سماء. (4) تفسير القمى: 539. (5) في المصدر: حتى إذا اخرج. (6) أي صوت وضجيج.

[ 260 ]

وثانيها: أن الفترة لما كان (1) بين عيسى (عليه السلام) ومحمد (صلى الله عليه وآله) وبعث الله محمدا أنزل الله سبحانه جبرئيل بالوحي، فلما نزلت (2) ظنت الملائكة أنه نزل بشئ من أمر الساعة فصعقوا لذلك، فجعل جبرئيل يمر بكل سماء ويكشف عنهم الفزع، فرفعوا رؤوسهم وقال بعضهم لبعض: " ماذا قال ربكم قالوا الحق " يعني الوحي عن مقاتل والكلبي. وثالثها: أن الله إذا أوحى إلى بعض ملائكته لحق الملائكة غشي عند سماع الوحي ويصعقون ويخرون سجدا للآية العظيمة، فإذا فزع عن قلوبهم سألت الملائكة ذلك الملك الذي اوحي إليه ماذا قال ربك ؟ أو يسأل بعضهم بعضا فيعلمون أن الامر في غيرهم عن ابن مسعود، واختاره الجبائي (3). 12 - ك: إن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يكون بين أصحابه فيغمى عليه وهو يتصاب عرقا (4) فإذا أفاق قال: قال الله عزوجل: كذا وكذا، وأمركم بكذا، ونهاكم عن كذا، وأكثر مخالفينا يقولون: إن ذلك كان يكون عند نزول جبرئيل (عليه السلام) عليه، فسئل الصادق (عليه السلام) عن الغشية التي كانت تأخذ النبي (صلى الله عليه وآله) أكانت تكون عند هبوط جبرئيل ؟ فقال: لا، إن جبرئيل (عليه السلام) إذا أتى (5) النبي (صلى الله عليه وآله) لم يدخل عليه حتى يستأذنه، فإذا دخل عليه قعد بين يديه قعدة العبد، وإنما ذلك عند مخاطبة الله عزوجل إياه بغير ترجمان وواسطة حدثنا بذلك ابن إدريس، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن محمد بن الحسين بن زيد (6)، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن ثابت، عن الصادق (عليه السلام) (7). 13 - قب: وأما كيفية نزول الوحي فقد سأله الحارث بن هشام كيف يأتيك الوحي ؟ فقال: أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني، فقد (8)


(1) في المصدر: لما كانت (2) في المصدر: فلما نزل وهو الصحيح. (3) مجمع البيان 8: 389. (4) في المصدر: ينصاب عرقا. (5) في المصدر: كان إذا أتى. (6) في المصدر: محمد بن الحسين بن يزيد. (7) كمال الدين 51. (8) وقد خ ل.

[ 261 ]

وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول. وروي أنه كان إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه دوي كدوي النحل. وروي أنه كان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه لينفصد عرقا. وروي أنه كان إذا نزل عليه (1) كرب لذلك ويربد وجهه، ونكس رأسه ونكس أصحابه رؤوسهم منه، ومنه يقال: برحاء الوحي. قال ابن عباس: كان النبي (صلى الله عليه وآله) إذا نزل عليه القرآن تلقاه بلسانه وشفتيه، كان يعالج من ذلك شدة، فنزل: " لا تحرك به لسانك (2) " وكان إذا نزل عليه الوحي وجه منه ألما شديدا، ويتصدع رأسه، ويجد ثقلا، قوله: " إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا (3) وسمعت أنه نزل جبرئيل (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ستين ألف مرة (4). بيان: قال في النهاية: في صفة الوحي: كأنه صلصلة على صفوان، الصلصلة: صوت الحديد إذا حرك، وقال: فيفصم عني، أي يقلع، وأفصم المطر: إذا اقلع وانشكف، وقال: فيه: كان إذا نزل عليه الوحي تفصد عرقا، أي سال عرقه، تشبيها في كثرته بالفصاد و " عرقا " منصوب على التمييز، وقال: فيه: إذا أصابه الوحي كرب له أي أصابه الكرب واربد وجهه، أي تغير إلى الغبرة، وقال: البرح: الشدة، ومنه الحديث فأخذه البرحاء أي شدة الكرب من ثقل الوحي. 14 - شى: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله: " حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا (5) مخففة قال: ظنت الرسل أن الشياطين تمثل لهم على صورة الملائكة.


(1) في المصدر: نزل عليه الوحى. (2) القيامة: 16. (3) المزمل: 5. (4) مناقب آل أبى طالب 1: 41 وفيه: وسمعت مذاكرة. (5) يوسف: 120.

[ 262 ]

15 - وعن أبي شعيب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: وكلهم الله إلى أنفسهم أقل من طرفة عين (1). بيان: لعل المراد أن الله وكلهم إلى أنفسهم ليزيد يقينهم بأنهم معصومون بعصمة الله، فخطر ببالهم أن ما وعدوا من عذاب الامم لعله يكون من الشياطين، فصرف الله عنهم ذلك وعصمهم وثبتهم على اليقين بأن ما اوحي إليهم ليس للشيطان فيه سبيل. قال الطبرسي رحمه الله: قرأ أهل الكوفة وأبو جعفر " كذبوا " بالتخفيف وهي قراءة علي، وزين العابدين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد عليهم السلام وزيد بن علي، وابن عباس وابن مسعود وابن جبير وغيرهم، وقرأ الباقون بالتشديد، قال أبو علي: الضمير في " ظنوا " على قول من شدد للرسل، أي تيقنوا أو حسبوا أن القوم كذبوهم، وأما من خفف فالضمير للمرسل إليهم، أي ظن المرسل إليهم أن الرسل كذبوهم فيما أخبروهم به من أنهم إن لم يؤمنوا انزل بهم العذاب، وأما من زعم أن الضمير راجع إلى الرسل، أي ظن الرسل أن الذي وعد الله سبحانه اممهم على لسانهم قد كذبوا به فقد أتى عظيما لا يجوز أن ينسب مثله إلى الانبياء ولا إلى صالحي عباد الله، وكذلك من زعم أن ابن عباس ذهب إلى أن الرسل قد ضعفوا وظنوا أنهم قد اخلفوا، لان الله لا يخلف الميعاد (2). 16 - شى: عن زرارة قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): كيف لم يخف رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيما يأتيه من قبل الله أن يكون ذلك مما ينزغ به الشيطان ؟ قال: فقال: إن الله إذا اتخذ عبدا رسولا أنزل عليه السكينة والوقار، فكان يأتيه من قبل الله عزوجل مثل الذي يراه بعينه (3). 17 - كا: علي، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل، عن صفوان، وابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: في المستحاضة (4) تأتي مقام


(1) تفسير العياشي: مخطوط. وفى الحديثين غرابة خصوصا في الاول (2) مجمع البيان 5: 269 و 270. (3) تفسير العياشي: مخطوط. (4) والحديث طويل قطعه المصنف، وهو في الحائض لا المستحاضة.

[ 263 ]

جبرئيل (عليه السلام)، وهو تحت الميزاب، فإنه كان مكانه إذا استأذن على نبي الله (صلى الله عليه وآله) (1) 18 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عمن ذكره، عن ابن بكير، عن عمر بن يزيد قال: حاضت صاحبتي وأنا بالمدينة، فذكرت (2) ذلك لابي عبد الله (عليه السلام)، فقال مرها فلتغتسل، ولتأت مقام جبرئيل فإن جبرئيل كان يجئ فيستأذن على رسول الله، و إن كان على حال لا ينبغي أن يأذن له قام في مكانه حتى يخرج إليه، وإن أذن له دخل عليه، فقلت: وأين المكان ؟ قال: حيال الميزاب الذي إذ اخرجت من الباب الذي يقال له: باب فاطمة بحذاء القبر، إذا رفعت رأسك بحذاء الميزاب، والميزاب فوق رأسك، والباب من وراء ظهرك. الخبر (3). 19 - ع: الطالقاني، عن أحمد بن إسحاق المادرائي، عن أبي قلابة عبد الملك بن محمد، عن غانم بن الحسن السعدي، عن مسلم بن خالد المكي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال: ما أنزل الله تبارك وتعالى كتابا ولا وحيا إلا بالعربية، فكان يقع في مسامع الانبياء بألسنة قومهم، وكان يقع في مسامع نبينا (صلى الله عليه وآله) بالعربية فإذا كلم به قومه كلمهم بالعربية، فيقع في مسامعهم بلسانهم، وكان أحد لا يخاطب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأي لسان خاطبه، إلا وقع في مسامعه بالعربية، كل ذلك يترجم جبرئيل (عليه السلام) له وعنه تشريفا من الله عزوجل له (صلى الله عليه وآله) (4) 20 - أقول: قال في المنتقى: كان النبي (صلى الله عليه وآله) إذا غشيه الوحي ثقل على جسمه ما غشيه من أمر الله. وفي الحديث المقبول أنه (صلى الله عليه وآله) اوحي إليه وهو على ناقته فبركت ووضعت جرانها (5) بالارض، فما تستطيع أن تتحرك، وإن عثمان كان يكتب للنبي (صلى الله عليه وآله) " لا يستوي


(1) فروع الكافي 1: 289 و 290. (2) اختصره المصنف، وتمامه بعد قوله: وأنا بالمدينة: وكان ميعاد جمالنا وابان مقامنا و خروجنا قبل أن تطهر، ولم تقرب المسجد ولا القبر ولا المنبر، فذكرت + اه‍. (3) فروع الكافي 1: 290. (4) علل الشرائع 53. (5) الجران من البعير: مقدم عنقه، يقال: ألقى البعير جرانه أي برك.

[ 264 ]

القاعدون " الآية، وفخذ النبي (صلى الله عليه وآله) على فخذ عثمان فجاء ابن ام مكتوم فقال: يا رسول الله إن بى من العذر ما ترى، فغشيه الوحي فثقلت فخذه على فخذ عثمان حتى قال: خشيت أن ترضها، فأنزل الله سبحانه: " غير اولي الضرر (1) ". وروي عن أبي أروى الدوسي قال: رأيت الوحي ينزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإنه (صلى الله عليه وآله) على راحلته فترغو (2) وتنقل يديها حي أظن أن ذراعها ينفصم، فربما بركت، وربما قامت مؤتدة (3) يديها حتى تسرى عنه من ثقل الوحي. وإنه لينحدر منه مثل الجمان (4). 21 - كا: الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن عبد الله بن إدريس، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر (5) قال: سألته عن علم الامام بما في أقطار الارض وهو في بيته مرخى عليه ستره، فقال: يا مفضل إن الله تبارك وتعالى جعل في النبي (صلى الله عليه وآله) خمسة أرواح: روح الحياة، فبه دب ودرج (6)، وروح القوة فبه نهض وجاهد، وروح الشهوة فبه أكل وشرب وأتى النساء من الحلال، وروح الايمان فبه آمن وعدل، وروح القدس فبه حمل النبوة، فإذا قبض النبي (صلى الله عليه وآله) انتقل روح القدس فصار إلى الامام، وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يزهو، والاربعة الارواح تنام وتغفل وتلهو وتزهو، وروح القدس كان يرى به (7). بيان: كان يرى به، على المعلوم أو المجهول، أي كان يرى النبي (صلى الله عليه وآله) والامام بروح القدس ما غاب عنه في أقطار الارض والسماء وما دون العرش. 22 - كا: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر


(1) النساء: 95. (2) رغا البعير: صوت وضج قوله: تنقل يديها، في المصدر: تفتل يديها أي تلويهما. (3) من وتدرجله في الارض ؟ أي ثبتها قوله: حتى تسرى، في المصدر: حتى يسرى من سرى عنه أي زال عنه ما كان يجده من الغضب أوالهم. والجمان بالضم: اللؤلؤ. (4) المنتقى في مولود المصطفى: الباب الثاني فيما كان في السنة الاولى من نبوته (صلى الله عليه وآله). (5) في المصدر: عن المفضل بن عمر، عن أبى عبد الله (عليه السلام). (6) دب: مشى على اليدين والرجلين كالطفل. درج: مشى. (7) اصول الكافي 1: 272.

[ 265 ]

بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تبارك وتعالى: " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان (1) " قال: خلق من خلق الله أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخبره ويسدده، وهو مع الائمة من بعده (2). 23 - كا: علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزوجل " يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي (3) " قال: خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو مع الائمة، وهو من الملكوت (4). بيان: أي هو من عالم المجردات أو العلويات. 24 - كا: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن علي بن أسباط، عن أسباط بن سالم قال: سأله رجل من أهل هيت وأنا حاضر عن قول الله عزوجل: " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا (5) " فقال: منذ أنزل الله عزوجل ذلك الروح على محمد ما صعد إلى السماء وإنه لفينا (6). 25 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيوب الخزاز، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) (7) " يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي (8) " قال: خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل، لم يكن مع أحد ممن مضى غير محمد (صلى الله عليه وآله)، وهو مع الائمة يسددهم، وليس كل ما طلب وجد (9).


(1) الشورى: 52. (2) اصول الكافي 1: 273. (3) الاسراء: 85. (4) اصول الكافي 1: 273. (5) الشورى: 52. (6) اصول الكافي 1: 273. (7) في المصدر: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول. (8) الاسراء: 85. (9) اصول الكافي 1: 273.

[ 266 ]

بيان: قوله: ليس كل ما طلب وجد، بيان لعظم هذه المرتبة، وأنها لا تتيسر إلا بفضل الله تعالى، وأنه ليس كل الامور بحيث يمكن تحصيله بالطلب والكسب (1). 26 - كا: محمد بن يحيى، عن عمران بن موسى، عن موسى بن جعفر، عن علي بن أسباط، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن العلم أهو شئ (2) يتعلمه العالم من أفواه الرجال، أم في الكتاب عندكم تقرؤونه فتعلمون منه، قال: الامر أعظم من ذلك وأوجب، أما سمعت قول الله عزوجل: " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان (3) " ثم قال: أي شئ يقول أصحابكم في هذه الآية ؟ أيقرون أنه كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الايمان ؟ فقلت: لا أدري جعلت فداك ما يقولون ؟ فقال: بلى قد كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الايمان حتى بعث الله عز وجل الروح التي ذكر في الكتاب، فلما أوحاها إليه علم به العلم والفهم، و هي الروح التي يعطيها الله عزوجل من شاء، فإذا أعطاها عبدا علمه الفهم (4). 27 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن الاحول قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرسول والنبي والمحدث، قال: الرسول: الذي يأتيه جبرئيل (عليه السلام) قبلا فيراه ويكلمه، فهذا الرسول، وأما النبي فهو الذي يرى في منامه نحو رؤيا إبراهيم (عليه السلام) ونحو ما كان رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أسباب النبوة قبل الوحي حتى أتاه جبرئيل (عليه السلام) من عند الله بالرسالة، وكان محمد (صلى الله عليه وآله) حين جمع له النبوة وجاءته الرسالة من عند الله يجيئه بها جبرئيل (عليه السلام) ويكلمه بها قبلا، ومن الانبياء من جمع له النبوة و


(1) ولعل المراد بالروح الوارد في تلك الاخبار وهو مرتبة شديدة من العقل التى ينكشف بها الحقائق لصاحبها، وبها يرى ما غاب عنه في أقطار الارض والسماء، ومن لوازم ذلك الروح ملكة تسمى العصمة، تسدد صاحبها عن المعاصي والغفلة والنسيان، وتوفقه للخيرات والطاعات، و أما الروح الوارد في الاية فهو يجامع روح القدس وغيره، وفسر الامام (عليه السلام) نوعا منه في الحديث وهو الذى يأتي في الاية الاتية. (2) في المصدر: أهو علم يتعلمه. (3) تقدم ذكر موضع الاية كرارا. (4) اصول الكافي 1: 273 و 274، وفيه: علم بها العلم.

[ 267 ]

يرى في منامه ويأتيه الروح ويكلمه ويحدثه من غير أن يكون يرى في اليقظة، وأما المحدث فهو الذي يحدث فيسمع ولا يعاين ولايرى في منامه (1). بيان: قال الجوهري: رأيته قبلا وقبلا (2) بالضم، أي مقابلة وعيانا، ورأيته قبلا بكسر القاف، قال الله تعالى: " أو يأتيهم العذاب قبلا (3) " أي عيانا. 28 - ير: محمد بن الحسين، عن موسى بن سعدان، عن عبد الله بن القاسم، عن سماعة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن الروح خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يسدده ويرشده، وهو مع الاوصياء من بعده (4). أقول: سيأتي سائر الاخبار في ذلك في كتاب الامامة. 29 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن عبد الله بن سليمان السجستاني، عن إسحاق بن إبراهيم النهشلي، عن زكريا بن يحيى الخزاز، عن مندل بن علي، عن الاعمش، عن ابن جبير، عن ابن عباس قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يغدو إليه علي (عليه السلام) في الغداة، وكان يحب أن لا يسبقه إليه أحد، فإذا النبي (صلى الله عليه وآله) (5) في صحن الدار وإذا رأسه في حجر دحية بن خليفة الكلبي، فقال: السلام عليك، كيف أصبح رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال: بخير يا أخا رسول الله، فقال علي (عليه السلام): جزاك الله عنا أهل البيت خيرا، قال له دحية: إني احبك، وإن لك عندي مديحة اهديها إليك: أنت أمير المؤمنين، وقائد الغر المحجلين، وسيد ولد آدم يوم القيامة (6) ما خلا النبيين والمرسلين، لواء الحمد بيدك يوم القيامة، تزف أنت وشيعتك مع محمد وحزبه إلى الجنان، قد أفلح من والاك، وخاب و خسر من خلاك (7)، بحب محمد (صلى الله عليه وآله) أحبوك، وببغضه أبغضوك (8)، ولا تنالهم شفاعة


(1) اصول الكافي 1: 176. (2) فيه لغات: بضم الاول وفتح الثاني. وضمهما، وفتحهما، وكسر الاول وفتح الثاني. (3) الكهف: 55. (4) بصائر الدرجات: 135. (5) في المصدر: فدخل فإذا النبي (صلى الله عليه وآله). وهو الصواب. (6) خلا المصدر عن قوله: يوم القيامة. (7) أي تركك وتبرأ عنك. (8) في المصدر: محب محمد (صلى الله عليه وآله) محبوك، ومغبضه مبغضوك.

[ 268 ]

محمد (صلى الله عليه وآله)، ادن من صفوة الله، فأخذ رأس النبي (صلى الله عليه وآله) فوضعه في حجره، فانتبه النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: ما هذه الهمهمة ؟ فأخبره الحديث، فقال: لم يكن دحية، كان جبرئيل سماك باسم سماك الله تعالى به، وهو الذي ألقى محبتك في قلوب المؤمنين، و رهبتك في صدور الكافرين (1). 30 - ما: الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، عن أحمد بن إبراهيم بن أحمد، عن الحسن بن علي الزعفراني، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال بعض أصحابنا: أصلحك الله أكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: قال جبرئيل (2)، وهذا جبرئيل يأمرني، ثم يكون في حال اخرى يغمى عليه ؟ قال: فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إنه إذا كان الوحي من الله إليه ليس بينهما جبرئيل أصابه ذلك لثقل الوحي من الله، وإذا كان بينهما جبرئيل لم يصبه ذلك فقال: قال لي جبرئيل، وهذا جبرئيل (3). 31 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن عبد الله بن محمد البغوي، عن بشر بن هلال عن عبد الوارث بن سعيد، عن أبي نضر، عن أبي سعيد الخدري أن جبرئيل أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا محمد اشتكيت ؟ قال: نعم، قال: بسم، من كل شئ يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد والله يشفيك بسم الله أرقيك (4). 32 - أقول: قال السيد بن طاووس في كتاب سعد السعود: رأيت في تفسير منسوب إلى الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى: " إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون (5) " قال: بلغنا أن عثمان بن مظعون


(1) أمالى الشيخ: 31. (2) وقال جبرئيل خ ل. (3) أمالى الشيخ: 49. (4) أمالى الشيخ: 60. (5) النحل: 90.

[ 269 ]

قال: نزلت هذه الآية على النبي (صلى الله عليه وآله) وأنا عنده، قال: مررت عليه وهو بفناء بابه فجلست إليه، فبينا هو يحدثني إذ رأيت بصره شاخصا إلى السماء حتى رأيت طرفه قد انقطع، ثم رأيته خفضه حتى وضعه عن يمينه، ثم ولاني ركبته وجعل ينفض برأسه كأنه الهم شيئا فقال: ثم رأيته أيضا رفع طرفة إلى السماء، ثم خفضه عن شماله ثم أقبل إلي محمر الوجه يفيض عرقا (1)، فقلت: يا رسول الله ما رأيتك فعلت الذي فعلت اليوم ! ؟ ما حالك قال: ولقد رأيته ؟ قلت: نعم، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ذاك جبرئيل لم يكن لي همة غيره، ثم تلا عليه الآيتين، قال عثمان: فقمت من عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) معجبا بالذي رأيت، فأتيت أبا طالب - رضي الله عنه - فقرأتهما عليه فعجب أبو طالب، وقال: يا آل غالب اتبعوه. ترشدوا وتفحلوا، فوالله ما يدعو إلا إلى المكارم الاخلاق، لئن كان صادقا أو كاذبا (2) ما يدعو إلا إلى الخير. قال السيد: ورأيت في غير هذا التفسير أن هذا العبد الصالح قال: كان أول إسلامي


(1) ظاهر الحديث ينافى ما مر من أن تلك الحالة كانت عند مخاطبة الله عزوجل اياه بلا ترجمان وواسطة، وأما جبرئيل فكان لم يدخل عليه حتى يستأذنه وكان يقعد بين يديه قعدة العبد، ولعله يحمل تلك الحالة بالغشية فقط أو يحمل هذا الحديث بابتداء النبوة ونزول الوحى، وأما بعده فيقال بمضمون ما تقدم من الاخبار، أو وقعت زيادة في الحديث. إذ الطبرسي رواه في مجمع البيان وألفاظه يغاير ذلك، قال: وجاءت الرواية أن عثمان بن مظعون قال أسلمت استحياء من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لكثرة ما كان يعرض على الاسلام، ولم يقر الاسلام في قلبى، فكنت ذات يوم عنده حال تأمله فشخص بصره نحو السماء كانه يستفهم شيئا، فلما سرى عنه سألته عن حاله، فقال نعم بينا أنا احدثك إذ رأيت جبرئيل في الهواء فأتاني بهذه الاية: " إن الله يأمر بالعدل والاحسان " وقرأها على إلى آخرها، فقر الاسلام في قلبى: وأتيت عمه أبا طالب فأخبرته فقال يا آل قريش اتبعوا محمدا ترشدوا، فانه لا يأمركم الا بمكارم الاخلاق، وأتيت الوليد بن المغيرة وقرأت عليه هذه الاية فقال: ان كان محمد قاله فنعم ما قال، وان قال ربه فنعم ما قال: قال فأنزل الله: " أفرأيت الذى تولى وأعطى قليلا وأكدى " يعنى قوله فنعم ما قال، ومعنى قوله: " واكدى " انه لم يقم على ما قاله وقطعه. (2) ذلك مبالغة يريد أن دعوته (صلى الله عليه وآله) لا تكون لكم الا الخير والرشاد، يقال نحو ذلك فيمن قطع على صدقه وجزم بسداده.

[ 270 ]

حبا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم تحقق إسلامي ذلك اليوم لما شاهدت الوحي إليه (1). 33 - ير: أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم الجوهري، عن علي عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إنا لنزاد في الليل والنهار ولو لم نزد لنفد ما عندنا: قال أبو بصير: جعلت فداك من يأتيكم به ؟ قال: إن منا من يعاين، وإن منا لمن ينقر في قلبه كيت وكيت، ومنا من يسمع باذنه وقعا كوقع السلسلة في الطشت، فقلت له من الذي يأتيكم بذلك ؟ قال: خلق لله أعظم من جبرئيل وميكائيل (2). 34 - ير: العباس بن معرف: عن حماد بن عيسى، عن ربعي، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان جبرئيل (عليه السلام) يملي على النبي (صلى الله عليه وآله) وهو يملي على علي (عليه السلام) فنام (3) نومة ونعس نعسة فلما رجع نظر إلى الكتاب فمد يده قال: من أملى هذا عليك قال أنت، قال: لا بل جبرئيل (4). 35 - ير: علي بن حسان، عن ابن بكير، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) من الرسول ؟ من النبي ؟ من المحدث ؟ فقال: الرسول: الذي يأتيه جبرئيل فيكلمه قبلا فيراه كما يرى أحدكم صاحبه الذي يكلمه، فهذا الرسول، والنبي: الذي يؤتي في النوم نحو رؤيا إبراهيم (عليه السلام). ونحو ما كان يأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) من السبات إذا أتاه جبرئيل في النوم، فهكذا النبي، ومنهم من تجمع له الرسالة والنبوة، فكان رسول الله رسولا نبيا يأتيه جبرئيل قبلا فيكلمه ويراه ويأتيه في النوم وأما المحدث فهو الذي يسمع كلام الملك فيحدثه من غير أن يراه ومن غير أن يأتيه في النوم (5). ير: ابن أبي الخطاب، عن البزنطي، عن حماد بن عثمان، عن زرارة مثله (6). بيان قال الجوهري: السبات: النوم وأصله الراحة.


(1) سعد السعود: 122 و 123. (2) بصائر الدرجات: 63 و 64. وفيه: خلق اعظم. (3) أي النبي (صلى الله عليه وآله). (4) بصائر الدرجات: 93. (5) بصائر الدرجات: 109. (6) بصائر الدرجات: 109 ومتن الحديث يخالف المذكور يسيرا.

[ 271 ]

أقول: قد مضت الاخبار الكثيرة في ذلك في كتاب قصص الانبياء عليهم السلام. 36 - سن: أبي، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم قال: أبو عبد الله (عليه السلام) كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أتاه الوحي من الله وبينهما جبرئيل (عليه السلام) يقول: هو ذا جبرئيل، وقال لي جبرئيل، وإذا أتاه الوحي وليس بينهما جبرئيل تصيبه تلك السبتة ويغشاه منه ما يغشاه لثقل الوحي عليه من الله عزوجل (1). 37 - شى: عن عيسى بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن علي (عليه السلام) قال: كان القرآن ينسخ بعضه بعضا، وإنما كان يؤخذ من أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بآخره، فكان من آخر ما نزل عليه سورة المائدة نسخت ما قبلها ولم ينسخها شئ، فلقد نزلت عليه وهو على بغلته الشهباء وثقل عليها الوحي حتى وقف وتدلى بطنها حتى رئيت سرتها تكاد تمس الارض، واغمي على رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى وضع يده على ذؤابة منبه بن وهب (2) الجمحي ثم رفع ذلك عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقرأ علينا سورة المائدة فعمل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعملنا (3). 38 - نهج: ولقد قرن الله به (صلى الله عليه وآله) من لدن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره (4). تذنيب: اعلم أن علماء الخاصة والعامة اختلفوا في أن النبي (صلى الله عليه وآله) هل كان قبل بعثته متعبدا بشريعة أم لا، قال العلامة - قدس الله روحه - في شرحه على مختصر ابن الحاجب: اختلف الناس في أن النبي (صلى الله عليه وآله) هل كان متعبدا بشرع أحد من الانبياء قبله قبل النبوة أم لا، فذهب جماعة إلى أنه كان متعبدا ونفاه آخرون كأبي الحسين البصري وغيره وتوقف الغزالي والقاضي عبد الجبار والمثبتون اختلفوا فذهب بعضهم إلى أنه كان متعبدا بشرع نوح (عليه السلام)، وآخرون قالوا: بشرع إبراهيم (عليه السلام)، وآخرون بشرع موسى (عليه السلام)، وآخرون بشرع عيسى (عليه السلام)، وآخرون قالوا: بما ثبت أنه شرع.


(1) المحاسن: 338. (2) على رأسه ابن وهب خ ل. (3) تفسير العياشي: مخطوط. (4) نهج البلاغة: القسم الاول: 416.

[ 272 ]

واستدل المصنف على أنه كان متعبدا بشرع من قبله بما نقل نقلا يقارب التواتر أنه كان بصلي ويحج ويعتمر ويطوف بالبيت ويتجنب الميتة ويذكي ويأكل اللحم ويركب الحمار وهذه امور لا يدركها العقل فلا مصير إليها إلا من الشرع واستدل آخرون على هذا المذهب أيضا بأن عيسى (عليه السلام) كان مبعوثا إلى جميع المكلفين، والنبي (صلى الله عليه وآله) كان من المكلفين، فيكن عيسى (عليه السلام) مبعوثا إليه. والجواب: لا نسلم عموم دعوة من تقدمه. واحتج المخالف بأنه لو كان متعبدا بشرع من قبله لكان مخالطا لاهل تلك الشريعة قضاء للعادة الجارية بذلك أو لزمته المخالطة لارباب تلك الشريعة بحيث يستفيد منهم الاحكام، ولما كان التالي باطلا إجماعا فكذا المقدم. والجواب: لا نسلم وجوب المخالطة، لان الشرع المنقول إليه عمن تقدمه إن كان متواترا فلا يحتاج إلى المخالطة والمناظرة، وإن كان آحادا فهو غير مقبول خصوصا مع اعتقاده بأن أهل زمانه (صلى الله عليه وآله) كانوا في غاية الالحاد، سلمنا أنه كان يلزم المخالطة، لكن المخالطة قد لا تحصل لموانع تمنع منها، فيحتمل (1) ترك المخالطة لمن يقاربه من أرباب الشرائع المتقدمة، على تلك الموانع جمعا بين الادلة انتهى. وقال المرتضى رضي الله عنه في كتاب الذريعة: هل كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) متعبدا بشرائع من تقدمه من الانبياء عليهم السلام ؟ في هذا الباب مسألتان: إحداهما قبل النبوة، و الاخرى بعدها، وفي المسألة الاولى ثلاثة مذاهب: أحدها أنه (صلى الله عليه وآله) ما كان متعبدا قطعا، والآخر أنه كان متعبدا قطعا، والثالث التوقف، وهذا هو الصحيح، والذي يدل عليه أن العبادة بالشرائع تابعة لما يعلمه الله تعالى من المصلحة بها في التكليف العقلي، ولا يمتنع أن يعلم الله تعالى أن لا مصلحة للنبي (صلى الله عليه وآله) قبل نبوته في العبادة بشئ من الشرائع، كما أنه غير ممتنع أن يعلم أن له (صلى الله عليه وآله) في ذلك مصلحة، وإذا كان كل واحد من الامرين جائزا ولا دلالة توجب القطع على أحدهما وجب التوقف.


(1) فيحمل خ ل. بحار الانوار - 17 -

[ 273 ]

وليس لمن قطع على أنه ما كان متعبدا أن يتعلق بأنه لو كان تعبده (صلى الله عليه وآله) (1) بشئ من الشرائع لكان فيه متبعا لصاحب تلك الشريعة ومقتديا به، وذلك لا يجوز لانه أفضل الخلق، واتباع الافضل للمفضول قبيح، وذلك أنه غير ممتنع أن يوجب الله تعالى عليه (صلى الله عليه وآله) بعض ما قامت عليه الحجة به من بعض الشرائع المتقدمة لا على وجه الاقتداء بغيره فيها ولا الاتباع، وليس لمن قطع على أنه (صلى الله عليه وآله) كان متعبدا أن يتعلق بأنه (صلى الله عليه وآله) كان يطوف بالبيت ويحج ويعتمر، ويذكي ويأكل المذكى، ويركب البهائم ويحمل عليها، وذلك أنه لم يثبت عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قبل النبوة حج أو اعتمر، ولو ثبت لقطع به على أنه كان متعبدا، وبالتظني لا يثبت مثل ذلك، ولم يثبت أيضا أنه (صلى الله عليه وآله) تولى التذكية بيده، وقد قيل أيضا إنه لو ثبت أنه ذكى بيده لجاز أن يكون من شرع غيره في ذلك الوقت أن يستعين بغيره في الذكاة، فذكى على سبيل المعونة لغيره، وأكل لحم المذكى لا شبهة في أنه غير موقوف على الشرع، لانه بعد الذكاة قد صار مثل كل مباح من المأكل وركوب البهائم والحمل عليها يحسن عقلا إذا وقع التكفل بما يحتاج إليه من علف وغيره، ولم يثبت أنه (صلى الله عليه وآله) فعل من ذلك ما لا يستباح بالعقل فعله، وليس علمه (صلى الله عليه وآله) بأن غيره نبي بالدليل يقتضي كونه متعبدا بشريعته، بل لابد من أمر زائد على هذا العلم. فأما المسألة الثانية فالصحيح أنه (صلى الله عليه وآله) ما كان متعبدا بشريعة نبي تقدم، وسندل عليه بعون الله، وذهب كثير من الفقهاء إلى أنه كان متعبدا، ولابد قبل الكلام في هذه المسألة من بيان جواز أن يتعبد الله تعالى نبيا بمثل شريعة النبي الاول، لان ذلك إذا لم يجز سقط الكلام في هذا الوجه من المسألة وقد قيل: إن ذلك يجوز على شرطين: إما بأن تندرس الاولى فيجددها الثاني، أو بأن يزيد فيها ما لم يكن منها، ويمنعون من جواز ذلك على غير أحد هذين الشرطين، ويدعون أن بعثته على خلاف ما شرطوه تكون عبثا، ولا يجب النظر في معجزته، ولابد من وجوب النظر في المعجزات، وليس الامر على ما قالوه، لان بعثة النبي الثاني لا تكون عبثا، إذا علم الله تعالى أنه يؤمن عندها


(1) لعل الصحيح: لو كان تعبد.

[ 274 ]

وينتفع من لم ينتفع بالاول، ولو لم يكن الامر أيضا كذلك كانت البعثة الثانية على سبيل ترادف الادلة الدالة على أمر واحد، ولا يقول أحد: إن نصب الادلة على هذا الوجه يكون عبثا. فأما الوجه الثاني فإنا لا نسلم لهم أن النظر في معجز كل نبي يبعث لابد من أن يكون واجبا، لان ذلك يختلف، فإن خاف المكلف من ضرر إن هو لم ينظر - وجب النظر عليه، وإن لم يخف لم يكن واجبا، وقد استقصينا هذا الكلام وفرغناه في كتاب الذخيرة، والذي يحقق هذه المسألة أن تعبده (صلى الله عليه وآله) بشرع من تقدمه لابد فيه من معرفة أمرين: أحدهما نفس الشرع، والآخر كونه متعبدا به، وليس يخلو من أن يكون علم (صلى الله عليه وآله) كلا الامرين بالوحي النازل عليه، والكتاب المسلم إليه، أو يكون علم الامرين من جهة النبي المتقدم، أو يكون علم أحدهما من هذا الوجه، والآخر من غير ذلك الوجه، والوجه الاول يوجب أن لا يكون متعبدا بشرائعهم إذا فرضنا أنه بالوحي إليه علم الشرع والتعبد معا، وأكثر ما في ذلك أن يكون تعبد بمثل شرائعهم، وإنما يضاف الشرع إلى الرسول إذا حمله ولزمه أداءه، ويقال في غيره: إنه متعبد بشرعه متى دعاه إلى اتباعه، ألزمه الانقياد له، فيكون مبعوثا إليه، وإذا فرضنا أن القرآن والوحي وردا ببيان الشرع وإيجاب الاتباع فذلك شرعه (صلى الله عليه وآله) لا يجب إضافته إلى غيره، وأما الوجه الثاني فهو وإن كان خارجا من أقوال الفقهاء المخالفين لنا في هذه المسألة فاسد من جهة أن نقل اليهود ومن جرى مجراهم من الامم الماضية قد بين في مواضع أنه ليس بحجة لانقراضهم وعدم العلم باستواء أولهم وآخرهم، وأيضا فإنه (صلى الله عليه وآله) مع فضله على الخلق لا يجوز أن يكون متبعا لغيره من الانبياء المتقدمين (عليهم السلام)، ثم هذا القول يقتضي أن لا يكون (صلى الله عليه وآله) بأن يكون من امة ذلك النبي بأولى منا، ولا بأن نكون متعبدين بشرعه بأولى من أن يكون متعبدا بشرعنا، لان حاله كحالنا في أننا من امة ذلك النبي، وبهذه الوجوه التي ذكرناها نبطل القسمين الذين فرغناهما، ومما يدل على حجة ما ذكرناه وفساد قول مخالفينا أنه قد ثبت عنه (صلى الله عليه وآله) توقفه في أحكام معلوم أن بيانها في

[ 275 ]

التوراة، وانتظاره فيها نزول الوحي، ولو كان متعبدا بشريعة موسى (عليه السلام) لما جرى ذلك، وأيضا فلو كان الامر على ما قالوه لكان يجب أن يجعل (صلى الله عليه وآله) كتب من تقدمه في الاحكام بمنزلة الادلة الشرعية، ومعلوم خلافه، وأيضا فقد نبه (صلى الله عليه وآله) في خبر معاذ على الادلة فلم يذكر في جملتها التوراة والانجيل، وأيضا فإن كل شريعته مضافة إليه بالاجماع، ولو كان متعبدا بشرع غيره لما جاز ذلك، وأيضا فلا خلاف بين الامة في أنه (صلى الله عليه وآله) لم يؤد إلينا من اصول الشرائع إلا ما اوحي إليه وحمله، وأيضا فإنه لا خلاف في أن شريعته (صلى الله عليه وآله) ناسخة لكل الشرائع المتقدمة من غير استثناء، فلو كان الامر كما قالوه لما صح هذا الاطلاق، وأيضا فإن شرائع من تقدم مختلفة متضادة فلا يصح كونه متعبدا بكلها فلابد من تخصيص ودليل يقتضيه، فإن ادعوا أنه متعبد بشريعة عيسى (عليه السلام) بأنها ناسخة لشريعة من تقدم فذلك منهم ينقض تعلقهم بتعرفه (صلى الله عليه وآله) من اليهود في التوراة، فأما رجوعه في رجم المحصن إليها فلم يكن لانه كان متعبدا بذلك، لانه لو كان الرجوع لهذه العلة لرجع (صلى الله عليه وآله) في غير هذا الحكم إليها، وإنما رجع لامر آخر، وقد قيل: إن سبب الرجوع أنه (صلى الله عليه وآله) كان خبر بأن حكمه في الرجم يوافق ما في التوراة فرجع إليها تصديقا لخبره، وتحقيقا لقوله (صلى الله عليه وآله) انتهى. وقال المحقق أبو القاسم الحلي طيب الله رمسه في اصوله: شريعة من قبلنا هل هي حجة في شرعنا ؟ قال قوم: نعم ما لم يثبت نسخ ذلك الحكم بعينه. وأنكر الباقون ذلك وهو الحق، لنا وجوه: الاول: قوله تعالى: " وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى (1) ". الثاني: لو كان متعبدا بشرع غيره لكان ذلك الغير أفضل، لانه يكون تابعا لصاحب ذلك الشرع، وذلك باطل بالاتفاق. الثالث: لو كان متعبدا بشرع غيره لوجب عليه البحث عن ذلك الشرع، لكن ذلك باطل، لانه لو وجب لفعله، ولو فعله لاشتهر، ولوجب على الصحابة والتابعين بعده والمسلمين إلى يومنا هذا متابعته (صلى الله عليه وآله) على الخوص فيه، ونحن نعلم من الدين خلاف ذلك.


(1) النجم: 3 و 4.

[ 276 ]

الرابع: لو كان متعبدا بشرع من قبله لكان طريقه إلى ذلك إما الوحي أو النقل، ويلزم من الاول أن يكون شرعا له لا شرعا لغيره، ومن الثاني التعويل على نقل اليهود وهو باطل، لانه ليس بمتواتر، لما تطرق إليه من القدح المانع من إفاده اليقين، ونقل الآحاد منهم لا يوجب العمل لعدم الثقة. واحتج الآخرون بقوله تعالى: " فبهداهم اقتده (1) " وبقوله: " ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا (2) " وبقوله: " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا (3) " وبقوله: " إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين (4) " وبقوله: " إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون (5) " وبأنه (صلى الله عليه وآله) رجع في معرفة الرجم في الزنا إلى التوراة. أجاب الاولون عن الآية الاولى بأنها تتضمن الامر بالاهتداء بهداهم كلهم، فلا يكون ذلك إشارة إلى شرعهم، لانه مختلف، فيجب صرفه إلى ما اتفقوا عليه، وهو دلائل العقائد العقلية دون الفروع الشرعية. وعن الثاني بأن ملة إبراهيم (عليه السلام) المراد بها العقليات دون الشرعيات (6) يدل على ذلك قوله: " ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه (7) " فلو أراد الشرعيات لما جاز نسخ شئ منها، وقد نسخ كثير من شرعه، فتعين أن المراد منه العقليات. وعن الآية الثالثة أنه لا يلزم من وصية نوح (عليه السلام) بشرعنا أنه أمره به، بل يحتمل أن يكون وصايته به أمرا منه بقبوله عند أعقابهم إلى زمانه (صلى الله عليه وآله)، أو وصى به


(1) النساء: 90 (2) النحل: 123. (3) الشورى: 13. (4) النساء: 163. (5) المائدة: 44. (6) وربما يقال: ان هذا التوجيه لا ينطبق على مثل قوله تعالى: " ما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم ابراهيم هو سماكم المسلمين " حيث ظاهره عدم الحرج في الفروع، الا أن يقال ذلك أيضا في الحرج الشديد المنتفى عقلا فيكون من العقليات أيضا. (7) البقرة: 130.

[ 277 ]

بمعنى أطلعه عليه وأمره بحفظه، ولو سلمنا أن المراد شرع لنا ما شرح لنوح (عليه السلام) لاحتمل أن يكون المراد به من الاستدلال بالمعقول على العقائد الدينية، ولو لم يحتمل ذلك لم يبعد أن يتفق الشرعان، ثم لا يكون شرعه حجة علينا من حيث ورد على نبينا (صلى الله عليه وآله) بطريق الوحي، فلا تكون شريعته شريعة لنا باعتبار ورودها عنه. وعن الآية الرابعة أن المساواة في الوحي لا تستلزم المساواة في الشرع. وعن الآية الخامسة أن ظاهرها يقتضي اشتراك الانبياء جميعا في الحكم بها، وذلك غير مراد، لان إبراهيم ونوحا وإدريس وآدم (عليهم السلام) لم يحكموا بها، لتقدمهم على نزولها، فيكون المراد أن الانبياء يحكمون بصحة ورودها عن الله، وأن فيها نورا وهدى، ولا يلزم أن يكونوا متعبدين بالعمل بها، كما أن كثيرا من آيات القرآن منسوخة، وهي عندنا نور وهدى، وأما رجوعه (صلى الله عليه وآله) في تعرف حد الرجم فلا نسلم أن مراجعته إلى التوراة لتعرفه، بل لم لا يجوز أن يكون ذلك لاقامة الحجة على من أنكر وجوده في التوراة انتهى. أقول: إنما أوردنا دلائل القول في نفي تعبده (صلى الله عليه وآله) بعد البعثة بشريعة من قبله لاشتراكها مع ما نحن فيه في أكثر الدلائل، فإذا عرفت ذلك فاعلم أن الذي ظهر لي من الاخبار المعتبرة، والآثار المستفيضة هو أنه (صلى الله عليه وآله) كان قبل بعثته مذ أكمل الله عقله في بدو سنه نبيا مؤيدا بروح القدس، يكلمه الملك، ويسمع الصوت، ويرى في المنام، ثم بعد أربعين سنة صار رسولا، وكلمه الملك معاينة، ونزل عليه القرآن، وامر بالتبليغ، و كان يعبد الله قبل ذلك بصنوف العبادات إما موافقا لما أمر به الناس بعد التبليغ وهو أظهر (1)، أو على وجه آخر، إما مطابقا لشريعة إبراهيم (عليه السلام)، أو غيره ممن تقدمه من الانبياء عليهم السلام لا على وجه كونه تابعا لهم وعاملا بشريعتهم، بل بأن ما اوحي إليه (صلى الله عليه وآله) كان مطابقا لبعض شرائعهم، أو على وجه آخر نسخ بما نزل عليه بعد الارسال، ولا أظن أن يخفى صحة ما ذكرت على ذي فطرة مستقيمة، وفطنة غير سقيمة بعد الاحاطة


(1) لانه لو كان على وجه آخر لكان يتغير بعد ما امر بتبليغه، ولو كان ذلك لنقل الينا، وحيث لم ينقل صح أن نقول: انه كان موافقا لما امر به الناس بعد.

[ 278 ]

بما أسلفنا من الاخبار في هذا الباب، وأبواب أحوال الانبياء (عليهم السلام) وما سنذكره بعد ذلك في كتاب الامامة، ولنذكر بعض الوجوه لزيادة الاطمينان على وجه الاجمال: الاول أن ما ذكرنا من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) من خطبته القاصعة المشهورة بين العامة والخاصة يدل على أنه (صلى الله عليه وآله) من لدن كان فطيما كان مؤيدا بأعظم ملك يعلمه مكارم الاخلاق، ومحاسن الآداب، وليس هذا إلا معنى النبوة كما عرفت في الاخبار الواردة في معنى النبوة، وهذا الخبر مؤيد بأخبار كثيرة سبقت في الابواب السابقة في باب منشإه (صلى الله عليه وآله)، وباب تزويج خديجة وغيرها من الابواب. الثاني: الاخبار المستفيضة الدالة على أنهم (عليهم السلام) مؤيدون بروح القدس من بدء حالهم بنحو ما مر من التقرير. الثالث: صحيحة الاحول وغيرها حيث قال: " نحو ما كان رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أسباب النبوة قبل الوحي حتى أتاه جبرئيل من عند الله بالرسالة (1) " فدلت على أنه (صلى الله عليه وآله) كان نبيا قبل الرسالة، ويؤيده الخبر المشهور عنه (صلى الله عليه وآله): " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " أو " بين الروح والجسد " ويؤيده أيضا الاخبار الكثيرة الدالة على أن الله تعالى اتخذ إبراهيم (عليه السلام) عبدا قبل أن يتخذه نبيا، وأن الله اتخذه نبيا قبل أن يتخذه رسولا، وأن الله اتخذه رسولا قبل أن يتخذه خليلا، وأن الله اتخذه خليلا قبل أن يجعله (2) إماما. الرابع: ما رواه الكليني في الصحيح عن يزيد الكناسي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) أكان عيسى بن مريم حين تكلم في المهد حجة لله على أهله زمانه ؟ فقال: كان يومئذ نبيا حجة لله غير مرسل أما تسمع لقوله حين قال: " إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حيا (3) قلت: فكان يومئذ حجة الله على زكريا في تلك الحال وهو في المهد ؟ فقال: كان عيسى في تلك الحال آية للناس ورحمة من الله لمريم حين تكلم فعبر عنها (4) وكان نبيا حجة على من سمع كلامه في تلك


(1) تقدم الخبر تحت رقم 27 ص 266. (2) تقدم الخبر في بابه ج 12 ص 12. (3) مريم: 31. (4) أي تكلم عن مريم حين سكتت وأشارت إلى ابنها.

[ 279 ]

الحال ثم صمت فلم يتكلم حتى مضت له سنتان، وكان زكريا الحجة لله على الناس بعد صمت عيسى بسنتين، ثم مات زكريا فورثه ابنه يحيى الكتاب والحكمة وهو صبي صغير، أما تسمع لقوله عزوجل: " يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا (1) " فلما بلغ عيسى (عليه السلام) سبع سنين تكلم النبوة والرسالة حين أوحى الله تعالى إليه، فكان عيسى الحجة على يحيى وعلى الناس أجمعين إلى آخر الخبر (2). وقد ورد في أخبار كثيرة أن الله لم يعط نبيا فضيلة ولا كرامة ولا معجزة إلا وقد أعطاه نبينا (صلى الله عليه وآله)، فكيف جاز أن يكون عيسى (عليه السلام) في المهد نبيا، ولم يكن نبينا (صلى الله عليه وآله) إلى أربعين سنة نبيا ؟ ويؤيده ما مر في أخبار ولادته (صلى الله عليه وآله) وما ظهر منه في تلك الحال من إظهار النبوة، وما مر وسيأتي من أحوالهم وكمالهم في عالم الاظلة وعند الميثاق، وأنهم كانوا يعبدون الله تعالى ويسبحونه في حجب النور قبل خلق آدم (عليه السلام) وأن الملائكة منهم تعلموا التسبيح والتهليل والتقديس إلى غير ذلك من الاخبار الواردة في بدء أنوارهم، ويؤيده ما ورد في أخبار ولادة أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه (عليه السلام) قرأ الكتب السماوية على النبي (صلى الله عليه وآله) بعد ولادته، وما سيأتي من أن القائم (عليه السلام) في حجر أبيه (عليه السلام) أجاب عن المسائل الغامضة، وأخبر عن الامور الغائبة، وكذا سائر الائمة عليهم السلام كما سيأتي في أخبار ولادتهم (عليهم السلام) ومعجزاتهم، فكيف يجوز عاقل أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله) في ذلك أدون منهم جميعا ؟ الخامس: أنه (صلى الله عليه وآله) بعد ما بلغ حد التكليف لابد من أن يكون إما نبيا عاملا بشريعته أو تابعا لغيره، لما سيأتي من الاخبار المتواترة أن الله لا يخلي الزمان من حجة ولا يرفع التكليف عن أحد، وقد كان في زمانه أوصياء عيسى (عليه السلام) وأوصياء إبراهيم (عليه السلام) فلو لم يكن اوحي إليه بشريعة ولم يعلم أنه نبي كيف جاز له أن لا يتابع أوصياه عيسى (عليه السلام) ولا يعمل بشريعتهم إن كان عيسى (عليه السلام) مبعوثا إلى الكافة، وإن لم يكن مبعوثا إلى الكافة، وكان شريعة إبراهيم (عليه السلام) باقيا في بني إسماعيل كما هو الظاهر، فكان عليه أن يتبع أوصياء إبراهيم (عليه السلام)، ويكونوا حجة عليه (صلى الله عليه وآله)، وهو باطل بوجهين:


(1) مريم: 12. (2) اصول الكافي 1: 382.

[ 280 ]

أحدهما أنه يلزم أن يكونوا أفضل منه كما مر تقريره. وثانيهما: ما مر من نفي كونه محجوجا بأبي طالب وبابى (1)، بل كانا مستودعين للوصايا. السادس: أنه لا شك في أنه (صلى الله عليه وآله) كان يعبد الله قبل بعثته بما لا يعلم إلا بالشرع كالطواف والحج وغيرهما كما سيأتي أنه (صلى الله عليه وآله) حج عشرين حجة مستسرا (2) وقد ورد في أخبار كثيرة أنه (صلى الله عليه وآله) كان يطوف وأنه كان يعبد الله في حراء، وأنه كان يراعي الآداب المنقولة من التسمية والتحميد عند الاكل وغيره (3)، وكيف يجوز ذومسكة من العقل على الله تعالى أن يهمل أفضل أنبيائه أربعين سنة بغير عبادة ؟ والمكابرة في ذلك سفسطة، فلا يخلو إما أن يكون عاملا بشريعة مختصة به أوحى الله إليه، وهو المطلوب، أو عاملا بشريعة غيره وهو لا يخلو من وجوه: الاول: ان يكون علم وجوب عمله بشريعة غيره، وكيفية الشريعة من الوحي وهو المطلوب أيضا، لانه (صلى الله عليه وآله) حينئذ يكون عاملا بشريعة نفسه، موافقا لشريعة من تقدمه كما مر تقريره في كلام السيد رحمه الله. الثاني: أن يكون علمهما جميعا من شريعة غيره، وهو باطل عرفت بوجهين: أحدهما: أنه يلزم كون من يعمل بشريعته أفضل منه. وثانيهما: أنه معلوم أنه (صلى الله عليه وآله) لم يراجع في شئ من الامور إلى غيره، ولم يخالط أهل الكتاب، وكان هذا من معجزاته (صلى الله عليه وآله)، أنه أتى بالقصص مع أنه لم يخالط العلماء ولم يتعلم منهم: كما مر في وجوه إعجاز القرآن، وقد قال تعالى: " هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم (4) " والمكابرة في هذا أيضا مما لا يأتي به عاقل.


(1) راجع ج 17 ص: 140 وج 35 ص: 73. (2) وفى خبر غياث بن ابراهيم عن الصادق (عليه السلام): لم يحج النبي بعد قدوم المدينة الا واحدة، وقد حج بمكة مع قومه حجات. وفى خبر عبد الله بن أبى يعفور عن أبى عبد الله (عليه السلام) أنه (صلى الله عليه وآله) حج عشر حجات مستسرا وفى خبر عمر بن يزيد عنه (عليه السلام): حج رسول الله (صلى الله عليه وآله) غير حجة الوداع عشرين حجة. وغير ذلك مما أوردها الشيخ الحر العاملي في كتاب وسائل الشيعة: باب استحباب تكرار الحج والعمرة راجع. (3) تقدمت أخبار في ذلك قبلا راجع ج 16. (4) الجمعة: 2.

[ 281 ]

الثالث: أنه (صلى الله عليه وآله) علم وجوب العمل بشريعة من قبله بالوحي، وأخذ الشريعة من أربابها، وهذا مع تضمنه للمطلوب كما عرفت - إذ لا يلزم منه إلا أن يكون نبيا اوحي إليه أن يعمل بشريعة موافقة لشريعة من تقدمه - باطل بما عرفت من العلم بعدم رجوعه (صلى الله عليه وآله) إلى أرباب الشرائع قط في شئ من اموره، وأما عكس ذلك فهو غير متصور إذ لا يجوز عاقل أن يوحي الله إلى عبده بكيفية شريعة لان يعمل بها ولا يأمره بالعمل بها حتى يلزمه الرجوع في ذلك إلى غيره، مع أنه يلزم أن يكون تابعا لغيره مفضولا وقد عرفت بطلانه، ثم إن قول من ذهب إلى أنه (صلى الله عليه وآله) كان عاملا بالشرائع المنسوخة كشريعة نوح وموسى (عليهما السلام) فهو أشد فسادا، لانه بعد نسخ شرائعهم كيف جاز له (صلى الله عليه وآله) العمل بها إلا بأن يعلم بالوحي أنه يلزمه العمل بها، ومع ذلك لا يكون عاملا بتلك الشريعة، بل بشريعة نفسه موافقا لشرائعهم كما عرفت، وأما استدلالهم بقوله تعالى: " ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان (1) " فلا يدل إلا على أنه (صلى الله عليه وآله) كان في حال لم يكن يعلم القرآن، وبعض شرائع الايمان، ولعل ذلك كان في حال ولادته قبل تأييده بروح القدس، كما دلت عليه رواية أبي حمزة (2) وغيرها، وهذا لا ينافي نبوته قبل الرسالة، و العمل بشريعة نفسه قبل نزول الكتاب، وبعد ما قررنا المطلوب في هذا الباب وما ذكرنا من الدلائل لا يخفى عليك ضعف بعض ما نقلنا في ذلك عن بعض الاعاظم، ولا نتعرض للقدح فيها بعد وضوح الحق، ولو أردنا الاستقصاء في إيراد الدلائل ودفع الشبهة لطال الكلام، ولخرجنا عن مقصودنا من الكتاب، والله الموفق للصواب (3).


(1) الشورى: 52. (2) تقدم الحديث، تحت رقم 26. ونظيره الحديث المتقدم تحت رقم: 22 راجع ص 265 و 266. (3) إلى هنا تمت نسخة المصنف - قدس الله روحه الشريف، وقابلنا بعد ذلك على نسخة سنشير إلى خصوصياتها في مراجع التصحيح.

[ 282 ]

3 - * (باب) * * (اثبات المعراج ومعناه وكيفيته وصفته) * * (وما جرى فيه ووصف البراق) * الايات: الاسرى: " 17 " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير 1. الزخرف: " 43 " واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمان آلهة يعبدون " 45 ". النجم: علمه شديد القوى * ذو مرة فاستوى * وهو بالافق الاعلى * ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى * فأوحى إلى عبده ما أوحى * ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى * ولقد رآه نزلة اخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى * لقد رأى من آيات ربه الكبرى 5 - 18 تفسير: قال الطبرسي - رحمه الله -: نزلت الآية في إسرائه (صلى الله عليه وآله)، وكان ذلك بمكة: صلى المغرب في المسجد ثم اسري به في ليلته، ثم رجع فصلى الصبح في المسجد الحرام، فأما الموضع الذي اسري إليه أين كان ؟ قيل: كان الاسراء إلى بيت المقدس، وقد نطق به القرآن، ولا يدفعه مسلم، وما قاله: بعضهم: إن ذلك كان في النوم فظاهر البطلان إذ لا معجز يكون فيه ولا برهان، وقد وردت روايات كثيرة في قصة المعراج و عروج، نبينا (صلى الله عليه وآله) إلى السماء، ورواها كثير من الصحابة مثل ابن عباس، وابن مسعود وأنس، وجابر بن عبد الله، وحذيفة، وعائشة، وام هانئ وغيرهم عن النبي (صلى الله عليه وآله)، وزاد بعضهم، ونقص بعض، وتنقسم جملتها إلى أربعة أوجه: أحدها: ما يقطع على صحته لتواتر الاخبار به وإحاطة العلم بصحته. وثانيها: ما ورد في ذلك مما تجوزه العقول ولا تأباه الاصول، فنحن نجوزه، ثم

[ 283 ]

نقطع على أن ذلك كان في يقظته دون منامه. وثالثها: ما يكون ظاهره مخالفا لبعض الاصول، إلا أنه يمكن تأويلها على وجه يوافق المعقول، فالاولى أن نأوله على ما يطابق الحق والدليل. ورابعها: مالا يصح ظاهره، ولا يمكن تأويله إلا على التعسف البعيد، فالاولى أن لا نقبله، فأما الاول المقطوع به فهو أنه اسري به (صلى الله عليه وآله) على الجملة وأما الثاني فمنه ما روي عنه (صلى الله عليه وآله) أنه طاف في السماوات ورأي الانبياء والعرش وسدرة المنتهى و الجنة والنار ونحو ذلك، وأما الثالث فنحو ما روي أنه رأي قوما في الجنة يتنعمون فيها، ورأي قوما في النار يعذبون فيها، فيحمل على أنه رأى صفتهم وأسماءهم (1) وأما الرابع فنحو ما روي أنه (صلى الله عليه وآله) كلم الله سبحانه جهرة، ورآه وقعد ومعه على سريره، ونحو ذلك مما يوجب ظاهره التشبيه، والله سبحانه يتقدس عن ذلك، وكذلك ما روي أنه شق بطنه وغسل، لانه (صلى الله عليه وآله) كان طاهر مطهرا من كل سوء وعيب، وكيف يطهر القلب وما فيه من الاعتقاد بالماء ؟ " سبحان الذي أسرى بعبده " سبحان كلمة تنزيه لله عما لا يليق به، وقيل: يراد به التعجب (2)، والسرى: السير بالليل " ليلا " قالوا: كان ذلك الليل قبل الهجرة بسنة " من المسجد الحرام " قال أكثر المفسرين: اسري به (صلى الله عليه وآله) من دار ام هانئ اخت علي (عليه السلام) وزوجها هبيرة بن أبي وهب المخزومي، وكان (صلى الله عليه وآله) نائما في تلك الليلة في بيتها، وإن المراد بالمسجد الحرام هنا مكة، ومكة والحرام كلها مسجد، وقال الحسن وقتادة: كان الاسراء من نفس المسجد الحرام " إلى المسجد الاقصى " يعني بيت المقدس لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام " الذي باركنا حوله " أي جعلنا البركة فيما حوله من الاشجار والثمار والنبات والامن والخصب حتى لا يحتاجوا إلى أن يجلب إليهم من موضع آخر، أو بأن جعلناه مقر الانبياء ومهبط الملائكة " لنريه من آياتنا " أي من عجائب حججنا، ومنها إسراؤه في ليلة واحدة من مكة إلى هناك، ومنها أن أراه


(1) في المصدر: أو أسماءهم. (2) في المصدر: وقد يراد به التعجيب، يعنى سبحان الذى سير عبده محمدا (صلى الله عليه وآله) وهو عجيب من قدرة الله، وتعجيب ممن لم يقدر الله حق قدره وأشرك به غيره.

[ 284 ]

الانبياء واحدا بعد واحد، وأن عرج به إلى السماء، وغير ذلك من العجائب التي أخبر بها الناس " إنه هو السميع " لاقوال من صدق بذلك أو كذب " البصير " بما فعل من الاسراء والمعراج انتهى (1). وقال الرازي في تفسيره: اختلف المسلمون في كيفية ذلك الاسراء، فالاكثرون من طوائف المسلمين اتفقوا على أنه اسري بجسد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والاقلون قالوا: إنه ما اسري إلا بروحه. حكى محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن حذيفة أنه قال: كان ذلك رؤيا (2)، وأنه ما فقد جسد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإنما اسري بروحه، وحكى هذا القول أيضا عن عائشة وعن معاوية، واعلم أن الكلام في هذا الباب يقع في مقامين: أحدهما: في إثبات الجواز العقلي، والثاني في الوقوع. أما الاول فنقول: الحركة الواقعة في السرعة إلى هذا الحد ممكنة في نفسها، والله تعالى قادر على جميع الممكنات، فنفتقر إلى مقدمتين: أما الاولى فبوجوه: الاول: أن الفلك الاعظم يتحرك من أول الليل إلى آخره ما يقرب من نصف الدور، وقد ثبت في الهندسة أن نسبة القطر إلى الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة وسبع، فليزم أن تكون نسبة نصف القطر إلى نصف الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة وسبع، وبتقدير أن يقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ارتفع من مكة إلى ما فوق الفلك الاعظم فهو لم يتحرك إلا مقدار نصف


(1) مجمع البيان 6: 395 و 396. (2) لا يناسب ذلك قوله: " سبحان " الذى هو في مقام تعظيم الامر واكباره، أو في مقام التعجيب ولا قوله: " أسرى " لانه حقيقة في التسيير بالليل، ولا قوله: " بعبده " لانه حقيقة في الروح والجسم ولا قوله: " لنريه " مع أنه لو كان ذلك في النوم لكان يمكن لكل أحد، فلا معنى للتعظيم أو الاعجاب، والايات الواردة في سورة النجم صريحة أيضا في أنه رأى جبرئيل عند سدرة المنتهى حين عرج به إلى السماء قال الله تعالى: ولقد رآه نزلة اخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى " وفى قوله: " ما زاغ البصر وما طغى " تصريح بأن ذلك لم يكن في النوم، بل كان في الشهود حقيقة، وما مال بصره ولا تجاوز. بل رآه رؤية صحيحة حقيقية.

[ 285 ]

القطر، فلما حصل في ذلك القدر من الزمان حركة نصف الدور كان حصول الحركة بمقدار نصف القطر أولى بالامكان، فهذا برهان قاطع على أن الارتفاع من مكة إلى ما فوق العرش في مقدار ثلث الليل أمر ممكن في نفسه، وإذا كان كذلك كان حصوله في كل الليل أولى بالامكان (1). الثاني: أنه ثبت في الهندسة أن قرص الشمس يساوي كرة الارض مائة وستين مرة، وكذا مرة، ثم إنا نشاهد أن طلوع القرص يحصل في زمان لطيف سريع، وذلك يدل على أن بلوغ الحركة في السرعة إلى الحد المذكور أمر ممكن في نفسه. الثالث: أنه كما يستبعد في العقل صعود الجسم الكثيف من مركز العالم إلى ما فوق العرش، فكذلك يستبعد نزول الجسم اللطيف الروحاني من فوق العرش إلى مركز العالم، فإن كان القول بمعراج محمد (صلى الله عليه وآله) في الليلة الواحدة ممتنعا في العقول كان القول بنزول جبرئيل (عليه السلام) من العرش إلى مكة في اللحظة الواحدة ممتنعا، ولو حكمنا بهذا الامتناع كان طعنا في نبوة جميع الانبياء عليهم السلام والقول بثبوت المعراج فرع على تسليم جواز أصل النبوة. الرابع: أن أكثر أرباب الملل والنحل يسلمون وجود إبليس ويسلمون أنه هو الذي يتولى إلقاء الوسوسة في قلوب بني آدم، فلما سلموا جواز مثل هذه الحركة السريعة في حق إبليس فلان يسلموا جوازها في حق أكابر الانبياء كان ذلك أولى. الخامس: أنه جاء في القرآن أن الرياح كانت تسير بسليمان (عليه السلام) إلى المواضع البعيدة في الاوقات القليلة، بل نقول: الحس يدل على أن الرياح تنتقل عند شدة هبوبها من مكان إلى مكان في غاية البعد في اللحظة الواحدة وذلك أيضا يدل على أن مثل هذه الحركة السريعة في نفسها ممكنة. السادس: أن ما دل عليه القرآن من إحضار عرش بلقيس من أقصى اليمن إلى أقصى الشام في مقدار لمح البصر يدل على جواز ذلك.


(1) لا يخفى مافى هذا الوجه من الاشكال الواضح، وان كان المدعى وهو جواز الحركة السريعة إلى هذا الحد حقا

[ 286 ]

السابع أن من الناس من يقول: إن الحيوان إنما يبصر المبصرات بخروج الشعاع من البصر واتصالها بالمبصر، فعلى قول هؤلاء انتقل شعاع العين من أبصارنا إلى زحل (1) في تلك اللحظة اللطيفة، وذلك يدل على أن الحركة الواقعة على هذا الحد من السرعة من الممكنات، لا من الممتنعات. المقدمة الثانية: في بيان أن هذه الحركة لما كانت ممكنة الوجود في نفسها وجب أن لا يكون حصولها في جسد محمد (صلى الله عليه وآله) ممتنعا، لانا قد بينا أن الاجسام متماثلة في تمام ماهيتها، فلما صح حصول مثل هذه الحركة في حق بعض الاجسام وجب إمكان حصولها في سائر الاجسام، فيلزم من مجموع هذه المقدمات أن القول بثبوت هذا المعراج أمر ممكن الوجود في نفسه، أقصى ما في الباب أنه يبقى التعجب إلا أن هذا التعجب غير مخصوص بهذا المقام، بل هو حاصل في جميع المعجزات، فانقلاب العصا ثعبانا، يبتلع سبعين ألف حبل من الحبال والعصي ثم تعود في الحال عصا صغيرة كما كانت أمر عجيب، وكذا سائر المعجزات. وأما المقام الثاني: وهو وقوع المعراج فقد قال أهل التحقيق: الذي يدل على أنه تعالى أسرى بروح محمد وجسده من مكة إلى المسجد الاقصى القرآن والخبر، أما القرآن فهو هذه الآية (2)، وتقرير الدليل أن العبد اسم للجسد والروح، فيجب أن يكون الاسراء حاصلا بجميع الجسد والروح، ويؤيده قوله تعالى: " أرأيت الذي ينهى * عبدا إذا صلى (3)، ولا شك أن المراد ههنا مجموع الروح والجسد، وقال: أيضا في سورة الجن " وإنه لما قام عبد الله (4) " والمراد مجموع الروح والجسد، فكذا ههنا، وأما الخبر فهو الحديث المروي في الصحاح وهو مشهور، وهو يدل على الذهاب من مكة إلى بيت المقدس، ثم منه إلى السماوات انتهى ملخص كلامه (5).


(1) في المصدر: رجل. (2) والايات التى أوردناها قبل ذلك. (3) العلق: 9 و 10. (4) الاية: 19. (5) مفاتيح الغيب 5: 365 و 366.

[ 287 ]

وقد مر تفسير الآية الثانية في باب عصمته (صلى الله عليه وآله). قوله تعالى: " علمه شديد القوى " قال البيضاوي: أي ملك شديد قواه، وهو جبرئيل (عليه السلام) " وذو مرة " حصافة في عقله ورأيه " فاستوى " فاستقام على صورته الحقيقية التي خلقه الله عليها، وقيل: استولى بقوته على ما جعل له من الامر " وهو " أي جبرئيل " بالافق الاعلى " افق السماء " ثم دنا " من النبي " فتدلى " فتعلق به، وهو تمثيل لعروجه بالرسول (صلى الله عليه وآله)، وقيل: ثم تدلى من الافق الاعلى فدنا من الرسول، فيكون إشعارا بأنه عرج به غير منفصل عن محله، وتقريرا لشدة قوته، فإن التدلي استرسال مع تعلق " فكان " جبرئيل من محمد (صلى الله عليه وآله) " قاب قوسين " مقدارهما " أو أدنى " على تقدير كم، كقوله: أو يزيدون (1) " والمقصود تمثيل ملكة الاتصال وتحقيق استماعه لما أوحى إليه بنفي البعد الملبس " فأوحى " جبرئيل " إلى عبده " أي عبد الله وإضماره قبل الذكر لكونه معلوما " ما أوحى " جبرئيل وفيه تفخيم للوحي به أو الله إليه، وقيل الضمائر كلها لله تعالى وهو المعني بشديد القوى، كما في قوله: " هو الرزاق ذو القوة المتين (2) " ودنوه منه برفع مكانته، وتدليه: جذبه بشراشره إلى جناب القدس " ما كذب الفؤاد ما رأى " أي ببصره من صورة جبرئيل، أو الله، أي ما كذب الفؤاد بصره بما حكاه له، فإن الامور القدسية تدرك أولا بالقلب، ثم ينتقل منه إلى البصر، أو ما قال فؤاده لما رآه: لم أعرفك، ولو قال ذلك كان كاذبا، لانه عرفه بقلبه كما رآه ببصره، وقيل: ما رآه بقلبه، والمعنى لم يكن تخيلا كاذبا، ويدل عليه أنه سئل (صلى الله عليه وآله) هل رأيت ربك ؟ فقال: رأيته بفؤادي " أفتمارونه على ما يرى " أفتجادلونه عليه، من المراء وهو المجادلة " ولقد رآه نزلة اخرى " مرة اخرى، فعلة من النزول، واقيمت مقام المرة ونصبت نصبها إشعارا بأن الرؤية في هذه المرة كانت أيضا بنزول ودنو، والكلام في المرئي والدنو ما سبق، وقيل: تقديره ولقد رآه نازلا نزلة اخرى، ونصبها على المصدر، والمراد به نفي الريبة عن


(1) الصافات 147. (2) الذاريات: 58.

[ 288 ]

المرة الاخيرة " عند سدرة المنتهى " التي ينتهي إليها علم الخلائق وأعمالهم، أوما ينزل من فوقها ويصعد من تحتها إليها ولعلها شبهت بالسدرة، وهي شجرة النبق "، لانهم يجتمعون في ظلها، وروي مرفوعا أنها في السماء السابعة " عندها جنة المأوى " الجنة التي يأوي إليها المتقون، أو أرواح الشهداء " إذ يغشى السدرة ما يغشى " تعظيم وتكثير لما يغشاها بحيث لا يكتنهها نعت ولا يحصيها عدد، وقيل يغشاها الجم الغفير من الملائكة يعبدون الله عندها " ما زاع البصر " ما مال بصر رسول الله عما رآه " وما طغى " وما تجاوزه، بل أثبته إثباتا صحيحا مستيقنا، أو ما عدل عن رؤية العجائب التي امر برؤيتها وما جاوزها " لقد رأى من آيات ربه الكبرى " أي والله لقد رأى الكبرى من آياته و عجائبه الملكية والملكوتية ليلة المعراج، وقد قيل: إنها المعنية بما رأى، ويجوز أن تكون الكبرى صفة للآيات، على أن المفعول محذوف، أي شيئا من آيات ربه، أو " من " مزيدة (1). وقال الطبرسي - رضي الله عنه - في قوله تعالى: " ما كذب الفؤاد ما رأى " أي لم يكذب فؤاد محمد (صلى الله عليه وآله) ما رآه بعينه، قال ابن عباس: رأى محمد ربه بفؤاده، وروي ذلك عن محمد بن الحنفية، عن علي (عليه السلام)، أي علمه علما يقينا بما رآه من الآيات الباهرات، و قيل: إن الذي رآه هو جبرئيل على صورته التي خلقه الله عليها، وقيل: هو ما رآه من ملكوت الله وأجناس مقدوراته عن الحسن، قال: وعرج بروح محمد إلى السماء وجسده في الارض، وقال الاكثرون وهو الظاهر من مذاهب أصحابنا والمشهور في أخبارهم: إن الله تعالى صعد بجسمه إلى السماء حيا سليما حتى رأى ما رأى من ملكوت السماوات بعينه ولم يكن ذلك في المنام، وعن أبي العالية قال: سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) هل رأيت ربك ليلة المعراج ؟ قال: رأيت نهرا، ورأيت وراء النهر حجابا، ورأيت وراء الحجاب نورا، لم أر غير ذلك. وروي عن أبي ذر وأبي سعيد الخدري أن النبي (صلى الله عليه وآله) سئل عن قوله: " ما كذب الفؤاد ما رأى " قال: رأيت نورا، وروي ذلك عن مجاهد وعكرمة " أفتمارونه على ما يرى ".


(1) أنوار التنزيل 2: 472 و 473. بحار الانوار - 18 -

[ 289 ]

وذلك أنهم جادلوه حين اسري به، فقالوا: صف لنا بيت المقدس، وأخبرنا عن عيرنا في طريق الشام " ولقد رآه نزلة اخرى " أي جبرئيل في صورته نازلا (1) من السماء نزلة اخرى وذلك أنه رآه مرتين في صورته " عند سدرة المنتهى " أي رآه محمد وهو عند سدرة المنتهى، وهي شجرة عن يمين العرش فوق السماء السابعة، انتهى إليها علم كل ملك (2) وقيل: هي شجرة طوبى " إذ يغشى السدرة ما يغشى " قيل: يغشاها الملائكة أمثال الغربان حين يقعن على الشجرة، وروي أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: رأيت على كل ورقة من أوراقها ملكا قائما يسبح الله تعالى، وقيل: يغشاها من النور والبهاء والحسن والصفاء الذي يروق الابصار ما ليس لوصفه منتهى، وقيل: يغشاها فراش (2) من ذهب عن ابن عباس، وكأنها ملائكة على صورة الفراش يعبدون الله تعالى، والمعنى أنه رأى جبرئيل على صورته في الحال التي يغشى فيها السدرة، من أمر الله ومن العجائب المنبهة على كمال قدرة الله تعالى ما يغشاها. " ما زاغ البصر وما طغى " لم يمل بصره يمينا وشمالا، وما جاوز القصد، ولا الحد الذي حد له " لقد رأى من آيات ربه الكبرى " مثل سدرة المنتهى، وصورة جبريل ورؤيته وله ستمائة جناح قد سد الافق بأجنحته، وقيل: إنه رأى رفرفا أخضر من رفارف الجنة قد سد الافق انتهى كلامه رفع الله مقامه (4). وأقول: اعلم أن عروجه (صلى الله عليه وآله) إلى بيت المقدس ثم إلى السماء في ليلة واحدة بجسده الشريف مما دلت عليه الآيات والاخبار المتواترة من طرف الخاصة والعامة، وإنكار أمثال ذلك أو تأويلها بالعروج الروحاني أو بكونه في المنام ينشأ إما من قلة التتبع في آثار الائمة الطاهرين، أو من قلة التدين وضعف اليقين، أو الانخداع بتسويلات المتفلسفين، والاخبار الواردة في هذا المطلب لا أظن مثلها ورد في شئ من اصول المذهب، فما أدري


(1) في المصدر: في صورته التى خلق عليها نازلا. (2) في المصدر: بعد ذلك: وقيل إليها ينتهى ما يهبط به من فوقها من أمر الله عن ابن مسعود والضحاك، وقيل: إليها ينتهى أرواح الشهداء، وقيل إليها ينتهى ما يهبط به من فوقها ويقبض منها، وإليها ينتهى ما يعرج من الارواح ويقبض منها، والمنتهى: موضع الانتهاء. (3) الفراش: طائر صغير يتهافت على السراج فيحترق، يقال له بالفارسية: پروانه. (4) مجمع البيان 9: 174 و 175.

[ 290 ]

ما الباعث على قبول تلك الاصول وادعاء العلم فيها والتوقف في هذا المقصد الاقصى، فبالحري أن يقال لهم: أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض وأما اعتذارهم بعدم قبول الفلك للخرق والالتيام فلا يخفى على اولي الافهام أن ما تمسكوا به في ذلك ليس إلا من شبهات الاوهام، مع أن دليلهم على تقدير تمامه إنما يدل على عدم جواز الخرق في الفلك المحيط بجميع الاجسام، والمعراج لا يستلزمه، ولو كانت أمثال تلك الشكوك والشبهات مانعة من قبول ما ثبت بالمتواترات لجاز التوقف في جميع ما صار في الدين من الضروريات، وإني لاعجب من بعض متأخري أصحابنا كيف أصابهم الوهن في أمثال ذلك، مع أن مخالفيهم مع قلة أخبارهم وندرة آثارهم بالنظر إليهم عدم تدينهم لم يجوزوا ردها، ولم يرخصوا في تأويلها، وهم مع كونهم من أتباع الائمة الاطهار (عليهم السلام) وعندهم أضعاف ما عند مخالفيهم من صحيح الآثار يقتصمون آثار شرذمة من سفهاء المخالفين، ويذكرون أقوالهم بين أقوال الشيعة المتدينين، أعاذنا الله وسائر المؤمنين من تسويلات المضلين. واعلم أن قدماء أصحابنا وأهل التحقيق منهم لم يتوقفوا في ذلك: قال شيخ الطائفة قدس الله روحه في التبيان: وعند أصحابنا وعند أكثر أهل التأويل وذكره الجبائي أيضا أنه عرج به في تلك الليلة إلى السماوات حتى بلغ سدرة المنتهى في السماء السابعة وأراه الله من آيات السماوات والارض ما ازداد به معرفة ويقينا، وكان ذلك في يقظته دون منامه، والذي يشهد به القرآن الاسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى، والثاني يعلم بالخبر انتهى (1). وقوله: عند أصحابنا يدل على اتفاقهم على ذلك فلا يعبأ بما أسند ابن شهر آشوب إلى أصحابنا من اقتصار الامامية على المعراج إلى بيت المقدس كما سيأتي. وقال في المقاصد وشرحه: قد ثبت معراج النبي (صلى الله عليه وآله) بالكتاب والسنة وإجماع الامة، إلا أن الخلاف في أنه في المنام أو في اليقظة، وبالروح فقط أو الجسد، وإلى المسجد


(1) تفسير التبيان 2: 194 ط 1. قوله: والثانى يعلم بالخبر، أقول أراد اسراءه إلى السماوات، وقد عرفت قبيل ذلك أنه يعلم أيضا بالقرآن فتأمل.

[ 291 ]

الاقصى فقط أو إلى السماء والحق أنه في اليقظة بالجسد إلى المسجد الاقصى بشهادة الكتاب، وإجماع القرن الثاني، ومن بعده إلى السماء بالاحاديث المشهورة، والمنكر مبتدع، ثم إلى الجنة والعرش، أو إلى طرف العالم على اختلاف الآراء بخبر الواحد، وقد اشتهر أنه نعت لقريش المسجد الاقصى على ما هو عليه، وأخبرهم بحال عيرهم فكان على ما أخبر، وبما رأى في السماء من العجائب، وبما شاهد من أحوال الانبياء على ما هو مذكور في كتب الحديث. لنا أنه أمر ممكن أخبر به الصادق، ودليل الامكان تماثل الاجسام، فيجوز الخرق على السماء كالارض، وعروج الانسان، وأما عدم دليل الامتناع فإنه لا يلزم من فرض وقوعه محال، وأيضا لو كان دعوى النبي (صلى الله عليه وآله) المعراج في المنام أو بالروح لما أنكره الكفرة غاية الانكار، ولم يرتد من أسلم ترددا منه في صدق النبي (صلى الله عليه وآله). تمسك المخالف بما روي عن عائشة أنها قالت: والله ما فقد جسد محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعن معاوية أنها كانت رؤبا صالحة، وأنت خبير بأنه على تقدير صحته لا يصلح حجة في مقابلة ما ورد من الاحاديث وأقوال كبار الصحابة وإجماع القرون اللاحقة انتهى. أقول: لو أردت استيفاء الاخبار الواردة في هذا الباب لصار مجلدا كبيرا، وإنما نورد ههنا بعض ما يتعلق بكيفية المعراج وحقيته، وسائر الاخبار متفرقة في سائر الابواب. 1 - عد: اعتقادنا في الجنة والنار أنهما مخلوقتان، وأن النبي (صلى الله عليه وآله) قد دخل الجنة، ورأى النار حين عرج (1). 2 - أقول: روى في تفسير النعماني بإسناده الذي سيأتي في كتاب القرآن عن الصادق (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): وأما الرد على من أنكر المعراج فقوله تعالى " وهو بالافق الاعلى * ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى * فأوحى إلى عبده


(1) اعتقادات الصدوق: 100.

[ 292 ]

ما أوحى " إلى قوله: " عندها جنة المأوى " فسدرة المنتهى في السماء السابعة، ثم قال سبحانه: " واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمان آلهة يعبدون (1) " وإنما أمر تعالى رسوله أن يسأل الرسل في السماء، ومثله قوله: " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فأسال الذين يقرؤون الكتاب من قبلك " يعني الانبياء عليهم السلام، هذا كله في ليلة المعراج (2). وأما الرد على من أنكر خلق الجنة والنار فقال الله تعالى: " عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى (3) " وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): دخلت الجنة فرأيت فيها قصرا من ياقوت أحمر يرى داخله من خارجه وخارجه من داخله من نوره، فقلت: يا جبرئيل لمن هذا القصر ؟ قال: لمن أطاب الكلام، وأدام الصيام، وأطعم الطعام، وتهجد بالليل والناس نيام الخبر (4). وقال (صلى الله عليه وآله) (5): لما اسري بي إلى السماء، دخلت الجنة فرأيت فيها قيعان (6)، ورأيت فيها ملائكة يبنون لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وربما أمسكوا، فقلت لهم: ما بالكم قد أمسكتم (7) ؟ فقالوا: حتى تجيئنا النفقة، فقلت: وما نفقتكم ؟ قالوا: قول المؤمن: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فإذا قال: بنينا، وإذا سكت أمسكنا.


(1) الزخرف: 45. (2) في تفسير القمى: وانما رآهم في السماء ليله اسرى به. (3) أضاف القمى في التفسير: والسدرة المنتهى في السماء السابعة، وجنة المأوى عندها. قال على بن ابراهيم: حدثنى أبى، عن حماد، عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما اسرى بى إلى السماء دخلت الجنة فرأيت قصرا من ياقوته حمراء يرى داخلها من خارجها، وخارجها من داخلها، وفيها بيتان من در وزبرجد، فقال: يا جبرئيل. (4) للخبر ذيل تركه المصنف اختصارا. (5) في تفسير القمى: وبهذا الاسناد وأشار إلى اسناد ذكرته في الذيل. (6) في تفسير القمى: فيها أقول قيعانا يققا. أقول قيعان جمع القاع: أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والاكام. ويقق محركة وككتف: شديد البياض. (7) في تفسير القمى: مالكم ربما بنيتم وربما أمسكتم.

[ 293 ]

وقال (صلى الله عليه وآله): لما أسرى بي إلي سبع سماواته أخذ جبرئيل بيدي وأدخلني الجنة، وأجلسني على درنوك من درانيك الجنة، وناولني سفرجلة فانفلقت نصفين، وخرجت منها حوراء، فقامت بين يدي وقالت: السلام عليك يا محمد، السلام عليك يا أحمد، السلام عليك يا رسول الله، فقلت: وعليك السلام، من أنت ؟ قالت: أنا الراضية المرضية، خلقني الجبار من ثلاثة أنواع: أعلاي من الكافور، ووسطي من العنبر وأسفلي من المسك، عجنت بماء الحيوان، قال لي ربي (1): كوني فكنت، وهذا ومثله دليل على خلق الجنة، وكذا الكلام في النار (2). أقول: ذكر علي بن إبراهيم مثله في مفتتح تفسيره عند تنويع آيات القرآن (3). 3 - ووجدت في كتاب كنز الفوائد تأليف الشيخ الجليل أبي الفتح الكراجكي رحمه الله عند ذكر المعمرين: أخبرنا القاضي أبو الحسن علي بن محمد البغدادي، عن أحمد ابن محمد بن أيوب، عن محمد بن لاحق بن سابق، عن هشام بن محمد السائب الكلبي، عن أبيه، عن الشرقي بن القطامي، عن تميم بن وهلة المري، قال: حدثني الجارود بن المنذر العبدي وكان نصرانيا فأسلم عام الحديبية وحسن إسلامه، وكان قارئا للكتب، عالما بتأويلها على وجه الدهر وسالف العصر، بصيرا بالفلسفة والطب، ذا رأي أصيل، ووجه جميل، أنشأ يحدثنا في أيام إمارة عمر بن الخطاب قال: وفدت على رسول الله (صلى الله عليه وآله)


(1) في تفسير القمى زيادة هي: فكنت لاخيك على بن أبى طالب. قال: وقال أبو عبد الله (عليه السلام) كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكثر تقبيل فاطمة عليها السلام، فغضبت من ذلك عائشة فقالت: يا رسول الله إنك تكثر تقبيل فاطمة ! فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا عائشة انه لما اسرى بى إلى السماء دخلت الجنة فأدناني جبرئيل (عليه السلام) من شجرة طوبى، وناولني من ثمارها فاكلته، فلما، هبطت إلى الارض فجعل الله ذلك الماء في ظهرى فواقعت خديجة فحملت بفاطمة، فما قبلتها الا وجدت رائحة شجرة طوبى منها، ومثل ذلك كثير مما هو رد على من أنكر المعراج وخلق الجنة والنار. (2) المحكم والمتشابه: 105 - 110. (3) تفسير القمى: 19 و 20، وفيه اختلافات ذكرت بعضها.

[ 294 ]

في رجال من عبد القيس ذوي أحلام وأسنان، وفصاحة (1) وبيان، وحجة وبرهان، فلما بصروا به راعهم منظره ومحضره (2) فقال زعيم القوم لي: دونك من أممت (3)، فما نستطيع أن نكلمه، فاستقدمت دونهم إليه، فوقفت بين يديه، فقلت: سلام عليك يا رسول الله، بأبى أنت وأمي، ثم أنشأت أقول: يا نبي الهدى أتتك رجال * قطعت قرددا وآلا فآلا (4) جابت البيد والمهامه حتى * عالها من طوى السرى ما عالا (5) قطعت دونك الصحاصح تهوي * لا تعد الكلال فيك كلالا كل دهناء يقصر الطرف عنها * أرقلتها قلاصنا إرقالا (6) وطوتها العتاق تجمح فيها * بكماة مثل النجوم تلالا (7) ثم لما رأتك أحسن مرء (8) * افحمت عنك هيبة وجلالا (9)


(1) في نسخة: وسماحة وبيان. (2) في المصدر: راعهم منظره ومحضره عن بيان، واعتراهم الارواع في أبدانهم. وفى مقتضب الاثر: وعن بهم الارواح في أبدانهم. (3) في المصدر: دونك من أممت بنا اممه. وفى مقتضب الاثر: أقمه. (4) القردد: ما ارتفع وغلظ من الارض. والال: أطراف الجبل ونواحيه. (5) جاب البلاد: قطعها. والمهامه بالهاء: جمع المهمه والمهمهة: المفازة البعيدة. والبيد جمع البيداء. قوله: عالها، لعله من عال الشئ فلانا: ثقل عليه وأهمه، وفى المصدر ومقتضب الاثر: عالها من طوى السرى ماغالا. وهو الصحيح، من غاله: أخذه من حيث لا يدرى، وطوى البلاد: قطعها. (6) الدهناء: الفلاة. وأرقلتها: قطعتها. والقلاص جمع القلوص: الابل الطويلة القوائم الشابة منها أو الباقية على السير. (7) العتاق جمع العتيق: الرائع من كل شئ وخياره ولعله ههنا وصف للفرس. وجمع الفرس استعصى. والكماة جمع الكمى: الشجاع أو لابس السلاح لانه يكمى نفسه أي يسترها بالدرع والبيضة. (8) في مقتضب الاثر: أحسن مرأى. والمصدر يحتمله. (9) هكذا في الكتاب، ولعله مصحف فحمت، أي لم تستطع جوابا. أو اقحمت كما هو المحتمل في المصدر.

[ 295 ]

تتقي شر بأس يوم عصيب * هائل (1) أوجل القلوب وهالا (2) نحو نور من الاله وبرها * ن وبر ونعمة أن تنالا وأمان منه لدى الحشر والنشر * إذ الخلق لا يطيق السؤالا فلك الحوض والشفاعة والكو * ثر والفضل إذ ينص السؤالا (3) أنبأ الاولون باسمك فينا * وبأسماء بعده تتسالا (4) قال: فأقبل علي رسول الله (صلى الله عليه وآله) بصفحة وجهه المبارك، شمت منه ضياء لامعا ساطعا كوميض (5) البرق، فقال: يا جارود لقد تأخر بك وبقومك الموعد (6) - وقد كنت وعدته قبل عامي ذلك أن أفد إليه بقومي فلم آته وأتيته في عام الحديبية - فقلت: يا رسول الله بنفسي أنت ما كان إبطائي عنك إلا أن جلة قومي أبطأوا عن إجابتي حتى ساقها الله إليك لما أرادها به من الخير لديك، فأما من تأخر عنه فحظه فات منك، فتلك أعظم حوبة (7) وأكبر عقوبة (8)، فقال سلمان: وكيف عرفته با أخا عبد القيس قبل إتيانه ؟ فأقبلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يتلالا ويشرق وجهه نورا وسرورا، فقلت: يا رسول الله إن قسا كان ينتظر زمانك، ويتوكف إبانك (9)، ويهتف باسمك واسم أبيك وامك وأسماء


(1) يوم عصيب: شديد الحر. والوهال: الخوف والفزع. (2) زاد في المصدر ومقتضب الاثر بيتا: ونداء لمحشر الناس طرا * وحسابا لمن تمادى ضلالا. (3) في المصدر: ومقتضب الاثر هنا بيت: خصك الله يا ابن آمنة الخير * إذا ما تلت سجال سجالا. (4) في المصدر: والمقضب: تتلألأ. (5) وميض البرق: لمعانه. (6) في نسخة: الوعد. (7) الحوبة الاثم. (8) في المصدر بعد ذلك: ولو كانوا ممن رآك لما تخلفوا عنك، وكان عنده رجل لا أعرفه، قلت: ومن هو ؟ قالوا: هو سلمان الفارسى ذو البرهان العظيم والشأن القديم، فقال سلمان اه‍. أقول قد سقطت من الكنز هنا قطعة طويلة توجد في مقتضب الاثر، راجعه أو راجع ج 15: 243 و 245. (9) أي ينتظر زمانك ويتفحص عنه. وإبان الشئ بالكسر: أوله وحينه.

[ 296 ]

لست أصيبها (1) معك، ولا أراها فيمن اتبعك، قال سلمان رضي الله عنه: فأخبرنا، فأنشأت احدثهم ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يسمع والقوم سامعون واعون، قلت: يا رسول الله لقد شهدت قسا وقد خرج من ناد من أندية إياد، إلى صحصح ذي قتاد وسمر و عتاد، وهو مشتمل بنجاد، فوقف في إضحيان ليل كالشمس، رافعا إلى السماء وجهه وإصبعه فدنوت منه فسمعته يقول: اللهم رب هذه السبعة الا رقعة (2)، والارضين الممرعة، و بمحمد والثلاثة (3) المحامدة معه، والعليين الاربعة، وسبطيه المنيعة الا رفعة (4)، و السري الالمعة، وسمي الكليم الضرعة (5)، اولئك النقباء الشفعة، والطرق المهيعة (6) درسة الانجيل، وحفظة التنزيل، على عدد النقباء من بني إسرائيل، محاة الاضاليل، نفاة الاباطيل، الصادقوا القيل، عليهم تقوم الساعة، وبهم تنال الشفاعة، ولهم من الله فرض الطاعة، ثم قال: اللهم ليتني مدركهم ولو بعد لاي من عمري ومحياي، ثم أنشأ يقول (7): فإن غالني الدهر الحزون بغوله (8) * فقد غال من قبلي ومن بعد يوشك


(1) في نسخة من المصدر: لست أحسها معك. (2) كل سماء يقال له: رقيع، والجمع أرقعة، وقيل: الرقيع اسم لسماء الدنيا فاعطى كل سماء اسمها. (3) وهم الائمة: 1 محمد الباقر، 2 محمد الجواد التقى، 3 محمد بن الحسن المهدى عليهم السلام. والعليين الاربعة: الائمة: 1 على بن أبى طالب أمير المؤمنين، 2 على بن الحسين زين العابدين السجاد، 3 على بن موسى الرضا، 4 على بن محمد النقى عليهم السلام. (4) في نسخة: وسبطيه الينعة والارفعة الفرعة. وفى اخرى: وسبطيه النبعة والارفعة الفزعة وفى المصدر: وسبطيه النبعة الا رفعة. وفى مقتضب الاثر: وسبطيه النبعة الا رفعة القرعة. وفى نسخة المصنف على ما تقدم هكذا وسبطيه التبعة، والارفعة الفرعة. (5) الضرعة: أي المتخشع المتذلل، وفى نسخة الفرعة، أقول: فرع القوم: شريفهم، واسقط هنا من نسخة المصنف واحد منهم وهو على ما في المصدر: والحسن ذى الرفعة. والمراد به الامام الحسن بن على العسكري (عليه السلام). (6) المهيع: الطريق الواسع البين. (7) زاد في المصدر: ومقتضب الاثر هنا: بيتا: متى انا قبل الموت للحق مدرك * وان كان لى من بعدها تيك مهلك. (8) الغول بالضم: الداهية والشر. الهلكة. وفى مقتضب الاثر: الدهر الخؤون.

[ 297 ]

فلا غرو إني سالك مسلك الاولى * وشيكا من ذا للردى ليس يسلك (1) ثم آب يكفكف دمعه (2)، ويرن رنين البكرة قد بريت ببرات، وهو يقول: أقسم قس قسما ليس به مكتتما * لو عاش ألفي عمر لم يلق منها سأما حتى يلاقي أحمد والنقباء الحكما * هم أوصياء أحمد أكرم من تحت السما يعمى العباد عنهم وهم جلاء للعمى * لست بناس ذكرهم حتى احل الرجما ثم قلت: يا رسول الله أنبئني أنبأك الله بخبر عن هذه الاسماء التي لم نشهدها، و أشهدنا قس ذكرها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا جارود ليلة اسري بي إلى السماء أوحى الله عزوجل إلي أن سل من أرسلنا من قبلك من رسلنا على ما بعثوا ؟ فقلت: على ما بعثتم ؟ فقالوا: على نبوتك، وولاية علي بن أبي طالب، والائمة منكما، ثم أوحى إلى أن التفت عن يمين العرش، فالتفت فإذا علي، والحسن والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي والمهدي في ضحضاح من نور يصلون، فقال لي الرب تعالى: هؤلاء الحجج أوليائي، وهذا (3) المنتقم من أعدائي، قال الجارود: فقال لي سلمان: يا جارود هؤلاء المذكورون في التوراة والانجيل والزبور كذاك فانصرفت بقومي وأنا أقول: أتيتك يابن آمنة الرسولا * لكي بك اهتدي النهج السبيلا فقلت فكان قولك قول حق * وصدق ما بدا لك أن تقولا وبصرت العمى من عبد قيس * وكل كان في عمه ضليلا وأنبأ ناك عن قس الايادي * مقالا فيك ظلت به جديلا وأسماء عمت عنا فآلت * إلى علم وكن بها جهولا (4)


(1) وشيكا أي سريعا. والردى: الهلاك. (2) آب أي رجع، يكفكف دمعه أي يمسحه مرة بعد مرة. (3) يعنى المهدى (عليه السلام). (4) أخرجه ابن عياش في مقتضب الاثر: 37 - 43 وفيه: محمد بن لاحق بن سابق الانباري، عن جده سابق بن قرين عن هشام اه‍ وأورده المصنف في باب البشائر راجع ج 15: 247.

[ 298 ]

ثم قال الكراجكي رحمه الله: من الكلام في هذا الخبر - أيدك (1) الله - أنك تسأل في هذا الخبر عن ثلاثة مواضع: أحدهما: أن يقال لك: كان الانبياء المرسلون قبل رسول الله (صلى الله عليه و آله) قد ماتوا، فكيف يصح سؤالهم في السماء ؟ وثانيها: أن يقال لك: ما معنى قولهم: إنهم بعثوا على نبوته، وولاية علي، و الائمة من ولده عليهم السلام ؟. وثالثها: أن يقال لك: كيف يصح أن يكون الائمة الاثنا عشر (عليه السلام) في تلك الحال في السماء ونحن نعلم ضرورة خلاف هذا ؟ لان أمير المؤمنين (عليه السلام) كان في ذلك الوقت بمكة في الارض، ولم يدع قط ولا ادعى له أحد أنه صعد إلى السماء، فأما الائمة من ولد، فلم يكن وجد أحد منهم بعد ولا ولد، فما معنى ذلك إن كان الخبر حقا ؟ فهذه مسائل صحيحة ويجب أن يكون معك لها أجوبة معدة. فأما الجواب عن السؤال الاول فإنا لا نشك في موت (2) الانبياء عليهم السلام غير أن الخبر قد ورد بأن الله تعالى يرفعهم، بعد مماتهم إلى سمائه، وأنهم يكونون فيها أحياء متنعمين إلى يوم القيامة، ليس ذلك بمستحيل في قدرة الله سبحانه، وقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " أنا أكرم على الله (3) من أن يدعني في الارض أكثر من ثلاث (4) " وهكذا عندنا حكم الائمة عليهم السلام، قال النبي (صلى الله عليه وآله): " لو مات نبي بالمشرق ومات وصيه في المغرب لجمع الله بينهما " وليس زيارتنا لمشاهدهم على أنهم بها، ولكن لشرف المواضع،


(1) في المصدر: اعلم أيدك الله. (2) أقول: الموت عبارة عن مفارقة الروح عن البدن في هذا العالم، ولا يكون هو فناء هو الروح والجسد وهلاكهما معا، فعليه فالارواح باقية في عالم آخر، والاخبار واردة بانها متعلقة باجساد مثالية وليس بخفى أن السائل والمسؤول والمتكلم والسامع، وبعبارة اخرى فاعل كل عمل الروح الواقع في الجسد، فيمكن ان يتكلم الروح بعد تعلقه ببدنه المثالية في عالم آخر، والاخبار دالة بوقوع ذلك. (3) في المصدر: أنا أكرم عند الله. (4) في نسخة: من ثلاث ليال.

[ 299 ]

فكانت غيبت الاجسام فيها ولعبادة أيضا ندبنا إليها، فيصح على هذا أن يكون النبي صلى الله عليه وآله رأى الانبياء عليهم السلام في السماء فسألهم كما أمره الله تعالى، وبعد فقد قال الله تعالى: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم (1) " فإذا كان المؤمنون الذين قتلوا في سبيل الله على هذا الوصف فكيف ينكر أن يكون الانبياء بعد موتهم أحياء منعمين في السماء وقد اتصلت الاخبار من طريق الخاص والعام بتصحيح هذا، وأجمع الرواة على أن النبي (صلى الله عليه وآله) لما خوطب بفرض الصلاة ليلة المعراج وهو في السماء قال له موسى (عليه السلام): إن امتك لا تطيق، وأنه راجع إلى الله تعالى مرة بعد اخرى (2)، وما حصل عليه الاتفاق فلم يبق فيه كذب. وأما الجواب عن السؤال الثاني فهو أن يكون الانبياء عليهم السلام قد اعلموا بأنه سيبعث نبيا يكون خاتمهم، وناسخا بشرعه شرائعهم واعلموا أنه أجلهم وأفضلهم، وأنه سيكون أوصياؤه (3) من بعده حفظة لشرعه، وحملة لدينه، وحججا على امته، فوجب على الانبياء التصديق بما اخبروا به، والاقرار بجميعه. أخبرني الشريف يحيى بن أحمد بن إبراهيم بن طباطبا الحسيني، عن عبد الواحد بن عبد الله الموصلي، عن أبي علي بن همام، عن عبد الله بن جعفر الحميري: عن عبد الله بن محمد، عن محمد بن أحمد، عن يونس بن يعقوب، عن عبد الاعلى بن أعين قال: سمعت أبا عبد الله يقول: ما تنبأ نبي قط إلا بمعرفة حقنا وتفضيلنا على من سوانا. وإن الامة مجمعة على أن الانبياء عليهم السلام قد بشروا بنبينا (صلى الله عليه وآله) ونبهوا على أمره، ولا يصح منهم ذلك إلا وقد أعلمهم الله تعالى به، فصدقوا وآمنوا بالمخبر به، وكذلك قد روت الشيعة أنهم قد بشروا بالائمة أوصياء رسول الله (صلى الله عليه وآله). وأما الجواب عن الثالث فهو أنه يجوز أن يكون الله تعالى أحدث لرسوله (صلى الله عليه وآله) في الحال صورا كصور الائمة عليهم السلام ليراهم أجمعين على كمالهم، كمن شاهد (4) أشخاصهم


(1) آل عمران: 169. (2) سيأتي مفصله في الاحاديث. (3) في المصدر: سيكون أوصياء. (4) في المصدر: فيكون كمن شاهد.

[ 300 ]

برؤيته مثالهم، ويشكر الله تعالى على ما منحه من تفضيلهم وإجلالهم، وهذا في العقول من الممكن المقدور، ويجوز أيضا أن يكون الله تعالى خلق على صورهم ملائكة في سمائه يسبحونه ويقدسونه لتراهم ملائكته الذين قد أعلمهم بأنهم سيكونون في أرضه حججا له على خلقه، فيتأكد عندهم منازلهم، وتكون رؤيتهم تذكارا لهم بهم، وبما سيكون من أمرهم، وقد جاء في الحديث أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) رأى في السماء لما عرج به ملكا على صورة أمير المؤمنين، وهذا حديث قد اتفق أصحاب الحديث على نقله، حدثني به من طريق العامة الشيخ محمد بن أحمد بن شاذان القمي ونقلته من كتابه المعروف بإيضاح دقائق النواصب (1)، وقرأته عليه بمكة في المسجد الحرام سنة اثنتي عشرة وأربعمائة عن جعفر بن محمد بن مسرور، عن الحسين بن محمد، عن أحمد بن علويه المعروف بابن الاسود الاصبهاني عن إبراهيم بن محمد، عن عبد الله بن صالح، عن جدير بن عبد الحميد، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لما اسري بي إلى السماء ما مررت بملا من الملائكة إلا سألوني عن علي بن أبي طالب حتى ظننت أن اسم علي في السماء أشهر من اسمي، فلما بلغت السماء الرابعة نظرت إلى ملك الموت فقال لي: يا محمد ما خلق الله خلقا إلا أقبض روحه بيدي ما خلا أنت وعلي، فإن الله جل جلاله يقبض أرواحكما بقدرته، فلما صرت تحت العرش نظرت فإذا أنا بعلي بن أبي طالب واقفا تحت عرش ربي فقلت: يا علي سبقتني ؟ فقال لي جبرئيل (عليه السلام): يا محمد من هذا الذي يكلمك ؟ قلت: هذا أخي علي بن أبي طالب، قال لي: يا محمد ليس هذا عليا، ولكنه ملك من ملائكة الرحمان خلقه الله على صورة علي بن أبي طالب عليه السلام، فنحن الملائكة المقربون كلما اشتقنا إلى وجه علي بن أبي طالب زرنا هذا الملك لكرامة علي بن أبي طالب على الله سبحانه. فيصح على هذا الوجه أن يكون الذين رآهم رسول الله ملائكة على صورة الائمة عليهم السلام، وجميع ذلك داخل في باب التجويز والامكان والحمد لله (2). انتهى كلام الكراجكي رحمه الله.


(1) هكذا في الكتاب ومصدره، والصحيح بايضاح دفائن النواصب. (2) كنز الفوائد: 256 - 260.

[ 301 ]

ولنبين بعض ألفاظ ما أورده من الاخبار، وإن كان ما وصل إلينا من النسخة في غاية السقم: القردد: المكان الغليظ المرتفع ذكره الجوهري، وقال، الآل: الشخص، و الآل: الذي تراه في أول النهار وآخره كأنه يرفع الشخوص، وليس هو السراب، و الآل جمع الآلة وهي خشبات تبنى عليها الخيمة، والآل جمع الآلة بمعنى الحالة. قال الراجز: قد أركب الآلة بعد الآله * وأترك العاجز بالجداله. انتهى. وفي النهاية: في حديث قس بن ساعدة: " قطعت مهمها وآلا فآلا " الآل " السراب، وجوب البلاد: قطعها، والبيد بالكسر جمع البيداء وهي المفازة، والمهمة: المفازة البعيدة، وغاله: ذهب به وأهلكه، والطوى: الجوع، والطوي كغني: البئر المطوية، والسرى: السير بالليل، وكغني نهر صغير، والصحصح والصحصاح: المكان المستوي، والدهناء بالمد والقصر: الفلاة، وموضع ببلاد تميم، والارقال: ضرب من العدو، وتقول: نصصت الرجل: إذا استقصيت مسألته عن الشئ حتى تستخرج ما عنده، وقوله: تتسالى إما من السلو بمعنى كشف الهم، أو من السؤال، أي يسأل عنها، وتقول: شمت (1) مخائل الشئ: إذا تطلعت نحوها ببصرك منتظرا له، والتوكف: التوقع والقتاد: شجر له شوك، والسمر بضم الميم جمع السمرة وهي شجر الطلح، والعتاد بالفتح: العدة (2)، و القدح الضخم، والعتود، السدرة، أو الطلحة، والنجاد ككتاب: حمائل السيف، وليلة إضحيانة بالكسر: مضيئة لا غيم فيها، والارقعة: السماوات، وأمرع الوادي: أكلا. قوله: والسري الالمعة كنى به عن الصادق (عليه السلام) لان جعفرا في اللغة النهر الصغير كالسري، ولعل التاء في أكثر المواضع للمبالغة، وطريق مهيع كمقعد: بين، ولعله سقط من النسخ العسكري (عليه السلام) (3)، أو من الرواة، ويقال: فعل كذا بعد لاي، أي بعد شدة إبطاء، ويقال: لا غرو، أي ليس بعجب، وكفكفت الشئ: دفعته وصرفته، والاظهر


(1) من شام يشيم. (2) وكل ما هيئ من سلاح وآلة حرب. وههنا لعله بمعنى السدرة أو الطلحة. (3) قد عرفت أن نسخة المصنف كانت ناقصة، والا ففى النسخة المطبوعة فهو موجود.

[ 302 ]

يوكف، أي يصب وبريت البعير: إذا حسرته وأذهبت لحمه، والبرة: حلقة تجعل في لحم أنف البعير، وتجمع على برات، وأبريتها إذا جعلت في أنفها البرة، والرجم بالتحريك القبر. أقول: يمكن الجواب عن بعض تلك الاسئلة بالقول بالاجساد المثالية، وتعلق الارواح بها قبل تعلق البدن الاصلي وبعده، وسيأتي مزيد توضيح لتلك المسائل إن شاء الله تعالى، وقد مر بعض الكلام فيها في كتاب المعاد. 4 - وقال في المنتقى: قال الواقدي كان المسرى في ليلة السبت لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان في السنة الثانية عشر من النبوة قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا، و قيل: ليلة سبع عشرة من ربيع الاول قبل الهجرة بسنة من شعب أبي طالب (1)، وقيل: ليلة سبع وعشرين من رجب، وقيل: كان الاسراء قبل الهجرة بسنة وشهرين، وذلك سنة ثلاث وخمسين من الفيل. انتهى (2). وقال السيد ابن طاووس: روي أن ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الاول أسري بالنبي (صلى الله عليه وآله) (3) 6 - كتاب المحتضر: للحسن بن سليمان مما رواه من كتاب محمد بن العباس بن مروان، عن أحمد بن هوذة، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد الله بن حماد، عن ابن بكير عن حمران قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عزوجل في كتابه " ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى " قال: أدنى الله عز وجل محمدا نبيه (صلى الله عليه وآله)، فلم يكن بينه وبينه إلا قفص من لؤلؤ فيه فراش يتلالا من ذهب فاري صورة (4)، فقيل: يا محمد أتعرف هذه الصورة ؟ فقلت (5): نعم، هذه صورة علي بن أبي طالب، فأوحى الله إلي أن ازوجه فاطمة


(1) في المصدر: من شعب أبى طالب إلى بيت المقدس. (2) المنتقى في مولود المصطفى: الباب الثامن فيما كان سنة اثنتى عشرة من نبوته صلى الله عليه وآله، وذكر المعراج. (3) الاقبال 601. (4) في المصدر: فرأى صورة. (5) في المصدر: فقال: نعم، وهو الصحيح.

[ 303 ]

وأتخذه وليا (1). 7 - ومن كتاب المعراج للشيخ الصالح أبي محمد الحسن رضي الله عنه بإسناده عن الصدوق، عن أبيه، عن محمد بن أبي القاسم، عن محمد بن علي، عن محمد بن عبد الله بن مهران، عن صالح بن عقبة، عن يزيد بن عبد الملك، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: لما صعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى السماء صعد على سرير من ياقوته حمراء مكللة من زبرجدة خضراء، تحمله الملائكة، فقال جبرئيل: يا محمد أذن، فقال: الله أكبر، الله أكبر، فقالت الملائكة الله أكبر، الله أكبر فقال: أشهد أن لاإله إلا الله، فقالت الملائكة: نشهد أن لا إله إلا الله، فقال: أشهد أن محمدا رسول الله، فقالت الملائكة: نشهد أنك رسول الله (2)، فما فعل وصيك علي ؟ قال: خلفته في امتي، قالوا: نعم الخليفة خلفت، أما إن الله عزوجل فرض علينا طاعته، ثم صعد به إلى السماء الثانية فقالت الملائكة مثل ما قالت ملائكة السماء الدنيا (3)، فلما صعد به إلى السماء السابعة لقيه عيسى (عليه السلام) فسلم عليه، وسأله عن علي، فقال له خلفته في امتي، قال: نعم الخليفة خلفت، أما إن الله فرض على الملائكة طاعته، ثم لقيه موسى (عليه السلام) والنبيون نبي نبي فكلهم يقول له مقالة عيسى (عليه السلام)، ثم قال (4) محمد (صلى الله عليه وآله): فأين أبي إبراهيم ؟ فقالوا له، هو مع أطفال شيعة علي، فدخل الجنة فإذا هو تحت الشجرة (5) لها ضروع كضروع البقر، فإذا انفلت الضرع من فم الصبي قام إبراهيم فرد عليه، قال: فسلم عليه (6) وسأله عن علي، فقال: خلفته في امتي، قال: نعم الخليفة خلفت، أما إن الله فرض على الملائكة طاعته، وهؤلاء أطفال شيعته سألت الله عزوجل أن يجعلني القائم عليهم ففعل، وإن الصبي ليجرع الجرعة فيجد طعم ثمار


(1) المحتضر: 125، وفيه: فأوحى إليه أن زوجه فاطمة واتخذه وليا. أقول: في نسخ الكتاب هنا وفيما يأتي المختصر بدل المحتضر وهو خطا من النساخ. (2) في المصدر: نشهد أن محمدا رسول الله. (3) في المصدر: السماء الاولى. (4) في المصدر: فكلهم يسلم عليه ويقول له مقالة عيسى (عليه السلام) فقال لهم. (5) في المصدر: فاذاهو بشجر. (6) في المصدر: فرده عليه، فلما رآه ابراهيم قام إليه فسلم عليه.

[ 304 ]

الجنة وأنهارها في تلك الجرعة (1). 8 - ومنه عن الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن البرقي، عن أبيه، عن أحمد بن النضر، عن ابن شمر، عن جابر الجعفي، عن جابر الانصاري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما عرج بي إلى السماء السابعة وجدت على كل باب (2) سماء مكتوبا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ولما صرت إلى حجب النور رأيت على كل حجاب مكتوبا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، على بن أبي طالب أمير المؤمنين ولما صرت إلى العرش وجدت على كل ركن من أركانه مكتوبا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (3). 9 - ومنه بإسناده عن بكر بن عبد الله، عن سهل بن عبد الوهاب، عن أبي معاوية عن الاعمش، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله) ليلة اسري بي إلى السماء فبلغت السماء الخامسة نظرت إلى صورة على بن أبي طالب فقلت: حبيبي جبرئيل ما هذه الصورة ؟ فقال جبرئيل: يا محمد اشتهت الملائكة أن ينظروا إلى صورة علي فقالوا: ربنا إن بني آدم في دنياهم يتمتعون غدوة وعشية بالنظر إلى علي بن أبي طالب حبيب حبيبك محمد (4)، وخليفته ووصيه وأمينه فمتعنا بصورته قدر ما تمتع أهل الدنيا به فصور لهم صورته من نور قدسه عزوجل، فعلي (عليه السلام) بين (5) أيديهم ليلا ونهارا يزورونه وينظرون إليه غدوة وعشية (6). 10 - قال: فأخبرني الاعمش عن جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهما السلام) قال: فلما ضربه اللعين ابن ملجم، على رأسه صارت تلك الضربة في صورته التي في السماء فالملائكة ينظرون إليه غدوة وعشية، ويلعنون قاتله ابن ملجم، فلما قتل الحسين بن علي (عليه السلام) هبطت


(1) المحتضر: 139 و 140، واسناد الحديث سقط عن المصدر. (2) في المصدر: وجدت على باب السماء. (3) المحتضر: 142. (4) في المصدر: إلى على ابن عم حبيبك. (5) في المصدر: فصورة على بين ايديهم. (6) المحتضر: 146. بحار الانوار - 19 -

[ 305 ]

الملائكة وحملته حتى أوقفته مع صورة علي في السماء الخامسة فكلما هبطت الملائكة من السماوات من علا (1) وصعدت ملائكة السماء الدنيا فمن فوقها إلى السماء الخامسة لزيارة صورة علي والنظر إليه وإلى الحسين بن علي مشحطا بدمه (2) لعنوا يزيد وابن زياد ومن قاتلوا الحسين بن علي (عليه السلام) الى يوم القيامة. قال الاعمش قال لي جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، هذا من مكنون العلم ومخزونه لا تخرجه إلا إلى أهله (3). 11 - ومنه: عن الصدوق، عن الطالقاني، عن أبي عبد الله بن عبد الصمد المهتدي العباسي، عن غوث بن سليمان، عن عبد الله بن صالح، عن فرج بن صالح، عن فرج بن مسافر (4)، عن الربيع بن بدر، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لما اسري بي إلى السماء ما سمعت شيئا قط هو أحلى من كلام ربي عزوجل، قال: فقلت: يا رب اتخذت إبراهيم خليلا، وكلمت موسى تكليما، ورفعت إدريس مكانا عليا، وآتيت داود زبورا، وأعطيت سليمان ملكا لا ينبغي لاحد من بعده، فماذا لي يا رب ؟ فقال: جل جلاله: يا محمد اتخذتك خليلا كما اتخذت إبراهيم خليلا، وكلمتك تكليما كما كلمت موسى تكليما، وأعطيتك فاتحة الكتاب وسورة البقرة ولم أعطهما نبيا قبلك. وأرسلتك إلى أسود أهل الارض وأحمرهم، وإنسهم وجنهم، ولم ارسل إلى جماعتهم نبيا قبلك، وجعلت الارض لك ولامتك مسجدا (5) وطهورا، وأطعمت امتك الفئ ولم احله لاحد قبلها، ونصرتك بالرعب حتى أن عدوك ليرعب منك، وأنزلت سيد الكتب كلها مهيمنا عليك قرآنا عربيا مبينا، ورفعت لك ذكرك حتى لا اذكر


(1) فكلما هبطت الملائكة من السماوات العليا. (2) في المصدر: والى الحسين بن علي (عليه السلام) بصورته التى تشحطت بدمائه لعنوا ابن ملجم ويزيد وابن زياد ومن قاتل الحسين بن علي (عليه السلام). (3) المحتضر: 146 و 147. في النسخ في جميع الموارد المتقدمة والاتية: المختصر مكان المحتضر وهو وهم من النساخ. (4) في النسخة: عبد الله بن صالح، عن فرج بن مسافر. وأما المصدر فقد سقط الاسناد عنه. (5) في نسخة: مساجد.

[ 306 ]

بشئ من شرائع ديني إلا ذكرت معي (1). 12 - كا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن حماد بن عثمان عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما عرج برسول الله (صلى الله عليه وآله) انتهى به جبرئيل (عليه السلام) إلى مكان فخلى عنه، فقال له: يا جبرئيل أتخليني على هذه الحال (2) ؟ فقال: امضه، فوالله لقد وطئت مكانا ما وطئه بشر وما مشى فيه بشر قبلك (3). 13 - كا: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم ابن محمد الجوهري، عن علي بن أبي حمزة: سأل أبو بصير أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا حاضر فقال: جعلت فداك كم عرج برسول الله ؟ (صلى الله عليه وآله) فقال: مر تين، فأوقفه جبرئيل موقفا فقال له: مكانك يا محمد - فلقد وقفت موقفا ما وقفه ملك قط ولا نبي - إن ربك يصلي، فقال: يا جبرئيل وكيف يصلي ؟ قال: يقول: سبوح قدوس أنا رب الملائكة والروح، سبقت رحمتي غضبي، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): اللهم عفوك عفوك، قال وكان كما قال الله " قاب قوسين أو أدنى " فقال له أبو بصير: جعلت فداك ما قاب قوسين أو أدنى ؟ قال: ما بين سيتها إلى رأسها، قال فكان كما قال بينهما حجاب (4) يتلالا بخفق، ولا أعلمه إلا وقد قال: زبرجد فنظر في مثل سم الابرة إلى ما شاء الله من نور العظمة، فقال الله تبارك وتعالى: يا محمد، قال: لبيك ربي، قال: من لامتك من بعدك ؟ قال: الله أعلم، قال: علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، وقائد الغر المحجلين، قال: ثم قال أبو عبد الله عليه السلام لابي بصير: يا با محمد، والله ما جاءت ولاية علي من الارض، ولكن جاءت من السماء مشافهة (5). بيان: قوله (عليه السلام): مرتين يمكن رفع التنافي بين هذا الخبر وبين ما سيأتي من


(1) المحتضر: 150. (2) في المصدر: على هذه الحالة. (3) اصول الكافي 1: 444. (4) قال: كان بينهما حجاب خ ل. وهو الموجود في المصدر. (5) اصول الكافي 1: 442 و 443. (*)

[ 307 ]

مائة وعشرين بأن تكون المرتان في مكة، والبواقي في المدينة، أو المرتان إلى العرش، والبواقي إلى السماء، أو المرتان بالجسم، والبواقي بالروح أو المرتان ما أخبر بما جرى فيهما والبواقي لم يخبر بها. قوله: إلى رأسها، لعله كان إلى وسطها، أو إلى مقبضها فصحف (1) لان سية القوس بالكسر مخففة: ما عطف من طرفيها، ذكره الفيروز آبادي، وقال: القاب: ما بين المقبض والسية، ولكل قوس قابان، والمقدار، كالقيب انتهى. والخفق: التحرك والاضطراب، ثم أمر جبرئيل بالوقوف وما كلمه (صلى الله عليه وآله) به لعله كان قبل مفارقته، أو يقال: فارقه في المكان وكان بحيث يراه ويكلمه، والاول أظهر، مع أنه يمكن أن يكون هذا في بعض المعارج، وسم الابرة: ثقبها، وهي كناية عن قلة ما ظهر له من معرفة ذاته وصفاته بالنسبة إليه تعالى وإن كان غاية طوق البشر. 14 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، عن زرارة أو (2) الفضيل، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما اسري برسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى السماء فبلغ البيت المعمور وحضرت الصلاة فأذن جبرئيل وأقام، فتقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وصف الملائكة والنبيون خلف محمد (صلى الله عليه وآله) (3). 15 - كا: علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن معاوية، عن أبي عبد الله (صلى الله عليه وآله) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لقد أسرى ربي بي فأوحى إلي من وراء الحجاب ما أوحى، وشافهني إلى أن قال لي: يا محمد من أذل لي وليا فقد أرصد لي بالمحاربة، ومن حاربني حاربته، قلت: يا رب ومن وليك هذا ؟ فقد علمت أن من حاربك حاربته، قال: ذاك من أخذت ميثاقه لك ولوصيك ولذريتكما بالولاية (4).


(1) وحمله على ابتداء السية إلى رأسها أو حمل السية على محل العطف فقط فيكون تفسيرا للادنى بعيد. منه قدس سره. (2) في نسخة من الكتاب ومصدره: والفضيل. (3) فروع الكافي 1: 83. (4) اصول الكافي 2: 353.

[ 308 ]

16 - يب: سهل بن زياد، عن عمرو بن عثمان، عن محمد بن عبد الله الخزاز، عن هارون بن خارجة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما أسرى الله به قال له جبرئيل (عليه السلام): أتدري أين أنت يا رسول الله ؟ الساعة أنت مقابل مسجد الكوفان، قال: فاستأذن لي ربي عزوجل حتى آتيه فاصلي فيه ركعتين، فاستأذن الله عزوجل فأذن له (1). 17 - كا: العدة، عن البرقي، عن ابن محبوب، عن الثمالي، وأبي منصور، عن أبي الربيع قال: حججنا مع أبي جعفر (عليه السلام) في السنة التي كان حج فيها هشام بن عبد الملك وكان معه نافع مولى عمر بن الخطاب، فنظر نافع إلى أبي جعفر (عليه السلام) في ركن البيت، وقد اجتمع عليه الناس، فقال نافع: يا أمير المؤمنين من هذا الذي قد تداك عليه الناس ؟ فقال: هذا نبي أهل الكوفة، هذا محمد بن علي، فقال: اشهد لآتينه فلاسألنه عن مسائل لا يجيبني فيها إلا نبي أو وصي نبي أو ابن نبي، قال: فاذهب إليه واسأله لعلك تخجله. فجاء نافع حتى اتكأ على الناس ثم أشرف على أبي جعفر (عليه السلام) فقال: يا محمد بن علي إني قرأت التوراة والانجيل والزبور والفرقان، وقد عرفت حلالها وحرامها، وقد جئت أسألك عن مسائل لا يجيب فيها إلا نبي أو وصي نبي أو ابن نبي، قال: فرفع أبو جعفر (عليه السلام) رأسه فقال: سل عما بدالك، فقال: أخبرني كم بين عيسى وبين محمد (صلى الله عليه وآله) من سنة ؟ قال: اخبرك بقولي أو بقولك ؟ قال: أخبرني بالقولين جميعا، قال: أما في قولي فخمسمائة سنة وأما في قولك فستمائة سنة، قال: فأخبرني عن قول الله عزوجل لنبيه: " واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا دون الرحمان آلهة يعبدون " من الذي سأله محمد (صلى الله عليه وآله) وكان بينه وبين عيسى خمسمائة سنة ؟ قال: فتلا أبو جعفر (عليه السلام) هذه الآية: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا (2) ". فكان من الآيات التي أراها الله تبارك وتعالى محمدا حيث أسرى به إلى البيت المقدس أن


(1) التهذيب 1: 324 و 325. وللحديث صدر وذيل تركهما المصنف. (2) قد تقدم ذكر موضع الاية وما قبلها في صدر الباب.

[ 309 ]

حشر الله عز ذكره الاولين والآخرين من النبيين والمرسلين، ثم أمر جبرئيل فأذن شفعا، وأقام شفعا وقال في أذانه: حي على خير العمل، ثم تقدم محمد فصلى بالقوم، فلما انصرف قال لهم على ما تشهدون ؟ وما كنتم تعبدون ؟ قالوا نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك رسول الله، أخذ على ذلك عهودنا ومواثيقنا، فقال نافع: صدقت يا با جعفر (1). بيان: قال الجزري: تداككتم علي، أي ازدحمتم، وأصل الدك: الكسر 18 - كا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: لما اسري برسول الله (صلى الله عليه وآله) أصبح فقعد فحدثهم بذلك، فقالوا له: صف لنا بيت المقدس، قال: فوصف لهم وإنما دخله ليلا فاشتبه عليه النعت، فأتاه جبرئيل فقال: انظر ههنا، فنظر إلى البيت فوصفه وهو ينظر إليه، ثم نعت لهم ما كان من عيرلهم فيما بينهم وبين الشام، ثم قال: هذه عير بني فلان تقدم مع طلوع الشمس يتقدمها جمل أورق أو أحمر، قال: وبعثت قريش رجلا على فرس ليردها، قال و بلغ مع طلوع الشمس، قال قرظة بن عبد عمرو: يا لهفا أن لا أكون لك جذعا (3) حين تزعم أنك أتيت بين المقدس ورجعت من ليلتك (4). بيان: قوله (عليه السلام): وبلغ مع طلوع الشمس، أي ذلك الرجل لم يبلغ العير إلا مع طلوع الشمس حين قدموا، فلم يمكنه ردهم، ويحتمل أن يكون المراد بلوغ العير مكة، فكان الاظهر بلغت، قوله: يا لهفا أصله يا لهفي، وهي كلمة تحسر على ما فات. قوله: أن لا أكون لك جذعا، قال الجزري: في حديث المبعث أن ورقة بن نوفل قال: ياليتني فيها جذعا، الضمير في قوله: فيها للنبوة، أي ليتني كنت شابا عند ظهورها حتى أبالغ في نصرتها وحمايتها انتهى. أقول: يحتمل أن يكون كلامه لعنه الله جاريا مجر الاستهزاء، ويكون مراده


(1) روضة الكافي: 120 و 121. والحديث طويل، أخذ منه موضع الحاجة، وأخرج نحوه عن تفسير القمى في كتاب الاحتجاجات. راجع ج 10: 161. (2) في المصدر: أبان بن عثمان، عن حديد، عن ابى عبد الله (عليه السلام). (3) جدعا خ ل. (4) روضة الكافي: 262.

[ 310 ]

ليتني كنت شابا قويا على نصرتك حين ظهر لي أنك أتيت بيت المقدس ورجعت من ليلتك ويحتمل أن يكون مراده يا لهفا على أن كبرت وضعفت، ولا أقدر على إضرارك حين سمعتك تقول هذا. 19 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عبد الله بن يحيى الكاهلي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عزوجل: " وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون (1) " قال: لما اسري برسول الله (صلى الله عليه وآله) أتاه جبرئيل بالبراق فركبها فأتى بيت المقدس، فلقي من لقي من إخوانه من الانبياء صلوات الله عليهم، ثم رجع فحدث أصحابه أني أتيت بيت المقدس ورجعت من الليلة، وقد جاءني جبرئيل بالبراق فركبتها، وآية ذلك أني مررت بعير لابي سفيان على ماء لبني فلان وقد أضلوا جملا لهم أحمر، وقد هم القوم في طلبه فقال بعضهم لبعض: إنما جاء الشام وهو راكب سريع، ولكنكم قد أتيتم الشام وعرفتموها، فسلوه عن أسواقها وأبوابها وتجارها، فقالوا: يا رسول الله كيف الشام ؟ و كيف أسواقها ؟ قال: وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا سئل عن الشئ لا يعرفه شق عليه حتى يرى ذلك في وجهه، قال: فبينما هو كذلك إذ أتاه جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا رسول الله هذه الشام قد رفعت لك، فالتفت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإذا هو بالشام بأبوابها و أسواقها وتجارها، وقال: أين السائل عن الشام ؟ فقالوا له: فلان وفلان، فأجابهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كل ما سألوه عنه، فلم يؤمن منهم إلا قليل، وهو قول الله تبارك وتعالى: " وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون (1) " ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): نعوذ بالله أن لا نؤمن بالله ورسوله (2)، آمنا بالله وبرسوله (صلى الله عليه وآله) (3). بيان: قوله إنما جاء الشام، أي أتاه، أو منه بأن يكون منصوبا بنزع الخافض وفي بعض النسخ القديمة: إنما جاءه راكب سريع، أي جبرئيل ؟ ! وفي بعض الروايات:


(1) يونس: 101. (2) في المصدر: وبرسوله. (3) روضة الكافي: 364 و 365.

[ 311 ]

إنما جاء راكب سريع، وعلى التقادير إنما قالوا ذلك استهزاء (1)، قوله: هذه الشام، أي أصلها رفعت بالاعجاز، أو مثالها، كما يدل عليه بعض الاخبار. 20 - كا: حميد، عن الحسن بن محمد الكندي عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن أبان، عن عبد الله بن عطاء، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أتى جبرئيل (عليه السلام) رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالبراق أصغر من البغل، وأكبر من الحمار، مضطرب الاذنين، عينه (2) في حافره، وخطاه مد بصره، فإذا انتهى إلى جبل قصرت يداه، وطالت رجلاه فإذا هبط طالت يداه، وقصرت رجلاه، أهدب العرف الايمن (3)، له جناحان من خلفه (4). شى: عن عبد الله بن عطا مثله إلى قوله: عيناه في حوافره، خطوه مد بصره (5). 21 - ختص: روي عن علي بن محمد العسكري (عليه السلام)، عن أبيه عن جده، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما اسري بي إلى السماء الرابعة نظرت إلى قبة من لؤلؤ لها أربعة أركان، وأربعة أبواب، كلها من استبرق أخضر، قلت: يا جبرئيل ما هذه القبة التي لم أر في السماء الرابعة أحسن منها، فقال: حبيبي محمد ! هذه صورة مدينة يقال لها قم تجتمع فيها عباد الله المؤمنون ينتظرون محمدا وشفاعته للقيامة و الحساب، يجري عليهم الغم والهم والاحزان والمكاره، قال: فسألت علي بن محمد العسكري (عليه السلام) متى ينتظرون الفرج ؟ قال: إذ ظهر الماء على وجه الارض (6). 22 - كتاب صفات الشيعة للصدوق رحمه الله عن القطان عن السكري، عن


(1) أو المعنى أنه حين أتى الشام في تجارته لخديجة أتاه سريعا ولم يمكث قدر ما يعرف أبوابها واسواقها وتجارها وخصوصياتها، واما أنتم فمكثتم فيها وعرفتم خصوصياتها. (2) في نسخة: عيناه، وفى المصدر: عينيه. (3) أي طويلة مرسلة في جانب الايمن. (4) روضة الكافي: 376. (5) تفسير العياشي: مخطوط. (6) الاختصاص: 101 و 102، ورواه الحسن بن محمد بن الحسن القمى في تاريخ قم عن أبى مقاتل الديلمى نقيب الرى، عن أبى الحسن على بن محمد عليهما السلام. راجع ترجمة تاريخ قم: 96.

[ 312 ]

الجوهري، عن ابن عمارة، عن أبيه قال: قال الصادق (عليه السلام): ليس من شيعتنا من أنكر أربعة أشياء: المعراج، والمسائلة في القبر، وخلق الجنة والنار، والشفاعة (1). 23 - وعن الطالقاني، عن علي بن الحسن بن فضال، عن أبيه، عن الرضا (عليه السلام) أنه قال: من كذب بالمعراج فقد كذب رسول الله (صلى الله عليه وآله) (2). 24 - وعن ابن عبدوس، عن ابن قتيبة، عن الفضل بن شاذان، عن الرضا (عليه السلام) قال: من أقر بتوحيد الله - وساق الحديث إلى أن قال: - وآمن بالمعراج، والمسائلة في القبر والحوض والشفاعة وخلق الجنة والنار والصراط والميزان والبعث والنشور، والجزاء والحساب فهو مؤمن حقا وهو من شيعتنا أهل البيت (3). 25 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن هشام الخراساني، عن المفضل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث طويل قال: قلت له: إن مسجد الكوفة قديم ؟ قال: نعم، وهو مصلى الانبياء صلى الله عليهم، ولقد صلى فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين اسري به إلى السماء فقال له جبرئيل (عليه السلام): يا محمد إن هذا مسجد أبيك آدم (عليه السلام)، ومصلى الانبياء (عليهم السلام)، فانزل فصل فيه، فنزل فصلى فيه، ثم إن جبرئيل عرج به إلى السماء (4). 26 - كتاب المحتضر للحسن بن سليمان مما رواه من كتاب المعراج بإسناده عن الصدوق، عن أحمد بن محمد بن الصقر، عن عبد الله بن محمد المهلبي، عن أبي الحسين ابن إبراهيم عن علي بن صالح، عن محمد بن سنان، عن أبي حفص العبدي، عن محمد بن مالك الهمداني، عن زاذان، عن سلمان الفارسي رضي الله عنه (5) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما عرج بي إلى السماء الدنيا إذا أنا بقصر من فضة بيضاء على بابه ملكان، فقلت: يا جبرئيل سلهما لمن هذا القصر ؟ فسألهما فقالا: لفتى من بني هاشم، فلما صرت في السماء الثانية إذا أنا بقصر من ذهب أحمر أحسن من الاول على


(1 - 3) صفات الشيعة: مخطوط، يوجد نسخته في مكتبتي، والروايات في ص 27 و 28 منها. (4) روضة الكافي: 279 - 281. (5) قد سقط الاسناد عن المطبوع.

[ 313 ]

بابه ملكان فقلت يا جبرئيل سلهما لمن هذا القصر فسألهما فقالا لفتى من بني هاشم فلما صرت إلى السماء الثالثة إذا أنا بقصر من ياقوتة حمراء على بابه ملكان، فقلت: يا جبرئيل سلهما (1)، فسألهما فقالا: لفتى من بني هاشم. فلما صرت في السماء الرابعة إذا أنا بقصر من درة بيضاء [ على بابه ملكان ] فقلت: يا جبرئيل سلهما، فسألهما فقالا: لفتى من بني هاشم، فلما صرت إلى السماء الخامسة فإذا أنا بقصر من درة صفراء على بابه ملكان، فقلت: يا جبرئيل سلهما لمن هذا القصر ؟ فسألهما فقالا: لفتى من بني هاشم، فلما صرت إلى السماء السادسة إذا أنا بقصر من لؤلؤة رطبة مجوفة على بابه ملكان، فقلت: يا جبرئيل سلهما، فسألهما لمن هذا القصر ؟ فقالا لفتى من بني هاشم، فلما صرت إلى السماء السابعة إذا أنا بقصر من نور عرش الله تبارك وتعالى على بابه ملكان، فقلت: يا جبرئيل سلهما لمن هذا القصر ؟ فسألهما فقالا: لفتى من بني هاشم، فسرنا فلم نزل ندفع من نور إلى ظلمة، ومن ظلمة إلى نور حتى وقفت (2) على سدرة المنتهى فإذا جبرئيل (عليه السلام) ينصرف، قلت: خليلي جبرئيل في مثل هذا المكان ! أو في مثل هذا السدرة ! (3) - تخلفني وتمضي ؟ فقال: حبيبي، والذي بعثك بالحق نبيا إن هذا المسلك ما سلكه نبي مرسل ولا ملك مقرب، أستودعك رب العزة وما زلت واقفا حتى قذفت في بحار النور، فلم تزل الامواج تقذفني من نور إلى ظلمة، ومن ظلمة إلى نور حتى أوقفني ربي الموقف الذي أحب أن يقفني عنده من ملكوت الرحمان (4) فقال عزوجل: يا أحمد قف، فوقفت منتفضا مرعوبا، فنوديت من الملكوت: يا أحمد، فألهمني ربي فقلت: لبيك ربي وسعديك، ها أنا ذا عبدك بين يديك، فنوديت: يا أحمد العزيز يقرأ عليك السلام، قال: فقلت: هو السلام (5) وإليه يعود السلام، ثم نوديت ثانية


(1) في المصدر: سلهما لمن هذا القصر ؟ (2) في المصدر: حتى بلغنا وهو الصحيح. (3) في المصدر: أو في مثل هذا الحال. (4) في المصدر: من ملكوته. (5) زاد في المصدر: ومنه السلام.

[ 314 ]

يا أحمد، فقلت: لبيك وسعديك سيدي ومولاي، قال: يا أحمد آمن الرسول بما انزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه فألهمني ربي فقلت آمن الرسول بما انزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله فقلت (1): قد " سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير " فقال الله عزوجل (2): " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت " فقلت: " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا " فقال الله عزوجل: قد فعلت، فقلت: " ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا " فقال: قد فعلت: فقلت: " ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين " فقال الله عزوجل: قد فعلت، فجرى القلم بما جرى، فلما قضيت وطري من مناجات ربي نوديت: إن العزيز يقول لك: من خلفت في الارض، فقلت: خيرها، خلفت فيهم ابن عمي (3)، فنوديت يا أحمد من ابن عمك ؟ قلت أنت أعلم علي بن أبي طالب، فنوديت من الملكوت سبعا متواليا: يا أحمد استوص بعلي بن أبي طالب ابن عمك خيرا، ثم قال: التفت، فالتفت عن يمين العرش فوجدت على ساق العرش الايمن مكتوبا: " لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، محمد رسولي، أيدته بعلى " يا أحمد شققت اسمك من اسمي، أنا الله المحمود الحميد، وأنا الله العلي (4)، وشققت اسم ابن عمك علي من اسمي (5) يا أبا القاسم امض هاديا مهديا، نعم المجئ جئت ونعم المنصرف انصرفت، وطوباك (6)، وطوبى لمن آمن بك وصدقك،


(1) في المصدر: قال: يا أحمد " آمن الرسول بما انزل إليه من ربه " فالهمني تعالى أن قلت: " والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله " وقلت اه‍. وهو الصحيح كما في غيره من الروايات. (2) في نسخة وفى المصدر: فنوديت: " لا يكلف اه‍. (3) في المصدر: خيرهم ابن عمى. (4) في المصدر: أنا الله الحميد وأنت أحمد. (5) زاد في المصدر: أنا الاعلى وهو على. (6) في المصدر: فطوبى لك.

[ 315 ]

ثم قذفت في بحار النور فلم تزل الامواج تقذفني حتى تلقاني جبرئيل (عليه السلام) في سدرة المنتهى، فقال لي: خليلي نعم المجئ جئت، ونعم المنصرف انصرفت ماذا قلت ؟ وماذا قيل: لك ؟ قال: فقلت: بعض ما جرى، فقال لي: وما كان آخر الكلام الذي القي إليك ؟ فقلت له: نوديت يا أبا القاسم امض هاديا مهديا رشيدا، طوباك (1)، وطوبى لمن آمن بك وصدقك فقال لي جبرئيل (عليه السلام): أفلم تستفهم ما أراد (2) بأبي القاسم ؟ قلت: لا يا روح الله، فنوديت يا أحمد إنما كنيتك أبا القاسم لانك تقسم الرحمة مني (3) بين عبادي يوم القيامة فقال: جبرئيل (عليه السلام): هنيئا مريئا يا حبيبي، والذي بعثك بالرسالة، واختصك بالنبوة ما أعطى الله هذا آدميا قبلك، ثم انصرفنا حتى جئنا إلى السماء السابعة فإذا القصر على حاله، فقلت: حبيبي جبرئيل سلهما من الفتى من بني هاشم ؟ فسألهما فقالا: علي بن أبي طالب ابن عم محمد (صلى الله عليه وآله)، فما نزلنا إلى سماء من السماوات إلا والقصور على حالها، فلم يزل جبرئيل يسألهم عن الفتى الهاشمي ويقول كلهم علي بن أبي طالب (4). 27 - ومنه عن الصدوق، عن أحمد بن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن جده، عن علي بن معبد، عن أحمد بن عمر، عن زيد النقاب (5)، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله) يكثر تقبيل فاطمة عليها السلام، فعاتبته على ذلك عايشة، فقالت: يا رسول الله إنك لتكثر تقبيل فاطمة ! فقال لها: إنه لما عرج بي إلى السماء مر بي جبرئيل على شجرة طوبى فناولني من ثمرها فأكلته، فحول الله ذلك ماء إلى ظهري، فلما أن هبطت إلى الارض واقعت خديجة فحملت بفاطمة، فما قبلتها إلا وجدت رائحة شجرة طوبى منها (6).


(1) في المصدر: فطوبى لك. (2) في المصدر: ماذا أراد. (3) المصدر: خال عن لفظة " منى ". (4) المحتضر: 148 - 150. (5) سقط الاسناد عن المصدر المطبوع. (6) المحتضر: 135.

[ 316 ]

28 - ج: ابن عباس قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله) في جواب نفر من اليهود: سخر الله لي البراق، وهو خير من الدنيا بحذافيرها، وهي دابة من دواب الجنة، وجهها مثل وجه آدمي، وحوافرها مثل حوافر الخيل، وذنبها مثل ذنب البقر، فوق الحمار، ودون البغل، سرجه من ياقوته حمراء وركابه من درة بيضاء، مزمومة بسبعين ألف زمام (1) من ذهب، عليه جناحان مكللان بالدر والجوهر (2) والياقوت والزبرجد، مكتوب بين عينيه: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله (3). 29 - ن: بالاسانيد الثلاثة عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الله سخر لي البراق، وهي دابة من دواب الجنة، ليست بالقصير ولا بالطويل، فلو أن الله تعالى أذن لها لجالت الدنيا والآخرة في جرية واحدة، وهي أحسن الدواب لونا (4). 30 ل: محمد بن علي بن إسماعيل، عن عبد الله بن زيدان، عن ابن عقدة، عن علي ابن المثنى، عن زيد بن حباب، عن عبد الله بن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما في القيامة راكب غيرنا، ونحن أربعة، فقام إليه العباس بن عبد المطلب فقال: من هم يا رسول الله ؟ فقال: أما أنا فعلى البراق، ووجهها كوجه الانسان وخدها كخد الفرس، وعرفها من لؤلؤ مسموط، واذناها زبرجدتان خضراوان (5)، وعيناها مثل كوكب الزهرة، تتوقدان مثل النجمين المضيئين، لها شعاع مثل شعاع الشمس، ينحدر من نحرها الجمان، مطوية الخلق، طويلة اليدين والرجلين، لها كنفس الآدميين، تسمع الكلام وتفهمه، وهي فوق الحمار ودون البغل الخبر (6).


(1) في المصدر: مزمومة بالف زمام. (2) المصدر خال عن لفظة " والجوهر ". (3) المحتضر: 29. فيه: وأن محمدا رسول الله. (4) عيون أخبار الرضا: 200. (5) في المصدر: خضراوتان. (6) الخصال 1: 95.

[ 317 ]

31 - ع، ن: سأل الشامي أمير المؤمنين (عليه السلام) عن كنية البراق، فقال: يكنى أبا هلال (1). 32 - قال السيد ابن طاووس رضي الله عنه في كتاب سعد السعود رأيت في تفسير ما نزل من القرآن في النبي وأهل بيته صلوات الله عليهم تأليف محمد بن العباس بن علي ابن مروان: حدثنا الحسين بن محمد بن سعيد، عن محمد بن البيض بن الفياض، عن إبراهيم بن عبد الله بن همام، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن حماد، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): بينما أنا في الحجر إذ أتاني جبرئيل فهمزني (2) برجلي فاستيقظت فلم أر شيئا، ثم أتاني الثانية فهمزني برجلي فاستيقظت، فأخذ بضبعي (3) فوضعني في شئ كوكر الطير، فلما طرقت (4) ببصري طرفة، فرجعت إلي وأنا في مكان ! (5)، فقال: أتدري أين أنت ؟ فقلت: لا يا جبرئيل، فقال: هذا بيت المقدس، بيت الله الاقصى، فيه المحشر والمنشر، ثم قام جبرئيل فوضع سبابته اليمنى في اذنه اليمنى فأذن مثنى مثنى، يقول في آخرها: حي على خير العمل مثنى مثنى، حتى إذا قضى أذانه أقام الصلاة مثنى مثنى، وقال في آخرها: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، فبرق نور من السماء ففتحت به قبور الانبياء فأقبلوا من كل أوب يلبون دعوة جبرئيل، فوافى أربعة آلاف وأربعمائة نبي، وأربعة عشر نبيا فاخذوا مصافهم ولا اشك ان جبرئيل سيتقدمنا، فلما استووا على مصافهم أخذ جبرئيل بضبعي، ثم قال لي: يا محمد تقدم فصل بإخوانك، فالخاتم أولى من المختوم، فالتفت عن يميني وإذا أنا بأبي إبراهيم (عليه السلام) عليه حلتان خضراوان، وعن يمينه ملكان، وعن يساره ملكان، ثم التفت عن يساري وإذا أنا بأخي ووصيي علي بن أبي طالب، عليه حلتان بيضاوان، عن يمينه ملكان، وعن يساره ملكان، فاهتززت سرورا،


(1) علل الشرائع: 198، عيون أخبار الرضا: 136. في العلل: يكنى أبا هزال، وهو الموجود أيضا في نسخة من كتاب الاحتجاجات: والحديث طويل أخرجه المصنف في كتاب الاحتجاجات راجع 10: 75 - 82، والقطعة في 80. (2) همزه: غمزه. ضربه، وفى نسخة: فهزني. (3) الضبع: وسط العضد. والوكر عش الطائر وموضعه. (4) في نسخة: أطرفت. وفي المصدر: اطرقت. (5) في النسخة ومصدره: في مكاني.

[ 318 ]

فغمزبي (1) جبرئيل (عليه السلام) بيده، فلما انقضت الصلاة قمت إلى إبراهيم (عليه السلام) فقام إلي فصافحني، وأخذ بيميني بكلتا يديه، وقال: مرحبا بالنبي الصالح، والابن الصالح، والمبعوث الصالح في الزمان الصالح، وقام إلى علي بن أبي طالب فصافحه وأخذ بيمينه بكلتا يديه، وقال: مرحبا بالابن الصالح، ووصي النبي الصالح يا أبا الحسن، فقلت له: يا أبت كنيته بأبي الحسن ولا ولد له ؟ فقال: كذلك وجدته في صحفي، وعلم غيب ربي باسمه علي، وكنيته بأبي الحسن والحسين، ووصي خاتم أنبياء ربي. ثم قال في بعض تمام الحديث ما هذا لفظه: ثم أصبحنا بالابطح نشطين (2) لم يباشرنا عناء وإني محدثكم بهذا الحديث، وسيكذب قوم، وهو الحق فلا تمترون. يقول علي بن موسى بن طاووس: لعل هذا الاسراء كان دفعة اخرى غير ما هو مشهور، فإن الاخبار وردت مختلفة في صفات الاسراء، ولعل الحاضرين من الانبياء كانوا في هذه الحال (3) دون الانبياء الذين حضروا في الاسراء الآخر، لان عدد الانبياء الاخيار مائة ألف نبي وأربعة وعشرون (4) نبيا، ولعل الحاضرين من الانبياء كانوا في هذه هم المرسلون، أو من له خاصية (5) وسر مصون، وليس كل ما جرى من خصائص النبي وعلي صلوات الله عليهما عرفناه، وكلما يحتمله العقل وذكره الله جل جلاله لا يجوز التكذيب في معناه، وقد ذكرت في عدة مجلدات ومصنفات أنه حيث ارتضى الله جل جلاله عبده لمعرفته وشرفه لخدمته فكلما يكون بعد ذلك من الانعام والاكرام فهو دون هذا المقام، ولا سيما أنه برواية الرجال الذين لا يتهمون في نقل فضل مولانا علي ابن أبي طالب عليه أفضل الصلاة والسلام (6).


(1) في المصدر: فغمزني. (2) المصدر خال عن لفظة " نشطين " ولعله مصحف " نشيطين ". (3) في المصدر: في هذه الحالة. (4) أي وأربعة وعشرون ألف نبيا. (5) في المصدر: خاصة. (6) سعد السعود: 100 و 101.

[ 319 ]

بيان: الضبع: العضد، والاوب: الناحية. 33 - د: في ليلة إحدى وعشرين من رمضان قبل الهجرة بستة أشهر كان الاسراء برسول الله وقيل: في السابع عشر من شهر رمضان ليلة السبت، وقيل: ليلة الاثنين من شهر ربيع الاول بعد النبوة بسنتين، وفي كتاب التذكرة في ليلة السابع والعشرين من رجب السنة الثانية من الهجرة كان الاسراء (1). 34 - فس: أبي، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جاء جبرئيل وميكائيل وإسرافيل بالبراق إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخذ واحد باللجام، وواحد بالركاب، وسوى الآخر عليه ثيابه، فتضعضعت (2) البراق فلطمها جبرئيل، ثم قال لها: اسكني يا براق فما ركبك نبى قبله ولا يركبك بعده مثله - قال: فرقت (3) به (صلى الله عليه وآله) ورفعته ارتفاعا ليس بالكثير، ومعه جبرئيل يريه الآيات من السماء والارض - قال: فبينا أنا في مسيري إذ نادى مناد عن يميني: يا محمد، فلم اجبه ولم ألتفت إليه، ثم نادى (4) مناد عن يساري: يا محمد، فلم اجبه ولم ألتفت إليه، ثم استقبلني امرأة كاشفة عن ذراعيها عليها من كل زينة الدنيا فقالت: يا محمد انظرني حتى اكلمك، فلم ألتفت إليها، ثم سرت فسمعت صوتا أفزعني فجاوزت (5). فنزل بي جبرئيل (عليه السلام) فقال: صل فصليت، فقال: تدري أين صليت ؟ فقلت: لا، فقال: صليت بطيبة، وإليها مهاجرتك، ثم ركبت فمضينا ما شاء الله ثم قال لي: انزل وصل، فنزلت وصليت، فقال لي: تدري أين صليت ؟ فقلت: لا، فقال: صليت بطور سيناء حيث كلم الله موسى تكليما، ثم ركبت فمضينا ما شاء الله، ثم قال لي: انزل فصل، فنزلت وصليت، فقال لي: تدري أين صليت ؟ فقلت: لا، قال: صليت في


(1) العدد: مخطوط. (2) هكذا في الكتاب ومصدره، واستظهر في هامش النسخة انها مصحف: " فتصعبت ". (3) أي صعدت البراق بالنبي صلى الله عليه وآله. (4) في نسخة: ثم نادانى. (5) واستظهر في هامش النسخة أن الصحيح فجأته، ولم نعرف وجها له.

[ 320 ]

بيت لحم (1)، - وبيت لحم بناحية بيت المقدس حيث ولد عيسى بن مريم (عليه السلام) - ثم ركبت فمضينا حتى انتهينا إلى بيت المقدس فربطت (2) البراق بالحلقة التي كانت الانبياء تربط (3) بها، فدخلت المسجد ومعي جبرئيل إلى جنبي، فوجدنا إبراهيم وموسى وعيسى فيمن شاء الله من أنبياء الله عليهم السلام قد جمعوا إلي، واقيمت الصلاة (4)، ولا أشك إلا وجبرئيل سيتقدمنا (5) فلما استووا أخذ جبرئيل بعضدي فقد مني وأممتهم ولا فخر، ثم أتاني الخازن بثلاثة أوان: إناء فيه لبن وإناء فيه ماء، وإناء فيه خمر، وسمعت قائلا يقول: إن أخذ الماء غرق وغرقت امته، وإن أخذ الخمر غوي وغويت امته، وإن أخذ اللبن هدي وهديت امته، قال: فأخذت اللبن وشربت منه، فقال لي جبرئيل: هديت وهديت امتك، ثم قال لي: ماذا رأيت في مسيرك ؟ فقلت: ناداني مناد عن يميني، فقال لي: أو أجبته ؟ فقلت: لا ولم ألتفت إليه، فقال: ذلك داعي اليهود، لو أجبته لتهودت امتك من بعدك، ثم قال: ماذا رأيت ؟ فقلت: ناداني مناد عن يساري، فقال لي: أو أجبته ؟ فقلت: لا ولم ألتفت إليه، فقال: ذاك داعي النصارى لو أجبته لتنصرت امتك من بعدك، ثم قال: ماذا استقبلك ؟ فقلت: لقيت امرأة كاشفة عن ذراعيها، عليها من كل زينة الدنيا، فقالت: يا محمد انظرني حتى اكلمك، فقال لي: أفكلمتها ؟ فقلت: لا كلمتها (6) ولم ألتفت إليها، فقال: تلك الدنيا، ولو كلمتها لاختارت امتك الدنيا على الآخرة، ثم سمعت صوتا أفزعني (7)، فقال لي جبرئيل: أتسمع يا محمد ؟ قلت: نعم، قال: هذه صخرة قذفتها عن شفير (8) جهنم منذ سبعين عاما، فهذا حين استقرت.


(1) في نسخة: بيت لخم في الموضعين. (2) في نسخة: فأنزلني وربط البراق. (3) في نسخة: تربطه بها: وفى المصدر: يربطون بها. (4) في المصدر: وأقمت الصلاة. (5) في المصدر: يستقدمنا. (6) في نسخة: لم اكلمها. وفى المصدر: لا، ولم ألتفت إليها. (7) الظاهر أن هنا تصحيفا في الكتاب ومصدره، وسيأتى عن المصنف تصحيح له. (8) في نسخة: على شفير جهنم. بحار الانوار - 20 -

[ 321 ]

قالوا: فما ضحك رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى قبض. قال: فصعد جبرئيل وصعدت معه إلى السماء الدنيا وعليها ملك يقال له: إسماعيل وهو صاحب الخطفة التي قال الله عزوجل: " إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب (1) " وتحته سبعون ألف ملك، تحت كل ملك سبعون ألف ملك، فقال: يا جبرئيل من هذا معك (2) ؟ فقال: محمد (3)، قال: وقد بعث ؟ قال: نعم، ففتح الباب فسلمت عليه وسلم علي، واستغفرت له واستغفرلي، وقال: مرحبا بالاخ الصالح، والنبي الصالح، وتلقتني الملائكة حتى دخلت السماء الدنيا، فما لقيني ملك إلا ضاحكا مستبشرا حتى لقيني ملك من الملائكة لم أر أعظم خلقا منه، كريه المنظر، ظاهر الغضب، فقال لي: مثل ما قالوا من الدعاء إلا أنه لم يضحك، ولم أر فيه من الاستبشار ما رأيت ممن ضحك من الملائكة، فقلت: من هذا يا جبرئيل ؟ فإني قد فزعت منه (4) فقال: يجوز أن تفزع منه، وكلنا نفزع منه، إن هذا مالك خازن النار، لم يضحك قط، ولم يزل منذ ولاه الله جهنم يزداد كل يوم غضبا وغيظا على أعداء الله وأهل معصيته، فينتقم الله به منهم ولو ضحك إلى أحد (5) كان قبلك أو كان ضاحكا إلى أحد بعدك لضحك إليك، ولكنه لا يضحك، فسلمت عليه فرد السلام علي، وبشرني بالجنة، فقلت لجبرئيل: - وجبرئيل بالمكان الذي وصفه الله: " مطاع - ثم أمين (6) " - ألا تأمرني أن يريني النار ؟ فقال له جبرئيل: يا مالك أر محمدا النار، فكشف عنها غطاءها وفتح بابا منها فخرج منها لهب ساطع في السماء، وفارت وارتفعت حتى ظننت لتتناولني مما رأيت، فقلت: يا جبرئيل قل له: فليرد عليها غطاءها فأمرها، فقال لها: ارجعي، فرجعت إلى مكانها الذي خرجت منه، ثم مضيت ؟ فرأيت رجلا


(1) الصافات: 10. (2) في نسخة: من هذا الذى معك ؟ (3) في نسخة محمد رسول الله. (4) في نسخة: قد فرقت منه. أقول: أي فزعت منه: (5) في المصدر: ولو ضحك لاحد. (6) التكوير: 21.

[ 322 ]

آدما (1) جسيما فقلت: من هذا يا جبرئيل ؟ فقال: هذا أبوك آدم، فإذا هو يعرض عليه ذريته، فيقول: روح طيب، وريح طيبة من جسد طيب، ثم تلا رسول الله (صلى الله عليه وآله) سورة المطففين (2) على رأس سبع عشر آية: " كلا إن كتاب الابرار لفي عليين * وما أدراك ما عليون * كتاب مرقوم * يشهده المقربون (3) " إلى آخرها، قال: فسلمت على أبي آدم، وسلم علي واستغفرت له، واستغفر لي، وقال: مرحبا بالابن الصالح، والنبي الصالح، والمبعوث في الزمن الصالح، ثم مررت بملك من الملائكة جالس (4) على مجلس، وإذا جميع الدنيا بين ركبتيه، وإذا بيده لوح من نور، سطر فيه مكتوب فيه كتاب ينظر فيه (5) لا يلتفت يمينا ولا شمالا مقبلا عليه كهيئة الحزين، فقلت: من هذا يا جبرئيل ؟ فقال: هذا ملك الموت، دائب (6) في قبض الارواح، فقلت: يا جبرئيل أدنني منه حتى اكلمه، فأدناني منه فسلمت عليه، وقال له جبرئيل: هذا محمد نبي الرحمة الذي أرسله الله إلى العباد، فرحب بي وحياني (7) بالسلام وقال: أبشر يا محمد فإني أرى الخير كله في امتك، فقلت: الحمد لله المنان ذي النعم على عباده، ذلك من فضل ربي ورحمته علي، فقال جبرئيل: هو أشد الملائكة عملا فقلت: أكل من مات أو هو ميت فيما بعد هذا يقبض روحه ؟ فقال: نعم، قلت: وتراهم حيث كانوا وتشهدهم بنفسك (8) ؟ فقال نعم فقال ملك الموت: ما الدنيا كلها عندي فيما سخرها الله لي ومكنني عليها إلا كالدرهم في كف الرجل يقلبه كيف


(1) الادم: الاسمر، والاسمر: من كان لونه بين السواد والبياض يقال له بالفارسية: گندم گون. (2) السورة: 83. (3) الايات: 17 - 21. (4) في طبعة أمين الضرب والمصدر: جالسا على مجلس. (5) الموجود في المصدر هكذا: وإذا بيده لوح من نور ينظر فيه، مكتوب فيه كتابا ينظر فيه. أقول: الظاهر أن " كتابا " مصحف " كتاب ". (6) دأب في عمل: استمر عليه وجد. (7) رجب به: قال له: مرحبا. حياه: قال له: حياك الله. سلم عليه. (8) في المصدر: فقلت: ويراهم حيث كانوا ويشهدهم بنفسه ؟

[ 323 ]

يشاء، وما من دار إلا وأنا أتصفحه كل يوم خمس مرات، وأقول: إذا بكى أهل الميت على ميتهم لا تبكوا عليه فإن لي فيكم عودة وعودة حتى لا يبقى منكم أحد، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كفى بالموت طامة (1) يا جبرئيل فقال جبرئيل: إن ما بعد الموت أطم وأطم من الموت (2)، قال: ثم مضيت فإذا أنا بقوم (3) بين أيديهم موائد من لحم طيب ولحم خبيث، يأكلون اللحم الخبيث، ويدعون الطيب، فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل ؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون الحرام ويدعون الحلال، وهم من امتك يا محمد، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ثم رأيت ملكا من الملائكة جعل الله أمره عجبا، نصف جسده النار (4)، والنصف الآخر ثلج، فلا النار تذيب الثلج، ولا الثلج يطفئ النار، وهو ينادي بصوت رفيع و يقول: سبحان الذي كف حر هذه النار فلا تذيب الثلج، وكف برد هذا الثلج فلا يطفئ حر هذه النار اللهم (5) يا مؤلف بين الثلج والنار ألف بين قلوب عبادك المؤمنين. فقلت: من هذا يا جبرئيل ؟ فقال: هذا ملك وكله الله بأكناف السماء وأطراف الارضين، وهو أنصح ملائكة الله لاهل الارض من عباده المؤمنين يدعو لهم بما تسمع منذ خلق، ورأيت ملكين يناديان (6) في السماء أحدهما يقول: " اللهم أعط كل منفق خلفا " والآخر يقول: " اللهم أعط كل ممسك تلفا " ثم مضيت فإذا أنا بأقوام لهم مشافر كمشافر الابل يقرض اللحم من جنوبهم، ويلقى في أفواههم، فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل ؟ فقال: هؤلاء الهمازون اللمازون، ثم مضيت فإذا أنا بأقوام ترضخ رؤوسهم بالصخر، فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل ؟


(1) الطامة: الداهية تفوق ما سواها. (2) في نسخة: وأعظم من الموت. (3) لعل المراد أشباههم وأمثالهم. (4) في المصدر: من النار. (5) المصدر خال عن حرف النداء. وفي طبعة أمين الضرب: يا من ألف. (6) في نسخة وفي المصدر: وملكان يناديان.

[ 324 ]

فقال: هؤلاء الذين ينامون عن صلاة العشاء، ثم مضيت فإذا أنا بأقوام تقذف النار في أفواههم، وتخرج من أدبارهم، فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل ؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما، إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا، ثم مضيت فإذا أنا بأقوام يريد أحدهم أن يقوم فلا يقدر من عظم بطنه، فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل قال: هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، وإذا هم بسبيل آل فرعون: يعرضون على النار غدوا وعشيا، يقولون: ربنا متى تقوم الساعة ؟ قال: ثم مضيت فإذا أنا بنسوان معلقات بثديهن، فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل ؟ فقال هؤلاء اللواتي يورثن أموال أزواجهن أولاد غيرهم، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اشتد غضب الله على امرأة أدخلت على قوم في نسبهم من ليس منهم فاطلع على عوراتهم، وأكل خزائنهم. قال: مررنا بملائكة من ملائكة الله عزوجل خلقهم الله كيف شاء، ووضع وجوههم كيف شاء (1) ليس شئ من أطباق أجسادهم إلا وهو يسبح الله ويحمده (2) من كل ناحية بأصوات مختلفة، أصواتهم مرتفعة بالتحميد والبكاء من خشية الله، فسألت جبرئيل عنهم، فقال: كما ترى خلقوا، إن الملك منهم إلى جنب صاحبه ما كلمه قط، ولا رفعوا رؤوسهم إلى ما فوقها ولا خفضوها إلى ما تحتها (3) خوفا من الله وخشوعا، فسلمت عليهم فردوا علي إيماء برؤوسهم لا ينظرون إلي من الخشوع، فقال لهم جبرئيل: هذا محمد نبي الرحمة، أرسله الله إلى العباد رسولا ونبيا، وهو خاتم النبوة (4) وسيدهم، أفلا تكلمونه ؟ قال: فلما سمعوا ذلك من جبرئيل أقبلوا علي بالسلام، وأكرموني وبشروني بالخير لي ولامتي.


(1) المصدر خال عن قوله: ووضع وجوههم كيف شاء. (2) في نسخة: يسبح الله بحمده. (3) في المصدر: إلى ما تحتهم. (4) في نسخة: وهو خاتم النبيين وسيدهم.

[ 325 ]

قال: ثم صعدنا (1) إلى السماء الثانية فإذا فيها رجلان متشابهان، فقلت: من هذان يا جبرئيل ؟ فقال لي: ابنا الخالة يحيى وعيسى (عليهما السلام)، فسلمت عليهما وسلما علي واستغفرت لهما، واستغفرا لي، وقالا: مرحبا بالاخ الصالح، والنبي الصالح، وإذا فيها من الملائكة وعليهم الخشوع قد وضع الله وجوههم كيف شاء ليس منهم ملك إلا يسبح الله ويحمده (2) بأصوات مختلفة، ثم صعدنا إلى السماء الثالثة فإذا فيها رجل فضل حسنه على سائر الخلق كفضل القمر ليلة البدر على سائر النجوم، فقلت: من هذا يا جبرئيل ؟ فقال: هذا أخوك يوسف، فسلمت عليه وسلم علي، واستغفرت له، واستغفرلي، وقال: مرحبا بالنبي الصالح، والاخ الصالح، والمبعوث في الزمن الصالح، وإذا فيها ملائكة عليهم من الخشوع مثل ما وصفت في السماء الاولى والثانية، وقال لهم جبرئيل في أمري ما قال (3) للآخرين، وصنعوا بي مثل ما صنع الآخرون. ثم صعدنا إلى السماء الرابعة وإذا فيها رجل، فقلت: من هذا يا جبريل ؟ قال: هذا إدريس رفعه الله مكانا عليا، فسلمت عليه، وسلم علي، واستغفرت له، واستغفر لي وإذا فيها من الملائكة الخشوع مثل ما في السماوات التي عبرناها، فبشروني بالخير لي ولامتي، ثم رأيت ملكا جالسا على سرير تحت يديه سبعون ألف ملك تحت كل ملك سبعون ألف ملك، فوقع في نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه هو، فصاح به جبرئيل فقال: قم، فهو قائم إلى يوم القيامة، ثم صعدنا إلى السماء الخامسة فإذا فيها رجل كهل عظيم العين، لم أر كهلا أعظم منه، حوله ثلة من (4) امته فأعجبتني كثرتهم، فقلت: من هذا يا جبرئيل ؟ فقال: هذا المجيب في قومه هارون بن عمران، فسلمت عليه، وسلم علي، واستغفرت له، واستغفرلي، وإذا فيها من الملائكة الخشوع مثل ما في السماوات، ثم صعدنا إلى


(1) في المصدر: ثم صعد بى. وهو الموجود في نسخة أيضا. (2) في نسخة: يسبح الله بحمده. (3) في المصدر: مثل ما قال. (4) في النسخة المخطوطة: حوله ثلاثة من امته، وفى المصدر: حوله ثلاثة صفوف من امته.

[ 326 ]

السماء السادسة وإذا فيها رجل آدم طويل كأنه من شبوة (1)، ولو أن عليه قميصين لنفذ شعره فيهما، فسمعته يقول: يزعم بنو إسرائيل أني أكرم ولد آدم على الله، وهذا رجل أكرم على الله مني، فقلت: من هذا يا جبرئيل ؟ فقال: هذا أخوك موسى بن عمران فسلمت عليه وسلم علي، واستغفرت له واستغفر لي، وإذا فيها من الملائكة الخشوع مثل ما في السماوات. قال: ثم صعدنا إلى السماء السابعة فما مررت بملك من الملائكة إلا قالوا: يا محمد احتجم، واءمر امتك بالحجامة، وإذا فيها رجل أشمط الرأس واللحية، جالس على كرسي، فقلت: يا جبرئيل من هذا الذي في السماء السابعة على باب البيت المعمور في جوار الله ؟ فقال: هذا يا محمد أبوك إبراهيم، وهذا محلك ومحل من اتقى من امتك، ثم قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله): " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين (2) " فسلمت عليه، وسلم علي، وقال: مرحبا بالنبي الصالح، والابن الصالح، والمبعوث في الزمن الصالح، وإذا فيها من الملائكة الخشوع مثل ما في السماوات، فبشروني بالخير لي ولامتي (3)، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ورأيت في السماء السابعة بحارا من نور يتلالا تلالؤها (4) يخطف بالابصار، وفيها بحار مظلمة (5)، وبحار من ثلج (6) ترعد، فكلما فزعت (7) ورأيت هؤلاء سألت جبرئيل فقال: أبشر يا محمد واشكر كرامة ربك، واشكر الله بما صنع إليك، قال: فثبتني الله بقوته وعونه حتى كثر قولي لجبرئيل وتعجبي، فقال جبرئيل: يا محمد تعظم ما ترى ؟ إنما هذا خلق من خلق ربك، فكيف بالخالق الذي خلق ما ترى ؟ وما لا ترى أعظم من هذا.


(1) في المصدر: كانه من شعر، والظاهر انهما مصحفان عن " أزد شنوءة " على ما تقدم في فصصه (عليه السلام). (2) آل عمران: 68. (3) في المصدر: فبشروني بالخير والرحمة لى ولا متى. (4) في المصدر: يكاد تلالؤها. وهو كذلك أيضا في نسخة. (5) في نسخة: وفيها بحار من ظلمة. (6) في المصدر: وبحار ثلج ترعد. (7) في المصدر: فلما فزعت.

[ 327 ]

من خلق ربك أن بين الله وبين خلقه تسعين (1) ألف حجاب، وأقرب الخلق إلى الله أنا وإسرافيل، وبيننا وبينه أربعة حجب: حجاب من نور، وحجاب من ظلمة، وحجاب من الغمام، وحجاب من الماء، قال: (صلى الله عليه وآله) ورأيت من العجائب التي خلق الله وسخر على ما أراده ديكا رجلاه في تخوم الارضين السابعة، ورأسه عند العرش، وهو ملك من ملائكة الله تعالى (2) خلقه الله كما أراد، رجلاه في تخوم الارضين السابعة، ثم أقبل مصعدا حتى خرج في الهواء إلى السماء السابعة، وانتهى فيها مصعدا حتى انتهى قرنه إلى قرب العرش، وهو يقول: " سبحان ربي حيث ما كنت لا تدري أين ربك من عظم شأنه " وله جناحان في منكبيه، إذا نشرهما جاوز المشرق والمغرب، فإذا كان في السحر نشر جناحيه وخفق بهما وصرخ بالتسبيح يقول: " سبحان الله الملك القدوس، سبحان الله الكبير المتعال، لا إله إلا الله الحي القيوم " وإذا قال ذلك سبحت ديوك الارض كلها، وخفقت بأجنحتها، وأخذت في الصياح (3)، فإذا سكت ذلك الديك في السماء سكتت ديوك الارض كلها، ولذلك الديك زغب أخضر (4)، وريش أبيض كأشد بياض [ ما ] رأيته قط، وله زغب أخضر أيضا تحت ريشه الابيض كأشد خضرة [ ما ] رأيتها قط، قال (صلى الله عليه وآله) ثم مضيت مع جبرئيل فدخلت البيت المعمور فصليت فيها ركعتين، ومعي اناس من أصحابي عليهم ثياب جدد، وآخرين عليهم ثياب خلقان، فدخل أصحاب الجدد، وحبس أصحاب الخلقان، ثم خرجت فانقاد لي نهران: نهر يسمى الكوثر، ونهر يسمى الرحمة، فشربت من الكوثر، واغتسلت من الرحمة، ثم انقادا لي جميعا حتى دخلت الجنة، وإذا على حافتيها (5) بيوتي وبيوت


(1) في نسخة: سبعين. (2) في نسخة: ملكا من ملائكة الله. وفى المصدر وملك من ملائكة الله. (3) في نسخة: بالصراخ. (4) في المصدر: ولذلك الديك زغب الشعرات في الراس أخضر. (5) الحافة: الجانب والطرف.

[ 328 ]

أهلي (1)، وإذا ترابها كالمسك، وإذا جارية تنغمس في أنهار الجنة، فقلت: لمن أنت يا جارية ؟ فقالت: لزيد بن حارثة، فبشرته بها حين أصبحت، وإذا بطيرها كالبخت، وإذا رمانها مثل دلي العظام، وإذا شجرة لو ارسل طائر في أصلها ما دارها سبعمائة سنة، وليس في الجنة منزل إلا وفيها قتر (2) منها، فقلت: ما هذه يا جبرئيل ؟ فقال هذه شجرة طوبى قال الله: " طوبى لهم وحسن مآب (3) " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فلما دخلت الجنة رجعت إلى نفسي فسألت جبرئيل عن تلك البحار وهولها وأعاجيبها، فقال: هي سرادقات الحجب التي احتجب الله تبارك وتعالى بها، ولو لا تلك الحجب لتهتك نور العرش (4) وكل شئ فيه (5)، وانتهيت إلى سدرة المنتهى فإذا الورقة منها تظل امة من الامم، فكنت منها


(1) في المصدر: وبيوت أزواجي. (2) في المصدر: غصن منها. (3) الرعد: 29. (4) في نسخة امين الضرب: لتهتك عن نور العرش. (5) في الحديث كما ترى أسرار لم يطلع عليها أحد إلى الان، ولم يكشف عنها العلوم غطاءها إلى حينذاك، كقوله: سرادقات الحجب، وهتك النور، وغيرهما، ولعل الله ادخر علم تلك الاسرار الكونية التى أفاض علمها إلى أئمتنا عليهم السلام لجيل يأتي يوما ينقر العلوم يقرا ؟، يتصفح عن الحقائق الكامنة في جو العالم والكرات الواقعة في الفضاء اللايتناهى تصفحا، والاسف أن المسلمين مع تصلبهم في العمل، ونشاطهم في الامور، وتنقيرهم عن الاسرار في زمنهم الاول أصبحوا كسالى خاملين معطلين، طائفة منهم رسخت فيهم العطالة والبطالة، ومالوا إلى العزلة، ودعوا المجتمع إليها، راجحين للانفراد على المدينة والحضارة مقلدين من كان قبلهم من أصحاب الاديار والكهوف والغيران، وصنف منهم عكفوا إلى جمع الدرهم والدينار، وانحازوا إلى الاشروا لبطر والترف، وأراحوا انفسهم عن كد تحصيل العلوم، وتصفح الاسرار الكونية وما أودع الله علمه في كمون ذلك العالم، ولحبهم الفسوق نسوا أنفسهم فأنساهم الله ما أعد فيهم من استعدادات قوية يمكنهم الاستمداد منها على حل الاسرار وكشف ما غمض حقيقته عنا، ولتخسير القوى الطبيعية واستخدامها. وهذه الطائفة ليسوا بأقل من غيرهم بل هم الاكثرون، سيما في قرننا المظلم آفاقه، والظالم آهله، الذى خطف أبصار أهله ما استفاد الغربيون من العلوم، وركنوا إليهم واليها واكتفوا بها فصاروا عبيدا بعد ما كانوا سادة، وتبعا بعد ما كانوا متبوعين، فهل يقظة بعد النوم ؟ ونشاط بعد الكسل والفشل. وما ظلم هؤلاء المترفون بأكثر من ظلم طائفة اخرى كلما رأوا أو سمعوا من الاسرار الكونية الواردة في الثراء العلمية من أحاديثنا يتأولونها بمعان خيالية تفهة، أو عرفانية صرفة

[ 329 ]

كما قال الله تعالى: " قاب قوسين أو أدني " فناداني: آمن الرسول بما انزل إليه من ربه (1). فقلت أنا مجيبا عنى (2) وعن امتي: والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله، فقلت (3): سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير فقال الله: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، فقلت: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، فقال الله: لا اؤاخذك، فقلت: ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا، فقال الله: لا أحملك، فقلت: ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين، فقال الله تبارك وتعالى: قد أعطيتك ذلك لك ولامتك. فقال الصادق (عليه السلام): ما وفد إلى الله تعالى أحد أكرم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث سأل (4) لامته هذه الخصال (5). فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا رب أعطيت أنبياءك فضائل فأعطني، فقال الله: قد أعطيتك فيما أعطيتك كلمتين من تحت عرشي: لا حول ولا قوة إلا بالله (6)، ولا منجى منك إلا إليك، قال: وعلمتني الملائكة قولا أقوله إذا أصبحت وأمسيت: " اللهم إن ظلمي أصبح مستجيرا بعفوك، وذنبي أصبح مستجيرا بمغفرتك، وذلي أصبح مستجيرا بعزتك، وفقري


(1) تفسير القمى: 368 - 375، في المصدر بعد ذلك: وقد كتبنا ذلك في سورة البقرة: وما ذكره هنا فأورده المصنف بعد ذلك. (2) في المصدر: بعد ما ذكر الاسناد المتقدم، إن هذه الاية مشافهة الله لنبيه ليلة اسرى به إلى السماء، قال النبي صلى الله عليه وآله: انتهيت إلى محل سدرة المنتهى، وإذا الورقة منها تظل امة من الامم فكنت من ربى كقاب قوسين أو أدنى كما حكى الله عزوجل، فناداني ربى: آمن الرسول بما انزل إليه من ربه، فقلت: أنا مجيبا عنى اه‍. أقول: قوله " فكنت من ربى " قد سمعت آنفا أنه ذكر في سورة الاسراء: " فكنت منها " أي سدرة المنتهى، فلعله التصحيف جاء من الرواة أو النساخ. (3) في المصدر: وقالوا سمعنا (4) في نسخة: حين سأل و (5) تفسير القمى: 86. (6) في نسخة: بالله العلى العظيم. (*)

[ 330 ]

اصبح مستجيرا بفناك، ووجهى البالي (1) أصبح مستجيرا بوجهك الدائم الباقي الذي لا يفنى " وأقول ذلك إذا أمسيت. ثم سمعت الاذان فإذا ملك يؤذن لم ير في السماء قبل تلك الليلة، فقال: الله أكبر، الله أكبر، فقال الله: صدق عبدي أنا أكبر (2)، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، فقال الله: صدق عبدي، أنا الله لا إله غيري، فقال: أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله، فقال الله: صدق عبدي، إن محمدا عبدي ورسولي أنا بعثته وانتجبته، فقال: حي على الصلاة حي على الصلاة، فقال: صدق عبدي ودعا إلى فريضتي، فمن مشى إليها راغبا فيها محتسبا كانت له كفارة لما مضى من ذنوبه، فقال: حي على الفلاح حي على الفلاح، فقال الله: هي الصلاح والنجاح والفلاح، ثم أممت الملائكة في السماء كما أممت الانبياء في بيت المقدس، قال: ثم غشيتني صبابة فخررت ساجدا فناداني ربي: إني قد فرضت على كل نبي كان قبلك خمسين صلاة، وفرضتها عليك وعلى امتك، فقم بها أنت في امتك فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فانحدرت حتى مررت على إبراهيم فلم يسألني عن شئ حتى انتهيت إلى موسى (عليه السلام) فقال: ما صنعت يا محمد ؟ فقلت: قال: ربي: فرضت على كل نبي كان قبلك خمسين صلاة، وفرضتها عليك وعلى امتك، فقال موسى (عليه السلام): يا محمد إن امتك آخر الامم وأضعفها، وإن ربك لا يزيده شئ (3)، وإن امتك لا تستطيع أن تقوم بها، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لامتك، فرجعت إلى ربي حتى انتهيت إلى سدرة المنتهى فخررت ساجدا، ثم قلت: فرضت علي وعلى امتي خمسين صلاة ولا اطيق ذلك ولا امتي، فخفف عني، فوضع عني عشرا، فرجعت إلى موسى فأخبرته فقال: ارجع لا تطيق، فرجعت إلى ربي فوضع عني عشرا، فرجعت إلى موسى فأخبرته، فقال: ارجع وفي كل رجعة أرجع إليه


(1) في نسخة: الفاني، وفى المصدر: الفاني البالى. (2) في الطبعة الحروفية: أنا أكبر من كل شئ. والمصدر وسائر النسخ خلت عن الزيادة. (3) في المصدر: وان ربك لايرد عليك شيئا.

[ 331 ]

أخر ساجدا حتى رجع إلى عشر صلوات، فرجعت إلى موسى وأخبرته، فقال: لا تطيق، فرجعت إلى ربي فوضع عني خمسا، فرجعت إلى موسى (عليه السلام) وأخبرته فقال: لا تطيق، فقلت: قد استحييت من ربي، ولكن أصبر عليها، فناداني مناد كما صبرت عليها فهذه الخمس بخمسين كل صلاة بعشير، ومن هم من امتك بحسنة يعملها فعملها كتبت له عشرا، و إن لم يعمل كتبت له واحدة، ومن هم من امتك بسيئة فعملها كتبت عليه واحدة، و إن لم يعملها لم أكتب عليه شيئا ؟ فقال الصادق (عليه السلام): جزى الله موسى (عليه السلام) عن هذه الامة خيرا. فهذا تفسير قول الله: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير (1). توضيح: قوله أتسمع يا محمد ؟ الظاهر أنه بيان للصوت المذكور سابقا أنه (صلى الله عليه وآله) سمعه في الطريق، فكان الاظهر أن يكون هكذا: " قلت: ثم سمعت صوتا أفزعني فقال لي جبرئيل سمعت يا محمد ؟ ويحتمل أن يكون هذا الصوت غير الصوت الاول فلم يبين حقيقة الاول في الخبر، وهو بعيد (2)، قوله: كلا إن كتاب الابرار، لعل الاستشهاد بالآية مبني على أن المراد بكتاب الابرار في الآية أرواحهم، لانها محل العلوم والمعارف، و يحتمل أن يكون ذكر الآية للمناسبة، أي كما أن أعمالهم تثبت في عليين فكذا أرواحهم تصعد إليها. وتصفح في الامر: نظر فيه، وقال الجوهري: كل شئ كثر حتى علا وغلب فقد طم يطم، يقال، فوق كل طامة طامة، ومنه سميت القيامة طامة انتهى. والمشافر جمع المشفر بالكسر وهو شفة البعير، والرضخ: الدق والكسر. قوله (صلى الله عليه وآله): يورثن أموال أزواجهن، أي يزنين ويلحقن أولاد الزنا بالازواج فيرثون من أزواجهن، ويحتمل على بعد أن يكون المراد به زوجة يكون لها ولد من زوج آخر تعطيه أموال الزوج الاخير، والفقرة الثانية مؤكدة ومؤيدة للمعنى الاول. قوله: من أطباق أجسادهم، أي أعضائهم مجازا، أو أغشية أجسادهم من أجنحتهم


(1) تفسير القمى: 375 و 376. (2) وربما يحمل على أن السائل في الجميع الخازن، ولا يخلو من بعد، والظاهر أن الخازن كان ص الملائكة، والماء والخمر واللبن من الجنة، أو من حيث شاء الله، لا من أشربة الدنيا. منه قدس سره.

[ 332 ]

وريشهم، قال الفيروزآبادي: الطبق محركة: غطاء كل شئ، وعظم رقيق يفصل بين كل فقارين، والطابق كهاجر وصاحب: العضو، قوله: من الملائكة الخشوع، لعله جمع خاشع كركوع وراكع، وفي بعض النسخ من الملائكة والخشوع في المواضع وهو أصوب، قوله " إنه هو " أي إنه الملك الذي ليس فوقه ملك، أو أنه المدبر لامور العالم بأمر الله تعالى قوله (صلى الله عليه وآله) كأنه من شبوة، أقول: شبوة: أبو قبيلة وموضع بالبادية، وحصن باليمن (1)، وذكر الثعلبي في وصفه (عليه السلام) كأنه من رجال أزدشنوءة، وقال الفيروزآبادي: أزدشنوءة، وقد تشدد الواو: قبيلة سميت لشنان بينهم انتهى. وعلى التقادير شبهه (صلى الله عليه وآله) بإحدى تلك الطوائف في الادمة وطول القامة، والشمط: بياض الرأس يخالطه سواد، وخفق الطائر: طار. وأخفق ضرب بجناحيه. والزغب محركة: صغار الشعر والريش ولينه، وأول ما يبدو منهما، والبخت: الابل الخراساني، والدلي بضم الدال وكسر اللام وتشديد الياء جمع دلو على فعول، والقتر بالضم وبضمتين: الناحية والجانب، وبالفتخ ويحرك: القدر، قوله (عليه السلام): لتهتك نور العرش وكل شئ فيه، أي لولا تلك الحجب لاحرق وهتك النور العظيم الذي خلقه الله وراء الحجب نور العرش وما دونه، وفي بعض النسخ لهتك نور العرش كل شئ فيه، فالمراد بها الحجب التي تحت العرش، وأنه لولاها لاحرق، وحرق نور العرش ما دونه، وفي التفسير الصغير للمصنف: لهتك نور الله العرش وما دونه، وهو يرجع إلى المعنى الاول، والصبابة: رقة الشوق وحرارته. 35 - لى: أحمد بن محمد بن حمدان المكتب، عن محمد بن عبد الرحمان الصفار، عن محمد بن عيسى الدامغاني، عن يحيى بن المغيرة، عن جرير، عن الاعمش، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ليلة اسري بي إلى السماء أخذ جبرئيل بيدي فأدخلني الجنة، وأجلسني على درنوك من درانيك الجنة، فناولني سفر جلة فانفلقت بنصفين فخرجت منها حوراء كأن أشفار عينها (2) مقاديم النسور، فقالت: السلام عليك


(1) هكذا في القاموس وقال في شرحه: شبوة بطن من القحطانية وهو: شبوة بن ثوبان بن عيسى بن شحارة ابن غالب بن عبد الله بن عك. (2) في المصدر: كأن أشفار عينيها.

[ 333 ]

يا أحمد السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا محمد، فقلت: من أنت يرحمك الله ؟ قالت أنا الراضية المرضية خلقني الجبار من ثلاثة أنواع: أسفلي من المسك. وأعلاي من الكافور ووسطي من العنبر. وعجنت بماء الحيوان، قال الجليل: كوني فكنت، خلقت لابن عمك ووصيك ووزيرك علي بن أبي طالب (1)، بيان: قال الفيروزآبادي: الدرنوك: بالضم: ضرب من الثياب (2) أو البسط والطنفسة. 36 - لى: الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي، عن فرات بن إبراهيم الكوفي، عن محمد بن أحمد الهمداني، عن الحسن بن علي الشامي، عن أبيه، عن أبي جرير، عن عطاء الخراساني. رفعه، عن عبد الرحمان بن غنم قال: جاء جبرئيل (عليه السلام) إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بدابة دون البغل وفوق الحمار، رجلاها أطول من يديها. خطوها مد البصر. فلما أراد (3) أن يركب امتنعت فقال جبرئيل (عليه السلام): إنه محمد، فتواضعت حتى لصقت بالارض قال: فركب، فكلما هبطت ارتفعت يداها، وقصرت رجلاها (4) فمرت به في ظلمة الليل على عير محملة فنفرت العير من دفيف البراق فنادى رجل في آخر العير غلاما له في أول العير: يا فلان إن الابل قد نفرت، وإن فلانة ألقت حملها وانكسر يدها، وكانت العير لابي سفيان. قال: ثم مضى حتى إذا كان ببطن البلقاء قال: يا جبرئيل قد عطشت، فتناول جبرئيل قصعة فيها ماء فناوله فشرب، ثم مضى فمر على قوم معلقين بعراقيبهم بكلاليب (5) من نار، فقال: ما هؤلاء يا جبرئيل ؟ فقال: هؤلاء الذين أغناهم الله بالحلال فيبتغون الحرام قال: ثم مر على قوم تخاط جلودهم بمخائط من نار، فقال: ما هؤلاء يا جبرئيل ؟ فقال


(1) أمالى الصدوق: 110 (م 34). (2) له خمل. (3) في المصدر: فلما أراد النبي (صلى الله عليه وآله). (4) زاد في المصدر: وإذا صعدت ارتفعت رجلاها وقصرت يداها. (5) العرقوب: عصب غليظ فوق العقب. والكلاليب جمع الكلاب: حديدة معطوفة يعلق بها اللحم وغيره.

[ 334 ]

هؤلاء الذين يأخذون عذرة النساء بغير حل، ثم مضى فمر على رجل يرفع حزمة (1) من حطب كلما لم يستطع أن يرفعها زاد فيها، فقال: من هذا يا جبرئيل ؟ قال: هذا صاحب الدين يريد أن يقضي فإذا لم يستطع زاد عليه، ثم مضى حتى إذا كان بالجبل الشرقي من بيت المقدس وجد ريحا حارة وسمع صوتا، قال ما هذه الريح يا جبرئيل التي أجدها وهذا الصوت الذي أسمع ؟ قال: هذه جهنم، فقال النبي صلى الله عليه وآله: أعوذ بالله من جهنم، ثم وجد ريحا عن يمينه طيبة، وسمع صوتا فقال: ما هذه الريح التي أجد (2) ؟ وهذا الصوت الذي أسمع ؟ فقال: هذه الجنة، فقال: أسأل الله الجنة، قال: ثم مضى حتى انتهى إلى باب مدينة بيت المقدس وفيها هرقل، وكانت أبواب المدينة تغلق كل ليلة و يؤتى بالمفاتيح وتوضع عند رأسه، فلما كانت تلك الليلة امتنع الباب أن ينغلق، فأخبروه فقال: ضاعفوا عليها من الحرس، قال: فجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدخل بيت المقدس فجاء جبرئيل (عليه السلام) إلى الصخرة فرفعها فأخرج من تحتها ثلاثة أقداح: قدحا من لبن، وقدحا من عسل، وقدحا من خمر، فناوله قدح اللبن فشرب، ثم ناوله قدح العسل فشرب، ثم ناوله قدح الخمر فقال: قد رويت يا جبرئيل، قال: أما إنك لو شربته ضلت امتك وتفرقت عنك. قال: ثم أم رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مسجد بيت المقدس بسبعين نبيا، قال: وهبط مع جبرئيل (عليه السلام) ملك لم يطأ الارض قط، معه مفاتيح خزائن الارض، فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول: هذه مفاتيح خزائن الارض، فإن شئت فكن نبيا عبدا، وإن شئت نبيا (3) ملكا، فأشار إليه جبرئيل (عليه السلام) أن تواضع يا محمد، فقال: بل أكون نبيا عبدا، ثم صعد إلى السماء فلما انتهى إلى باب السماء استفتح جبرئيل (عليه السلام)، فقالوا: من هذا ؟ قال: محمد، قالوا: نعم المجئ جاء، فدخل فما مر على ملا من


(1) الحزمة: ما حزم وشد عليه الحزام من الحطب. (2) في المصدر: أجدها. (3) في المصدر: وإن شئت فكن نبيا ملكا.

[ 335 ]

الملائكة إلا سلموا عليه ودعوا له وشيعه مقربوها، فمرعلى شيخ قاعد تحت شجرة و حوله أطفال، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من هذا الشيخ يا جبرئيل ؟ قال: هذا أبوك إبراهيم، قال: فما هؤلاء الاطفال حوله ؟ قال: هؤلاء أطفال المؤمنين حوله يغذوهم، ثم مضى فمر على شيخ قاعد على كرسي إذا نظر عن يمينه ضك وفرح، وإذا نظر عن يساره حزن وبكى، فقال: من هذايا جبرئيل ؟ قال: هذا أبوك آدم، إذا رأى من يدخل الجنة من ذريته ضحك وفرح، وإذا رأى من يدخل النار من ذريته حزن وبكى، ثم مضى فمر على ملك قاعد على كرسي فسلم عليه فلم ير ؟ منه من البشر ما رأى من الملائكة، فقال: يا جبرئيل ما مررت بأحد من الملائكة إلا رأيت منه ما احب إلا هذا، فمن هذا الملك ؟ قال: هذا مالك خازن النار، أما إنه قد كان من أحسن الملائكة بشرا، وأطلقهم وجها، فلما جعل خازن النار اضطلع فيها اضطلاعة (1) فرأى ما أعد الله فيها لاهلها، فلم يضحك بعد ذلك، ثم مضى حتى إذا انتهى حيث انتهى فرضت عليه الصلاة خمسون صلاة، قال: فأقبل فمر على موسى (عليه السلام) فقال: يا محمد كم فرض على امتك ؟ قال: خمسون صلاة قال: ارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عن امتك، قال: فرجع ثم مر على موسى (عليه السلام) فقال: كم فرض على امتك ؟ قال: كذا وكذا، قال: فإن امتك أضعف الامم، ارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عن امتك فإني كنت في بني إسرائيل، فلم يكونوا يطيقون إلا دون هذا، فلم يزل يرجع إلى ربه عزوجل حتى جعلها خمس صلوات، قال: ثم مر على موسى (عليه السلام) فقال: كم فرض على امتك ؟ قال: خمس صلوات، قال: ارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عن امتك، قال: قد استحييت من ربي مما أرجع إليه، ثم مضى فمر على إبراهيم خليل الرحمان فناداه من خلفه فقال: يا محمد اقرأ امتك عني السلام وأخبرهم أن الجنة ماؤها عذب، وتربتها طيبة قيعان بيض (2) غرسها " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا وقوة إلا بالله " فمر امتك فليكثروا من غرسها، ثم


(1) في نسخة من المصدر: اطلع اطلاعة وهو الصحيح (2) في المصدر: فيها قيعان بيض. (*)

[ 336 ]

مضى حتى مر بعير يقدمها جمل أورق، ثم أتى أهل مكة فأخبرهم بمسيره، وقد كان بمكة قوم من قريش قد أتوا بيت المقدس فأخبرهم: ثم قال: آية ذلك أنها تطلع عليكم الساعة عير مع طلوع الشمس، يقدمها جمل أورق، قال: فنظروا فإذا هي قد طلعت، و أخبرهم أنه قد مر بأبي سفيان وأن إبله نفرت في بعض الليل، وأنه نادى غلاما له في أول العير: يا فلان إن الابل قد نفرت، وإن فلانة قد ألقت حملها، وانكسر يدها، فسألوا عن الخبر فوجدوه كما قال (صلى الله عليه وآله) (1). بيان: اضطلع فيها، أي تمكن وتوجه للعمل بما امر فيها، والاضطلاع افتعال من الضلاعة وهي القوة، يقال اضطلع بحمله، أي قوي عليه ونهض به، ولا يبعد أن يكون في الاصل اطلع فيها اطلاعة (2)، والقيعان جمع القاع وهي أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والآكام 37 - لى: أبي، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال: لما اسري برسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى بيت المقدس حمله جبرئيل على البراق فأتيا بيت المقدس وعرض عليه محاريب الانبياء وصلى بها، ورده فمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) في رجوعه بعير لقريش، وإذا لهم ماء في آنية وقد أضلوا بعيرا لهم (3) وكانوا يطلبونه، فشرب رسول الله من ذلك الماء وأهرق باقيه، فلما أصبح رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لقريش: إن الله جل جلاله قد أسرى بي إلى بيت المقدس، وأراني آثار الانبياء و منازلهم، وإني مررت بعير لقريش في موضع كذا وكذا وقد أضلوا بعيرا لهم، فشربت من مائهم وأهرقت باقي ذلك، فقال أبو جهل: قد أمكنتكم الفرصة منه، فاسألوه كم الاساطين فيها والقناديل ؟ فقالوا: يا محمد إن ههنا من قد دخل بيت المقدس فصف لنا كم أساطينه و قناديله ومحاريبه ؟ فجاء جبرئيل (عليه السلام) فعلق صورة بيت المقدس تجاه وجهه، فجعل يخبرهم


(1) أمالى الصدوق: 269 - 271. (2) وهو الصحيح كما عرفت أنه الموجود في نسخة. (3) في تفسير القمى: وقد كانوا ضلوا بعيرا لهم وهو الاصح وكذا فيما يأتي بعد. بحار الانوار - 21 -

[ 337 ]

بما يسألونه عنه، فلما أخبرهم قالوا: حتى يجئ العير ونسألهم عما قلت، فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): تصديق ذلك أن العير تطلع عليكم مع طلوع الشمس، يقدمها جمل أورق فلما كان من الغد أقبلوا ينظرون إلى العقبة ويقولون: هذه الشمس تطلع الساعة، فبيناهم كذلك إذ طلعت عليهم العير حين طلع القرص يقدمها جمل أورق، فسألوهم عما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا: لقد كان هذا، ضل جمل لنا في موضع كذا وكذا، ووضعنا ماء فأصبحنا وقد اهريق الماء، فلم يزدهم ذلك إلا عتوا. 38 - فس: روى الصادق (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: بينا أنا راقد في الابطح (1)، وعلي عن يميني، وجعفر عن يساري، وحمزة بين يدي، وإذا أنا بحفيف (2) أجنحة الملائكة: وقائل يقول: إلى أيهم بعثت يا جبرئيل ؟ فقال: إلى هذا - وأشار إلي - وهو سيد ولد آدم، وهذا وصيه ووزيره وختنه وخليفته في امته وهذا عمه سيد الشهداء حمزة، وهذا ابن عمه جعفر له جناحان خضيبان يطير بهما في الجنة مع الملائكة، دعه فلتنم عيناه، ولتسمع اذناه، ويعي قلبه، واضربوا له مثلا: ملك بنى دارا، واتخذ مأدبة وبعث داعيا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فالملك الله، والدار الدنيا، والمأدبة الجنة، والداعي أنا، قال: ثم أركبه جبرئيل البراق، وأسرى به إلى بيت المقدس، وعرض عليه محاريب الانبياء وآيات الانبياء، فصلى، ورده من ليلته إلى مكة، فمر في رجوعه بعير لقريش (3). و ساق الحديث إلى آخره كما مر. بيان: المأدبة بضم الدال وفتحها: طعام صنع لدعوة أو عرس، والاورق من الابل ما في لونه بياض إلى سواد. وفي " فس " جمل أحمر في الموضعين. 39 - لى: السناني، عن محمد الاسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن علي بن سالم، عن أبيه، عن سعد بن طريف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال قال: رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): يا علي أنت إمام المسلمين، وأمير المؤمنين، وقائد الغر المحجلين، وحجة


(7) أمالى الصدوق: 269 (م 69) (1) في نسخة: بالابطح. (2) الحفيف: الصوت. (3) تفسير القمى: 376، وفيه اختلاف لفظا.

[ 338 ]

الله بعدي على الخلق أجمعين، وسيد الوصيين، ووصي سيد النبيين، يا علي إنه لما عرج بي إلى السماء السابعة ومنها إلى سدرة المنتهى، ومنها إلى حجب النور، وأكرمني ربي جل جلاله بمناجاته قال لي: يا محمد، قلت: لبيك ربي وسعديك، تباركت وتعاليت قال: إن عليا إمام أوليائي ونور لمن أطاعني وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين، من أطاعه أطاعني، ومن عصاه عصاني، فبشره بذلك، فقال علي (عليه السلام): يا رسول الله بلغ من قدري حتى أني اذكر هناك ؟ فقال: نعم يا علي، فاشكر ربك، فخر علي (عليه السلام) ساجدا شكرا لله على ما أنعم به عليه، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ارفع رأسك يا علي، فإن الله قدباهى بك ملائكته (1). 40 - لى: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن خلف بن حماد، عن أبي الحسن العبدي، عن الاعمش، عن عباية بن ربعي، عن عبد الله بن عباس قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما اسري به إلى السماء انتهى به جبرئيل إلى نهر يقال له: النور، وهو قول الله عزوجل: " خلق الظلمات والنور (2) " فلما انتهى به إلى ذلك النهر فقال له جبرئيل: يا محمد اعبر على بركة الله، فقد نور الله لك بصرك، ومدلك أمامك، فإن هذا نهر لم يعبره أحد، لاملك مقرب ولا نبي مرسل، غير أن لي في كل يوم اغتماسة فيه ثم أخرج منه فأنفض أجنحتي، فليس من قطرة تقطر من أجنحتي إلا خلق الله تبارك و تعالى منها ملكا مقربا له عشرون ألف وجه، وأربعون ألف لسان، كل لسان يلفظ بلغة لا يفقهها اللسان الآخر، فعبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى انتهى إلى الحجب، والحجب خمسمائة حجاب، من الحجاب إلى الحجاب مسيرة خمسمائة عام، ثم قال: تقدم يا محمد، فقال له: يا جبرئيل ولم لا تكون معي ! قال: ليس لي أن أجوز هذا المكان، فتقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما شاء الله أن يتقدم، حتى سمع ما قال الرب تبارك وتعالى: أنا المحمود وأنت محمد، شققت اسمك من اسمي، فمن وصلك وصلته، ومن قطعك بتكته، انزل إلى عبادي فأخبرهم


(1) أمالى الصدوق: 180 (م 49). (2) الانعام: 1.

[ 339 ]

بكرامتي إياك، وأني لم أبعث نبيا إلا جعلت له وزيرا، وأنك رسولي، وأن عليا وزيرك (1). كتاب المحتضر للحسن بن سليمان مما رواه من كتاب المعراج عن الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن محمد بن أبي القاسم، عن محمد البرقي، عن خلف بن حماد مثله (2). بيان: البتك: القطع. 41 - لى: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن محمد بن سنان، عن أبي مالك الحضرمي، عن إسماعيل بن جابر، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) في حديث طويل يقول فيه: إن الله تبارك وتعالى لما أسرى بنبيه (صلى الله عليه وآله) قال له: يا محمد إنه قد انقضت نبوتك، وانقطع أكلك، فمن لامتك من بعدك ؟ فقلت: يا رب إني قد بلوت خلقك فلم أجد أحدا أطوع لي من علي بن أبي طالب، فقال عزوجل: ولي يا محمد، فمن لامتك ؟ فقلت: يا رب إني قد بلوت خلقك فلم أجد أحدا أشد حبا لي من علي بن أبي طالب، فقال عزوجل: ولي يا محمد، فأبلغه أنه راية الهدى، وإمام أوليائي، ونور لمن أطاعني (3). 43 - ج: فيما بين أمير المؤمنين (عليه السلام) ليهودي الشام من معجزات النبي (صلى الله عليه وآله) في مقابلة معجزات الانبياء: قال له اليهودي: فإن هذا سليمان قد سخرت له الرياح فسارت في بلاده، غدوها شهر ورواحها شهر، فقال له علي (عليه السلام): لقد كان كذلك، ومحمد (صلى الله عليه وآله) اعطى ما هو أفضل من هذا: إنه اسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى مسيرة شهر، وعرج به في ملكوت السماوات مسيرة خمسين ألف عام في أقل من ثلث ليلة حتى انتهى إلى ساق العرش، فدنا بالعلم، فتدلى له من الجنة (4) رفرف أخضر، وغشي النور بصره، فرأى عظمة ربه عزوجل بفؤاده، ولم يرها بعينه، فكان


(1) أمالى الصدوق: 213 (م 56). (2) المحتضر: 142. (3) أمالى الصدوق: 286 (م 72). (4) في النسخة المخطوطة: فتدلى، فدلى له من الجنة. وفى المصدر: فتدلى من الجنة.

[ 340 ]

كقاب قوسين بينه وبينها أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى (1) إلى آخر ما مر في باب جوامع المعجزات. 43 - ج: عن ابن عباس قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله) فيما احتج على اليهود: حملت على جناح جبرئيل (عليه السلام) حتى انتهيت إلى السماء السابعة، فجاوزت سدرة المنتهى عندها جنة المأوى حتى تعلقت بساق العرش، فنوديت من ساق العرش: إني أنا الله لا إله إلا أنا، السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، الرؤوف الرحيم، فرأيته بقلبي، وما رأيته بعيني الخبر (2). 44 - لى: القطان، عن السكري، عن الجوهري، عن محمد بن عمارة، عن أبيه قال: قال الصادق (عليه السلام): من أنكر ثلاثة أشياء فليس من شيعتنا: المعراج، والمسائلة في القبر، والشفاعة (3). 45 - لى: أبي: عن الحميري، عن ابن عيسى، عن أبيه، عن يونس، عن منصور الصيقل، عن الصادق، عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما اسري بي إلى السماء عهد إلى ربي في علي ثلاث كلمات، فقال: يا محمد، فقلت: لبيك ربي، فقال: إن عليا إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، ويعسوب المؤمنين (4). 46 - لى: ما جيلويه، عن محمد العطار، عن جعفر بن محمد الكوفي، عن محمد بن الحسين بن زيد، عن عبد الله بن الفضل، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ليلة اسري بي إلى السماء كلمني ربي جل جلاله، فقال: يا محمد، فقلت: لبيك ربي، فقال: إن عليا حجتي بعدك على خلقي وإمام أهل طاعتي من أطاعه أطاعني، ومن عصاه عصاني، فانصبه علما لامتك يهتدون به بعدك (5)


(1) الاحتجاج: 116. (2) الاحتجاج: 28. (3) أمالى الصدوق: 177 (م 49). (4) أمالى الصدوق: 285 (م 72). أقول: اليعسوب: ذكر النحل وأميرها. واليعسوب أيضا: الرئيس الكبير. (5) أمالى الصدوق: 287 (م 72)

[ 341 ]

47 - لى: ما جيلويه، عن عمه، عن أحمد بن هلال، عن البزنطي، عن أبان، عن زرارة، وإسماعيل بن عباد القصري، عن سليمان الجعفي عن الصادق (عليه السلام) قال: لما اسري بالنبي (صلى الله عليه وآله) وانتهى إلى حيث أراد الله تبارك وتعالى ناجاه ربه جل جلاله، فلما أن هبط إلى السماء الرابعة ناداه يا محمد، قال: لبيك ربي، قال: من اخترت من امتك يكون من بعدك لك خليفة ؟ قال: اختر لي ذلك فتكون أنت المختار لي، فقال: اخترت لك خيرتك علي بن أبي طالب (1). 48 - لى: أبي: عن سعد، عن ابن عيسى، عن الحسن بن فضال، عن ابن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث اسري به (2) لم يمر بخلق من خلق الله إلا رأى منه ما يحب من البشر واللطف والسرور به حتى مر بخلق من خلق الله، فلم يلتفت إليه ولم يقل له شيئا، فوجده قاطبا عابسا، فقال: يا جبرئيل ما مررت بخلق من خلق الله إلا رأيت البشر واللطف والسرور منه إلا هذا، فمن هذا ؟ قال: هذا مالك خازن النار، وهكذا خلقه ربه، قال: فإني احب أن تطلب إليه أن يريني النار فقال له جبرئيل (عليه السلام): إن هذا محمد رسول الله وقد سألني أن أطلب إليك أن تريه النار، قال: فأخرج له عنقا (3) منها فرآها، فلما أبصرها لم يكن ضاحكا حتى قبضه الله عزوجل (4). شى: عن ابن بكير عنه (عليه السلام) مثله، وفيه: فكشف له عن طبق من أطباقها. 49 - لى: ابن المتوكل، عن محمد الاسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن علي ابن سالم، عن أبيه، عن أبي حمزة الثمالي، عن سعد الخفاف، عن الاصبغ بن نباتة، عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما عرج بي إلى السماء السابعة، ومنها إلى سدرة المنتهى، ومن السدرة إلى حجب النور ناداني ربي جل جلاله: يا محمد أنت عبدي


(1) أمالى الصدوق: 352 (م 86). (2) في الطبعة الحروفية: حيث اسرى به على السماء. (3) أي قطعة منها. (4) أمالى الصدوق: 357 و 358 (م 87).

[ 342 ]

وأنا ربك، فلي فاخضع، وإياي فاعبد، وعلي فتوكل، وبي فثق، فإني قد رضيت بك عبدا وحبيبا ورسولا ونبيا، وبأخيك علي خليفة وبابا، فهو حجتي على عبادي، وإمام لخلقي، به يعرف أوليائي من أعدائي، وبه يميز حزب الشيطان من حزبي، وبه يقام ديني، وتحفظ حدودي، وتنفذ أحكامي، وبك وبه وبالائمة من ولده أرحم عبادي وإمائي وبالقائم منكم أعمر أرضي بتسبيحي وتقديسي وتحليلي وتكبيري وتمجيدي، وبه أطهر الارض من أعدائي واورثها أوليائي، وبه أجعل كلمة الذين كفروا بي السفلي، وكلمتي العليا، وبه احيي عبادي وبلادي بعلمي، وله اظهر الكنوز (1) والذخائر بمشيتي، وإياه أظهر على الاسرار والضمائر بإرادتي، وأمده بملائكتي لتؤيده على انفاذ امري، واعلان ديني ذلك وليي حقا ومهدي عبادي صدقا (2). 50 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن إسحاق: بن محمد بن مروان الكوفي (3)، عن يحيى بن سالم الفراء، عن حماد بن عثمان، عن جعفر بن محمد، عن أبائه (عليهم السلام)، عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما اسري بي إلى السماء دخلت الجنة فرأيت فيها قصرا من ياقوت أحمر يرى باطنه من ظاهره لضيائه ونوره، وفيه قبتان من در وزبرجد، فقلت: يا جبرئيل لمن هذا القصر ؟ قال: هو لمن أطاب الكلام، وأدام الصيام، وأطعم الطعام، وتهجد بالليل والناس نيام، قال علي (عليه السلام): فقلت يا رسول الله وفي امتك من يطيق هذا ؟ فقال: أتدري ما إطابة الكلام ؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، قال: من قال " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " أتدري ما إدامة الصيام ؟ قلت: الله و رسوله أعلم، قال: من صام شهر الصبر (4) - شهر رمضان - ولم يفطر منه يوما، أتدري ما إطعام الطعام ؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: من طلب لعياله ما يكف به وجوههم عن الناس، أتدري ما التهجد بالليل والناس نيام ؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: من لم ينم حتى


(1) في نسخة من المصدر: وبه اظهر الكنوز. (2) أمالى الصدوق: 375 (م 92). (3) زاد في المصدر: قال: حدثنا أبى. (4) المصدر وتفسير القمى خاليان عن قوله: شهر الصبر. (*)

[ 343 ]

يصلي العشاء الآخرة، والناس من اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين ينام بينهما (1). فس: أبي، عن حماد مثله (2). 51 - ل: الحسن بن محمد السكوني، عن محمد بن عبد الله الحضرمي، عن القاسم بن زكريا بن دينار، عن إسحاق بن منصور، عن جعفر الاحمر، عن امى الصيرفي (3) عن أبي كثير الانصاري، عن عبد الله بن أسعد بن زرارة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أسرى بي ربي فأوحى إلي في علي (عليه السلام) بثلاث: إنه إمام المتقين، وسيد المؤمنين (4)، وقائد الغر المحجلين (5). 52 - لى: علي بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن جده أحمد، عن أحمد بن عبد الله النماونجي (6)، عن عبد الجبار بن محمد، عن داود الشعيرى، عن الربيع صاحب المنصور، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما اسري بي إلى السماء عهد إلي ربي جل جلاله في علي ثلاث كلمات: فقال: يا محمد، فقلت لبيك ربي وسعديك، فقال عزوجل، إن عليا إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، ويعسوب المؤمنين، فبشره بذلك (7) الخبر. 53 - مع: الوراق وعلي بن محمد بن الحسن القزويني، عن سعد، عن العباس بن سعيد الازرق، عن أبي نصر، عن عيسى بن مهران، عن يحيى بن الحسن بن الفرات، عن حماد بن يعلى، عن علي بن الحزور (8)، عن الاصبغ بن نباتة، عن محمد بن الحنفية أنه


(1) أمالى ابن الشيخ: 293. في المصدر والنسخة: " ينام "، والظاهر أنه مصحف " نيام " أو " ينامون " وفي تفسير القمى: ويعنى بالناس نيام اليهود والنصارى فانهم ينامون فيما بينهما. (2) تفسير القمى، 19 و 20. (3) هكذا في النسخ، والصحيح كما في المصدر: عن أخى الصيرفى. (4) في نسخة: وسيد الوصيين. (5) الخصال 1: 57. (6) في نسخة: الناونجى، وفى المصدر: جعفر بن عبد الله النماونجى (الناونجى خ). (7) أمالى الصدوق: 364 (م 89) والحديث طويل. (8) بفتح الحاء والزاى والواو المشددة.

[ 344 ]

ذكر عنده الاذان فقال: لما اسري بالنبي (صلى الله عليه وآله) إلى السماء وتناهى إلى السماء السادسة نزل ملك من السماء السابعة لم ينزل قبل ذلك اليوم قط، فقال: الله أكبر، الله أكبر، فقال الله جل جلاله: أنا كذلك، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال الله عزوجل: أنا كذلك لا إله إلا أنا. فقال: أشهد أن محمدا رسول الله، قال الله جل جلاله: عبدي وأميني على خلقي اصطفيته برسالاتي، ثم قال: حي على الصلاة، قال الله جل جلاله: فرضتها على عبادي، وجعلتها لي دينا، ثم قال: حي على الفلاح، قال الله جل جلاله: أفلح من مشى إليها وواظب عليها ابتغاء وجهي، ثم قال: حي على خير العمل، قال الله جل جلاله: هي أفضل الاعمال وأزكاها عندي، ثم قال: قد قامت الصلاة، فتقدم النبي (صلى الله عليه وآله) فأم أهل السماء، فمن يومئذ تم شرف النبي (1) (صلى الله عليه وآله). 54 - مع: أبي، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما اسري برسول الله (صلى الله عليه وآله) وحضرت الصلاة فأذن جبرئيل (عليه السلام) فلما قال: الله أكبر، الله أكبر، قالت الملائكة: الله أكبر، الله أكبر، فلما قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قالت الملائكة خلع الانداد، فلما قال: أشهد أن محمدا رسول الله، قالت الملائكة: نبي بعث، فلما قال: حي على الصلاة، قالت الملائكة: حث على عبادة ربه، فلما قال: حي على الفلاح، قالت الملائكة: أفلح من اتبعه (2). شى: عن حفص مثله (3). 55 - مع: أبي، عن عبد الله بن الحسن المؤدب، عن أحمد بن علي الاصفهاني، عن إبراهيم بن محمد، عن الحكم بن سليمان، عن يحيى بن يعلى الاسلمي، عن الحسين بن زيد الخزرمي، (4) عن شداد البصري، عن عطاء ابن أبي رياح (5)، عن أنس بن مالك قال: قال


(1) معاني الاخبار: 17. (2) معاني الاخبار: 109. في نسخة: من تبعه. (3) تفسير العياشي: مخطوط. (4) في النسخة المخطوطة الخرزى. (5) هكذا في الكتاب ومصدره رياح بالياء، والصحيح رباح بالباء الموحدة، واسم أبى رباح اسلم القرشى.

[ 345 ]

رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما عرج بي إلى السماء إذا أنا باسطوانة أصلها من فضة بيضاء، ووسطها من ياقوتة وزبرجد، وأعلاها ذهبة حمراء (1)، فقلت: يا جبرئيل ما هذه ؟ فقال: هذا دينك أبيض واضح مضئ، قلت: وما هذا وسطها ؟ قال: الجهاد، قلت: فما هذه الذهبة الحمراء ؟ قال: الهجرة، ولذلك علا إيمان علي (عليه السلام) على إيمان كل مؤمن (2). 56 - ن، ع: الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي، عن فرات بن إبراهيم الكوفي عن محمد بن أحمد بن علي الهمداني، عن العباس بن عبد الله البخاري، عن محمد بن القاسم ابن إبراهيم،، عن أبي الصلت الهروي، عن الرضا، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما خلق الله عزوجل خلقا أفضل مني، ولا أكرم عليه مني، قال علي (عليه السلام): فقلت: يا رسول الله فأنت أفضل أو جبرئيل ؟ فقال (صلى الله عليه وآله): يا علي إن الله تبارك وتعالى فضل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقربين، وفضلني على جميع النبيين والمرسلين، والفضل بعدي لك يا علي وللائمة من بعدك وإن الملائكة لخدامنا، وخدام محبينا، يا علي، الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا بولايتنا، يا علي لولا نحن ما خلق الله آدم ولا حواء ولا الجنة ولا النار ولا السماء ولا الارض، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سبقناهم إلى معرفة ربنا وتسبيحه وتهليله وتقديسه، لان أول ما خلق الله عزوجل: خلق أرواحنا، فأنطقنا بتوحيده وتحميده ثم خلق الملائكة فلما شاهدوا أرواحنا نورا واحدا استعظموا أمرنا فسبحنا لتعلم الملائكة أنا خلق مخلوقون، وأنه منزه عن صفاتنا، فسبحت الملائكة بتسبيحنا ونزهته عن صفاتنا، فلما شاهدوا عظم شأننا هللنا لتعلم الملائكة أن لا إله إلا الله، وأنا عبيد ولسنا بآلهة يجب أن نعبد معه، أو دونه، فقالوا: " لا إله إلا الله " فلما شاهدوا كبر محلنا كبرنا لتعلم الملائكة أن الله أكبر من أن ينال عظم المحل إلا به، فلما شاهدوا ما جعله لنا من العزة والقوة: قلنا لا حول ولا قوة إلا بالله، لتعلم الملائكة أن لاحول لنا ولاقوة إلا بالله فلما شاهدوا ما أنعم الله به علينا وأوجبه لنا من فرض الطاعة


(1) في المصدر: وأعلاها من ذهبة حمراء. (2) معاني الاخبار: 38 و 39.

[ 346 ]

قلنا: " الحمد لله " لتعلم الملائكة ما يحق لله تعالى ذكره علينا من الحمد على نعمته (1) فقالت الملائكة: الحمد لله، فبنا اهتدوا إلى معرفة توحيد الله وتسبيحه وتهليله وتحميده وتمجيده. ثم إن الله تبارك وتعالى خلق آدم فأودعنا صلبه وأمر الملائكة بالسجود له تعظيما لنا وإكراما، وكان سجودهم لله عزوجل عبودية، ولآدم إكراما وطاعة لكوننا في صلبه، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سجدوا لآدم كلهم أجمعون، وإنه لما عرج بي إلى السماء أذن جبرئيل مثنى مثنى، وأقام مثنى مثنى، ثم قال لي: تقدم يا محمد، فقلت له: يا جبرئيل أتقدم عليك ؟ فقال: نعم، لان الله تبارك و تعالى فضل أنبياءه على ملائكته أجمعين، وفضلك خاصة، فتقدمت فصليت بهم ولا فخر فلما انتهيت إلى حجب النور قال لي جبرئيل: تقدم يا محمد، وتخلف عني، فقلت: يا جبرئيل في مثل هذا الموضع تفارقني ! ؟ فقال: يا محمد إن انتهاء حدي الذي وضعني الله عزوجل فيه إلى هذا المكان، فإن تجاوزته احترقت أجنحتي بتعدي حدود ربي جل جلاله، فزخ بي في النور زخة حتى انتهيت إلى حيث [ ما ] شاء الله من علو ملكه، فنوديت: يا محمد، فقلت: لبيك ربي وسعديك تباركت وتعاليت، فنوديت: يا محمد أنت عبدي وأنا ربك فإياي فاعبد، وعلي فتوكل، فإنك نوري في عبادي، ورسولي إلى خلقي، و حجتي على بريتي، لك ولمن اتبعك خلقت جنتي، ولمن خالفك خلقت ناري، ولاوصيائك أوجبت كرامتي، ولشيعتهم أوجبت ثوابي، فقلت: يا رب ومن أوصيائي ؟ فنوديت: يا محمد أوصياؤك المكتوبون على ساق عرشي، فنظرت - وأنا بين يدي ربي جل جلاله - إلى ساق العرش، فرأيت اثني عشر نورا في كل نور سطر أخضر عليه اسم وصي من أوصيائي، أو لهم علي بن أبي طالب، وآخرهم مهدي امتي، فقلت: يا رب هؤلاء أوصيائي من بعدي، فنوديت: يا محمد هؤلاء أوليائي [ وأوصيائي ] وأصفيائي وحججي بعدك على بريتي، وهم أوصياؤك وخلفاؤك وخير خلقي بعدك، وعزتي وجلالي لاظهرن بهم ديني، ولاعلين


(1) في نسخة وفى العيون، على نعمه

[ 347 ]

بهم كلمتي، ولاطهرن الارض بآخرهم من أعدائي، ولامكننه (1) مشارق الارض و مغاربها، ولاسخرن له الرياح، ولا ذللن له السحاب الصعاب، ولارقينه في الاسباب فلانصرنه بجندي، ولا مدنه بملائكتي، حتى تعلو دعوتي، وتجمع الخلق على توحيدي ثم لاديمن ملكه، ولا داولن الايام بين أوليائي إلى يوم القيامة (2). ايضاح: قال الجزري في الحديث: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من تخلف عنها، زخ به في النار، أي دفع ورمي يقال: زخه يزخه زخا. 57 - ع: السناني والدقاق والمكتب والوراق جميعا عن محمد الاسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن علي بن سالم، عن أبيه، عن ثابت بن دينار قال: سألت زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) عن الله جل جلاله هل يوصف بمكان ؟ فقال: تعالى الله عن ذلك، قلت: فلم أسرى بنبيه محمد (صلى الله عليه وآله) إلى السماء ؟ قال: ليريه ملكوت السماوات وما فيها من عجائب صنعه وبدائع خلقه، قلت: فقول الله عزوجل: " ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى " قال: ذاك رسول الله (صلى الله عليه وآله) دنا من حجب النور، فرأى ملكوت السماوات، ثم تدلى (صلى الله عليه وآله) فنظر من تحته إلى ملكوت الارض حتى ظن أنه في القرب من الارض كقاب قوسين أو أدنى (3). 58 - ل: أبي: عن الحميري، عن معاوية بن حكيم، عن ابن أبي عمير، عن أبي الحسن الازدي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما خفف الله عزوجل عن النبي (صلى الله عليه وآله) حتى صارت خمس صلوات أوحى الله إليه يا محمد إنها خمس بخمسين (4). 59 - ع: المكتب والوراق والهمداني جميعا، عن علي، عن أبيه، عن يحيى بن أبي عمران، وصالح بن السندي، عن يونس بن عبد الرحمان قال: قلت لابي الحسن موسى ابن جعفر (عليه السلام): لاي علة عرج الله بنبيه إلى السماء ومنها إلى سدرة المنتهى، ومنها


(1) في نسخة: ولا ملكنه. (2) علل الشرائع: 13 و 14، عيون أخبار الرضا: 144 - 146. (3) علل الشرائع: 55. (4) الخصال 1: 129 و 130.

[ 348 ]

إلى حجب النور وخاطبه وناجاه هناك والله لا يوصف بمكان ؟ فقال عليه السلام: إن الله لا يوصف بمكان، ولا يجري عليه زمان، ولكنه عزوجل أراد أن يشرف به ملائكته وسكان سماواته، ويكرمهم بمشاهدته. ويريه من عجائب عظمته ما يخبر به بعد هبوطه، وليس ذلك على ما يقوله المشبهون، سبحان الله وتعالى عما يصفون (1). يد: علي بن الحسين بن الصلت، عن محمد بن أحمد بن علي بن الصلت، عن عمه عبد الله بن الصلت، عن يونس مثله (2). 60 - يد، لى، ع: ابن عصام، عن الكليني، عن علي بن محمد، عن محمد بن سليمان، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن جعفر بن محمد التميمي، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي (عليه السلام) قال: سألت أبي سيد العابدين (عليه السلام) فقلت له: يا أبه أخبرني عن جدنا رسول الله لما عرج به إلى السماء وأمره ربه عزوجل بخمسين صلاة كيف لم يسأله التخفيف عن امته حتى قال له موسى بن عمران (عليه السلام): ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن امتك لا تطيق ذلك ؟ فقال: يا بني إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان لا يقترح على ربه عزوجل ولا يراجعه في شئ يأمره به، فلما سأله موسى (عليه السلام) ذلك فكان شفيعا لامته إليه لم يجزله رد شفاعة أخيه موسى (عليه السلام)، فرجع إلى ربه فسأله التخفيف إلى أن ردها إلى خمس صلوات قال: قلت له: يا أبه فلم لا يرجع إلى ربه عزوجل ويسأله (3) التخفيف عن خمس صلوات وقد سأله موسى (عليه السلام) أن يرجع إلى ربه ويسأله التخفيف ؟ فقال: يا بني أراد (صلى الله عليه وآله) أن يحصل لامته التخفيف مع أجر خمسين صلاة، يقول الله عزوجل: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها (4) " ألا ترى أنه (صلى الله عليه وآله) لما هبط إلى الارض نزل عليه جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول: إنها خمس بخمسين، ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد، قال: فقلت له: يا أبه أليس الله تعالى ذكره لا يوصف


(1) علل الشرائع: 55. (2) التوحيد: 165 و 166 فيه: عما يشركون. (3) في نسخة وفى التوحيد والامالي: ولم يسأله التخفيف. (4) الانعام: 160.

[ 349 ]

بمكان ؟ فقال: بلى تعالى الله عن ذلك، فقلت: فما معنى قول موسى (عليه السلام) لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ارجع إلى ربك، فقال: معناه معنى قول إبراهيم: " إني ذاهب إلى ربي سيهدين (1) " ومعنى قول موسى (عليه السلام): " وعجلت إليك رب لترضى (2) " ومعنى قوله عز وجل: ففروا إلى الله (3) " يعني حجوا إلى بيت الله، يا بني إن الكعبة بيت الله، فمن حج بيت الله فقد قصد إلى الله، والمساجد بيوت الله، فمن سعى إليها فقد سعى إلى الله وقصد إليه، والمصلي مادام في صلاته فهو واقف بين يدي الله جل جلاله، وأهل موقف عرفات هم وقوف بين يدي الله عزوجل، وإن لله تبارك وتعالى بقاعا في سماواته فمن عرج به إلى بقعة منها فقد عرج به إليه، ألا تسمع الله عزوجل يقول: " تعرج الملائكة والروح إليه (4) " ويقول عزوجل في قصة عيسى: " بل رفعه الله إليه (5) " ويقول عزوجل: " إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه (6) ". بيان: الاقتراح: السؤال من غير روية، قوله: ما يبدل القول لدي، لعل المعنى أنه كان مرادي بالخمسين أن اعطيهم ثواب الخمسين، أو أنه تعالى لما قررلهم خمسين صلاة فلو بدلها ولم يعطهم هذا الثواب لكان ظلما في جنب عظمته وقدرته وعجز خلقه و افتقارهم إليه، ثم الغرض من هذه الاستشهادات أن هذا المعنى شائع في الاستعمالات، و قوله: فهو واقف بين يدي الله استشهاد بقول الرسول (صلى الله عليه وآله)، أو بالمعروف بين الخاص والعام. تذييل: قال السيد المرتضى - رضي الله عنه - في جواب بعض الاشكالات الموردة على هذا الخبر: قلنا: أما هذه الرواية فهي من طريق الآحاد التي لا توجب علما، وهي


(1) الصافات: 99. (2) طه: 84 (3) الذاريات: 50. (4) المعارج: 4. (5) النساء: 158. (6) علل الشرائع: 55 و 56، التوحيد: 167 و 168، الامالى: 274 و 275، والاية في الفاطر: 10.

[ 350 ]

مع ذلك مضعفة، وليس يمتنع لو كانت صحيحة أن تكون المصلحة في الابتداء تقتضي العبادة بالخمسين من الصلوات، فإذا وقعت المراجعة تغيرت المصلحة، واقتضت أقل من ذلك حتى تنتهي إلى هذا العدد المستقر، ويكون النبي (صلى الله عليه وآله) قد اعلم بذلك. فراجع طلبا للتخفيف عن امته والتسهيل، ونظير ما ذكرناه في تغير المصلحة بالمراجعة وتركها أن فعل المنذور قبل النذر غير واجب، فإذا تقدم النذر صار واجبا وداخلا في جملة العبادات المفترضات، وكذلك تسليم المبيع غير واجب ولا داخل في جملة العبادات، فإذا تقدم عقد البيع وجب وصار مصلحة: ونظائر ذلك في الشرعيات أكثر من أن تحصى، فأما قول موسى (عليه السلام) له (صلى الله عليه وآله): إن امتك لا تطيق فليس ذلك بتنبيه له (صلى الله عليه وآله)، وليس يمتنع أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله) أراد أن يسأل مثل ذلك لو لم يقله موسى (عليه السلام)، ويجوز أن يكون قوله قوى دواعيه في المراجعة التي كانت ابيحت له، وفي الناس من استبعد هذا الموضع من حيث يقتضي أن يكون موسى (عليه السلام) في تلك الحال حيا كاملا، وقد قبض منذ زمان، وهذا ليس ببعيد، لان الله تعالى قد خبر أن أنبياءه عليهم السلام والصالحين من عباده في الجنان، يرزقون، فما المانع من أن يجمع الله بين نبينا (صلى الله عليه وآله) وبين موسى (عليه السلام) (1). 61 - ع: القطان، عن السكري، عن الجوهري، عن عمربن عمران، عن عبيد الله بن موسى العبسي، عن جبلة المكي، عن طاووس اليماني، عن ابن عباس قال: دخلت عائشة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يقبل فاطمة، فقالت له: أتحبها يا رسول الله ؟ قال: أما والله لو علمت حبي لها لازددت لها حبا، إنه لما عرج بي إلى السماء الرابعة أذن جبرئيل وأقام ميكائيل، ثم قيل لي: ادن يا محمد، فقلت: أتقدم وأنت بحضرتي يا جبرئيل ؟ قال: نعم، إن الله عزوجل فضل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقربين، وفضلك أنت خاصة (2)، فدنوت فصليت بأهل السماء الرابعة، ثم التفت عن يميني فإذا أنا بإبراهيم (عليه السلام) في روضة من رياض الجنة وقد اكتنفها جماعة من الملائكة، ثم إني صرت إلى السماء الخامسة، ومنها إلى السادسة فنوديت: يا محمد نعم الاب أبوك إبراهيم، ونعم الاخ


(9) تنزيه الانبياء: 122. (2) في المحتضر: وفضلك خاصة عليهم اجمعين.

[ 351 ]

أخوك علي، فلما صرت إلى الحجب (1) أخذ جبرئيل (عليه السلام) بيدي فأدخلني الجنة فإذا أنا بشجرة من نور في أصلها ملكان يطويان الحلل والحلي، فقلت: حبيبي جبرئيل: لمن هذه الشجرة ؟ فقال: هذه لاخيك علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهذان الملكان يطويان له الحلي والحلل إلى يوم القيامة، ثم تقدمت أمامي، فإذا أنا برطب ألين من الزبد، و أطيب من المسك، وأحلى من العسل، فأخذت رطبة فأكلتها فتحولت الرطبة نطفة في صلبي فلما أن هبطت إلى الارض واقعت خديجة فحملت بفاطمة عليها السلام ففاطمة حوراء إنسية فإذا اشتقت إلى الجنة شممت رائحة فاطمة عليها السلام (2). كتاب المحتضر للحسن بن سليمان نقلا من كتاب المعراج للصدوق - رحمه الله - بهذا الاسناد مثله (3). 62 - ن: الوراق، عن محمد الاسدي، عن سهل، عن عبد العظيم الحسني، عن محمد بن علي الرضا، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: دخلت أنا وفاطمة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فوجدته يبكي بكاء شديدا، فقلت: فداك أبي وأمي يا رسول الله ما الذي أبكاك ؟ فقال: يا علي ليلة اسري بي إلى السماء رأيت نساء من امتي في عذاب شديد، فأنكرت شأنهن فبكيت لما رأيت من شدة عذابهن، رأيت امرأة معلقة بشعرها يغلي دماغ رأسها، ورأيت امرأة معلقة بلسانها والحميم يصب في حلقها، ورأيت امرأة معلقة بثدييها ورأيت امرأة تأكل لحم جسدها، والنار توقد من تحتها، ورأيت امرأة قد شد رجلاها إلى يديها وقد سلط عليها الحيات والعقارب، ورأيت امرأة صماء عمياء خرساء في تابوت من نار، يخرج دماغ رأسها من منخرها، وبدنها متقطع من الجذام والبرص ورأيت امرأة معلقة برجليها في تنور من نار، ورأيت امرأة تقطع لحم جسدها من مقدمها ومؤخرها بمقاريض من نار، ورأيت امرأة تحرق وجهها ويداها، وهي تأكل أمعاءها، ورأيت امرأة رأسها رأس خنزير، وبدنها بدن الحمار، وعليها ألف ألف لون من العذاب، ورأيت امرأة


(1) في المحتضر: فلما وصلت إلى الحجب (2) علل الشرائع: 72. (3) المحتضر: 135 و 136.

[ 352 ]

على صورة الكلب، والنار تدخل في دبرها، وتخرج من فيها والملائكة يضربون رأسها وبدنها بمقامع من نار. فقالت فاطمة: حبيبي وقرة عيني، أخبرني ما كان عملهن وسيرتهن حتى وضع الله عليهن هذا العذاب، فقال يا بنتي (1) أما المعلقة بشعرها فإنها كانت لا تغطى شعرها من الرجال، وأما المعلقة بلسانها فإنها كانت تؤذي زوجها، وأما المعلقة بثدييها فإنها كانت تمتنع من فراش زوجها، وأما المعلقة برجليها فإنها كانت تخرج من بيتها بغير إذن زوجها، وأما التي كانت تأكل لحم جسدها فإنها كانت تزين بدنها للناس، وأما التي شد يداها (2) إلى رجليها وسلط عليها الحيات والعقارب فإنها كانت قذرة الوضوء، قذرة الثياب، وكانت لا تغتسل من الجنابة والحيض، ولا تتنظف، وكانت تستهين بالصلاة، وأما العمياء الصماء الخرساء فإنها كانت تلد من الزنا فتعلقه في عنق زوجها، وأما التي كان (3) يقرض لحمها بالمقاريض فإنها كانت تعرض نفسها على الرجال، وأما التي كان يحرق وجهها وبدنها وهي تأكل أمعاءها فإنها كانت قوادة، وأما التي كان رأسها رأس خنزير (4) و بدنها بدن الحمار فإنها كانت نمامة كذابة، وأما التي كانت على صورة الكلب والنار تدخل في دبرها وتخرج من فيها فإنها كانت قينة (5) نواحة حاسدة، ثم قال (صلى الله عليه وآله): ويل لامرأة أغضبت زوجها، وطوبى لامرأة رضي عنها زوجها (6). 63 - ن: محمد بن القاسم المفسر، عن أحمد بن الحسن الحسيني. عن الحسن بن علي عن أبيه، عن جده الرضا، عن أبيه موسى (عليهما السلام) قال: سأل الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) عن بعض أهل مجلسه، فقيل: عليل، فقصده عائدا وجلس عند رأسه فوجده دنفا (7)، فقال له


(1) في النسخة المخطوطة: يا بنيتي. (2) في المصدر: شدت يداها. (3) هكذا في النسخ، وفى المصدر: وأما التى كانت. وهكذا فيما يأتي بعد. (4) في المصدر: رأس الخنزير. (5) القينة: المغنية. الماشطة. (6) المحتضر: 184 و 185. (7) الدنف. المريض الذى لزمه المرض. بحار الانوار - 22 -

[ 353 ]

أحسن ظنك بالله، قال: أما ظني بالله فحسن، ولكن غمي لبناتي، ما أمرضني غير غمي بهن، فقال الصادق (عليه السلام): الذي ترجوه لتضعيف حسناتك ومحو سيئاتك فارجه لاصلاح حال بناتك، أما علمت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لما جاوزت سدرة المنتهى وبلغت أغصانها وقضبانها رأيت بعض ثمار قضبانها ثداء معلقة يقطر من بعضها اللبن، ومن بعضها العسل ومن بعضها الدهن، ويخرج عن بعضها شبه دقيق السميذ، وعن بعضها الثياب (1)، وعن بعضها كالنبق (2)، فيهوي ذلك كله نحو الارض، فقلت في نفسي: أين مقر هذه الخارجات عن هذه الثداء، وذلك أنه لم يكن معي جبرئيل، لاني كنت جاوزت مرتبته، واختزل دوني، فناداني ربي عزوجل في سري، يا محمد هذه أنبتها من هذا المكان الا رفع لاغذو منها بنات المؤمنين من امتك وبنيهم، فقل: لآباء البنات لا تضيقن صدوركم على فاقتهن فإني كما خلقتهن أرزقهن (3). بيان: السميذ بالمهملة والمعجمة، والثاني أفصح: لباب البر، وما بيض من الطعام. 64 - ن: بالاسانيد الثلاثة عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما اسري بي إلى السماء رأيت في السماء الثالثة رجلا قاعدا، رجل له في المشرق، ورجل في المغرب، وبيده لوح ينظر فيه ويحرك رأسه، فقلت: يا جبرئيل من هذا ؟ فقال: ملك الموت (4). 65 - ن: محمد بن أحمد بن الحسين بن يوسف البغدادي، عن أحمد بن الفضل، عن بكر بن أحمد القصري، عن أبي محمد العسكري، عن آبائه عليهم السلام عن الحسين بن علي (عليه السلام) قال: سمعت جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: ليلة أسرى بي ربي عزوجل رأيت في بطنان العرش ملكا بيده سيف من نور يلعب به كما يلعب علي بن أبي طالب (عليه السلام) بذي


(1) في المصدر: النبات. (2) النبق: دقيق حلو يخرج من لب جذع النخل. حمل شجر السدر. (3) عيون أخبار الرضا: 179 و 180. (4) عيون أخبار الرضا: 200 فيه: هذا ملك الموت.

[ 354 ]

الفقار، وإن الملائكة إذا اشتاقوا (1) إلى علي بن أبي طالب نظروا إلى وجه ذلك الملك فقلت: يا رب هذا أخي علي بن أبي طالب وابن عمي ؟ فقال: يا محمد هذا ملك خلقته على صورة علي يعبدني في بطنان عرشي، تكتب حسناته وتسبيحه وتقديسه لعلي بن أبي طالب إلى يوم القيامة (2). بيان: قال الجزري: فيه ينادي مناد من بطنان العرش، أي من وسطه، وقيل: من أصله، وقيل: البطنان جمع بطن وهو الغامض من الارض، يريد من دواخل العرش. 66 - ع: أبي وابن الوليد معا، عن سعد، عن اليقطيني، عن ابن أبي عمير، و محمد بن سنان، عن الصباح المزني، وسدير الصيرفي، ومحمد بن النعمان مؤمن الطاق، وعمر بن اذينه، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وحدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، وسعد بن عبد الله قالا: حدثنا محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، ويعقوب بن يزيد، ومحمد بن عيسى، عن عبد الله بن جبلة، عن الصباح المزني، وسدير الصيرفي، ومحمد بن النعمان الاحول: وعمر بن أذينة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنهم حضروه فقال: يا عمر بن اذينه ما ترى (3) هذه الناصبة في أذانهم وصلاتهم ؟ فقلت: جعلت فداك إنهم يقولون: إن ابي بن كعب الانصاري رآه في النوم، فقال (عليه السلام): كذبوا والله، إن دين الله تبارك وتعالى أعز من أن يرى في النوم (4)، وقال أبو عبد الله (عليه السلام) ان الله العزيز الجبار عرج بنبيه (صلى الله عليه وآله) إلى سمائه (5) سبعا، أما اولاهن فبارك عليه (صلى الله عليه وآله)، والثانية علمه فيها فرضه، والثالثة (6) أنزل الله العزيز الجبار عليه محملا من نور فيه أربعون نوعا من أنواع النور، كانت محدقة حول العرش - عرشه تبارك وتعالى -


(1) في المصدر: إذا اشتاقوا إلى وجه على بن أبى طالب. (2) عيون اخبار الرضا: 272. (3) في المصدر: ما تروى. وفى الكافي: ما تروى في أذانهم وركوعهم وسجودهم. (4) في الكافي بعد ذلك زيادة هي: قال: فقال سدير الصيرفى: جعلت فداك فأحدث لنا من ذلك ذكرا. (5) في نسخة: عرج بنبيه سماواته السبع، وفى الكافي: إلى سماواته السبع. (6) خلا الكافي عن قوله: " والثالثة " بل فيه: علمه فرضه فأنزل الله محملا.

[ 355 ]

تغشى أبصار الناظرين. أما واحد منها فأصفر، فمن أجل ذلك اصفرت الصفرة، وواحد منها أحمر، فمن أجل ذلك احمرت الحمرة، وواحد منها أبيض، فمن أجل ذلك ابيض البياض، والباقي على عدد سائر ما خلق الله من الانوار والالوان، في ذلك المحمل حلق وسلاسل من فضة، فجلس فيه ثم عرج به إلى السماء الدنيا (1)، فنفرت الملائكة إلى أطراف السماء، ثم خرت سجدا، فقالت: سبوح قدوس ربنا ورب الملائكة والروح، ما أشبه هذا النور بنور ربنا ؟ ! فقال جبرئيل (عليه السلام): الله أكبر، الله أكبر، فسكتت الملائكة وفتحت أبواب السماء، واجتمعت الملائكة، ثم جاءت فسلمت على النبي صلى الله عليه وآله أفواجا، ثم قالت يا محمد كيف أخوك ؟ قال: بخير، قالت: فإن أدركته (2) فاقرأه منا السلام، فقال النبي صلى الله عليه وآله: أتعرفونه ؟ فقالوا: كيف لم نعرفه وقد أخذ الله عزوجل ميثاقك وميثاقه منا ؟ وإنا لنصلي عليك وعليه. ثم زاده أربعين نوعا من أنواع النور لا يشبه شئ منه ذلك النور الاول، وزاده في محمله حلقا وسلاسل، ثم عرج به إلى السماء الثانية، فلما قرب من باب السماء تنافرت الملائكة إلى أطراف السماء وخرت سجدا وقالت: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، ما أشبه هذا النور بنور ربنا ؟ ! فقال جبرئيل (عليه السلام): أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، فاجتمعت الملائكة، وفتحت أبواب السماء، وقالت يا جبرئيل من هذا معك ؟ فقال: هذا محمد، قالوا: وقد بعث ؟ قال: نعم، قال رسول


(1) السماء الدنيا هي السماء الاولى، والظاهر مما تقدم أنه صلى الله عليه وآله كان في السماء الثالثة، فكيف عرج من السماء الثالثة إلى السماء الاولى، فالظاهر أنه وقع تحريف أو زيادة من الرواة أو النساخ، هذا على نسخة العلل، وأما على نسخة الكافي الذى عرفت أنه خال عن لفظة " الثالثة " فلا يرد اشكال ولا تهافت. (2) في الكافي: إذا نزلت فأقرأه السلام، قال النبي صلى الله عليه وآله: افتعرفونه ؟ قالوا: وكيف لا نعرفه وقد أخذ ميثاقك وميثاقه منا، وميثاق شيعته إلى يوم القيامة علينا، وانا لنتصفح وجوه شيعته في كل يوم وليلة خمسا. يعنون في كل وقت صلاة، وانا لنصلي عليك وعليه.

[ 356 ]

الله (صلى الله عليه وآله): فخرجوا إلي شبه المعانيق فسلموا علي، وقالوا: اقرأ أخاك السلام فقلت: هل تعرفونه ؟ قالوا: نعم، وكيف لا نعرفه وقد أخذ الله ميثاقك وميثاقه وميثاق شيعته إلى يوم القيامة علينا ؟ وإنا لنتصفح وجوه شيعته في كل يوم (1) خمسا - يعنون في وقت كل صلاة -. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ثم زادني ربي عزوجل أربعين نوعا من أنواع النور لا تشبه الانوار الاول، وزادني حلقا وسلاسل، ثم عرج بي إلي السماء الثالثة فنفرت الملائكة إلى أطراف السماء، وخرت سجدا، وقالت: سبوح قدوس، رب الملائكة والروح، ما هذا النور الذي يشبه نور ربنا ؟ فقال جبرئيل: أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله. فاجتمعت الملائكة، وفتحت أبواب السماء وقالت مرحبا بالاول، ومرحبا بالآخر، ومرحبا بالحاشر، ومرحبا بالناشر: محمد خاتم النبيين، وعلي خير الوصيين، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): سلموا علي، وسألوني عن علي أخي، فقلت: هو في الارض خليفتي أو تعرفونه ؟ فقالوا: نعم، كيف لا نعرفه وقد نحج البيت المعمور في كل سنة مرة، وعليه رق أبيض فيه اسم محمد وعلي والحسن والحسين والائمة وشيعتهم إلى يوم القيامة ؟ وإنا لنبارك على رؤوسهم بأيدينا (2)، ثم زادني ربي عزوجل أربعين نوعا من أنواع النور لاتشبه شيئا من تلك الانوار الاول. وزادني حلقا وسلاسل (3)، ثم عرج بي إلى السماء الرابعة فلم تقل الملائكة شيئا، وسمعت دويا كأنه في الصدور، واجتمعت الملائكة ففتحت أبواب السماء، و خرجت إلي معانيق (4)، فقال جبرئيل (عليه السلام): حي على الصلاة، حي على


(1) في الكافي: في كل يوم وليلة خمسا. (2) في الكافي: وانا لنبارك عليهم كل يوم وليلة خمسا: يعنون في كل وقت صلاة ويمسحون رؤوسهم بأيديهم. (3) زاد في الطبعة الحروفية: ثم زادني حلقا وسلاسل والكافي خال من هذا وعن " وزادني " حلقا وسلاسل ". (4) في الكافي: شبه المعانيق.

[ 357 ]

الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، فقالت الملائكة: صوتين مقرونين (1)، بمحمد تقوم الصلاة، وبعلي الفلاح، فقال جبرئيل: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، فقالت الملائكة: هي لشيعته أقاموها إلى يوم القيامة ثم اجتمعت الملائكة فقالوا للنبي (صلى الله عليه وآله): أين تركت أخاك ؟ وكيف هو ؟ فقال لهم: أتعرفونه ؟ فقالوا: نعم نعرفه وشيعته وهو نور حول عرش الله، وإن في البيت المعمور لرقا (2) من نور، فيه كتاب من نور، فيه اسم محمد وعلي والحسن والحسين والائمة (عليهم السلام) وشيعتهم (3) لا يزيد فيهم رجل ولا ينقص منهم رجل، إنه لميثاقنا الذي اخذ علينا، وإنه ليقرأ علينا في كل يوم جمعة، فسجدت لله شكرا، فقال: يا محمد ارفع رأسك، فرفعت رأسي فإذا أطناب (4) السماء قد خرقت، و الحجب قد رفعت، ثم قال لي: طأطئ رأسك، وانظر ما ترى ؟ فطأطأت رأسي فنظرت إلى بيتكم هذا (5) وحرمكم هذا، فإذا هو مثل حرم ذلك البيت يتقابل، لو ألقيت شيئا من يدي لم يقع إلا عليه، فقال لي: يا محمد هذا الحرم، وأنت الحرام، ولكل مثل مثال. ثم قال ربي عزوجل: يا محمد مد يدك فيتلقاك ما يسيل من ساق عرشي الايمن فنزل الماء فتلقيته باليمين (6)، فمن أجل ذلك أول الوضوء باليمنى، ثم قال: يا محمد خذ ذلك فاغسل به وجهك - وعلمه غسل الوجه - فإنك تريد أن تنظر إلى عظمتي وإنك طاهر ثم اغسل ذراعيك اليمين واليسار - وعلمه ذلك - فإنك تريد أن تتلقى بيديك كلامي وامسح بفضل ما في يديك من الماء رأسك ورجليك إلى كعبيك - وعلمه المسح برأسه و


(1) في الكافي: صوتان مقرونان معروفان، وهو خال: عن قوله: بمحمد تقوم الصلاح، و بعلى الفلاح. (2) في نسخة: لوحا. (3) في الكافي: وشيعتهم إلى يوم القيامة. (4) في الكافي: أطباق السماء. (5) في الكافي: إلى بيت مثل بيتكم هذا وحرم مثل حرم هذا البيت لو القيت اه‍. (6) في الكافي: ثم أوحى الله إلى: يا محمد ادن من صاد فاغسل مساجدك وطهرها وصل لربك فدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) من صاد وهو ماء يسيل من ساق العرش الايمن فتلقى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الماء بيده اليمنى فمن أجل ذك صار الوضوء باليمنى اه‍.

[ 358 ]

رجليه - وقال: إني اريد أن أمسح رأسك وابارك عليك، فأما المسح على رجليك فإني اريد أن اوطئك موطئا لم يطأه أحد قبلك ولا يطأه أحد غيرك، فهذا علة الوضوء والاذان. ثم قال: يا محمد استقبل الحجر الاسود - وهو بحيالي - وكبرني بعدد حجبي، فمن أجل ذلك صار التكبير سبعا، لان الحجب سبعة، وافتتح القراءة عند انقطاع الحجب، فمن أجل ذلك صار الافتتاح سنة، والحجب مطابقة ثلاثا بعدد النور الذي نزل على محمد ثلاث مرات، فلذلك كان الافتتاح ثلاث مرات، فمن أجل ذلك كان التكبير سبعا، والافتتاح ثلاثا (1)، فلما فرغ من التكبير والافتتاح قال الله عزوجل: الآن وصلت إلي، فسم باسمي، فقال: " بسم الله الرحمان الرحيم " فمن أجل ذلك جعل " بسم الله الرحمان الرحيم " في أول السورة، ثم قال له: احمدني، فقال: " الحمد لله رب العالمين " وقال النبي (صلى الله عليه وآله) في نفسه: شكرا، فقال الله: يا محمد قطعت حمدي، فسم باسمي، فمن أجل ذلك جعل في الحمد " الرحمان الرحيم " مرتين، فلما بلغ " ولا الضالين " قال النبي (صلى الله عليه وآله): " الحمد لله رب العالمين " شكرا، فقال الله العزيز الجبار: قطعت ذكري، فسم باسمي، فمن أجل ذلك جعل: " بسم الله الرحمان الرحيم " بعد الحمد في استقبال السورة الاخرى، فقال له: اقرأ " قل هو الله أحد " كما أنزلت، فإنها نسبتي ونعتي، ثم طأطئ يديك واجعلهما على ركبتيك فانظر إلى عرشي، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فنظرت إلى عظمة ذهبت لها نفسي وغشي علي، فالهمت أن قلت: سبحان ربي العظيم وبحمده " لعظم ما رأيت، فلما قلت ذلك: تجلى الغشي عني حتى قلتها سبعا، الهم ذلك، فرجعت إلي نفسي كما كانت، فمن أجل ذلك صار في الركوع: " سبحان ربي العظيم وبحمده (2) ".


(1) في الكافي: والحجب متطابقة بينهن بحار النور، وذلك النور الذى أنزله الله على محمد (صلى الله عليه وآله) فمن أجل ذلك صار الافتتاح ثلاث مرات لافتتاح الحجب ثلاث مرات. (2) في الكافي: ثم أوحى الله إليه: اقرأ يا محمد نسبة ربك تبارك وتعالى: " قل هو الله أحد " وساق السورة إلى آخرها، ثم قال: ثم امسك عنه الوحى، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) =

[ 359 ]

فقال: ارفع رأسك، فرفعت رأسي فنظرت إلى شئ ذهب منه عقلي، فاستقبلت الارض بوجهي ويدي فالهمت أن قلت: " سبحان ربي الاعلى وبحمده " لعلو ما رأيت، فقلتها سبعا، فرجعت إلي نفسي، كلما قلت واحدة فيها تجلى عني الغشي، فقعدت فصار السجود فيه " سبحان ربي الاعلى وبحمده " وصارت القعدة بين السجدتين استراحة من الغشي وعلو (1) ما رأيت، فألهمني ربي عزوجل وطالبتني نفسي أن أرفع رأسي، فرفعت فنظرت إلى ذلك العلو فغشي علي فخررت لوجهي، واستقبلت الارض بوجهي ويدي، وقلت: " سبحان ربي الاعلى وبحمده " فقلتها سبعا، ثم رفعت رأسي فقعدت قبل القيام لاثني النظر في العلو، فمن أجل ذلك صارت سجدتين وركعة، ومن أجل ذلك صار القعود قبل القيام قعدة خفيفة. ثم قمت فقال: يا محمد اقرأ الحمد فقرأتها مثل ما قرأتها أولا، ثم قال لي: اقرأ " إنا أنزلناه " فإنها نسبتك ونسبة أهل بيتك إلى يوم القيامة ثم ركعت فقلت في الركوع والسجود مثل ما قلت أولا (2)، وذهبت أن أقوم فقال: يا محمد اذكر ما أنعمت عليك، وسم باسمي، فألهمني الله أن قلت: " بسم الله وبالله [ و ] لا إله إلا الله والاسماء الحسنى كلها لله " فقال لي: يا محمد صل عليك وعلى أهل بيتك، فقلت: " صلى الله علي وعلى أهل بيتي " وقد فعل، ثم التفت فإذا أنا بصفوف من الملائكة


= " الله الواحد الاحد الصمد " فأوحى الله إليه: " لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " ثم أمسك عنه الوحى فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " وكذلك الله ربنا كذلك [ الله ] ربنا " فلما قال ذلك أوحى الله إليه: اركع لربك يا محمد، فركع، فأوحى الله إليه وهو راكع قال: " سبحان ربى العظيم " ففعل ذلك ثلاثا اه‍. أقول: بقية الحديث فيها اختلافات يطول ذكرها راجع. (1) هكذا في المصدر أيضا، والكافي خال عنه، وسيأتى من المصنف احتمال في تصحيحه. و يحتمل أن يكون عطفا على قوله: من الغشى، أي استراحة من الغشى، واستراحة من علو ما رأيت، أي مما دخلنى من علو ما رأيت. (2) زاد في الكافي: ثم سجد سجدة واحدة فلما رفع رأسه تجلت له العظمة فخر ساجدا من تلقاء نفسه، لا لامر امر به فسبح ايضا، ثم اوحى الله إليه: ارفع رأسك يا محمد، ثبتك ربك، فلما ذهب ليقوم قيل: يا محمد اجلس، فجلس فأوحى الله إليه: يا محمد إذا ما انعمت عليك فسم باسمى فالهم ان قال.

[ 360 ]

والنبيين والمرسلين فقال لي: يا محمد سلم، فقلت: " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته " فقال: يا محمد إني أنا السلام والتحية والرحمة والبركات أنت وذريتك، ثم أمرني ربي العزيز الجبار أن لا ألتفت يسارا. وأول سورة (1) سمعتها بعد " قال هو الله أحد " إنا أنزلناه في ليلة القدر، فمن أجل ذلك كان السلام مرة واحدة تجاه القبلة، ومن أجل ذلك صار التسبيح في السجود والركوع شكرا، وقوله " سمع الله لمن حمده " لان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: سمعت ضجة الملائكة فقلت: " سمع الله لمن حمده " بالتسبيح والتهليل فمن أجل ذلك جعلت الركعتان الاولتان كلما حدث فيها حدث كان على صاحبها إعادتها (2)، وهي الفرض الاول، و هي أول ما فرضت عند الزوال يعني صلاة الظهر (3). كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عنه (عليه السلام) مثله (4). بيان: قوله: فيه أربعون نوعا من أنواع النور، يحتمل أن يكون المراد الانوار الصورية أو الاعم منها ومن المعنوية، وأما نفرة الملائكة فلغلبة النور على أنوارهم، و عجزهم عن إدراك الكمالات المعنوية التي أعطاها الله تعالى نبينا (صلى الله عليه وآله)، ويؤيده قوله صلى الله عليه وآله: " لي مع الله وقت لا يسعه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا عبد مؤمن امتحن الله قلبه للايمان " ويؤيد المعنوية قول الملائكة: ما أشبه هذا النور بنور ربنا ؟ وعلى تقدير أن يكون المراد الصورية فالمعنى ما أشبه هذا النور بنور خلقه الله في العرش، وعلى التقديرين لما كان كلامهم وفعلهم موهما لنوع من التشبيه قال جبرئيل: الله أكبر، لنفي تلك المشابهة، أي أكبر من أن يشبهه أحد أو يعرفه. وقال الجزري: سبوح قدوس يرويان بالضم، والفتح أقيس، والضم أكثر


(1) في الكافي: واول آية سمعها بعد قل هو الله أحد وانا أنزلناه آية أصحاب اليمين وأصحاب الشمال. (2) هكذا في الكتاب ومصدره الضمائر كلها مفردة، وفى الكافي كلها مثناة. (3) علل الشرائع: 112 و 113. (4) فروع الكافي 1: 135 - 137.

[ 361 ]

استعمالا، وهو من أبنية المبالغة، والمراد بهما التنزيه، وقال فيه: فانطلقنا إلى الناس معانيق، أي مسرعين، وقال الفيروز آبادي: المعناق: الفرس الجيد العنق، والجمع المعانيق. انتهى. أقول: العنق بالتحريك: ضرب من سير الدابة، وهو سير مسبطر، وهو المراد هنا والتشبيه من الاسراع، قوله: بالاول، أي خلقا ورتبة، قول: بالآخر، أي بعثة، وقد مر تفسير الحاشر، والناشر مثله، أو المراد به ناشر العلوم والخيرات، والرق بالفتح والكسر: جلد رقيق يكتب فيه، والصحيفة البيضاء، ودوي الريح والطائر والنحل: صوتها، قوله: مقرونين، أي متقاربين في المعني فإن الصلاة سبب للفلاح، ويحتمل أن تكون الفقرتان اللتان بعدها تفسيرا للاقتران، وفي الكافي: صوتان مقرونان: وهو أظهر، والضمير في قوله: لشيعته راجع إلى الرسول (صلى الله عليه وآله)، أو إلى علي (عليه السلام)، والاخير أظهر، فالمراد أن صلاة غير الشيعة غير متقبلة، قوله: أطناب السماء لعله كناية عن الاطباق والجوانب قال الجزري: فيه ما بين طنبي المدينة أحوج مني إليها، أي ما بين طرفيها، والطنب: أحد أطناب الخيمة، فاستعاره للطرف والناحية. انتهى. وفي الكافي، أطباق السماء. أقول: يحتمل أن يكون خرق الاطناب والحجب من تحته صلى الله عليه وآله (1)، أو من فوقه أو منهما معا، وأن يكون هذا في السماء الرابعة، أو بعد عروجه إلى السابعة، والاخير أوقق بما بعده، فعلى الاول خرق الحجب من تحته لينظر إلى الكعبة، وعلى الثاني لينظر إلى الكعبة وإلى البيت المعمور معا، فوجدهما متحاذيين متطابقين متماثلين، ولذا قال: ولكل مثل مثال، أي كل شئ في الارض له مثال في السماء، فعلى الثاني يحتمل أن يكون الصلاة تحت العرش محاذيا للبيت المعمور أو بعد نزوله في البيت المعمور، وعلى التقديرين استقبال الحجر مجاز، أي استقبل ما يحاذيه أو يشاكله، قوله: وأنت الحرام أي المحترم المكرم، ولعله إشارة إلى أن حرمة البيت إنما هي لحرمتك.


(1) سيأتي في الحديث 77: أن الحجب انخرقت حتى نظر إلى الارض وكلم مع على (عليه السلام) فاعلمه أنه خليفته من عند الله عزوجل.

[ 362 ]

أقول: في الكافي هنا زيادة هكذا: فرفعت رأسي فإذا أطباق السماء قد خرقت، والحجب قد رفعت، ثم قيل لي: طأطئ رأسك، انظر ما ترى، فطأطأت رأسي فنظرت إلى بيت مثل بيتكم هذا، وحرم مثل حرم هذا البيت، لو ألقيت شيئا من يدي لم يقع إلا عليه، فقيل لي: يا محمد إن هذا الحرم وأنت الحرام، ولكل مثل مثال، ثم أوحى الله إلي: يا محمد ادن من صاد، واغسل مساجدك وطهرها، وصل لربك، فدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) من صاد وهو ماء يسيل من ساق العرش الايمن، فتلقى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الماء بيده اليمنى فمن أجل ذلك صار الوضوء باليمين - ثم ساق الحديث إلى أن قال: - والحجب متطابقة بينهن بحار النور، وذلك النور الذي أنزله الله تعالى على محمد (صلى الله عليه وآله)، فمن أجل ذلك صار الافتتاح ثلاث مرات لافتتاح الحجب ثلاث مرات، فصار التكبير سبعا، والافتتاح ثلاثا. أقول: الظاهر أن المراد بالحجب غير السماوات، وأن ثلاثة منها ملتصقة، ثم بعد ذلك بحار الانوار، ثم اثنان منها ملتصقان، ثم تفصل بينهما بحار النور، ثم اثنان ملتصقان. فلذا استحب التوالي بين ثلاث من التكبيرات، ثم الفصل بالدعاء، ثم بين اثنتين، ثم الفصل بالدعاء ثم اثنتين، فكل شروع في التكبير ابتداء افتتاح. قوله: قطعت ذكري لعله لما كانت سورة الفاتحة بالوحي فلما انقطع الوحي عند تمامها أحمد الله من قبل نفسه، فأوحى إليه لما قطعت القرآن بالحمد فاستأنف البسملة، فالمراد بالذكر القرآن، قوله: وعلو ما رأيت، لعله منصوب بنزع الخافض، أي لعلو ما رأيت قعدت لانظر إليه مرة اخرى، ولعله كان في الاصل: وعودا إلى ما رأيت، قوله: إني أنا السلام والتحية، لعل التحية معطوفة على السلام تفسيرا له، قوله: والرحمة مبتدء أي المراد بالرحمة أنت، والبركات ذريتك على اللف والنشر، أو المراد أن كلا منهم رحمة وبركة فالمعنى سلام الله وتحيته أو رحمته وشفاعة محمد وأهل بيته صلوات الله عليهم وهدايتهم وإعانتهم عليكم، أي لكم. قوله: عند الزوال (1)، لعل المعنى أن هذه الصلاة التي فرضت وعلمها نبيه في


(1) وفى الكافي: فهذا الفرض الاول في صلاة الزوال يعنى صلاة الظهر انتهى فعليه لا أشكال.

[ 363 ]

السماء إنما فرضت وأوقعت أولا في الارض عند الزوال، فلا يلزم أن يكون إيقاعها في السماء عند الزوال، مع أنه (صلى الله عليه وآله) يحتمل أن يكون محاذيا في ذلك الوقت لموضع يكون في الارض وقت الزوال، لكنه بعيد، لان الظاهر من الخبر أنها اوقعت في موضع كان محاذيا لمكة، ويحتمل أن يكون بعض المعارج في اليوم، وهذا وجه جمع بين الاخبار المختلفة الواردة في المعراج. أقول: في الخبر على ما رواه في الكافي مخالفة كثيرة لما هنا، وشرح هذا الخبر يحتاج إلى مزيد بسط في الكلام لا يسعه المقام، وسيأتي بعض الكلام فيه في أبواب الصلاة إن شاء الله تعالى. 67 - فس: أبي، عن ابن محبوب، عن الثمالي، عن أبي الربيع قال: سال نافع أبا جعفر (عليه السلام) عن قوله الله: " واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمان آلهة يعبدون (1) من ذا الذي سأله محمد وكان بينه وبين عيسى خمسمائة سنة ؟ قال: فتلا أبو جعفر (عليه السلام) هذه الآية: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا (2) " فكان من الآيات التي أراها الله محمدا (صلى الله عليه وآله) حيث أسرى به (3) إلى بيت المقدس أنه حشر الله الاولين والآخرين من النبيين والمرسلين، ثم أمر جبرئيل (عليه السلام) فأذن شفعا وأقام شفعا، وقال في إقامته: حي على خير العمل، ثم تقدم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فصلى بالقوم، فأنزل الله عليه " واسأل من أرسلنا (4) من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمان آلهة يعبدون " فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): على ما تشهدون ؟ وما كنتم تعبدون ؟ قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك رسول الله، اخذت على ذلك عهودنا ومواثيقنا، فقال نافع: صدقت يا أبا جعفر، الخبر (5).


(1) الزخرف: 45. (2) الاسراء: 1. (3) في المصدر: حين اسرى به. (4) في نسخة: فصلى بالقوم، فلما انصرف قال الله له: سل يا محمد من أرسلنا. (5) تفسير القمى: 610 و 611، والحديث طويل أخرج مثله قبلا عن الكافي تحت رقم 10.

[ 364 ]

68 - فس: أبي، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي عبيدة، عن الصادق (عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكثر تقبيل فاطمة (عليها السلام) فأنكرت ذلك عائشة، فقال: رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا عائشة إني لما اسري بي إلى السماء دخلت الجنة فأدناني جبرئيل من شجرة طوبى، وناولني من ثمارها فأكلته. فحول الله ذلك ماء في ظهري، فلما هبطت إلى الارض واقعت خديجة فحملت بفاطمة، فما قبلتها قط إلا وجدت رائحة شجرة طوبى منها (1). 69 - ج: في أجوبة الزنديق المنكر للقرآن: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) وأما قوله: " واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا " (2) فهذا من براهين نبينا (صلى الله عليه وآله) التي آتاه الله إياها، وأوجب به الحجة على سائر خلقه، لانه لما ختم به الانبياء وجعله الله رسولا إلى جميع الامم وسائر الملل خصه بالارتقاء إلى السماء عند المعراج، وجمع له يومئذ الانبياء فعلم منهم ما ارسلوا به، وحملوا (3) من عزائم الله وآياته وؤراهينه، وأقروا أجمعين (4) بفضله وفضل الاوصياء والحجج في الارض من بعده، وفضل شيعة وصيه من المؤمنين و المؤمنات الذين سلموا لاهل الفضل فضلهم، ولم يستكبروا عن أمرهم، وعرف من أطاعهم وعصاهم من اممهم، وسائر من مضى ومن غبر (5)، أو تقدم أو تأخر (6). 70 - ع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن مالك بن عيينة، عن حبيب السجستاني قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قوله عزوجل: " ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى " فقال لي: يا حبيب لا تقرأ هكذا اقرأ " ثم دنا فتدانى فكان قاب قوسين (7) أو أدنى فأوحى - الله - إلى عبده - يعني رسول الله (صلى الله عليه وآله) - ما


(1) تفسير القمى: 341 و 342. (2) تقدم الايعاز إلى موضع الاية آنفا وفى صدر الباب. (3) في المصدر: وحملوه. (4) في المصدر: وأقروا أجمعون. (5) غبر: مضى. وبقى فهو من الاضداد. (6) الاحتجاج: 131. (7) زاد في نسخة: في القرب.

[ 365 ]

أوحى (1) " يا حبيب إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما فتح مكة، أتعب نفسه في عبادة الله عز وجل والشكر لنعمه في الطواف بالبيت، وكان علي (عليه السلام) معه، فلما غشيهم الليل انطلقا إلى الصفا والمروة يريدان السعي، قال: فلما هبطا من الصفا إلى المروة وصارا في الوادي دون العلم الذي رأيت غشيهما من السماء نور فأضاءت لهما جبال مكة، وخشعت أبصارهما، قال: ففزعا لذلك فزعا شديدا، قال: فمضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى ارتفع عن الوادي، و تبعه علي (عليه السلام). فرفع رسول الله (صلى الله عليه وآله) رأسه إلى السماء فإذا هو برمانتين على رأسه، قال: فتناولهما رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأوحى الله عزوجل إلى محمد: يا محمد إنها من قطف الجنة فلا يأكل منها إلا أنت ووصيك علي بن أبي طالب، قال: فأكل رسول الله إحداهما، وأكل علي الاخرى، ثم أوحى الله عزوجل إلى محمد (صلى الله عليه وآله) ما أوحى. قال أبو جعفر (عليه السلام): يا حبيب " ولقد رآه نزلة اخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى " يعني عندها وافى به جبرئيل حين صعد إلى السماء، قال: فلما انتهى إلى محل السدرة وقف جبرئيل دونها، وقال: يا محمد إن هذا موقفي الذي وضعني الله عزو جل فيه، ولن أقدر على أن أتقدمه، ولكن امض أنت أمامك إلى السدرة، فوقف عندها، قال: فتقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى السدرة، وتخلف جبرئيل (عليه السلام). قال أبو جعفر (عليه السلام): إنما سميت سدرة المنتهى لان أعمال أهل الارض تصعد بها الملائكة الحفظة إلى محل السدرة والحفظة الكرام البررة دون السدرة يكتبون ما ترفع إليهم الملائكة من أعمال العباد في الارض، قال: فينتهون بها إلى محل السدرة، قال: فنظر رسول الله فرأى أغصانها تحت العرش وحوله، قال: فتجلى لمحمد نور الجبار عزوجل، فلما غشي محمدا (صلى الله عليه وآله) النور شخص ببصره وارتعدت فرائصه، قال: فشد الله عزوجل لمحمد قلبه، وقوى له بصره، حتى رأى من آيات ربه ما رأى، وذلك قول الله عزوجل: " ولقد


(1) والظاهر أنه (عليه السلام) بصدد بيان معنى الاية وتفسيرها، لا أنه أراد أن الالفاظ نزلت هكذا فيكون من التحريف الذى لا يقول به الشيعة الامامية: هذا مضافا إلى أنه خبر واحد لا يوجب علما ولا عملا

[ 366 ]

رآه نزلة اخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى " قال: يعني الموافاة، قال: فرأى محمد (صلى الله عليه وآله) ما رأى ببصره من آيات ربه الكبرى، يعني أكبر الآيات، قال أبو جعفر (عليه السلام): وإن غلظ السدرة بمسيرة مائة عام من أيام الدنيا، وإن الورقة منها تغطي أهل الدنيا، وإن لله عزوجل ملائكة وكلهم بنبات الارض من الشجر والنخل، فليس من شجرة ولا نخلة إلا ومعها من الله عزوجل ملك يحفظها وما كان فيها، ولولا أن معها من يمنعها لاكلها السباع وهوام الارض إذا كان فيها ثمرها، قال: وإنما نهى رسول الله (صلى الله عليه واله) أن يضرب أحد من المسلمين خلاه تحت شجرة أو نخلة قد أثمرت لمكان الملائكة الموكلين بها، قال: ولذلك يكون للشجر والنخل انسا إذا كان فيه حمله، لان الملائكة تحضره (1). بيان: قطف الثمرة: قطعها، والقطف بالكسر: العنقود، واسم للثمار المقطوفة، و شخص الرجل بصره: فتح لا يطرف، والفريصة: لحمة بين جنبي الدابة وكتفها لا تزال ترعد، قوله: يعني الموافاة، أي المراد بقوله: " رآه " رؤية النبي (صلى الله عليه وآله) جبرئيل بعد مفارقته عند السدرة وموافاته له، فاللام للعهد، أي الموافاة التي مرت الاشارة إليه. 71 - ع: حمزة بن محمد العلوي، عن علي، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن الحسن ابن خالد، عن محمد بن حمزة قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): لاي علة يجهر في صلاة الفجر وصلاة المغرب وصلاة العشاء الآخرة، وسائر الصلوات مثل الظهر والعصر لا يجهر فيها ؟ ولاي علة صار التسبيح في الركعتين الاخيرتين أفضل من القرآن (2) ؟ قال: لان النبي (صلى الله عليه وآله) لما اسري به إلى السماء كان أول صلاة فرضه الله عليه صلاة الظهر يوم الجمعة، فأضاف الله عزوجل إليه الملائكة تصلي خلفه، وأمر الله عزوجل نبيه (صلى الله عليه وآله) أن يجهر بالقراءة ليبين لهم فضله، ثم افترض عليه العصر، ولم يضف إليه أحدا من الملائكة، وأمره أن يخفي القراءة لانه لم يكن وراءه أحد، ثم افترض عليه المغرب، ثم أضاف إليه الملائكة فأمره بالاجهار، وكذلك العشاء الآخرة، فلما كان قرب الفجر افترض الله عزوجل عليه


(1) علل الشرائع: 102. (2) في نسخة: من القراءة.

[ 367 ]

الفجر (1)، وأمره بالاجهار ليبين للناس فضله كما بين للملائكة، فلهذه العلة يجهر فيها فقلت: لاي شئ صار التسبيح في الاخيرتين أفضل من القراءة ؟ قال: لانه لما كان في الاخيرتين ذكر ما يظهر من عظمة الله عزوجل فدهش وقال: " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " فلذلك العلة صار التسبيح أفضل من القراءة (2). 72 - ع: ما جيلويه، عن عمه، عن محمد بن علي الكوفي، عن صباح الحذاء، عن إسحاق بن عمار قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) كيف صارت الصلاة ركعة وسجدتين ؟ وكيف إذا صارت سجدتين لم تكن ركعتين ؟ فقال: إذا سألت عن شئ ففرغ قلبك (3) لتفهم: إن أول صلاة صلاها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما صلاها في السماء بين يدي الله تبارك وتعالى قدام عرشه جل جلاله، وذلك أنه لما اسري به وصار عند عرشه تبارك وتعالى قال: يا محمد ادن من صاد فاغسل مساجدك وطهرها وصل لربك، فدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى حيث أمره الله تبارك وتعالى، فتوضأ فأصبغ وضوءه، ثم استقبل الجبار تبارك وتعالى قائما، فأمره بافتتاح الصلاة ففعل، فقال: يا محمد اقرأ: " بسم الله الرحمان الرحيم * الحمد لله رب العالمين " إلى آخرها، ففعل ذلك، ثم أمره أن يقرأ نسبة ربه تبارك وتعالى: " بسم الله الرحمان الرحيم * قول هو الله أحد * الله الصمد " ثم أمسك عنه القول فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " قل هو الله أحد، الله الصمد " فقال: قل: لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد " فأمسك عنه القول، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " كذلك الله ربي، كذلك الله ربي (4) ". فلما قال ذلك قال: اركع يا محمد لربك، فركع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال له وهو راكع: قل: " سبحان ربي العظيم وبحمده " ففعل ذلك ثلاثا، ثم قال: ارفع رأسك


(1) وذلك حين نزل إلى الارض. (2) علل الشرائع: 115. (3) أي خل قلبك عن كل شئ. (4) في نسخة زاد مرة أخرى.

[ 368 ]

يا محمد، ففعل ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقام منتصبا بين يدي الله فقال: اسجد يا محمد لربك، فخر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ساجدا، فقال: قل: " سبحان ربي الاعلى وبحمده " ففعل ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاثا، فقال له: استو جالسا يا محمد، ففعل، فلما استوى جالسا ذكر جلال ربه جل جلاله فخر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ساجدا من تلقاء نفسه، لا لامر أمره ربه عز وجل فسبح أيضا ثلاثا، فقال: انتصب قائما ففعل، فلم ير ما كان رأى من عظمة ربه جل جلاله فقال له: اقرأ يا محمد وافعل كما فعلت في الركعة الاولى، ففعل ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم سجد سجدة واحدة، فلما رفع رأسه ذكر جلالة ربه تبارك وتعالى، (5) فخر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ساجدا من تلقاء نفسه لا لامر أمره ربه عزوجل فسبح أيضا، ثم قال له: ارفع رأسك ثبتك الله، واشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، اللهم صل على محمد وآل محمد، وارحم على محمد وآل محمد، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم تقبل شفاعته (6) وارفع درجته، ففعل، فقال: سلم يا محمد، و استقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ربه تبارك وتعالى وجهه مطرقا، فقال: السلام عليك، فأجابه الجبار جل جلاله فقال: وعليك السلام يا محمد، بنعمتي قويتك على طاعتي، وبعصمتي إياك اتخذتك نبيا وحبيبا، ثم قال أبو الحسن (عليه السلام): وإنما كانت الصلاة التي امر بها ركعتين وسجدتين، وهو (صلى الله عليه وآله) إنما سجد سجدتين في كل ركعة عما أخبرتك من تذكره لعظمة ربه تبارك وتعالى، فجعله الله عزوجل فرضا، قلت: جعلت فداك وما صاد الذي امر أن يغتسل منه ؟ فقال: عن تنفجر من ركن من أركان العرش يقال له: ماء الحياة، وهو ما قال الله عزوجل: " ص والقرآن ذي الذكر " إنما أمره أن يتوضأ ويقرأ ويصلي (3). 73 - ع: علي بن أحمد، عن محمد الاسدي، عن البرمكي، عن علي بن العباس،


(1) في المصدر: ذكر جلالة ربه تبارك وتعالى الثانية. (2) في نسخة: اللهم تقبل في امته. (3) علل الشرائع: 119. بحار الانوار - 23 -

[ 369 ]

عن عكرمة بن عبد العرش، عن هشام بن الحكم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن علة الصلاة كيف صارت ركعتين وأربع سجدات، ألا كانت ركعتين وسجدتين ؟ فذكر نحو حديث إسحاق عن أبي الحسن (عليه السلام) يزيد اللفظ وينقص (1). 74 - يد: أبي، عن محمد العطار، عن ابن عيسى، عن البزنطي، عن الرضا (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما اسري بي إلى السماء بلغ بي جبرئيل مكانا لم يطأ جبرئيل قط، فكشف لي فأراني الله عزوجل من نور عظمته ما أحب (2). 75 - ع: علي بن حاتم، عن القاسم بن محمد، عن حمدان بن الحسين، عن الحسين بن الوليد، عن الحسين بن إبراهيم، عن محمد بن زياد، عن هشام بن الحكم، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: قلت له: لاي علة صار التكبير في الافتتاح سبع تكبيرات أفضل ؟ ولاي علة يقال في الركوع: " سبحان ربي العظيم وبحمده " ويقال في السجود: " سبحان ربي الاعلى وبحمده " قال: يا هشام إن الله تبارك وتعالى خلق السماوات سبعا، والارضين سبعا، والحجب سبعا، فلما أسرى بالنبي (صلى الله عليه وآله) وكان من ربه كقاب قوسين أو أدنى (3)، رفع له حجاب من حجبه، فكبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجعل يقول الكلمات التي تقال في الافتتاح، فلما رفع له الثاني كبر فلم يزل كذلك حتى بلغ سبع حجب، وكبر سبع تكبيرات، فلذلك العلة تكبر للافتتاح في الصلاة سبع تكبيرات، فلما ذكر ما رأى من عظمة الله ارتعدت فرائصه، فانبرك (4) على ركبتيه، وأخذ يقول: " سبحان ربي العظيم وبحمده " فلما اعتدل من ركوعه قائما نظر إليه في موضع أعلى من ذلك الموضع خر على وجهه وهو يقول: " سبحان ربي الاعلى وبحمده " فلما قال سبع مرات سكن ذلك الرعب، فلذلك جرت به السنة (5)


(1 و 5) علل الشرائع: 118 و 119. (2) التوحيد: 96. (3) قد عرفت قبل ذلك أن المراد بالقرب كلما استعمل في هذه الاحاديث هو القرب المعنوي، لا الجسماني الذى لا يتصور في حقه تعالى وتقدس. (4) في المصدر: فابترك.

[ 370 ]

76 - ع: علي بن حاتم، عن القاسم بن محمد، عن حمدان بن الحسين، عن الحسين بن الوليد، عمن ذكره قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): لاي علة أحرم رسول الله من الشجرة (1) ولم يحرم من موضع دونه ؟ قال: لانه لما اسري به إلى السماء وصار بحذاء الشجرة وكانت الملائكة تأتي إلى البيت المعمور بحذاء المواضع التي هي مواقيت سوى الشجرة، فلما كان في الموضع الذى بحذاء الشجرة نودي: يا محمد، قال: لبيك، قال: ألم أجدك يتيما فآويت ووجدتك ضالا فهديت (2)، قال النبي (صلى الله عليه وآله): " إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك " فلذلك أحرم من الشجرة دون المواضع كلها (3). 77 - ما: المفيد، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن سعد، عن عبد الله بن موسى، عن محمد بن عبد الرحمان العرزمي، عن المعلى بن هلال، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أعطاني الله تعالى خمسا، وأعطى عليا خمسا: أعطاني جوامع الكلم، وأعطى عليا جوامع العلم، وجعلني نبيا، وجعله وصيا، وأعطاني الكوثر، وأعطاه السلسبيل، وأعطاني الوحي، وأعطاه الالهام، وأسري بي إليه، وفتح له أبواب السماء والحجب حتى نظر إلي ونظرت إليه، قال: ثم بكى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت له: ما يبكيك فداك أبي وامي ؟ فقال: يا ابن عباس إن أول ما كلمني به أن قال: يا محمد انظر تحتك، فنظرت إلى الحجب قد انخرقت، وإلى أبواب السماء قد فتحت، ونظرت إلى علي وهو رافع رأسه إلي، فكلمني وكلمته، وكلمني ربي عزوجل، فقلت: يا رسول الله بم كلمك ربك ؟ قال: قال لي: يا محمد إني جعلت عليا وصيك ووزيرك وخليفتك من بعدك، فأعلمه، فها هو يسمع كلامك فأعلمته وأنا بين يدي ربي عزوجل فقال لي: قد قبلت وأطعت، فأمر الله الملائكة أن تسلم عليه، ففعلت فرد عليهم السلام، ورأيت الملائكة يتباشرون به، وما مررت بملائكة من ملائكة السماء إلا هنؤوني وقالوا لي: يا محمد


(1) في المصدر: من مسجد الشجرة. (2) في النسخة: ووجدتك عائلا فأغنيتك، والمصدر خال عنه. (3) علل الشرائع: 149.

[ 371 ]

والذي بعثك بالحق لقد دخل السرور على جميع الملائكة باستخلاف الله عزوجل لك ابن عمك، ورأيت حملة العرش قد نكسوا رؤوسهم إلى الارض، فقلت: يا جبرئيل لم نكس حملة العرش رؤوسهم، ؟ فقال: يا محمد ما من ملك من الملائكة إلا وقد نظر إلى وجه علي بن أبي طالب استبشارا به، ما خلا حملة العرش، فإنهم استأذنوا الله عزوجل في هذه الساعة فأذن لهم أن ينظروا إلى علي بن أبي طالب فنظروا إليه، فلما هبطت جعلت اخبره بذلك وهو يخبرني به، فعلمت أني لم أطأ موطئا إلا وقد كشف لعلي عنه حتى نظر إليه. الخبر (1). أقول: روى بعض هذا الخبر في موضع آخر بهذا السند المفيد، عن أحمد بن الوليد عن أبيه، عن سعد، عن عبد الله بن هارون، عن محمد بن عبد الرحمان (2)، ورواه الحسن بن سليمان في كتاب المحتضر عن الصدوق، عن أبيه عن سعد (3). 78 - ما: ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن محمد بن هارون الهاشمي، عن محمد بن مالك ابن الابرر النخعي، عن محمد بن فضيل بن غزوان الضبي، عن مالك (4) الجهني، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما اسري بي إلى السماء ثم من السماء إلى السماء ثم إلى سدرة المنتهى أوقفت بين يدي ربي عزوجل، فقال: يا محمد، فقلت: لبيك ربي وسعديك، قال: قد بلوت خلقي فأيهم ؟ ؟ وجدت أطوع لك ؟ قال: قلت: رب عليا، قال: صدقت يا محمد، فهل اتخذت لنفسك خليفة يؤدي عنك ويعلم عبادي من كتابي ما لا يعلمون، قال: قلت اختر لي، فإن خيرتك خير لي، قال: قد اخترت لك عليا فاتخذه لنفسك خليفة ووصيا ونحتله علمي وحلمي وهو أمير المؤمنين حقا، لم ينلها أحد قبله ولا أحد بعده، يا محمد علي راية الهدى، وإمام من أطاعني، ونور أوليائي، وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين، من


(1) أمالى ابن الشيخ: 64. (2) أمالى ابن الشيخ: 118. (3) المحتضر: 107 و 108. (4) في المصدر: عن غالب الجهني، وهو الصحيح كما يأتي في المتن.

[ 372 ]

أحبه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني، فبشره بذلك يا محمد، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): رب ! فقد بشرته، فقال علي: أنا عبد الله، وفي قبضته إن يعذبني فبذنوبي لم يظلمني شيئا، وإن يتم لي ما وعدني فالله أولى بي، فقال: اللهم اخل قلبه (1)، واجعل ربيعه الايمان بك، قال: قد فعلت ذلك به يا محمد، غير أني مختصه بشئ من البلاء لم أختص به أحدا من أوليائي، قال: قلت: رب ! أخي وصاحبي، قال: إنه قد سبق في علمي أنه مبتلى ومبتلى به، ولولا علي لم يعرف أوليائي (2)، ولا أولياء رسلي. قال محمد بن مالك: فلقيت نصر بن مزاحم المنقري فحدثني عن غالب الجهني عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما اسري بي إلى السماء، وذكر مثله سواء. قال محمد بن مالك: فلقيت علي بن موسى بن جعفر عليهما السلام فذكرت له هذا الحديث فقال: حدثي به أبي موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر، عن أبيه، عن جده، عن الحسين بن علي، عن علي عليهم السلام قال: قال: رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما اسري بي إلى السماء ثم من السماء إلى السماء، ثم إلى سدرة المنتهى. وذكر الحديث بطوله (3). كتاب المحتضر للحسن بن سليمان نقلا من كتاب المعراج عن الصدوق، عن محمد ابن عمر الحافظ البغدادي، عن محمد بن هارون، مثله (4). 79 - فس: خالد، عن ابن محبوب، عن محمد بن سيار (5)، عن أبي مالك الازدي، (6) عن إسماعيل الجعفي قال: كنت في المسجد الحرام قاعدا وأبو جعفر (عليه السلام) في ناحية (7)، فرفع رأسه فنظر إلى السماء مرة، وإلى الكعبة مرة، ثم قال: " سبحان الذي أسرى بعبده


(1) في المصدر: اللهم اجل قلبه. وهو الموجود ايضا في نسخة. (2) في النسخة: لم يعرف ولاء أوليائي. وفى المصدر: لم يعرف حزبى ولا أوليائي. (3) أمالى ابن الشيخ: 218 و 219. (4) المحتضر: 147. (5) في نسخة: محمد بن يسار. (6) في نسخة: الاسدي. (7) في المصدر: وأبو جعفر (عليه السلام) حاضر.

[ 373 ]

ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى " وكرر ذلك ثلاث مرات، ثم التفت إلي فقال: أي شئ يقول أهل العراق في هذه الآية يا عراقي ؟ قلت: يقولون، أسرى به من المسجد الحرام (1) إلى البيت المقدس، فقال: ليس هو كما يقولون، ولكنه أسرى به من هذه إلى هذه (2) وأشار بيده إلى السماء، وقال: ما بينهما حرم، قال: فلما انتهى به إلى سدرة المنتهى تخلف عنه جبرئيل، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا جبرئيل أفي مثل هذا الموضع تخذلني ؟ فقال: تقدم أمامك، فوالله لقد بلغت مبلغا لم يبلغه خلق من خلق الله قبلك، فرأيت ربي (3) وحال بيني وبينه السبحة. قال: قلت: وما السبحة جعلت فداك ؟ فأومأ بوجهه إلى الارض وأومأ بيده إلى السماء وهو يقول: جلال ربي، جلال ربي ثلاث مرات [ قال ] قال: يا محمد، قلت: لبيك يا رب، قال: فيم اختصم الملا الاعلى ؟ قال: قلت: سبحانك لا علم لي إلا ما علمتني، قال: فوضع يده (4) بين ثديي فوجدت بردها بين كتفي، قال: فلم يسألني عما مضى ولا عما بقي إلا علمته (5)، فقال: يا محمد فيم اختصم الملا الاعلى ؟ قال: قلت: يا رب في الدرجات، و الكفارات، والحسنات، فقال: يا محمد إنه قد انقضت نبوتك، وانقطع أكلك، فمن وصيك ؟ فقلت: يا رب إني قد بلوت خلقك فلم أر فيهم من خلقك أحدا أطوع لي من علي، فقال: ولي يا محمد، فقلت: يا رب إني قد بلوت خلقك فلم أر من خلقك أحدا أشد حبا لي من علي بن أبي طالب، قال: ولي يا محمد، فبشره بأنه راية الهدى، وإمام أوليائي، ونور لمن أطاعني، والكلمة [ الباقية ] التي ألزمتها المتقين، من أحبه أحبني، ومن أبغضه أبغضني، مع ما أني أخصه بما لم أخص به أحدا (6)، فقلت: يا رب أخي وصاحبي


(1) في نسخة: إلى المسجد الاقصى، في المصدر: إلى المسجد الاقصى إلى البيت المقدس. (2) أراد (عليه السلام) أن اسراءه لم يكن مقصورا على ذلك، بل كان من الارض إلى السماء، فكان اسراؤه أولا إلى المسجد الاقصى، ثم منه إلى السماء. (3) في نسخة: فرأيت من نور ربى. وفى المصدر: فرأيت نور ربى، وفيه: التسبيحة بدل السبحة، ولعله مصحف. (4) في نسخة وفى المصدر: أي يد القدرة. (5) في المصدر: أعلمته. (6) أي من البلاء كما تقدم في الخبر السابق.

[ 374 ]

ووزيري ووارثي، فقال: أنه أمر قد سبق، إنه مبتلى ومبتلى به، مع ما أني قد نحلته ونحلته ونحلته ونحلته أربعة أشياء، عقدها بيده، ولا يفصح بها عقدها (1). بيان: قوله (عليه السلام): من هذه إلى هذه، أي المراد بالمسجد الاقصى البيت المعمور، لانه أقصى المساجد، ولا ينافي ذهابه أولا إلى بيت المقدس. قوله: فرأيت ربي، أي بالقلب أو عظمته، ويحتمل أن يكون رأيت بمعنى وجدت، وقوله: وحال حالا (2)، أي ألفيته وقد حيل بيني وبينه، وفي بعض النسخ من نور ربي، ولعل المراد بالسبحة تنزهه وتقدسه (3) تعالى، أي حال بيني وبينه تنزهه عن المكان والرؤية، وإلا فقد حصل غاية ما يمكن من القرب. قال الجزري: سبحات الله جلاله وعظمته، وهي في الاصل جمع سبحة، وقيل: أضواء وجهه (4)، وقيل: سبحات الوجه: محاسنه انتهي، وإيماؤه إلى الارض وحط رأسه كان خضوعا لجلاله تعالى، ووضع اليد كناية عن غاية اللطف والرحمة، وإفاضة العلوم والمعارف على صدره الاشرف، والبرد عن الراحة والسرور، وفي بعض النسخ يده أي يد القدرة. قوله تعالى: " فيم اختصم الملا الاعلى " إشارة إلى قوله تعالى: " ماكان لي من علم بالملا الاعلى إذ يختصمون (5). قال الطبرسي رحمه الله: يعني ما ذكر من قوله: " إني جاعل في الارض خليفة (6) إلى آخر القصة، أي فما علمت ما كانوا فيه إلا بوحي من الله تعالى.


(1) تفسير القمى: 572 و 573. (2) هكذا في النسخ، والموجود في الخبر: وحال بينى وبينه السبحة ولعل المراد أن جملة. " وقد حال " جملة حالية ولذا جاء في تفسيرها ب‍ " قد ". (3) بل جلاله وعظمته وكبرياؤه. (4) أضواء وجهه، هي مظاهر نوره ومخلوقاته العالية التى استفاضت من فيوضاته وكمالاته أكثر من غيرها كالملائكة والانبياء عليهم السلام، أو مطلق مخلوقاته، لانهم استفاضوا منه كل بحسبه واستعداده وظرفيته. (5) ص: 70. (6) البقرة: 30.

[ 375 ]

وروي عن ابن عباس، عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: قال لي ربي: أتدري فيم يختصم الملا الاعلى ؟ فقلت: لا، قال: اختصموا في الكفارات والدرجات، فأما الكفارات فإسباغ الوضوء في السبرات (1)، ونقل الاقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة وأما الدرجات فإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام، انتهى (2). وقوله: عقدها ثانيا تأكيد للاول، أو مصدر فاعل لقوله: يفصح، والاصوب أنه تصحيف قوله: بما عقدها، وفاعل " عقد " الرسول (صلى الله عليه وآله). 80 - فس أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما اسري بي إلى السماء دخلت الجنة فرأيت فيها قيعان بيضاء (3) ورأيت فيها ملائكة يبنون لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وربما أمسكوا، فقلت لهم: مالكم ربما بنيتم وربما أمسكتم ؟ فقالوا: حتى تجيئنا النفقة، فقلت لهم: وما نفقتكم ؟ فقالوا: قول المؤمن في الدنيا: " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر "، فإذا قال: بنينا، وإذا أمسك أمسكنا (4). 81 - ص: عن أبي بصير قال: سمعت الصادق (عليه السلام) يقول: إن جبرئيل (عليه السلام) احتمل رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى انتهى به إلى مكان من السماء، ثم تركه، وقال: ما وطئ نبي قط مكانك. وقال النبي (صلى الله عليه وآله) أتاني جبرئيل وأنا بمكة فقال: قم يا محمد، فقمت معه، وخرجت إلى الباب، فإذا جبرئيل ومعه ميكائيل وإسرافيل، فأتى جبرئيل بالبراق، وكان فوق الحمار ودون البغل، خده كخد الانسان وذنبه كذنب البقر، وعرفه كعرف الفرس، وقوائمه كقوائم الابل، عليه رحل من الجنة، وله جناحان من فخذيه، خطوه منتهى طرفه،


(1) السبرات جمع سبرة بسكون الباء، وهى شدة البرد. (2) مجمع البيان 8: 485. (3) في المصدر: فرأيتها قيعان يقق. أقول: فرأيتها مصحف فرأيت فيها كما تقدم مكررا، قوله: يقق أي شديد البياض. (4) تفسير القمى: 413.

[ 376 ]

فقال: اركب فركبت ومضيت حتى انتهيت إلى بيت المقدس، ولما انتهيت إليه إذا الملائكة نزلت من السماء بالبشارة والكرامة من عند رب العزة، وصليت في بيت المقدس - وفي بعضها بشرني إبراهيم في رهط من الانبياء، ثم وصف موسى وعيسى صلوات الله عليهما - ثم أخذ جبرئيل بيدي إلى الصخرة، فأقعدني عليها، فإذا معراج إلى السماء (1) لم أر مثلها حسنا وجمالا، فصعدت إلى السماء الدنيا ورأيت عجائبها وملكوتها، وملائكها يسلمون علي، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة (2) فرأيت بها يوسف (عليه السلام)، ثم صعدت إلى السماء الرابعة فرأيت فيها إدريس (عليه السلام)، ثم صعد بي إلى السماء الخامسة فرأيت فيها هارون (عليه السلام)، ثم صعد بي إلى السماء السادسة فإذا فيها خلق كثير يموج بعضهم في بعض وفيها الكروبيون، قال: ثم صعد بي إلى السماء السابعة فأبصرت فيها خلقا وملائكة. وفي حديث آخر: قال النبي (صلى الله عليه وآله): رأيت في السماء السادسة موسى (عليه السلام)، و رأيت في السابعة إبراهيم (عليه السلام)، ثم قال: جاوزنا متصاعدين إلى أعلى عليين - ووصف ذلك إلى أن قال: - ثم كلمني ربي وكلمته، ورأيت الجنة والنار، ورأيت العرش و سدرة المنتهى، ثم قال: رجعت إلى مكة، فلما أصبحت حدثت به الناس، فأكذبني أبو جهل والمشركون، وقال مطعم بن عدي: أتزعم أنك سرت مسيرة شهرين في ساعة ؟ أشهد أنك كاذب، ثم قالت قريش: أخبرنا عما رأيت، فقال: مررت بعير بني فلان وقد أضلوا بعيرا لهم، وهم في طلبه، وفي رحلهم قعب من ماء مملو فشربت الماء فغطيته كما كان، فسألوهم هل وجدوا الماء في القدح، قالوا هذه آية واحدة، فقال (صلى الله عليه وآله): مررت بعير بني فلان فنفر بعير فلان فانكسرت يده فسألوهم عن ذلك، فقالوا: هذه آية اخرى، قالوا: فأخبرنا عن عيرنا، قال: مررت بها بالتنعيم، وبين لهم أحوالها وهيئاتها، قالوا: هذه آية اخرى (3).


(1) في نسخة: إلى سماء. (2) لعل تفصيل العروج إلى السماء الثانية قد سقط عن قلم النساخ، وتقدم في خبر هشام بن سالم أنه رأى في السماء الثانية يحيى وعيسى عليهما السلام وتقدم في غيره ما رأى فيها من العجائب. (3) قصص الانبياء: مخطوط.

[ 377 ]

بيان: قوله (عليه السلام): خطوه منتهى طرفه، أي كان يضع كل خطوة منه على منتهى مد بصره. 82 - ير: إبراهيم بن هاشم، عن البرقي، عن ابن سنان وغيره، عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لقد أسرى بي ربي فأوحى إلي من وراء الحجاب ما أوحى، وكلمني، وكان مما كلمني أن قال: يا محمد علي الاول، و علي الآخر، والظاهر والباطن، وهو بكل شئ عليم، فقال: يا رب أليس ذلك أنت (1) ؟ قال، فقال: يا محمد أنا الله لا إله إلا أنا الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون، إني أنا الله لا إله إلا أنا الخالق البارئ المصور، لي الاسماء الحسنى، يسبح لي من في السماوات والارضين، وأنا العزيز الحكيم، يا محمد إني أنا الله لا إله أنا الاول ولا شئ قبلي، وأنا الآخر فلا شئ بعدي، وأنا الظاهر فلا شئ فوقي، وأنا الباطن فلا شئ تحتي، وأنا الله لا إله إلا أنا بكل شئ عليم، يا محمد علي الاول: أول من أخذ ميثاقي من الائمة، يا محمد علي الآخر: آخر من أقبض روحه من الائمة، وهي الدابة التي تكلمهم، يا محمد علي الظاهر: اظهر عليه جميع ما أوحيته إليك (2)، ليس لك أن تكتم منه شيئا، يا محمد علي الباطن: أبطنته سري الذي أسررته إليك، فليس فيما بيني وبينك سر أزويه (3) يا محمد عن علي، ما خلقت من حلال أو حرام إلا وعلي عليم به (4). 83 - صح: عن الرضا عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام قال: قال علي بن أبي طالب (عليه السلام) لما بدأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بتعليم الاذان أتى جبرئيل (عليه السلام) بالبراق (5) فاستعصت عليه، ثم أتى بدابة يقال لها: برقة فاستعصت (6). فقال لها جبرئيل: اسكني برقة، فما ركبك


(1) أي أليس أنت المتصف بهذه الصفات فقط ؟ (2) في المصدر: جميع ما أوصيته إليك. (3) أي أمنعه عنه. (4) بصائر الدرجات: 151. (5) الحديث متفرد بهذا التفصيل. وفى المصدر: براقة. (6) في نسخة: فاستصعبت، وكذا فيما بعده. ويأتى في بعض الاحاديث: فامتنعت.

[ 378 ]

أحد أكرم على الله منه (1)، قال (صلى الله عليه وآله): فركبتها حتى انتهيت إلى الحجاب الذي يلي الرحمان عزوجل، فخرج ملك من وراء الحجاب فقال: الله أكبر، الله أكبر، قال (صلى الله عليه وآله) قلت: يا جبرئيل من هذا الملك ؟ قال: والذي أكرمك بالنبوة ما رأيت هذا الملك قبل ساعتي هذه، فقال الملك: الله أكبر، الله أكبر، فنودي من وراء الحجاب: صدق عبدي أنا أكبر، أنا أكبر، قال (صلى الله عليه وآله): فقال الملك: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله فنودي من وراء الحجاب: صدق عبدي أن الله لا إله إلا أنا: فقال (صلى الله عليه وآله): فقال الملك: أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، فنودي من وراء الحجاب: صدق عبدي أنا أرسلت محمدا رسولا، قال (صلى الله عليه وآله): فقال الملك: حي على الصلاة، حي على الصلاة، فنودي من وراء الحجاب: صدق عبدي، ودعا إلى عبادتي، قال (صلى الله عليه وآله): فقال الملك: حي على الفلاح، حي على الفلاح، فنودي من وراء الحجاب: صدق عبدي، ودعا إلى عبادتي، فقال الملك (2): قد أفلح من واظب عليها، قال (صلى الله عليه وآله) فيؤمئذ أكمل الله عزوجل لي الشرف على الاولين والآخرين (3). 84 - يج: روي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لما اسري بي نزل جبرئيل (عليه السلام) بالبراق وهو أصغر من البغل، وأكبر من الحمار، مضطرب الاذنين، عيناه في حوافره، خطاه مد بصره (4)، له جناحان يحفزانه من خلفه (5)، عليه سرج من ياقوت، فيه من كل لون، أهدب العرف الايمن، فوقفه على باب خديجة، ودخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فمرح البراق، فخرج إليه جبرئيل فقال: اسكن فإنما يركبك خير البشر، أحب خلق الله إليه، فسكن، فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) فركب ليلا وتوجه نحو بيت المقدس، فاستقبل شيخا فقال (6): هذا أبوك إبراهيم، فثنى رجله وهم بالنزول،


(1) في المصدر بعد ذلك: فسكنت. (2) المصدر: خال عن قوله: فقال الملك. (3) صحيفة الرضا: 19 و 20. (4) في المصدر: خطاه مد البصر. (5) في المصدر: يجريانه. (6) في المصدر: فاستقبل شيخ فقال جبرئيل.

[ 379 ]

فقال جبرئيل: كما أنت، فجمع ما شاء الله من أنبيائه ببيت المقدس فأذن جبرئيل، فتقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فصلى بهم. ثم قال أبو جعفر (عليه السلام) في قوله: " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك ": هؤلاء الانبياء الذين جمعوا " فلا تكونن من الممترين (1) قال: فلم يشك رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يسأل. وفي رواية اخري: إن البراق لم يكن يسكن لركوب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا بعد شرطه أن يكون مركوبه يوم القيامة (2). توضيح: قال الجزري: الحفز: الحث والاعجال، ومنه حديث البراق: وفي فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه، قوله: أهدب العرف، أي طويله وكثيره مرسلا من الجانب الايمن، والمرح: شدة الفرح والنشاط. 85 - يج: روي عن علي (عليه السلام) أنه لما كان بعد ثلاث سنين من مبعثه (صلى الله عليه وآله وسلم) اسري به إلى بيت المقدس، وعرج به منه إلى السماء ليلة المعراج، فلما أصبح من ليلته حدث قريشا بخبر معراجه، فقال جهالهم: ما أكذب هذا الحديث ؟ وقال أمثالهم (3): يا أبا القاسم فبم نعلم أنك صادق في قولك هذا ؟ قال: اخبركم وقال: مررت بعيركم في موضع كذا، وقد ضل لهم بعير، فعرفتهم مكانه، وصرت إلى رحالهم، وكانت لهم قرب مملوة فصبت (4) قربة والعير توافيكم في اليوم الثالث من هذا الموضع (5) مع طلوع الشمس في أول العير جمل أحمر وهو جمل فلان: فلما كان اليوم الثالث خرجوا إلى باب مكة لينظروا صدق ما أخبر به محمد قبل طلوع الشمس، فهم كذلك إذ طلعت العير عليهم بطلوع الشمس في أولها الجمل الاحمر، وسألوا الذين كانوا مع العير فقالوا: مثل ما قال محمد في إخباره عنهم، فقالوا أيضا: هذا من سحر محمد.


(1) يونس: 94، وفى الاية اختصار، وتمامها: لقد جاءك الحق فلا تكونن من الممترين. (2) الخرائج: 188. (3) لعله مصحف: أمثلهم. (4) الظاهر أنه مصحف: صببت. (5) في المصدر: من هذا اليوم. (*)

[ 380 ]

86 - قب: اختلف الناس في المعراج: فالخوارج ينكرونه، وقالت الجهمية: عرج بروحه دون جسمه على طريق الرؤيا، وقالت الامامية (1) والزيدية والمعتزلة بل عرج بروحه وبجسمه إلى بيت المقدس، لقوله تعالى: " إلى المسجد الاقصى " وقال آخرون بل عرج بروحه وبجسمه إلى السماوات، روي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود وجابر و حذيفة وأنس وعائشة وام هانئ، ونحن لا ننكر ذلك إذا قامت الدلالة، وقد جعل الله معراج موسى (عليه السلام) إلى الطور: " وما كنت بجانب الطور (2) " ولابراهيم إلى السماء الدنيا " وكذلك نري إبراهيم (3) " ولعيسى (عليه السلام) إلى الرابعة: " بل رفعه الله إليه (4) " ولادريس إلى الجنة: " ورفعناه مكانا (5) عليا " ومحمد " فكان قاب قوسين (6) " وذلك لعلو همته، فلذلك يقال: المرؤ يطير بهمته، فتعجب الله من عروجه: " سبحان الذي أسرى بعبده " وأقسم بنزوله: " والنجم إذا هوى " فيكون عروجه ونزوله بين تأكيدين. السدي والواقدي (7): الاسراء قبل الهجرة بستة أشهر بمكة، في السابع عشر من شهر رمضان، ليلة السبت بعد العتمة، من دار ام هانئ بنت أبي طالب وقيل: من بيت خديجة، وروي من شعب أبي طالب.


(1) قد عرفت سابقا أن الامامية قائلون بان النبي صلى الله عليه وآله قد عرج في حال اليقظة بجسمه وروحه من مكة إلى بيت المقدس، ومنه إلى السماوات، خلافا لمن ينكر المعراج رأسا أو يقول بأنه في النوم، أو يقول بروحانيته، أو بانه من مكة إلى بيت المقدس فقط، والاخبار المتواترة التى تقدمت وتأتى أيضا موافقة لذلك، فعليه فما ترى من مصنف المناقب وهم ظاهر، ولعله ممن اختصر كتاب المناقب لا من ابن شهر آشوب، فالصحيح عد الامامية من الطائفة الرابعة وهم قائلون بان معراجه (صلى الله عليه وآله) كان من مكة إلى بيت المقدس، ومنه إلى الملا الاعلى بجسمه و روحه في حال اليقظة. (2) القصص: 46. (3) الانعام 75. أقول: لم يكن ذلك من ابراهيم (عليه السلام) في السماء الدنيا، بل أراه الله ملكوت السماوات وهو في الارض. (4) النساء: 158. (5) مريم: 57. (6) النجم: 9. (7) أي قال السدى والواقدى وكذا فيما يأتي.

[ 381 ]

الحسين (1) وقتادة: كان من نفس المسجد. ابن عباس: هي ليلة الاثنين في شهر ربيع الاول بعد النبوة بسنتين. فالاول معراج العجائب، والثاني معراج الكرامة. ابن عباس في خبر: إن جبرئيل أتى النبي (صلى الله عليه وآله) وقال: إن ربي بعثني إليك، وأمرني آن آتيه بك، فقم فإن الله يكرمك كرامة لم يكرم بها أحدا قبلك ولا بعدك، فأبشر وطب نفسا، فقام وصلى ركعتين، فإذا هو بميكائيل وإسرفيل، ومع كل واحد منهما سبعون ألف ملك، فسلم عليهم، فبشروه فإذا معهم دابة فوق الحمار، ودون البغل خده كخد الانسان، وقوائمه كقوائم البعير، وعرفه كعرف الفرس، وذنبه كذنب البقر رجلاها أطول من يديها، ولها جناحان من فخذيه، خطوتها مد البصر، وإذا عليها لجام من ياقوتة حمراء، فلما أراد أن يركب امتنعت، فقال جبرئيل: إنه محمد، فتواضعت حتى لصقت بالارض، فأخذ جبرئيل بلجامها، وميكائيل بركابها، فركب فلما هبطت (2) ارتفعت يداها، وإذا صعدت ارتفعت رجلاها، فنفرت العير من دفيف البراق ينادي رجل في آخر العير أن: يا فلان إن الابل قد نفرت، وإن فلانة ألقت حملها، وانكسر يدها. فلما كان ببطن البلقاء عطش فإذا لهم ماء في آنية فشرب منه، وألقى الباقي، فبينا هو في مسيره إذا نودي عن يمين الطريق: يا محمد على رسلك، ثم نودي عن يساره: على رسلك، فإذا هو بامرأة استقبلته وعليها من الحسن والجمال ما لم ير لاحد، وقالت: قف مكانك حتى اخبرك، ففسر له إبراهيم الخليل (عليه السلام) لما رآه جميع ذلك، فقال: منادي اليمين داعية اليهود. فلو أجبته لتهودت امتك، ومنادي اليسار داعية النصارى، فلو أجبته لتنصرت امتك والمرأة المتزينة هي الدنيا، تمثلت لك، لو أجبتها لاختارت امتك الدنيا على الآخرة، فجاء جبرئيل إلى بيت المقدس (3) فرفعها فأخرج من تحتها ثلاثة أقداح: قدحا من لبن، وقدحا من عسل، وقدحا من خمر، فناوله قدح اللبن فشرب، ثم


(1) في المصدر: الحسن، وهو الحسن البصري. (2) في المصدر: إذا هبطت. (3) هكذا في النسخ والمصدر: واستظهر في هامش نسخة أن الصحيح: إلى صخرة بيت المقدس أقول: تقدم في الرواية 36: فجاء جبرئيل إلى الصخرة فرفعها.

[ 382 ]

ناوله قدح العسل فشرب، ثم ناوله قدح الخمر فقال: قد رويت يا جبرئيل فقال: أما إنك لو شربته ضلت امتك. ابن عباس في خبر: وهبط مع جبرئيل ملك لم يطأ الارض قط، معه مفاتيح خزائن الارض، فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول هذه مفاتيح خزائن الارض فإن شئت فكن نبيا عبدا وإن شئت فكن نبيا ملكا، فقال: بل أكون نبيا عبدا فإذا سلم من ذهب قوائمه من فضة، مركب باللؤلؤ والياقوت، يتلالا نورا وأسفله على صخرة بيت المقدس، ورأسه في السماء، فقال لي: اصعد يا محمد فلما اصعد السماء (1) رأى شيخا قاعدا تحت الشجرة و حوله أطفال فقال جبرئيل: هذا أبوك آدم، إذا رأى من يدخل الجنة من ذريته ضحك وفرح وإذا رأى من يدخل النار من ذريته حزن وبكى، ورأى ملكا باسر الوجه وبيده لوح مكتوب بخط من النور، وخط من الظلمة، فقال: هذا ملك الموت، ثم رأى ملكا قاعدا على كرسي، فلم يرمنه من البشر ما رأى من الملائكة، فقال جبرئيل: هذا مالك خازن النار كان طلقا بشرا، فلما اطلع على النار لم يضحك بعد، فسأله أن يعرض عليه النار فرأى فيها ما رأى، ثم دخل الجنة ورأى ما فيها، وسمع صوتا: آمنا برب العالمين، قال: هؤلاء سحرة فرعون، وسمع لبيك اللهم لبيك، قال: هؤلاء الحجاج، وسمع التكبير قال: هؤلاء الغزاة، وسمع التسبيح قال: هؤلاء الانبياء، فلما بلغ إلى سدرة المنتهى فانتهى إلى الحجب فقال جبرئيل: تقدم يا رسول الله، ليس لي أن أجوز هذا المكان، ولو دنوت أنملة لاحترقت. أبو بصير قال: سمعته يقول: إن جبرئيل احتمل رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى انتهى به إلى مكان من السماء، ثم تركه، وقال له: ما وطئ نبي قط مكانك. وروي أنه رأى في السماء الثانية عيسى ويحيى، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة الكروبيين، وفي السابعة خلقا وملائكة. وفي حديث أبي هريرة: رأيت في السماء السادسة موسى، وفي السابعة إبراهيم. ابن عباس: ورأى ملائكة الحجب يقرؤون سورة النور، وخزان الكرسي يقرؤون


(1) في المصدر: فلما صعد إلى السماء.

[ 383 ]

آية الكرسي وحملة العرش يقرؤون حم المؤمن، قال: فلما بلغت قاب قوسين نوديت بالقرب. وفي رواية: إنه نوديت ألف مرة بالدنو، وفي كل مرة قضيت لي حاجة، ثم قال لي: سل تعط، فقلت: يا رب اتخذت إبراهيم خليلا، وكلمت موسى تكليما، وأعطيت سليمان ملكا عظيما، فماذا أعطيتني ؟ فقال اتخذت إبراهيم خليلا، واتخذتك حبيبا، و كلمت موسى تكليما على بساط الطور: وكلمتك على بساط النور، وأعطيت سليمان ملكا فانيا، وأعطيتك ملكا باقيا في الجنة. وروي: أنا المحمود وأنت محمد، شققت اسمك من اسمي، فمن وصلك وصلته، ومن قطعك بتلته، وانزل إلى عبادي فأخبرهم بكرامتي إياك، وأني لم أبعث نبيا إلا جعلت له وزيرا، وأنك رسولي، وأن عليا وزيرك. وروي أنه لما بلغ إلى السماء السابعة نودي: يا محمد إنك لتمشي في مكان ما مشى عليه بشر، فكلمه الله تعالى فقال: " آمن الرسول بما انزل إليه من ربه " قال: نعم يا رب " والمؤمنون كل آمن بالله " فقال الله: " لا يكلف الله نفسا " الآية فقال: " ربنا لا تؤاخذنا " السورة (1)، فقال: قد فعلت، ثم قال: من خلفت لامتك من بعدك ؟ فقال: الله أعلم، قال: إن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين. ويقال: أعطاه الله تلك الليلة أربعة: رفع عنها علم الخلق " فكان قاب قوسين " و المناجات " فأوحى إلى عبده " والسدرة " إذ يغشى السدرة " وإمامة علي (عليه السلام). وقالوا: المعراج خمسة أحرف: فالميم مقام الرسول عند الملك الاعلى، والعين عزه عند شاهد كل نجوى، والراء رفعته عند خالق الورى، والالف انبساطه مع عالم السر وأخفى، والجيم جاهه في ملكوت العلى. وروي أنه فقده أبو طالب في تلك الليلة فلم يزل يطلبه ووجه إلى بني هاشم وهو يقول: يالها من عظيمة إن لم أر رسول الله إلى الفجر، فبينا هو كذلك إذ تلقاه رسول الله وقد نزل من السماء على باب ام هانئ، فقال له: انطلق معي، فأدخل بين يديه المسجد


(1) البقرة 285، إلى آخر السورة

[ 384 ]

فدخل بنو هاشم فسل أبو طالب سيفه عند الحجر، ثم قال: أخرجوا ما معكم يا بني هاشم ثم التفت إلى قريش فقال: والله لو لم أره ما بقي منكم عين تطرف، فقالت قريش: لقد ركبت منا عظيما. وأصبح (صلى الله عليه وآله) يحدثهم بالمعراج، فقيل له: صف لنا بيت المقدس، فجاء جبرئيل بصورة بيت المقدس تجاه وجهه فجعل يخبرهم بما يسألونه عنه، فقالوا: أين بيت فلان و مكان كذا ؟ فأجابهم في كل ما سألوه عنه، فلم يؤمن منهم إلا قليل، وهو قوله: " وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون (1) ". بيان: الباسر: العابس. 87 - شى: لقد صلى في مسجد الكوفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث انطلق به جبرئيل على البراق: فلما انتهى به إلى وادي السلام وهو ظهر الكوفة، وهو يريد بيت المقدس قال له: يا محمد هذا مسجد أبيك آدم (عليه السلام)، ومصلى الانبياء، فانزل فصل فيه، فنزل رسول الله فصلى، ثم انطلق به، إلى بيت المقدس فصلى، ثم إن جبرئيل (عليه السلام) عرج به إلى السماء (2). 88 - شى: عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما أخبرهم أنه اسري به قال بعضهم لبعض: قد ظفرتم به فاسألوه عن أيلة، قال فسألوه عنها، قال: فأطرق ومكث فأتاه جبرئيل فقال: يا رسول الله ارفع رأسك، فإن الله قد رفع لك أيلة، وقد أمر الله كل منخفض من الارض فارتفع، وكل مرتفع فانخفض، فرفع رأسه فإذا أيلة قد رفعت له، قال: فجعلت يسألونه ويخبرهم وهو ينظر إليها، ثم قال: إن علامة ذلك عير لابي سفيان يحمل ندا (3) يقدمها جمل أحمر، يدخل غدا مع الشمس، فأرسلوا الرسل وقالوا لهم: حيث ما لقيتم العير فاحبسوها ليكذبوه بذلك، قال فضرب الله وجوه الابل فأقرت (4) على الساحل، وأصبح الناس فأشرفوا، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فما رئيت مكة قط أكثر مشرفا ولا مشرفة.


(1) مناقب آل 1: 135 - 156. والاية في سورة يونس: 101. (2) تفسير العياشي: مخطوط. (3) في نسخة: قدا. (4) في نسخة فنفرت. بحار الانوار - 24 -

[ 385 ]

منها يومئذ لينظروا ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأقبلت الابل من ناحية الساحل، فكان يقول قائل: الابل الشمس، الشمس الابل، قال: فطلعتا جميعا (1). بيان: قال الفيروز آبادي: إيلياء بالكسر ويقصر ويشدد فيهما وإلياء بياء واحدة ويقصر: مدينة القدس، وأيلة: جبل بين مكة والمدينة قرب ينبع، وبلد بين ينبع ومصر، وإيلة بالكسر: قرية بباحوز (2)، وموضعان آخران انتهي، أقول: لعله كان إيليا على وفق الاخبار الاخر فصحف، والند: طيب معروف، ويكسر، أو هو العنبر، وفي بعض النسخ قدا، وهو بالفتح: جلد السخلة، وبالكسر: إناء من جلد، والسوط، والسير يقد من جلد غير مدبوغ [ وكان ] يحتمل بزا أي متاعا. 89 - شى: عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلى العشاء الآخرة، وصلى الفجر في الليلة التي اسري به بمكة (3). 90 - شى: عن زرارة وحمران بن أعين، ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: حدث أبو سعيد الخدري أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: إن جبرئيل أتاني ليلة اسري بي فحين رجعت فقلت: يا جبرئيل هل لك من حاجة ؟ فقال: حاجتي أن تقرأ على خديجة من الله ومني السلام، وحدثنا عند ذلك أنها قالت حين لقيها نبي الله عليه وآله السلام، فقال لها، الذي قال جبرئيل: قالت: إن الله هو السلام، ومنه السلام، وإليه السلام وعلى جبرئيل السلام (4). 91 - شى: عن سلام الحناط، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن المساجد التي لها الفضل، فقال: المسجد الحرام ومسجد الرسول، قلت: والمسجد الاقصى ! ؟ جعلت فداك فقال: ذاك في السماء إليه اسري رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقلت: إن الناس يقولون إنه بيت المقدس، فقال: مسجد الكوفة أفضل منه (5). 92 - شى: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: لما اسري


(1) تفسير العياشي: مخطوط. (2) في نسخة: بياخور، وفى القاموس: بياخرز. (3 - 5) تفسير العياشي: مخطوط.

[ 386 ]

بالنبي (صلى الله عليه وآله) فانتهى إلى موضع، قال له جبرئيل: قف فإن ربك يصلي، قال: قلت: جعلت فداك وما كان صلاته ؟ فقال: كان يقول: سبوح قدوس رب الملائكة والروح سبقت رحمتي غضبي (1). 93 - شى: عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لما اسري به رفعه جبرئيل بإصبعيه وضعهما في ظهره تى وجد بردهما في صدره، فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) دخله شئ، فقال: يا جبرئيل أفي هذا الموضع (2) ؟ قال: نعم إن هذا الموضع لم يطأه أحد قبلك، ولا يطأه أحد بعدك قال: وفتح الله له من العظمة مثل سم الابرة، فرأى من العظمة ما شاء الله، فقال له جبرئيل يا محمد، وذكر الحديث بطوله (3). 94 - إرشاد القلوب من كفاية الطالب للحافظ الشافعي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): مررت ليلة اسري بي إلى السماء، وإذا أنا بملك جالس على منبر من نور والملائكة تحدق به فقلت: يا جبرئيل من هذا الملك ؟ فقال: ادن منه فسلم عليه، فدنوت منه وسلمت عليه، فإذا أنا بأخي وابن عمي علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقلت: يا جبرئيل سبقني علي بن أبي طالب إلى السماء الرابعة ؟ فقال: لا يا محمد، ولكن الملائكة شكت حبها لعلي فخلق الله هذا الملك من نور علي وصورة (4) علي فالملائكة تزوره في كل ليلة جمعة سبعين مرة (5)، ويسبحون الله تعالى ويقدسونه، ويهدون ثوابه لمحب علي (عليه السلام). ومن كتاب المناقب للخوارزمي عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله وقد سئل بأي لغة خاطبك ربك ليلة المعراج ؟ فقال: خاطبني بلغة علي بن أبي طالب عليه السلام وألهمني أن قلت: يا رب أخاطبتني أنت أم علي ؟ فقال يا أحمد شئ ليس كالاشياء، ولا اقاس بالناس، ولا او صف بالاشياء، خلقتك من نوري وخلقت عليا من نورك، فاطلعت على سرائر قلبك فلم أجد على قلبك (6) أحب من علي بن أبي طالب (عليه السلام) فخاطبتك بلسانه كيما


(1 و 3) تفسير العياشي: مخطوط. (2) أي أفى هذا الموضع تتركني ؟ (4) في المصدر: وعلى صورة على. (5) في المصدر: فالملائكة تزوره في كل ليلة جمعة ويوم جمعة سبعين ألف مرة. (6) في المصدر: إلى قلبك.

[ 387 ]

يطمئن قلبك (1). 95 - ير: أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر، عن عبد الصمد بن بشير قال: ذكر عند أبي عبد الله بدء الاذان وقصة الاذان في إسراء النبي حتى انتهى إلى السدرة المنتهى، قال فقالت السدرة المنتهى: ما جازني مخلوق قبلك، قال: " ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى * فأوحى إلى عبده ما أوحى " قال: فدفع إليه كتاب أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، قال: وأخذ كتاب أصحاب اليمين بيمينه ففتحه فنظر إليه فإذا فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وقبائلهم، قال: فقال له: " آمن الرسول بما انزل إليه من ربه " قال: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه و رسله " قال: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا " قال: فقال الله قد فعلت، قال: " ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا (2) " إلى آخر السورة وكل ذلك يقول الله: قد فعلت، قال: ثم طوى الصحيفة فأمسكها بيمينه وفتح صحيفة أصحاب الشمال فإذا فيها أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، قال: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون، قال: فقال الله: " فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون " (3) قال: فلما فرغ من مناجات ربه رد إلى البيت المعمور، ثم قص قصة البيت والصلاة فيه، ثم نزل ومعه الصحيفتان فدفعهما إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) (4). 96 - ع، ل: ابن الوليد، عن الحسن بن متيل عن سلمة بن الخطاب، عن منيع بن الحجاج، عن يونس، عن الصباح المزني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: عرج بالنبي (صلى الله عليه وآله) إلى السماء مائة وعشرين مرة ما من مرة إلا وقد أوصى الله عزوجل فيها النبي (صلى الله عليه وآله) بالولاية لعلي والائمة عليهم السلام أكثر مما أوصاه بالفرائض (5).


(1) ارشاد القلوب 2: 28 و 29. (2) البقرة: 285، إلى آخر السورة. (3) الزخرف: 89. (4) بصائر الدرجات: 52. (5) علل الشرائع: 149، الخصال 2: 23.

[ 388 ]

ير: علي بن محمد بن سعيد، عن حمدان بن سليمان، عن عبد الله بن محمد اليماني، عن منيع مثله. 97 - ما: جماعة عن أبي المفضل، عن جعفر بن محمد بن عبد الله الموسوي، عن عبيد الله ابن أحمد بن نهيك. عن ابن أبي عمير، عن ابن رئاب، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عن آبائه، عن علي (عليهم السلام) قال: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي إنه لما اسري بي إلى السماء تلقتني الملائكة بالبشارات في كل سماء حتى لقيني جبرئيل في محفل من الملائكة، فقال لو اجتمعت امتك على حب علي ما خلق الله عزوجل النار، يا علي إن الله تعالى أشهدك (1) معي في سبعة مواطن حتى آنست بك، أما أول ذلك فليلة اسري بي إلى السماء قال لي جبرئيل (عليه السلام): أين أخوك يا محمد ؟ فقلت: خلفته ورائي، فقال: ادع الله عزوجل فليأتك به، فدعوت الله عزوجل فإذا مثالك معي، وإذا الملائكة وقوف صفوفا، فقلت يا جبرئيل من هؤلاء قال: هؤلاء الذين يباهي الله عزوجل بهم يوم القيامة، فدنوت فنطقت بما كان و بما يكون إلى يوم القيامة. والثانية: حين اسري بي إلى ذي العرش عزوجل قال جبرئيل: أين أخوك يا محمد ؟ فقلت: خلفته ورائي، فقال: ادع الله عزوجل فليأتك به، فدعوت الله عزوجل فإذا مثالك معي، وكشط (2) لي عن سبع سماوات حتى رأيت سكانها وعمارها وموضع كل ملك منها. والثالثة: حيث بعثت إلى الجن، فقال لي جبرئيل: أين أخوك ؟ فقلت: خلفته ورائي، فقال: ادع الله عزوجل فليأتك به فدعوت الله عزوجل: فإذا أنت معي فما قلت لهم شيئا ولا ردوا علي شيئا إلا سمعته ووعيته. والرابعة: خصصنا بليلة القدر وأنت معي فيها وليست لاحد غيرنا. والخامسة: ناجيت الله عزوجل ومثالك معي، فسألت فيك (3) فأجابني إليها إلا


(1) أي أحضرك. (2) أي كشف لى، ورفع الحجاب عنها. (3) في المصدر: فسألت فيك خصالا أجابنى.

[ 389 ]

النبوة فإنه قال: خصصتها بك، وختمتها بك. والسادسة: لما طفت بالبيت المعمور كان مثالك معي. والسابعة: هلاك الاحزاب على يدي وأنت معي يا علي، إن الله أشرف إلى الدنيا (1)، فاختارني على رجال العالمين، ثم اطلع الثانية فاختارك على رجال العالمين، ثم اطلع الثالثة فاختار فاطمة على نساء العالمين، ثم اطلع الرابعة فاختار الحسن والحسين والائمة من ولدها (2) على رجال العالمين، يا علي إني رأيت اسمك مقرونا باسمي في أربعة مواطن فآنست بالنظر إليه: إني لما بلغت بيت المقدس في معارجي إلى السماء وجدت على صخرتها: " لا إله إلا الله، محمد رسول الله: أيدته بوزيره، ونصرته به " فقلت: يا جبرئيل ومن وزيري ؟ فقال: علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فلما انتهيت إلى السدرة المنتهى وجدت مكتوبا (3) " لا إله إلا الله أنا وحدي، ومحمد صفوتي من خلقي أيدته بوزيره و نصرته به " فقلت: يا جبرئيل ومن وزيري ؟ فقال علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فلما جاوزت السدرة وانتهيت إلى عرش رب العالمين وجدت مكتوبا على قائمة من قوائم العرش: " لا إله إلا الله أنا وحدي (4)، محمد حبيبي وصفوتي من خلقي، أيدته بوزيره وأخيه و نصرته به ". يا علي إن الله عزوجل أعطاني فيك سبع خصال: أنت أول من ينشق القبر عنه (5) وأنت أول من يقف معي على الصراط فتقول للنار: خذي هذا فهو لك، وذري هذا فليس هو لك، وأنت أول من يكسى إذا كسيت، ويجئ إذا جئت (6)، وأنت أول من يقف معي عن يمين العرش، وأول من يقرع معي باب الجنة، وأول من يسكن معي عليين،


(1) في المصدر: أشرف على الدنيا. (2) أي من ولد فاطمة عليها السلام. وفى نسخة: من ولدهما. ولعله مصحف، أو نسب بعض الائمة (عليهم السلام) إلى الحسن (عليه السلام) من طرف الام. (3) في المصدر: مكتوبا عليها. (4) في المصدر: أنا الله لا اله الا أنا وحدي وهو الصحيح. (5) في المصدر: من ينشق القبر عنه معى. (6) في المصدر: ويحيى إذا حييت.

[ 390 ]

وأول من يشرب معي من الرحيق المختوم الذي ختامه مسك، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون (1) بيان: يحتمل أن يكون المراد بالاحزاب أحزاب الامم السالفة الذين كذبوا الرسل (2)، أو الاحزاب في الرجعة، ويحتمل أن يكون إشارة إلى غزوة الاحزاب. 98 - شف: محمد بن العباس بن مروان الثقة في كتاب المعتمد عليه عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أبي القاسم ما جيلويه، عن ابن أبي الخطاب قال: وحدثنا محمد بن حماد الكوفي، عن نصر بن مزاحم، عن أبي داود الطهري (3)، عن ثابت بن أبي صخرة، عن الرعلي، عن علي بن أبي طالب، وإسماعيل بن أبان، عن محمد بن عجلان، عن زيد بن علي قالا: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كنت نائما في الحجر إذ أتاني جبرئيل فحركني تحريكا لطيفا، ثم قال لي: عفا الله عنك يا محمد قم واركب، ففد إلى ربك، فأتاني بدابة دون البغل، وفوق الحمار، خطوها مد البصر، له جناحان من جوهر، يدعى البراق، قال: فركبت حتى طعنت في الثنية (4) إذ أنا برجل قائم متصل شعره إلى كتفيه، فلما نظر إلى قال: السلام عليك يا أول، السلام عليك يا آخر، السلام عليك يا حاشر، قال: فقال لي جبرئيل: رد عليه يا محمد، قال: فقلت: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، قال: فلما أن جزت الرجل فطعنت في وسط الثنية إذا أنا برجل أبيض الوجه، جعد الشعر، فلما نظر إلي مثل تسليم الاول، فقال جبرئيل: رد عليه يا محمد، فقلت: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. قال: فقال لي: يا محمد احتفظ بالوصي - ثلاث مرات - علي بن أبي طالب المقرب من ربه، قال: فلما جزت الرجل وانتهيت إلى بيت المقدس إذا أنا برجل أحسن الناس وجها


(1) مجالس الشيخ 50 و 51 (2) بعيد جدا، والاظهر هو الاحتمال الثالث. (3) في المصدر: الطهروى. (4) أي حتى ذهبت فيها.

[ 391 ]

وأتم الناس جسما، وأحسن الناس بشرة، فلما نظر إلي قال: السلام عليك يا بني، و السلام عليك يا أول، مثل تسليم الاول، قال: فقال لي جبرئيل: يا محمد رد عليه، فقلت وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، قال: فقال لي: يا محمد احتفظ بالوصي - ثلاث مرات - علي بن أبي طالب المقرب من ربه، الامين على حوضك، صاحب شفاعة الجنة، قال فنزلت عن دابتي عمدا، قال: فأخذ جبرئيل بيدي فأدخلني المسجد فخرق بي الصفوف والمسجد غاص بأهله (1)، قال: فإذا بنداء من فوقي: تقدم يا محمد، قال: فقدمني جبرئيل فصليت بهم، قال: ثم وضع لنا منه سلم إلى السماء الدنيا من لؤلؤ، فأخذ بيدي جبرئيل فرقى بي إلى السماء، فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا، قال: فقرع جبرئيل الباب، فقالوا له: من هذا ؟ قال: أنا جبرئيل، قالوا: من معك ؟ قال: معي محمد، قالوا: وقد ارسل ؟ قال: نعم، قال: ففتحوا لنا، ثم قالوا: مرحبا بك من أخ ومن خليفة، فنعم الاخ ونعم الخليفة، ونعم المختار، خاتم النبيين، لا نبي بعده، ثم وضع لنا منها سلم من ياقوت موشح بالزبرجد الاخضر قال: فصعدنا إلى السماء الثانية فقرع جبرئيل الباب فقالوا مثل القول الاول، وقال جبرئيل: مثل القول الاول، ففتح لنا، ثم وضع لنا سلم من نور محفوف حوله بالنور. قال: فقال لي جبرئيل: يا محمد تثبت واهتد هديت، ثم ارتفعنا إلى الثالثة و الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة بإذن الله، فإذا بصوت وصيحة شديدة، قال: قلت: يا جبرئيل ماهذا الصوت ؟ فقال لي: يا محمد هذا صوت طوبى قد اشتاقت إليك، قال: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فغشيني عند ذلك مخافة شديدة، قال: ثم قال لي جبرئيل: يا محمد تقرب إلى ربك، فقد وطئت اليوم مكانا بكرامتك علي الله عزوجل ما وطئته قط، ولولا كرامتك لاحرقني هذا النور الذي بين يدي، قال، فتقدمت فكشف لي عن سبعين حجابا، قال: فقال لي: يا محمد، فخررت ساجدا وقلت: لبيك رب العزة لبيك، قال: فقيل لي: يا محمد ارفع رأسك وسل تعط، واشفع تشفع، يا محمد أنت حبيبي وصفيي ورسولي إلى خلقي، وأميني في عبادي، من خلفت في قومك حين وفدت إلي ؟ قال: فقلت:


(1) غص المكان بهم: امتلا وضاق عليهم. (*)

[ 392 ]

من أنت أعلم به مني: أخي وابن عمي وناصري ووزيري وعيبة علمي (1) ومنجز عداتي، قال: فقال لي ربي: وعزتي وجلالي وجودي ومجدي وقدرتي على خلقي لا أقبل الايمان بي ولا بأنك نبي إلا بالولاية له، يا محمد أتحب أن تراه في ملكوت السماء ؟ قال: فقلت: ربي ! وكيف لي وقد خلفته في الارض ؟ قال: فقال لي: يا محمد ارفع رأسك، قال: فرفعت رأسي وإذا أنا به (2) مع الملائكة المقربين مما يلي السماء الاعلى، قال: فضحكت حتى بدت نواجدي قال: فقلت: يا رب اليوم قرت عيني، قال: ثم قيل لي: يا محمد، قلت: لبيك ذا العزة لبيك، قال: إني أعهد إليك في علي عهدا فاسمعه، قال: قلت: ما هو يا رب ؟ فقال: علي راية الهدى، وإمام الابرار، وقاتل الفجار، وإمام من أطاعني، وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين، أورثته علمي وفهمي، فمن أحبه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني، إنه مبتلى ومبتلى به، فبشره بذلك يا محمد، قال: ثم أتاني جبرئيل (عليه السلام) قال: فقال لي: يقول الله لك: يا محمد " وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها " ولاية علي بن أبي طالب، تقدم بين يدي يا محمد، فتقدمت فإذا أنا بنهر حافتاه (3) قباب الدر واليواقيت، أشد بياضا من الفضة، وأحلى من العسل وأطيب ريحا من المسك الاذفر، قال: فضربت بيدي فإذا طينه مسكة ذفرة، قال: فأتاني جبرئيل فقال لي: يا محمد أي نهر هذا ؟ قال: قلت: أي نهر هذا يا جبرئيل (4) ؟ قال هذا نهرك، وهو الذي يقول الله عزوجل: " إنا أعطيناك الكوثر " إلى موضع " الابتر " (5) عمرو بن العاص هو الابتر، قال: ثم التفت فإذا أنا برجال يقذف بهم في نار جنهم، قال: فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل ؟ فقال لي: هؤلاء المرجئة والقدرية والحرورية وبنو امية والنواصب لذريتك


(1) العيبة: ما تجعل فيه الثياب كالصندوق. أي ومخزن علمي. (2) أي بمثاله كما تقدم في الاخبار المتقدمة، يأتي في آخر الخبر. (3) الحافة: الجانب والطرف. (4) هكذا في النسخ، والمعنى: فأتاني جبرئيل فقال لى: أتدرى أي نهرا هذا ؟ قال قلت لا أدرى أي نهر هذا اه‍. (5) الكوثر: 1 - 3 وفى ؟ ؟ المصدر: إلى قوله: " الابتر ".

[ 393 ]

العداوة، هؤلاء الخمسة لاسهم لهم في الاسلام. قال: ثم قال لي: أرضيت عن ربك بما قسم لك ؟ قال: فقلت: سبحان ربي اتخذ إبراهيم خليلا، وكلم موسى تكليما، وأعطى سليمان ملكا عظيما، وكلمني ربي واتخذني خليلا، وأعطاني في علي أمرا عظيما، يا جبرئيل من الذي لقيت في أول الثنية ؟ قال: ذاك أخوك موسى بن عمران (عليه السلام)، قال: السلام عليك يا أول، فكنت مبشرا (1) أول البشر، والسلام عليك يا آخر، فأنت تبعث آخر النبيين، والسلام عليك يا حاشر، فأنت على حشر هذه الامة، قال: فمن الذي لقيت في وسط الثنية ؟ قال: ذاك أخوك عيسى بن مريم، يوصيك بأخيك علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فإنه قائد الغر المحجلين وأمير المؤمنين، وأنت سيد ولد آدم، قال: فمن الذي لقيت عند الباب: باب بيت المقدس ؟ قال: ذاك أبوك آدم يوصيك بوصيك: بابنه علي بن أبي طالب (عليه السلام) خيرا، ويخبرك أنه أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، وقائد الغر المحجلين، قال: فمن الذي صليت بهم ؟ قال: اولئك الانبياء والملائكة عليهم السلام، كرامة من الله أكرمك (2) يا محمد، ثم هبط إلى الارض. قال: فلما أصبح رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعث إلى أنس بن مالك فدعاه، فلما جاءه قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ادع عليا فأتاه، فقال: يا علي ابشرك ؟ قال: بماذا ؟ قال: أخوك موسى وأخوك عيسى وأبوك آدم صلى الله عليهم، فكلهم يوصي بك، قال: فبكى علي وقال: الحمد لله الذي لم يجعلني عنده منسيا، ثم قال: يا علي ألا ابشرك ؟ قال: قلت: بشرني يا رسول الله، فقال: يا علي نظرت بعيني إلى عرش ربي عزوجل فرأيت مثلك في السماء الاعلى، وعهد إلي فيك عهدا، قال: بأبي وامي يا رسول الله، أوكل ذلك كانوا يذكرون إليك ؟ قال: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي إن الملا الاعلى ليدعون لك وإن المصطفين الاخيار ليرغبون إلى ربهم جل وعز أن يجعل لهم السبيل إلى النظر


(1) في المصدر: فأنت مبشر. (2) في المصدر: اكرمك بها وفيه ثم هبط بى إلى الارض.

[ 394 ]

إليك وإنك لتشفع يوم القيامة، وإن الامم كلهم موقوفون على حرف (1) جهنم، قال: فقال علي: يارسول الله فمن الذي كانوا يقذف بهم في نار جهنم ؟ قال: اولئك المرجئة والحرورية والقدرية وبنو امية ومناصبك العداوة، يا علي هؤلاء الخمسة لهم في الاسلام نصيب (2). 99 - شف: محمد بن العباس، عن أحمد بن إدريس، عن ابن عيسى، عن الاهوازي عن فضالة، عن الحضرمي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أتى رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وهوفي مسجد الكوفة وقد احتبى (3) بحمائل سيفه، فقال: يا أمير المؤمنين إن في القرآن آية قد أفسدت علي ديني وشككتني في ديني، قال: وما ذلك ؟ قال: قول الله عزوجل " واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمان آلهة يعبدون (4) " فهل كان في ذلك الزمان نبي غير محمد (صلى الله عليه وآله) فيسأله عنه ؟ فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): اجلس اخبرك به إن شاء الله. إن الله عزوجل يقول في كتابه: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا " فكان من آيات الله التي أراها محمدا أنه انتهى به جبرئيل إلى البيت المعمور وهو المسجد الاقصى، فلما دنا منه أتى جبرئيل عينا فتوضأ منها، ثم قال: يا محمد توضأ، ثم قام جبرئيل فأذن، ثم قال للنبي: تقدم فصل واجهر بالقراءة فإن خلفك افقا من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله جل وعز، وفي الصف الاول آدم ونوح وإبراهيم وهود وموسى وعيسى وكل نبي بعث الله تبارك وتعالى منذ خلق السماوات والارض إلى أن بعث محمدا فتقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فصلى بهم غير هائب ولا محتشم. فلما انصرف أوحى إليه كلمح البصر: سل يا محمد من أرسلنا من قبلك من رسلنا


(1) الحرف من كل شئ: طرفه وشفيره وحده وجانبه. وفى المصدر: الجرف بالجيم، و هو بمعناه. (2) اليقين في امرة أمير المؤمنين: 83 - 87. (3) احتبى بالثوب: اشتمل به. جمع بين ظهره وساقيه بعمامة ونحوها. (4) قد مضت الاشارة إلى موضع الاية مكررا.

[ 395 ]

أجعلنا من دون الرحمان آلهة يعبدون، فالتفت إليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بجميعه فقال: بهم تشهدون ؟ قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك رسول الله، وأن عليا أمير المؤمنين وصيك، وأنك رسول الله سيد النبيين، وأن عليا سيد الوصيين اخذت على ذلك مواثيقنا لكما بالشهادة فقال الرجل: أحييت قلبي وفرجت عني يا أمير المؤمنين (1). 100 - شف: محمد بن العباس، عن محمد بن همام بن سهيل، عن محمد بن إسماعيل العلوي، عن عيسى بن داود النجار، عن أبي الحسن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جده عليهم السلام في قوله عزوجل: " ذو مرة فاستوى "، إلى قوله: " إذ يغشى السدرة ما يغشى (2) فإن النبي (صلى الله عليه وآله) لما اسري به إلى ربه جل وعز قال: وقف بي جبرئيل (عليه السلام) عند شجرة عظيمة لم أر مثلها، على كل غصن منها (3) وعلى كل ورقة منها ملك، وعلى كل ثمرة منها ملك، وقد كللها نور من نور الله جل وعز، فقال جبرئيل: هذه سدرة المنتهى، كان ينتهي الانبياء من قبلك إليها، ثم لا يجاوزونها، وأنت تجوزها إن شاء الله ليريك من آياته الكبرى، فاطمئن أيدك الله بالثبات، حتى تستكمل كرامات الله، وتصير إلى جواره، ثم صعد بي حتى صرت تحت العرش فدلي لي رفرف أخضر ما أحسن أصفه، فرفعني الرفرف بإذن الله إلى ربي فصرت عنده، وانقطع عني أصوات الملائكة ودويهم، وذهبت عني المخاوف والروعات (4) وهدأت نفسي واستبشرت، وظننت أن جميع الخلائق قد ماتوا أجمعين، ولم أرعندي أحدا من خلقه، فتركني ما شاء الله، ثم رد علي روحي فأفقت، فكان توفيقا من ربي عزوجل أن غمضت عيني، وكل بصري وغشي عني النظر، فجعلت أبصر بقلبي كما أبصر بعيني، بل أبعد وأبلغ، فذلك قوله جل وعز: " ما زاغ البصر وما طغى * لقد رأى من آيات ربه الكبرى (5) وإنما كنت أرى في مثل


(1) اليقين في امرة أمير المؤمنين: 87 و 88. (2) تقدمت الاشارة إلى موضع الاية في صدر الباب وغيره. (3) في المصدر: على كل غصن منها ملك. (4) في المصدر: والنزعات. ولعلها مصحفة. (5) أشرنا في صدر الباب وغيره إلى موضع الاية.

[ 396 ]

مخيط الابرة، ونور بين يدي ربي لا تطيقه الابصار، فناداني ربي عزوجل فقال تبارك وتعالى: يا محمد، قلت: لبيك ربي وسيدي وإلهي لبيك، قال: هل عرفت قدرك عندي ومنزلتك وموضعك ؟ قلت: نعم يا سيدي، قال: يا محمد هل عرفت موقفك مني وموضع ذريتك قلت: نعم يا سيدي، قال: فهل تعلم يا محمد فيما اختصم الملا الاعلى ؟ فقلت: يا رب أنت أعلم وأحكم وأنت علام الغيوب، قال: اختصموا في الدرجات والحسنات، فهل تدري ما الدرجات والحسنات ؟ قلت: أنت أعلم يا سيدي وأحكم، قال: إسباغ الوضوء في المكروهات (1)، والمشي على الاقدام إلى الجمعات معك ومع الائمة من ولدك، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والتهجد بالليل والناس نيام قال: " آمن الرسول بما انزل إليه من ربه " قلت: نعم يا رب " والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله قالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير " قال: صدقت يا محمد " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت " وأغفر لهم، وقلت: " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا " إلى آخر السورة (2)، قال: ذلك لك ولذريتك يا محمد ! قلت: ربي وسيدي وإلهي ! قال: أسألك عما أنا أعلم به منك ؟ من خلفت في الارض بعدك ؟ قلت: خير أهلها لها: أخي وابن عمي، وناصر دينك يا رب، والغاصب لمحارمك إذا استحلت، ولنبيك، غضيب النمر إذا جدل، علي بن أبي طالب، قال: صدقت يا محمد إني اصطفيتك بالنبوة، وبعثتك بالرسالة، وامتحنت عليا بالبلاغ والشهادة إلى امتك، وجعلته حجة في الارض معك وبعدك، وهو نور أوليائي، وولي من أطاعني، وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين يا محمد، وزوجته فاطمة، وإنه وصيك ووارثك ووزيرك، وغاسل عورتك، وناصر دينك، والمقتول على سنتي وسنتك، يقتله شقي هذه الامة، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم أمرني ربي بامور وأشياء أمرني أن أكتمها ولم يؤذن لي في إخبار أصحابي بها، ثم هوى بي الرفرف فإذا


(1) في روايات اخر: في السبرات. وتقدم معناها. كما أن فيها: الدرجات والحسنات و الكفارات. راجع ما تقدم. (2) أي سورة البقرة.

[ 397 ]

أنا بجبرئيل فتناقلني منه حتى صرت إلى سدرة المنتهى، فوقف بي تحتها، ثم أدخلني إلى جنة المأوى، فرأيت مسكني ومسكنك يا علي فيها، فبينا جبرئيل يكلمني إذ تجلى لي نور من نور الله عزوجل فنظرت إلى مثل مخيط الابرة إلى مثل ما كنت نظرت إليه في المرة الاولى، فناداني ربي جل وعز: يا محمد، قلت: لبيك ربي وسيدي وإلهي قال: سبقت رحمتي غضبي لك ولذريتك، أنت مقربي من خلقي، وأنت أميني وحبيبي ورسولي، وعزتي وجلالي لولقيني جميع خلقي يشكون فيك طرفة عين، أو يبغضون صفوتي من ذريتك لادخلنهم ناري ولا ابالي، يا محمد علي أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم، أبو السبطين، سيدي شباب أهل جنتي، المقتولين ظلما، ثم حرض على الصلاة (1) وما أراد تبارك وتعالى، وقد كنت قريبا منه في المرة الاولى مثل ما بين كبد القوس إلى سيته، فذلك قوله عزوجل: " قاب قوسين أو أدنى " من ذلك ثم ذكر سدرة المنتهى فقال: " ولقد رآه نزلة اخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى " يعني ما غشي السدرة من نور الله وعظمته (2). بيان: قال الجوهري: الرفرف: ثياب خضر تتخذ منها المحابس (3)، الواحدة رفرفة، والرفرف أيضا: كسر الخباء وجوانب الدرع وما تدلى منها. أقول: روى هذا الخبر الشيخ حسن بن سليمان في كتاب المحتضر من تفسير محمد بن العباس مثله سواء (4). 101 - شف: عن أبي جعفر بن بابويه برجال المخالفين رويناه من كتابه كتاب أخبار الزهراء عن الحسن بن محمد بن سعيد، عن فرات بن إبراهيم، عن محمد بن علي الهمداني، عن أبي الحسن خلف بن موسى، عن عبد الاعلى (5) الصنعاني، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي يحيى


(1) أي حث عليها. (2) اليقين في امرة امير المؤمنين: 89 - 91. (3) جمع محبس وهو ستر الفراش وفى اللسان " يتخذ منها للمجالس " والصحيح أن المراد بالرفرف ههنا الطائر. (4) لم نجد الحديث في المحتضر وقد ذكر فيه روايات في المعراج لا يوافقه بالفاظه راجع ص 148 - 150. وقبله. (5) في النسخة المخطوطة: محمد بن عبد الاعلى.

[ 398 ]

عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لما زوج رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) فاطمة تحدثن نساء قريش وغيرهن وعيرتها، وقلن: زوجك رسول الله (صلى الله عليه وآله) من عائل لا مال له، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا فاطمة أما ترضين ؟ إن الله تبارك وتعالى اطلع اطلاعة إلى الارض فاختار منها رجلين: أحدهما أبوك، والآخر بعلك، يا فاطمة كنت أنا وعلي نورا (1) بين يدي الله مطيعين من قبل أن يخلق الله آدم (عليه السلام) بأربعة عشر ألف عام، فلما خلق آدم قسم ذلك النور بجزءين جزء أنا، وجزء علي، ثم إن قريشا تكلمت في ذلك وفشا الخبر، فبلغ النبي (صلى الله عليه وآله) فأمر بلالا فجمع الناس، وخرج إلى مسجده ورقي منبره يحدث الناس بما خصه الله تعالى من الكرامة، وبما خص به عليا (عليه السلام) وفاطمة عليها السلام، فقال: يا معشر الناس إنه بلغني مقالتكم، وإني محدثكم حديثا فعوه واحفظوا مني واسمعوه (2)، فإني مخبركم بما خص الله به أهل البيت، وبما خص به عليا من الفضل والكرامة، وفضله عليكم، فلا تخالفوه فتنقلبوا على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين. معاشر الناس ! إن الله قد اختارني من خلقه فبعثني إليكم رسولا، واختار لي عليا خليفة ووصيا (3). معاشر الناس ! إني لما اسري (4) بي إلى السماء فما مررت بملا من الملائكه في سماء من السماوات إلا سألوني عن علي بن أبي طالب وقالوا: يا محمد إذا رجعت إلى الدنيا فاقرأ عليا وشيعته منا السلام، فلما وصلت إلى السماء السابعة وتخلف عني جميع من كان معي من ملائكة السماوات وجبرئيل (عليه السلام)، والملائكة المقربين (5)، ووصلت إلى حجب ربي دخلت سبعين ألف حجاب، بين كل حجاب إلى حجاب من حجب الغرة ؟ ؟ والقدرة والبهاء والكرامة والكبرياء والعظمة والنور والظلمة والوقار (6) حتى وصلت إلى حجاب الجلال


(1) في المصدر: نورين. (2) في المحتضر: وأبلغوه عنى، فانى مخبركم بما خصنا الله به. (3) في نسخة: واختار لى عليا، فجعل لى أخا وخليفة ووصيا. (4) في المحتضر: انه لما اسرى بى. (5) في المحتضر: والملائكة المقربون. (6) في نسخة زاد: والكمال.

[ 399 ]

فناجيت ربي تبارك وتعالى وقمت بين يديه، وتقدم إلي عز ذكره بما أحبه وأمرني بما أراد ولم أسأله لنفي شيئا، وفي علي (عليه السلام) (1) إلا أعطاني، ووعدني الشفاعة في شيعته وأوليائه. ثم قال لي الجليل جل جلاله: يا محمد من تحب من خلقي ؟ قلت: احب الذي تحبه أنت يا ربي، فقال لي جل جلاله: فأحب عليا فإني احبه واحب من يحبه، واحب من أحب من يحبه، فخررت لله ساجدا مسبحا شاكرا لربي تبارك وتعالى، فقال لي: يا محمد علي وليي وخيرتي بعدك من خلقي، اخترته لك أخا ووصيا ووزيرا وصفيا وخليفة وناصرا لك على أعدائي، يا محمد وعزتي وجلالي لا يناوي عليا جبار إلا قصمته ولا يقاتل عليا عدو من أعدائي إلا هزمته وأبدته (2). يا محمد إني اطلعت على قلوب عبادي فوجدت عليا أنصح خلقي لك، وأطوعهم لك، فاتخذه وأخا وخليفة ووصيا، وزوجه ابنتك، فإني سأهب لهما غلامين طيبين طاهرين تقيين نقيين، فبي حلفت، وعلى نفسي حتمت أنه لا يتولين عليا وزوجته وذريتهما أحد من خلقي إلا رفعت (3) لواءه إلى قائمة عرشي وجنتي وبحبوحة (4) كرامتي وسقيته (5) من حظيرة قدسي، ولا يعاديهم أحد أو يعدل عن ولايتهم يا محمد إلا سلبته ودي وباعدته من قربي، وضاعفت عليهم عذابي ولعنتي يا محمد، إنك رسولي إلى جميع خلقي، وإن عليا وليي، وأمير المؤمنين، وعلى ذلك أخذت ميثاق ملائكتي وأنبيائي وجميع خلقي، وهم أرواح من قبل أن أخلق خلقا في سمائي وأرضي محبة مني لك يا محمد ولعلي ولولد كما ولمن أحبكما وكان من شيعتكما ولذلك خلقته من طينتكما، فقلت: إلهي ! وسيدي ! فاجمع الامة، فأبي علي وقال: يا محمد إنه المبتلى والمبتلى به وإني جعلتكم محنة لخلقي، أمتحن بكم جميع عبادي وخلقي في سمائي وأرضي وما فيهن، لا كمل الثواب


(1) في المحتضر: ولعلى. (2) أي أهلكته، وفى المصدر: أبرته. والمعنى واحد. (3) في المحتضر: الا رفعته. (4) بحبوحة الدار: وسطها وبحبوحة العيش: رغده وخياره. (5) في المحتضر: وأسكنته.

[ 400 ]

لمن أطاعني فيكم واحل عذابي ولعنتي على من خالفني فيكم وعصاني، وبكم اميز الخبيث من الطيب، يا محمد وعزتي وجلالي لولاك ما خلقت آدم، ولولا علي ما خلقت الجنة لاني بكم أجزي العباد يوم المعاد بالثواب والعقاب، وبعلي وبالائمة من ولده أنتقم من أعدائي في دار الدنيا، ثم إلي المصير للعباد والمعاد (1)، واحكمكما (2) في جنتي و ناري، فلا يدخل الجنة لكما عدو، ولا يدخل النار لكما ولي وبذلك أقسمت على نفسي، ثم انصرفت فجعلت لا أخرج من حجاب من حجب ربي ذي الجلال والاكرام إلا سمعت النداء من ورائي: يا محمد احبب عليا، يا محمد أكرم عليا (3)، يا محمد قدم عليا، يا محمد استخلف عليا، يا محمد أوص إلى علي، يا محمد واخ عليا، يا محمد أحب من يحب عليا، يا محمد استوص بعلي وشيعته خيرا، فلما وصلت إلى الملائكة جعلوا يهنؤوني في السماوات و يقولون: هنيئا لك يا رسول الله كرامة (4) لك ولعلي. معاشر الناس ! علي أخي في الدنيا والآخرة، ووصيي وأميني علي سري وسر رب العالمين ووزيري وخليفتي عليكم في حياتي وبعد وفاتي، لا يتقدمه أحد غيري، وخير من أخلف بعدي، ولقد أعلمني ربي تبارك وتعالى أنه سيد المسلمين، وإمام المتقين، وأمير المؤمنين ووارثي ووارث النبيين، ووصي رسول رب العالمين وقائد الغر المحجلين من شيعته وأهل ولايته إلى جنات النعيم، بأمر رب العالمين، يبعثه الله يوم القيامة مقاما محمودا يغبطه به الاولون والآخرون، بيده لوائي لواء الحمد، يسير به أمامي وتحته آدم وجميع من ولد من النبيين والشهداء والصالحين إلى جنات النعيم، حتما من الله، محتوما من رب العالمين وعد وعدنيه ربي فيه، ولن يخلف الله وعده، وأنا على ذلك من الشاهدين (5). كتاب المحتضر للحسن بن سليمان مما رواه من كتاب المعراج عن الصدوق، عن


(1) في المحتضر: إلى المصير للعباد في المعاد. (2) حكمه: ولاه واقامه حاكما. حكمه في الامر: فوض إليه الحكم فيه. (3) قد سقط عن المصدر قوله: يا محمد احبب عليا، يا محمد أكرم عليا. (4) في نسخة: كرامة الله. وفى اخرى وفى المصدر: بكرامة لك. (5) اليقين في امرة امير المؤمنين: 157 - 160. بحار الانوار - 25 -

[ 401 ]

الحسن بن محمد بن سعيد مثله (1). 102 - شف: محمد بن (2) أحمد بن الحسن بن شاذان، عن أحمد بن محمد بن أيوب، عن علي بن عنبسة، عن بكر بن أحمد، وحدثنا أحمد بن محمد الجراح، عن أحمد بن الفضل، عن بكر بن أحمد بن محمد، عن علي، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه، عن محمد بن علي، عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها الحسين بن علي (عليه السلام) قال: حدثنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما دخلت الجنة رأيت فيها شجرة تحمل الحلي والحلل، أسفلها خيل بلق وأوسطها حور عين، وفي أعلاها الرضوان، قلت: يا جبرئيل لمن هذه الشجرة ؟ قال: هذه لابن عمك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فإذا أمر الله بدخول الجنة يؤتى بشيعة علي حتى ينتهي بهم إلى هذه الشجرة فيلبسون الحلي و الحلل، ويركبون الخيل البلق (3)، وينادي مناد: هؤلاء شيعة علي، صبروا في الدينا على الاذى، فحبوا (4) في هذا اليوم بهذا (5). 103 - شف: من كتاب الخصائص العلوية لمحمد بن علي بن الفتح (6)، عن إسماعيل بن محمد بن الفضل، عن عبد الوهاب بن أبي عبد الله، عن محمد بن الحسن القطان، عن إبراهيم بن عبد الله، عن يحيى بن بكير، عن جعفر الاحمر، عن هلال الصيرفي، عن أبي كثير الانصاري، عن عبد الله بن أسعد بن زرارة، عن أبيه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما اسري بي إلى السماء انتهى بي إلى قصر من لؤلؤ فراشه من ذهب يتلالا، فأوحى الله


(1) المحتضر: 143 - 146. وفيه اختلافات ذكرت بعضها. (2) فيه وهم، لان ابن طاووس لا يروى عن ابن شاذان بلا واسطة، بل رواه على ما في المصدر عن موفق بن أحمد الخوارزمي، عنه. وفى رواية الخوارزمي، عن ابن شاذان على ما في المصدر وهم لانه أيضا يروى عنه بواسطة نجم الدين ابى منصور محمد بن الحسين بن محمد بن الحسين بن محمد البغدادي، والحسن بن أحمد العطار، عن الشريف نور الهدى ابى طالب الحسين بن محمد الزينبي عنه. (3) البلق جمع الابلق: ماكان في لونه سواد وبياض. (4) حباه كذاو بكذا: أعطاه اياه بلا جزاء. (5) اليقين في امرة أمير المؤمنين: 21. (6) وصفه في المصدر: بالكاتب المعروف بالنطنزى.

[ 402 ]

إلي أنه لعلي (عليه السلام)، وأوحى إلي في علي بثلاث خصال: أنه سيد المسلمين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين (1). بشا: محمد بن علي بن عبد الصمد، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن القاسم الفارسي عن أحمد بن مروان الضبي، عن محمد بن أحمد، عن ابن البلخي، عن محمد بن علي بن خلف، عن نصر بن مزاحم، عن جعفر الاحول، عن هلال بن مقلاص، عن عبد الله بن أسعد، عن أبيه مثله (2). 104 - شف: من كتاب المناقب (2) تأليف علي بن محمد بن الطبيب الشافعي، عن محمد بن أحمد بن عثمان، عن محمد بن العباس، عن ابن أبي داود، عن إبراهيم بن عباد، عن يحيى بن أبي بكر، عن معد بن زياد، عن هلال الوزان، عن أبي كثير الاسدي، عن عبد الله بن أسعد بن زرارة (4) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): انتهيت ليلة اسري بي إلى السدرة المنتهى واوحي إلي في علي ثلاث: أنه إمام المتقين وسيد المسلمين وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم (5). 105 - شف: عن علي بن محمد بن الطيب بإسناده قال: قال رسول الله: لما كان ليلة اسري بي إلى السماء إذا قصر أحمر من ياقوت يتلالا، فأوحي إلي في علي أنه سيد المسلمين، وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين (6). 106 - شى: عن عبد الصمد بن بشير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أتى جبرئيل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو بالابطح بالبراق، أصغر من البغل، وأكبر من الحمار، عليه ألف ألف محفة من نور، فشمس البراق (7) حين أدناه منه ليركبه، فلطمه جبرئيل (عليه السلام) لطمة


(1) اليقين في امرة أمير المؤمنين: 179 و 180، وأخرجه من كتاب الخصائص بطريق أخر عن أسعد في ص 179، وعن كتاب كفاية الطالب في ص 177. (2) بشارة المصطفى: 204. وفيه اختلاف لفظي راجعه. (3) في المصدر: مناقب أهل البيت. (4) الظاهر أن لفظة " عن أبيه " سقطت عن الكتاب ومصدره. (5) اليقين في امرة أمير المؤمنين: 185. (6) اليقين في امرة أمير المؤمنين: 185 و 186. (7) أي أبى ولا يمكن أن يركبه.

[ 403 ]

عرق البراق منها، ثم قال: اسكن فإنه محمد، ثم رف به من بيت المقدس إلى السماء فتطايرت الملائكة من أبواب السماء، فقال جبرئيل: الله أكبر، الله أكبر، فقالت الملائكة عبد مخلوق (1)، قال: ثم لقوا جبرئيل فقالوا: يا جبرئيل من هذا ؟ قال: هذا محمد فسلموا عليه، ثم رف به إلى السماء الثانية فتطايرت الملائكة فقال جبرئيل: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، فقالت الملائكة: عبد مخلوق، فلقوا جبرئيل فقالوا: من هذا ؟ فقال: محمد، فسلموا عليه، فلم يزل كذلك في سماء سماء، ثم أتم الاذان، ثم صلى بهم رسول الله في السماء السابعة وأمهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم مضى به جبرئيل (عليه السلام) حتى انتهى به إلى موضع فوضع إصبعه على منكبه، ثم رفعه، فقال له: امض يا محمد، فقال له: يا جبرئيل تدعني في هذا الموضع ؟ قال: فقال له: يا محمد ليس لي أن أجوز هذا المقام، ولقد وطئت موضعا ما وطئه أحد قبلك، ولا يطأه أحد بعدك، قال: ففتح الله له من العظيم ما شاء الله، قال: فكلمه الله: " آمن الرسول بما انزل إليه من ربه " قال: نعم يا رب " والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفر انك ربنا وإليك المصير " قال تبارك وتعالى: " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت " قال محمد: " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين (2) " قال: قال الله: يا محمد من لامتك بعدك (3) ؟ فقال: الله أعلم، قال: علي أمير المؤمنين، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): والله ما كانت ولايته إلا من الله مشافهة لمحمد (صلى الله عليه وآله) (4). 107 - شى: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إن جبرئيل احتمل رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى أتى به إلى مكان من السماء ثم تركه، وقال له: ما وطئ


(1) هكذا في الكتاب، والظاهر أن في الحديث سقط وتصحيف، يعلم ذلك مما سبق، ولعلهم قالوا ذلك عقيب قوله: أشهد أن محمدا رسول الله. (2) راجع آخر سورة البقرة. (3) في نسخة: من بعدك ؟ (4) تفسير العياشي مخطوط.

[ 404 ]

نبي قط مكانك (1). 108 - شى: عن هشام بن سالم، عن الصادق (عليه السلام) قال: لما اسري برسول الله (صلى الله عليه وآله) حضرت الصلاة فأذن وأقام جبرئيل، فقال: يا محمد تقدم، فقال رسول الله: تقدم يا جبرئيل، فقال له: إنا لا نتقدم الآدميين منذ امرنا بالسجود لآدم (عليه السلام) (2). 109 - شى: عن هارون بن خارجة قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): يا هارون كم بين منزلك وبين المسجد الاعظم ؟ فقلت: قريب، قال: يكون ميلا ؟ فقلت: أظنه أقرب (3) فقال: فما تشهد الصلاة كلها فيه ؟ فقلت: لا والله جعلت فداك ربما شغلت: فقال لي: أما إني لو كنت بحضرته ما فاتتني فيه صلاة، قال: ثم قال هكذا بيده: ما من ملك مقرب ولا نبي مرسل ولاعبد صالح إلا وقد صلى في مسجد كوفان حتى محمد (صلى الله عليه وآله) ليله اسري به مر به جبرئيل فقال: يا محمد هذا مسجد كوفان، فقال استأذن لي حتى اصلي فيه ركعتين، فاستأذن له فهبط به وصلى فيه ركعتين، ثم قال: أما علمت أن عن يمينه روضة من رياض الجنة، وعن يساره روضة من رياض الجنة ؟ أما علمت أن الصلاة المكتوبة فيه تعدل ألف صلاة في غيره ؟ والنافلة خمس مائة صلاة ؟ والجلوس فيه من غير قراءة القرآن عبادة ؟ قال: ثم قال هكذا بإصبعه فحركها: ما بعد المسجدين أفضل من مسجد كوفان (4). 110 - فس: أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن العباس، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: " ما ضل صاحبكم وما غوى " يقول: ما ضل في علي وماغوى " وما ينطق " فيه " عن الهوى " وما كان ما قال فيه إلا بالوحي الذي اوحي إليه، ثم قال " علمه شديد القوى " ثم أذن له فوفد إلى السماء، وقال: " ذو مرة فاستوى وهو بالافق الاعلى * ثم دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى " وكان بين لفظه وبين سماع محمد (صلى الله عليه وآله) كما بين وتر القوس وعودها " فأوحى إلى عبده ما أوحى " فسئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن ذلك


(1 و 2 و 4) تفسير العياشي: مخطوط. (3) في نسخة: لكنه أقرب.

[ 405 ]

الوحي، فقال: اوحي إلي أن عليا سيد المؤمنين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، وأول خليفة يستخلفه خاتم النبيين (1). 111 - ير: أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم أو غيره، عن سيف بن عميرة، عن بشار، عن أبي داود، عن بريدة قال: كنت جالسا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي معه إذ قال: يا علي ألم أشهدك معي سبع مواطن ؟ حتى ذكر الموطن الرابع: ليلة الجمعة، اريت ملكوت السماوات والارض رفعت لي، حتى نظرت إلى ما فيها، فاشتقت إليك فدعوت الله، فإذا أنت معي، فلم أرمن ذلك شيئا إلا وقد رأيت (2). 112 - فس: أبي، عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن أبان بن عثمان، عن أبي داود، عن أبي بردة الاسلمي (3) قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لعلي: يا علي إن الله أشهدك معي في سبع مواطن: أما أول ذلك فليلة أسرى بي إلي السماء قال لي جبرئيل: أين أخوك ؟ قلت: خلفته ورائي، قال: ادع الله فليأتك به، فدعوت وإذا مثالك معي، وإذا الملائكة وقوف صفوف، فقلت: يا جبرئيل من هؤلاء ؟ قال: هم الذين يباهيهم الله بك يوم القيامة فدنوت فنطقت بما كان وبما يكون إلى يوم القيامة. والثانى: حين أسرى بي في المرة الثانية فقال لي جبرئيل: أين أخوك ؟ قلت: خلفته ورائي، قال: ادع الله فليأتك به، فدعوت الله فإذا مثالك معي، فكشط لي عن سبع سماوات حتى رأيت سكانها وعمارها وموضع كل ملك منها. والثالث: حين بعثت إلى الجن فقال لي جبرئيل: أين أخوك ؟ قلت: خلفته ورائي فقال: ادع الله فليأتك به، فدعوت الله فإذا أنت معي، فما قلت لهم: شيئا ولا ردوا علي شيئا إلا سمعته.


(1) تفسير القمى: 561. (2) بصائر الدرجات: 30 و 31. (3) هكذا في الكتاب ومصدره، والظاهر أنه مصحف بريدة الاسلمي كما تقدم في الحديث السابق، ويأتى. ولم نجد في التراجم أبا بردة الاسلمي بل الموجود أبا برزه بالزاى وهو نضلة بن عبيد، صحابي أسلم قبل الفتح، والرجل المذكور في الاحاديث الثلاثة واحد وهو بريدة الاسلمي بقرينة راويه: أبى داود.

[ 406 ]

والرابع: خصصنا بليلة القدر وليست لاحد غيرنا. والخامس: دعوت الله فيك، وأعطاني (1) فيك كل شئ إلا النبوة، فإنه قال: خصصتك بها وختمتها بك. وأما السادس: لما اسري بي إلى السماء جمع الله لي النبيين فصليت بهم، ومثالك خلفي. والسابع: هلاك الاحزاب بأيدينا (2). 113 - ير: محمد بن عيسى، عن أبي عبد الله المؤمن، عن علي بن حسان، عن أبي داود السبيعي، عن بريدة الاسلمي، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي إن الله أشهدك معي سبع مواطن، حتى ذكر الموطن الثاني: أتاني جبرئيل فأسرى بي إلى السماء فقال: أين أخوك ؟ فقلت: ودعته خلفي، قال: فقال: فادع الله يأتيك به، قال: فدعوت الله فإذا أنت (3) معي، فكشط لي عن السماوات السبع، والارضين السبع حتى رأيت سكانها وعمارها وموضع كل ملك منها، فلم أر من ذلك شيئا إلا وقد رأيته كما رأيته (4). 114 - ما: الحفار، عن الجعابي، عن سعيد بن عبد الله بن عجب الانصاري (5) عن خلف بن درست، عن القاسم بن هارون، عن سهل بن سفيان، عن همام، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما عرج بي إلى السماء دنوت (6) من ربي عزوجل حتى كان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى فقال: يا محمد من تحب من الخلق ؟ قلت: يا رب عليا، قال: التفت يا محمد، فالتفت عن يساري فإذا علي بن أبي طالب (7).


(1) في المصدر: فأعطاني. (2) تفسير القمى: 111. (3) أي مثالك كما تقدم. (4) بصائر الدرجات: 30. (5) في المصدر: الانباري. (6) المراد بالدنو: الدنو المعنوي، وهو عروجه (صلى الله عليه وآله) إلى الملكوت العليا والى مقام المصطفين الاخيار. (7) امالي ابن الشيخ: 225.

[ 407 ]

115 - ع: الوراق، عن سعد، عن ابن عيسى والفضل بن عامر، عن سليمان بن مقبل، عن محمد بن زياد الازدي، عن عيسى بن عبد الله الاشعري، عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام قال: حدثنى أبي، عن جدي، عن أبيه عليهم السلام قال، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما: اسري بي إلى السماء حملني جبرئيل على كتفه الايمن، فنظرت إلى بقعة بأرض الجبل حمراء أحس لونا من الزعفران، وأطيب ريحا من المسك، فإذا فيها شيخ على رأسه برنس، فقلت لجبرئيل: ما هذه البقعة الحمراء التي هي أحسن لونا من الزعفران، وأطيب ريحا من المسك، قال: بقعة شيعتك وشيعة وصيك علي، فقلت: من الشيخ صاحب البرنس ؟ قال: إبليس، قلت: فما يريد منهم ؟ قال يريد أن يصدهم عن ولاية أمير المؤمنين، و يدعوهم إلى الفسق والفجور، فقلت: يا جبرئيل أهو بنا إليهم، فأهوى بنا إليهم أسرع من البرق الخاطف. والبصر اللامح، فقلت: قم يا ملعون، فشارك أعداءهم في أموالهم وأولادهم ونسائهم، فإن شيعتي وشيعة علي ليس لك عليهم سلطان فسميت قم (1). 116 - ع: أبي، عن محمد العطار، عن الصفار ولم يحفظ إسناده قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما اسري بي إلى السماء سقط من عرقي فنبت منه الورد فوقع في البحر، فذهب السمك ليأخذها، وذهب الدعموص ليأخذها، فقالت السمكة: هي لي، وقال الدعموص: هي لي، فبعث الله عزوجل إليهما ملكا يحكم بينهما، فجعل نصفها للسمكة، وجعل نصفها للدعموص. قال الصدوق - رحمه الله -: قال أبي رضي الله عنه: وترى أوراق الورد تحت جلناره وهي خمسة: اثنتان منها على صفة السمك، واثنتان منها على صفة الدعموص، وواحدة منها نصفها على صفة السمك، ونصفها على صفة الدعموص (2). بيان: المراد بأوراق الورد الاوراق الخضر الملتصقة بالاوراق الحمر المحيطة بها قبل انفتاحها، فاثنتان منها ليس على طرفيهما ريشة على مثال ذنب الدعموص، واثنتان منها على طرفيهما رياش على مثال ذنب السمك، وواحدة منها على أحد طرفيها رياش دون الطرف


(1) علل الشرائع: 191. (2) علل الشرائع 200.

[ 408 ]

الآخر، فنصفها يشبه السمك، ونصفها يشبه الدعموص، والدعموص: دويبة أو دودة سوداء تكون في الغدران إذا نشت، ذكره الفيروزآبادي. 117 - ع: عن محمد بن جعفر البندار، عن سعيد بن أحمد بن أبي سالم، عن يحيى بن الفضل الوراق، عن يحيى بن موسى، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أنس قال: فرضت على النبي (صلى الله عليه وآله) ليلة اسري به الصلاة خمسين، ثم نقصت فجعلت خمسا ثم نودي يا محمد: إنه لا يبدل القول لدي فإن لك بهذه الخمس خمسون (1). 118 - فس: أبي، عن بعض أصحابه رفعه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لفاطمة إنه لما اسري بي إلى السماء وجدت مكتوبا على صخرة بيت المقدس: " لا إله إلا الله، محمد رسول الله، أيدته بوزيره، ونصرته بوزيره " فقلت لجبرئيل: ومن وزيري ؟ فقال: علي بن أبي طالب (عليه السلام) فلما انتهيت إلى سدرة المنتهى وجدت مكتوبا عليها: " إني أنا الله لا إله إلا أنا وحدي، محمد صفوتي من خلقي (2) أيدته بوزيره ونصرته بوزيره " فقلت لجبرئيل: ومن وزيري ؟ قال: علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فلما جاوزت السدرة انتهيت إلى عرش رب العالمين وجدت مكتوبا على كل قائمة من قوائم العرش: " أنا الله لا إله إلا أنا، محمد حبيبي أيدته بوزيره، ونصرته بوزيره " !. فلما دخلت الجنة رأيت في الجنة شجرة طوبى أصلها في دار علي، وما في الجنة قصر ولا منزل إلا وفيها فتر (3) منها، وأعلاها أسفاط (4) حلل من سندس وإستبرق، يكون للعبد المؤمن ألف ألف سفط، في كل سفط مائة ألف حلة، ما فيها حلة يشبه الاخرى على ألوان مختلفة، وهي ثياب أهل الجنة، وسطها ظل ممدود، عرض الجنة كعرض السماء والارض اعدت للذين آمنوا بالله ورسله، يسير الراكب في ذلك الظل مسيرة مائة عام


(1) لم نجد الحديث علل الشرائع، لكنه موجود في كتاب الخصال 1: 129، ولعل (ع) مصحف (ل). (2) في نسخة وفى المصدر: محمد حبيبي. (3) في نسخة: قتر، وفى اخرى: قنو. وتقدم في خبر هشام بن سالم: وفيها قتر منها. (4) السفط: وعاء كالقفة أو الجوالق. ما يعبأ فيه الطيب وما أشبهه من أدوات النساء. (*)

[ 409 ]

فلا يقطعه، وذلك قوله: " وظل ممدود (1) " وأسفلها ثمار أهل الجنة، وطعامهم متدلى في بيوتهم، يكون في القضيب منها مائة لون من الفاكهة مما رأيتم في دار الدنيا (2) ومما لم تروه، وما سمعتم به وما لم تسمعوا مثلها، وكلما يجتنى منها شئ نبتت مكانها اخرى لا مقطوعة ولا ممنوعة، وتجري نهر في أصل تلك الشجرة تنفجر (3) منها الانهار الاربعة نهر من ماء غير آسن، ونهر من لبن لم يتغير طعمه، ونهر من خمر لذة للشاربين، ونهر من عسل مصفى. الخبر (4). 119 - ما: المفيد: عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن بكر بن صالح، عن الحسن بن علي، عن عبد الله بن إبراهيم، عن الحسين بن زيد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما اسري بي إلى السماء وانتهيت إلى سدرة المنتهى نوديت: يا محمد استوص بعلي خيرا، فإنه سيد المسلمين وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين يوم القيامة (5). 120 - فس: أبي، عن حماد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما اسري بي إلى السماء دخلت الجنة فرأيت فيها قيعان يقق، ورأيت فيها ملائكة يبنون لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وربما أمسكوا، فقلت لهم: ما بالكم ربما بنيتم وربما أمسكتم فقالوا: حتى تجيئنا النفقة، فقلت: وما نفقتكم ؟ فقالوا: قول المؤمن في الدنيا: " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " فإذا قال بنينا، وإذا أمسك أمسكنا (6). 121 - وقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما أسرى بي ربي إلى سبع سماواته أخذ بيدي جبرئيل فأدخلني الجنة فأجلسني على درنوك من درانيك الجنة، فناولني سفرجلة فانفلقت نصفين، فخرجت من بينها حوراء، فقامت بين يدي فقالت: السلام عليك يا محمد السلام عليك يا أحمد، السلام عليك يا رسول الله، فقلت: وعليك السلام من أنت ؟ فقالت:


(1) الواقعة: 30. (2) في نسخة: من ثمار الدنيا. (3) في المصدر: يتفجر. (4) تفسير القمى: 653. (5) أمالى ابن شيخ: 121. (6) تفسير القمى: 20.

[ 410 ]

أنا الراضية المرضية خلقني الجبار (1) من ثلاثة أنواع أسفلي من المسك، ووسطي من العنبر، وأعلاي من الكافور، وعجنت بماء الحيوان، ثم قال جل ذكره لي: كوني فكنت لاخيك ووصيك علي بن أبي طالب (عليه السلام) (2). بيان: قال الجزري: اليقق المتناهي في البياض، يقال: أبيض يقق، وقد تكسر القاف الاولى، أي شديد البياض. 122 - كنز: محمد بن العباس، عن أحمد بن محمد النوفلي، عن أحمد بن هلال، عن ابن محبوب، عن ابن بكير، عن حمران قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عزوجل في كتابه: " ثم دنافتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى " فقال: أدنى الله محمدا منه، فلم يكن بينه وبينه إلا قنص لؤلؤ فيه فراش (3)، يتلالا فاري صورة، فقيل له: يا محمد أتعرف هذه الصورة ؟ فقال: نعم هذه صورة علي بن أبي طالب، فأوحى الله إليه أن زوجة فاطمة واتخذه وصيا (4) أقول: سيأتي خبر طويل في وصف المعراج في باب جوامع الآيات النازلة في أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأكثر أخبارها مبثوثة على الابواب السابقة واللاحقة. 4 * (باب) * * (الهجرة إلى الحبشة وذكر بعض أحوال جعفر (عليه السلام)) * * (والنجاشى (ه) رحمه الله) * الايات: آل عمران: " 3 " وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما انزل إليكم وما انزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا اولئك لهم اجرهم عند ربهم


(1) في نسخة: جعلني الله. وفى المصدر: خلقني الله. (2) تفسير القمى: 20. (3) في المصدر: فيه: فراش من ذهب. (4) كنز جامع الفوائد: 314. (5) قال الفيروز آبادي: النجاشي بتشديد الياء وبتخفيفها أفصح، ويكسر نونها، أو هو أفصح أصحمة ملك الحبشة انتهى وقال الجزرى: فيه ذكر النجاشي في غير موضع، وهو اسم ملك الحبشة والياء مشددة، وقيل: الصواب تخفيفها.

[ 411 ]

إن الله سريع الحساب 199. المائدة: " 5 " لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين و رهبانا وأنهم لا يستكبرون * وإذا سمعوا ما انزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين * وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين * فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين 82 - 85. تفسير: قوله تعالى: " وإن من أهل الكتاب " قال الطبرسي رحمه الله: اختلفوا في نزولها، فقيل: نزلت في النجاشي ملك الحبشة واسمه أصحمة، وهو بالعربية عطية وذلك أنه لما مات نعاه جبرئيل لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في اليوم الذي مات فيه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم، قالوا: ومن هو ؟ قال: النجاشي فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى البقيع وكشف له من المدينة إلى أرض الحبشة، فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه. فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني حبشي لم يره قط وليس على دينه، فأنزل الله هذه الآية، عن جابر بن عبد الله، وابن عباس وأنس وقتادة، وقيل: نزلت في أربعين رجلا من أهل نجران من بني الحارث بن كعب، واثنين وثلاثين من أرض الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى (عليه السلام) فآمنوا بالنبي (صلى الله عليه وآله) عن عطاء، وقيل: نزلت في جماعة من اليهود كانوا أسلموا، منهم عبد الله بن سلام ومن معه عن ابن جريح وابن زيد وابن إسحاق وقيل: نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم، لان الآية قد نزلت على سبب، وتكون عامة في كل ما يتناوله عن مجاهد (1). وقال رحمه الله في قوله: " ولتجدن أقربهم مودة ": قال (2) المفسرون ائتمرت قريش أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يوذونهم


(1) مجمع البيان 2: 561. (2) زاد في المصدر قبل ذلك نزلت في النجاشي وأصحابه.

[ 412 ]

ويعذبونهم، فافتتن من افتتن، وعصم الله منهم من شاء، ومنع الله ورسوله بعمه أبي طالب فلما رأى رسول الله ما بأصحابه ولم يقدر على منعهم ولم يؤمر بعد بالجهاد أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة، وقال: إن بها ملكا صالحا لا يظلم ولا يظلم عنده أحد، فاخرجوا إليه حتى يجعل الله عزوجل للمسلمين فرجا، وأراد به النجاشي واسمه أصحمة (1)، وإنما النجاشي اسم الملك، كقولهم: كسرى وقيصر، فخرج إليها سرا أحد عشر رجلا، و أربع نسوة، وهم عثمان بن عفان، وامرأته رقية بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود، وعبد الرحمان بن عوف، وأبو حذيفة بن عتبة، وامرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو، ومصعب بن عمير، وأبو سلمة بن عبد الاسد، وامرأته ام سلمة بنت أبي امية، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وامرأته ليلى بنت أبي خيثمة، وحاطب بن عمرو، وسهيل بن بيضاء، فخرجوا إلى البحر وأخذوا سفينة إلى أرض الحبشة بنصف دينار، و ذلك في رجب في السنة الخامسة من مبعث رسول الله، وهذه هي الهجرة الاولى، ثم خرج جعفر بن أبي طالب، رضي الله عنه وتتابع المسلمون إليها، وكان جميع من هاجر من المسلمين إلى الحبشة اثنين وثمانين رجلا سوى النساء والصبيان، فلما علمت قريش بذلك وجهوا عمرو بن العاص وصاحبه عمارة بن الوليد بالهدايا إلى النجاشي وإلى بطارقته (2) ليردوهم إليهم، وكان عمارة بن الوليد شابا حسن الوجه، وأخرج عمرو بن العاص أهله معه، فلما ركبوا السفينة شربوا الخمر، فقال عمارة لعمرو بن العاص: قل لاهلك: تقبلني، فأبى، فلما انتشى (3) عمرو دفعه عمارة في الماء ونشب (4) عمرو في صدر السفينة واخرج من الماء، وألقى الله بينهما العداوة في مسيرهما قبل أن يقدما إلى النجاشي، ثم وردا على النجاشي فقال عمرو بن العاص: أيها الملك إن قوما خالفونا في ديننا، وسبوا آلهتنا، وصاروا إليك، فردهم إلينا، فبعث النجاشي إلى جعفر فجاء وقال: أيها الملك سلهم أنحن عبيد لهم ؟ فقال: لابل أحرار، فقال: سلهم ألهم علينا ديون يطالبوننا بها ؟ قال: لا مالنا


(1) زاد في المصدر بعد ذلك: وهو بالحبشية عطية. (2) البطريق: القائد من قواد الجيش. (3) أي سكر. (4) أي علق.

[ 413 ]

عليكم ديون، قال: فلكم في أعناقنا دماء تطالبوننا بها ؟ قال عمرو: لا، قال: فما تريدون منا ؟ آذيتمونا فخرجنا من دياركم، ثم قال: أيها الملك بعث الله فينا نبيا أمرنا بخلع الانداد، وترك الاستقسام بالازلام، وأمرنا بالصلاة والزكاة والعدل والاحسان، و إيتاء ذي القربى ونهانا عن الفحشاء والمنكر والبغي، فقال النجاشي: بهذا بعث الله عيسى (عليه السلام) ثم قال النجاشي لجعفر: هل تحفظ مما أنزل الله على نبيك شيئا ؟ قال: نعم، فقرأ سورة مريم (1)، فلما بلغ قوله: " وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا (2) " قال: هذا والله هو الحق، فقال عمرو: إنه مخالف لنا فرده إلينا، فرفع النجاشي يده و ضرب وجه عمرو، وقال: اسكت، والله إن ذكرته بسوء لافعلن بك، وقال: أرجعوا إلى هذا هديته، وقال لجعفر وأصحابه: امكثوا فإنكم سيوم، والسيوم: الآمنون، وأمر لهم بما يصلحهم من الرزق، فانصرف عمرو وأقام المسلمون هناك بخير دار، وأحسن جوار إلى أن هاجر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلا أمره، وهادن قريشا، وفتح خيبر، فوافى جعفر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بجميع من كانوا معه. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا أدري أنا بفتح خيبر أسر أم بقدوم جعفر ؟ ووافى جعفر وأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) في سبعين رجلا، منهم اثنان و ستون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام، فيهم بحيرا الراهب، فقرأ عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) سورة " يس (3) " إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا، وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى (عليه السلام) ؟ فأنزل الله فيهم هذه الآيات، وقال مقاتل والكلبي: كانوا أربعين رجلا اثنان وثلاثون من الحبشة (4)، وثمانية روميون من أهل الشام " لتجدن أشد الناس " وصف اليهود والمشركين بأنهم أشد الناس عداوة للمؤمنين، لان اليهود ظاهروا المشركين على المؤمنين، مع أن المؤمنين يؤمنون بنبوة موسى والتوراة التي أتى بها، فكان ينبغي أن يكونوا إلى من وافقهم في الايمان بنبيهم وكتابهم أقرب، وإنما


(1) السورة: 19. (2) الاية: 25. (3) السورة: 36. (4) في المصدر: وثمانية من أهل الشام، وقال عطاء كانوا ثمانين رجلا أربعون من أهل نجران من بنى الحارث بن كعب، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية روميون من أهل الشام.

[ 414 ]

فعلوا ذلك حسدا للنبي (صلى الله عليه وآله) " ولتجدن أقربهم " إلى قوله: " إنا نصارى " يعني النجاشي وأصحابه، أو الذين جاؤوا مع جعفر مسلمين " قسيسين " أي عبادا أو علماء " ورهبانا " أي أصحاب الصوامع " وأنهم لا يستكبرون " عن اتباع الحق والانقياد له " مما عرفوا من الحق " أي لمعرفتهم أن المتلو عليهم كلام الله تعالى وأنه الحق " مع الشاهدين " أي مع محمد وامته الذين يشهدون بالحق، وقيل: مع الذين يشهدون بالايمان " وما لنا لا نؤمن " معناه لاي عذر لا نؤمن بالله، وهذا جواب لمن قال لهم من قومهم تعنيفا لهم: لم آمنتم ؟ أو عن سؤال مقدر (1). 1 - فس: " لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركواو لتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى " فإنه كان سبب نزولها أنه لما اشتدت قريش في أذى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأصحابه الذين آمنوا بمكة قبل الهجرة أمرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يخرجوا إلى الحبشة، وأمر جعفر بن أبي طالب أن يخرج معهم، فخرج جعفر ومعه سبعون رجلا من المسلمين حتى ركبوا البحر، فلما بلغ قريشا خروجهم بعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد إلى النجاشي ليردهم إليهم، وكان عمرو وعمارة متعاديين فقالت قريش: كيف نبعث رجلين متعاديين ؟ فبرئت بنو مخزوم من جناية عمارة وبرئت بنوسهم من جناية عمرو بن العاص، فخرج عمارة وكان حسن الوجه شابا مترفا، فأخرج عمرو بن العاص أهله معه، فلما ركبوا السفينة شربوا الخمر، فقال عمارة لعمرو بن العاص: قل لاهلك تقبلني، فقال عمرو: أيجوز (2) سبحان الله ؟ فسكت عمارة، فلما انتشى عمرو، وكان على صدر السفينة فدفعه عمارة وألقاه في البحر، فتشبت عمرو بصدر السفينة وأدركوه وأخرجوه، فوردوا على النجاشي وقد كانوا حملوا إليه هدايا، فقبلها منهم، فقال عمرو بن العاص: أيها الملك إن قوما منا خالفونا في ديننا، وسبوا آلهتنا، وصاروا إليك فردهم إلينا، فبعث النجاشي إلى جعفر فجاء فقال: يا جعفر ما يقول هؤلاء ؟ فقال جعفر: أيها الملك وما يقولون ؟ قال: يسألون أن أردكم إليهم، قال: أيها الملك سلهم أعبيد نحن لهم ؟ قال عمرو: لابل أحرار


(1) مجمع البيان 3: 233 و 234. (2) في المصدر: أيجوز هذا ؟ (*)

[ 415 ]

كرام، قال: فاسألهم ألهم علينا ديون يطالبوننا بها ؟ فقال: لا مالنا عليكم ديون، قال: فلكم في أعناقنا دماء تطالبوننا بذحول ؟ فقال عمرو: لا، قال، فما تريدون منا ؟ آذيتمونا فخرجنا من بلادكم، فقال عمرو بن العاص: أيها الملك خالفونا في ديننا، وسبوا آلهتنا، وأفسدوا شباننا، وفرقوا جماعتنا، فردهم إلينا لنجمع أمرنا، فقال جعفر: نعم أيها الملك خالفناهم: بعث الله فينا نبيا أمرنا بخلع الانداد، وترك الاستقسام بالازلام، وأمرنا بالصلاة والزكاة، وحرم الظلم والجور وسفك الدماء بغير حقها، والزنا والربا والميتة والدم، وأمرنا بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى، ونهانا عن الفحشاء والمنكر و البغي، فقال النجاشي: بهذا بعث الله عيسى بن مريم عليهما السلام، ثم قال النجاشي: يا جعفر هل تحفظ مما أنزل الله على نبيك شيئا ؟ قال: نعم، فقرأ عليه سورة مريم (1)، فلما بلغ إلى قوله: " وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا (2) " فلما سمع النجاشي بهذا بكى بكاء شديدا، وقال: هذا والله هو الحق، وقال عمرو بن العاص: إيها الملك إن هذا مخالف لنا فرده إلينا، فرفع النجاشي يده فضرب بها وجه عمرو، ثم قال: اسكت، والله لئن ذكرته بسوء لافقدنك نفسك، فقام عمرو بن العاص من عنده والدماء تسيل على وجهه وهو يقول: إن كان هذا كما تقول أيها الملك فإنا لا نتعرض له، وكانت على رأس النجاشي وصيفة له تذب عنه، فنظرت إلى عمارة بن الوليد وكان فتى جميلا فأحبته، فلما رجع عمرو بن العاص إلى منزله قال لعمارة: لو راسلت (3) جارية الملك، فراسلها فأجابته، فقال عمرو: قل لها: تبعث إليك من طيب الملك شيئا، فقال لها. فبعثت إليه، فأخذ عمرو من ذلك الطيب، وكان الذي فعل به عمارة في قلبه حين ألقاه في البحر، فأدخل الطيب على النجاشي فقال: أيها الملك إن حرمة الملك عندنا وطاعته علينا عظيم، ويلزمنا إذا دخلنا بلاده ونأمن فيه أن لا نغشه ولا نريبه، وإن صاحبي هذا الذي معي قد راسل إلى حرمتك وخدعها وبعثت إليه من طيبك، ثم


(1) السورة: 19. (2) الاية: 25 و 26. (3) راسله: بعث إليه رسالة

[ 416 ]

وضع الطيب بين يديه، فغضب النجاشي وهم بقتل عمارة، ثم قال: لا يجوز قتله، فإنهم دخلوا بلادي بأمان، فدعا النجاشي السحرة فقال لهم: اعملوا به شيئا أشد عليه من القتل فأخذوه ونفخوا في إحليله الزيبق، فصار مع الوحش يغدو ويروح، وكان لا يأنس بالناس فبعثت قريش بعد ذلك فكمنوا له في موضع حتى ورد الماء مع الوحش فأخذوه، فما زال يضطرب في أيديهم ويصيح حتى مات، ورجع عمرو إلى قريش فأخبرهم أن جعفرا في أرض الحبشة في أكرم كرامة، فلم يزل بها حتى هادن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قريشا وصالحهم وفتح خيبر أتى بجميع من معه (1) وولد لجعفر بالحبشة من أسماء بنت عميس عبد الله بن جعفر وولد للنجاشي ابنا فسماه النجاشي محمدا، وكانت ام حبيب بنت أبي سفيان تحت عبد الله فكتب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى النجاشي يخطب ام حبيب، فبعث إليها النجاشي فخطبها لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فأجابته، فزوجها منه، وأصدقها أربعمائة دينار، وساقها عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبعث إليها بثياب وطيب كثير وجهزها وبعثها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبعث إليه بمارية القبطية ام إبراهيم، وبعث إليه بثياب وطيب وفرس، وبعث ثلاثين رجلا من القسيسين فقال لهم: انظروا إلى كلامه، وإلى مقعده (2) ومشربه ومصلاه، فلما وافوا المدينة دعاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الاسلام وقرأ عليهم القرآن، " وإذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك " إلى قوله: " فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين (3) ". فلما سمعوا ذلك من رسول الله بكوا وآمنوا ورجعوا إلى النجاشي وأخبروه خبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقرؤوا عليه ما قرأ عليهم، فبكي النجاشي، وبكى القسيسون، وأسلم النجاشي ولم يظهر للحبشة إسلامه، وخافهم على نفسه، وخرج من بلاد الحبشة يريد النبي (صلى الله عليه وآله)، فلما عبر البحر توفي، فأنزل الله على رسوله: " لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود " إلى قوله: " وذلك جزاء المحسنين ".


(1) في المصدر: فوافى بجميع من معه. (2) في المصدر: والى مطعمه ومشربه. (3) المائدة: 110. بحار الانوار - 26 -

[ 417 ]

[ عم: لما اشتد قريش في أذى رسول الله (صلى الله عليه وآله). إلى قوله: فسماه محمدا، وسقته أسماء من لبنها (1) ]. بيان: المترف: الذي أترفته النعمة وسعة العيش، أي أطغته وأبطرته. والانتشاء: أول السكر، والذحل: الوتر وطلب المكافاة بجناية (2) جنيت عليه من قتل أو جرح، والمهادنة: المصالحة، وعبد الله زوج ام حبيب هو عبد الله بن جحش الاسدي، كان قد هاجر إلى الحبشة مع زوجته فتنصر هناك ومات. 2 - ما: المفيد، عن أحمد بن الحسين بن اسامة، عن عبيدالله بن محمد الواسطي، عن أبي جعفر محمد بن يحيى، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) أنه قال: أرسل النجاشي ملك الحبشة إلى جعفر بن أبي طالب وأصحابه فدخلوا عليه وهو في بيت له جالس على التراب، وعليه خلقان الثياب، قال. فقال جعفر بن أبي طالب: فأشفقنا منه حين رأيناه على تلك الحال، فلما رأى ما بنا وتغير وجوهنا قال: الحمد لله الذي نصر محمدا وأقر عيني به، ألا ابشركم، فقلت: بلي أيها الملك، فقال: إنه جاءني الساعة من نحو أرضكم عين من عيوني هناك، وأخبرني أن الله قد نصر نبيه محمدا (صلى الله عليه وآله)، وأهلك عدوه، واسر فلان وفلان، وقتل فلان وفلان (3)، التقوا بواد يقال له: بدر، كأني (4) أنظر إليه حيث كنت أرعى لسيدي (5) هناك، وهو رجل من بني ضمرة، فقال له جعفر: أيها الملك الصالح مالي أراك جالسا على التراب ؟ وعليك هذه الخلقان (6) ؟ فقال: يا جعفر إنا نجد فيما انزل (7) على عيسى صلى الله عليه أن من حق الله على عباده أن يحدثوا لله تواضعا عند ما يحدث لهم من نعمة، فلما أحدث الله تعالى لي نعمة بنبيه


(1) اعلام الورى 53 - 55 ط 2 وما بين العلامتين لا يوجد في النسختين المطبوعتين (2) في نسخة: لجناية. (3) في المصدر: كرره ثلاثا، وكذا ما قبله. (4) في المصدر: لكأنى. وفى الكافي: يقال له: بدر، كثير الاراك، لكانى. (5) لعله من كلام الجاسوس. (6) الخلق: البالى. والجمع خلقان. (7) في المصدر والكافي: فيما أنزل الله.

[ 418 ]

محمد (صلى الله عليه وآله) أحدثت لله هذا التواضع، قال: فلما بلغ النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك قال لاصحابه: إن الصدقة تزيد صاحبها كثرة فتصدقوا يرحمكم الله، وإن التواضع يزيد صاحبه رفعة فتواضعوا يرفعكم الله، وإن العفو يزيد صاحبه عزا فاعفوا يعزكم الله (1). كا: علي، عن أبيه، عن هارون مثله (2). 3 - ل، ن: المفسر بإسناده إلى أبي محمد العسكري، عن آبائه، عن علي (عليهم السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما أتاه جبرئيل بنعي (3) النجاشي بكى بكاء حزين عليه، و قال: إن أخاكم أصحمة - وهو اسم النجاشي - مات، ثم خرج إلى الجبانة (4) وكبر سبعا، فخفض الله له كل مرتفع حتى رأى جنازته وهو بالحبشة (5). 4 - عم، ص: قال أبو طالب يحض النجاشي على نصرة النبي (صلى الله عليه وآله) وأتباعه و أشياعه. تعلم مليك الحبش أن محمدا * نبي كموسى والمسيح بن مريم أتى بالهدى مثل الذي أتيا به * وكل بحمد الله يهدي ويعصم (6) وإنكم تتلونه في كتابكم * بصدق حديث لا حديث المرجم (7) ولا تجعلوا لله ندا وأسلموا * فإن طريق الحق ليس بمظلم (8) 5 - عم، ص: فيما رواه أبو عبد الله الحافظ عن محمد بن إسحاق أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعث عمرو بن امية الضمري إلى النجاشي في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه. وكتب معه كتابا. بسم الله الرحمان الرحيم: من محمد رسول الله إلى النجاشي الاصحم صاحب


(1) أمالى ابن الشيخ: 9. (2) اصول الكافي 2: 121. (3) النعى خير الموت. (4) الجبانة: المقبرة. الصحراء. (5) الخصال 2: 11، عيون أخبار الرضا: 154، في الخصال: وصلى عليه وكبر سبعا. (6) في اعلام الورى: بامر الله. (7) حديث مرجم: لا يوقف على حقيقته. (8) اعلام الورى: 30، ط 1، قصص الانبياء مخطوط.

[ 419 ]

الحبشة (1)، سلام عليك، إني أحمد إليك الله (2) الملك القدوس المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى فخلقه من روحه ونفخه، كما خلق آدم بيده ونفخه فيه، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته. وأن تتبعني وتؤمن بي وبالذي جاءني فإني رسول الله، قد بعثت إليكم ابن عمي جعفر بن أبي طالب معه نفر من المسلمين، فإذا جاؤوك فاقرهم (3) ودع التجبر، فإني أدعوك وجيرتك (4) إلى الله تعالى، وقد بلغت ونصحت، فاقبلوا نصيحتي، والسلام على من اتبع الهدى. فكتب إليه النجاشي: بسم الله الرحمان الرحيم: إلى محمد رسول الله من النجاشي الاصحم بن أبحر، سلام عليك يا نبي الله من الله (5) ورحمه الله وبركاته، لا إله إلا هو الذي هداني إلى الاسلام، وقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فورب السماء والارض إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقد قرينا ابن عمك وأصحابه، وأشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا (6)، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك، وأسلمت على يديه لله رب العالمين، وقد بعثت إليك يا رسول الله أريحا بن الاصحم بن أبحر، فإني لا أملك إلا نفسي، إن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله، إني أشهد أن ما تقول حق. ثم بعث إلى رسول الله هدايا (7) وبعث إليه بمارية القبطية ام إبراهيم، وبعث إليه بثياب وطيب كثير وفرس، وبعث إليه بثلاثين رجلا من القسيسين لينظروا إلى كلامه


(1) في المصدر: ملك الحبشة. (2) في نسخة: انى مهدى اليك سلام الله. (3) من قرى الضيف: أضافه، أو من أقر فلانا في المكان: ثبته وسكنه فيه. وفى المصدر: فأقر أي اعترف وأذعن بما جاؤوك به. (4) في المصدر: وجنودك. (5) المصدر خال من " من الله ". (6) في المصدر: صادق مصدق. (7) في المصدر: بهدايا.

[ 420 ]

ومقعده ومشربه، فوافوا المدينة ودعاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الاسلام فآمنوا ورجعوا إلى النجاشي (1). 6 - عم: وفي حديث جابر بن عبد الله: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلى على النجاشي (2). 7 - يج: روي أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال يوما: توفي أصحمة رجل صالح من الحبشة، فقوموا وصلوا عليه، فكان كذلك. 8 - يج: وروي عن ابن مسعود قال: بعثنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أرض النجاشي و نحن ثمانون رجلا، ومعنا جعفر بن أبي طالب، وبعث قريش خلفنا عمارة ابن الوليد وعمرو بن العاص مع هدايا فأتوه بها فقبلها وسجدوا له وقالوا: إن قوما منا رغبوا عن ديننا وهم في أرضك فابعث إلينا، فقال لنا جعفر: لا يتكلم أحد منكم، أنا خطيبكم اليوم، فانتهينا إلى النجاشي فقال عمرو وعمارة: إنهم لا يسجدون لك، فلما انتهينا إليه زبرنا (3) الرهبان أن اسجدوا للملك، فقال لهم جعفر: لا نسجد إلا لله، فقال النجاشي: وما ذلك ؟ قال: إن الله بعث فينا رسوله، وهو الذي بشر به عيسى، اسمه أحمد، فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، وأن نقيم الصلاة، وأن نؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهانا عن المنكر، فأعجب النجاشي قوله، فلما رأي ذلك عمرو قال: أصلح الله الملك، إنهم يخالفونك في ابن مريم فقال النجاشي: ما يقول صاحبك في ابن مريم ؟ قال: يقول فيه: قول الله: هو روح الله و وكلمته، أخرجه من العذراء البتول التي لم يقربها بشر، فتناول النجاشي عودا من الارض فقال: يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن (4) هذا، ثم قال النجاشي لجعفر: أتقرأ شيئا مما جاء به محمد ؟ قال: نعم قال له: اقرأ وأمر الرهبان أن ينظروا في كتبهم، فقرأ جعفر " كهيعص (5) " إلى آخر قصة عيسى (عليه السلام) (6)، فكانوا


(1) اعلام الورى: 31 و 32. قصص الانبياء مخطوط. (2) اعلام الورى: 31. (3) أي زجرنا. (4) زنه بكذا: اتهمه، وفي نسخة: ما يزيد هذا. (5) هو سورة مريم. (6) وهو آية: 35.

[ 421 ]

يبكون، ثم قال النجاشي: مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم، ولولا ما أنا فيه من الملك لاتيته حتى أحمل نعليه، اذهبوا أنتم سيوم، أي آمنون، وأمر لنا بطعام وكسوة: وقال: ردوا على هذين هديتهما، وكان عمرو قصيرا، وعمارة جميلا، وشربا في البحر (1)، فقال عمارة لعمرو: قل لا مرأتك تقبلني، وكانت معه، فلم يفعل عمرو، فرمى به عمارة في البحر، فناشده حتى خلاه، فحقد عليه عمرو، فقال للنجاشي: إذا خرجت خلف عمارة في أهلك، فنفخ في إحليله فطار (2) مع الوحش (3). 9 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن يحيى الحلبي، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله لجعفر: يا جعفر ألا أمنحك ؟ ألا اعطيك ؟ ألا أحبوك ؟ فقال له جعفر: بلى يا رسول الله، قال: فظن الناس أنه يعطيه ذهبا أو فضه فتشرف (4) الناس لذلك، فقال له: إني اعطيك شيئا إن أنت صنعته في كل يوم كان خيرا لك من الدنيا وما فيها، وإن صنعته بين يومين غفر لك ما بينهما، أو كل جمعة أو كل - شهر أو كل سنة غفر لك ما بينهما (5). فعلمه صلاة جعفر على ما سيأتي في أخبار كثيرة في كتاب الصلاة. 10 - ين: (6) محمد بن سنان، عن بسطام الزيات، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما قدم جعفر بن أبي طالب من الحبشة قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله): احدثك يا رسول الله، دخلت على النجاشي يوما من الايام وهو في غير مجلس الملك، وفي غيره رياشه (7)، وفي غير


(1) في المصدر: وشربا في البحر الخمر. (2) في نسخة فصار. (3) الخرائج: 186، وقد اختصر الراوندي قصة عمرو عمارة، وتقدمت مفصلا. (4) أي تطلع إليه. (5) فروع الكافي 1: 129 و 130، وفى ذيل الخبر تفصيل صلاة التسبيح. (6) في نسخة ير، والحديث غير موجود في البصائر، وفى نسختي المخطوطة من كتاب المؤمن ولعله من كتاب الزهد لان (ين) رمز إلى كتاب المؤمن والزهد معا، وكتاب الزهد مخطوط لا يوجد عندي. (7) في نسخة: في غير رياسة. وكذا فيما يأتي.

[ 422 ]

زيه، قال: فحييته بتحية الملك، وقلت له: يا أيها الملك مالي أراك في غير مجلس الملك، وفي غير رياشه، وفى غير زيه ؟ فقال: إنا نجد في الانجيل من أنعم الله عليه بنعمة فليشكر الله، ونجد في الانجيل أن ليس من الشكر لله شئ يعدله مثل التواضع، وأنه ورد علي في ليلتي هذه أن ابن عمك محمد قد أظفره الله بمشركي أهل بدر، فأحببت أن أشكر الله بما ترى. 11 - أقول قال في المنتقى: من جملة ما كان في السنة الخامسة، الهجرة إلى أرض الحبشة، وذلك أنه لما ظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالنبوة لم ينكر عليه قريش، فلما سب آلهتهم أنكروا بالغوا في أذى المسلمين، فأمرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالخروج إلى الحبشة، فخرج قوم وستر الباقون إسلامهم، فخرج في الهجرة الاولى أحد عشر رجلا، وأربع نسوة متسللين (1) سرا، فصادف وصولهم إلى البحر سفينتين للتجار فحملوهم فيها (2) إلى أرض الحبشة، وكان مخرجهم في رجب في الخامسة وخرجت قريش في آثارهم ففاتوهم، فأقاموا عند النجاشي آمنين. فأقاموا شعبان ورمضان وقدموا في شوال فلم يدخل أحد منهم مكة إلا بجوار إلا ابن مسعود فإنه مكث قليلا، ثم رجع إلى أرض الحبشة، فسطت (3)، بهم عشائرهم و آذوهم، فإن لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الخروج مرة اخرى إلى أرض الحبشة فخرج خلق كثير. قال محمد بن إسحاق: جميع من لحق بأرض الحبشة من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا أو ولدوا بها نيف وثمانون رجلا، ومن النساء إحدى عشرة، فلما سمعوا بمهاجر النبي (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلا، وثمان نسوة، فمات منهم رجلان بمكة، وحبس منهم سبعة، وشهد بدرا منهم أربعة وعشرون (4).


(1) تسلل: انطلق في استخفاء. (2) أي في سفينة منهما. (3) سطابه وعليه: وثب عليه وقهره. (4) المنتقى في مولود المصطفى: 40، الفصل الثاني فيما كان في السنة الخامسة من نبوته.

[ 423 ]

بسمة تعالى وتقدس نحمد الله ونشكره على توفيقه لتصحيح الكتاب وتخريجه وتنميقه، وإخراجه بهذه الصورة البهية الموشحة. اعتمدنا في مقابلة قطعة منه وتصحيحها على نسخة المنصف - قدس الله سره - الثمينة الفريدة التي أوعزت إلى مزاياها في المجلدات السابقة، تفضل بإرسالها العالم العامل حجة الاسلام الحاج السيد مهدي الصدر العاملي الاصبهاني صاحب الوعظ وإمام جماعة في عاصمة طهران وهي مما ورثه من أبيه الفقيد السعيد الخطيب المشهور الحاج السيد صدر الدين العاملي رحمة الله عليه. وقطعة اخرى منه إلى آخر باب المعراج على نسخة مخطوطة كانت عليها البلاغات، وكان في آخرها: بلغ قبالا في مجالس عديدة آخرها يوم الاربعاء السادس والعشرون من شوال المكرم من شهور سنة ست وعشرين ومأتين وألف من الهجرة النبوية المصطفوية وأنا الفقير الحقير ابن أبي تراب محمد محسن الشهير بآقا بابا عفى الله عن جرائمهما بهذه الصورة البهية الموشحة. اعتمدنا في مقابلة قطعة منه وتصحيحها على نسخة المنصف - قدس الله سره - الثمينة الفريدة التي أوعزت إلى مزاياها في المجلدات السابقة، تفضل بإرسالها العالم العامل حجة الاسلام الحاج السيد مهدي الصدر العاملي الاصبهاني صاحب الوعظ وإمام جماعة في عاصمة طهران وهي مما ورثه من أبيه الفقيد السعيد الخطيب المشهور الحاج السيد صدر الدين العاملي رحمة الله عليه. وقطعة اخرى منه إلى آخر باب المعراج على نسخة مخطوطة كانت عليها البلاغات، وكان في آخرها: بلغ قبالا في مجالس عديدة آخرها يوم الاربعاء السادس والعشرون من شوال المكرم من شهور سنة ست وعشرين ومأتين وألف من الهجرة النبوية المصطفوية وأنا الفقير الحقير ابن أبي تراب محمد محسن الشهير بآقا بابا عفى الله عن جرائمهما بمحمد وآله، وصلى الله على محمد وآله، والحمد لله أولا وآخرا. ومن باب الهجرة إلى الحبشة إلى آخر الكتاب على نسخة مخطوطة كتبه نعمة الله بن محمد مهدي الاصطهباناتي يوم الثامن من شهر رجب سنة 1278 وهاتان النسختان تفضل بهما الفاضل البارع الاستاذ المعظم السيد جلال الدين الارموى الشهير بالمحدث أدام الله توفيقاته. وراجعنا أيضا الطبعة المعروفة بطبعة أمين الضرب والطبعة الحروفية واعتمدنا في تخريجه على كتب تقدم ذكر بعضها في صدر المجلدات السابقة، وسيأتي الايعاز إلى سائرها في المجلدات الآتية. نسأل الله تعالى لنا ولاخواننا الذين وازرونا في مشروعنا هذا المقدس التوفيق و التسديد، إنه خير موفق ومعين، والحمد له أولا وآخرا. قم المشرفة مهبط علوم أهل البيت: خادم العلم والشريعة عبد الرحيم الربانى الشيرازي عفى عنه وعن والديه من لجنة التحقيق والتصحيح لدار الكتب الاسلامية

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية