تفسير الصافي تأليف فيلسوف الفقهاء، وفقيه الفلاسفة، أستاذ عصره ووحيد دهره، المولى محسن الملقب، " الفيض الكاشاني " المتوفي سنة 1091 ه صححه وقدم له وعلق عليه العلامة الشيخ حسين الأعلمي الجزء الاول منشورات مكتبه الصدر طهران.
[ 2 ]
(هوية الكتاب) كتاب تفسير الصافي المؤلف: فيلسوف الفقهاء المولى محسن الفيض الكاشاني (قدس سره) الطبعة الثانية 1416 المطبعة: مؤسسة الهادى - قم المقدسة الناشر: مكتبة الصدر - بطهران
[ 3 ]
بسم الله الرحمن الرحيم كلمة التقديم بقلم الدكتور عباس الترجمان بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين، و الطيبين من أصحابه أجمعين. جاء الاسلام الحنيف بأحكامه العادلة، لينقذ الانسانية المعذبه من هلكات الجهل، وويلات الظلم، ومداحض التمرد والعصيان، وعبادة الاوثان. فأمر الناس بالتو حيد، وسلك لهم سبلا، وسن لهم قوانين وأنظمة تنير لهم نواحي الحياة بجميع أبعادها، وأنزل الكتاب الدستور الأساس، فيه تبيان كل شئ، و جعله نبراسا للساري، ونورا للمهتدي، وشفاء لصدور المؤمنين، خسارا الكافرين. وبعث رسوله الكريم - (صلى الله عليه وآله) - به بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الهدى وسراجا منيرا، وهاديا إلى كتابه شارحا ومفسرا ومؤولا. فهو أول مفسر للقرآن الكريم، يتلو عليهم آياته، ويعلمعم الكتاب والحكمة، يبين محكمه، ويفسر غوامضه، ويؤول متشابهه. والبررة من أصحابه يحوطونه كما يحوط الفراش السراج المنير، يتزودون من نوره الوهاج، ليهتدوا إلى سبل الفجاج من سماحة أحكام القرآن. ولذا فقد اهتم المسلمون منذ صدر الاسلام حتى يومنا هذا بالقرآن الكريم، ليفوزوا به العظيم في الدنيا والآخرة. فبادروا إلى حفظه والمحافظة
[ 1 ]
عليه، وترتيله ومعرفة ما لديه، والتدقيق في فهم مبانيه، والتوصل إلى مفاهيمه ومعانيه، لتطبيق أوامره ونواهيه. فانبرى طبقة من أعلام الصحابة و التابعين وعلى رأسهم أمير المؤمنين - باب مدينة علم الرسول الأمين - و البررة من أبنائه - (عليهم السلام) - وشيعتهم بتفسير كتاب الله العزيز. قال ابن النديم في كتابه: (الفهرست ص 47) وهو يذكر جماع القرآن على عهد النبي - (صلى الله عليه وآله) -: (علي بن أبي طالب - رضوان الله
عليه -، سعد بن عبيد الله بن النعمان بن عمرو بن زيد - رضى الله عنه -، أبو الدرداء عويمر بن زيد - رضى الله عنه -، معاذ بن جبل بن أوس - رضى الله عنه -، أبو زيد ثابت بن زيد بن النعمان، أبي بن كعب بن قيس بن مالك ابن امرئ القيس، عبيد بن معاوية بن زيد بن ثابت ابن الضحاك). هؤلاء الذين ذكر هم ابن النديم وهم الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله - (صلى الله عليه وآله) - وعلى رأسهم وأولهم أمير المؤ منين (عليه السلام) - ص 317) بعد أن ذكر الروايات الواردة عن طريق أبناء السنة في ذلك: وأما الروايات عن أهل البيت في أن عليا أول من جمع القرآن على ترتيب النزول فقوق حدالإحصاء - ثم أردف قائلا: - وأما التفسير فهو الذي عنده علم الكتاب. قال السيوطي في الاتقان: وأما علي فروي عنه الشئ الكثير، وقد روى معمر بن وهب بن عبد الله عن أبي الطفيل قال: شهدت عليا يخطب ويقول: سلوني، فوالله لا تسألوني عن شئ إلا خبر تكم، وسلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم بليل نز لت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل. وأخرج أبو نعيم في (الحلية) عن ابن مسعود، قال: إن القرآن نزل على سبعة أحرف، ما منها حرف إلا وله ظهر وبطن، وأن علي بن أبي طالب عنده من
[ 2 ]
الظاهر والباطن وأخرج - أيضا - من طريق أبي بكربن عياش عن نصير بن سليمان الأحمسي عن أبيه عن علي قال: والله ما نزلت آ ية إلا وقد علمت فيمانزلت، وأين نزلت، إن ربي وهب لي قلبا عقو لا ولسانا سؤولا، إنتهى. ثم قال - السيد الصدر -: وأما سائر أنواع علوم القرآن، فأول من نوعها و قسمها فهو - أيضا - علي أمير المؤمنين، أملى ستين نوعا من أنواع علوم
القرآن، وذكر لكل نوع مثالا يخصه. وهو في كتاب نرويه عنه من عدة طرق، موجود بايدينا إلى اليوم. وقد أخرجه بتمامه العلامة المجلسي في الجزء التاسع عشر من بحار الأنوار المطبوع بايران، هو الأصل لكل من كتب في أنواع علوم القرآن، إنتهى. إن الحديث عن القرآن الكريم شيق وشاق، أي أنه ممتع ومتعب، لأنه لا نهاية له ولا نفاد، وهو طويل متشعب بعدد علومه وفنونه، فالحديث كإعجازه الذي لا ينفد، كرموزه وأسراره، كأحكامه ومعانيه، كنظمه ومبانيه، فكما أن أحكامه تسير مسير الزمان، ومعانيه لا نهاية لها، كذلك الحديث عن القرآن وأخباره وآثاره وبلاغته وبدائعه لا تنتهي معانيه، ولا تضاهي مبانيه، وقد ولع الذين عرفوا بعض جوانب جماله وروعته، ولعوابه منذ نزوله حتى يومنا هذا، حيث غاصوا في لججه وهو يمدهم بلآلئه وفرائده، ولا زالوا كذلك، ولا زاك كذلك. يزدادون غوصا، ويزداد عطاء، فلا تنفد مواهبه أبدا. فدأب علماء اللغة والنحو، والتفسير، والفقه، وأصول الفقه، والتأريخ، و الكلام، والبلاغة والأدب، كل يعمل على شاكلته، وحسب رغبته، و بموجب اختصاصه، يبحث في جانب من جوانبه، ويتجول في بعد من أبعاده، ويطرق بعض أبوابه. والكل لا يرجع إلا بمل ء كفيه مما أفاض عليه هذا الكتاب الكريم. وكل منهم قاصر لا مقصر، لأنهم بذلوا ما بوسعهم من الجهد لما يتوخونه، ولكن عظمة القرآن لا يمكن أن تحيط بها الأفكار القاصرة
[ 3 ]
(ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء). ولو أردنا أن نستقصي أسماء الذين كتبوا عن تفسير القرآن وعلومه و فنونه لبلغنا الجهد وما بلغناهم لكثرتهم في البلدان الاسلامية،
وقد أوردت بعض الكتب المعنية بالفهارس والفنون بعض الأسماء إما متتالية أو متناثرة في طياتها. ومنها ابن النديم (في الفهوست ص 56) في عرض تسمية الكتب المصنفة في تفسير القرآن، فيقول: - (كتاب الباقر محمد بن على بن الحسين - (عليهم السلام - رواه عنه أبو الجارود زياد بن المنذر، رئيس الجارودية الزيدية، ونحن نستقصي خبره في موضعه. كتاب ابن عباس) (ويذكر رواته)، ثم يذكر كتاب التفسير لابن ثعلب، بعده وبعده يقول: (كتاب تفسير أبي حمزة الثمالي، واسمه ثابت بن دينار، وكنية دينار أبو صفية. وكان أبو حمزة من أصحاب علي - (عليه السلام) - من النجباء الثقات، وصحب أبا جعفر..) أقول: نقل الشيخ الطوسي في تفسيره (التبيان)، والعلامة الطبرسي في تفسيره (مجمع البيان) في كثير من الموارد عن تفسير أبي حمزة الثمالى، مما يشير إلى أن هذا التفسير كان موجودا آن ذاك. وبادر العلماء بالقرآن إلى تفسيره جيلا بعد جيل، وكل منهم نحامنحى في هذا المضمار، فلم يدعوا - حسب مقدرتهم العلمية - جانبامنه إلا تحدثوا عنه بما لديهم من طاقة وإدراك، وما أروع كلمة العلامة المحقق السيد الخوثي - قدس سره - في كتابه (البيان ص 21) من مقدمة الطبعة الأولى، حيث يقول: (على المفسر أن يجري مع الآية حيث تجري، ويكشف معناها حيث تشير، ويوضح دلالتها حيث تدل. عليه أن يكون حكيما حين تشتمل الآية على الحكمة، وخلقيا حين ترشد الآية إلى الأخلاق، وفقيها حين تتعرض للفقه، و اجتماعيا حين تبحث في الاجتماع، وشيأآخر حين تنظر في أشياء اخر. على المفشر أن يوضح الفن الذي يظهر في الآية، والأدب الذي يتجلى
[ 4 ]
بلفظها، عليه أن يحرر دائرة لمعارف القرآن، إذا أراد أن يكون مفسرا. والحق إلي لم أجد من تكفل بجميع ذلك من المفسرين).
والحقيقة الملموسة في كتب التفاسير هي كما قرره وحرره شيخنا المحقق الخوئي - قدس الله نفسه الزكية -، وأن كل مفسر التزم جانب رغته وعلمه بالتفسير. وبين يدي القارئ الكريم (تفسير الصافي) لعلامة دهره، ووحيد عصره، الفقيه الفيلسوف، والمتبحر العارف، محمد المحسن بن مرتض بن محمود المعروف بالفيض الكاشاني، الذي نحافيه منحى الفلاسفة والعرفاء. وكان - رحمه الله - من أعلام القرن الحادي عشر، ذكره معاصره الشيخ الحر العاملي - قدس سره - في كتابه (أمل: 2 / 305) فقال: (المولى الجليل محمد بن مرتض المدعو بمحسن الكاشاني. كان فاضلا عالما ماهرا حكيما متكلما محدثا فقيها محققا شاعرا أديبا، حسن التصنيف، من المعاصرين، له كتب، منها كتاب الوافى، جمع الكتب الأربعة مع شرح أحاديثها المشكلة، إلا أن فيه ميلا إلى بعض طريقة الصوفية، وكذا جملة من متوسط..) ثم ذكر سبعة وعشرين من كتبه بأسمائها. أقول: إن ما ذكره الشيخ الحر العاملي - رضوان الله عليه - في وصف كتبه من: (أن فيها ميلا إلى بعض الطريقة الصوفية) قد يكون ناتجا ممارآه من وأنه استعمل الكلمات المصطحة لديهم، متأثرا بأستاذه صدر المتألهين المعروف بملا صدرا الشيرازي ثنيت له الوسادة في الفلسفة والعرفان، فتراءى للشيخ العاملي أن فيها ميلا إلى بعض الطريقة الصوفية. ولو أردنا أن نحتسب الجملة هذه باحساب ما تعبر كل كلمة منها عن المعنى الذى تحمله، يتضح لنا ما أراد الشيخ العاملي. ففى كلمة (ميل) منعى أقل بكثير من معنى الا تجاه، فلو كان صوفيا - كما
[ 5 ]
يدعيه الصوفيون - لقال معاصره العاملي. إن فيها اتجاه إلى..، وكلمه (بعض) تشير إلى الجزئية التى تتجلى في المصطلحات العرفانية التي طغت على كتاباته. ولو لا ذلك لقال - رحمه الله - إلى الطريقة الصوفية، ولما قيدها بكلمة (بعض). ولهذانرى أن أصحابنا - قدست أسرارهم - لم يجدوافيه مغمزا، وأثنوا عليه غاية الثناء، وأطروه بأحسن إطراء. ولنستعرض أقوال بعض هولاء الأعلام: - 1 - محمد باقر الخوانساري في روضات الجنا ت: 6 / 79: (اسمه كما يظهر من تقريرات نفسه محمد، وأمره في الفضل والفهم و النبالة في الفروع والأصول، والإحاطة بمراتب المعقول والمنقول، وكثرة التصنيف والتأليف مع جودة التعبير والترصيف، أشهر من أن يخفى في هذه الطائفة على أحد إلى منتهى الأبد. وعمره كما استفيد لنا من تتبع تصانيفه الوافره تجاوز حدود الثمانين، ووفاته بعد الألف من الهجرة الطاهرة بنيف يلحق تمام التسعين، ومرقده الشريف معروف بالكرامة والمقامة في دار المؤمنين..) 2 - الأردبيلي في (جامع الرواة: 2 / 42): (العلامة المحقق المدقق، جليل القدر، عظيم الشأن، رفيع المنزلة، فاضل كامل أديب، متبحر في جميع العلوم، له قريبا من مائة تأليفات منها كتاب تفسير الصافي وكتاب الوافى، وكتاب الشافي ملخص الصافي و..) 3 - الشيخ عباس القمي في (الكنى والألقاب: - (الفيض لقب العالم الفاضل الكامل العارف المحدث المحقق المدقق الحكيم المتأله محمد بن المرتضى المدعو بالمولى محسن الكاشاني. صاحب
التصانيف الكثيرة الشهيرة كالوافي، والصافى، والشافي، والمفاتيح، و..) 4 - العلامة الأميني في (الغدير: 11 / 362) قال عند ذكر ابنه (علم الهدى): -
[ 6 ]
(هو ابن المحقق الفيض علم الفقه، وراية الحديث، ومنار الفلسفة، و معدن العرفان، وطود الأخلاق، وعباب العلوم والمعارف. هو ابن ذلك الفذ الذي قل ما أنتج شكل الدهر بمثيله، وعقمت الأيام عن أن تأتي بمشبهه). وكتابه (تفسير الصافي) هذا يعد من كتب التفسير المهمه التي يعول عليها كل من تأخر عنها. وها نحن نرى أن العلامة السيد محمد الحسين الطباطبائي قد أفاد كثيرا من تفسير الصافي، واستشهد بأقوال مؤلفه في تفسيره الميزان، و من يتصفح تفسير الميزان، يجد ذلك واضحا. وهذا يدلنا على أهمية تفسير الصافي، والا عتماد على مؤلفه. وقد طبع هذا التفسير القيم عده طبعات في ايران بالقطع الرحلي وبالطبعة الحجرية، ثم طبع في المطبعة الا سلامية بطهران بخط الهمداني، وبعد ذلك طبع طبعة حديثة في بيروت، ضم إليه تعليقات بيانية لنفس المؤلف تحت رمز (منه، وتعليقات من كتب أخرى تحت رموز مثل: - م. ن = مجمع البيان في تفسير القرآن. ق = القاموس للفيروز آبادى. ص = الصحاح للجوهري. وقد تصدى أخيرا صديقنا الفاضل سماحه السيد كاظم صدر السادات الدزفولي صاحب مكتبة الصدر في طهران، الذي طالما وفقه الله لإصدار الكتب الا سلامية المفيدة، إلى طبع هدا الكتاب القيم والتفسير البين، بطبعته الحديثة، وحلته القشيبة هذه التى تتجلى منيزتها عما سبقها من الطبعات،
بنصاعة الورق، ووضوح الحروف، والإخراج الفني، والتجليد الحديث. كل ذلك خدمة للاسلام والمسلمين، فحيا الله روحه الاسلامية، وأخذ بيده لما فيه الصلاح، وكلل مساعيه بالنجاح، إنه ولي التوفيق. طهران 22 / جمادى الثانية 1415 ه عباس الترجمان
[ 7 ]
بسم الله الرحمن الرحيم نحمدك يا من تجلى لعباده في كتابه، بل في كل شئ، وأراهم نفسه في خطابه، بل في كل نور وفئ، دل على ذاته بذاته، وتنزه عن مجانسة مخلوقاته، كيف يستدل عليه بما هو في وجوده مفتقر إليه، بل متى غاب حتى يحتاج إلى دليل يدل عليه، ومتى بعد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه، عميت عين لا تراه ولا يزال عليها رقيبا، وخسرت صفقة عبد لم يجعل له من حبه نصيبا، تعرف لكل موجود فما جهله موجود، وتعرف إلينا بكل شاهد لنشاهده في كل مشهود، نزل الفرقان على عبده ليكون للعلمين نذيرا وأودع أسراره أهل البيت فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، أبلج عن هدى نبيه المرسل، بنور كتابه المنزل، وكشف عن سر كتابه المنزل بعترة نبيه المرسل، جعل الكتاب والعترة حبلين ممدودين بينه وبيننا، ليخرجنا بتمسكنا بهما من مهوى ضلالتنا ويذهب عنا شيننا، لم يزل أقامهما فينا طرف منهما بيده وطرف بأيدينا، من بهما علينا وحببهما بفضله إلينا، وهما الثقلان اللذان تركهما النبي فينا، وخلفهما لدينا، وقال إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي حوضي، فأخبرنا بأنهما صاحبان مصطحبان، وأخوان مؤتلفان، وإن العترة تراجمة للقرآن، فمن الكشاف عن وجوه عرائس أسراره ودقائقه وهم قد خوطبوا به،
ومن التبيان مشكلاته ولديه مجمع بيان معضلاته ومنبع بحر حقائقه وهم: أبو حسنه، ومن لشرح آيات الله وتيسير تفسيرها بالرموز والصراح الا من شرح الله صدره بنوره، ومثله بالمشكاة والمصباح ومن عسى يبلغ علمه بمعالم التنزيل
[ 8 ]
والتأويل وفي بيوتهم كان ينزل جبرئيل، وهي البيوت التي أذن الله أن ترفع، فعنهم يؤخذ ومنهم يسمع، إذ أهل البيت بما في البيت أدرى والمخاطبون لما خوطبوا به أوعى، فأين نذهب عن بابهم، وإلى من نصير لا والله ولا ينبئك مثل خبير، سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، اللهم فكما هديتنا للتمسك بحبل الثقلين وجعلت لنا المودة في القربى قرة عين، فاشرح صدورنا لأسرار كتابك لنرتقي من العلم إلى العين، ونور أفئدتنا بأنوار العترة لتخرجنا من ظلمات الغين والرين وصل اللهم على محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين وعلى التسعة من ولد الحسين (عليهم السلام) وصن بياننا عن الشين ولساننا عن المين. أما بعد: فيقول خادم علوم الدين، وراصد اسرار كتاب الله المبين، والفقير إلى الله في كل موقف وموطن (محمد بن مرتضى) المدعو (بمحسن) حشره الله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. هذا يا اخواني ما سألتموني من تفسير القرآن بما وصل إلينا من أئمتنا المعصومين من البيان، أتيتكم به مع قلة البضاعة، وقصور يدي عن هذه الصناعة، على قدر مقدور فإن المأمور معذور، والميسور لا يترك بالمعسور، ولا سيما كنت أراه امرا مهما، وبدونه أرى الخطب مدلهما، فان المفسرين وان أكثروا القول في معاني القرآن، إلا أنه لم يأت أحد منهم فيه بسلطان وذلك لأن في القرآن ناسخا ومنسوخا ومحكما ومتشابها وخاصا وعاما ومبينا ومبهما ومقطوعا وموصولا وفرائض وأحكاما وسننا وآدابا وحلا لا وحراما وعزيمة ورخصة وظاهرا
وباطنا وحدا ومطلعا، ولا يعلم تمييز ذلك كله إلا من نزل في بيته، وذلك هو النبي وأهل بيته، فكل ما لا يخرج من بيتهم فلا تعويل عليه. ولهذا ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله) من فسر القرآن برأيه فأصاب الحق فقد أخطأ، وقد جاءت عن أهل البيت في تفسير القرآن وتأويله أخبار كثيرة إلا أنها خرجت متفرقة عند أسئلة السائلين، وعلى قدر أفهام المخاطبين، وبموجب إرشادهم إلى مناهج الدين وبقيت بعد خبايا في زوايا خوفا من الأعداء وتقية من
[ 9 ]
البعداء ولعله مما برز وظهر لم يصل إلينا الأكثر، لأن رواته كانوا في محنة من التقية وشدة من الخطر وذلك بأنه لما جرى في الصحابة ما جرى، وضل بهم عامة الورى، أعرض الناس عن الثقلين وتاهوا في بيداء ضلالتهم عن النجدين إلا شرذمة من المؤمنين فكث العامة بذلك سنين وعمهوا في غمرتهم حتى حين، فآل الحال إلى: أن نبذ الكتاب حملته وتناساه حفظته، فكان الكتاب وأهله في الناس وليسا في الناس ومعهم وليسا معهم، لأن الضلالة لا توافق الهدى وإن اجتمعا، وكان العلم مكتوما وأهله مظلوما لا سبيل لهم إلى إبرازه إلا بتعميته وألغازه، ثم خلف من بعدهم خلف غير عارفين ولا ناصبين لم يدروا ما صنعوا بالقرآن، وعمن أخذوا التفسير والبيان، فعمدوا إلى طائفة يزعمون أنهم من العلماء، فكانوا يفسرونه لهم بالآراء ويروون تفسيره عمن يحسبونه من كبرائهم، مثل: أبي هريرة، وأنس وابن عمر ونظائهم. وكانوا يعدون أمير المؤمنين (عليه السلام) من جملتهم ويجعلونه كواحد من الناس، وكان خير من يستندون إليه بعده ابن مسعود وابن عباس ممن ليس على قوله كثير تعويل ولا له إلى لباب الحق سبيل، وكان هؤلاء الكبراء ربما يتقولون من تلقاء أنفسهم
غير خائفين من مآله وربما يستندونه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومن الآخذين عنهم من لم يكن له معرفة بحقيقة أحوالهم لما تقرر عنهم أن الصحابة كلهم عدول ولم يكن لأحد منهم عن الحق عدول، ولم يعلموا أن أكثرهم كانوا يبطنون النفاق ويجترون على الله ويفترون على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في عزة وشقاق، هكذا كان حال الناس قرنا بعد قرن فكان لهم في كل قرن رؤساء ضلالة، عنهم يأخذون وإليهم يرجعون، هم بآرائهم يجيبون وإلى كبرائهم يستندون وربما يروون عن بعض أئمة الحق في جملة ما يروون عن رجالهم ولكن يحسبونه من أمثالهم. فتبالهم ولأدب الرواية، إذ ما رعوها حق الرعاية، نعوذ بالله من قوم حذفوا محكمات الكتاب ونسوا الله رب الأرباب راموا غير باب الله أبوابا، واتخذوا من دون الله اربابا، وفيهم أهل بيت نبيهم وهم أزمة الحق وألسنة الصدق وشجرة النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط
[ 10 ]
الوحي وعيبة العلم ومنار الهدى والحجج على أهل الدنيا وخزائن اسرار الوحي والتنزيل، ومعادن جواهر العلم والتأويل، الأمناء على الحقائق، والخلفاء على الخلائق، اولوا الأمر الذين امروا بطاعتهم وأهل الذكر الذين امروا بمسألتهم وأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، والراسخون في العلم الذين عندهم علم القرآن كله تأويلا وتفسيرا ومع ذلك كله يحسبون أنهم مهتدون إنا لله وإنا إليه راجعون. ولما أصبح الأمر كذلك وبقي العلم مخزونا هنالك صار الناس كأنهم أئمة الكتاب وليس الكتاب بإمامهم فضربوا بعضه ببعض لترويج مرامهم وحملوه على أهوائهم في تفاسيرهم وكلامهم، والتفاسير التي صنفها علماء العامة من هذا القبيل فكيف يصح عليها التعويل، وكذلك التي صنفها متأخروا أصحابنا،
فانها أيضا مستندة إلى رؤساء العامة وشذ ما نقل فيه حديث عن أهل العصمة، وذلك لأنهم إنما نسجوا على منوالهم واقتصروا في الأكثر على أقوالهم، مع أن أكثر ما تكلم به هؤلاء وهؤلاء فإنما تكلموا في النحو والصرف والاشتقاق واللغة والقراءة وامثالها مما يدور على القشر دون اللباب فأين هم والمقصود من الكتاب، وإنما أورد كل طائفة منهم ما قويت فيه منته، وترك ما لا معرفة له به مما قصرت عنه همته، ومنهم من أدخل في التفسير ما لا يليق به فبسط الكلام في فروع الفقه وأصوله وطول القول في اختلاف الفقهاء أو صرف همته فيه إلى المسائل الكلامية وذكر ما فيها من الآراء، واماما وصل الينا مما ألفه قدماؤنا من أهل الحديث فغير تام لأنه إما غير منته إلى آخر القرآن وإما غير محيط بجميع الآيات المفتقرة إلى البيان، مع أن منه ما لم يثبت صحته عن المعصوم لضعف رواته أو جهالة حالهم ونكارة بعض مقالهم، ومنه ما أورد جامعه في كثير من المواضع ما لا مدخل له في فهم القرآن وترك فيه وفي مواضع اخر ما لا بد منه في التفسير والتبيان. لم يأت بنظم يليق، ولا بأسلوب أنيق، ومنه ما يشتمل مع ذلك على ما ثبت خلافه في العقل والأنباء كنسبة الكبائر والسفه إلى الأنبياء، ومنه ما يشتمل على التأويلات البعيدة التي تشمئز عنها الطباع وتنفر عنه الأسماع
[ 11 ]
وتحجب عن البيان وتزيد في حيرة الحيران مما يجب رده إليهم من غير إنكار كما وردت به الأخبار ولعلها إن صحت فإنما وردت لمصالح ومعان يقتضيها الوقت والزمان. ومنه ما يشتمل على ما يوهم عليه التناقض (1) لتخصيص المعنى تارة ببعض الأفراد كأنه هو المراد، وتارة بفرد آخر كأن غيره لا يراد، من غير تعرض للجمع والتوفيق، ولا اتيان بما هو التحقيق وجله يشتمل على ما يوهم
اختصاص آيات الرحمة بأشخاص بأعيانهم، كأنها لا يجاوزهم إلى الغير واختصاص آيات العذاب بأشخاص اخر كأنهم خصوا بالبعد عن الخير من غير تعرض منهم لبيان المراد، وأن ليس المقصود بهما خصوص الآحاد والأفراد، كما يعرفه البصير في الدين والخبير بأسرار كلام المعصومين، كيف ولو كان ذلك كذلك لكان القرآن قليل الفائدة، يسير الجدوى والعائدة، حاشاه عن ذلك بل إنما ورد ذلك على سبيل المثال، لا زاحة الخفأ أو ذكر الفرد الأكمل أو الأخفى، أو المنزل فيه أو للاشارة إلى احد بطون معانيه. وأما في كتب الأخبار مما يتعلق بالتفسير فكان مع اشتماله على بعض هذه الامور متفرقا بحيث يعسر ضبطه وربطه بالأيات، مع أنه لم يف بأكثر المهمات وبالجملة لم نر إلى الآن في جملة المفسرين مع كثرتهم وكثرة تفاسيرهم من أتى بتصنيف تفسير مهذب صاف واف كاف شاف يشفي العليل ويروي الغليل، يكون منزها عن آرأ العوام مستنبطا من أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، وليس لهذا الأمر الخطير والاتيان بمثل هذا التفسير الا ناقد بصير، ينظر بنور الله ويؤيده روح القدس، باذن الله ليشاهد صدق الحديث وصحته من اشراق نوره، ويعرف كذبه وضعفه من لحن القول وزوره فيصحح
وذلك كما ورد في قول الله عز وجل: (الذين يؤمنون بالغيب) تارة بأن المراد بالغيب التوحيد واخرى أن المزاد به الأنبياء الماضون، وأخرى أن المراد به القيامة، وأخرى أن المراد به القائم (ع)، وخرى أن المراد به الرجعة ال غير ذلك. وهذه الأخبار توهم التناقض وليست بمتناقضة لأن المراد به الجميع دائما خرجت على ما اقتضاه الحال وارتضاه السؤال (منه) (*)
[ 12 ]
الاخبار بالمتون دون الأسانيد، ويأخذ العلم من الله لا من الأساتيد حتى يتأتى له تمييز الصافي من الكدر، وتخريج الشافي من المضر، فينقر الأخبار التفسيرية
المعصومية نقرا حتى تصفوا عما يوهم غبارا في البيان، ويبقرها بقرا إلى أن يخرج من خاصرتها ما يناسب فهم أبنأ الزمان، يجمع شتاتها من كتب متعددة، ويؤلف متفرقاتها من مواضع متبددة، ويفردها من كلام كثير ليس لأكثره مدخل في التفسير ويلفقها من غير واحد بحذف الزوائد، بحيث يزيل الإبهام لا أن يزيد إبهاما على إبهام، على نحو لا يخرج عن مقصود الامام ولا يفوت شيئا من لطائف الكلام، وقد جاءت الرخصة عنهم في نقل حديثهم بالمعنى إذا لم يخل بالمرام، وأن يعمم في تفسيره المعنى والمفهوم في كل ما يحتمل الاحاطة والعموم، لأن التناقض والتضاد الموهومين في الأخبار إنما يرتفعان بذلك في الغالب، وفهم أسرار القرآن يبتني على ذلك للطالب، فإن نظر أهل المعرفة إنما يكون في العلوم إلى الحقائق الكلية دون الافراد، فما ورد في الأخبار من التخصيص فإنما ورد للافهام القاصرة على خصوص الآحاد للاستيناس إذ كان كلامهم مع الناس على قدر عقول الناس، وقد عمم مولانا الصادق (عليه السلام) لآية التي وردت في صلة رحم آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) صلة كل رحم ثم قال ولا تكونن ممن يقول في الشئ إنه في شئ واحد، وهذا نهي عن التخصيص فضلا عن الاذن في التعميم وهذا هو المعنى بالتأويل كما يأتي بيانه نقلا عن المعصوم ثم تحقيق معناه ببسط من الكلام اشأ الله وأن يأتي بذكر القصص التي يتوقف عليها فهم الآيات، وتعاطيها دون ما لا مدخل له فيها، وأن يترك ما يبعد عن الافهام في طي الأخبار، ويذره في سنبله من غير نقل ولا إنكار، امتثالا لما ورد فيما رواه مولانا الباقر (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال ان حديث آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) صعب مستصعب لا يؤمن به إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان فما عرض عليكم من حديث آل محمد فلانت له قلوبكم
وعرفتموه فخذوه وما اشمأزت منه قلوبكم وأنكرتموه فردوه إلى الله وإلى الرسول
[ 13 ]
وإلى العالم من آل محمد (صلى الله عليه وآله) وإنما الهلاك أن يحدث عليكم أحدكم بشئ منه لا يحتمله فيقول والله ما كان هذا والله ما هذا بشئ والانكار هو الكفر وإذا أتى المفسر بهذا كله فمرجو له ان يكون من أهل البشارة في قوله سبحانه * (فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب) * وإني لأرجو من فضل الله وكرمه أن يكون هذا الكتاب هو ذلك التفسير مع إني ما بلغت معشار حسنة من حسنات ذلك الناقد البصير إلا أن يعرفني (بصرني خ ل) ربي ونصرني وأيدني وسددني وآتاني فهما في قرآنه ثم أطلق لساني ببيانه، وما ذلك ياإلهي إلا بيدك ولا يوصل إليه إلا بمعونتك وقدرتك ولا ينال إلا بمشيئتك وإرادتك، ولا يتأتى إلا بتوفيقك وتسديدك فهب لي منك تأييدا وتسديدا وتوفيقا، وتحقيقا حتى استفيد ذلك من خزائنك على أيدي خزانك الأمناء على وحيك العلماء بكتابك، فإنك إن وكلتني إلى سواك وسواهم تهت وإن تركتني ونفسي ولهت، وإن كنت لي فيما بيني وبينك فزت، وعن مواقع الهلكة جزت وذلك هو الفوز العظيم وهو المرجو منك يا كريم وما ذلك عليك بعزيز. وبالحري أن يسمى هذا التفسير بالصافي لصفائه عن كدورات آراء العامة والممل والمحير والمتنافي. ونمهد أولا اثنتي عشرة مقدمة مهمات ثم نشرع إنشاء الله في تفسير الآيات: المقدمة الأولى: في نبذ مما جاء في الوصية بالتمسك بالقرآن وفضله. والمقدمة الثانية: في نبذ مما جاء في أن علم القرآن كله إنما هو من عند
أهل البيت (عليهم السلام.) والمقدمة الثالثة: في نبذ مما جاء في أن جل القرآن إنما ورد فيهم وفي أوليائهم وفي أعدائهم، وبيان سر ذلك. والمقدمة والرابعة: في نبذ مما جاء في معاني وجوه الآيات من التفسير
[ 14 ]
والتأويل والظهر والبطن والحد والمطلع والمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ وغير ذلك، وتحقيق القول في معنى المتشابه وتأويله. والمقدمة الخامسة: في نبذ مما جاء في المنع من تفسير القرآن بالرأي والسر فيه. والمقدمة السادسة: في نبذ مما جاء في جمع القرآن وتحريفه وزيادته ونقصه وتأويل ذلك. والمقدمة السابعة: في نبذ مما جاء في أن القرآن تبيان كل شئ وتحقيق معناه. والمقدمة الثامنة: في نبذ مما جاء في أقسام الآيات واشتمالها على البطون والتأويلات وأنواع اللغات واختلاف القرأات والمعتبرة منها. والمقدمة التاسعة: في نبذ مما جاء في زمان نزول القرآن وتحقيق ذلك. والمقدمة العاشرة: في نبذ مما جاء في تمثل القرآن لأهله يوم القيامة وشفاعته لهم وثواب حفظه وتلاوته. والمقدمة الحادية عشرة: في نبذ مما جاء في كيفية التلاوة وآدابها. والمقدمة الثانية عشرة: في بيان ما اصطلحنا عليه في تفسير الآيات ليكون الناظر فيه على بصيرة ومن الله الاعانة وإعطاء الفهم والبصيرة.
[ 15 ]
المقدمة الاولى في نبذ مما جاء في الوصية بالتمسك بالقرآن وفي فضله روى محمد بن يعقوب الكليني طاب ثراه في الكافي باسناده، ومحمد بن مسعود العياشي في تفسيره باسناده عن الصادق عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أيها الناس إنكم في دار هدنة وأنتم على ظهر سفر والسير بكم سريع وقد رأيتم الليل والنهار والشمس والقمر يبليان كل جديد ويقربان كل بعيد ويأتيان بكل موعود فأعدوا الجهاز لبعد المجاز. قال: فقام المقداد بن الأسود فقال يا رسول الله: وما دار الهدنة فقال (ص). دار بلاغ وانقطاع فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنه شافع مشفع وماحل مصدق ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار وهو الدليل يدل على خير سبيل وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل، وهو الفصل وليس بالهزل وله ظهر وبطن، فظاهره حكم وباطنه علم ظاهره أنيق وباطنه عميق له تخوم وعلى تخومه تخوم لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة. وزاد في الكافي: فليجل جال بصره وليبلغ الصفة نظره ينج من عطب ويخلص من نشب فإن التفكر حياة قلب البصير كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور، فعليكم بحسن التخلص وقلة التربص. أقول: ماحل: أي يمحل بصاحبه إذا لم يتبع ما فيه، أعني سعى به إلى
[ 16 ]
الله تعالى. وقيل معناه خصم مجادل. والأنيق الحسن المعجب.
والتخوم بالمثناة الفوقانية والمعجمة: جمع تخم بالفتح وهو منتهى الشئ لمن عرف الصفة: أي صفة التعريف وكيفية الاستنباط. والعطب: الهلاك. والنشف: الوقوع فيما لا مخلص منه. وروى العياشي بإسناده عن الحارث الأعور قال: دخلت على أمير المؤمنين (عليه السلام) فقلت: يا أمير المؤمنين انا إذا كنا عندك سمعناالذي نشد به ديننا وإذا خرجنا من عندك سمعنا أشياء مختلفة مغموسة ولا ندري ما هي. قال: أوقد فعلوها قال: قلت: نعم. قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم يقول: أتاني جبرئيل فقال: يا محمد ستكون في أمتك فتنة. قلت: فما المخرج منها ؟ فقال: كتاب الله فيه بيان ما قبلكم من خبر، وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم وهو الفصل ليس بالهزل من وليه من جبار فعمل بغيره قصمه الله، ومن التمس الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم لا تزيغه الأهوية ولا تلبسه الألسنة ولا يخلق على الرد ولا تنقضي عجائبه ولا يشبع منه العلماء هو الذي لم تلبث الجن إذ سمعته أن قالوا: (إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد) من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن اعتصم به فقد هدي إلى صراط مستقيم وهو الكتاب العزيز الذي لا يأتيه البطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. وبإسنادهما عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) القرآن: هدى من الضلالة وتبيان من العمى واستقالة من العثرة ونور من الظلمة وضياء من الأجداث وعصمة من الهلكة ورشد من الغواية وبيان من الفتن وبلاغ من الدنيا إلى الآخرة وفيه كمال دينكم وما عدل أحد من القرآن إلا إلى النار.
[ 17 ]
وروى العياشي بإسناده عنه (عليه السلام) قال: عليكم بالقرآن فماوجدتم
آية نجى بها من كان قبلكم فاعملوا به وما وجدتموه مما هلك بها من كان قبلكم فاجتنبوه. وفي تفسير الامام ابي محمد الزكي: قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إن هذا القرآن هو النور المبين والحبل المتين والعروة الوثقى والدرجة العليا والشفاء الأشفى والفضيلة الكبرى والسعادة العظمى من استضاء به نوره الله ومن عقد به أموره عصمه الله ومن تمسك به أنقذه الله، ومن لم يفارق أحكامه رفعه الله ومن استشفى به شفاه الله ومن أثره على ما سواه هداه الله ومن طلب الهدى في غيره أضله الله ومن جعله شعاره ودثاره أسعده الله ومن جعله إمامه الذي يقتدي به ومعوله الذي ينتهي إليه أداه الله إلى جنات النعيم والعيش السليم. وفي الكافي بإسناده عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا معاشر قراء القرآن اتقوا الله فيما حملكم من كتابه فإني مسؤول وإنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة وأما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله وسنتي. وبإسناده عنه (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أنا أول وافد على العزيز الجبار يوم القيامة وكتا به وأهل بيتي ثم امتي ثم أسألهم ما فعلتم بكتاب الله وأهل بيتي. وبإسناده عن سعد الأسكاف (1) عنه (عليه السلام) قال: قال (صلى الله عليه وآله وسلم) اعطيت السور الطول مكان التوراة واعطيت المئين مكان الانجيل واعطيت المثاني مكان الزبور وفضلت بالمفصل ثمان وستون سورة وهو مهيمن على سائر الكتب، فالتوراة لموسى والانجيل لعيسى والزبور لداود.
أقول: اختلفت الأقوال في تفسير هذه الألفاظ أقربها إلى الصواب وأحوطها
(1) روى هذا الحديث العباشي أيضا إلى قوله (عليه السلام: وستون سورة وأورد مكان ثمان سبع. (*)
[ 18 ]
لسور الكتاب إن الطول كصرد هي السبع الأول بعد الفاتحة على أن يعد الأنفال والبراءة واحدة نزولهما جميعا في المغازي وتسميتهما بالقرينتين. والمئين من بني إسرائيل إلى سبع سور سميت بها لأن كلا منها على نحو مائة آية، والمفصل من سورة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى آخر القرآن سميت به لكثرة الفواصل بينها والمثاني بقية السور وهي التي تقصر عن المئين وتزيد على المفصل كأن الطول جعلت مبادي تارة والتي تليها مثاني لها لأنها ثنت الطول أي تلتها، والمئين جعلت مبادي اخرى والتي تليها مثاني لها.
[ 19 ]
المقدمة الثانية في نبذ مما جاء في أن علم القرآن كله إنما هو عند أهل البيت (عليهم السلام) روي في الكافي بإسناده عن سليم بن قيس الهلالي قال سمعت أمير المؤمنين يقول وساق الحديث إلى أن قال: ما نزلت آية على رسول الله (صلى الله وآله) الا اقرأنيها وأملاها علي فكتبتها بخطي وعلمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها ودعا الله لي أن يعلمني فهمها وحفظها فما نسيت آية من كتاب الله ولا علما أملاه علي فكتبته منذ دعا لي بما دعا وما ترك شيئا علمه الله من حلال ولا حرام ولا أمر ولا نهي كان أو يكون ولا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية إلا علمنيه وحفظته فلم أنس منه حرفا
واحدا ثم وضع يده على صدري ودعا الله أن يملأ قلبي علما وفهما وحكمة ونورا. فقلت: يا رسول الله بأبي انت وأمي مذ دعوت الله لي بما دعوت لم أنس شيئا ولم يفتني شئ لم أكتبه أو تتخوف علي النسيان فيما بعد. فقال: لست أتخوف عليك نسيانا ولا جهلا. ورواه العياشي في تفسيره والصدوق في إكمال الدين بتفاوت يسير في ألفاظه. وزيد في آخره: وقد أخبرني ربي أنه قد استجاب لي فيك وفي شركائك الذين يكونون من بعدك فقلت: يا رسول الله ومن شركائي من بعدي ؟ قال: الذين قرنهم الله بنفسه وبي. فقال: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فقلت ومن
[ 20 ]
هم ؟ قال: الأوصياء مني. إلى أن يردوا علي الحوض كلهم هادين مهديين لا يضرهم من خذلهم، هم مع القرآن والقرآن معهم لا يفارقهم ولا يفارقونه بهم ينصر امتي وبهم تمطر وبهم يدفع عنهم البلاء وبهم يستجاب دعاؤهم فقلت: يا رسول الله سمهم لي. فقال: إبني هذا ووضع يده على رأس الحسن ثم إبني هذا ووضع يده على رأس الحسين ثم ابن له يقال له علي وسيولد في حياتك فاقرأه مني (السلام) ثم تكمله إثني عشر من ولد محمد (صلى الله عليه وآله) فقلت له بأبي انت وامي فسمهم لي فسماهم رجلا رجلا فقال: فيهم والله يا أخا بني هلال مهدي أمة محمد الذي يملأ الأرض قسطا وعدلأ كما ملئت ظلما وجورا والله إني لأعرف من يبايعه بين الركن والمقام وأعرف اسماء آبائهم وقبائلهم. وفي الكافي بإسناده عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما انزل الا كذاب وما جمعه وحفظه كما أنزل الله، الا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده (عليهم السلام). وبإسناده عن أبي جعفر
(عليه السلام) إنه قال: ما يستطيع أحد أن يدعي أن عنده جميع القرآن كله ظاهره وباطنه غير الأوصياء. وبإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: * (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) * قال: هم الأئمة. وبإسناده عنه (عليه السلام) قال: قد ولدني رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنا أعلم كتاب الله تعالى وفيه بدؤ الخلق وما هو كائن إلى يوم القيامة وفيه خبر السمأ وخبر الأرض وخبر الجنة والنار وخبر ما كان وما هو كائن أعلم ذلك كما أنظر إلى كفي إن الله تعالى يقول: * (فيه تبيان كل شئ) *. أقول: الولادة المشار إليها تشمل الولادة الجسمانية والروحانية فإن علمه يرجع إليه كما أن نسبه يرجع إليه فهو وارث علمه كما هو وارث ماله ولهذا قال: وأنا أعلم كتاب الله تعالى وفيه كذا وكذا يعني وأنا عالم بذلك كله وبإ سناده: عنه (عليه السلام) قال: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وحبر ما بعدكم
[ 21 ]
وفصل ما بينكم ونحن نعلمه. وبإسناده عنه (عليه السلام) قال: نحن الر اسخون في العلم ونحن نعلم تأويله. وفي تفسير العياشي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: انا أهل بيت لم يزل الله يبعث فينا من يعلم كتابه من أوله إلى آخره وإن عندنا من حلال الله وحرامه ما يسعنا كتمانه ما نستطيع أن نحدث به احدا. وفي رواية: إن من علم ما أوتينا تفسير القرآن وأحكامه لو وجدنا أوعية أو مستراحا لقلنا والله المستعان. وفيه عنه (عليه السلام) قال: ان الله جعل ولايتنا أهل البيت قطب القرآن وقطب جميع الكتب عليها يستدير محكم القرآن وبها نوهت الكتب ويستبين
الإيمان، وقد أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن تقتدي بالقرآن وآل محمد (عليهم السلام). وذلك حيث قال: في آخر خطبة خطبها إني تارك فيكم الثقلين الثقل الأكبر والثقل الأصغر فأما الأكبر فكتاب ربي وأما الأصغر فعترتي أهل بيتي فاحفظوني فيهما فلن تضلوا ما تمسكتم بهما. وفي الكافي بإسناده عن زيد الشحام قال: دخل قتادة بن دعامة على أبي جعفر (عليه السلام) فقال: يا قتادة انت فقيه أهل البصرة ؟ فقال: هكذا يزعمون، فقال أبو جعفر (عليه السلام): بلغني أنك تفسر القرآن ؟ قال له قتادة: نعم فقال أبو جعفر (عليه السلام): بعلم تفسره، أم بجهل ؟ قال: لا بل بعلم. فقال له أبو جعفر (عليه السلام): فإن كنت تفسره بعلم فأنت أنت وأنا أسألك ؟ قال قتادة: سل. قال: أخبرني عن قول الله تعالى في سبأ * (وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالى وأياما امنين) *. فقال قتادة: ذلك من خرج من بيته بزاد وراحلة وكرى حلال يريد هذا البيت كان آمنا حتى يرجع إلى أهله، فقال أبو جعفر (عليه
[ 22 ]
السلام): نشدتك بالله يا قتادة هل تعلم أنه قد يخرج الرجل من بيته بزاد وراحلة وكرى حلال يريد هذا البيت فيقطع عليه الطريق فتذهب نفقته ويضرب مع ذلك ضربة فيها اجتياحه ؟ قال قتادة: اللهم نعم. فقال أبو جعفر (عليه السلام) ويحك يا قتادة إن كنت إنما فسرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت وإن كنت أخذته من الرجال فقد هلكت وأهلكت ويحك يا قتادة ذلك من خرج من بيته بزاد وراحلة وكرى حلال يؤم هذا البيت عارفا بحقنا يهوانا قلبه كما قال الله تعالى: * (فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم) * ولم يعن البيت (1) فيقول إليه فنحن والله دعوة إبراهيم (ع) التي من هوانا قلبه قبلت حجته وإلا فلا، يا قتادة
فإذا كان كذلك كان آمنا من عذاب جهنم يوم القيامة، قال: قتادة لا جرم والله لا فسرتها إلا هكذا. فقال أبو جعفر (عليه السلام): ويحك يا قتادة إنما يعرف القرآن من خوطب به. أقول: هكذا وجدنا هذا الحديث في نسخ الكافي ويشبه أن يكون قد سقط منه شئ وذلك لأن ما ذكره قتادة لا تعلق له بقوله تعالى: * (سيروا فيها ليالى وأياما آمنين) * لأنه ما ذكر فيه اين هي من الأرض وإنما يتعلق بقوله: * (ومن دخله كان آمنا) *. وكذلك ما قاله الإمام علي، وفيما ورد عن الصادق (عليه السلام) من سؤال تفسير الآيتين عن أبي حنيفة دلالة ايضا على ما ذكرناه من السقوط وهو ما رواه في علل الشرائع بإسناده عنه (عليه السلام) أنه قال لأبي حنيفة: انت فقيه أهل العراق ؟ فقال: نعم. قال: فبم تفتيهم ؟ قال: بكتاب الله تعالى وسنة نبيه. قال: يا أبا حنيفة تعرف كتاب الله حق معرفته وتعرف الناسخ من المنسوخ ؟ فقال: نعم. فقال: يا أبا حنيفة لقد ادعيت علما ويلك ما جعل الله ذلك الا عند أهل الكتاب الذي أنزله (عليهم)، ويلك وما هو الا عند الخاص من ذرية نبينا وما أراك تعرف من كتابه حرفا فإن كنت كما تقول ولست كما تقول فأخبرني عن قول الله تعالى: * (سيروا فيها ليالى وأياما آمنين) * أين
(1) أي لم يعن البيت فيقول مكان تهوى إليهم تهوى إليه بل عني إياهم. فقال: تهوى إليهم أي أهل البيت (عليهم السلام) (منه قده). (*)
[ 23 ]
ذلك من الأرض. قال احسبه ما بين مكة والمدينة فالتفت أبو عبد الله (عليه السلام) إلى أصحابه فقال: تعلمون أن الناس يقطع (عليهم) ما بين المدينة ومكة فتؤخذ أموالهم ولا يؤمنون على أنفسهم ويقتلون. قالوا: نعم. فسكت أبو حنيفة فقال ؟ يا أبا حنيفة أخبرني عن قول الله عز وجل: * (ومن دخله كان آمنا) *
اين ذلك من الأرض ؟ قال: الكعبة. قال: أفتعلم أن الحجاج بن يوسف حين وضع المنجنيق على ابن الزبير في الكعبة فقتله كان آمنا فيها فسكت. ويأتي تفسير الآيتين في محلهما إنشاء الله.
[ 24 ]
المقدمة الثالثة في نبذ مما جاء في أن جل القرآن إنما نزل فيهم وفي أوليائهم وأعدائهم وبيان سر ذلك في الكافي وتفسير العيا شي بإسنادهما عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: نزل القرآن على أربعة أرباع ربع فينا وربع في عدونا وربع سنن وأمثال وربع فرائض وأحكام، وزاد العياشي: ولنا كرائم القرآن، وبإسنادهما عن الأصبغ بن نباتة قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول نزل القرآن أثلاثا: ثلث فينا وفي عدونا وثلث سنن وأمثال وثلث فرائض وأحكام. وروى العياشي بإسناده عن خيثمة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: القرآن نزل أثلاثا: ثلث فينا وفي أحبائنا وثلث في أعدائنا وعدو من كان قبلنا، وثلث سنة ومثل، ولو أن الآية إذا نزلت في قوم ثم مات أولئك القوم ماتت الآية لما بقي من القرآن شئ ولكن القرآن يجري أوله على آخره ما دامت السموات والأرض ولكل قوم آية يتلونها هم منها من خير أو شر. أقول: لا تنافي بين هذه الأخبار لأن بناء هذا التقسيم ليس على التسوية الحقيقية ولا على التفريق من جميع الوجوه فلا بأس باختلافها بالتثليث والتربيع ولا بزيادة بعض الأقسام على الثلث أو الربع أو نقصه عنهما ولا دخول بعضها في بعض. وبإسناده عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لنا حق في كتاب الله تعالى المحكم لو محوه فقالوا ليس من عند الله أو لم يعلموا لكان سواء. أقول: إنه قد وردت أخبار جمة عن أهل البيت (عليهم السلام) في تأويل
[ 25 ]
كثير من آيات القرآن بهم وبأوليائهم وبأعدائهم حتى أن جماعة من أصحابنا صنفوا كتبا في تأويل القرآن على هذا النحو جمعوا فيها ما ورد عنهم (عنهم السلام) في تأويل آية آية اما بهم أو بشيعتهم أو بعدوهم على ترتيب القرآن وقد رأيت منها كتابا كاد يقرب من عشرين الف بيت. وقد روي في الكافي وفي تفسيري العياشي وعلي بن إبراهيم القمي والتفسير المسموع من الإمام أبي محمد الزكي أخبار كثيرة من هذا القبيل وذلك مثل ما رواه في الكافي عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: * (نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين) *. قال: هي الولاية لأمير المؤمنين (عليه السلام). وفي تفسير العياشي عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: يا أبا محمد إذا سمعت الله ذكر قوما من هذه الأمة بخير فنحن هم وإذا سمعت الله ذكر قوما بسؤ ممن مضى فهم عدونا. وفيه عن عمر بن حنظلة عن أبي عبد الله (عليه السلام) سأله عن قول الله تعالى * (قل كفى بالله شهيدا بينى وبينكم ومن عنده علم الكتب) * قال: فلما رآني أتتبع هذا وأشباهه من الكتاب. قال: حسبك كل شئ في الكتاب من فاتحته إلى خاتمته مثل هذا فهو في الأئمة عنوا به. أقول: والسر فيه إنما ينكشف ويتبين ببسط من الكلام وتحقيق للمقام فنقول وبالله التوفيق: إنه لما أراد الله أن يعرف نفسه لخلقه ليعبدوه وكان لم تيسر معرفته كما أراد على سنة الأسباب إلا بوجود الأنبيأ والاوصيأ إذ بهم تحصل المعرفة التامة والعبادة الكاملة دون غيرهم وكان لم يتيسر وجود الأنبياء والأوصياء إلا بخلق سائر الخلق ليكون انسا لهم وسببا لمعاشهم فلذلك خلق
سائر الخلق ثم أمرهم بمعرفة أنبيائه وأوليائه وولايتهم والتبري من أعدائهم ومما يصدهم عن ذلك ليكونوا ذوي حظوظ من نعيمهم ووهب الكل معرفة نفسه على قدر معرفتهم بالأنبياء والأوصياء إذ بمعرفتهم إياهم يعرفون الله وبولايتهم إياهم
[ 26 ]
يتولون الله فكل ما ورد من البشارة والإنذار والأوامر والنواهي والنصائح والمواعظ من الله سبحانه فإنما هو لذلك ولما كان نبينا سيد الأنبياء ووصيه سيد الأوصيأ، لجمعهما كمالات سائر الأنبياء والإوصياء ومقاماتهم مع ما لهما من الفضل عليهم وكان كل منهما نفس الآخر صح أن ينسب إلى أحدهما من الفضل ما ينسب إليهم لاشتماله على الكل وجمعه لفضائل الكل وحيث كان الأكمل يكون الكامل لا محالة ولذلك خص تأويل الآيات بهما وبسائر أهل البيت (عليهم السلام) الذين هم منهما ذرية بعضها من بعض وجئ بالكلمة الجامعة التي هي الولاية فإنها مشتملة على المعرفة والمحبة والمتابعة وسائر ما لا بد منه في ذلك، وأيضا فإن أحكام الله سبحانه إنما تجري على الحقائق الكلية والمقامات النوعية دون خصائص الأفراد والآحاد كما أشرنا إليه سابقا فحيثما خوطب قوم بخطاب أو نسب إليهم فعل دخل في ذلك الخطاب وذلك الفعل عند العلماء وأولي الألباب كل من كان من سنخ أولئك القوم وطينتهم فصفوة الله حيثما خوطبوا بمكرمة أو نسبوا إلى أنفسهم مكرمة يشمل ذلك كل من كان من سنخهم وطينتهم من الأنبياء والأولياء وكل من كان من المقربين الا مكرمة خصوابها دون غيرهم وكذلك إذا خوطبت شيعتهم بخير أو نسب إليهم خير أو خوطب أعداؤهم بسوء ونسب إليهم سوء يدخل في الأول كل من كان من سنخ شيعتهم وطينة محبيهم وفي الثاني كل من كان من سنخ أعدائهم وطينة مبغضيهم من الأولين والآخرين، وذلك لأن كل من أحبه الله ورسوله أحبه كل مؤمن من ابتداء الخلق إلى إنتهائه وكل من أبغضه
الله ورسوله أبغضه كل مؤمن كذلك وهو يبغض كل من أحبه الله تعالى ورسوله وكل مؤمن في العالم قديما أو حديثا إلى يوم القيامة فهو من شيعتهم ومحبيهم وكل جاحد في العالم قديما أو حديثا إلى يوم القيامة فهو من مخالفيهم ومبغضيهم. وقد وردت الإشارة إلى ذلك في كلام الصادق (عليه السلام) في حديث المفضل بن عمر وهو الذي رواه الصدوق طاب ثراه في كتاب علل الشرائع بإسناده عن المفضل بن عمر قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) بما صار علي
[ 27 ]
ابن أبي طالب (عليه السلام) قسيم الجنة والنار ؟ قال: لأن حبه إيمان وبغضه كفر وإنما خلقت الجنة لأهل الإيمان وخلقت النار لأهل الكفر فهو (عليه السلام) قسيم الجنة والنار لهذه العلة والجنة لا يدخلها إلا أهل محبته والنار لا يدخلها إلا أهل بغضه، قال المفضل: يابن رسول الله فالأنبياء والأوصياء هل كانوا يحبونه وأعداؤهم يبغضونه ؟ فقال: نعم. قلت فكيف ذلك قال: أما علمت أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال يوم خيبر لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله تعالى ورسوله ويحبه الله ورسوله ما يرجع حتى يفتح الله على يده، قلت: بلى. قال: أما علمت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما أوتي بالطائر المشوي قال اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير وعني به عليا، قلت بلى قال: يجوز أن لا يحب أنبياء الله ورسله وأوصيائهم (عليهم السلام رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله. فقلت: لا. قال فهل يجوز أن يكون المؤمنون من أممهم لا يحبون حبيب الله وحبيب رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنبياء ه. قلت: لا، قال: فقد ثبت أن جميع أنبياء الله ورسله وجميع المؤمنين كانوا لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) محبين وثبت أن المخالفين لهم
كانوا له ولجميع حبته مبغضين. قلت: نعم. قال: فلا يدخل الجنة إلا من احبه من الأولين والآخرين فهو إذن قسيم الجنة والنار. قال: المفضل بن عمر. فقلت: له يا ابن رسول الله فرجت عني فرج الله عنك فزدني مما علمك الله تعالى ؟ فقال: سل يا مفضل. فقلت: أسأل يابن رسول الله فعلي بن أبي طالب (عليه السلام) يدخل محبه الجنة ومبغضه النار أو رضوان ومالك فقال: يا مفضل أما علمت أن الله تبارك وتعالى بعث رسوله وهو روح إلى الأنبياء وهم أرواح قبل خلق الخلق بألفي عام. قلت: بلى. قال: أما علمت أنه دعاهم إلى توحيد الله وطاعته واتباع أمره ووعدهم الجنة على ذلك وأوعد من خالف ما أجابوا إليه وأنكره النار فقلت: بلى. قال: أفليس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ضامنا لما وعد وأوعد عن ربه عز وجل ؟ قلت: بلى. قال: أو ليس علي بن أبي طالب (عليه السلام) خليفته وإمام امته ؟ قال: بلى. قال: أو ليس
[ 28 ]
رضوان ومالك من جملة الملائكة والمستغفرين لشيعته الناجين بمحبته. قلت: بلى. قال: فعلي بن أبي طالب (عليه السلام) إذن قسيم الجنة والنار عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورضوان ومالك صادران عن أمره بأمر الله تبارك وتعالى، يا مفضل خذ هذا فإنه من مخزون العلم ومكنونه لا تخرجه إلا إلى أهله. أقول: وقد فتح هذا الحديث بابا من العلم انفتح منه ألف باب وسيأتي له مزيد انكشاف في المقدمة الرابعة عند تحقيق القول في المتشابه وتأويله ان شأ الله. ومن هذا القبيل خطاب الله تعالى لبني إسرائيل الذين كانوا في زمان نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) بما فعل بأسلافهم أو فعلت أسلافهم كانجائهم من الغرق وسقيهم من الحجر وتكذيبهم الآيات إلى عير ذلك وذلك لأن هؤلاء كانوا من سنخ أولئك راضين بما رضوا به ساخطين بما سخطوا به، وأيضا فإن القرآن إنما نزل بلغة العرب ومن عادة العرب أن تنسب إلى الرجل ما فعلته القبيلة التي
هو منهم وان لم يفعل هو بعينه ذلك الفعل معهم. وقد ورد ذلك بعينه في كلام السجاد (عليه السلام) حيث سئل عن ذلك، فقال: إن القرآن بلغة العرب فيخاطب فيه أهل اللسان بلغتهم أما تقول للرجل التميمي الذي قد أغار قومه على بلد وقتلوا من فيه أغرتم على بلد كذا وفعلتم كذا الحديث. وسر هذه العادة في لغتهم ما قلناه. وبهذا التحقيق انحل كثير من المشكلات والشبهات في تأويل الآيات الواردة عنهم (عليهم السلام) بل كفينا مؤنة ذكر التأويلات في ذيل تلك الآيات إذ لا يخفى بعد معرفة هذا الأصل إجراء تلك التأويلات في آية آية على أولي الألباب، إلا إنا سنأتي بنبذ منها في محالها إنشاء الله تعالى والحمد لله على ما أفهمنا ذلك وألهمناه.
[ 29 ]
المقدمة الرابعة في نبذ مما جاء في معاني وجوه الآيات وتحقيق القول في المتشابه وتأويله روى العياشي بإسناده عن جابر قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن شئ من تفسير القرآن فأجابني. ثم سألته ثانية فأجابني بجواب آخر فقلت جعلت فداك كنت أجبت في هذه المسألة بجواب آخر غير هذا قبل اليوم فقال لي يا جابر ان للقرآن بطنا وللبطن بطنا وظهرا وللظهر ظهرا يا جابر وليس شئ أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن إن الآية لتكون أولها في شئ وآخرها في شئ وهو كلام متصل يتصرف على وجوه. وبإسناده عن حمران بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) قال ظهر القرآن: الذين نزل فيهم، وبطنه الذين عملوا بمثل أعمالهم. وبإسناده عن الفضيل بن
يسار قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن هذه الرواية ما في القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن وما فيه حرف إلا وله حد ولكل حد مطلع ما يعني بقوله لها ظهر وبطن، قال: ظهره تنزيله وبطنه تأويله منه ما مضى ومنه ما لم يكن بعد يجري كما يجري الشمس والقمر كلما جاء منه شئ وقع، قال الله تعالى * (وما يعلم تأويله إلا الله والر سخون في العلم) * نحن نعلمه. أقول: المطلع بتشديد الطاء وفتح اللا م مكان الاطلاع من موضع عال ويجوز أن يكون بوزن مصعد بفتح الميم ومعناه أي مصعد يصعد إليه من معرفة علمه، ومحصل معناه قريب من معنى التأويل والبطن كما أن معنى الحد قريب من معنى التنزيل والظهر. وبإسناده عن مسعدة بن صدقة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن
[ 30 ]
الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه، قال: الناسخ الثابت المعمول به والمنسوخ ما قد كان يعمل به ثم جاء ما نسخه، والمتشابه ما اشتبه على جاهله. وفي رواية الناسخ: الثابت، والمنسوخ ما مضى، والمحكم ما يعمل به، والمتشابه الذي يشبه بعضه بعضا. وبإسناده عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن القرآن والفرقان قال: القرآن جملة الكتاب وأخبار ما يكون والفرقان المحكم الذي يعمل به وكل محكم فهو فرقان. وبإسناده عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول إن القرآن فيه محكم ومتشابه فأما المحكم فنؤمن به ونعمل به وندين به. وأما المتشابه فنؤمن به ولا نعمل به.
وبإسناده عن عبد الله بن بكير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: نزل القرآن بإياك أعني واسمعي يا جارة. أقول: هذا مثل يضرب لمن يتكلم بكلام ويريد به غير المخاطب وهذا الحديث مما يؤيد ما حققناه في المقدمة السابقة، وبإسناده عن ابن ابي عمير عمن حدثه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما عاتب الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو يعني به من قد مضى في القرآن مثل قوله تعالى * (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا) * عني بذلك غيره. أقول: لعل المراد بمن قد مضى في القرآن من مضى ذكره فيه من الذين أسقط أسماء هم الملحدون في آيات الله كما يظهر مما يأتي ذكره في المقدمة السادسة وهذان الحديثان مرويان في الكافي أيضا. ومن طريق العامة عن النبي (صلى الله عليه وآله) إن للقرآن ظهرا وبطنا وحدا ومطلعا.
[ 31 ]
وعنه (عليه السلام) إن القرآن انزل على سبعة أحرف (1) لكل آية منها ظهر وبطن ولكل حد مطلع. وفي رواية ولكل حرف حد ومطلع. وعنه (عليه السلام) إن للقرآن ظهرا وبطنا ولبطنه بطنا إلى سبعة أبطن. وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: ما من آية الا ولها أربعة معان ظاهر وباطن وحد ومطلع فالظاهر التلاوة والباطن الفهم والحد هو أحكام الحلال والحرام والمطلع هو مراد الله من العبد بها. ورووا أنه (عليه السلام) سئل هل عندكم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) شئ من الوحي سوى القرآن قال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يعطي
عبدا فهما في كتابه. ورووا عن الصادق (عليه السلام) إنه قال: كتاب الله على أربعة أشياء العبارة والإشارة واللطائف والحقائق فالعبارة للعوام والإشارة للخواص واللطائف للأولياء والحقائق للأنبياء. أقول: وتحقيق القول في المتشابه وتأويله يقتضي الإتيان بكلام مبسوط من جنس اللباب وفتح باب من العلم ينفتح منه لأهله الف باب. فنقول وبالله التوفيق: إن لكل معنى من المعاني حقيقة وروحا وله صورة وقالب وقد يتعدد الصور والقوالب لحقيقة واحدة وإنما وضعت الألفاظ للحقائق والأرواح ولوجودهما في القوالب تستعمل الألفاظ فيهما على الحقيقة لاتحاد ما بينهما، مثلا لفظ القلم إنما وضع لآلة نقش الصور في الألواح من دون أن يعتبر فيها كونها من قصب أو حديد أو غير ذلك بل ولا أن يكون جسما ولا كون النقش محسوسا أو معقولا ولا كون اللوح من قرطاس أو خشب بل مجرد كونه منقوشا
(1) قال بعض أهل المعرفة: الوجه في انحصار الأحرف في السبعة أن لكل من الظهر والبطن طرفين فذاك حدود أربعة وليس لحد الظهر الذي من تحت مطلع لأن المطلع لا يكون الا من فوق فالحد أربعة والمطلع ثلاثة والمجموع سبعة، منه قدس سره. (*)
[ 32 ]
فيه وهذا حقيقة اللوح وحده وروحه فإن كان في الوجود شئ يستطر بواسطتة نقش العلوم في ألواح القلوب فأخلق به أن يكون هو القلم فان الله تعالى قال * (علم بالقلم علم الا نسان ما لم يعلم) * بل هو القلم الحقيقي حيث وجد فيه روح القلم وحقيقته وحده من دون أن يكون معه ما هو خارج عنه وكذلك الميزان مثلا فإنه موضوع لمعيار يعرف به المقادير وهذا معنى واحد هو حقيقته وروحه وله قوالب مختلفة وصور شتى بعضها جسماني وبعضها روحاني كما يوزن به الأجرام
والأثقال مثل ذي الكفتين والقبان وما يجري مجراهما وما يوزن به المواقيت والارتفاعات كالأسطرلاب وما يوزن به الدواير والقسي كالفرجار وما يوزن به الأعمدة كالشاقول وما يوزن به الخطوط كالمسطرة وما يوزن به الشعر كالعروض وما يوزن به الفلسفة كالمنطق وما يوزن به بعض المدركات كالحس والخيال وما يوزن به العلوم والأعمال كما يوضع ليوم القيامة وما يوزن به الكل كالعقل الكامل إلى غير ذلك من الموازين. وبالجملة: ميزان كل شئ يكون من جنسه ولفظة الميزان حقيقة في كل منها باعتبار حده وحقيقته الموجودة فيه وعلى هذا القياس كل لفظ ومعنى. وأنت إذا اهتديت إلى الأرواح صرت روحانيا وفتحت لك أبواب الملكوت وأهلت لمرافقة الملأ الأعلى وحسن أولئك رفيقا فما من شئ في عالم الحس والشهادة إلا وهو مثال وصورة لأمر روحاني في عالم الملكوت وهو روحه المجرد وحقيقته الصرفة وعقول جمهور الناس في الحقيقة أمثلة لعقول الأنبياء والأولياء فليس للأنبياء والأولياء أن يتكلموا معهم إلا بضرب الأمثال لأنهم امروا أن يكلموا الناس على قدر عقولهم وقدر عقولهم انهم في النوم بالنسبة إلى تلك النشأة والنائم لا ينكشف له شئ في الأغلب إلا بمثل، ولهذا من كان يعلم الحكمة غير أهلها رأى في المنام أنه يعلق الدر في أعناق الخنازير، ومن كان يؤذن في شهر رمضان قبل الفجر رأى أنه يختم على أفواه الناس وفروجهم. وعلى هذا القياس وذلك لعلاقة خفية بين النشئات فالناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا وعلموا حقائق ما سمعوه بالمثال وعرفوا أرواح ذلك وعقلوا أن تلك الأمثلة كانت قشورا،
[ 33 ]
قال الله سبحانه: * (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا
رابيا) * فمثل العلم بالماء والقلوب بالأودية والضلال بالزبد ثم نبه في آخرها فقال: * (كذلك يضرب الله الأمثال) * فكل ما لا يحتمل فهمك فإن القرآن يلقيه إليك على الوجه الذي كنت في النوم مطالعا بروحك للوح المحفوظ ليتمثل لك بمثال مناسب ذلك يحتاج إلى التعبير فالتأويل يجري مجرى التعبير فالمفسر يدور على القشر ولما كان الناس إنما يتكلمون على قدر عقولهم ومقاماتهم فما يخاطب به الكل يجب أن يكون للكل فيه نصيب فالقشرية من الظاهريين لا يدركون إلا المعاني القشرية كما أن القشر من الانسان وهو ما في الاهاب والبشرة ومن البدن لا ينال الا قشر تلك المعاني وهو ما في الجلد والغلاف من السواد والصور وأما روحها وسرها وحقيقتها فلا يدرك الا أولوا الألباب وهم الراسخون في العلم وإلى ذلك أشار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في دعائه لبعض أصحابه حيث قال اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ولكل منهم حظ قل أم كثر وذوق نقص أو كمل ولهم درجات في الترقي إلى أطوارها وأغوارها وأسرارها وأنوارها وأما البلوغ للاستيفاء والوصول إلى الأقصى فلا مطمع لأحد فيه ولو كان البحر مدادا لشرحه والأشجار اقلاما * (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربى ولو جئنا بمثله مددا) *. ومما ذكر يظهر سبب اختلاف ظواهر الآيات والأخبار الواردة في أصول الدين وذلك لأنها مما خوطب به طوائف شتى وعقول مختلفة فيجب أن يكلم كل على قدر فهمه ومقامه ومع هذا فالكل صحيح غير مختلف من حيث الحقيقة ولا مجاز فيه أصلا. واعتبر ذلك بمثال العميان والفيل وهو مشهور وعلى هذا فكل من لم يفهم شيئا من المتشابهات من جهة أن حمله على الظاهر كان مناقضا بحسب الظاهر لأصول صحيحة دينية وعقائد حقة يقينية عنده فينبغي أن يقتصر على صورة اللفظ
لا يبدلها ويحيل العلم به إلى الله سبحانه والراسخين في العلم ثم يرصد لهبوب رياح الرحمة من عند الله تعالى ويتعرض لنفحات أيام دهره الآتية من قبل الله
[ 34 ]
تعالى لعل الله يأتي له بالفتح أو أمر من عنده ويقضي الله امرا كان مفعولا فان الله سبحانه ذم قوما على تأويلهم المتشابهات بغير علم فقال سبحانه: * (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) *.
[ 35 ]
المقدمة الخامسة في نبذ مما جاء في المنع من تفسير القرآن بالرأي والسر فيه. روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: من فسر القرآن برأيه فأصاب الحق فقد أخطأ. وعنه (عليه السلام): من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار. وعنه وعن الأئمة القائمين مقامه (عليه السلام) أن تفسير القرآن لا يجوز إلا بالأثر الصحيح والنص الصريح. وفي تفسير العياشي عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: من فسر القرآن برأيه إن أصاب لم يؤجر وإن أخطأ فهو بعد من السماء. وفيه وفي الكافي عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام) قال ما ضرب رجل القرآن بعضه ببعض إلا كفر. أقول: لعل المراد بضرب بعضه ببعض متشابهاته إلى بعض بمقتضى الهوى من دون سماع من أهله أو نور وهدى من الله، ولا يخفى أن هذه الأخبار تناقض بظواهرها ما مضى في المقدمة الأولى من الأمر بالاعتصام بحبل القرآن
والتماس غرائبه وطلب عجائبه والتعمق في بطونه والتفكر في تخومه وجولان البصر فيه وتبليغ النظر إلى معانيه فلا بد من التوفيق والجمع. فنقول: وبالله التوفيق إن من زعم أن لا معنى للقرآن الا ما يترجمه ظاهر التفسير فهو مخبر عن حد نفسه وهو مصيب في الاخبار عن نفسه ولكنه مخطئ في الحكم برد الخلق كافة إلى درجته التي هي حده ومقامه بل القرآن والأخبار
[ 36 ]
والآثار تدل على أن في معاني القرآن لأرباب الفهم متسعا بالغا ومجالا رحبا قال الله عز وجل: * (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب اقفالها) * وقال سبحانه: (ونزلنا عليك الكتاب تبينا لكل شئ). وقال * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) *. وقال: * (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) *. وقال النبي (صلى الله وآله وسلم): إذا جاءكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى فما وافق كتاب الله فاقبلوه وما خالفه فاضربوا به عرض الحائط وكيف يمكن العرض ولا يفهم به شئ، وقال (ص): القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن الوجوه وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) الا أن يؤتي الله عبدا فهما في القرآن. وقال (عليه السلام) من فهم القرآن فسر جمل العلم. أشار به إلى أن القرآن مشير إلى مجامع العلوم كلها إلى غير ذلك من الآيات والأخبار فالصواب أن يقال من أخلص الإنقياد لله ولرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولأهل البيت (عليهم السلام) وأخذ علمه منهم وتتبع آثارهم واطلع على جملة من أسرارهم بحيث حصل له الرسوخ في العلم والطمأنينة في المعرفة وانفتح عينا قلبه وهجم به العلم على حقائق الأمور وباشر روح اليقين واستلان ما استوعره المترفون وأنس بما استوحش منه الجاهلون وصحب الدنيا ببدن روحه
معلقة بالمحل الأعلى فله أن يستفيد من القرآن بعض غرائبه ويستنبط منه نبذا من عجائبه ليس ذلك من كرم الله تعالى بغريب ولا من جوده بعجيب فليست السعادة وقفا على قوم دون آخرين وقد عدوا (عليهم السلام) جماعة من أصحابهم المتصفين بهذه الصفات من أنفسهم كما قالوا سلمان منا أهل البيت (عليهم السلام) فمن هذه صفته لا يبعد دخوله في الراسخين في العلم العالمين بالتأويل بل في قولهم نحن الراسخون في العلم كما دريت في المقدمة السابقة فلا بد من تنزيل التفسير المنهي عنه على أحد وجهين: الأول: أن يكون للمفسر في الشئ رأي وإليه ميل من طبعه وهواه فيتأول القرآن على وفق. رأيه وهواه ليحتج على تصحيح غرضه ومدعاه ولو لم يكن ذلك الرأي والهوى لكان لا يلوح له من
[ 37 ]
القرآن ذلك المعنى وهذا تارة يكون مع العلم كالذي يحتج ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته وهو يعلم أنه ليس المراد بالآية ذلك ولكن يلبس به على خصمه وتارة يكون مع الجهل ولكن إذا كانت الآية محتملة فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه ويترجح ذلك الجانب برأيه وهواه فيكون قد فسر القرآن برأيه أي رأيه هو الذي حمله على ذلك التفسير ولولا رأيه لما كان يترجح عنده ذلك الوجه. وتارة قد يكون له غرض صحيح فيطلب له دليلا من القرآن ويستدل عليه بما يعلم أنه اريد به ذلك كمن يدعو إلى الاستغفار بالأسحار فيستدل عليه بقوله (عليه السلام) تسحروافإن السحور بركة، ويوهم أن المراد به التسحر بالذكر وهو يعلم أن المراد به الأكل وكا لذي يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيقول قال الله تعالى: * (اذهب إلى فرعون إنه طغى) *، ويشير إلى قلبه ويؤمي إلى أنه المراد بفرعون وهذا الجنس قد يستعمله بعض الوعاظ في المقاصد الصحيحة تحسينا
للكلام وترغيبا للمستمع وهو ممنوع منه. وقد يستعمله الباطنية في المقاصد الفاسدة لتغرير الناس ودعوتهم إلى مذهبهم الباطل فينزلون القرآن على وفق رأيهم ومذهبهم على أمور يعلمون قطعا أنه غير مراد به فهذه الفنون احد وجهي المنع من التفسير بالرأي. الوجه الثاني: أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن وما فيها من الألفاظ المبهمة والمبدلة وما فيها من الاقتصار والحذف والاضمار والتقديم والتأخير وفيما يتعلق بالناسخ والمنسوخ والخاص والعام والرخص والعزائم والمحكم والمتشابه إلى غير ذلك من وجوه الآيات فمن لم يحكم ظاهر التفسير ومعرفة وجوه الآيات المفتقرة إلى السماع وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كثر غلطه ودخل في زمرة من يفسر بالرأي فالنقل والسماع لا بد منه في ظاهر التفسير اولا ليتقي مواضع الغلط ثم بعد ذلك يتسع التفهم والاستنباط فان ظاهر التفسير يجري مجرى تعليم اللغة التي لا بد منها للفهم وما لا بد فيه من السماع فنون كثيرة منها ما كان مجملا لا
[ 38 ]
ينبئ ظاهره عن المراد به مفصلا مثل قوله سبحانه: * (وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة وآتوا حقه يوم حصاده) * فانه يحتاج فيه إلى بيان النبي (صلى الله عليه وآله) بوحي من الله سبحانه فيبين تفصيل أعيان الصلوات واعداد الركعات ومقادير النصب في الزكوة وما تجب فيه من الأموال وما لا تجب وامثال ذلك كثيرة. فالشروع في بيان ذلك من غير نص وتوقيف ممنوع منه. ومنها الإيجاز بالحذف والإضمار كقوله تعالى: * (وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها) * معناه آية مبصرة فظلموا أنفسهم بقتلها فالناظر إلى ظاهر العربية يظن أن المراد به أن الناقة كانت مبصرة ولم تكن عمياء ولا يدري أنهم بماذا ظلموا أو
أنهم ظلموا غيرهم وأنفسهم. ومنها المقدم والمؤخر وهو مظنة الغلط كقوله تعالى * (ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى) * معناه ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى (1) لكان لزاما وبه ارتفع الأجل ولولاه لكان نصبا كاللزام إلى غير ذلك كما سنذكره في مواضعها. روي عن أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن جعفر النعماني أنه روى في تفسيره باسناده عن اسماعيل بن جابر قال سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) يقول إن الله تبارك وتعالى بعث محمدا فختم به الأنبياء فلا نبي بعده وأنزل عليه كتابا فختم به الكتب فلا كتاب بعده أحل فيه حلا لا وحرم حراما فحلاله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة فيه شرعكم وخبر من قبلكم وبعدكم وجعله النبي (صلى الله عليه وآله) علما باقيا في أوصيائه فتركهم الناس وهم الشهداء على أهل كل زمان وعدلوا عنهم ثم قتلوهم واتبعوا غيرهم وأخلصوا لهم الطاعة حتى عاندوا من أظهر ولاية ولاة الأمر وطلب
(1) لكان مثل ما أنزل بعاد وثمود لازما لهذه الفكرة وأجل مسمى عطف على كلمة أي ولولا العدة بتأخير العذاب وأجل مسمى لأعمارهم أولعذابهم إلزاما والفصل للدلالة على استقلال كل منهما بنفي اللزوم، القمي. قال: اللزام الهلاك، قال: وكان ينزل بهم ولكن قد أخرهم إلى أجل مسمى (منه). (*)
[ 39 ]
علومهم، قال الله سبحانه: * (فنسوا حظا مما ذكروا به) * ولا تزال تطلع على خائنة منهم وذلك انهم ضربوا بعض القرآن ببعض واحتجوا بالمنسوخ وهم يظنون أنه الناسخ واحتجوا بالمتشابه وهم يرون أنه المحكم واحتجوا بالخاص وهم يقدرون أنه العام واحتجوا بأول الآية وتركوا السبب في تأويلها ولم ينظروا إلى ما يفتح الكلام وإلى ما يختمه ولم يعرفوا موارده ومصادره إذ لم يأخذوه عن أهله
فضلوا وأضلوا واعلموا رحمكم الله أنه من لم يعرف من كتاب الله عز وجل الناسخ من المنسوخ والخاص من العام والمحكم من المتشابه والرخص من العزائم والمكي والمدني وأسباب التنزيل والمبهم من القرآن في ألفاظه المنقطعة والمؤلفة وما فيه من علم القضاء والقدر والتقديم والتأخير والمبين والعميق والظاهر والباطن والابتداء من الانتهاء والسؤال والجواب والقطع والوصل والمستثنى منه والجار فيه والصفة لما قبل مما يدل على ما بعد والمؤكد منه والمفصل وعزائمه ورخصه ومواضع فرائضه وأحكامه ومعنى حلاله وحرامه الذي هلك فيه الملحدون والموصول من الألفاظ والمحمول على ما قبله وعلى ما بعده فليس بعالم بالقرآن ولا هو من أهله ومتى ما ادعى معرفة هذه الأقسام مدع بغير دليل فهو كاذب مرتاب مفتر على الله الكذب ورسوله ومأواه جهنم وبئس المصير.
[ 40 ]
المقدمة السادسة في نبذ مما جاء في جمع القرآن وتحريفه وزيادته ونقصه وتأويل ذلك روى علي بن إبراهيم القمي في تفسيره بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام) يا علي إن القرآن خلف فراشي في الصحف والحرير والقراطيس فخذوه واجمعوه ولا تضيعوه كما ضيعت اليهود التوراة فانطلق علي (عليه السلام) فجمعه في ثوب أصفر ثم ختم عليه في بيته وقال: لا أرتدي حتى أجمعه. قال: كان الرجل ليأتيه فيخرج إليه بغير رداء حتى جمعه. وفي الكافي عن محمد بن سليمان عن بعض أصحابه عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: قلت له: جعلت فداك إنا نسمع الآيات في القرآن ليس هي
عندنا كما نسمعها ولا نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم فهل نأثم فقال لا اقرأوا كما تعلمتم فسيجيئكم من يعلمكم. أقول: يعني به صاحب الأمر (عليه السلام). وبإسناده عن سالم بن سلمة قال: قرأ رجل على أبي عبد الله (عليه السلام) وأنا أستمع حروفا من القرآن ليس على مايقرؤها الناس. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): كف عن هذه القرأة وإقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم (عليه السلام) فإذا قام قرأ كتاب الله تعالى على حده واخرج المصحف الذي كتبه علي (عليه السلام)، وقال: أخرجه علي (عليه السلام) إلى الناس حين فرغ منه وكتبه، فقال لهم هذا كتاب الله كما أنزله الله على محمد (صلى الله وآله) وقد جمعته بين اللوحين فقالوا هوذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن لا حاجة لنا فيه فقال: أما والله ما ترونه بعد يومكم
[ 41 ]
هذا أبدا إنما كان علي أن اخبركم حين جمعته لتقرؤه. وبإسناده عن البزنطي قال: دفع أبو الحسن (عليه السلام) مصحفا وقال: لا تنظر فيه ففتحته وقرأت فيه لم يكن الذين كفروا فوجدت فيه اسم سبعين رجلا من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم. قال: فبعث إلي إبعث إلي بالمصحف. وفي تفسير العياشي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لولا إنه زيد في كتاب الله ونقص ما خفي حقنا على ذي حجى ولو قد قام قائمنا فنطق صدقه القرآن. وفيه عن أبي عبد لله (عليه السلام) قال: لو قرأ القرآن كما أنزل لألفيتنا فيه مسمين. وفيه عنه (عليه السلام) ان في القرآن ما مضى وما يحدث وما هو كائن كانت فيه أسماء (1) الرجال فألقيت وإنما الاسم الواحد منه في وجوه لا تحصى يعرف ذلك الوصاة. وفيه عنه (عليه السلام) إن القرآن قد طرح منه آي كثيرة ولم يزد فيه إلا
حروف قد أخطأت به الكتبة وتوهمتها الرجال. وروى الشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي طاب ثراه في كتاب الاحتجاج في جملة إحتجاج أمير المؤمنين (عليه السلام) على جماعة من المهاجرين والأنصار أن طلحة قال له (عليه السلام) في جملة مسائله عنه يا أبا الحسن شئ اريد أن أسألك عنه رأيتك خرجت بثوب مختوم فقلت أيها الناس إني لم أزل مشتغلا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بغسله وكفنه ودفنه ثم اشتغلت بكتاب الله حتى جمعته فهذا كتاب الله عندي مجموعا لم يسقط عني حرف واحد ولم أر ذلك الذي كتبت ألفت وقد رأيت
(1) لعل المراد بأسماء الرجال الملقية أعلامهم وبالاسم الواحد ما كنى به تارة عنهم وتارة عن غيرهم من الألفاظ التي لهامعان متعددة وذلك كالذكر فإنه قديراد به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وقد يراد به أمير المؤمنين (عليه السلام) وقد يراد به القرآن. وكا لشيطان فإنه قد يراد به الثاني، وقد يراد به إبليس، وقد يراد به غيرهما أراد (عليه السلام): أن الرجال كانوا مذكورين في القرآن تارة بأعلامهم فألقيت وأخرى بكنايات فألقيت فهم اليوم مذكورون بالكنايات بألفاظ لها معان أخر يعرف ذلك الأوصياء. (منه قدس سره). (*)
[ 42 ]
عمر بعث إليك أن أبعث به إلي فأبيت أن تفعل فدعا عمر الناس فإذا شهد رجلان على آية كتبها وإن لم يشهد عليها غير رجل واحد أرجأها فلم يكتب فقال عمر وأنا أسمع إنه قد قتل يوم اليمامة قوم كانوا يقرؤن قرآنا لا يقرؤه غيرهم فقد ذهب وقد جاءت شاة إلى صحيفة وكتاب يكتبون فأكلتها وذهب ما فيها والكاتب يومئذ عثمان وسمعت عمر وأصحابه الذين ألفوا ما كتبوا على عهد عمر وعلى عهد عثمان يقولون ان الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة وأن النور نيف ومائة آية والحجر تسعون ومائة آية فما هذا وما يمنعك يرحمك الله أن تخرج كتاب الله إلى الناس وقد عهد عثمان حين أخذ ما ألف عمر فجمع له الكتاب وحمل الناس على قرءة واحدة فمزق مصحف ابي بن كعب وابن مسعود
وأحرقهما بالنار. فقال له علي: يا طلحة إن كل آية أنزلها الله عز وجل على محمد (صلى الله عليه وآله) عندي بإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وخط يدي وتأويل كل آية أنزلها الله على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وكل حلال وحرام أو حد أو حكم أو شئ يحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة مكتوب بإملا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وخط يدي حتى أرش الخدش. قال طلحة كل شئ من صغير أو كبير أو خاص أو عام كان أو يكون إلى يوم القيامة فهو عندك مكتوب. قال: نعم وسوى ذلك إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أسر إلى في مرضه مفتاح ألف باب من العلم يفتح كل باب ألف باب ولو أن الامة منذ قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اتبعوني وأطاعوني لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم وساق الحديث إلى أن قال: ثم قال طلحة: لا أراك يا أبا الحسن أجبتني عما سألتك عنه من أمر القرآن ألا تظهره للناس. قال يا طلحة عمدا كففت عن جوابك فأخبرني عما كتب عمر وعثمان أقرآن كله أم فيه ما ليس بقرآن ؟ ! قال طلحة بل قرآن كله. قال إن أخذتم بما فيه نجوتم من النار ودخلتم الجنة فان فيه حجتنا وبيان حقنا وفرض طاعتنا. قال طلحة: حسبي أما إذا كان قرآنا فحسبي. ثم قال طلحة: فأخبرني عما في يديك من القرآن وتأويله وعلم الحلال والحرام إلى من تدفعه ومن صاحبه بعدك ؟ قال (عليه السلام): إن
[ 43 ]
الذي أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن أدفعه إليه وصيي وأولى الناس من بعدي بالناس إبني الحسن ثم يدفعه إبني الحسن إلى إبني الحسين (عليهما السلام) ثم يصير إلى واحد بعد واحد من ولد الحسين (عليه السلام) حتى يرد آخرهم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حوضه هم مع القرآن لا يفارقونه والقرآن معهم لا يفارقهم ألا أن معاوية وابنه سيليانها بعد عثمان ثم يليها
سبعة من ولد الحكم بن أبي العاص واحد بعد واحد تكمله إثني عشر إمام ضلالة وهم الذين رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على منبره يردون الأمة على أدبارهم القهقرى عشرة منهم من بني أمية ورجلان أسسا ذلك لهم وعليهما مثل جميع أوزار هذه الأمة إلى يوم القيامة. قال: وفي رواية أبي ذر الغفاري (رضي الله عنه) أنه لما توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) جمع علي (عليه السلام) القرآن وجاء به إلى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم لما قد أوصاه بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم فوثب عمر وقال: يا علي أردده فلا حاجة لنا فيه فأخذه علي (عليه السلام) وانصرف ثم احضر زيد بن ثابت وكان قارئا للقرآن فقال له عمر إن عليا (عليه السلام) جاءنا بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار، وقد أردنا أن تؤلف لنا القرآن وتسقط منه ما كان فيه فضيحة وهتك للمهاجرين والأنصار. فأجابه زيد إلى ذلك ثم قال: فإن أنا فرغت من القرآن على ما سألتم وأظهر علي القرآن الذي ألفه أليس قد بطل كل ما قد عملتم. قال عمر: فما الحيلة ؟ قال زيد: أنتم أعلم بالحيلة. فقال عمر: ما الحيلة دون أن نقتله ونستريح منه. فدبر في قتله على يد خالد بن الوليد فلم يقدر على ذلك وقد مضى شرح ذلك (1)، فلما استخلف عمر سأل عليا أن يدفع إليهم القرآن فيحرفوه فيما بينهم. فقال: يا أبا الحسن إن كنت جئت به إلى أبي بكر فأت به إلينا حتى نجتمع عليه. فقال علي (عليه السلام): هيهات ليس إلى ذلك سبيل إنما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم ولا
(1) قوله: وقد مضى شرح ذلك كأنه من كلام صاحب الإحتجاج (منه قدس سره) (*)
[ 44 ]
تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا ما جئتنا به إن القرآن الذي
عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي فقال عمر فهل وقت لإظهاره معلوم ؟ قال علي (عليه السلام): نعم إذا قام القائم من ولدي يظهره ويحمل الناس عليه فتجري السنة به. وقال في احتجاجه (عليه السلام) على الزنديق الذي جاء إليه مستدلا بآي من القرآن متشابهة يحتاج إلى التأويل وكان من سؤاله إني أجد الله قد شهر هفوات أنبيائه بقوله * (وعصى آدم ربه فغوى) * وبتكذيبه نوحا (عليه السلام) لما قال: إن ابني من أهلى. بقوله: إنه ليس من أهلك، وبوصفه إبراهيم (عليه السلام) بأنه 3 عبد كوكبا مرة ومرة قمرا ومرة شمسا، وبقوله في يوسف (عليه السلام): ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه، وبتهجينه موسى (عليه السلام) حيث قال: رب أرنى أنظر إليك. قال: لن تراني. الآية. وببعثه إلى داود جبرئيل وميكائيل حيث تسوروا المحراب إلى آخر القصة، وبحبسه يونس في بطن الحوت حيث ذهب مغاضبا مذنبا، وإظهر خطأ الأنبياء وزللهم ثم ورى أسما من اغتر وفتن خلقه وضل وأضل وكنى عن أسمائهم في قوله (عليه السلام): * (ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتنى اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتى ليتني لم اتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جانى) * فمن هذا الظالم الذي لم يذكر من اسمه ما ذكر من أسماء الأنبيأ. ثم قال: وأجده قد بين فضل نبيه على سائر الأنبياء. ثم خاطبه في أضعاف ما أثنى عليه في الكتاب من الازرأ عليه وانخفاض محله وغير ذلك من تهجينه وتأنيبه ما لم يخاطب به أحدا من الأنبياء مثل قوله: ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين، وقوله: ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا، وقوله: وتخفى في نفسك ما الله مبديه والله أحق أن تخشاه، وقوله ما أدري ما يفعل بي
ولا بكم، وهو يقول: ما فرطنا في الكتب من شئ وكل شئ أحصيناه في إمام مبين، فإذا كانت الأشياء تحصى في الإمام وهو وصي النبي (صلى الله عليه
[ 45 ]
وآله وسلم) فالنبي (صلى الله عليه وآله) أولى أن يكون بعيدا من الصفة التي قال فيها: وما أدري ما يفعل بي ولا بكم. وقال في جملة سؤاله: وأجده يقول: فان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء. وليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء ولا كل النساء أيتام فما معنى ذلك ؟. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): وأما هفوات الانبياء وما بينه الله في كتابه ووقوع الكناية عن أسماء من اجترم أعظم مما اجترمته الأنبياء ممن شهد الكتاب بظلمهم فإن ذلك من أدل الدلائل على حكمة الله عز وجل الباهرة وقدرته القاهرة وعزته الظاهرة لأنه علم أن براهين أنبيائه تكبر في صدور أممهم وإن منهم من يتخذ بعضهم إلها كالذي كان من النصارى في ابن مريم فذكرها دلالة على تخلفهم من الكمال الذي تفرد به عز وجل. ألم تسمع إلى قوله في صفة عيسى (عليه السلام) حيث قال فيه وفي أمه: كانا يأكلان الطعام يعني أن من أكل الطعام كان له ثقل ومن كان له ثقل فهو بعيد مما ادعته النصارى لابن مريم ولم يكن عن أسماء الانبياء تجبرا وتعززا بل تعريفا لأهل الاستبصار أن الكناية (1) عن أسماء ذوي الجرائر العظيمة من المنافقين في القرآن ليست من فعله تعالى، وأنها من فعل المغيرين والمبدلين الذين جعلوا القران عضين واعتاضوا الدنيا من الدين وقد بين الله تعالى قصص المغيرين بقوله: * (الذين يكتبون الكتب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا) *. وبقوله: * (وإن منهم لفريقا يلون ألسنتهم بالكتب) * وبقوله: * (إذ يبيتؤن ما لا يرضى من القول) *. بعد فقد الرسول ما يقيمون به أود باطلهم
حسب ما فعلته اليهود والنصارى بعد فقد موسى وعيسى من تغيير التوراة
(1) قوله: ان الكناية مفعول للتعريف أراد (عليه السلام) أن الله سبحانه صرح في كتابه بأسماء المنافقين كما صرح بأسماء الأنبياء وإنما بدلها المبدلون وإنما لم يكن من أسماء الأنبياء في مقام ذكر هفواتهم بل صرح بها تجبرا وتعززا لئلا يتخذوا من دونه آلهة وليعرف أهل الاستبصار أن التكنية عن أسماء المنافقين ليست من فعله بل هو من فعل المغيرين وذلك لعلمه بأنهم سيبد لونها ويبقى أسماء الأنبياء مصرحا بها فلفظة بل ليست للإضراب بل للترفي. منه قدس سره. (*)
[ 46 ]
بأفو ههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره) * يعني أنهم أثبتوا في الكتاب ما لم يقله الله ليلبسوا على الخليفة فأعمى الله قلوبهم حتى تركوا فيه ما دل على ما أحدثو ه فيه وحرفوه منه وبين عن إفكهم وتلبيسهم وكتمان ما علموه منه ولذلك قال لهم لم تلبسون الحق بالبطل وتكتمون الحق وضرب مثلهم بقوله: * (فأما الزبد فيذهب جفأ وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) * فألزبد في هذا الموضع كلام الملحدين الذين أثبتوه في القرآن فهو يضمحل ويبطل ويتلاشى عند التحصيل والذي ينفع الناس منه فالتنزيل الحقيقي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والقلوب تقبله والارض في هذا الموضع هي محل العلم وقراره وليس يسوغ مع عموم التقية التصريح بأسماء المبدلين ولا الزيادة في آياته على ما أثبتوه من تلقائهم في الكتاب لما في ذلك من تقوية حجج أهل التعطيل والكفر والملل المنحرفة عن قبلتنا وابطال هذا العلم الظاهر الذي قد استكان له الموافق والمخالف بوقوع الاصطلاح على الايتمار لهم والرضا بهم ولأن أهل الباطل في القديم والحديث أكثر عددا من أهل الحق ولأن الصبر على ولاة الأمر مفروض لقول الله عز وجل لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل، وايجابه مثل ذلك على أوليائه وأهل طاعته بقوله لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة. فحسبك من الجواب عن هذا الموضع ما سمعت فان شريعة
التقية تحظر التصريح بأكثر منه ثم قال (عليه السلام): وأما ما ذكرته من الخطاب الدال على تهجين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والإزراء به والتأنيب له مع ما أظهره الله تبارك وتعالى في كتابه من تفضيله إياه على سائر أنبيائه فان الله عز وجل جعل لكل نبي عدوا من المشركين كما قال في كتابه وبحسب جلالة منزلة نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) عند ربه كذلك عظم محنته بعدوه الذي عاد منه إليه في حال شقاقه ونفاقه كل أذى ومشقة لدفع نبوته وتكذيبه إياه وسعيه في مكارهه وقصده لنقض كل ما أبرمه واجتهاده ومن مالاه على كفره وعناده ونفاقه وإلحاده في ابطال دعواه وتغيير ملته ومخالفة سنته ولم ير شيئا أبلغ في تمام كيده من تنفيرهم عن موالاة وصيه وايحاشهم منه وصدهم عنه وإغرائهم بعدواته
[ 47 ]
والقصد لتغيير الكتاب الذي جاء به واسقاط ما فيه من فضل ذوي الفضل وكفر ذوي الكفر منه وممن وافقه على ظلمه وبغيه وشركه ولقد علم الله ذلك منهم فقال إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا، وقال يريدون أن يبدلوا كلم الله، ولقد احضروا الكتاب كملا مشتملا على التأويل والتنزيل والمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ لم يسقط منه حرف ألف ولا لام فلما وقفوا على ما بينه الله من أسماء أهل الحق والباطل وإن ذلك إن ظهر نقض ما عقدوه قالوا لا حاجة لنا فيه نحن مستغنون عنه بما عندنا، ولذلك قال: فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا بآياتي ثمنا قليلا فبئس ما يشترون، ثم دفعهم الاضطرار بورود المسائل عليهم عما لا يعلمون تأويله إلى جمعه وتأليفه وتضمينه من تلقائهم ما يقيمون به دعائم كفرهم فصرح مناديهم من كان عنده شئ من القرآن فليأتنا به ووكلوا تأليفه ونظمه إلى بعض من وافقهم إلى معاداة أولياء الله فألفه على اختيارهم وما يدل للتأمل على اختلال تمييزهم وافترائهم وتركوا منه ما قدروا أنه لهم وهو
عليهم وزادوا فيه ما ظهر تناكره وتنافره وعلم الله أن ذلك يظهر ويبين فقال ذلك مبلغهم من العلم وانكشف لأهل الاستبصار عوراهم وافتراؤهم والذي بدأ في الكتاب من الإزراء على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من فرية الملحدين ولذلك قال يقولون منكرا من القول وزورا. ويذكر جل ذكره لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يحدثه عدوه في كتابه من بعده بقوله: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آيته. يعني أنه ما من نبي تمنى مفارقة ما يعانيه من نفاق قومه وعقوقهم والانتقال عنهم إلى دار الاقامة الا ألقى الشيطان المتعرض بعدواته عند فقده في الكتاب الذي أنزل عليه ذمه والقدح فيه والطعن عليه فينسخ الله ذلك في قلوب المؤمنين فلا تقبله ولا يصغي إليه غير قلوب المنافقين والجاهلين ويحكم الله آياته بأن يحمي أولياءه من الضلال والعدوان ومشايعة أهل الكفر والطغيان الذين لم يرض الله أن يجعلهم كالأنعام حتى قال بل هم أضل سبيلا فافهم هذا واعلمه واعمل به.
[ 48 ]
وقال (عليه السلام) في هذا الحديث بعد أن بين تأويل بعض المتشابهات وإنما جعل الله تبارك وتعالى في كتابه هذه الرموز التي لا يعلمها غيره وغير أنبيائه وحججه في أرضه لعلمه بما يحدثه في كتابه المبدلون من اسقاط اسماء حججه منه وتلبيسهم ذلك على الامة ليعينوهم على باطلهم فأثبت فيه الرموز وأعمى قلوبهم وأبصارهم لما عليهم في تركها وترك غيرها من الخطاب الدال على ما أحدثوه فيه وجعل أهل الكتاب المقيمين به والعاملين بظاهره وباطنه من شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، أي يظهر مثل هذا العلم لمحتمليه في الوقت بعد الوقت وجعل أعدائها أهل (أصل خ. ل.)
الشجرة الملعونة الذين حاولوا إطفاء نور الله بأفواههم فأبى الله إلا أن يتم نوره ولو علم المنافقون لعنهم الله ما عليهم من ترك هذه الآيات التي بينت لك تأويلها لأسقطوها مع ما اسقطوا منه ولكن الله تبارك اسمه ماض حكمه بإيجاب الحجة على خلقه كما قال الله: فلله الحجة البلغة، أعشى أبصارهم وجعل على قلوبهم أكنة، عن تأمل ذلك فتركوه بحاله وحجبوا عن تأكيد الملتبس بابطاله فالسعداء يتنبهون عليه والاشقياء يعمون عنه ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ثم أن الله جل ذكره بسعة رحمته ورأفته بخلقه وعلمه بما يحدثه المبدلون من تغيير كتابه قسم كلامه ثلاثة أقسام فجعل قسما منه يعرفه العالم والجاهل وقسما لا يعرفه إلا من صفا ذهنه ولطف حسه وصح تمييزه ممن شرح الله صدره للإسلام وقسما لا يعرفه إلا الله وامناؤه الراسخون في العلم وإنما فعل ذلك لئلا يدعي أهل الباطل من المستولين على ميراث رسول الله من علم الكتاب ما لم يجعله الله لهم وليقودهم الإضطرار إلى الايتمار لمن والاه (ولاه خ ل) أمرهم فاستكبروا عن طاعته تعززا وافتراء على الله عز وجل واغترارا بكثرة من ظاهرهم وعاونهم وعاند الله عز وجل اسمه ورسوله فاما ما علمه الجاهل والعالم من فضل رسول الله (صلى الله عليه وآله) من كتاب الله فهو قول الله سبحانه * (من يطع الرسول فقد أطاع الله) * وقوله إن الله وملائكته يصلون على النبي يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما، ولهذه الآية ظاهر وباطن فالظاهر قوله صلوا عليه والباطن قوله وسلموا تسليما أي سلموا لمن وصاه واستخلفه عليكم فضله
[ 49 ]
وما عهد به إليه تسليما وهذا مما أخبرتك أنه لا يعلم تأويله الا من لطف حسه وصفا ذهنه وصح تمييزه وكذلك قوله سلام على آل ياسين لأن الله سمى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا الاسم حيث قال: * (يس والقران الحكيم إنك
لمن المرسلين) *، لعلمه بأنهم يسقطون قول سلام على آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كما أسقطوا غيره وما زال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتألفهم ويقربهم ويجلسهم عن يمينه وشماله حتى اذن الله عز وجل في ابعادهم بقوله واهجرهم هجرا جميلا، وبقوله: فماللذين كفروا قبلك مهطعين (1) عن اليمين وعن الشمال عزين أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم كلا إنا خلقناهم مما يعلمون. وقال: واما ظهورك على تناكر قوله: فان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء. وليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النسأ ولا كل النساء أيتام فهو مما قدمت ذكره في إسقاط المنافقين من القرآن وبين القول في اليتامى وبين نكاح النساء من الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن وهذا وما أشبهه مما ظهرت حوادث المنافقين فيه لأهل النظر والتأمل ووجد المعطلون وأهل الملل الممخالفة للاسلام مساغا إلى القدح في القرآن ولو شرحت لك كل ما أسقط وحرف وبدل مما يجري هذا المجرى لطاوظهر ما تحظر التقية إظهاره من مناقب الأولياء ومثالب الأعداء. أقول: المستفاد من مجمع هذه الأخبار وغيرها من الروايات من طريق أهل البيت (عيهم السلام) إن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما انزل على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) منه ما هو خلاف ما أنز الله ومنه ما هو مغير ومحرف وإنه قد حذف عنه أشياء كثيرة منها اسم علي (عليه السلام) في كثير من المواضع ومنها غير ذلك وأنه ليس أيضا على الترتيب المرضي عند الله وعند رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم). وبه قال علي بن إبراهيم قال في تفسيره: وأما ما كان خلاف ما أنزل الله
(1) قوله: مهطعين: أي مسرعين عزين: أي فرق شتى. كان المشركون يحلقون حول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حلقا حلقا (منه قدس سره). (*)
[ 50 ]
فهو قوله تعالى: كنتم خير امة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله. فقال أبو عبد الله (عليه السلام) لقارئ هذه الآية: خير امة تقتلون أمير المؤمنين والحسين بن علي (عليهما السلام) فقيل له كيف نزلت يابن رسول الله فقال إنما نزلت خير أئمة أخرجت للناس الا ترى مدح الله لهم في آخر الآية تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله، ومثله إنه قرأ على أبي عبد الله * (الذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذريتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما) * فقال أبو عبد الله (عليه السلام) لقد سألوا الله عظيما أن يجعلهم للمتقين إماما فقيل له يا بن رسول الله كيف نزلت فقال: ؟ إنما نزلت: واجعل لنا من المتقين إماما. وقوله تعالى: له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله. فقال أبو عبد الله (عليه السلام) كيف يحفظ الشئ من أمر الله وكيف يكون المعقب من بين يديه فقيل له وكيف ذلك يا بن رسول الله فقال إنما انزلت له معقبات من خلفه ورقيب من بين يديه يحفظونه بأمر الله، ومثله كثير قال: وأما ما هو محذوف عنه فهو فوله لكن الله يشهد بما انزل إليك في علي كذا أنزلت أنزله بعلمه والملائكة يشهدون، وقوله: يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك في على فإن لم تفعل فما بلغت رسالته، وقوله: إن الذين كفروا وظلموا آل محمد حقهم لم يكن الله ليغفر لهم. وقوله: وسيعلم الذين ظلموا آل محمد حقهم أي منقلب ينقلبون، وقوله وترى الذين ظلموا آل محمد حقهم في غمرات الموت، ومثله كثير نذكره في مواضعه إن شاء الله. قال: وأما التقديم والتأخير فإن آية عدة النساء الناسخة (1) التي هي أربعة أشهر وعشر قدمت على المنسوخة التي هي سنة وكان يجب أن يقرأ المنسوخة التي نزلت قبل ثم الناسخة التي نزلت بعد. وقوله: أفمن كان على بينة من ربه
ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة، وإنما هو ويتلوه شاهد منه
(1) الآيتان متقار بتان في سورة البقرة واما الناسخة المتقدمة فهي قوله تعالى: * (والذين يتوفون منكم ويذرون ازواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرأ) *. وأما المنسوخة المتأخرة فهي قوله تعالى: * (والدين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير اخراج) *. منه قدس سره. (*)
[ 51 ]
إماما ورحمة ومن قبله كتاب موسى، وقوله: وما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وإنما هو نحيي ونموت لأن الدهرية لم يقروا بالبعث بعد الموت وإنما قالوا: نحيى ونموت فقدموا حرفا على حرف ومثله كثير. قال: وأما الآيات التي هي في سورة وتمامها في سورة اخرى فقول موسى: أتستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير اهبطوا مصر فإن لكم ما سألتم فقالوا: يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون، ونصف الآية في سورة البقرة ونصفها في سورة المائدة. وقوله: إكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا، فرد الله عليهم وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لا رتاب المبطلون، فنصف الآية في سورة الفرقان ونصفها في سورة العنكبوت ومثله كثير انتهى كلامه. أقول: ويرد على هذا كله إشكال وهو أنه على هذا التقدير لم يبق لنا اعتماد على شئ من القرآن إذ على هذا يحتمل كل آية منه أن يكون محرفا ومغيرا ويكون على خلاف ما أنزل الله فلم يبق لنا في القرآن حجة أصلا فتنتفي فائدته وفائدة الأمر باتباعه والوصية بالتمسك به إلى غير ذلك، وأيضا قال الله عز وجل: وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وقال: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون فكيف يتطرق إليه التحريف والتغيير، وأيضا قد استفاض عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة (عليهم السلام) حديث
عرض الخبر المروي على كتاب الله ليعلم صحته بموافقته له وفساده بمخالفته فإذا كان القرآن الذي بأيدينا محرفا فما فائدة العرض مع أن خبر التحريف مخالف لكتاب الله مكذب له فيجب رده والحكم بفساده أو تأويله. ويخطر بالبال في دفع هذا الاشكال والعلم عند الله أن يقال: إن صحت هذه الأخبار فلعل التغيير إنما وقع فيما لا يخل بالمقصود كثير إخلال كحذف اسم علي وآل محمد (صلى الله عليهم)، وحذف أسماء المنافقين عليهم لعائن الله فإن الإنتفاع بعموم اللفظ باق وكحذف بعض الآيات وكتمانه فان الانتفاع بالباقي
[ 52 ]
باق مع أن الأوصياء كانوا يتداركون ما فاتنا منه من هذا القبيل ويدل على هذا قوله (عليه السلام) في حديث طلحة: إن أخذتم بما فيه نجوتم من النار ودخلتم الجنة فإن فيه حجتنا وبيان حقنا وفرض طاعتنا. ولا يبعد أيضا أن يقال إن بعض المحذوفات كان من قبيل التفسير والبيان ولم يكن من أجزاء القرآن فيكون التبديل من حيث المعنى أي حرفوه وغيروه في تفسيره وتأويله أعني حملوه على خلاف ما هو به، فمعنى قولهم (عليهم السلام) كذا نزلت أن المراد به ذلك لا أنها نزلت مع هذه الزيادة في لفظها فحذف منها ذلك اللفظ. ومما يدل على هذا ما رواه في الكافي باسناده عن أبي جعفر (عليه السلام): أنه كتب في رسالته إلى سعد الخير وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرفوا حدوده فهم يروونه ولا يرعونه والجهال يعجبهم حفظهم للرواية والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية. الحديث. وما روته العامة أن عليا (عليه السلام) كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ ومعلوم أن الحكم بالنسخ لا يكون إلا من قبيل التفسير والبيان ولا يكون جزء من
القرآن فيحتمل أن يكون بعض المحذوفات أيضا كذلك هذا ما عندي من التفصي عن الاشكال والله يعلم حقيقة الحال. واما اعتقاد مشايخنا (ره) في ذلك فالظاهر من ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني طاب ثراه أنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن لأنه روى روايات في هذا المعنى في كتابه الكافي ولم يتعرض لقدح فيها مع أنه ذكر في أول الكتاب أنه كان يثق بما رواه فيه وكذلك استاذه علي بن إبراهيم القمي (ره) فان تفسيره مملو منه وله غلو فيه، وكذلك الشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي (رضي الله عنه) فانه أيضا نسج على منوالهما في كتاب الاحتجاج. وأما الشيخ أبو علي الطبرسي فانه قال في مجمع البيان: اما الزيادة فيه فمجمع على بطلانه وأما النقصان فيه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة أن في القرآن تغييرا ونقصانا
[ 53 ]
والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه وهو الذي نصره المرتضى (رضي الله عنه) واستوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء في جواب المسائل الطرابلسيات. وذكر في مواضع: أن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام والكتب المشهورة وأشعار العرب المسطورة فان العناية اشتدت والدواعي توفرت على نقله وحراسته وبلغت حدا لم تبلغه فيما ذكرناه لأن القرآن معجزة النبوة ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية حتى عرفوا كل شئ اختلف فيه من إعرابه وقرأته وحروفه وآياته فكيف يجوز أن يكون مغيرا ومنقوصا مع العناية الصادقة والضبط الشديد. وقال أيضا (قدس الله روحه): إن العلم بتفصيل القرآن وابعاضه في صحة نقله كالعلم بجملته وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنفة
ككتاب سيبويه والمزني فان أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلها ما يعلمونه من جملتها حتى لو أن مدخلا أدخل في كتاب سيبويه بابا في (من خ ل) النحو ليس من الكتاب لعرف وميز وعلم أنه ملحق وليس من أصل الكتاب وكذلك القول في كتاب المزني ومعلوم أن العناية بنقل القرآن وضبطه أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه ودواوين الشعراء وذكر ايضا أن القرآن كان على عهد رسول الله مجموعا مؤلفا على ما هو عليه الآن واستدل على ذلك بأن القرآن كان يدرس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان حتى عين على جماعة من الصحابة في حفظهم له وإنه كان يعرض على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويتلى عليه وأن جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود وابي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عدة ختمات وكل ذلك يدل بأدنى تأمل على انه كان مجموعا مرتبا غير مبتور ولا مبثوث. وذكر أن من خالف في ذلك من الامامية والحشوية لا يعتد بخلافهم فان الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخبارا ضعيفة ظنوا
[ 54 ]
صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته. أقول: لقائل أن يقول كما ان الدواعي كانت متوفرة على نقل القرآن وحراسته من المؤمنين كذلك كانت متوفرة على تغييره من المنافقين المبدلين للوصية المغيرين للخلافة لتضمنه ما يضاد رأيهم وهواهم والتغيير فيه إن وقع فإنما وقع قبل انتشاره في البلدان وإستقراره على ما هو عليه الآن. والضبط الشديد إنما كان بعد ذلك فلا تنافي بينهما بل لقائل أن يقول إنه ما تغير في نفسه وإنما التغيير في كتابتهم إياه وتلفظهم به فإنهم ما حرفوا إلا عند نسخهم من الأصل وبقي الأصل على ما هو عليه عند أهله وهم العلماء به فما هو عند
العلماء ليس بمحرف وإنما المحرف ما أظهروه لأتباعهم وأما كونه مجموعا في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما هو عليه الآن فلم يثبت وكيف كان مجموعا وإنما كان ينزل نجوما وكان لا يتم الا بتمام عمره. وأما درسه وختمه فانما كانوا يدرسون ويختمون ما كان عندهم منه لا تمامه. وقال شيخنا الصدوق رئيس المحدثين محمد بن علي بن بابويه القمي طيب الله ثراه في اعتقاداته: اعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) هو ما بين الدفتين وما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك، قال: ومن نسب إلينا: إنا نقول إنه أكثر من ذلك فهو كاذب. وقال شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي (رضي الله عنه) في تبيانه: وأما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانه والنقصان منه فالظاهر أيضا من مذهب المسلمين خلافه وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا وهو الذي نصره المرتضى (رضي الله عنه)، وهو الظاهر في الروايات. غير أنه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصة والعامة بنقصان كثير من آي القرآن (1) ونقل شئ منه من موضع إلى موضع طريقها الآحاد التي لا توجب
(1) روي في الكافي بإسناده عن هشام بن سالم ابي عبد الله (عليه السلام) قال: إن القرآن الذي جاء جبرائيل على (*)
[ 55 ]
علما فالأولى الاعراض عنها وترك التشاغل بها لأنه يمكن تأويلها ولو صحت لما كان ذلك طعنا على ما هو موجود بين الدفتين فان ذلك معلوم صحته لا يعترضه أحد من الامة ولا يدفعه، وروايتنا متناصرة بالحث على قراءته والتمسك بما فيه، ورد ما يرد من اختلاف الأخبار في الفروع إليه وعرضها عليه فما وافقه عمل عليه وما خالفه يجنب ولم يلتفت إليه، وقد ورد عن النبي (صلى الله عليه
وآله وسلم) واية لا يدفعها احد، إنه قال: إني مخلف فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض وهذا يدل على أنه موجود في كل عصر لأنه لا يجوز أن يأمرنا بالتمسك بما لا نقدر على التمسك به كما أن أهل البيت (عليهم السلام) ومن يجب اتباع قوله حاصل في كل وقت وإذا كان الموجود بيننا مجمعا على صحته فينبغي أن يتشاغل بتفسيره وبيان معانيه وترك ما سواه. أقول: يكفي في وجوده في كل عصر وجوده جميعا كما أنزله الله محفوظا عند أهله ووجود ما احتجنا إليه منه عندنا وإن لم نقدر على الباقي كما أن الامام (عليه السلام) كذلك فان الثقلين سيان في ذلك. ولعل هذا هو المراد من كلام الشيخ. واما قوله من يجب اتباع قوله فالمراد به البصير بكلامه فانه في زمان غيبتهم قائم مقامهم لقولهم (عليهم السلام) انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فاجعلوه بينكم حاكما فإني قد جعلته عليكم حاكما، الحديث.
محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) آلاف آية. ويقال إن الموجود منه في أيدي الناس أقل من ذلك، والمشهور أنه ستة آلاف وستمائة وستون. وفي مجمع البيان من طريق العامة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أن القرآن ستة آلاف ومائتان وثلاث وستون آية وقد ذكر بعض أصحابنا عدد السور والكلمات والحروف والفتحات والضمات والكسرات والهمزات والتشديدات والألفات والباءات إلى آخر حروف التهجي واعتمد في عدد الآية على المشهور. ولعل بناء حديث العامة على ما رأوه من عد البسملات آية واحدة وعلى ما حصل لهم القطع بكونه آية فإن للقراء في تعيين الآيات إختلافات والعلم عند الله. منه رحمه الله تعاى. (*)
[ 56 ]
المقدمة السابعة
في نبذ مما جاء في أن القرآن تبيان كل شئ وتحقيق معناه روى في الكافي بإسناده عن مرازم عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله تعالى أنزل في القرآن تبيان كل شئ حتى والله ما ترك الله شيئا يحتاج إليه العباد حتى لا يستطيع عبد يقول لو كان هذاأنزل في القرآن الا وقد أنزله الله فيه. وبإسناده عن عمرو بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سمعته يقول إن الله تعالى لم يدع شيئا تحتاج إليه الامة الا أنزله في كتابه وبينه لرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعل لكل شئ حدا وجعل عليه دليلا يدل عليه وجعل على من تعدى ذلك حدا. وبإسناده عن المعلى بن خنيس قال قال: أبو عبد الله (عليه السلام) ما من أمر يختلف فيه اثنان الا وله أصل في كتاب الله ولكن لا تبلغه عقول الرجال. وبإسناده عن حماد (عمار خ ل) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سمعته يقول ما من شئ الا وفيه كتاب أو سنة. وبإسناده عن سماعة عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: قلت له: أكل شئ في كتاب الله وسنة نبيه أو تقولون فيه، قال: بل كل شئ في كتاب الله وسنة نبيه. وبإسناده عن أبي الجارود قال قال أبو جعفر (عليه السلام): إذا حدثتكم بشئ فاسألوني أين هو من كتاب الله تعالى. ثم قال في بعض حديثه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنهى عن القيل والقال وفساد المال وكثرة السؤال فقيل له يابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أين هذا من كتاب الله ؟ قال:
[ 57 ]
إن الله تعالى يقول لا خير في كثير من نجويهم الا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلح بين الناس. وقال: لا تؤتوا السفهاء أمولكم التى جعل الله لكم قياما
وقال: لا تسئالوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم. قال بعض أهل المعرفة ما ملخصه: إن العلم بالشئ اما يستفاد من الحس برؤية أو تجربة أو سماع خبر أو شهادة أو اجتهاد أو نحو ذلك ومثل هذا العلم لا يكون الا متغيرا فاسدا محصورا متناهيا غير محيط لانه إنما يتعلق بالشئ في زمان وجوده علم وقبل وجوده علم آخر وبعد وجوده علم ثالث وهكذا كعلوم أكثر الناس وأما ما يستفاد من مبادئه وأسبابه وغاياته علما واحدا كليا بسيطا على وجه عقلي غير متغير فانه ما من شئ الا وله سبب ولسببه سبب. وهذا إلى أن ينتهي إلى مسبب الأسباب وكل ما عرف سببه من حيث يقتضيه ويوجبه فلا بد أن يعرف ذلك الشئ علما ضروريا دائما فمن عرف الله تعالى بأوصافه الكمالية ونعوته الجلالية وعرف أنه مبدأ كل وجود وفاعل كل فيض وجود وعرف ملائكته المقربين ثم ملائكته المدبرين المسخرين للأغراض الكلية العقلية بالعبادات الدائمة والنسك المستمرة من غير فتور ولغوب الموجبة لأن يترشح عنها صور الكائنات كل ذلك على الترتيب السببي والمسببي فيحيط علمه بكل الأمور وأحوالها ولواحقها علما (بريئا خ ل) من التغيير والشك والغلط فيعلم من الأوائل الثواني ومن الكليات الجزئيات المترتبة عليها ومن البسائط المركبات، ويعلم حقيقة الانسان وأحواله ومايكملها ويزكيها ويسعدها ويصعدها إلى عالم القدس وما يدنسها ويرديها ويشقيها ويهويها إلى أسفل السافلين علما ثابتا غير قابل للتغيير ولا محتمل لتطرق الريب فيعلم الأمور الجزئية من حيث هي دائمة كلية ومن حيث لا كثرة فيه ولا تغيير وإن كانت هي كثيرة متغيرة في أنفسها وبقياس بعضها إلى بعض وهذا كعلم الله سبحانه بالأشياء وعلم ملائكته المقربين وعلوم الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) بأحوال الموجودات الماضية والمستقبلة وعلم ما كان وعلم ما سيكون (يكون خ ل) إلى يوم القيامة من هذا القبيل فانه علم كلي ثابت غير متجدد بتجدد المعلومات ولا متكثر
[ 58 ]
بتكثرها، ومن عرف كيفية هذا العلم عرف معنى قوله تعالى: ونزلنا عليك الكتب تبيانا لكل شئ. ويصدق بأن جميع العلوم والمعاني في القرآن الكريم عرفانا حقيقيا وتصديقا يقينيا على بصيرة لا على وجه التقليد والسماع ونحوهما إذ ما من أمر من الامور الا وهو مذكور في القرآن إما بنفسه أو بمقوماته وأسبابه ومبادئه وغاياته ولا يتمكن من فهم آيات القرآن وعجائب أسراره وما يلزمها من الأحكام والعلوم التي لا تتناهى الا من كان علمه بالأشياء من هذا القبيل. انتهى كلامه أعلى الله مقامه، وينبه عليه لفظة الأصل في رواية المعلى.
[ 59 ]
المقدمة الثامنة في نبذ مما جاء في أقسام الآيات واشتمالها على البطون والتأويلات وأنواع اللغات والقراءات، والمعتبرة منها قد اشتهرت الرواية من طريق العامة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: نزل القرآن على سبعة أحرف كلها كاف شاف وقد ادعى بعضهم تواتر أصل هذا الحديث الا انهم اختلفوا في معناه على ما يقرب من أربعين قولا. وروت العامة عنه (عليه السلام) ايضا انه قال: نزل القرآن على سبعة أحرف أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل وقصص ومثل. وفي رواية أخرى: زجر وأمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، والمستفاد من هاتين الروايتين إن الأحرف إشارة إلى اقسامه وأنواعه. ويؤيده ما رواه أصحابنا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: إن الله تبارك وتعالى أنزل القرآن على سبعة أقسام كل قسم منها كاف شاف وهي: أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل ومثل وقصص.
وروت العامة أيضا عن النبي (صلى الله عليه وآله) أن القرآن أنزل على سبعة أحرف لكل آية منها ظهر وبطن ولكل حرف حد ومطلع. وفي رواية أخرى أن للقرآن ظهرا وبطنا ولبطنه بطنا إلى سبعة أبطن. وربما يستفاد من هاتين الروايتين أن الأحرف إشارة إلى بطونه وتأويلاته ولا نص فيهما على ذلك لجواز أن يكون المراد بهما أن الكل من الأقساط ظهرا وبطنا ولبطنه بطنا (بطن خ ل) إلى سبعة أبطن. ومن طريق الخاصة ما رواه في الخصال بإسناده عن حماد قال: قلت لأبي
[ 60 ]
عبد الله (عليه السلام) إن الأحاديث تختلف منكم، قال: فقال: إن القرآن نزل على سبعة أحرف وأدنى ما للامام أن يفتي على سبعة وجوه. ثم قال: هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب، وهذا نص في البطون وتأويلات. ورووا في بعض ألفاظ هذا الحديث أن هذا القرآن انزل على سبعة أحرف فاقرؤ وا بما تيسر منه. وفي بعضها قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لجبرئيل (عليه السلام): إني بعثت إلى امة اميين فيهم الشيخ الفاني والعجوز الكبيرة والغلام. قال: فمرهم فليقرؤا القرآن على سبعة أحرف. ومن طريق الخاصة ما رواه في الخصال بإسناده عن عيسى بن عبد الله الهاشمي عن أبيه عن آبائه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أتاني آت من الله عز وجل فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد فقلت: يا رب وسع على أمتي. فقال: إن الله عز وجل يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف ويستفاد من هذه الروايات ان المراد بسبعة أحرف اختلاف اللغات كما قاله ابن الأثير في نهايته فانه قال في الحديث نزل القرآن
على سبعة أحرف كلها شاف كاف اراد بالحرف اللغة يعني على سبع لغات من لغات العرب أي انها (متفرقة خ ل) في القرآن فبعضه بلغة قريش وبعضه بلغة هذيل وبعضه بلغة الهوازن (هوازن خ ل) وبعضه بلغة اليمن. قال: ومما يبين ذلك قول ابن مسعود إني قد سمعت القراء فوجدتهم متقاربين فاقرأوا كما علمتم إنما هو كقول أحدكم: هلم وتعال واقبل. وقال في مجمع البيان: إن قوما قالوا إن المراد بالأحرف اللغات مما لا يغير حكما في تحليل ولا تحريم مثل: هلم وأقبل وتعال. وقالوا: مخيرين في مبتدء الإسلام في أن يقرؤا بما شاؤوا منها ثم أجمعوا على أحدها وإجماعهم حجة فصار ما أجمعوا عليه مانعا مما اعرضوا عنه. أقول: والتوفيق بين الروايات كلها أن يقال: إن للقرآن سبعة أقسام من
[ 61 ]
الآيات وسبعة بطون لكل آية. ونزل على سبع لغات. واما حمل الحديث على سبعة أوجه من القرأات ثم التكلف في تقسيم وجوه القراءات على هذا العدد كما نقله في مجمع البيان عن بعضهم فلا وجه له مع أنه يكذبه ما رواه في الكافي باسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن القرآن واحد نزل من عند واحد ولكن الاختلاف يجيئ من قبل الرواة. وبإسناده عن الفضيل بن يسار قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إن الناس يقولون إن القرآن نزل على سبعة أحرف. فقال: كذبوا أعداء الله ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد، ومعنى هذا الحديث معنى سابقه والمقصود منهما واحد وهو أن القراءة الصحيحة واحدة الا أنه (عليه السلام) لما علم أنهم فهموا من الحديث الذي رووه صحة القرأات جميعا مع اختلافها كذبهم. وعلى هذا فلا تنافي بين هذين الحديثين وشئ من أحاديث الأحرف ايضا.
وبإسناده عن عبد الله بن فرقد والمعلى بن خنيس قالا كنا عند ابي عبد الله (عليه السلام) ومعنا ربيعة الرأي فذكر القرآن فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إن كان ابن مسعود لا يقرء على قراءتنا فهو ضال. (فقال خ ل): ربيعة ضال. فقال: نعم ضال. ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): أما نحن فنقرأ على قراءة ابي. ولعل آخر الحديث ورد على المسامحة مع ربيعة مراعاة لحرمة الصحابة وتداركا لما في ابن مسعود ذلك لأنهم (عليهم السلام) لم يكن يتبعون احدا سوى آبادهم (عليهم السلام) لأن علمهم من الله وفي هذا الحديث اشعار بأن قراءة أبي كانت موافقة لقراء تهم (عليهم السلام) أو كنت أوفق لها من قراءة غيره من الصحابة. ثم الظاهر أن الاختلاف المعتبر ما يسري من اللفظ إلى المعنى مثل مالك وملك دون ما لا يجاوز اللفظ أو يجاوزه ولم يخل بالمعنى المقصود سواء كان بحسب اللغة مثل كفؤا بالهمزة والواو ومخففا ومثقلا أو بحسب الصرف مثل يرتد
[ 62 ]
ويرتدد أبحسب النحو مثل ما لا يقبل منها شفاعة بالتاء، والياء وما يسري إلى المعنى ولم يخل بالمقصود مثل الريح والرياح للحنس والجمع فان في امثال هذه موسع علينا القراءات المعروفة. وعليه يحمل ما ورد عنهم (عليهم السلام) من اختلاف القراءة في كلمة واحدة وما ورد أيضا في تصويبهم القراءتين جميعا كما يأتي في مواضعه أو يحمل على أنهم لما لم يتمكنوا أن يحملوا الناس على القراءة الصحيحة جوزوا القراءة بغيرها كما اشير إليه بقولهم (عليهم السلام): اقرؤا كما تعلمتم فسيجيئكم من يعلمكم وذلك كما جوزوا قراءة أصل القرآن بما هو عند الناس دون ما هو
محفوظ عندهم وعلى التقديرين في سعة منها جميعا، وقد اشتهر بين الفقهاء وجوب التزام عدم الخروج عن القرأات السبع أو العشر المعروفة لتواترها وشذوذ غيرها. والحق: أن المتواتر من القرآن اليوم ليس إلا القدر المشترك بين القرأات جميعا دون خصوص آحادها إذ المقطوع به ليس إلا ذاك فان المتواتر لا يشتبه بغيره وأما نحن فنجعل الأصل في هذا التفسير أحسن القراءات كانت قراءة من كانت كالأخف على اللسان والأوضح في البيان والآنس للطبع السليم والأبلغ لذي الفهم القويم والأبعد عن التكلف في إفادة المراد والأوفق لأخبار المعصومين. فان تساوت أو أشبهت فقراءة الأكثرين في الأكثر. ولا نتعرض لغير ذلك إلا ما يتغير به المعنى المراد تغييرا يعتد به أويحتاج إلى التفسير وذلك لأن التفسير إنما يتعلق بالمعنى دون اللفظ وضبط اللفظ إنما هو للتلاوة فيخص به المصاحف، وأما ما دونوه في علم القرأة وتجويدها من القواعد والمصطلحات فكل ما له مدخل في تبيين الحروف وتمييز بعضها عن بعض لئلا يشتبه أو في حفظ الوقوف بحيث لا يختل المعنى المقصود به أو في صحة الإعراب وجودته لئلا تصير ملحونة أو مستهجنة أو في تحسين الصوت وترجيعه بحيث يلحقها بألحان العرب وأصواتها الحسنة فله وجه وجيه.
[ 63 ]
وقد وردت الإشارة في الروايات المعصومية وإنما ينبغي مراعاة ذلك فيما اتفقوا عليه لاتفاق السلائق عليه دون ما اختلفوا فيه لاختلافها لديه.
[ 64 ]
المقدمة التاسعة في نبذ مما جاء في زمان نزول القرآن وتحقيق ذلك
روي في الكافي عن حفص بن غياث عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله تعالى: شهر رمضان الذى انزل فيه القرآن، وإنما انزل عشرين سنة بين أوله وآخره. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): انزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان إلى البيت المعمور ثم نزل في طول عشرين سنة ثم قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من شهر رمضان وانزلت التوراة لست مضين من شهر رمضان وانزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت من شهر رمضان وانزل الزبور لثمان عشرة خلون من شهر رمضان وانزل القرآن في ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان. وفيه وفي الفقيه بإسنادهما عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال نزلت التوراة في ست مضين من شهر رمضان ونزل الانجيل في إثني عشرة ليلة مضت من شهر رمضان ونزل الزبور في ليلة ثمان عشرة من شهر رمضان ونزل القرآن في ليلة القدر. وفي بعض نسخ الفقيه، ونزل الفرقان في ليلة القدر. وباسنادهما عن حمران أنه سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله تعالى: إنا أنزلناه في ليلة مبركة ؟ قال هي ليلة القدر وهي في كل سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر. ولم ينزل القرآن إلا في ليلة القدر. قال الله تعالى: فيها يفرق كل أمر حكيم. قال: يقدر في ليلة القدر كل شئ يكون في تلك السنة إلى مثلها من قابل من خير أو شر أو طاعة أو معصية أو مولود أو أجل أو رزق. الحديث. وباسنادهما عن يعقوب قال: سمعت رجلا يسأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن
[ 65 ]
ليلة القدر ؟ فقال: أخبرني عن ليلة القدر كانت أو تكون في كل عام ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) لو رفعت ليلة القدر لرفع القرآن. أقول: وذلك لأن في ليلة القدر ينزل كل سنة من تبيين القرآن وتفسيره ما يتعلق
بأمور تلك السنة إلى صاحب الأمر (عليه السلام) فلو لم يكن ليلة القدر لم ينزل من أحكام القرآن ما لا بد منه في القضايا المتجددة وإنما لم ينزل ذلك إذا لم يكن من ينزل عليه وإذا لم يكن من ينزل عليه لم يكن قرآن لأنهما متصاحبان لن يفترقا حتى يردا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حوضه كما ورد في الحديث المتفق عليه وقد مضى معنى تصاحبهما. والمستفاد من مجموع هذه الأخبار، وخبر الياس الذي أورده في الكافي في باب شأن إنا أنزلناه في ليلة القدر وتفسيرها من كتاب الحجة إن القرآن نزل كله جملة واحدة في ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان إلى البيت المعمور وكأنه اريد به نزول معناه على قلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما قال الله نزل به الروح الأمين على قلبك ثم نزل في طول عشرين سنة نجوما من باطن قلبه إلى ظاهر لسانه كلما آتاه جبرئيل (عليه السلام) بالوحي وقرأه عليه بألفاظه وأن معنى انزال القرآن في ليلة القدر في كل سنة إلى صاحب الوقت انزال بيانه بتفصيل مجمله وتأويل متشابهه وتقييد مطلقه وتفريق محكمه من متشابهه. وبالجملة تتميم إنزاله بحيث يكون هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان كما قال الله سبحانه: * (شهر رمضان الذين انزل فيه القران) * يعني في ليلة القدر منه * (هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) * تثنية (تثبيت خ ل) لقوله عز وجل: * (إنا أنزلناه في ليلة مبركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم) * أي محكم أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين فقوله فيها يفرق وقوله والفرقان معناهما واحد فان الفرقان هو المحكم الواجب العمل به كما مضى في الحديث، وقد قال تعالى: إن علينا جمعه وقرآنه. أي حين أنزلناه نجوما فإذا قرأناه عليك فاتبع قرآنه أي جملته ثم إن علينا بيانه في ليلة القدر بانزال الملائكة والروح فيها عليك وعلى أهل بيتك من بعدك
[ 66 ]
بتفريق المحكم من المتشابه وبتقدير الأشياء وتبيين أحكام خصوص الوقائع التي تصيب الخلق في تلك السنة إلى ليلة القدر الآتية. قال في الفقيه: تكامل نزول القرآن ليلة القدر وكأنه أراد به ما قلناه. وبهذا التحقيق حصل التوفيق بين نزوله تدريجا ودفعة واسترحنا من تكلفات المفسرين.
[ 67 ]
المقدمة العاشرة في نبذ مما جاء في تمثل القرآن لأهله يوم القيامة وشفاعته لهم وثواب حفظه وتلاوته روي في الكافي باسناده عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: يجيئ القرآن في أحسن منظور إليه صورة فيمر بالمسلمين (1) فيقولون هذا رجل منا فيجاوزهم إلى النبيين فيقولون هو منا فيجاوزهم إلى الملائكة المقربين فيقولون هو منا حتى ينتهي إلى رب العزة جل وعز فيقول: يا رب فلان بن فلان أظمأت هواجره وأسهرت ليله في دار الدنيا وفلان بن فلان لم أظمئ هواجره ولم أسهر ليله فيقول تعالى: أدخلهم الجنة على منازلهم فيقوم فيتبعونه فيقول للمؤمن اقرأ وأرق قال: فيقرأ ويرقى حتى يبلغ كل رجل منهم منزلته التي هي له فينزلها. وباسناده عن يونس ابن عمار قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن الدواوين يوم القيامة ثلاثة ديوان فيه النعم وديوان فيه الحسنات وديوان فيه السيئات فيقابل ديوان النعم وديوان الحسنات فتستغرق النعم عامة الحسنات ويبقى ديوان السيئات فيدعى يابن آدم المؤمن للحساب فيتقدم القرآن أمامه في أحسن صورة فيقول يا رب أنا القرآن وهذا عبدك المؤمن قد كان يتعب نفسه بتلاوتي ويطيل ليله بترتيلي وتفيض عيناه إذا تهجد فأرضه كما أرضاني. قال: فيقول العزيز الجبار عبدي أبسط يمينك فيملأها من رضوان الله
(1) لما كان المؤمن في نيته أن يعبد الله حق عبادته ويتلو كتابه حق تلاوته ويسهر ليله بقراءته والتدبر في اباته وينصب بدنه بالقيام به في صلواته إلا أنه لا يتيسر له ذلك كما يريد ولا يأتي به كما ينبغي. وبالجملة لا يوافق عمله بما في نيته بل أنزل منه كما ورد في الحديث نية المؤمن خير من عمله. فالقرآن بتجلي لكل طائفة بصورة من جنسهم الا أنه أحسن في الجمال والبهاء ومن الصورة التي لو كانوا بأتون بما في نيتهم من العمل وزيادة الاجتهاد في الإتيان بمقتضاه لكان لهم تلك الصورة وإنما لا يعرفونه كما ينبغي لأنهم لم يأتوا بذلك كما ينبغي ولم يعملوا بما هو به حري وإنما يعرفونه بكونه منهم لأنهم كانوا يتلونه في آناء الليل وأطراف النهار ويقرأونه في الإعلان الإسرار وإنمايشفع لمن عمل به وإن كان مقصرا لما كان في نيته من العمل بمقتضاه كما ينبغي. منه رحمه الله تعالى. (*)
[ 68 ]
العزيز الجبار ويملأ شماله من رحمة الله ثم يقال هذه الجنة مباحة لك فاقرأ واصعد فإذا قرأ آية صعد درجة. أقول: وفي هذا المعنى أخبار كثيرة ومنها ما هو أبسط من هذا وقد أوردنا نبذا منها في كتابنا الوافي وشرحناها هناك. وبإسناده عن الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال الحافظ للقرآن العامل به مع السفرة الكرام البررة. وبإسناده عن الزهري قال: قلت لعلي بن الحسين (عليهما السلام) أي الأعمال أفضل قال: الحال المرتحل. قلت: وما الحال المرتحل ؟ قال: فتح القرآن وختمه كلما جاء بأوله ارتحل في آخره، وقال قال رسول الله (صلى الله وآله وسلم) من أعطاه الله القرآن فرأى أن أحدا اعطي أفضل مما اعطي فقد صغر عظيما وعظم صغيرا. أقول: يشبه أن يكون قوله جاء بأوله كان حل بأوله فصحف. وبإسناده عن حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: القرآن عهد الله إلى خلقه فقد ينبغي للمرء المسلم أن ينظر في عهده وأن يقرأ منه في كل يوم خمسين
آية. وبإسناده عن محمد بن بشير عن علي بن الحسين (عليهما السلام) ومرسلا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قالا: من استمع حرفا من كتاب الله تعالى من غير قرأة كتب الله تعالى له به حسنة ومحا عنه سيئة ورفع له درجة ومن قرأ نظرا من غير صوت كتب الله له بكل حرف حسنة ومحا عنه سيئة ورفع له درجة ومن تعلم منه حرفا ظاهرا كتب الله له عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات. قال: لا أقول بكل آية ولكن بكل حرف باء أو ياء أو شبههما. قال: ومن قرأ حرفا وهو جالس في صلاته كتب الله له خمسين حسنة ومحا عنه خمسين سيئة ورفع الله له خمسين درجة، ومن قرأ حرفا وهو قائم في صلاته كتب الله له ماءة حسنة ومحا
[ 69 ]
عنه مائة سيئة ورفع له ماءة درجة ومن ختمه كانت له دعوة مستجابة مؤخرة أو معجلة قال: قلت جعلت فداك ختمه كله. قال: ختمه كله. وبإسناده عن ليث بن أبي سليم رفعه قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): نوروا بيوتكم بتلاوة القرآن ولا تتخذوها قبورا كما فعلت اليهود والنصارى صلوا في الكنائس والبيع وعطلوا بيوتهم فان البيت إذا كثر فيه تلاوة القرآن كثر خيره واتسع أهله وأضاء لأهل السماء كما تضيئ نجوم السماء لأهل الدنيا.
[ 70 ]
المقدمة الحادية عشرة في نبذ مما جاء في كيفية التلاوة وآدابها روي في الكافي بإسناده عن اسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له جعلت فداك إني احفظ القرآن عن ظهر قلبي فأقرأه عن ظهر قلبي أفضل أو انظر في المصحف ؟ فقال لي: لا بل اقرأه وانظر في المصحف فهو أفضل أما
علمت أن النظر في المصحف عبادة. وبإسناده عن محمد بن عبد الله قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أقرأ القرآن في ليلة ؟ قال: لا يعجبني أن تقرأ في أقل من شهر. وبإسناده عن أبي بصير أنه قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) جعلت فداك أقرأ القرآن في شهر رمضان في ليلة ؟ فقال: لا قال ففي ليلتين قال: لا قال ففي ثلاث ؟ قال: هاواشار بيده. ثم قال: يا أبا محمد إن لرمضان حقا وحرمة ولا يشبهه شئ من الشهور وكان أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يقرأ أحدهم القرآن في شهر أو أقل. إن القرآن لا يقرأ هذرمة ولكن يرتل ترتيلا وإذا مررت بآية فيها ذكر الجنة فقف عندها واسئل الله تعالى الجنة وإذا مررت بآية فيها ذكر النار فقف عندها وتعوذ بالله من النار. أقول: ها كلمة إجابة يعني بها نعم. ثم علل جواز الختم في ثلاث ليال في شهر رمضان بحق الشهر وحرمته (1) واختصاصه من بين الشهور. والهذرمة السرعة في القرآن.
(1) أريد به الاختصاص لا اختصاصه بزيادة القراءة ولذا لم يقل اختصاصه بذلك. منه قدس سره. (*)
[ 71 ]
وبإسناده عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تعالى: ورتل القران ترتيلا. قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): بينه تبيينا ولا تهذه هذ الشعر ولا تنثره نثر الرمل ولكن فزعوا قلوبكم القاسية ولا يكن هم أحدكم آخر السورة. أقول: الهذ السرعة في القرأة أي لا تسرع فيه كما تسرع في قراءة الشعر ولا تفرق كلماته بحيث لا تكاد تجتمع كذرات الرمل، والمراد به الاقتصاد بين السرعة المفرطة والبطؤ المفرط.
وفي رواية اخرى: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن ترتيل القرآن فقال: هو حفظ الوقوف وبيان الحروف، وفسر الأول بالوقف التام والحسن والثاني بالإتيان بصفاتها المعتبرة من الجهر والهمس والاطباق والاستعلاء وغيرها. وعن أبي عبد الله (عليه السلام) هو أن تمكث وتحسن به صوتك. وبإسناده عنه (عليه السلام): قال القرآن نزل بالحزن. وبإسناده عنه (عليه السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله ولسم): لكل شئ حلية وحلية القرآن الصوت الحسن. وعنه (عليه السلام) قال كان علي بن الحسين (عليهما السلام) أحسن الناس صوتا بالقرآن. وكان السقاؤون يمرون فيقفون ببابه يستمعون قرأته. وكان أبو جعفر (عليه السلام) أحسن الناس صوتا. وبإسناده عن علي بن محمد النوفلي عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: ذكرت الصوت عنده فقال إن علي بن الحسين (عليهما السلام) كان يقرأ القرآن فربما مر به المار فصعق من حسن صوته، وإن الإمام (عليه السلام) لو أظهر من ذلك شيئا لما احتمله الناس من حسنه. قلت: ولم يكن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يصلي بالناس ويرفع صوته بالقرآن فقال: إن رسول الله (ص) كان يحمل الناس من خلفه (1) ما يطيقون.
(1) يحتمل كلمة من أن تكون إسما موصولا بدلا من الناس، يعني كان يحمل من كان يصلي خلفه من الناس على ما يطيقون معه إتمام الصلاة من غير أن يخرجوا عن حدود التكليف وذلك لمصالح تقتضيه فإنه (عليه السلام) كان مأمورا بالإقبال والإدبار جميعا. ويحتمل أن يكون حرفا قيدا للناس أو متعلقا بيحمل فتدبر. (*)
[ 72 ]
وبإسناده عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) إذا قرأت القرآن فرفعت به صوتي جائني الشيطان. فقال: إنما ترائي بهذا أهلك والناس قال: يا أبا محمد اقرأ قراءة بين القراءتين تسمع أهلك ورجع بالقرآن صوتك فان الله تعالى
يحب الصوت الحسن يرجع به ترجيعا. وبإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اقرؤا القرآن بألحان العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكبائر فانه سيجيئ بعدي أقوام يرجعون القرآن بترجيع الغنأ والنوح والرهبانية لا يجوز تراقيهم قلوبهم مقلوبة وقلوب من يعجبه شأنهم. وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) زينوا القرآن بأصواتكم. وعنه (عليه السلام): إن القرآن نزل بالحزن فإذا قرأتموه فابكوا فان لم تبكوا فتباكوا وتغنوا به لم يتغن بالقرآن فليس منا، قال في مجمع البيان تأول بعضهم تغنوابه بمعنى استغنوا به وأكثر العلما على أنه تزيين الصوت وتحزينه. أقول: المستفاد من هذه الأخبار جواز التغني بالقرآن والترجيع به بل استحبابهما فما ورد من النهي عن الغناء كما يأتي في محله إنشاء الله ينبغي حمله على لحون أهل الفسق والكبائر وعلى ما كان معهودا في زمانهم (عليهم السلام) في فساق الناس وسلاطين بني أمية وبني العباس من تغني القينات بين الرجال وتكلمهن بالأباطيل ولعبهن بالملاهي من العيدان والقضيب ونحوها. قال في الفقيه: سأل رجل علي بن الحسين (عليهما السلام) عن شراء جارية لها صوت ؟ فقال: ما عليك لو اشتريتها فذكرتك الجنة. قال: يعني بقراءة القرآن والزهد والفضائل التي ليست بغناء فأما الغناء فمحظور. وفي الكافي والتهذيب: عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أجر المغنية التي تزف العرائس ليس به بأس ليست بالتي تدخل عليها الرجال. وفي معناه أخبار اخر وكلام الفقيه يعطي أن بناء الحل والحرمة على ما يتغنى
[ 73 ]
والحديث الأخير يعطي أن لسماع صوت الأجنبية مدخلا في الحرمة فليتأمل.
وفي مصباح الشريعة عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: من قرأ القرآن ولم يخضع له ولم يرق عليه ولم ينشئ حزنا ووجلا في سره فقد استهان بعظم شأن الله وخسر خسرانا مبينا فقارئ القرآن يحتاج إلى ثلاثة أشياء قلب خاشع، وبدن فارغ، وموضع خال. فإذا أخشع لله قلبه فر منه الشيطان الرجيم وإذا تفرغ نفسه من الأسباب تجرد قلبه للقراءة فلا يعترضه عارض فيحرمه نور القرآن وفوائده وإذا اتخذ مجلسا خاليا واعتزل من الخلق بعد أن أتى بالخصلتين الأوليين استأنس روحه وسره بالله ووجد حلاوة مخاطبات الله عباده الصالحين وعلم لطفه بهم ومقام اختصاصه لهم بقبول كراماته وبدائع إشاراته فإذا شرب كأسا من هذا الشراب فحينئذ لا يختار على ذلك الحال حالا ولا على ذلك الوقت وقتا بل يؤثره على كل طاعة وعبادة لأن فيه المناجاة مع الرب بلا واسطة فانظر كيف تقرأ كتاب ربك ومنشور ولايتك وكيف تجيب أوامره ونواهيه وكيف تمتثل حدوده فانه كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فرتله ترتيلا، وقف عند وعده ووعيده وتفكر في أمثاله ومواعظه واحذر أن تقع من إقامتك حروفه في إضاعة حدوده. وروي عنه (عليه السلام) أنه قال: والله لقد تجلى الله لخلقه في كلامه ولكن لا يبصرون. وقال: أيضا وقد سألوه عن حالة لحقته في الصلاة حتى خر مغشيا عليه فلما سري (سوى خ ل) عنه قيل له في ذلك فقال: ما زلت اردد الآية على قلبي وعلى سمعي حتى سمعتها من المتكلم بها فلم يثبت جسمي لمعاينة قدرته. أقول: وللتلاوة آداب اخر منها ظاهرة كالطهارة والاستعاذة وتعظيم المصحف والدعاء أولا وآخرا وغير ذلك ومنها باطنة كحضور القلب والتدبر والتفهم والتخلي عن موانع الفهم وتخصيص نفسه بكل خطاب وتأثر قلبه بآثار مختلفة والترقي بقلبه إلى أن يسمع الكلام من الله لا من نفسه والتبري من حوله وقوته ومن الالتفات إلى نفسه بعين
[ 74 ]
الرضا واحضار عظمة الكلام والمتكلم بقلبه إلى غير ذلك كما مرت الإشارة إلى بعضها وقد أوردناها جميعا وبيناها في كتابنا المسمى بالمحجة البيضاء من أرادها فليراجع إليه.
[ 75 ]
المقدمة الثانية عشرة في بيان ما اصطلحنا عليه في التفسير فنقول كلما يحتاج من الآيات إلى بيان وتفسير لفهم المقصود من معانيه أو إلى تأويل لمكان تشابه فيه أو إلى معرفة سبب نزوله المتوقف عليه فهمه وتعاطيه أو إلى تعرف نسخ أو تخصيص أو صفة أخرى فيه. وبالجملة ما يزيد على شرح اللفظ والمفهوم مما يفتقر إلى السماع من المعصوم فان وجدنا شاهدا من محكمات القرآن يدل عليه أتينا به فان القرآن يفسر بعضه بعضا وقد امرنا من جهة أئمة الحق (عليهم السلام) أن نرد متشابهات القرآن إلى محكماته وإلا فان ظفرنا فيه بحديث معتبر عن أهل البيت (عليهم السلام) في الكتب المعتبرة من طرق أصحابنا (رضوان الله عليهم) أوردناه، وإلا أوردنا ما روينا عنهم (عليهم السلام) من طرق العامة لنسبته إلى المعصوم وعدم ما يخالفه، نظيره في الاحكام ما روي عن الصادق (عليه السلام): إذا نزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها فيما يروى عنا فانظروا إلى ما رووه عن علي (عليه السلام) فعملوا به. رواه الشيخ الطوسي (رضوان الله عليه) في العدة وما لم نظفر فيه بحديث عنهم (عليهم السلام) أوردنا ما وصل إلينا من غيرهم من علماء التفسير إذا وافق القرآن وفحواه وأشبه أحاديثهم في معناه فان لم نعتمد عليه من جهة الاستناد اعتمدنا عليه من جهة الموافقة والشبه والسداد. قال رسول الله (ص) إن على كل حق حقيقة وعلى كل صواب نورا فما
وافق كتاب الله فخذوا به وما خالف كتاب الله فدعوه. وقال الصادق (عليه السلام): ما يخالف القرآن فلا تأخذ.
[ 76 ]
وقال الكاظم (عليه السلام) إذا جاءك الحديثان المختلفان فقسهما على كتاب الله وعلى أحاديثنا فإن أشبههما فهو حق وإن لم يشبههما فهو باطل وما ورد فيه أخبار كثيرة فان لم يكن فيها كثير اختلاف اقتصرنا منها على ما اشتمل على مجامعها وتركنا سائرها مما في معناه روما للاختصار وصونا من الإكثار. وربما أشرنا إلى تعددها وتكثرها إذا أهمنا (اهمناخ ل) الا عتماد وإن كانت مختلفة نقلنا أصحها وأحسنها وأعمها فائدة ثم أشرنا إلى مواضع الاختلاف ما استطعنا وما لا يحتاج إلى شرح اللفظ والمفهوم والنكات المتعلقة بعلوم الرسوم مما لا يفتقر إلى السماع من المعصوم أوردنا فيه ما ذكره المفسرون الظاهريون من كان تفسيره أحسن وبيانه أوجز وأتقن كائنا من كان الا أوائل السورة التي تذكر فيها البقرة فان تفسير أكثرها وأكثر تفسيرها مأخوذ من التفسير المنسوب إلى مولانا الزكي أبي محمد العسكري الذي منه ما هو من كلامه ومنه ما يرويه عن آبائه (عليهم السلام. منه ما أوردناه بألفاظه ومتونه. ومنه ما أوردناه بمعانيه ومضمونه. ومنه ما لفقناه من غير موضع منه ثم منه ما نسبناه إليه ومنه ما لم ننسبه إليه وما لم ننسبه إليه ولا إلى غيره فهو منه إلا نادرا من شرح لفظه لا يجري فيه اختلاف وإنما النسبة للفصل من كلام الغير فإن (فإذا خ ل) فصل بالقرآن فلا نسبة وذلك إلى حيث ما وجد منه من تفسير هذه السورة وهو قوله عز وجل * (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله) * ثم من قوله تعالى: * (الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى) * إلى قوله سبحانه * (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت) * فإن وجد منه تفسير آية اخرى في ضمن تفسير هذه الايات أو على حدة نسبناه إليه في محله إنشاء
الله وهو تفسير حسن لا سيما ما يتعلق منه بألفاظ القرآن ومعناه مما له مدخل في فهم القرآن وإن لم يقع موقع القبول عند جماعة من أصحابنا طاعنين في إسناده فإذا أردنا أن نأتي بمزيد بيان لآية أو حديث من لدنا أو من قول بعض أهل العلم والمعرفة أو أردنا أن نجمع ونوفق بين ما يوهم التناقض أو نحو ذلك صدرنا كلامنا بقولنا (أقول أو قيل) ليفصل من كلام المعصوم (عليه السلام) إلا إذا كانت هناك قرينة تدل على ذلك
[ 77 ]
وما لا يحتاج إلى مزيد كشف وبيان إما لوضوحه وإحكام معناه أو لما عرف مما سبلف قريبا من تفسير ما يجري مجراه طوينا تفسيره أو أحلنا على ما أسلفناه، وقلما نتعرض لانحاء النحو وصروف الصرف وشقوق الاشتقاق واختلاف القراءة فيما لا يختلف به أصل المعنى لأن نظر أولى الألباب إلى المعاني أكثر منه إلى المباني. وربما يحوجنا تمام الكشف من المقصود إلى ذكر شئ من الأسرار فمن لم يكن من أهله فلا يبادر بالإنكار وليتركه لأهله فان لكل أهلا وذاك أيضا من مخزون علمهم الذي استفدناه من عباراتهم ومكنون سرهم الذي استنبطناه من إشاراتهم باخلاص الولاء والحب وبمصاص المخ واللب ولله الحمد وما نقلناه من كتب الأصحاب نسبناه إليها باقتصار في أسمائها كالاكتفاء بالمضاف عما اضيف إليه كالمجمع والجوامع للشيخ أبي علي الطبرسي، وكالتوحيد والعيون والعلل والاكمال والمعاني والمجالس والاعتقادات من (تصانيف خ ل) الصدوق أبي جعفر بن بابويه رحمه الله وكالمناقب لمحمد بن شهراشوب المازندراني، وكالتهذيب والغيبة والأمالي للشيخ أبي جعفر الطوسي أطاب الله ثراهم، وكنينا عن كتاب من لا يحضره الفقيه بالفقيه واكتفينا عن ذكر تفسيري علي بن إبراهيم القمي ومحمد بن مسعود العياشي واسميهما بالقمي والعياشي، وعبرنا عن تفسير الإمام أبي محمد
العسكري (عليه السلام) بتفسير الإمام واقتصرنا في التعبير عن المعصوم على ذكر لقبه تعظيما بعدم التسمية وحذرا عن الاشتباه بذكر الكنى لاشتراك بعضها وطلبا للاختصار وكلما أضمرنا عن المعصوم بقولنا عنه (عليه السلام) فمرجع الضمير الإمام الذي سبق ذكره وكلما لم نسم الكتاب فالمروي عنه (منه خ ل) الكتاب الذي مضى اسمه أو اسم مصفه إلا ما صدر بروي والقمي قد يسند إلى المعصوم (عليه السلام) وقد لا يسند وربما يقول: قال والظاهر أنه أراد به الصادق (عليه السلام) فان (كما ان خ ل) الشيخ أبا علي الطبرسي قد يروي عنه ما أضمره ويسنده إلى الصادق (عليه السلام) ونحن نروي ما أضمره على إضماره وحذفنا الأسانيد في الكل لقلة جدوى المعرفة بها في هذا العصر البعيد العهد عنها مع الاختلاف فيها والاشتباه على أنا إنما نصحح الأخبار بنحو آخر غير الأسانيد إلا قليلا ونستعين في ذلك كله بالله وحده ولا نتخذ إلى غيره
[ 78 ]
سبيلا فيا إخواني خذوا ما آتينكم بقوة فقد جاءتكم موعظة من ربكم وشفأ لما في الصدور يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلم ويخرجهم من الظلمت الى النور.
[ 79 ]
تفسير الاستعاذة في تفسير الإمام (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام): أعوذ امتنع بالله السميع لمقال الأخيار والأشرار ولكل المسموعات من الاعلان والأسرار العليم بأفعال الأبرار والفجار وبكل شي مما كان وما يكون وما لا يكون أن لو كان كيف يكون من الشيطان البعيد من كل خير الرجيم المرجوم باللعن المطرود من بقاع الخير، وفي المعاني عن الزكي (صلى الله عليه وآله وسلم) معنى الرجيم أنه مرجوم باللعن مطرود من الخير لا يذكره مؤمن الا لعنه وإن في علم الله السابق إذا خرج القائم (عليه
السلام) لا يبقى مؤمن إلا رجمه بالحجارة كما كان قبل ذلك مرجوما باللعن، وفي تفسير الامام (عليه السلام) والاستعاذة هي: ما قد أمر الله بها عباده عند قراءتهم القرآن فقال: فإذا (إذا خ ل) قرأت القران فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطنه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون. أقول: الاستعاذة تطهير اللسان عما جرى عليه من غير ذكر الله ليستعد لذكر الله والتلاوة وتنظيف للقلب من تلوث الوسوسة، ليتهيأ للحضور لدى المذكور ويجد الحلاوة.
[ 80 ]
سورة الفاتحة مكية، وقيل مدنية، وقيل انزلت مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة وهي سبع آيات بسم الله الرحمن الرحيم (1) في التوحيد وتفسير الإمام عن أمير المؤمنين (عليه السلام): الله هو الذي يتأله إله كل مخلوق الحوائج والشدائد إدا انقطع الرجاء من كل وجه من، دونه وتقطع الأسباب من (عن خ ل) جميع من سواه تقول بسم الله أي أستعين على أموي كلها بالله الذي لا تحق العبادة الا المغيث إذا استغيث والمجيب إذا دعي. أقول: معنى يتأله إليه: يفزع إليه ويلتجأ ويسكن. وفي رواية اخرى عنه (عليه السلام) يعني بهذا الاسم اقرأ واعمل هذا العمل. وفي العيون والمعاني عن الرضا (عليه السلام) يعني بهذا أسم نفسي بسمة من سمات الله وهي العبادة، قيل له ما السمة قال العلامة. وفي التوحيد وتفسير الإمام (عليه السلام) قال رجل للصادق (عليه السلام):
يابن رسول الله دلني على الله ما هو فقد أكثر علي المجادلون وحيروني فقال يا عبد
(1) قيل الوجه في كتابه البسملة بحذف الألف على خلاف وضع الخط كثرة الاستعمال وتطويل الباء عوض عنها. منه قدس الله سره. روي أن قريشا كانت تكتب في الجاهلية بسمك اللهم حتى نزلت سورة هود فيها بسم الله مجريها ومرسيها فأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكتب بسم الله ثم نزل عليه بعد ذلك: قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعو فله الأسماء الحسنى، فأمر (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكتب بسم الله الرحمن فلما نزلت سورة النمل: إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم أمر (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكتب ذلك في صدور الكتب وأوائل الرسائل. وهي آية من كل سورة وقولنا: بسم الله أي أبتدئ بسم الله أو ابتدائي بسم الله فهو خبر مبتدأ محذوف واشتقاق الاسم من السمو وهو العلو والرفعة ومنه سما الزرع أي علا وارتفع. ومنه اشتقاق السماء لارتفا عها وعوها وقيل هو مشتق من السمة التي هي العلامة فكأنه علامة لما وضع له. منه قدس سره. (*)
[ 81 ]
لله هل ركبت سفينة قط ؟ قال: بلى، قال: فهل كسرت بك حيث لا سفينة تجيك ولا سباحة تغنيك ؟ قال: بى قال: فهل تعلق قلبك هناك أن شيئا من الأشياء قادر على ان يخلصلك من ورطتك ؟ قال: بلى. قال الصادق (عليه السلام): فذاك الشئ هو الله القادر على الإنجاء حين لا منجي وعلى الإغاثة حين لا مغيث ويأتي في معنى الله حديث آخر في تفسير سورة الاخلاص انشاء الله، وعن أمير المؤ منين (عليه السلام): الله أعظم اسم من اسماء الله عز وجل لا ينبغي أن يتسمى به غيره. وعنه غليه السلام: الرحمن الذي يرحم ببسط الرزق علينا. وفي رواية العاطف على خلقه بالرزق لا يقطع عنهم مواد وإن انقطعوا عن طاعته. الرحيم بنا في أدياتا ودنيانا وآخرتنا خفف علينا الدين وجعله سهلا خفيفا (حنيفا خ ل) وهو يرحمنا بتمييزنا من اعدائه.
أقول: رزق كل مخلوق ما به قوام وجوده وكماله اللائق به فالرحمة الرحمانية تعم جميع الموجودات وتشمل كل النعم كما قال الله سبحانه: أحسن كل شئ خلقه ثم هدى. وأما الرحمة الرحيمية بمعنى التوفيق في الدنيا والدين فهي مختصة بالمؤمنين وما ورد من شمولها للكافرين فإنما هي من جهة دعوتهم إلى الإيمان والدين مثل ما في تفسير الامام (عليه السلام) من قولهم (عليهم السلام) الرحيم بعباده المؤمنين في تخفيفه عليهم طاعاته وبعباده الكافرين في الرفق في دعائهم إلى موافقته. ومن ثمة قال الصادق (عليه السلام): الرحمن اسم خاص لصفة عامة والرحيم اسم عام لصفة خاصة. وقال عيسى بن مريم (عليه السلام): الرحمن رحمن الدنيا والرحيم رحيم الآخرة يعني في الامور الأخروية رواهما في المجمع وفي الكافي والتوحيد والمعاني والعياشي عن الصادق (عليه السلام) الباء بهاء الله والسين سنأ الله والميم مجد الله. وفي رواية ملك الله والله إله كل شئ الرحمن بجميع خلقه، والرحيم بالمؤمنين خاصة. والقمي عنه (عليه السلام) مثله بالرواية الأخيرة فحسب.
[ 82 ]
وروي في المشكاة وأورده في المجمع عن النبي (صلى عليه وآله) إن لله عز وجل مائة رحمة أنزل منها واحدة إلى الأرض فقسمها بين خلقه فبها يتعاطفون ويتراحمون وأخر تسعا وتسعين لنفسه يرحم بها عباده يوم القيامة. وروي أن الله قابض هذه إلى تلك فيكملها مائة يرحم بها عباده يوم القيامة. وفي تفسير الامام معنى ما في الروايتين عن أمير المؤمنين (عليه السلام) والتسمية في أول كل سورة آية منها وإنما كان يعرف إنقضاء السورة بنزولها إبتداء للأخرى وما أنزل الله كتابا من السماء الا وهي فاتحته كذا عن الصادق (عليه السلام) رواه العياشي.
وفي الكافي عن الباقر (عليه السلام): أول كل كتاب أنزل من السماء بسم الله الرحمن الرحيم فإذا قرأتها فلا تبال أن لا تستعيذ فإذا قرأتها سترتك فيما بين السمأ والارض. وفي العيون عن أمير المؤمنين (عليه السلام): أنها من الفاتحة وأن رسول الله (صلى الله وآله) يقرؤها ويعدها آية منها ويقول فاتحة الكتاب هي السبع المثاني، وفيه وفي العياشي عن الرضا (عليه السلام) أنها أقرب إلى اسم الله الأعظم من ناظر العين إلى بياضها. ورواه في التهذيب عن الصادق (عليه السلام). والقمي عنه أنها أحق ما يجهر به وهي الآية التي قال الله عز وجل: وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا. وفي الخصال عنه (عليه السلام): أن الاجهار بها في الصلاة واجب. والعياشي عنه (عليه السلام) قال: مالهم قاتلهم الله عمدوا إلى أعظم آية في كتاب الله فزعموا أنها بدعة إذا أظهروها. أقول: يعني العامة، عن الباقر (عليه السلام) سرقواآية من كتاب الله بسم الله الرحمن الرحيم وينبغي الإتيان بها عند افتتاح كل أمر عظيم أو صغير ليبارك فيه.
[ 83 ]
ففي الكافي عن الصادق (عليه السلام) قال: لا تدعها ولو كان بعده شعر. وفي التوحيد وتفسير الامام عنه (عليه السلام) من تركها من شعيتنا امتحنه الله بمكروه لينبهه على الشكر والثناء ويمحق عنه وصمة تقصيره عند تركه، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حدثني عن الله عز وجل أنه قال كل أمر ذي بال لم يذكر فيه بسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر. (1) الحمد لله: يعني على ما أنعم الله به علينا، في العيون وتفسير الامام
(عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه سئل عن تفسيرها فقال: هو أن الله عرف عباده بعض نعمه عليهم جملا إذ لا يقدرون على معرفة جميعها بالتفصيل لأنها أكثر من أن تحصى أو تعرف فقال قولوا الحمد لله على ما أنعم به علينا. وفي الكافي عن الصادق (عليه السلام): ما أنعم الله على عبد بنعمة صغرت أو كبرت فقال: الحمد لله الا أدى شكرها. رب العلمين: في العيون وتفسير الامام (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) يعني مالك الجماعات من كل مخلوق وخالقهم وسائق أرزاقهم إليهم من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون يقلب الحيوانات في قدرته ويغذوها من رزقه ويحوطها بكنفه ويدبر كلا منها بمصلحته ويمسك الجمادات بقدرته ويمسك ما اتصل منا عن التهافت والمتهافت عن التلاصق والسماء أن تقع على الأرض إلا باذنه والأرض أن تنخسف الا بأمره. (2) الرحمن الرحيم: قيل لعل تكريرهما للتنبيه بهما في جملة الصفات المذكورة على استحقاقه للحمد. (3) مالك يوم الدين: في تفسير الامام (عليه السلام) يعني القادر على إقامته والقاضي فيه بالحق والدين والحساب. وقرئ ملك يوم الدين روى العياشي أنه قرأه الصادق (عليه السلام) ما لا يحصى.
[ 84 ]
وفي تفسير الامام (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: أكيس الكيسين من حاسب نفسه وعمل لما بعد الموت وإن أحمق الحمقاء من اتبع نفسه هواه وتمنى على الله تعالى الأماني، وفي حديث آخر: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا. أقول: وفيهما دلالة على أن لكل انسان أن يفرغ من حسابه ووزن عمله في
دار الدنيا بحيث لا يحتاج إليهما في الآخرة وهو كذلك عند اولي الألباب. (4) إياك نعبد في تفسير الإمام (عليه السلام) قال الله تعالى: قولوا يا أيها الخلق المنعم عليهم إياك نعبد أيها المنعم علينا نطيعك مخلصين موحدين مع الذلل والخضوع بلا رياء ولا سمعة. وفي رواية عامية عن الصادق (عليه السلام): يعني لا نريد منك غيرك لا نعبدك بالعوض والبدل كما يعبدك الجاهلون بك المغيبون عنك. أقول: إنما انتقل العبد من الغيبة إلى الخطاب لأنه كان بتمجيده (لتمجيده خ ل) لله سبحانه وتعالى يتقرب إليه متدرجا إلى أن يبلغ في القرب مقاما كأن العلم صار له عيانا والخبر شهودا والغيبة حضورا. وإياك نستعين (1): على طاعتك وعبادتك وعلى دفع شرور أعدائك ورد مكائدهم والمقام على ما أمرت، كذا في تفسير الامام (عليه السلام). قيل: المستتر في نعبد ونستعين للقاري ومن معه من الحفظة وحاضري صلاة الجماعة أوله ولسائر الموحدين أدرج عبادته في تضاعيف عبادتهم وخلط حاجته بحاجتهم لعلها تقبل ببركتها وتجاب إليها ولهذا شرعت الجماعة وقدم اياك للتعظيم له والاهتمام به وللدلالة على الحصر. (5) إهدنا الصر اط المستقيم: في المعاني وتفسير الامام عن الصادق (عليه
(1) قيل: إنما قدمت العبادة على الإستعانة لتوافق رؤوس الآي ويعلم منه أن تقديم الوسيلة على طلب الحاجة ادعى إلى الإجابة.. ولمانسب المتكلم العبادة إلى نفسه أوهم ذلك تبجحا أو اعتدادا منه بما يصدر عنه تعقبه بقوله وإياك نستعين ليدل على أن العبادة ايضا مما لا يتم الا بمعونة منه وتوفيق منه، منه قدس سره. (*)
[ 85 ]
السلام) يعني أرشد نا للزوم الطريق المؤدي إلى محبتك والمبلغ إلى جنتك والمانع من أن نتبع أهوأنا فنعطب أو أن نأخذ بآرائنا فنهلك.
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): يعني أدم لنا توفيقك الذي أطعناك به في ماضي أيامنا حتى نطيعك كذلك في مستقبل أعمارنا. أقول: لما كان العبد محتاجا إلى الهداية في جميع اموره آنا فآنا ولحظة فلحظة فادامة الهداية هي هداية أخرى بعد الهداية الأولى فتفسير الهداية بادامتها ليس خروجا عن ظاهر اللفظ. وعنه (عليه السلام) الصراط المستقيم في الدنيا ما قصر عن الغلو وارتفع عن التفصير واستقام وفي الآخرة طريق المؤمنين إلى الجنة. وفي المعاني عن الصادق (عليه السلام): وهي الطريق إلى معرفة الله وهما صراطان صراط في الدنيا وصراط في الآخرة فأما الصراط في الدنيا فهو الامام المفترض الطاعة من عرفه في الدنيا واقتدى بهداه مر على الصراط الذي هو جسر جهنم في الآخرة ومن لم يعرفه في الدنيا زلت قدمه عن الصراط في الآخرة فتردى في نار جهنم. وعنه (عليه السلام): إن الصراط: أمير المؤمنين (عليه السلام). وفي رواية اخرى: ومعرفته. وفي اخرى: أنه معرفة الامام، وفي اخرى: نحن الصراط المستقيم. والقمي عنه (عليه السلام): الصراط أدق من الشعر وأحد من السيف فمنهم من يمر عليه مثل البرق ومنهم من يمر عليه مثل عدو الفرس ومنهم من يمر عليه ماشيا ومنهم من يمر عليه حبوا ومنهم من يمر عليه متعلقا فتأخذ النار منه شيئا وتترك منه شيئا. وفي رواية اخرى: أنه مظلم يسعى الناس عليه على قدر أنوارهم. أقول: ومآل الكل واحد عند العارفين بأسرارهم.
[ 86 ]
وبيانه على قدر فهمك أن لكل انسان من ابتداء حدوثه إلى منتهى عمره انتقالات جبلية باطنية في الكمال وحركات طبيعية ونفسانية تنشأ من تكرر الأعمال وتنشأ منها المقامات والأحوال فلا يزال ينتقل من صورة الى صورة ومن خلق إلى خلق ومن عقيدة إلى عقيدة ومن حال إلى حال ومن مقام إلى مقام ومن كمال إلى كمال حتى يتصل بالعالم العقلي والمقربين ويلحق بالملأ الأعلى والسابقين إن ساعده التوفيق وكان من الكاملين أو بأصحاب اليمين إن كان من المتوسطين أو يحشر مع الشياطين وأصحاب الشمال إن ولا ه الشيطان وقارنه الخذلان في المآل وهذا معنى الصراط المستقيم، ومنه ما إذا سلكه أوصله إلى الجنة وهو ما يشتمل عليه الشرع كما قال الله عز وجل: * (وإنك لتهدى إلى صرط مستقيم) * صراط الله وهو صراط التوحيد والمعرفة والتوسط بين الأضداد في الأخلاق والتزام صوالح الأعمال. وبالجملة: صورة الهدى التي الذي أنشأه المؤمن لنفسه مادام في دار الدنيا مقتديا فيه بهدى إمامه وهو أدق من الشعر وأحد من السيف في المعنى مظلم لا يهتدي إليه إلا من جعل الله له نورا يمشي به في الناس يسعى الناس عليها على قدر أنوارهم. وروي عن الصادق (عليه السلام) أن الصورة الانسانية هي الطريق المستقيم إلى كل خير والجسر الممدود بين الجنة والنار. أقول: فالصراط والمار عليه شئ واحد في كل خطوة يضع قدمه على رأسه أعني يعمل على مقتضى نور معرفته التي هي بمنزلة رأسه بل يضع رأسه على قدمه أي يبني معرفته على نتيجة عمله الذي كان بناؤه على المعرفته السابقة حتى يقطع المنازل إلى الله وإلى الله المصير. وقد تبين من هذا أن الامام هو الصراط المستقيم وإنه يمشي سويا على
الصراط المستقيم وأن معرفته معرفة الصراط المستقيم ومعرفة المشي على الصراط المستقيم وان من عرف الامام ومشى على صراطه سريعا أو بطيئا بقدر نوره ومعرفته
[ 87 ]
إياه فاز بدخول الجنة والنجاة من النار ومن لم يعرف الامام لم يدر ما صنع فزل قدمه وتردى في النار. (6) صراط الذين أنعمت عليهم: (1) في المعاني وتفسير الامام عن أمير المؤمنين (عليه السلام): أي قولوا إهدنا صراط الذين أنعمت عليهم بالتوفيق لدينك وطاعتك لا بالمال والصحة فانهم قد يكونون كفارا أو فساقا. وقال: هم الذين قال الله تعالى: ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. (7) غير المغضوب عليهم: قال هم اليهود الذين قال الله فيهم من لعنه الله وغضب عليه. ولا الضالين: قال: هم النصارى الذين قال الله فيهم: قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا. وزاد في تفسير الامام (عليه السلام) ثم قال: أمير المؤمنين (عليه السلام) كل من كفر بالله فهو مغضوب عليه وضال عن سبيل الله. وفي المعاني عن النبي (صلى الله عليه وآله) الذين أنعمت عليهم شيعة علي (عليه السلام) يعني أنعمت عليهم بولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) لم تغضب عليهم ولم يضلوا. وعن الصادق (عليه السلام) يعني محمدا وذريته. والقمي عنه (عليه السلام) أن المغضوب عليهم النصاب، والضالين أهل الشكوك الذين لا يعرفون الامام.
أقول: ويدخل في صراط المنعم عليهم كل وسط واستقامة في اعتقاد أو عمل فهم الذين قالوا: ربنا الله ثم استقموا. وفي صراط المغضوب عليهم كل
(1) وإذا عرفت الصراط فجزها في الدنيا وخذ هذا ممن يمر على الصراط متعلقا قد أخذت منه النار نجاه الله من النار وحشره مع الأبرار والأخيار، منه قدس سره. (*)
[ 88 ]
تفريط وتقصير ولا سيما إذا كان عن علم كما فعلت اليهود بموسى وعيسى ومحمد وفي صراط الضالين كل افراط وغلو لا سيما إذا كان عن جهل كما فعلت النصارى بعيسى وذلك لأن الغضب يلزمه البعد والطرد والمقصر هو المدبر المعرض فهو البعيد والضلال هو الغيبة عن المقصود والمفرط هو المقبل المجاوز فهو الذي غاب عنه المطلوب. والعياشي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أن ام الكتاب أفضل سورة أنزلها الله في كتابه وهي شفاء من كل داء الا السام يعني الموت. وفي الكافي عن الباقر (عليه السلام): من لم يبرأه الحمد لم يبرأه شئ. وعن الصادق (عليه السلام): لو قرأت الحمد على ميت سبعين مرة ثم ردت فيه الروح ما كان عجيبا. وفي رواية: أنها من كنوز العرش. وفي العيون وتفسير الامام عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه أمير المؤمنين (عليهم السلام) قال: لقد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: قال الله عز وجل: قسمت فاتحة الكتاب بيني وبين عبدي فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل إذا قال العبد: بسم الله الرحمن الرحيم قال الله جل جلاله: بدأ عبدي باسمي وحق علي أن اتمم له أموره وابارك له في أحواله فإذا قال الحمد لله رب العالمين قال جل جلاله: حمدني عبدي وعلم أن النعم التي له من
عندي وان البلايا التي اندفعت عنه فبتطولي أشهدكم أني اضيف له إلى نعم الدنيا نعم الآخرة وأدفع عنه بلايا الآخرة كما دفعت عنه بلايا الدنيا، وإذا قال الرحمن الرحيم قال الله جل جلاله: شهد لي عبدي بأني الرحمن الرحيم اشهدكم لأوفرن من نعمتي حظه ولأجزلن من عطائي نصيبه فإذا قال مالك يوم الدين قال الله تعالى: أشهدكم كما اعترف بأني أنا الملك يوم الدين لأسهلن يوم الحساب حسابه ولأقبلن حسناته ولأجاوزن عن سيئاته فإذا قال العبد: إياك نعبد قال الله عز وجل صدق عبدي إياي يعبد أشهدكم لأثيبنه على عبادته ثوابا يغبطه كل من خالفه في
[ 89 ]
عبادته لي فإذا قال وإياك نستعين قال الله تعالى: بي استعان وإلي إلتجأ أشهدكم لأعيننه على أمره ولأغيثنه في شدائده ولآخذن بيده يوم نوائبه فإذا قال إهدنا الصراط المستقيم إلى آخر السورة قال الله جل جلاله هذا لعبدي ولعبدي ما سأل فقد استجبت لعبدي وأعطيته ما أمل وآمنته بما منه وجل.
[ 90 ]
سورة البقرة مدنية كلها الا آية واحدة منها، وهي * (واتقوا يوما ترجعون) * الآية وهي مأتان وست وثمانون آية بسم الله الرحمن الرحيم تفسيرها. (1) ألم: في المعاني عن الصادق (عليه السلام) ألم هو حرف من حروف اسم الله الأعظم المقطع في القرآن الذي يؤلفه النبي (صلى الله عليه وآله) وأله الامام فإذا دعا به اجيب. أقول: فيه دلالة على أن الحروف المقطعات أسرار بين الله تعالى ورسوله ورموز لم يقصد بها إفهام غيره وغير الراسخين في العلم من ذريته والتخاطب
بالحروف المفردة سنة الأحباب في سنن (سنة خ ل) المحاب فهو سر الحبيب مع الحبيب بحيث لا يطلع عليه الرقيب شعر: بين المحبين سر ليس يفشيه * قول ولا قلم للخلق يحكيه والدليل عليه أيضا من القرآن قوله عز وجل: وأخر متشابهات، إلى قوله: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم. ومن الحديث ما رواه العياشي عن أبي لبيد المخزومي قال: قال: أبو جعفر (عليه السلام) يا أبا لبيد إنه يملك من ولد العباس إثنا عشر يقتل بعد الثامن منهم أربعة تصيب أحدهم الذبحة فتذبحه فئة قصيرة أعمارهم خبيثة سيرتهم منهم الفويسق الملقب بالهادي والناطق والغاوي يا أبا لبيد إن لي في حروف القرآن المقطعة لعلما جما إن الله تبارك وتعالى أنزل * (الم) * ذلك الكتب فقام محمد حتى ظهر نوره وثبتت كلمته وولد يوم ولد وقد مضى من الألف
[ 91 ]
السابع مأة سنة وثلاث سنين ثم قال: وتبيانه في كتاب الله في الحروف المقطعة إذا عددتها من غير تكرار وليس من حروف مقطعة حرف تنقضي ايامه الا وقائم من بني هاشم عند انقضائه ثم قال: الألف واحد واللا م ثلاثون والميم أربعون والصاد تسعون فذلك مائة وواحد وستون ثم كان بدور خروج الحسين بن علي (عليهما السلام) الم الله فلما بلغت مدته قام قائم من ولد العباس عند المص ويقوم قائمنا عند انقضائها بالمر فافهم ذلك وعه واكتمه. وفي تفسير الامام أن معنى الم إن هذا الكتاب الذي أنزلته هو الحروف المقطعة التي منها ألف لام ميم وهو بلغتكم وحروف هجائكم فأتوا بمثله إن كنتم صادقين. أقول: هذا ايضا يدل على انها من جملة الرموز المفتقرة إلى هذا البيان
فيرجع إلى الأول وكذا سائر ما ورد في تأويلها وهي كثيرة. وفي المجمع عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي. أقول: ومن الأسرار الغريبة في هذه المقطعات أنها تصير بعد التركيب وحذف المكررات (علي صراط حق نمسكه أو صراط علي حق نمسكه). (2) ذ لك الكتب: في تفسير الامام (عليه السلام) يعني القرآن الذي افتتح بالم هو ذلك الكتاب الذي أخبرت به موسى (عليه السلام) ومن بعده من الأنبياء وهم أخبروا بني إسرائيل اني سأنزله عليك يا محمد لا ريب فيه: لا شك فيه لظهوره عندهم. والعياشي عن الصادق (عليه السلام) قال: كتاب علي لا ريب فيه. أقول: ذلك تفسيره وهذا تأويله وإضافة الكتاب إلى علي بيانية يعني أن ذلك إشارة إلى علي والكتاب عبارة عنه، والمعنى أن ذلك الكتاب الذي هو علي لا مرية فيه وذلك لأن كمالاته مشاهدة من سيرته وفضائله منصوص عليها من الله
[ 92 ]
ورسوله واطلاق الكتاب على الانسان الكامل شائع في عرف اهل الله وخواص أوليائه. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): شعر دواؤك فيك وما تشعر * وداؤك منك وما تبصر وأنت الكتاب المبين الذي * بأحرفه يظهر المضمر وتزعم أنك جرم صغير * وفيك انطوى العالم الأكبر وقال الصادق (عليه السلام) الصورة الانسانية هي أكبر حجة الله على خلقه وهي الكتاب الذي كتبه الله بيده. هدى: بيان من الضلالة.
للمتقين: الذين يتقون الموبقات ويتقون تسليط السفه على أنفسهم حتى إذا علموا ما يجب عليهم علمه عملوا بما يوجب لهم رضاء ربهم. وفي المعاني والعياشي عن الصادق (عليه السلام): المتقون شيعتنا. أقول: وإنما خص المتقين بالاهتداء به لأنهم المنتفعون به وذلك لأن التقوى شرط في تحصيل المعرفة الحقة. (3) الذين يؤمنون بالغيب: بما غاب عن حواسهم من توحيد الله ونبوة الأنبياء وقيام القائم والرجعة والبعث والحساب والجنة والنار وسائر الامور التي يلزمهم الايمان بها مما لا يعرف بالمشاهدة وإنما يعرف بدلائل نصبها الله عز وجل عليه. ويقيمون الصلوة: باتمام ركوعها وسجودها وحفظ مواقيتها وحدودها وصيانتها مما يفسدها أو ينقصها. ومما رزقنهم: من الأموال والقوى والأبدان والجاه والعلم. ينفقون: يتصدقون: يحتملون الكل ويؤدون الحقوق لأهاليها (1) ويقرضون
(1) اللام متعلق بالحقوق لا بيؤدون، منه قدس سره. (*)
[ 93 ]
ويسعفون الحاجات ويأخذون بأيدي الضعفاء يقودون الضرائر وينجونهم من المهالك ويحملون عنهم المتاع ويحملون الراجلين على دوابهم ويؤثرون على من هو أفضل منهم في الايمان على أنفسهم بالمال والنفس ويساوون من كان في درجتهم فيه بهما ويعلمون العلم لأهله ويروون فضائل أهل البيت (عليهم السلام) لمحبيهم، ولمن يرجون هدايته. وفي المعاني والمجمع والعياشي عن الصادق (عليه السلام): ومما علمناهم يبثون.
(4) والذين يؤمنون بما أنزل إليك: من القرآن والشريعة. وما أنزل من قبلك: من التوراة والانجيل والزبور وصحف إبراهيم وسائر كتب الله المنزلة. وبالا خرة أي الدار التي بعد هذه الدنيا التي فيها جزأ الأعمال الصالحة بأفضل مما عملوه وعقاب الأعمال السيئة بمثل ما كسبوه. هم يوقنون: لا يشكون. (5) أولئك على هدى من ربهم: على بيان وصواب وعلم بما أمرهم به. وأولئك هم المفلحون: الناجون مما منه يوجلون الفائزون بما يؤملون. (6) إن الذين كفروا: بالله وبما آمن به هؤلاء المؤمنون. سواء عليهم أنذرتهم: خوفتهم. أم لم تنذرهم لا يؤمنون: أخبر عن علمه فيهم. (7) ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم: وسمها بسمة يعرفها من يشاء من ملائكته وأوليائه إذا نظر إليها بأنهم الذين لا يؤمنون، في العيون عن الرضا (عليه السلام) قال الختم: هو الطبع على قلوب الكفار عقوبة على كفرهم كما قال عز وجل * (بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا) *.
[ 94 ]
وعلى أبصارهم غشوة: غطاء وذلك أنهم لما أعرضوا عن النظر فيما كلفوه وقصروا فيما اريد منهم جهلوا ما لزمهم الايمان به فصاروا كمن على عينيه غطاء لا يبصر ما أمامه فان الله عز وجل يتعالى عن العبث والفساد وعن مطالبة العباد بما قد منعهم بالقهر منه. ولهم عذاب عظيم: يعني في الآخرة العذاب المعد للكافرين في الدنيا ايضا لمن يريد أن يستصلحه بما ينزل به من عذاب الاستصلاح لينبهه على طاعته
أو من عذاب الاصطلام ليصيره إلى عدله وحكمته. أقول: الاصطلام بالمهملتين الاستيصال والاستصلاح إنما هو يصح لمن لم يستحكم ختمه وغشاؤه وكان ممن يرجى له الخير بعداوهو تنبيه من الله له واتمام للحجة وإن لم ينتفع هو به. (8) ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر. أقول كابن ابي وأصحابه وكالأول والثاني واضرابهما من المنافقين الذين زادوا على الكفر الموجب للختم والغشاوة والنفاق ولا سيما عند نصب أمير المؤمنين (عليه السلام) للخلافة والإمامة. أقول: ويدخل فيه كل من ينافق في الدين إلى يوم القيامة وإن كان دونهم في النفاق كما قال الباقر (عليه السلام) في حكم بن عتيبة إنه من أهل هذه الآية (1). وفي تفسير الامام ما ملخصه أنه لما أمر الصحابة يوم الغدير بمبايعة أمير المؤمنين (عليه السلام) بإمرة المؤمنين وقام أبو بكر وعمر إلى تسعة من المهاجرين والأنصار فبايعوه بها ووكد عليهم بالعهود والمواثيق واتى عمر بالبخبخة (2) وتفرقوا، تواطأ قوم من متمرديهم وجبابرتهم بينهم لئن كانت بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كائنة ليدفعن هذا الأمر عن علي (عليه السلام) ولا يتركونه له وكانوا يأتون
(1) قال مجاهد أربع آيات من أول السورة نزلت في المؤمنين وآيتان بعدهما نزلتا في الكافرين وئلاث عشرة آية بعدها نزلت في المنافقين. منه قدس سره. (2) البخبخة: قوله بخ بخ لك يا أبا الحسن أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. منه قدس سره. (*)
[ 95 ]
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويقولون: لقد أقمت علينا أحب الخلق إلى الله وإليك وكفيتنا به مؤنة الظلمة لنا والجائرين في سياستنا وعلم الله تعالى من قلوبهم خلاف ذلك وإنهم مقيمون على العداوة ودفع الحق عن مستحقه فأخبر الله
عنهم بهذه الآية. وما هم بمؤمنين: بل تواطؤا على إهلاكك واهلاك من أحبك وتحبه إذا قدروا والتمرد عن أحكام الله خصوصا خلافة من استخلفته بأمر الله على امتك من بعدك لجحودهم خلافته وإمارته عليهم حسدا وعتوا. قيل: أخرج ذواتهم من عداد المؤمنين مبالغة في نفي الايمان عنهم رأسا. (9) يخادعون الله والذين آمنوا: يخادعون رسول الله بإبدائهم له خلاف ما في جوانحهم. أقول: وإنما أضاف مخادعة الرسول إلى الله لأن مخادعته ترجع إلى مخادعة الله كما قال الله عز وجل: * (من يطع الرسول فقد أطاع الله) * وقال * (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله) *. وقال: * (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) *. ولك أن تقول معناه يعاملون الله معاملة المخادع كما يدل عليه ما رواه العياشي عن الصادق (عليه السلام) إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سئل فيما النجاة غدا ؟ قال: إنما النجاة ان لا تخادعوا الله فيخدعكم فان من يخادع الله يخدعه ويخلع منه الايمان ونفسه يخدع لو يشعر. قيل له: وكيف يخادع الله ؟ قال: يعمل ما أمره الله عز وجل ثم يريد به غيره فاتقوا الله والرياء فانه شرك بالله. وما يخدعون: وما يضرون بتلك الخديعة، وقرئ يخادعون. إلا أنفسهم: فإن الله غني عنهم وعن نصرتهم ولولا امهاله لهم لما قدروا على شئ من فجورهم وطغيانهم. وما يشعرون: أن الأمر كذلك وأن الله يطلع نبيه على نفاقهم وكذبهم وكفرهم ويأمره بلعنهم في لعنة الظالمين.
[ 96 ]
(10) في قلوبهم مرض: قيل نفاق وشك وذلك لأن قلوبهم تغلي على النبي والوصي والمؤمنين حقدا وحسدا وغيظا وحنقا وفي تنكير المرض وإيراد الجملة ظرفية إشارة إلى استقراره ورسوخه وإلا لقال قلوبهم مرضى. فزادهم الله مرضا: بحيث تاهت له قلوبهم. ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون. أقول: أي عذاب مؤلم يبلغ إيجاعه غاية البلوغ بسبب كذبهم أو تكذيبهم على اختلاف القراءة فان وصف العذاب بالأليم إنما يكون للمبالغة وهو العذاب المعد للمنافقين وهو أشد من عذاب الكافرين لأن المنافقين في الدرك الأسفل من النار. (11) وإذا قيل لا تفسدوا في الارض: باظهار النفاق لعباد الله المستضعفين فتشوشوا عليهم دينهم وتحيروهم في مذاهبهم. قالوا إنما نحن مصلحون: لانا لا نعتقد دينا فنرضى محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) في الظاهر ونعتق أنفسنا من رقه في الباطن وفي هذا صلاح حالنا. (12) ألا إنهم هم المفسدون: بما يفعلون في أمور أنفسهم لأن الله يعرف نبيه نفاقهم فهو يلعنهم ويأمر المسلمين بلعنهم ولا يثق بهم أيضا أعداء المؤمنين لأنهم يظنون أنهم ينافقونهم أيضا كما ينافقون المؤمنين فلا يرتفع لهم عندهم منزلة ولهذا رد عليهم أبلغ رد (1). ولكن لا يشعرون. (13) وإذا قيل لهم: قال لهم خيار المؤمنين: آمنوا: قيل هو من تمام النصح والإرشاد فان كمال الايمان إنما هو
(1) وما روته العامة أن سلمان (رضي الله عنه) قال: إن أهل هذه الآية لم يأتوا بعد فلعله أراد أن الأصل فيها المسمون زورا بخلفاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم لم يأتوا بإفسادهم بعد هذا كان قوله هذا قبل وفاة النبي (صلى
الله عليه وآله وسلم) وإلا فأراد به أن أهلها ليس الذين كانوا فقي بل وسيكون من بعد أو من حاله حالهم. منه قدس سره. (*)
[ 97 ]
بالإعراض عما لا ينبغي المقصود من قوله: لا تفسدوا والاتيان بما ينبغي المطلوب بقوله آمنوا كما آمن الناس: المؤمنون كسلمان والمقداد وابي ذر وعمار، وقيل أي الكاملون في الانسانية العاملون بمقتضى العقل أي آمنوا إيمانا مقرونا بالإخلاص مبرأ عن شوائب النفاق، قالوا: في الجواب لمن يفيضون إليه لا لهؤلاء المؤمنين فإنهم لا يجسرون على مكاشفتهم بهذا الجواب، أنؤمن كماآمن السفهاء المذلون أنفسهم لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى إذا اضمحل أمره أهلكهم أعداؤه. ألا إنهم هم السفها الأخفاء العقول والآراء الذين لم ينظروا حق النظر فيعرفوا نبوته وثبوت أمره وصحة ما ناطه بوصيه من أمر الدين والدنيا فبقوا خائفين من محمد (صلى الله عليه وآله) وأصحابه ومن مخاليفهم ولا يأمنون أيهم يغلب فيهلكون معه فان كلا من الفريقين يقدر ان نفاقهم معه كنفاقهم مع الآخر ولكن لا يعلمون ان الأمر كذلك وأن الله يطلع نبيه على أسرارهم فيخسئهم ويسقطهم. (14) وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا: بيان لمعاملتهم مع المؤمنين والكفار بعد بيان مذهبهم وتمهيد نفاقهم فانهم كانوا يظهرون الايما لسلمان وابي ذر ومقداد وعمار وإذا خلوا إلى شياطينهم أخدانهم من المنافقين المشاركين لهم في تكذيب الرسول قالوا إنا معكم أي في الدين والا عتقاد كما كنا إنما نحن مستهزؤن بالمؤمنين. (15) الله يستهزئ بهم يجازيهم جزاء من يستهزئ به اما في الدنيا فباجراء أحكام المسلمين عليهم وامره الرسول بالتعريض لهم حنى لا يخفى من المراد بذلك التعريض واما في الآخرة فبما روي انه يفتح لهم وهم في النار بابا إلى الجنة فيسرعون نحوه فإذا صاروا إليه سد عليهم الباب وذلك قوله تعالى: فاليوم الذين
آمنوا من الكفار يضحكون، رواه العامة. وفي تفسير الامام (عليه السلام) ما يقرب من معناه في حديث طويل، ويمدهم يمهلهم ويتأتى بهم برفقه ويدعوهم إلى التوبة ويعدهم إذا أنابوا المغفرة في طغيانهم قيل في التعدي عن حدهم الذي كان ينبغي أن يكونوا عليه يعمهون لا
[ 98 ]
يرعوون عن قبيح ولا يتركون أذى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، قيل تعمي قلوبهم والعمه عمى القلب وهو التحير في الأمر. (16) ألئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى: باعوا دين الله واعتاضوا منه الكفر بالله فما ربحت تجرتهم ما ربحوا في تجارتهم في الآخرة لأنهم اشتروا النار وأصناف عذابها بالجنة التي كانت معدة لهم لو آمنوا وما كانوا مهتدين إلى الحق والصواب. أقول: ولا لطرق التجارة لأن المقصود منها سلامة رأس المال والربح وهؤلاء أضاعوا رأس مالهم الذي هو الفطرة السليمة بما اعتقدوه من الضلالات ولم يربحوا. (17) مثلهم حالهم العجيبة قيل إنما يضرب الله الأمثال للناس في كتبه لزيادة التوضيح والتقرير فانها أوقع في القلب وأقمع للخصم الألد لأنها تري المتخيل محققا والمعقول محسوسا كمثل الذي استوقد نارا (1) طلب سطوع النار ليبصر بها ما حوله فلما أضات ما حوله قيل أي النار ما حول المستوقد أو استضاءت الأشياء التي حوله ان جعلت اضاءت لازمة ذهب الله بنورهم بارسال ريح أو مطر أطفأها وذلك أنهم أبصروا بظاهر الإيمان الحق والهدى وأعطوا أحكام المسلمين من حقن الدم وسلامة المال فلما أضاء إيمانهم الظاهر ما حولهم أماتهم الله وصاروا في
ظلمات عذاب الله في الآخرة لا يرون منها خروجا ولا يجدون عنها محيصا وتركهم في ظلمات لا يبصرون في العيون عن الرضا (عليه السلام) إن الله لا يوصف بالترك كما يوصف خلقه ولكنه متى علم أنهم لا يرجعون عن الكفر والضلال منعم المعاونة واللطف وخلى بينهم وبين اختيارهم. (18) صم بكم عمى: يعني في الآخرة كما قال عز وجل: * (ونحشرهم
(1) قيل يعني بنور المستوقدين إن جعلت جواب لما وبنور المنافقين إن جعلت مستأنفا أو بدلا أو يكون جواب لما محذوفا للإيجاز ومن الالتباس كما في قوله تعالى: فلما ذهبوا به، وإنما لم يقل بنارهم على الأول لأن المقصود من ايقادها النور. منه قدس سره. (*)
[ 99 ]
على وجوههم عميا وبكما وصما) *. أقول: وفي الدنيا أيضا عما يتعلق بالآخرة من العلوم والمعارف ولذلك يحشرون يومئذ كذلك قال الله تعالى: * (لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها) * يعني أمور الآخرة في الدنيا. وقال أيضا * (فانها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) * وقال أيضا * (وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون) *. فهم لا يرجعون عن الضلالة إلى الهدى. (19) أو كصيب (1): قيل يعني أو مثل ما خوطبوا به من الحق والهدى كمثل مطر إذ به حياة القلوب كما بالمطر حياة الارض من السماء من العلو. فيه ظلمات مثل للشبهات والمصيبات المتعلقة به ورعد وبرق مثل للتخويف والوعيد والآيات الباهرة المتضمنة للتبصير والتسديد يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت لئلا يخلع (2) الرعد أفئدتهم أو ينزل البرق بالصاعقة
عليهم فيموتوا فان هؤلاء المنافقين فيما هم فيه من الكفر والنفاق كانوا يخافون أن يعثر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على كفرهم ونفاقهم فيقتلهم أو يستاصلهم فإذا سمعوا منه لعنا أو وعيدا لمن نكث البيعة جعلوا أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا فيتغير ألوانهم فيعرف المؤمنون أنهم المعنيون بذلك والله محيط بالكفرين مقتدر عليهم لو شاء أظهر لك نفاق منافقيهم وأبدى لك أسرارهم وأمرك بقتلهم. (20) يكاد البرق يخطف أبصرهم يذهب: بها وذلك لأن هذا مثل قوم ابتلوا ببرق فنظروا إلى نفس البرق ولم يغضوا عنه أبصارهم ولم يستروا منه وجوههم لتسلم عيونهم من تلالؤه ولم ينظروا إلى الطريق الذي يريدون أن يتخلصوا فيه بضوء البرق فهؤلاء المنافقون يكاد ما في القرآن من الآيات المحكمة
(1) صيب: فيعل من الصوب بمعنى النزول يقال للمطر والسحاب، منه قدس سره. (2) الصاعقة: قصفة رعد هايل معها نار تمر بشئ الا حرقته من الصعق وهو شدة الصوت. (منه) (*)
[ 100 ]
ويجحدون الحق فيها يبطل عليهم سائر ما عملوه من الأشياء التي يعرفونها فان من جحد حقا أداه ذلك إلى أن يجحد كل حق فصار جاحده في بطلان سائر الحقوق عليه كالناظر إلى جرم الشمس في ذهاب نور بصره كلما أضاء لهم ظهر لهم ما اعتقدوه انه الحجة مشوا فيه وهؤلاء المنافقون إذا رأوا ما يحبون في دنياهم فرحوا ببيعتهم ويتمنوا باظهار طاعتهم وإذا أظلم عليهم قاموا وقفوا وتحيروا وهؤلاء المنافقين إذا رأوا في دنياهم ما يكرهون وقفوا وتشاءموا ببيعتهم التي بايعوها قيل: مثل اهتزازهم لما يلمع لهم من رشد يدركونه أو رفد يتطلع إليه أبصارهم بمشيهم في مطرح ضوء البرق كلما أضاء لهم وتحيرهم وتوقفهم في الأمر حين تعرض لهم شبهة أو تعن لهم مصيبة بتوقفهم إذا أظلم عليهم [ وإنما قال: مع الا ظلام إذا ] لأنهم حراص على المشي كلما صادفوا منه فرصة انتهزوها ولا كذلك
التوقف ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم حتى لا يتهيألهم الاحتراز من أن تقف على كفرهم انت وأصحابك فتوجب قتلهم إن الله على كل شئ قدير لا يعجزه شئ. (21) يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون: قيل لما عدد فرق المكلفين وذكر خواصهم ومصارف امورهم أقبل عليهم بالخطاب على سبيل الالتفات هزا للسامع وتنشيطاله واهتماما بأمر العبادة وتفخيما لشأنها وجبرا لكلفة العبادة واهتماما بلذة المخاطبة. وفي تفسير الامام (عليه السلام) لها وجهان أحدهما خلقكم وخلق الذين من قبلكم لتتقوا كما قال: * (وما خلقت الجن والإنس الا ليعبدون) * والوجه الآخر * (اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم) * أي اعبدوه لعلكم تتقون النار ولعل (1) من الله واجب لأنه أكرم من أن يعني عبده بلا منفعة ويطمعه في فضله ثم يخيبه. أقول: لعلكم على الوجه الأول يتعلق بخلقكم ويراد بالتقوى العبادة وعلى
(1) لعل وعسى وسوف في مواعيد الملوك يكون كالجزم بها وإنما أطلقت إظهارا لوقارهم وإشعارا بأن الرمز منهم كالصريح من غيرهم وعليه جرى وعد الله ووعيده. منه قدس الله. (*)
[ 101 ]
الوجه الثاني يتعلق باعبدوا ويراد بالتقوى الحذر، نبه (عليه السلام) بقوله: لها وجهان على أن القرآن ذو وجوه وان حمله على الجمع صحيح ويأتي نظائره في كلامهم (عليهم السلام) وكون الكلام ذا وجوه مما يزيد في بلاغته ولطافته. (22) الذي جعل لكم الارض فراشا جعلها ملائمة لطبائعكم موافقة لأجسادكم مطاوعة لحرثكم ودفن موتاكم لم يجعلها شديدة الحمى والحرارة فتحرقكم ولا شديدة البرودة فتجمد كم ولا شديدة طيب الريح فتصدع
هاماتكم ولا شديدة النتن فتعطبكم ولا شديدة اللين كالماء فتغرقكم ولا شديدة الصلابة فتمتنع عليكم في حرثكم وأبنيتكم ودفن موتاكم ولكنه جعل فيها من المتانة ما تنتفعون به وتتماسكون وتتماسك عليها أبدانكم وبنيانكم وجعل فيها من اللين ما تنقاد به لدوركم وقبوركم وكثير من منافعكم والسماء بناء سقفا من فوقكم محفوظا يدير فيها شمسها وقمرها ونجومها لمنافعكم وأنزل من السماء ماء: يعني المطز ينزله من على ليبلغ قلل جبالكم وتلالكم وهضابكم (1) وأوهادكم ثم فرقه رذاذا ووابلا وهطلا وطلا لتنشفه أرضوكم ولم يجعل نازلا عليكم قطعة واحدة فيفسد أرضيكم وأشجاركم وزروعكم وثماركم، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: (ينزل مع كل قطرة ملك يضعها في موضعها الذي أمره به ربه عز وجل) فأخرج به من الثمرات رزقا لكم. أقول: لمطعمكم ومشربكم وملبسكم وسائر منافعكم فلا تجعلو الله أندادا أشباها وأمثالا من الأصنام التي لا تعقل ولا تسمع ولا تبصر ولا تقدر على شئ وأنتم تعلمون (2) أنها لا تقدر على شئ من هذه النعم الجليلة التي أنعمها عليكم ربكم. (23) وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا: حتى تجحدواأن يكون محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأن يكون هذا المنزل عليه كلامي مع إظهاري عليه
(1) الهضبة ما يقابل الوهدة، والرذاذ المطر الضعيف، والوابل المطر الشديد، والهطل تتابع المطر، والطل: أضعف المطر، منه قدس سره. (2) قيل والمعنى وأنتم من أهل العلم والنظر. منه قدس سره. (*)
[ 102 ]
بمكة من الآيات الباهراة كالغمامة المظللة عليه والجمادات المسلمة عليه وغير ذلك فأتوا بسورة من مثله من مثل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) رجل منكم لا يقرأ ولا
يكتب ولا يدرس كتابا ولا اختلف إلى عالم ولا تعلم من أحد وانتم تعرفونه في أسفاره وحضره بقي كذلك أربعين سنة ثم اوتي جوامع العلم حتى علم علم الأولين والآخرين أو من مثل (1) هذا القرآن من الكتب السالفة في البلاغة والنظم. في الكافي عن الكاظم (عليه السلام) ما معناه أنه لما كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام أتاهم الله من مواعظه وأحكامه ما أبطل به قولهم وأثبت به الحجة عليهم كما أتى قوم موسى (عليه السلام) ما أبطل به سحرهم إذ كان الغالب عليهم السحر وقوم عيسى (عليه السلام) الطب وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص إذ كان الغالب عليهم الزمانات وادعوا شهداءكم من دون الله أصنامكم التي تعبدونها أيها المشركون وشياطينكم أيها اليهود والنصارى وقرناءكم (2) الملحدين يا منافقي المسلمين من النصاب لآل محمد (صى الله عليه وآله وسلم) الطيبين الذين يشهدون بزعمكم أنكم محقون وتزعمون أنهم شهداؤكم عند رب العالمين بعبادتكم ويشفعون لكم إليه ليشهدوا لكم أن ما أتيتم مثله قيل أو لينصرونكم على معارضته كما في قوله تعالى: * (قل لئن اجتمعت الجن والانس على أن يأتوا بمثل هذا القران لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) * فان الشهيد جاء بمعنى الامام والناصر والقائم بالشهادة والتركيب للحضور حسا أو خيالا إن كنتم صدقين بأن محمدا (صلى الله عليه وآله) تقوله من تلقاء نفسه لم ينزله الله عليه. (24) فإن لم تفعلوا هذا الذي تحديتكم به أيها المقرعون بحجة رب العالمين ولن تفعلوا ولا يكون هذا منكم ابدا ولن تقدروا عليه فاتقوا النار التي وقودها حطبها الناس والحجارة حجارة الكبريت لأنها أشد الأشياء حرا. وفي الا حتجاج عن أمير المؤمنين (عليه السلام): لقد مررنا مع رسول الله
(1) هذا الترديد في التفسير أيضا مماينبه على أن القرآن ذو وجوه وان حمله على جميع الوجوه صحيح حق وليس من قبيل التردد كما يقع في كلام سائر المفسرين، حاشاهم عن ذلك. منه قدس سره.
(2) هذا ممالفق من موضعين من تفسير الإمام (عليه السلام). منه قدس سره. (*)
[ 103 ]
(صلى الله عليه وآله) بجبل وإذا الدموع تسيل من بعضه فقال: ما يبكيك يا جبل ؟ قال: يا رسول الله كان المسيح مر بي وهو يخوف الناس بنار وقودها الناس والحجارة فانا أن أكون من تلك الحجارة. قال (ص): (لا تخف تلك حجارة الكبريت) فقر الجبل وسكن وهدء. وقيل المراد بها الأصنام التي نحتوها وقرنوا بها أنفسهم وعبدوها طمعا في شفاعتها، كما في قوله تعالى: * (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) *. القمي عن الصادق (ع) قال إن ناركم هذه جزء من سبعين جزء من نار جهنم وقد اطفئت سبعين مرة بالماء ثم التهبت ولولا ذلك ما استطاع آدمي أن يطفأها وإنها ليؤتى بها يوم القيامة حتى توضع على النار فتصرخ صرخة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل الا جثا على ركبتيه فزعا من صرختها أعدت للكافرين المكذبين بكلامه ونبيه. (25) وبشر الذين آمنوا وعملوا الصلحت أن لهم جنات تجري من تحتها: من تحت أشجارها ومساكنها الا نهر روي أنها نزلت في علي وحمزة وجعفر وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب. أقول: وهذا لا ينافي عموم حكمها كما دريت كلما رزقوا منها من تلك الجنات من ثمرة من ثمارها رزقا قالوا هذا الذى رزقنا من قبل في الدنيا فأسماؤه كأسمائه ولكنها في غاية الطيب غير مستحيل إلى ما يستحيل إليه ثمار الدنيا من العذرة والصفراء والسودأ والدم إلا العرق الذي يجري في أعراضهم أطيب ريحا من المسك. أقول: العرض بالكسر الجسد. وأتوا به متشابها يشبه بعضه بعضا بأنها كلها خيار لا رذل فيها وبأن كل صنف
منها في غاية الطيب واللذة ليست كثمار الدنيا التي بعضها ني وبعضها متجاوز لحد النضج والادراك إلى حد الفساد من حموضة ومرارة وسائر صنوف المكاره ومتشابهات أيضا متفقات الألوان مختلفات الطعوم.
[ 104 ]
أقول: لما كان المعرفة في الدنيا بذر المشاهدة في الآخرة جاز أن يكون اشير الذى رزقنا من قبل لأهل المعرفة إلى ثمرة علومهم ومعارفهم التي صارت عينا وعيانا. ولهم فيها أزواج مطهرة من الحيض والنفاس وسائر أنواع الأقذار لفواحش لا ولاجات ولا خراجات ولا دخالات ولا ختالات ولا متغايرات ولا لأزواجهن فركات ولا صخابات (1) ولا عيابات ولا نخاسات ومن كل العيوب والمكاره بريئات. أقول: الولا جات والخراجات اللواتي يكثرن الظرف والاختيار والدخالات الغاشات والختالات الخداعات والمتغايرات من الغيرة وفركات مبغضات والصخابات الصياحات والعيابات من العيب والنخاسات الدفاعات. وفي الفقيه عن الصادق (عليه السلام) لا يحضن ولا يحدثن. وهم فيها خلدون: لأن نياتهم في الدنيا لو بقوا فيها أن يطيعوا الله أبدا فبالنيات خلدوا كذا في العلل عن الصادق (عليه السلام). (26) إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا: للحق يوضحه به لعباده المؤمنين، ما ما هو المثل. أقول: يعني أي مثل كان فان ما لزيادة الإيهام والشيوع في النكرة بعوضة فما فوقها وهو الذباب رد بذلك على من طعن في ضربه الأمثال بالذباب والعنكبوت وبمستوقد النار والصيب في كتابه.
وفي المجمع عن الصادق (عليه السلام) إنما ضرب الله المثل بالبعوضة لأنها على صغر حجمها خلق الله فيها جميع ما خلق الله في الفيل مع كبره وزيادة عضوين آخرين فأراد الله أن ينبه بذلك المؤمنين على لطيف خلقه وعجيب صنعه. فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم إنه المثل المضروب الحق من
(1) بالمهملة ثم المعجمة ثم الموحدة. منه قدس سره. (*)
[ 105 ]
ربهم أراد به الحق وإبانته والكشف عنه وإيضاحه. أقول: يعني يعلمون أن المعتبر في المثل أن يكون على وفق الممثل له في الصغر والعظم والخسة والشرف ليبينه ويوضحه حتى يصير في صورة المشاهد المحسوس دون الممثل. وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا أي شئ أراد به من جهة المثل يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا قيل هو جواب ماذا أي إضلال كثير بسبب إنكاره وهداية كثير من جهة قبوله فهو يجري مجرى البيان للجملتين المتقدمتين يعني أن كلا الفريقين موصوف بالكثرة ولسببيته لهما نسبا إليه. وفي تفسير الامام (عليه السلام) يعني: يقول الذين كفروا لا معنى للمثل لأنه وإن نفع به من يهديه فهو يضر به من يضل به فرد الله عليهم قولهم فقال: وما يضل به إلا الفاسقين الخارجين عن دين الله الجانين على أنفسهم بترك تأمله وبوضعه على خلاف ما أمر الله بوضعه عليه. (27) الذين ينقضون عهد الله: المأخوذ عليهم لله بالربوبية ولمحمد (صلى الله عليه وآله) بالنبوة ولعلي (عليه السلام) بالإمامة ولشيعتهما بالكرامة من بعد ميثاقه إحكامه وتغليظه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل من الارحام والقرابات أن يتعاهدوهم ويقضوا حقوقهم وأفضل رحم وأوجبهم حقا رحم محمد (صلى الله عليه
وآله وسلم) فان حقهم بمحمد (صلى الله عليه وآله) كما أن حق قرابات الانسان بأبيه وامه ومحمد أعظم حقا من أبويه وكذلك حق رحمه أعظم وقطيعته أقطع وأفضح. أقول: ويدخل في الآية التفريق بين الأنبياء والكتب في التصديق وترك موالاة المؤمنين وترك الجمعة والجماعات المفروضة وسائر ما فيه رفض خير أو تعاطي شر فانه يقطع الوصلة بين الله وبين العبد التي هي المقصودة بالذات من كل وصل وفصل. ويفسدون في الارض بسبب قطع ما في وصله نظام العالم وصلاحه أولئك هم الخاسرون الذين خسروا أنفسهم بما صاروا إلى النيران وحرموا الجنان فيالها من خسارة ألزمتهم عذاب الأبد وحرمتهم نعيم الأبد.
[ 106 ]
(28) كيف تكفرون بالله الخطاب لكفار قريش واليهود وكنتم أمواتا في أصلاب آبائكم وأرحام امهاتكم فاحياكم أجرى فيكم الروح وأخرجكم أحياء ثم يميتكم في هذه الدنيا ويقبر كم ثم يحييكم في القبور وينعم فيها المؤمنين ويعذب الكافرين ثم إليه ترجعون في الآخرة بأن تموتوا في القبور بعد الاحياء ثم تحيوا للبعث يوم القيامة ترجعون إلى ما وعدكم من الثواب على الطاعات إن كنتم فاعليها ومن العقاب على المعاصي إن كنتم مقارفيها. (29) هو الذى خلق لكم ما في الا رض جميعا: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) خلق لكم لتعتبروا به وتتوصلوا به إلى رضوانه وتتوقوا من عذاب نيرانه ثم استوى (1) إلى السماء أخذ في خلقها واتقانها فسواهن وقيل عدلهن مصونة عن العوج والقصور والضمير مبهم يفسره ما بعده سبع سموات وهو بكل شئ عليم ولهذا خلق ما خلق كما خلق لصالحكم على حسب ما اقتضته الحكمة. (30) وإذ قال ربك للملا كانوا في الأرض مع إبليس وقد طردوا عنها الجن بني الجان وخففت العبادة (2).
والقمي عن الصادق (عليه السلام) إن إبليس كان بين الملائكة يعبد الله في السماء وكانت الملائكة تظنه منهم ولم يكن منهم وذلك ان الله خلق خلقا قبل آدم وكان إبليس حاكما فيهم فأفسدوا في الأرض وعتوا وسفكوا بغير حق فبعث الله عليهم الملائكة فقتلوهم وأسروا إبليس ورفعوه معهم إلى السماء فكان مع الملائكة يعبد الله إلى أن خلق الله آدم فلما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم وظهر ما كان من حسد إبليس له واستكباره علمت الملائكة أنه لم يكن منهم، وقال إنما دخل في الأمر لكونه منهم بالولاء ولم يكن من جنسهم.
(1) من قولهم استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصدا مستويا من غير أن يلوي على شئ. منه قدس سره. (2) يحتمل كون البناء للفاعل والعبادة مفعولا والضمير المستتر للجان بني الجان يعني قد طردهم الملائكة في حال إفسادهم في الأرض وتخفيفهم وتحقيرهم للعبادة وعدم اعتنائهم بها أو تقليلهم للعبادة بالنسبة إلى سابق الزمان وللمفعول والعبادة نائب الفاعل والفاعل الحقيقي ايضا الجن بني الجان بأحد المعنيين أو للمفعول ونائب الفاعل مستتر يرجع إلى الملائكة والعبادة منصوب على أنه مفعول ثان أي وقد خفف الله على الملائكة العبادة بالنسبة إلى عبادتهم في عالم الملكوت. منه قدس سره. (*)
[ 107 ]
والعياشي عنه (عليه السلام) أنه سئل عن إبليس أكان من الملائكة أو هل يلي شيئا من أمر السماء ؟ قال: لم يكن من الملائكة ولم يكن يلي شيئا من أمر السماء وكان من الجن وكان مع الملائكة وكانت الملائكة ترى أنه منها وكان الله يعلم أنه ليس منها فلما أمر بالسجود كان منه الذي كان. وفي الكافي: عنه (عليه السلام) مثله إلى قوله ولم يكن يلي شيئا من أمر السماء وزاد بعده ولا كرامة إنى جاعل في الا رض خليفة بدلا منكم ورافعكم منها فاشتد ذلك عليهم لأن العبادة عند رجوعهم إلى السماء تكون أثقل عليهم. وفي رواية خليفة تكون حجة لي في أرضي على خلقي كما يأتي قالوا أتجعل
فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء كما فعلته الجن بني الجان الذين قد طردناهم عن هذه الارض ونحن نسبح بحمدك ننزهك عما لا يليق بك من الصفات ونقدس لك نطهر أرضك ممن يعصيك. قال إني أعلم ما لا تعلمون من الصلاح الكامن فيه ومن الكفر الباطن في من هو فيكم وهو إبليس لعنه الله. القمي عن الباقر عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام)، ورواه في العلل أيضا عنه (عليه السلام) على اختلاف في ألفاظه قال: إن الله لما أراد أن يخلق خلقا بيده وذلك بعدما مضى عن الجن والنسناس في الأرض سبعة آلاف سنة فرفع سبحانه حجاب السموات وأمر الملائكة أن انظروا إلى أهل الأرض من الجن والنسناس فلما رأوا ما يعملون فيها من المعاصي وسفك الدماء والفساد في الأرض بغير الحق عظم ذلك عليهم وغضبوا الله تعالى وتأسفوا على الأرض ولم يملكوا غضبهم وقالوا ربنا انت العزيز القادر العظيم الشأن وهذا خلقك الذليل الحقير المتقلب في نعمتك المتمتع بعافيتك المرتهن في قبضتك وهم يعصونك بمثل هذه الذنوب ويفسدون في الأرض ولا تغضب ولا تنتقم لنفسك وانت تسمع وترى وقد عظم ذلك علينا وأكبرناه لك، فقال جل جلاله: إنى جاعل في الأرض خليفة تكون حجة لي في أرضي على خلقي. قالت الملائكة أتجعل فيها من يفسد فيها كما أفسد هؤلاء ويسفك الدماء كما فعل هؤلاء ويتحاسدون ويتباغضون فاجعل ذلك الخليفة منا فانا لا نتحاسد ولا نتباغض ولا نسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك
[ 108 ]
ونقدس لك، قال تبارك وتعالى: إني أعلم ما لا تعلمون إني أريد أن أخلق خلقا بيدي واجعل من ذريته الأنبياء والمرسلين وعباد الله الصالحين وأئمة مهديين واجعلهم خلفائي على خلقي في أرضي يهدونهم إلى طاعتي وينهونهم عن معصيتي وأجعلهم حجة لي عليهم عذرا ونذرا وأبين النسناس عن أرضي واطهرها
منهم وأنقل الجن المردة العصاة عن بريتي وخيرتي من خلقي وأسكنهم في الهواء وفي اقفار الأرض فلا يجاورون خلقي وأجعل بين الجن وبين نسل خلقي حجابا ومن عصاني من نسل خلقي الذين اصطفيتهم أسكنتهم مسكن العصاة وأوردتهم مواردهم فقالت الملائكة: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا قال: فباعدهم الله عز وجل من العرش مسيرة خمسماءة عام فلاذوا بالعرش وأشاروا بالأصابع فنظرالرب جل جلاله إليهم ونزلت الرحمة فوضع لهم البيت المعمور فقال: طوفوا به ودعوا العرش فانه لي رضا. فطافوا به وهو البيت الذي يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه أبدا ووضع الله تعالى البيت المعمور توبة لأهل السماء والكعبة توبة لأهل الأرض فقال الله تبارك وتعالى: إنى خلق (1) بشرا من صلصال من حماء مسنون قال وكان ذلك من الله تعالى تقدمة في آدم قبل أن يخلقه واحتجاجا منه عليهم قال فاغترف جل جلاله من الماء العذب الفرات غرفة بيمينه وكلتا يديه يمين فصلصلها فجمدت، وقال الله جل جلاله: (منك أخلق النبيين والمرسلين وعبادي الصالحين والأئمة المهديين الدعاة إلى الجنة واتباعهم إلى يوم القيامة ولا أسئل عما أفعل وهم يسألون). ثم اغترف من الماء المالح الأجاج غرفة فصلصلها فجمدت فقال تعالى: ومنك أخلق الفراعنة والجبابرة واخوان الشياطين والعتاة والدعاة إلى النار وأشياعهم إلى يوم القيامة (ولا اسئل عما أفعل وهم يسألون) قال وشرط في ذلك البداء فيهم ولم يشترط في أصحاب اليمين ثم خلط الماءين جميعا في كفه فصلصلهما، ثم كفاهما قدام عرشه وهما سلالة من طين ثم أمر ملائكة الجهات الشمال والجنوب والصبا والدبور أن يجولوا على هذه السلالة من الطين
(1) روى العياشي هذه الرواية في سورة الحجر من قوله: قال الله تعالى: إني خالق سشرا إلى قوله وهما سلالة من طين. منه قدس الله سره. (*)
[ 109 ]
فأبرؤ وها وأنشأوها ثم جزؤ وها وفصلوها وأجروا فيها الطبائع الأربع المرتين (1) والدم
والبلغم، فجالت الملائكة عليها وأجروا فيها الطبائع الأربع فالدم من ناحية الصبا والبلغم من ناحية الشمال والمرة الصفراء من ناحية الجنوب والمرة السوداء من ناحية الدبور فاستقلت النسمة وكمل البدن فلزمه من جهة الريح حب النساء وطول الأمل والحرص ومن جهة البلغم حب الطعام والشراب والبر والحلم والرفق ومن جهة المرة الغضب والسفه والشيطنة والتجبر والتمرد والعجلة ومن جهة الدم حب الفساد واللذات وركوب المحارم والشهوات. قال أبو جعفر (عليه السلام): وجدنا هذا في كتاب أمير المؤمنين (عليه السلام) وزاد القمي في روايته فخلق الله آدم (عليه السلام) وبقي أربعين سنة مصورا وكان يمر به إبليس اللعين فيقول: لأمر ما خلقت قال العالم (عليه السلام: فقال إبليس لئن أمرني الله بالسجود لهذا عصيته قال ثم نفخ فيه الروح وبلغت دماغه عطس عطسة وجلس منها مستويا فقال الحمد لله فقال الله عز وجل يرحمك الله ربك يا آدم فقال الامام (عليه السلام) فسبقت له من الله الرحمة. أقول: أكثر ما تضمنه هذا الحديث قد روي في أخبار كثيرة عنهم (عليهم السلام). وفي رواية العياشي أن الملائكة منوا على الله بعبادتهم إياه فأعرض عنهم وأنهم قالوا في سجودهم في أنفسهم ما كنا نظن أن يخلق الله خلقا أكرم عليه منا نحن خزان الله وجيرانه وأقرب الخلق إليه فلما رفعوا رؤوسهم قال الله واعلم ما تبدون من ردكم علي وما كنتم تكتمون من ظنكم أني لا أخلق خلقا أكرم علي منكم فلما عرفت الملائكة أنها وقعت في خطيئة لا ذوا بالعرش وانها كانت عصابة من الملائكة ولم يكن جميعهم. الحديث. وعن الباقر (عليه السلام) كان ذلك تعصيا منهم فاحتجب عنهم سبع سنين
(1) والمرة إحدى الطبائع الأربع من الدم والسوداء والصفراء والبلغم والمرة: القوة وشدة العقل ايضا. صحاح
اللغة. (*)
[ 110 ]
فلا ذوا بالعرش يقولون لبيك ذا المعارج لبيك حتى تاب عليهم فلما أصاب آدم الذنب طاف بالبيت حتى قبل الله منه. وفي الكافي والعياشي عنه (عليه السلام) فغضب الله عليهم ثم سألوه التوبة فأمرهم أن يطوفوا بالضراح (1) وهو البيت المعمور فمكثوا يطوفون به سبع سنين يستغفرون الله مما قالوا ثم تاب الله عليهم من بعد ذلك ورضي عنهم فكان هذا أصل الطواف ثم جعل الله البيت الحرام حذاء الضراح توبة لمن أذنب من بني آدم وطهورا لهم. وفي العلل عن الصادق (عليه السلام) فحجبهم عن نوره سبعة (2) آلاف عام فلا ذوا بالعرش سبعة آلاف سنة فرحمهم وتاب عليهم وجعل لهم البيت المعمور الذي في السماء الرابعة فجعله مثابة لهم وأمنا ووضع البيت الحرام تحت البيت المعمور فجعله مثابة للناس وأمنا فصار الطواف سبعة أشواط أوجب على العباد لكل ألف سنة شوطا. أقول: لا منافاة بين السبع سنين وسبعة آلاف عام لأن مدة السنين والأيام تختلف باختلاف النشئات والعوالم، قال الله تعالى: (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) وقال (وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون) فيجوز أن يكون تارة عده بسني نشأة وأخرى بسني اخرى. (31) وعلم آدم الا سماء كلها ثم (3) القمي قال (ع) أسماء الجبال والبحار والأودية والنبات والحيوان. وفي المجمع والعياشي عن الصادق (عليه السلام) أنه سئل ماذا علمه قال الأرضين والجبال والشعاب والأودية ثم نظر إلى بساط تحته فقال وهذا البساط مما
علمه.
(1) الضراح بضم الضاد المعجمة ثم الراء ثم الحاء المهملتين. منه قدس الله سره. (2) لعل السبعة آلاف سنة كناية عن عمر الدنيا فإن في هذه المدة يتكامل هذا النوع وينال الملائكة المسخرون له قسطهم من الكمال ولعل البيت المعمور كناية عن ملكوت قلوب الأولياء وروحا نيتها (منه). (3) في العلل عن الصادق (عليه السلام) إنما سمي آدم آدم لأنه خلق من أديم الأرض. منه قدس سره. (*)
[ 111 ]
وفي تفسير الامام عن السجاد (عليه السلام) علمه أسماء كل شئ، وفيه أيضا أسماء أنبياء الله وأوليائه وعتاة أعدائه. أقول: تحقيق المقام والتوفيق بين روايتي الامام يقتضي بسطا من الكلام وذكر نبذ من الأسرار فنقول وبالله التوفيق ليس المراد بتعليم الأسماء تعليم الألفاظ الدلالة على معانيها فحسب كيف وهو يرجع إلى تعليم اللغة وليس هو علما يصلح لأن يتفاخر به على الملائكة ويتفضل به عليهم بل المراد بالأسماء حقائق المخلوقات الكائنة في عالم الجبروت المسماة عند طائفة بالكلمات وعند قوم بالأسماء وعند آخرين بالعقول. وبالجملة: أسباب وجود الخلائق وأرباب أنواعها التي بها خلقت وبها قامت وبها رزقت فانها أسماء الله تعالى لأنها تدل على الله بظهورها في المظاهر دلالة الإسم على المسمى فان الدلالة كما تكون بالألفاظ كذلك تكون بالذوات من غير فرق بينهما فيما يؤول إلى المعنى وأسماء الله لا تشبه أسماء خلقه وإنما أضيفت في الحديث تارة إلى المخلوقات كلها لأن كلها مظاهرها التي فيها ظهرت صفاتها متفرقة واخرى إلى الأولياء والأعداء لأنهما مظاهرها التي فيها ظهرت صفاتها مجتمعة أي ظهرت صفات اللطف كلها في الاولياء وصفات القهر كلها في الأعداء وإلى هذا اشير في الحديث القدسي الذي يأتي ذكره في تفسير آية سجود الملائكة
لآدم (عليه السلام) من قوله سبحانه: يا آدم هذه أشباح أفضل خلائقي وبرياتي هذا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنا الحميد المحمود في فعالي شققت له إسما من إسمي وهذا علي وأنا العلي العظيم شققت له إسما من إسمي، إلى آخر ما ذكر من هذا القبيل فان معنى الاشتقاق في مثل هذا يرجع إلى ظهور الصفات وانباء المظهر عن الظاهر فيه أو هما سببان للاشتقاق أو مسببان عنه وإنما يقول بالسببية من لم يفهم العينية، والمراد بتعليم آدم الأسماء كلها خلقه من أجزاء مختلفة وقوى متباينة حتى استعد لا دراك أنواع المدركات من المعقولات والمحسوسات والمتخيلات والموهومات والهامه معرفة ذوات الأشياء وخواصها وأصول العلم وقوانين الصناعات وكيفية آلاتها والتمييز بين أولياء الله وأعدائه فتأتي له بمعرفة ذلك كله
[ 112 ]
مظهريته لأسماء الله الحسنى كلها وبلوغه مرتبة أحدية الجمع التي فاق بها سائر أنواع الموجودات ورجوعه إلى مقامه الأصلي الذي جاء منه وصار منتخبا لكتاب الله الكبير الذي هو العالم الأكبر كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): وفيك انطوى العالم الأكبر. ان قلت: ما نفقه كثيرا مما تقول فهب أن المراد بالأسماء الحقائق فأي مناسبة بين تعليم آدم أسماء المخلوقات وبين خلقه مختلف القوى والأجزاء والهامه معرفة ذوات الأشياء والتمييز بين الأولياء والأعداء فهل لك من تبيان أو تستطيع الإتيان فيه بسلطان على ان ينحل به هذا اللغز والمعمى أو ينجلي به عن البصائر العمه والعمى. قلت: لعلك نسيت ما حققناه في المقدمة الرابعة في معنى المتشابه وتأويله أو لم تستطع إجراءه فيما نحن بسبيله فلنورد ذلك لك بتقرير آخر يكون أظهر لك
فيما نحن فيه مما قررناه هناك. فنقول: وبالله التوفيق ان الاسم ما يدل على المسمى ويكون علامة لفهمه فمنه ما يعتبر فيه صفة تكون في المسمى وبذلك الاعتبار يطلق عليه ومنه ما لا يعتبر فيه ذلك فالاول يدل على الذات الموصوفة بصفة معينة كلفظ الرحمن فانه يدل على ذات متصفة بالرحمة ولفظ القهار فانه يدل على ذات لها القهر إلى غير ذلك، وقد يطلق الاسم بهذا المعنى على مظاهر صفة الذات باعتبار اتصافه بالصفة كالنبي الذي هو مظهر هداية الله سبحانه فانه اسم الله الهادي لعباده والأسماء الملفوظة بهذا الاعتبار هي أسماء الاسماء. وسئل مولانا الرضا (عليه السلام) عن الاسم ما هو ؟ قال: صفة لموصوف وهذا اللفظ يحتمل المعنيين اللفظ والمظهر وإن كان في المظهر اظهر وقد يطلق الاسم على ما يفهم من اللفظ أي المعنى الذهني، وعليه ورد قول الصادق (عليه السلام): من عبد الله بالتوهم فقد كفر، ومن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك ومن عبد المعنى بإيقاع الأسماء عليه بصفاته التي وصف بها نفسه فعقد عليه قلبه ونطق
[ 113 ]
به لسانه في سرائره وعلانيته فاولئك هم المؤمنون حقا فان المراد بالاسم هاهنا ما يفهم من اللفظ لا اللفظ فان اللفظ لا يعبد وبالمعنى ما يصدق عليه اللفظ فالاسم معنى ذهني والمعنى موجود عيني وهو المسمى والاسم غير المسمى لأن الانسان مثلا في الذهن ليس بانسان ولا له جسمية ولا حياة ولا حس ولا حركة ولا نطق ولا شئ من خواص الإنسانية فتدبر فيه تفهم معنى الحديث ومن الله الإعانة. إذا تمهد هذا فاعلم أن لكل اسم من الاسماء الله الإلهية مظهرا من الموجودات باعتبار غلبة ظهور الصفة التي اشتمل عليها ذلك الإسم فيه وهو اسم باعتبار دلالته على الله من جهة اتصافه بتلك الصفة وذلك لأن الله سبحانه إنما يخلق ويدبر كل نوع من أنواع
الخلائق باسم من أسمائه وذلك الإسم هو رب ذلك النوع والله سبحانه رب الأرباب. وإلى هذا اشير في كلام أهل البيت (عليهم السلام) في أدعيتهم (عليهم السلام) بقولهم وبالاسم الذي خلقت به العرش وبالاسم الذي خلقت به الكرسي وبالاسم الذي خلقت به الأرواح إلى غير ذلك من هذا النمط، وعن مولانا الصادق (عليه السلام) نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملا إلا بمعرفتنا وذلك لأنهم (عليه السلام) وسائل معرفة ذاته ووسائط ظهور صفاته وأرباب أنواع مخلوقاته ولا يحصل لأحد العلم بالأسماء كلها إلا إذا كان مظهرا لها كلها ولا يكون مظهرا لها كلها إلا إذا كان في جبلته استعداد قبول ذلك كله وهو ما ذكرناه فافهم ترشد ان شاء الله. ثم عرضهم على الملائكة: أقول: أي عرض أشباح المخلوقات فردا فردا في عالم الملكوت المسمى عند قوم بعالم الروحانيات المدلول عليها بذكر الأسما إذ هي مظاهر الأسماء كلها أو بعضها ولهذا أورد بضمير ذوي العقول لأنهم كلهم ذوو عقل، وفي الرواية الأخيرة أي عرض أشباحهم وهم أنوار في الأظلة وهو صريح فيما قلناه. فقال أنبئوونى بأسماء هؤلاء
[ 114 ]
أقول: يعني بأسماء الله التي بها خلقت هذه الأشباح فانها بتمامها كانت مستورة على الملائكة الأرضية الا نوعا واحدا لكل صنف منهم كما أنها مستورة على سائر المخلوقات سوى الأنبياء والأولياء. إن كنتم صادقين: بأنكم أحقاء بالخلافة من آدم وأن جميعكم تسبحون
وتقدسون وأن ترككم هاهنا أصلح من إيراد من بعدكم أي فكما لم تعرفوا غيب من في خلالكم ممن ترون أشخاصها فبالحري أن لا تعرفوا الغيب الذي لم يكن. (32) قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم بكل شئ الحكيم المصيب بكل فعل. أقول: وإنما اعترفوا بالعجز والقصور لما قد بان لهم من فضل آدم ولا حت لهم الحكمة في خلقه فصغر حالهم عند أنفسهم وقل علمهم لديهم وانكسرت سفينة جبروتهم فغرقوا في بحر العجز وفوضوا العلم والحكمة إلى الله وإنما لم يعرفوا حقائق الأشياء كلها لاختلافها وتباينها وكونهم وحدانية الصفة إذ ليس في جبلتهم خلط وتركيب ولهذا لا يفعل كل صنف منهم إلا فعلا واحدا فالراكع منهم راكع ابدا والساجد منهم ساجد أبدا والقائم منهم قائم أبدا كما حكى الله عنهم بقوله: * (وما منا الا له قام معلوم) * ولهذا ليس لهم تنافس وتباغض بل مثالهم مثال الحواس فان البصر لا يزاحم السمع في إدراك الأصوات ولا الشم يزاحمهما ولا هما يزاحمان الشم فلا جرم مجبولون على الطاعة ولا مجال للمعصية في حقهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون فكل صنف منهم مظهر لاسم واحد من الاسماء الإلهية لا يتعداه ففاقهم آدم بمعرفته الكاملة ومظهريته الشاملة. (33) قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم. أقول: يعني أخبرهم بالحقائق المكنونة عنهم والمعارف المستورة عليهم ليعرفوا جامعيتك لها وقدرة الله تعالى على الجمع بين الصفات المتباينة، والأسماء المتناقضة ومظاهرها بما فيها من التضاد في مخلوق واحد كما قيل: ليس على الله
[ 115 ]
بمستنكر أن يجمع العالم في واحد.
فلما أنبأهم بأسمائهم فعرفوها أخذ عليهم العهود والمواثيق للأنبياء والأولياء بالإيمان بهم والتفضيل لهم على أنفسهم فعند ذلك قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والارض سرهما وأعلم ما تبدون من ردكم علي وما كنتم تكتمون من اعتقادكم أنه لا يأتي أحد يكون أفضل منكم وعزم إبليس على الاباء على آدم أن أمر بطاعته فجعل آدم حجة عليهم. (34) وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم وذلك لما كان في صلبه من أنوار نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته المعصومين (عليهم السلام) وكانوا قد فضلوا على الملائكة باحتمالهم الأذى في جنب الله فكان السجود لهم تعظيما وإكراما ولله سبحانه عبودية ولآدم (عليه السلام) طاعة. قال علي بن الحسين حدثني أبي عن أبيه (عليهم السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يا عباد الله إن آدم (عليه السلام) لما رآى النور ساطعا من صلبه إذ كان الله قد نقل أشباحنا من ذروة العرش إلى ظهره رأى النور ولم يتبين الأشباح فقال: يا رب ما هذه الأنوار فقال عز وجل: (أنوار وأشباح نقلتهم من أشرف بقاع عرشي إلى ظهرك ولذلك أمرت الملائكة بالسجود لك إذ كنت وعاء لتلك الأشباح فقال آدم يا رب لو بينتها لي فقال الله عز وجل: انظر يا آدم إلى ذروة العرش فانطبع فيه صور أنوار أشباحنا التي في ظهره كما ينطبع وجه الانسان في المرآة الصافية فرأى أشباحنا فقال ما هذه الأشباح يا رب فقال الله: يا آدم هذه أشباح أفضل خلائقي وبرياتي هذا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وانا الحميد المحمود في فعالي شققت له إسما من إسمي وهذا علي وأنا العلي العظيم شققت له إسما من إسمي وهذه فاطمة وأنا فاطر السموات والأرض فاطم أعدائي من رحمتي يوم فصل قضائي وفاطم أوليائي عما يعرهم ويشينهم فشققت لها إسما من إسمي وهذا الحسن وهذا الحسين وأنا المحسن المجمل شققت إسميهما من
إسمي هؤلاء خيار خليقتي وكرام بريتي بهم آخذ وبهم اعطي وبهم اعاقب وبهم اثيب فتوسل بهم إلي يا آدم وإذا دهتك داهية فاجعله إلي شفعاءك فاني آليت على
[ 116 ]
نفسي قسما حقا أن لا أخيب بهم آملا ولا أرد بهم سائلا فلذلك حين زلت منه الخطيئة دعا الله عز وجل بهم فتيب عليه وغفرت له فسجدوا إلا إبليس في المعاني عن الرضا (عليه السلام) كان اسمه الحارث سمي إبليس لأنه ابلس من رحمة الله أبى واستكبر أخرج ما كان في قلبه من الحسد وكان من الكفرين. في العيون عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه أول من كفر وأنشأ الكفر. والعياشي عن الصادق (عليه السلام) مثله والقمي عنه (عليه السلام) الاستكبار هو أول معصية عصي الله بها. قال (عليه السلام): فقال إبليس رب اعفني من السجود لآدم وأنا أعبدك عبادة لم يعبدكها ملك مقرب ولا نبي مرسل فقال جل جلاله لا حاجة لي في عبادتك إنما عبادتي من حيث اريد لا من حيث تريد. (35) وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة في الكافي والعلل والقمي عن الصادق (عليه السلام) أنها كانت من جنان الدنيا يطلع فيها الشمس والقمر ولو كانت من جنان الخلد ما خرج منها أبدا، وزاد القمي ولم يدخلها إبليس وكلا منها رغدا واسعا حيث شئتما بلا تعب ولا تقربا هذه الشجرة العياشي عن الباقر (عليه السلام) يعني لا تأكلا منها قيل وإنما علق النهي بالقرب الذي هو من مقدمات التناول مبالغة في تحريمه، ووجوب الاجتناب عنه وتنبيها على أن القرب من الشئ يورث داعية وميلانا يأخذ بمجامع القلب ويلهيه عما هو مقتضى العقل والشرع. وفي تفسير الامام أنها شجرة علم محمد وآل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) آثرهم الله تعالى بها دون سائر خلقه لا يتناول منها بأمر الله الا هم ومنها ما كان يتناوله النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) بعد
إطعامهم المسكين واليتيم والأسير حتى لم يحسوا بعد بجوع ولا عطش ولا تعب ولا نصب وهي شجرة تميزت من بين سائر الأشجار بأن كلا منها إنما يحمل نوعا من الثمار وكانت هذه الشجرة وجنسها تحمل البر والعنب والتين والعناب وسائر أنواع الثمار والفواكه والأطعمة فلذلك اختلف الحاكون بذكرها، فقال بعضهم: برة، وقال آخرون: هي عنبة، وقال آخرون: وهي الشجرة التي من
[ 117 ]
تناول منها باذن الله ألهم علم الأولين والآخرين من غير تعلم ومن تناول بغير اذن الله خاب من مراده وعصى ربه. أقول: وفي رواية أنها شجرة الحسد، وفي رواية اخرى أنها شجرة الكافور. وفي العيون باسناده إلى عبد السلام بن صالح الهروي قال: قلت للرضا (عليه السلام) يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخبرني عن الشجرة التي أكل منها آدم وحواء ما كانت فقد اختلف الناس فيها فمنهم من يروي أنها الحنطة ومنهم من يروي أنها العنب ومنهم من يروي أنها شجرة الحسد فقال كل ذلك حق قلت فما معنى هذه الوجوه على اختلافها فقال يا أبا الصلت ان شجرة الجنة تحمل أنواعا وكانت شجرة الحنطة وفيها عنب ليست كشجرة الدنيا وإن آدم لما أكرمه الله تعالى ذكره باسجاده ملائكة له وبادخاله الجنة قال في نفسه هل خلق الله بشرا أفضل مني فعلم الله عز وجل ما وقع في نفسه فناداه ارفع رأسك يا آدم وانظر إلى ساق عرشي فرفع آدم رأسه فنظر إلى ساق العرش فوجد عليه مكتوبا: لا إله إلا الله محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي بن أبي طالب أمير المؤمنين وزوجته فاطمة سيدة نساء العالمين والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة فقال آدم يا رب من هؤلاء فقال عز وجل: هؤلاء من ذريتك وهم خير منك ومن جميع خلقي ولولاهم ما خلقتك ولا خلقت الجنة والنار ولا السماء والأرض فإياك أن تنظر إليهم بعين الحسد
فأخرجك عن جواري فنظر إليهم بعين الحسد وتمنى منزلتهم فتسلط عليه الشيطان حتى أكل من الشجرة التي نهى عنها وتسلط على حواء لنظرها إلى فاطمة بعين الحسد حتى أكلت من الشجرة كما أكل آدم فأخرجهما الله تعالى عن جنته وأهبطهما عن جواره إلى الأرض. أقول: كما أن لبدن الانسان غذاء من الحبوب والفواكه كذلك لروحه غذاء من العلوم والمعارف وكما أن لغذاء بدنه أشجارا تثمرها فكذلك لروحه أشجار تثمرها ولكل صنف منه ما يليق به من الغذاء فان من الانسان من يغلب فيه حكم
[ 118 ]
البدن على حكم الروح ومنه من هو بالعكس ولهم في ذلك درجات يتفاضل بها بعضهم على بعض ولاهل الدرجة العليا كل ما لأهل الدرجة السفلى وزيادة ولكل فاكهة في العالم الجسماني مثال في العالم الروحاني مناسب لها كما مرت الاشارة إليه في المقدمة الرابعة. ولهذا فسرت الشجرة تارة بشجرة الفواكه وأخرى بشجرة العلوم وكان شجرة علم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إشارة إلى المحبوبية الكاملة المثمرة لجميع الكمالات الإنسانية المقتضية للتوحيد المحمدي الذي هو الفناء في الله والبقاء بالله المشار إليه بقوله (عليه السلام) لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل فان فيها من ثمار المعارف كلها وشجرة الكافور إشارة إلى برد اليقين الموجب للطمأنينة الكاملة المستلزمة للخلق العظيم الذي كان لنبينا (ص) ودونه لأهل بيته (عليهم السلام) فلا منافاة بين الروايات ولا بينها وبين ما قاله أهل التأويل انها شجرة الهوى والطبيعة لأن قربها إنما يكون بالهوى والشهوة والطبيعة وهذا معنى ما ورد أنها شجرة الحسد فان الحسد إنما ينشأ منها فتكونا من الظلمين بمعصيتكما والتماسكما درجة قد أوثر بها غيركما إذا رمتما بغير حكم الله. (36) فأزلهما وقرئ فأزالهما الشيطان عنها بوسوسته وخديعته وإيهامه
وعداوته وغروره بأن بدأ بآدم ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة الا ان تكونا ملكين ان تناولتما منها تعلمان الغيب وتقدران على ما يقدر عليه من خصه الله تعالى بالقدرة أو تكونا من الخلدين لا تموتان ابدا وقاسمهما حلف لهما أني لكما لمن النصحين وكان إبليس بين لحيي الحية أدخلته الجنة وكان آدم يظن أن الحية هي التي تخاطبه ولم يعلم أن إبليس قد اختبي بين لحييها فرد آدم على الحية أيتها الحية هذا من غرور إبليس كيف يخوننا ربنا أم كيف تعظمين الله بالقسم به وانت تنسبينه إلى الخيانة وسوء النظر وهو أكرم الأكرمين أم كيف أروم التوصل إلى ما منعني منه ربي وأتعاطاه بغير حكمة فلما أيس إبليس من قبول آدم (ع) منه عاد ثانية بين لحيي الحية فخاطب حواء من حيث يوهمها أن الحية هي التي تخاطبها وقال يا حواء أرأيت هذه الشجرة التي كان الله عز وجل حرمها عليكما فقد أحلها لكما بعد
[ 119 ]
تحريمها لما عرف من حسن طاعتكما له وتوقيركما إياه وذلك أن الملائكة الموكلين بالشجرة التي معها الحراب يدفعون عنها سائر حيوانات الجنة لا تدفعك عنها إن رمتها فاعلمي بذلك إنه قد أحل لك وابشري بأنك إن تناولتها قبل آدم (ع) كنت أنت المتسلطة عليه الآمرة الناهية فوقه فقالت حواء: سوف أجرب هذافرامت الشجرة فأرادت الملائكة أن يدفعوها عنها بحرابها فأوحى الله إليها إنما تدفعون بحرابكم من لا عقل له يزجره فأما من جعلته متمكنا مميزا مختارا فكلوه إلى عقله الذي جعلته حجة عليه فان أطاع استحق ثوابي وإن عصى وخالف أمري استحق عقابي وجزائي فتركوها ولم يتعرضوا لها بعدما هموا بمنعها بحرابهم فظنت أن الله نهاهم عن منعها لأنه قد أحلها بعدما حرمها فقالت صدقت الحية وظنت أن المخاطب لها هي الحية فتناولت منها ولم تنكر من نفسها شيئا فقالت لآدم (عليه السلام) ألم تعلم أن الشجرة المحرمة علينا قد ابيحت لنا تناولت منها ولم يمنعني املاكها ولم أنكر
شيئا من حالي فلذلك اغتر آدم (عليه السلام) وغلط فتناول فأخرجهما مما كانا فيه من النعم وقلنا يا آدم ويا حواء ويا أيتها الحية ويا إبليس اهبطوا بعضكم لبعض عدو فآدم وحواء وولدهما عدو للحية وإبليس، وإبليس والحية وأولادهما أعداؤ هم وكان هبوط آدم وحواء والحية من الجنة فان الحية كانت من احسن دوابها وهبوط إبليس من حواليها فانه كان يحرم عليه دخول الجنة. أقول: لعله إنما يحرم عليه دخول الجنة بارزا بحيث يعرف وذلك لأنه قد دخلها مختفيا في فم الحية ليدليهما بغرور كما ورد في حديث آخر وبهذا يرتفع التنافي بين هذا الحديث وبين الحديث الذي مر انها لو كانت من جنان الخلد لم يدخلها إبليس أراد به دخولها وهو في فم الحية فليتدبر. ولكم في الا رض مستقر منزل ومقر للمعاش ومتاع منفعة إلى حين حين الموت يخرج الله منها زروعكم وثماركم وبها ينزهكم وينعمكم وفيها بالبلايا يمتحنكم يلذذكم بنعيم الدنيا تارة لتذكروا به نعيم الآخرة الخالص مما ينغص نعيم الدنيا ويبطله ويزهد فيه ويصغره ويمتحنكم تارة ببلايا الدنيا التي تكون في خلالها الزحمات وفي تضاعيفها النقمات ليحذركم بذلك عذاب الأبد الذي لا يشوبه عافية،
[ 120 ]
وفي رواية القمي: إلى حين يعني إلى يوم القيامة. أقول: لا منافاة بين الروايتين لأن الموت هو القيامة الصغرى للأكثرين والكبرى للآخرين، ولذا ورد من مات فقد قامت قيامته. (37) فتلقى آدم من ربه كلمات يقولها فقالها وقرئ بنصب آدم ورفع كلمات فتاب عليه بها إنه هو التواب الكثير القبول للتوبة الرحيم بالتائبين. أقول: التوبة بمعنى الرجوع والانابة فإذا نسبت إلى الله تعالى تعدت بعلى وإذا نسبت إلى العبد تعدت بإلى ولعل الأول لتضمين معنى الاشفاق والعطف ومعنى
التوبة من العبد رجوعه إلى الله بالطاعة والانقياد بعدما عصى وعتا ومعناها من الله رجوعه بالعطف على عبده بإلهامه التوبة أولا ثم قبوله إياهامنه آخرا فلله توبتان وللعبد واحدة بينهما قال الله: * (ثم تاب عليهم ليتوبوا) * أي ألهمهم التوبة ليرجعوا ثم إذا رجعوا قبل توبتهم لأن هو التواب الرحيم ولهذه الآية معنى آخر يأتي في سورة التوبة ان شاء الله. وفي الكافي عن أحدهما (عليهما السلام) أن الكلمات * (لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك عملت سؤ وظلمت نفسي فاغفر لي وأنت خير الغافرين لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك عملت سؤ وظلمت نفسي فاغفر لي وارحمني إنك أنت أرحم الراحمين لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك عملت سوء وظلمت نفسي فتب على إنك التواب الرحيم) * وفي رواية: (بحق محمد وعلى وفاطمة والحسن والحسين)، وفي أخرى: بحق محمد وآل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم.) وفي تفسير الإمام (ع) لما زلت من آدم الخطيئة واعتذر إلى ربه عز وجل قال: يا رب تب علي واقبل معذرتي واعدني إلى مرتبتي وارفع لديك درجتي فلقد تبين نقص الخطيئة وذلها بأعضائي وسائر بدني قال الله تعالى: يا آدم أما تذكر امري إياك بأن تدعوني بمحمد وآله الطيبين عند شدائدك ودواهيك وفي النوازل التي تنهضك. قال آدم: يا رب بلى، قال الله عز وجل: فبهم بمحمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين خصوصا صلوات فادعني أجبك إلى ملتمسك وأزدك فوق مرادك. فقال آدم: يا
[ 121 ]
رب إلهي وقد بلغ عندك من محلهم لأنك بالتوسل بهم تقبل توبتي وتغفر خطيئتي وانا الذي اسجدت له ملائكتك وابحته جنتك وزوجته حواء امتك وأخدمته كرام ملائكتك. قال الله تعالى: يا آدم إنما أمرت الملائكة بتعظيمك بالسجود لك إذ كنت وعاء هذه الأنوار ولو كنت سألتني بهم قبل خطيئتك أن أعصمك منها وأن أفطنك لدواعي عدوك
إبليس حتى تحترز منها لكنت قد جعلت ذلك ولكن المعلوم في سابق علمي يجري موافقا لعلمي فالآن فبهم فادعني لأجيبك فعند ذلك قال آدم: اللهم بجاه محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والطيبين من آلهم لما تفضلت بقبول توبتي وغفران زلتي وإعادتي من كراماتك إلى مرتبتي فقال الله عز وجل: قد قبلت توبتك وأقبلت برضواني عليك وصرفت آلائي ونعمائي إليك وأعدتك إلى مرتبتك من كراماتي ووفرت نصيبك من رحماتي فذلك قوله عز وجل * (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه انه هو التواب الرحيم) *. (38) قلنا اهبطوا منها جميعا امروا أولا بالهبوط وثانيا بأن لا يتقدم أحدهم الآخرين فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون: قيل ما مزيدة لتأكيد الشرط ولذلك حسن النون وإن لم يكن فيه معنى الطلب والشرط الثاني مع جوابه جواب للشرط الأول. (39) والذين كفروا وكذبوا بآيتنا ولآلآئنا أولئك أصحب النار هم فيها خلدون: ذكر العياشي حديثا طويلا في محاجة آدم ربه في خطيئته قال في آخره: بلى يا رب الحجة لك علينا ظلمنا أنفسنا وعصينا وإن لم تغفر لنا وترحمنا نكن من الخاسرين، والقمي عن الصادق (عليه السلام): أن آدم هبط على الصفا وحواء على المروة فمكث آدم أربعين صباحا ساجدا يبكي على خطيئته وفراقه للجنة قال: فنزل جبرائيل على آدم وقال: يا آدم ألم يخلقك الله بيديه ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته قال: بلى قال: وأمرك أن لا تأكل من تلك الشجرة فلم عصيته فقال: يا جبرئيل إن إبليس حلف لي بالله أنه لي ناصح وما ظننت أن أحدا خلقه الله يحلف بالله عز وجل كاذبا. فقال له جبرائيل (عليه السلام): يا آدم تب إلى الله. وعنه (عليه السلام) قال: سأل موسى ربه أن يجمع بينه وبين آدم فجمع فقال له موسى: يا ابت ألم
[ 122 ]
يخلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأمرك أن لا تأكل من تلك الشجرة فلم عصيته. قال يا موسى بكم وجدت خطيئتي قبل خلقي في التوراة قال: بثلاثين ألف سنة قال: فهو ذلك. قال الصادق (عليه السلام): فحج آدم موسى. وفي العيون عن الرضا (عليه السلام) أن الله تعالى قال لهما لا تقربا هذه الشجرة وأشار لهما إلى شجرة الحنطة ولم يقل لهما ولا تأكلا من هذه الشجرة ولا مما كان من جنسها فلم يقربا تلك الشجرة وإنما أكلا من غيرها لما أن وسوس الشيطان إليهما. ثم قال: وكان ذلك من آدم قبل النبوة ولم يكن ذلك منه بذنب كبر استحق به دخول النار وإنما كان من الصغائر الموهوبة التي تجوز على الأنبياء قبل نزول الوحي إليهم فلما اجتباه الله تعالى وجعله نبيا كان معصوما لا يذنب صغيرة ولا كبيرة. قال الله تعالى: * (وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى وقال: أن الله اصطفى آدم ونوحا) *، الآية. وفي رواية ان الله عز وجل خلق آدم حجة في أرضه وخليفة في بلاده لم يخلقه للجنة وكانت المعصية من آدم في الجنة لا في الأرض ليتم مقادير أمر الله عز وجل فلمااهبط إلى الأرض وجعل حجة وخليفة عصم بقوله عز وجل: إن الله اصطفى آدم ونوحا الآية. والقمي عن الباقر (عليه السلام) كان عمر آدم منذ خلقه الله إلى أن قبضه تسعمائة وثلاثين سنة ودفن بمكة ونفخ فيه يوم الجمعة بعد الزوال ثم برأ زوجته من أسفل أضلاعه وأسكنه جنته من يومه ذلك فما استقر فيها الاست ساعات من يومه ذلك حتى عصى الله فأخرجهما من الجنة بعد غروب الشمس وما باتا فيها. والعياشي عن الصادق (عليه السلام) ان الله تعالى نفخ في آدم روحه بعد زوال الشمس من يوم الجمعة ثم برأ زوجته من أسفل أضلاعه الحديث كما مر، وزاد في آخره وصيرا بفناء الجنة حتى أصبحا وبدت لهما سوأتهما فناداهما ربهما: ألم أنهكما عن تلكما الشجرة فاستحى آدم من ربه فخضع وقال: ربنا ظلمنا أنفسنا
واعترفنا بذنوبنا فاغفر لنا. قال الله لهما: اهبطا من سماواتي إلى الأرض فانه لا يجاورني في جنتي عاص ولا في سماواتي. ثم قال (عليه السلام): إن آدم لما أكل من
[ 123 ]
الشجرة ذكر ما نهاه الله عنها فندم فذهب ليتنحى من الشجرة فأخذت الشجرة برأسه فجرته إليها وقالت له: أفلا كان فرارك من قبل أن تأكل مني. (40) يا بنى إسرايل ولد يعقوب. في العلل عن الصادق (عليه السلام) في حديث يعقوب هو إسرائيل ومعنى إسرائيل (1) عبد الله لأن اسرا هو الله اذكروا نعمتي التى أنعمت عليكم أن بعثت محمدا وأقررته في مدينتكم ولم اجشمكم الحط والترحال إليه وأوضحت علاماته ودلائل صدقه كيلا يشتبه عليكم حاله وأوفوا بعهدي الذي أخذه على أسلافكم أنبياؤهم وأمروهم أن يؤدوه إلى أخلافهم ليؤمنن بمحمد العربي القرشي الهاشمي المبان بالآيات والمؤيد بالمعجزات الذي من آياته علي بن أبي طالب (عليه السلام) شقيقه ورفيقه عقله من عقله وعلمه من علمه وحلمه من حلمه مؤيد دينه بسيفه أوف بعهدكم الذي أوجبت به لكم نعيم الأبد في دار الكرامة وإياي فارهبون في مخالفة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فإني القادر على صرف بلاء من يعاديكم على موافقتي فهم لا يقدرون على صرف انتقامي عنكم إذا آثرتم مخالفتي، والعياشي عن الصادق (عليه السلام) أنه سئل عن هذه الآية فقال أوفوا بولاية علي فرضا من الله أوف لكم بالجنة. أقول: ويجري في كل عهد لله على كل احد. القمي: قال رجل للصادق (عليه السلام) يقول الله عز وجل: * (ادعوني استجب لكم) * وانا ندعو فلا يستجاب لنا فقال إنكم لا تفون لله بعهده فانه تعالى
يقول أوفوا بعهدي اوف بعهدكم والله لو وفيتم الله سبحانه لوفى لكم. (41) وآمنوا بماأنزلت على محمد من ذكر نبوته وإمامة أخيه وعترته مصدقا لما
(1) العياشي عن الصادق (عليه السلام) أنه سئل عن قول الله يا بني إسرائيل فقال هم نحن خاصة. وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه سمع يقول انا عبدك إسمي أحمد وانا عبد الله إسمي إسرائيل فما أمره فقد أمرني وما عناه فقد عناني. منه قدس الله سره. (*)
[ 124 ]
معكم فان مثل هذا الذكر في كتابكم ولا تكونوا أول (1) كافر به قيل تعريض بأن الواجب أن تكونوا أول من آمن به لأنهم كانوا أهل النظر في معجزاته والعلم بشأنه والمستفتحين به والمبشرين بزمانه. وفي تفسير الإمام (عليه السلام) هؤلاء يهود المدينة جحدوا بنبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وخانوه وقالوا نحن نعلم أن محمدا نبي وأن عليا وصيه ولكن لست أنت ذلك ولا هذا ولكن يأتيان بعد وقتنا هذا بخمسماءة سنة. ولا تشتروا بآياتى ثمنا قليلا في المجمع عن الباقر (عليه السلام) في هذه الآية أن حي بن اخطب وكعب بن أشرف وآخرين من اليهود كان لهم مأكلة على اليهود في كل سنة فكرهوا بطلانها بأمر النبي فحرفوا لذلك آيات من التوراة فيها صفته وذكره فذلك الثمن الذي اريد به في الآية وإياي فاتقون في كتمان أمر محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمر وصيه. (42) ولا تلبسوا الحق بالباطل: لا تخلطوه به بأن تقروا به من وجه وتجحدوه من وجه وتكتموا عطف على النهي أو نصب باضمار أن الحق من نبوة هذا وإمامة هذا وأنتم تعلمون أنكم تكتمونه تكابرون علومكم وعقولكم. (43) وأقيموا الصلوة: المكتوبة التي جاء بها محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأقيموا أيضا الصلاة على محمد وآله الطاهرين وآتوا الزكوة من أموالكم إذا
وجبت ومن أبدانكم إذا الزمت ومن معونتكم إذا التمست. وفي الكافي عن الكاظم (عليه السلام) أنه سئل عن صدقة الفطرة أهي مما قال الله تعالى وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فقال نعم، والعياشي عنه (عليه السلام) مثله. وعن الصادق (عليه السلام) هي الفطرة التي افترض الله على المؤمنين. وفي رواية: نزلت الزكاة وليست للناس الأموال وإنما كانت الفطرة واركعوا
(1) أول أفعل لا له وقيل أصله أوءل فأبدلت همزته واوا تخفيفا بغير قياس أو أول من آل يؤل أي رجع فقلبت همزته واوا فادغمت. منه قدس سره. (*)
[ 125 ]
مع الراكعين تواضعوا مع المتواضعين لعظمة الله في الانقياد لأولياء الله، وقيل أي في جماعاتهم للصلاة. أقول: وهذا فرد من افراد ذاك. (44) أتأمرون الناس بالبر بالصدقات وأداء الامانات وتنسون أنفسكم تتركونها وأنتم تتلون الكتاب التوراة الآمرة لكم بالخيرات الناهية عن المنكرات أفلا تعقلون ما عليكم من العقاب في أمركم بما به لا تأخذون وفي نهيكم عما انتم فيه منهمكون نزلت في علماء اليهود ورؤ سائهم المردة المنافقين المحتجنين (1) أموال الفقراء المستأكلين للأغنياء الذين كانوا يأمرون بالخير ويتركونه وينهون عن الشر ويرتكبونه. القمي: نزلت في الخطباء (2) والقصاص وهو قول أمير المؤمنين (عليه السلام) وعلى كل منبر منهم خطيب مصقع يكذب على الله وعلى رسوله وعلى كتابه. أقول: وهي جارية في كل من وصف عدلا وخالف إلى غيره. وفي مصباح الشريعة عن الصادق (عليه السلام) قال: من لم ينسلخ من هواجسه ولم يتخلص من آفات نفسه وشهواتها ولم يهزم الشيطان ولم يدخل في كنف الله وامان عصمته لا يصلح للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنه إذا لم يكن بهذه الصفة فكل
ما أظهر يكون حجة عليه ولا ينتفع الناس به، قال الله تعالى: أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ويقال له يا خائن أتطالب خلقي بما خنت به نفسك وأرخيت عنه عنانك. (45) واستعينوا بالصبر عن الحرام على تأدية الأمانات وعن الرئاسات الباطلة على الاعتراف بالحق واستحقاق الغفران والرضوان ونعيم الجنان. أقول: وعن سائر المعاصي وعلى أصناف الطاعات وأنواع المصيبات وعلى
(1) الإحتجان ضم الشئ واحتواؤه، منه قدس الله سره. (2) وفي المجمع عن أنس بن مالك قال قال رسول الله (ص): مررت ليلة أسرى بي على أناسي تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: هؤلاء يا جبرائيل، فقال هؤلاء خطباء من أهل الدنيا كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم. منه قدس الله سره. (*)
[ 126 ]
قرب الوصول إلى الجنان. وفي الكافي والفقيه والعياشي عن الصادق (عليه السلام) في هذه الآية أن الصبر الصيام وفيهما وقال (عليه السلام) إذا نزلت بالرجل النازلة الشديدة فليصم فان الله تعالى يقول استعينوا بالصبر يعني الصيام، والعياشي عن الكاظم (عليه السلام) مثله والصلو ة الصلوات الخمس والصلاة على النبي وآله الطاهرين. أقول: وكل صلاة فريضة أو نافلة لما روي في المجمع والعياشي عن الصادق (عليه السلام) ما يمنع أحدكم إذا دخل عليه غم من غموم الدنيا أن يتوضأ ثم يدخل مسجده فيركع ركعتين فيدعو الله فيهما أما سمعت الله يقول: * (واستعينوا بالصبر والصلوة) *. وفي الكافي عنه عليه السلام) قال: كان علي (عليه السلام) إذا هاله شئ فزع إلى الصلاة ثم تلا هذه الآية واستعينوا بالصبر والصلوة وإنها القمي يعني الصلاة وقيل
الاستعانة بهما، وفي تفسير الامام (عليه السلام) إن هذه الفعلة من الصلوات الخمس والصلاة على محمد وآله مع الانقياد لأوامرهم والايمان بسرهم وعلانيتهم وترك معارضتهم بلم وكيف لكبيرة: عظيمة. أقول: يعني لثقيلة شاقة كقوله تعالى: * (كبر على المشركين ما تدعوهم إليه) * إلا على الخاشعين) الخائفين عقاب الله في مخالفته في أعظم فرائضه. أقول: وذلك لأن نفوسهم مرتاضة بأمثالها متوقعة في مقابلتها ما يستخف لأجله مشاقها ويستلذ بسببه متاعبها كما قال نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) جعلت قرة عيني في الصلاة وكان يقول روحنا أو ارحنا يا بلال. (46) الذين يظنون أنهم ملقوا ربهم: في التوحيد والاحتجاج والعياشي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) يوقنون أنهم يبعثون والظن منهم يقين وفيهما قال (عليه السلام) اللقاء البعث والظن هاهنا اليقين. وفي تفسير الإمام (عليه السلام) يقدرون ويتو قعون أنهم يلقون ربهم اللقاء الذي هو أعظم كرامته لعباده وأنهم إليه راجعون إلى كراماته ونعيم جناته قال: وإنما قال
[ 127 ]
يظنون لأنهم لا يدرون بماذا يختم لهم لأن العاقبة مستورة عنهم لا يعلمون ذلك يقينا لأنهم لا يأمنون أن يغيروا ويبدلوا. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا يزال المؤمن خائفا، من سوء العاقبة ولا يتيقن الوصول إلى رضوان الله حتى يكون وقت نزع روحه وظهور ملك الموت له الحديث. ويأتي تمامه في سورة حم السجدة ان شاء الله عند تفسير ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقموا، الآية. (47) يا بني إسرايل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم إذ بعثت موسى وهارون إلى أسلافكم بالنبوة فهدياهم إلى نبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ووصية علي (عليه السلام) وإمامة عترته الطيبين (عليهم السلام) واخذا عليهم بذلك
العهود التي إن وفوا بها كانوا ملوكا في الجنان وأنى فضلتكم على العلمين هناك أي فعلته بأسلافكم فضلتهم في دينهم بقبول ولاية محمد (وآله عليهم السلام) وفي دنياهم بتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وسقيم من الحجر ماء عذبا وفلق البحر لهم وانجائهم وغرق أعدائهم فضلتهم بذلك على عالمي زمانهم الذين خالفوا طريقتهم وحادوا عن سبيلهم. أقول: وإنما خاطب الله الأخلاف بما فعل بالأسلاف أو فعلوه من الخير والشر لأن القرآن نزل بلغة العرب وهم يخاطبون بمثل ذلك يقول الرجل للتميمي الذي أغار قومه على بلدة وقتلوا من فيها أغرتم على بلدة كذا وفعلتم كذا وقتلتم أهلها وإن لم يكن هو معهم مع أن الأخلاف راضون بما فعل بالأسلاف أو فعلوه، كذا في تفسير الإمام (1) (عليه السلام) عن السجاد (عليه السلام) وقد مضى تحقيقه في المقدمة الثالثة. (48) واتقوا يوما وقت النزع لا تجزي نفس عن نفس شيئا لا تدفع عنها عذابا قد استحقته ولا يقبل وقرئ بالتاء منها شفاعة بتأخير الموت عنها ولا يؤخذ منها عدل أي فداء مكانها تمات وتترك هي ولا هم ينصرون. أقول: يعني في دفع الموت والعذاب. وفي تفسير الإمام الصادق (عليه السلام) هذا يوم الموت فان الشفاعة والفداء لا يغني عنه
(1) أورد عند تفسير قوله تعالى: ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت. منه قدس سره. (*)
[ 128 ]
فأما في القيامة فانا وأهلنا نجزي عن شيعتنا كل جزاء لنكونن على الأعراف بين الجنة والنار محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والطيبون من آلهم (ع) فنرى بعض شيعتنا في تلك العرصات فمن كان منهم مقصرا وفي بعض شدائدها فنبعث عليهم خيار شيعتنا كسلمان والمقداد وأبي ذر وعمار ونظرائهم في العصر الذي يليهم ثم في كل عصر إلى يوم القيامة فينقضون عليهم كالبزاة والصقور ويتناولونهم كما
يتناول البزاة والصقور صيدها فيزفونهم إلى الجنة زفا وانا لنبعث على آخرين من محبينا خيار شيعتنا كالحمام فيلتقطونهم من العرصات كما يلتقط الطير الحب وينقلونهم إلى الجنان بحضرتنا وسيؤتى بالواحد من مقصري شيعتنا في أعماله بعد أن حاز الولاية والتقية وحقوق إخوانه ويوقف بإزائه ما بين ماءة وأكثر من ذلك إلى ماءة ألف من النصاب فيقال له هؤلاء فداؤك من النار فيدخل هؤلاء المؤمنون الجنة وأولئك النصاب النار وذلك ما قال الله عز وجل * (ربما يود الذين كفروا) * يعني بالولاية لو كانوا مسلمين في الدنيا منقادين للإمامة ليجعل مخالفوهم من النار فداؤهم. (49) وإذ نجينكم واذكروا إذ انجينا أسلافكم. أقول: هذا تفصيل لما أجمله في قوله واذكروا نعمتي من آل فرعون وهم الذين كانوا يدنون إليه بقرابته بدينه ومذهبه يسومونكم كانوا يعذبونكم. أقول: يعني يكلفونكم العذاب من سامة الأمر كلفه إياه وأكثر ما يستعمل في العذاب والشر. سوء العذاب شدة العذاب وكان من عذابهم الشديد أنه كان فرعون يكلفهم عمل البناء والطين ويخاف أن يهربوا عن العمل فأمر بتقييدهم وكانوا ينقلون ذلك الطين على السلاليم إلى السطوح فربما سقط الواحد منهم فمات أو زمن ولا يحفلون بهم إلى أن أوحى الله إلى موسى (عليه السلام) قل لهم لا يبتدئون عملا إلا بالصلاة على محمد وآله الطيبين فيخفف عليهم فكانوا يفعلون ذلك فيخفف عليهم يذبحون أبناءكم وذلك لما قيل لفرعون أنه يولد في بني إسرائيل مولود يكون على يده هلاكك وزوال ملكك فأمر بذبح أبنائهم ويستحيون نساءكم يبقونهن ويتخذونهن إماء ثم قال ما ملخصه إنه: ربما يسلم أبناءهم من الذبح وينشئون في محل غامض بصلاتهم على محمد وآله الطيبين وكذلك نساؤهم يسلمن من الافتراش بصلواتهم عليه وآله وفي ذ لكم وفي ذلك الإنجاء منهم بلاء نعمة من ربكم عظيم كبير قال الله
[ 129 ]
تعالى: يا بنى إسرائيل اذكروا إذ كان البلاء يصرف عن أسلافكم ويخف بالصلاة على محمد وآله الطيبين أفما تعلمون أنكم إذا شاهدتموهم فآمنتم بهم كانت النعمة عليكم أعظم وأفضل وفضل الله لديكم أجزل. (50) وإذ فرقنا بكم البحر واذكروا إذ جعلنا ماء البحر فرقا ينقطع بعضه من بعض فأنجيناكم هناك وأغرقنا آل فرعون فرعون وقومه وأنتم تنظرون إليهم وهم يغرقون وذلك أن موسى لما انتهى إلى البحر أوحى الله إليه قل لبني إسرائيل جددوا توحيدي واقروا بقلوبكم ذكر محمد سيد عبيدي وإمائي واعقدوا على أنفسكم ولاية علي أخي محمد وآله الطيبين وقولوا اللهم جوزنا على متن هذا الماء فان الماء يتحول لكم أرضا فقال لهم موسى ذلك فقالوا: تورد علينا ما نكرهه وهل فررنا من فرعون الا من خوف الموت وانت تقتحم بنا هذا الماء الغمر بهذه الكلمات وما يدرينا ما يحدث من هذه علينا فقال لموسى كالب بن يوحنا وهو على دابة له وكان ذلك الخليج أربعة فراسخ يا نبي الله: الله أمرك بهذا أن نقوله وندخل قال: نعم. قال: وانت تأمرني به قال: بلى، فوقف وجدد على نفسه من توحيد الله ونبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وولاية علي والطيبين من آلهما ما أمره به ثم قال اللهم بجاههم جوزني على متن هذا الماء ثم أقحم فرسه فركض على متن الماء وإذا الماء من تحته كأرض لينة حتى بلغ آخر الخليج ثم عاد راكضا ثم قال لبني إسرائيل: يا بني إسرائيل أطيعوا موسى فما هذا الدعاء الا مفتاح أبواب الجنان ومغاليق ابواب النيران ومستنزل الأرزاق والجالب على عباد الله وإمائه رضاء الرحمن المهيمن الخلاق فأبوا وقالوا نحن لا نسير الا على الأرض فأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر وقل اللهم صل على محمد وآله الطيبين لما فلقته ففعل فانفلق وظهرت الأرض إلى آخر الخليج فقال موسى ادخلوها قالوا: الأرض وحلة نحاف أن نرسب فيها فقال الله: يا موسى قل اللهم بحق محمد وآله الطيبين جففها فقالها فأرسل الله عليها ريح الصبا فجفت وقال
موسى: ادخلوها قالوا: يا نبي الله نحن اثنتا عشرة قبيلة بنوإثني عشر أبا فان دخلنا رام كل فريق منا تقدم صاحبه ولا نأمن وقوع الشر بيننا فلو كان لكل فريق منا طريق على حدة لآمنا مما نخافه فأمر الله موسى أن يضرب البحر بعددهم إثنتي عشرة ضربة
[ 130 ]
في إثني عشر موضعا إلى جانب ذلك ويقول اللهم بجاه محمد وآله الطيبين بين لنا الأرض وامط الماء عنا فصار فيه تمام إثني عشر طريقا وجف قرار الأرض بريح الصبا فقال ادخلوها قالوا: كل فريق منا يدخل سكة من هذه السكك لا يدري ما يحدث على الآخرين فقال الله عز وجل فاضرب كل طود من الماء بين هذه السكك فضرب وقال اللهم بجاه محمد وآله الطيبين لما جعلت في هذه الماء طيقانا واسعة يرى بعضهم بعضا ثم دخلوها فلما بلغوا آخرها جاء فرعون وقومه فدخل بعضهم فلما دخل آخرهم وهم بالخروج أولهم أمر الله تعالى البحر فانطبق عليهم فغرقوا وأصحاب موسى ينظرون إليهم قال الله عز وجل لبني إسرائيل في عهد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا كان الله فعل هذا كله بأسلافكم لكرامة محمد (صلى الله عليه وآله) ودعاء موسى دعاء تقرب بهم فما تعقلون إن عليكم الايمان بمحمد (وآله صلى الله عليهم) إذ قد شاهدتموه الآن. (51) وإذ واعدنا موسى وقرئ وعدنا بغير ألف أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون كان موسى ابن عمران يقول لبني إسرائيل إذا فرج الله عنكم وأهلك أعدأكم أتيتكم بكتاب من ربكم يشتمل على أوامره ونواهيه ومواعظه وعبره وأمثاله فلما فرج الله عنهم أمره الله عز وجل أن يأتي للميعاد ويصوم ثلاثين يوما فلما كان في آخر الأيام استاك قبل الفطر فأوحى الله عز وجل إليه يا موسى أما علمت أن خلوق فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك صم عشرا اخر ولا تستك عند الافطار ففعل ذلك موسى فكان وعد الله عز وجل أن يعطيه الكتاب بعد اربعين ليلة فأعطاه إياه
فجاء السامري فشبه على مستضعفي بني إسرائيل وقال وعدكم موسى أن يرجع إليكم بعد أربعين ليلة وهذه عشرون ليلة وعشرون يوما تمت أربعون اخطأ موسى ربه وقد اتاكم ربكم اراد أن يريكم أنه قادر على أن يدعوكم إلى نفسه بنفسه وإنه لم يبعث موسى لحاجة منه إليه فأظهر لهم العجل الذي كان عمله فقالوا له فكيف يكون العجل إلهنا قال لهم إنما هذا العجل يكلمكم منه ربكم كما كلم موسى من الشجرة فالإله في العجل كما كان في الشجرة فضلوا بذلك وأضلوا فقال موسى: يا ايها العجل أكان فيك ربنا كما يزعم هؤلاء فنطق العجل وقال عز ربنا عن أن يكون العجل حاويا له أو
[ 131 ]
شئ من الشجرة والأمكنة عليه مشتملا لا والله يا موسى ولكن السامري نصب عجلا مؤخره إلى حائط وحفر في الجانب الآخر في الأرض واجلس فيه بعض مردته فهو الذي وضع فاه على دبره وتكلم بما تكلم لما قال هذا إلهكم وإله موسى يا موسى بن عمران ما خذل هؤلاء بعبادتي واتخاذي إلها الا لتهاونهم بالصلاة على محمد وآله الطيبين وجحودهم لموالاتهم ونبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ووصية الوصي قال الله تعالى: فإذا خذل عبدة العجل بتهاونهم بالصلاة على محمد وعلي فما تخافون من الخذلان الأكبر في معاندتكم لهما وقد شاهدتموهما وتبينتم آياتهما ودلائلهما. والقمي: إن بني إسرائيل لما ذهب موسى إلى الميقات ليأتيهم بألواح التوراة ووعدهم بالرجعة بعد ثلاثين يوما فعندما انتهت الثلاثون يوما ولم يرجع موسى إليهم جاءهم إبليس في صورة شيخ وقال لهم إن موسى قد هرب ولا يرجع إليكم ابدا فاجمعوا إلي حليكم حتى اتخذ لكم إلها تعبدونه وكان السامري يوم أغرق الله فرعون واصحابه على مقدمة موسى وهو من خيار من اختصه موسى فنظر السامري إلى جبرئيل (عليه السلام) وهو على مركوب في صورة رمكة فكانت كلما وضعت حافرها على موضع من الأرض تحرك موضع حافرها فجعل السامري يأخذ التراب من تحت
حافر رمكة جبرئيل فصره في صرة وحفظه وكان يفتخر به على بني إسرائيل فلما اتخذ إبليس لهم العجل قال للسامري هات التراب الذي عندك فأتاه به فألقاه في جوف العجل فتحرك وخار ونبت له الوبر والشعر فسجد بنو إسرائيل للعجل وكان عدد من سجد له سبعين ألفا. (52) ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون أي عفونا عن أوائلكم عبادتهم العجل لعلكم يا أيها الكائنون في عصر محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) من بني إسرائيل تشكرون تلك النعمة على أسلافكمم وعليكم بعدهم وإنما عفا الله عز وجل عنهم لأنهم دعوا الله بمحمد (وآله صلى الله عليهم) وجددوا على أنفسم الولاية بمحمد وعلي وآلهما الطاهرين فعند ذلك رحمهم وعفا عنهم. (53) وإذ اتينا موسى الكتاب واذكروا إذ أتينا موسى التوراة المأخوذ عليكم
[ 132 ]
الإيمان به والانقياد لما يوجبه والفرقان أتيناه أيضا فرق ما بين الحق والباطل وفرق ما بين المحق والمبطل وذلك انه لما أكرمهم الله بالكتاب والايمان به أوحى الله إلى موسى هذا الكتاب قد أقروا به وقد بقي الفرقان فرق ما بين المؤمنين والكافرين فجدد عليهم العهد به فاني آليت على نفسي قسما حقا ان لا أتقبل من أحد إيمانا ولا عملا الا به قال موسى ما هو يا رب قال الله يا موسى: تأخذ عليهم أن محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) خير النبيين وسيد المرسلين وأن أخاه ووصيه عليا خير الوصيين وأن أولياءه الذين يقيمهم سادة الخلق وأن شيعته المنقادين له ولخلفائه نجوم الفردوس الأعلى وملوك جنات عدن قال فأخذ عليهم موسى ذلك فمنهم من اعتقده حقا ومنهم من أعطاه بلسانه دون قلبه قال فالفرقان النور المبين الذي كان يلوح على جبين من آمن بمحمد وعلي وعترتهما وشيعتهما وفقده من جبين من أعطى ذلك بلسانه دون قلبه
لعلكم تهتدون أي لعلكم تعلمون أن الذي يشرف العبد عند الله هو اعتقاد الولاية كما تشرف به أسلافكم وقيل أريد بالكتاب التوارة وبالفرقان المعجزات الفارقة بين المحق والمبطل في الدعوى وبالاهتداء الاهتداء بتدبر الكتاب والتفكر في الآيات. (54) وإذقال موسى لقومه: واذكروا يا بني إسرائيل إذ قال موسى لقومه عبدة العجل يقوم إنكم ظلمتم أنفسكم أضررتم بها باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم الذي (1) برأكم وصوركم قيل فأعزموا على التوبة والرجوع إلى من خلقكم فاقتلوا أنفسكم يقتل بعضكم بعضا يقتل من لم يعبد العجل من عبده ذ لكم ذلك القتل خير لكم عند بارئكم لأنه كفارتكم فهو خير من أن تعيشوافي الدنيا ثم تكونوا في النار خالدين فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم قبل توبتكم قبل استيفاء القتل لجماعتكم وقبل اتيانه على كافتكم وأمهلكم للتوبة واستبقاكم للطاعة وذلك أن موسى لما أبطل الله على يديه أمر العجل فأنطقه بالخبر عن تمويه السامري وأمر موسى (عليه السلام) أن يقتل من لم يعبده من عبده تبرأ أكثرهم وقالوا لم نعبد ووشى بعضهم ببعض فقال الله عز وجل لموسى (عليه السلام): ابرد هذا العجل المذهب بالحديد بردا (2) ثم ذره في
(1) يعني من خلقكم بريئا من التفاوت مميزا بعضكم من بعض بصورة وهيئة منحتلفة واصله تركيب. بري لخلوص الشئ من غيره. منه قدس الله سره. (2) البرادة السحالة بالمهملتين وهي فتات الذهب والفضة (منه). (*)
[ 133 ]
البحر فمن شرب ماءه اسود شفتاه وأنفه ان كان ابيض اللون وابيضا ان كان اسود وبان ذنبه ففعل فبان العابدون فأمر الله الاثني عشر ألفا أن يخرجوا على الباقين شاهرين السيوف ويقتلوهم ونادى مناديه الا لعن الله احدا اتقاهم بيد أو رجل ولعن الله من تأمل المقتول لعله تبينه حميما أو قريبا فيتعداه إلى الأجنبي فاستسلم المقتولون فقال القاتلون نحن أعظم مصيبة منهم نقتل بأيدينا آباءنا وابناءنا واخواننا وقراباتنا ونحن لم
نعبد فقد ساوى بيننا وبينهم في المصيبة فأوحى الله إلى موسى يا موسى إني إنما امتحنتهم بذلك لأنهم ما اعتزلوهم لما عبدوا العجل ولم يهجروهم ولم يعادوهم على ذلك قل لهم من دعا الله بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وآله الطاهرين الطيبين يسهل عليه قتل المستحقين للقتل بذنوبهم فقالوها فسهل عليهم ولم يجدوا لقتلهم ألما فلما استحر القتل فيهم وهم ستماءة ألف الا اثني عشر ألفا وقف الله الذين عبدوا العجل بمثل هذا التوسل فتوسلوا بهم واستغفروا لذنوبهم فأزال الله القتل عنهم. والقمي إن موسى لما رجع من الميقات وقد عبد قومه العجل قال لهم بعد الغضب عليهم والعتب لهم توبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم قالوا وكيف نقتل أنفسنا قال لهم ليعمد كل واحد منكم إلى بيت المقدس ومعه سيف أو سكين فإذا صعدت المنبر تكونوا أنتم متلثمين لا يعرف أحدكم صاحبه فاقتلوا بعضكم بعضا فاجتمع الذين عبدوا العجل وكانوا سبعين ألفا فلما صلى بهم موسى (عليه السلام) وصعد المنبر أقبل بعضهم يقتل بعضا حتى نزل الوحي قل لهم يا موسى ارفعوا القتل فقد تاب الله عليكم وكان قد قتل منهم عشرة آلاف. (55) وإذ قلتم قال أسلافكم: يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة أخذتهم وأنتم تنظرون وهم ينظرون إلى الصاعقة تنزل بهم. (56) ثم بعثناكم من بعد موتكم بسبب الصاعقة. أقول: قيد البعث بالموت لأنه قد يكون عن اغماء ونوم وفيه دلالة واضحة على جواز الرجعة التي قال بها أصحابنا نقلا عن أئمتهم وقد احتج بهذه الآية أمير المؤمنين (عليه السلام) على ابن الكواحين أنكرها كما رواه عنه الأصبغ بن نباتة.
[ 134 ]
والقمي وهذا دليل على الرجعة في أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فانه قال: لم يكن في بني إسرائيل شئ إلا وفي أمتي مثله يعني دليل على وقوعها لعلكم
تشكرون لعل أسلافكم يشكرون الحياة التي فيها يتوبون ويقلعون وإلى ربهم ينيبون لم يدم عليهم ذلك الموت فيكون إلى النار مصيرهم وهم فيها خالدون. وفي العيون: عن الرضا (عليه السلام) أنهم السبعون الذين اختارهم موسى وصاروا معه إلى الجبل فقالوا له إنك قد رأيت الله فأرناه كما رأيته فقال لهم: إني لم أره فقالوا له لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ويأتي تمام القصة ان شاء الله تعالى في سورة الأعراف. وفي تفسير الإمام (عليه السلام) أن موسى لما أراد أن يأخذ عليهم عهد الفرقان فرق ما بين المحقين والمبطلين لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بنبوته ولعلي والأئمة (عليهم السلام) بإمامتهم قالوا: لن نؤمن لك ان هذا أمر ربك حتى نرى الله عيانا يخبرنا بذلك فأخذتهم الصاعقة معاينة فقال موسى (عليه السلام) للباقين الذين لم يصعقوا: أتقبلون وتعترفون وإلا فأنتم بهؤلاء لاحقون فقالوالا ندري ما حل بهم فإن كانت انما أصابتهم لردهم عليك في أمر محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي (عليه السلام) فاسئل الله ربك بمحمد وآله أن يحييهم لنسألهم لماذا أصابهم ما أصابهم فدعا الله موسى (عليه السلام) فأحياهم فسألوهم فقالوا: أصابنا ما أصابنا لآبائنا اعتقاد امامة علي بعد اعتقاد نبوة محمد لقد رأينا بعد موتنا هذا ممالك ربنا من سمواته وحجبه وعرشه وكرسيه وجنانه ونيرانه فما رأينا أنفذ أمرا في جميع الممالك وأعظم سلطانا من محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) وإنا لما متنا بهذه الصاعقة ذهبنا إلى النيران فناداهم محمد وعلي كفوا عن هؤلاء عذابكم فانهم يحيون بمسألة سائل سأل ربنا عز وجل بنا وبآلنا الطيبين قال الله عز وجل لأهل عصر محمد فإذا كان بالدعاء بمحمد وآله الطيبين نشر ظلمة أسلافكم المصعوقين بظلمهم فانما يجب عليكم أن لا تتعرضوا لمثل ما هلكوا به إلى أن أحياهم الله. (57) وظللنا عليكم الغمام لما كنتم في التيه يقيكم من حر الشمس وبرد القمر
[ 135 ]
وأنزلنا عليكم المن الترنجبين كان يسقط على شجرهم فيتناولونه والسلوى السماني كلوا. والقمي لما عبر بهم موسى البحر نزلوا في مفازة فقالوا يا موسى أهلكتنا وأخرجتنا من العمران إلى مفازة لا ظل فيها ولا شجر ولا ماء فكانت تجئ بالنهار غمامة تظلهم من الشمس وتنزل عليهم بالليل المن فيأكلونه وبالعشي يجئ طائر مشوي فيقع على موائدهم فإذا أكلوا وشبعوا طار عنهم وكان مع موسى حجر يضعه في وسط العسكر ثم يضربه بعصاه فينفجر منه إثنتا عشرة عينا فيذهب الماء إلى كل سبط وكانوا إثنا عشر سبطا فلما طال عليهم ملوا وقالوا: يا موسى لن نصبر على طعام واحد وما ظلمونا لما بدلوا وغيروا ما به أمروا ولم يفوا بما عليه عوهدوا لأن كفر الكافر لا يقدح سلطاننا وممالكنا كما أن إيمان المؤمن لا يزيد في سلطاننا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون يضرون بها بكفرهم وتبديلهم. وفي الكافي عن الباقر (عليه السلام) في قوله عز وجل وما ظلمونا قال إن الله أعظم وأعز وأجل وأمنع من أن يظلم ولكنه خلطنا بنفسه فجعل ظلمنا ظلمه وولايتنا ولايته حيث يقول إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا يعني الأئمة. (58) وإذ قلنا واذكروا يا بني إسرائيل إذ قلنا لأسلافكم ادخلوا هذه القرية وهي أريحا من بلاد الشام وذلك حين خرجوا من التيه فكلوا منها حيث شئتم رغدا واسعا بلا تعب وادخلوا الباب باب القرية سجدا مثل الله تعالى على الباب مثال محمد وعلي وأمرهم أن يسجدوا تعظيما لذلك ويجددوا على أنفسهم بيعتهما وذكر موالاتهما ويذكروا العهد والميثاق المأخوذين عليهم لهما وقولوا حطة وقولوا سجودنا لله تعظيما للمثال واعتقادنا الولاية حطة لذنوبنا ومحو لسيئاتنا نغفر لكم خطاياكم السالفة ونزيل عنكم آثامكم الماضية وقرئ بضم الياء وفتح الفاء وسنزيد المحسنين من لم يقارف
منكم الذنب وثبت على عهد الولاية ثوابا. (59) فبدل الذين ظلموا قولا غير الذى قيل لهم لم يسجدوا كما امروا ولا قالوا
[ 136 ]
ما امروا بل دخلوها باستاههم وقالوا ما معناه حنطة حمراء نتقوتها أحب إلينا من هذا الفعل وهذا القول. وفي موضع آخر من تفسير الإمام (عليه السلام) وكان خلافهم أنهم لما بلغوا الباب رأوا بابا مرتفعا قالوا ما بالنا نحتاج أن نركع عند الدخول هاهنا ظننا أنه باب متطامن لا بد من الركوع فيه وهذا باب مرتفع وإلى متى يسخر بنا هؤلاء يعنون موسى (عليه السلام) ثم يوشع بن نون ويسجدوننا في الأباطيل وجعلوا استاههم نحو الباب وقالوا بدل قولهم حطة ما معناه حنطة حمراء فذلك تبديلهم. فأنزلنا على الذين ظلموا وبدلوا ما قيل لهم ولم ينقادوا لولاية محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي وآلهما، قيل كرره مبالغة في تقبيح أمرهم واشعارا بأن الانزال عليهم بظلمهم بوضع غير المأمور به موضعه أو بظلمهم على أنفسهم بأن تركوا ما يوجب نجاتها إلى ما يوجب بهلاكها رجزا من السماء قيل أي عذابا مقدرا من السماء هو في الأصل لما يعاف عنه كالرجس بما كانوا يفسقون يخرجون من أمر الله وطاعته والرجز الذي أصابهم أنه مات منهم بالطاعون في بعض يوم ماءة وعشرون ألفا وهم الذين كان في علم الله أنهم لا يؤمنون ولا يتوبون ولم ينزل على من علم أنه يتوب أو يخرج من صلبه ذرية طيبة. والعياشي عن الباقر (عليه السلام) قال: نزل جبرائيل بهذه الآية فبدل الذين ظلموا آل محمد (صلى الله عليهم) حقهم غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا آل محمد (صلى الله عليهم) حقهم رجزا من السماء بما كانوا يفسقون. (6 0) وإذ استسقى واذكرواإذ استسقى موسى لقومه طلب لهم السقيا لما
عطشوا في التيه ضجواإليه بالبكاء فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا فضربه بها داعيا بمحمد وآله الطيبين فانفجرت. وفي المجمع والعياشي عن الباقر (عليه السلام) نزلت ثلاثة أحجار من الجنة حجر مقام إبراهيم وحجر بني إسرائيل والحجر الأسود. وفي الكافي والإكمال عنه (عليه السلام) إذ اخرج القائم (عليه السلام) من مكة
[ 137 ]
ينادي مناديه الا لا يحملن احد طعاما ولا شرابا وحمل معه حجر موسى بن عمران وهو وقر بعير ولا ينزل منزلا الا انفجرت منه عيون فمن كان جائعا شبع ومن كان ظمآنا روى ورويت دوابتهم حتى ينزلوا النجف من ظهر الكوفة. قد علم كل أناس كل قبيلة: من بني اب من أولاد يعقوب مشربهم ولا يزاحم الآخرين في مشربهم كلوا واشربوا قال الله تعالى: كلوا واشربوا من رزق الله الذي أتاكموه قيل أي من المن والسلوى والماء ولا تعثوا في الا رض مفسدين ولا تسعثوا فيها وأنتم مفسدون عاصون قيل هو من العثو بمعنى الاعتداء ويقرب منه العيث غير أنه يغلب على ما يدرك بالحس. (61) وإذ قلتم وإذكروا إذ قال اسلافكم يا موسى لن نصبر على طعام واحد اي المن والسلوى ولا بد لنا من خلط معه فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الا رض من بقلها وقثائها وفومها في المجمع عن الباقر (عليه السلام) والقمي الثوم الحنطة وقيل هو الثوم. وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى أتستدعون الأدون بالذي هو خير ليكون لكم بدلا من الأفضل اهبطوا من هذه التيه مصرا من الأمصار فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة الجزية والفقر وباؤا بغضب احتملوا الغضب واللعنة.
أقول: يعني ورجعوا وعليهم للغضب كما يأتي في مثله في هذه السورة فالمذكور هنا محصل المعنى ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق بلا جرم منهم إليهم ولا إلى غيرهم، وقرى ء النبيئين بالهمزة حيث وقع في سائر تصاريفها اجمع ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون يتجاوزون امر الله إلى أمر إبليس، قيل جرهم العصيان والاعتداء فيه إلى الكفر بالآيات وقتل النبيين فان صغار الذنوب تؤدي إلى كبارها كما ان صغار الطاعات تؤدي إلى كبارها. وفي تفسير الامام (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يا عباد الله فاحذروا الإنهماك في المعاصي والتهاون بها فان المعاصي يستولي بها الخذلان على
[ 138 ]
صاحبها حتى توقعه فيما هو اعظم منها فلا يزال يعصي ويتهاون ويخذل ويوقع فيما هو أعظم مما جنى حتى توقعه في رد ولاية وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دفع نبوة نبي الله ولا يزال ايضا بذلك حتى توقعه في دفع توحيد الله والالحاد في دين الله قيل المراد بآيات الله المعجزات والكتب المنزلة وما فيها من نعت نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) وبقتل النبيين قتل شعيب وزكريا ويحيى وغيرهم. وفي الكافي والعياشي عن الصادق (عليه السلام) انه تلا هذه الآية فقال والله ما ضربوهم بأيديهم ولا قتلوهم بأسيافهم ولكن سمعوا احاديثهم فاذاعوها فأخذوا عليها فقتلوا فصار قتلا باعتداء ومعصية. (62) ان الذين آمنوا بالله وبما فرض عليهم الايمان به والذين هادوا اليهود والنصارى الذين زعموا انهم في دين الله متناصرون. وفي العيون عن الرضا (عليه السلام) انهم من قرية اسمها ناصرة من بلاد الشام نزلتها مريم وعيسى بعد رجوعهما من مصر. والصبئين الذين زعموا انهم صبوا إلى دين الله وهم كاذبون.
أقول: صبوا اي مالوا إن لم يهمز وخرجوا ان قرئ بالهمزة. والقمي انهم ليسوا من أهل الكتاب ولكنهم يعبدون الكواكب والنجوم من آمن بالله واليوم الآ خر منهم ونزع عن كفره وعمل صلحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم في الآخرة حين يخاف الفاسقون ولا هم يحزنون إذا حزن المخالفون. (63) وإذ أخذنا واذكروا إذ اخذنا ميثاقكم عهودكم ان تعلموا بما في التوراة وما في الفرقان الذي اعطيته موسى مع الكتاب وتقروا بما فيه من نبوة محمد (صلى الله عليه وآله) ووصيه علي والطيبين من ذريتهما وان تؤدوه إلى اخلافكم قرنا بعد قرن فأبيتم قبول ذلك واستكبرتموه ورفعنا فوقكم الطور الجبل أمرنا جبرئيل ان يقلع من جبل فلسطين (1) قطعة على قدر معسكر اسلافكم فرسخا في فرسخ فقطعها وجاء بها
(1) فلسطون وقد يفتح فاؤهما كورة بالشام وبلد بالعراق. تقول في حال الرفع بالواووفي النصب والجر بالياء أويلزمها الياء في كل حال والنسبة فلسطي. قاموس. (*)
[ 139 ]
فرفعها فوق رؤوسهم خذوا ما آتينكم فقال لهم موسى اما ان تأخذوابما امرتم به فيه واما ان القي عليكم هذا الجبل فالجأوا إلى قبوله كارهين الا من عصمه الله من العناد فانه قبله طائعا مختارا ثم لما قبلوه سجدوا وعفروا وكثير منهم عفر خديه لا لا رادة الخضوع لله ولكن نظرا إلى الجبل هل يقع أم لا بقوة من قلوبكم ومن ابدانكم. في المحاسن والعياشي عن الصادق (عليه السلام) انه سئل عن هذه الآية أقوة في الأبدان أم قوة في القلوب فقال: فيهما جميعا واذكروا ما فيه من جزيل ثوابنا على قيامكم به وشديد عقابنا على إبائكم له. وفي المجمع عن الصادق (عليه السلام) واذكروا ما في تركه من العقوبة لعلكم تتقون لتتقوا المخالفة الموجبة للعقاب فتستحقوا بذلك الثواب. (64) ثم توليتم يعني تولى أسلافلكم من بعد ذلك عن القيام به والوفاء بما عوهدوا عليه فلولا فضل الله عليكم ورحمته بامهالكم للتوبة وانظاركم للانابة
لكنتم من الخسرين المغبونين. (65) ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت لما اصطادوا السموك فيه فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين مبعدين عن كل خير. (66) فجعلنها: اي المسخة التي اخزيناهم ولعناهم بها. وفي المجمع عن الباقر (عليه السلام) فجعلنا الأمة. نكالا لما بين يديها وما خلفها عقوبة لما بين يدي المسخة من ذنوبهم الموبقات التي استحقوا بها العقوبة وردعا للذين شاهدوهم بعد مسخهم وللذين يسمعون بها من بعدها لكي يرتدعوا عن مثل افعالهم وموعظة للمتقين وسيأتي قصتهم في سورة الأعراف إنشاء الله. (67) وإذ قال موسى: واذكروا إذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة تضربون ببعضها هذا المقتول بين اظهركم ليقوم حيا سويا باذن الله عز وجل ويخبركم بقاتله وذلك حين القى القتيل بين اظهركم فالزم موسى أهل
[ 140 ]
القبيلة بأمر الله ان يحلف خمسون من اماثلهم بالله القوي الشديد إله بني إسرائيل مفضل محمد وآله الطيبين على البرايا اجمعين إنا ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا فان حلفوا بذلك غرموا دية المقتول وإن نكلوا نصوا على القاتل أو أقر القاتل فيقاد منه وإن لم يفعلوا حبسوا في محبس ضنك إلى أن يحلفوا أو يقروا أو يشهدوا على القاتل فقالوا يا نبي الله أما وقت أيماننا اموالنا ولا اموالنا أيماننا قال: لا هذا حكم الله وكان السبب ان امرأة حسناء ذات جمال وخلق كامل وفضل بارع ونسب شريف وستر ثخين كثر خطابها وكان لها بنو اعمام ثلاثة فرضيت بأفضلهم علما وأثخنهم سترا وارادت التزويج به فاشتد حسد إبني عمه الآخرين له وغبطاه عليها لا يثارها إياه فعمدا إلى ابن عمها المرضي فأخذاه إلى
دعوتهما ثم قتلاه وحملاه إلى محلة تشتمل على اكثر قبيلة من بني إسرائيل فألقياه بين اظهرهم ليلا فلما اصبحوا وجدوا القتيل هناك فعرف حاله فجاء ابنا عمه القاتلان له فمزقا على انفسهما وحثيا التراب على رؤسهما واستعديا عليهم فأحضر هم موسى وسألهم فأنكرواان يكونوا قتلوه وعلموا قاتله فقال: فحكم الله عز وجل على من فعل هذه الحادثة ما عرفتموه فالتزموه فقالوا يا موسى اي نفع في إيماننا إذا لم تدرأ عنا الغرامة الثقيلة ام اي نفع في غرامتنا إذا لم تدرأ عنا الأيمان. فقال موسى (عليه السلام): كل النفع في طاعة الله والائتمار لأمره والانتهاء عما نهى عنه فقالوا: يا نبي الله غرم ثقيل ولا جناية لنا وإيمان غليظة ولا حق في رقابنا لو ان الله عز وجل عرفنا قاتله بعينه وكفانا مؤنته فادع لنا ربك أن يبين لنا هذا القاتل لينزل به ما يستحقه من العذاب وينكشف أمره لذوي الألباب. فقال موسى (عليه السلام) إن الله قد بين ما أحكم به في هذا فليس لي ان اقترح عليه غير ما حكم ولا اعترض عليه فيما أمر الا ترون أنه لما حرم العمل في يوم السبت وحرم لحم الجمل لم يكن لنا ان نقترح عليه ان نغير ما حكم به علينا من ذلك بل علينا ان نسلم حكمه ونلتزم ما الزمناه وهم بأن يحكم عليهم بالذي كان يحكم به على غيرهم في مثل حادثتهم فأوحى الله عز وجل إليه: يا موسى اجبهم
[ 141 ]
إلى ما اقترحوا وسلني ان ابين لهم القاتل ليقتل ويسلم غيره من التهمة والغرامة فاني إنما أريد باجابتهم إلى ما اقترحوا توسعة الرزق على رجل من خيار امتك دينه الصلاة على محمد وآله الطيبين والتفضيل لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي بعده على سائر البرايا وأغنيه في الدنيا في هذه القضية ليكون بعض ثوابه عن تعظيمه لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال موسى: يا رب بين لنا قاتله
فأوحى الله عز وجل إليه قل لبني إسرائيل إن الله يبين لكم ذلك بأن يأمركم أن تذبحوا بقرة فتضربوا ببعضها المقتول فيحيى أفتسلمون لرب العالمين ذلك والا فكفوا عن المسألة والتزموا ظاهر حكمي فذلك ما حكى الله عز وجل وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أي سيأمركم أن تذبحوا بقرة إن أردتم الوقوف على القاتل. والقمي عن الصادق (عليه السلام) أن رجلا من خيار بني إسرائيل وعلمائهم خطب امرأة منهم فأنعمت له وخطبها ابن عم لذلك الرجل وكان فاسقا فردته فحسد ابن عمه الذي أنعمت إليه فرصده وقتله غيلة ثم حمله إلى موسى (عليه السلام) فقال يا نبي الله إن هذا ابن عمي قد قتل فقل من قتله قال: لا أدري وكان القتل في بني إسرائيل عظيما جدا فعظم قتل ذلك الرجل على موسى (عليه السلام) فاجتمع إليه بنو إسرائيل فقالوا ما ترى يا نبي الله وكان في بني إسرائيل رجل له بقرة وكان له ابن بار وكان عند ابنه سلعة فجاء قوم يطلبون سلعته وكان مفتاح بيته في تلك الحال تحت رأس أبيه وهو نائم فكره ابنه أن ينبهه وينغص عليه نومه فانصرف القوم ولم يشتروا سلعته فلما انتبه أبوه قال يا بني ما صنعت في سلعتك ؟ قال: هي قائمة لم أبعها لأن المفتاح كان تحت رأسك فكرهت أن أزعجك من رقدتك وانغص عليك نومك قال له أبوه: قد جعلت هذه البقرة لك عوضا عما فاتك من ربح سلعتك وشكر الله للابن ما فعل بأبيه فأمر الله جل جلاله موسى أن يأمر بني إسرائيل بذبح تلك البقرة بعينها ليظهر قاتل ذلك الرجل الصالح فلما اجتمع بنو إسرائيل إلى موسى وبكوا وضجوا قال لهم موسى إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة فتعجبوا وقالوا: أتتخذنا هزوا نأتيك بقتيل فتقول اذبحوا
[ 142 ]
بقرة قالوا: يا موسى أتتخذنا هزوا سخرية تزعم أن الله يأمر بذبح بقرة وتأخذ
قطعة من ميت ونضرب بها ميتا فيحيى أحد الميتين بملاقاة بعض الميت له فكيف يكون هذا وقرئ باسكان الزاي وبغير همز قال موسى أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين أنسب إلى الله ما لم يقل لي أعارض أمر الله بقياسي على ما شاهدت دافعا لقول الله عز وجل وأمره ثم قال موسى: أو ليس ماء الرجل نطفة ميتة وماء المرأة كذلك ميتان يلتقيان فيحدث الله من التقاء الميتين بشرا حيا سويا أو ليس بذوركم التي تزرعونها في أرضكم تتفسخ في أرضكم وتتعفن وهي ميتة ثم يخرج منها هذه السنابل الحسنة البهيجة وهذه الأشجار الباسقة المونقة فلما بهرهم موسى. (68) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي مواصفاتها لنقف عليها وفي رواية القمي: فعلموا أنهم قد أخطأوا قال إنه إن الله يقول بعد ما سأل ربه إنها بقرة لا فارض لا كبيرة ولا بكر ولا صغيرة عوان وسط بين ذلك بين الفارض والبكر فافعلوا ما تؤمرون إذا أمرتم به. (69) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها أي لون هذه البقرة التي تريد أن تأمرنا بذبحها قال إنه يقول إن الله يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها حسنة الصفرة ليس بناقص يضرب إلى البياض ولا بمشبع يضرب إلى السواد تسر الناظرين إليها لبهجتها وحسنها وبريقها. (70) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ما صفتها يزيد في صفتها إن البقر تشابه علينا وإناإنشاء الله لمهتدون وفي الحديث النبوي لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد. (71) قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الا رض لم تذلل لإثارة الأرض ولم ترض بها ولا تسقي الحرث ولا هي مما تجر به الدلاء للزرع ولا تدير النواعير قد أعفيت من ذلك أجمع مسلمة من العيوب كلها لا شية فيها من
غيرها.
[ 143 ]
في العيون والعياشي عن الرضا (عليه السلام) لو عمدوا إلى أي بقرة أجزأهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم، وفي تفسير الامام (عليه السلام) فلما سمعوا هذه الصفات قالوا يا موسى أفقد أمرنا ربنا بذبح بقرة هذه صفتها قال: بلى ولم يقل موسى في الابتداء إن الله قد أمركم بل قال: يأمركم لأنه لو قال إن الله أمركم لكانوا إذ قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي وما لونها كان لا يحتاج أن يسأله ذلك عز وجل ولكن كان يجيبهم هو بأن يقول أمركم ببقرة فأي شئ وقع عليه اسم البقرة فقد خرجتم من أمره إذا ذبحتموها فلما استقر الأمر عليهم طلبواهذه البقرة فلم يجدوها الا عند شاب من بني إسرائيل أراه الله في منامه محمدا وعليا وطيبي ذريتهما (عليهم السلام) فقالا له إنك كنت لنا محبا مفضلا ونحن نريد أن نسوق إليك بعض جزائك في الدنيا فإذا راموا شراء بقرتك فلا تبعها الا بأمر امك فان الله يلقنها ما يغنيك به وعقبك ففرح الغلام وجاء القوم يطلبون بقرته فقالوا بكم تبيع بقرتك هذه قال: بدينارين والخيار لأمي قالوا رضينا بدينار فسألها فقالت بأربعة فأخبرهم فقالوا نعطيك دينارين فأخبر أمه فقالت ثمانية فما ازالوا يطلبون على النصف مما تقول أمه ويرجع إلى أمه فتضعف الثمن حتى بلغ ثمنها ملأ مسك ثورا أكثر مما يكون ملأ دنانير فأوجبت لهم البيع ثم ذبحوها قالوا الآن جئت بالحق في رواية القمي عرفناها هي بقرة فلان فذهبوا ليشتروها فقال لا أبيعها الا بملل ء جلدها ذهبا فرجعوا إلى موسى فأخبروه فقال لهم موسى لا بد لكم من ذبحها بعينها فاشتروها بملل ء جلدها ذهبا. وفي تفسير الإمام (عليه السلام) أنه بلغ خمسماءة الف دينار فذبحوها وما كادوا يفعلون فأرادوا أن لا يفعلوا ذلك من عظم ثمن البقرة ولكن اللجاج حملهم
على ذلك واتهامهم موسى حداهم عليه. (72) وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها اختلفتم وتدارأتم ألقى بعضكم ذنب القتل على بعض وأدرأه عن نفسه وذويه والله مخرج ما كنتم تكتمون من خبر القاتل وإرادة تكذيب موسى باقتراحكم عليه ما قدرتم أن ربه لا يجيب إليه. القاتل وإرادة تكذيب موسى باقتراحكم عليه ما قدرتم أن ربه لا يجيب إليه. (73) فقلنا اضربوه ببعضها اضربوا الميت ببعض البقرة ليحيى وقولوا له
[ 144 ]
من قتلك فأخذوا الذنب وضربوه به. والعياشي عن الرضا (عليه السلام) أن الله أمرهم بذبح بقرة وإنما كانوا يحتاجون بذنبها فشددوا فشدد الله عليهم. وفي تفسير الإمام (عليه السلام) أخذوا قطعة وهي عجز (1) الذنب الذي منه خلق ابن آدم وعليه يركب إذا اعيد خلقا جديدا فضربوا بها وقالوا: اللهم بجاه محمد وعلي وآله الطيبين لما أحييت هذا الميت وأنطقته ليخبر عن قاتله فقام سالما سويا وقال: يا نبي الله قتلني هذان إبنا عمي حسداني على بنت عمي فقتلاني والقياني في محلة هؤلاء ليأخذا ديتي فأخذ موسى الرجلين فقتلهما. وفي رواية القمي: ابن عمي فلان بن فلان الذي جاء به. كذ لك يحي الله الموتى في الدنيا والآخرة كما أحيى الميت بملاقاة ميت آخر له أما في الدنيا فيلاقي ماء الرجل ماء المرأة فيحيى الله الذي كان في الأصلاب والأرحام حيا واما في الآخرة فان الله عز وجل ينزل بين نفختي الصور بعد ما ينفخ النفخة الأولى من دوين (2) السمأ من البحر المسجور الذي قال الله والبحر المسجور وهي مني كمني الرجال فيمطر ذلك على الارض فيلقي الماء المني مع الأموات البالية فينبتون من الأرض ويحيون ويريكم آياته سوى
هذه من الدلالات على توحيده ونبوة موسى وفضل محمد وآله (عليهم السلام) على سائر خلق الله أجمعين لعلكم تعقلون وتتفكرون أن الله الذي يفعل هذه العجائب لا يأمر الخلق الا بالحكمة ولا يختار محمدا وآله (عليهم السلام) الا لأنهم أفضل أولي الألباب وقيل لكي يكمل عقلكم وتعلموا أن من قدر على إحياء نفس قدر على إحياء الأنفس كلها. وفي تفسير الامام (عليه السلام) أن المقتول المنشور توسل إلى الله سبحانه
(1) عجز الذنب ويقال عجب الذنب بالتسكين وهو العظم الذي في أسفل الصلب عند العجز، وفي الحديث النبوي: كل ابن آدم يبلى الأعجب الذنب وكأنه عما يقوم به البدن. منه قدس الله سره. (2) دوين مصغر دون ونقيض الفوق. منه قدس الله سره. (*)
[ 145 ]
بمحمد وآله أن يبقيه في الدنيا متمتعا بابنة عمه ويجزي عنه ويخزي أعداءه ويرزقه رزقا كثيرا طيبا فوهبه الله له سبعين سنة بعد أن كان قد مضى عليه ستون سنة قبل قتله صحيحة حواسه فيها قوية شهواته فتمتع بحلال الدنيا وعاش لم يفارقها ولم تفارقه وماتا جميعا معا وصارا إلى الجنة وكانا زوجين فيها ناعمين وإن أصحاب البقرة ضجوا إلى موسى وقالوا افتقرت القبيلة وانسلخنا بلجاجنا عن قليلنا وكثيرنا فأرشدهم موسى (عليه السلام) إلى التوسل بنبينا وآله (عليهم السلام) فأوحى الله إليه ليذهب رؤساؤهم إلى خربة بني فلان ويكشفوا عن موضع كذا ويستخرجوا ما هناك فانه عشرة آلاف الف دينار ليردوا على كل من دفع في ثمن هذه البقرة ما دفع لتعود احوالهم على ما كانت ثم ليتقاسموا بعد ذلك ما يفضل وهو خمسة آلاف الف دينار على قدر ما دفع كل واحد منهم في هذه المحنة كذا في نسخة من تفسير الامام (عليه السلام) ليتضاعف اموالهم جزاءا على توسلهم بمحمد وآله (عليهم السلام) واعتقادهم لتفضيلهم.
(74) ثم قست: غلظت وجفت ويبست من الخير والرحمة قلوبكم معاشر اليهود من بعد ذلك من بعد ما تبينت الآيات الباهرات في زمن موسى والمعجزات التي شاهدتموها من محمد (صلى الله وآله وسلم) فهي كالحجارة اليابسة لا يترشح برطوبة ولا ينتفض (1) منها ما ينتفع به اي انكم لا حق الله تؤدون ولا من اموالكم ولا من مواشيها تتصدقون ولا بالمعروف تتكرمون وتجودون ولا الضيف تقرون (2) ولا مكروبا تغيثون ولا بشئ من الإنسانية تعاشرون وتعاملون أو أشد قسوة أبهم على السامعين اولا ثم بين ثانيا ان قلوبهم اشد قسوة من الحجارة بقوله: وإن من الحجارة لما يتفجر منه الا نهار فيجئ بالخير والنبات لبني آدم وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وهو ما يقطر منه الماء دون الأنهار وقلوبكم لا يجيئ منها الكثير من الخير ولا القليل وإن منها لما يهبط
(1) نفضت الثوب والشجر انفضه إذا حركته لينتفض، والنفض بالتحريك ماتساقط من الورق والثمر. صحاح. (2) قريت الضيف قرى مثال قليته قلى وقراء أحسنت إليه إذا كسرت القاف قصرت وإذا فتحت مدت. صحاح. (*)
[ 146 ]
من خشية الله إذا اقسم عليها باسم الله وبأسماء اوليائه محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والطيبين من آلهم وما الله بغافل عما تعملون بل عالم بها يجازيكم بالعدل وقرئ بالياء. (75) أفتطمعون يا محمد انت وأصحابك وقر ئ بالياء أن يومنوا لكم هؤلاء اليهود ويصدقوكم بقلوبهم وقد كان فريق منهم طائفة من اسلافهم يسمعون كلام الله في اصل جبل طور سيناء وأو امره ونواهيه ثم يحرفونه عما سمعوه إذا أدوه إلى من ورائهم من سائر بني إسرائيل من بعد ما عقلوه فهموه بعقولهم وهم يعلمون انهم في تقولهم كاذبون قيل معنى الآية ان أحبار هؤلاء
ومقدميهم كانوا على هذه الحالة فما طمعكم بسفلتهم وجهالهم. (76) وإذا لقوا الذين آمنوا كسلمان وابي ذر ومقداد قالوا آمنا كإيمانكم واخبروهم بما بين الله لهم من الدلالات على نعت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا اي كبراؤهم اي شئ صنعتم أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من الدلالات الواضحة على صدقه ليحاجوكم به عند ربكم بأنكم قد علمتم هذا وشاهدتموه فلم لم تؤمنوا به ولم تطيعوه وقد رأوا بجهلهم أنهم إن لم يخبروهم بتلك الآيات لم يكن لهم عليهم حجة في غيرها أفلا تعقلون إن هذا الذي تخبرونهم به حجة عليكم عند ربكم. (77) أولا يعلمون: هؤلا القائلون لاخوانهم تحدثونهم بما فتح الله عليكم أن الله يعلم ما يسرون من عداوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وان إظهارهم الايمان به امكن لهم من اصطلامه وإبادة اصحابه وما يعلنون من الايمان به ظاهرا ليونسوهم ويقفوا به على اسرارهم ويذيعوها بحضرة من نصرهم. (78) ومنهم أميون لا يقرؤون الكتاب ولا يكتبون والأمي منسوب إلى الام اي هو كما خرج من بطن امه لا يقرأ ولا يكتب لا يعلمون الكتب المنزل من السماء ولا المكذب به لا يميزون بينهما إلا أماني الا ان يقرأ عليهم ويقال
[ 147 ]
لهم هذا كتاب الله وكلامه لا يعرفون ان ما قرئ من الكتاب خلاف ما فيه. أقول: هو استثناء منقطع يعني الا ما يقدرونه في انفسهم من منى أخذوها تقليدا من المحرفين للتوراة واعتقدوها ولم يعرفوا انه خلاف ما في التوراة وإن هم إلا يظنون ما يقلدونه من رؤسائهم مع انه محرم عليهم تقليدهم. قال (عليه السلام): قال رجل للصادق (عليه السلام) فإذا كان هؤلاء العوام
من اليهود لا يعرفون الكتاب الا بما يسمعونه من علمائهم لا سبيل لهم إلى غيره فكيف ذمهم بتقليدهم والقبول من علمائهم وهل عوام اليهود الا كعوامنا يقلدون علمأهم فان لم يجز لأولئك القبول من علمائهم لم يجز لهؤلاء القبول من علمائهم فقال (عليه السلام) بين عوامنا وعلمائنا وبين عوام اليهود وعلمائهم فرق من جهة وتسوية من جهة أما من حيث استووا فان الله قد ذم عوامنا بتقليدهم علماءهم كما قد ذم عوامهم وأما من حيث افترقوا فلا، قال بين لي ذلك يابن رسول الله قال ان عوام اليهود كانوا قد عرفوا علمائهم بالكذب الصرايح وبأكل الحرام والرشا وبتغيير الأحكام عن واجبها بالشفاعات والعنايات والمصانعات (1) وعرفوهم بالتعصب الشديد الذي يفارقون به أديانهم وأنهم إذا تعصبوا أزالوا حقوق من تعصبوا عليه واعطوا ما لا يستحقه من تعصبوا له من اموال غيرهم وظلموهم من أجلهم وعرفوهم يقارفون المحرمات واضطروا بمعارف قلوبهم إلى أن من فعل ما يفعلونه فهو فاسق لا يجوز ان يصدق على الله ولا على الوسائط بين الخلق وبين الله فلذلك ذمهم لما قلدوا من قد عرفوا ومن قد علموا أنه لا يجوز قبول خبره ولا تصديقه في حكايته ولا العمل بما يؤديه إليهم عمن لم يشاهدوه ووجب عليهم النظر بأنفسهم في أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ كانت دلائله أوضح من أن يخفى وأشهر من أن لا تظهر لهم وكذلك عوام أمتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر والعصبية الشديدة والتكالب (2) على حطام الدنيا وحرامها وإهلاك من يتعصبون عليه وإن كان لإصلاح أمره مستحقا وبالترفق
(1) المصانعة الرشوة والمداهنة والمداراة. منه قدس الله سره. (2) هم يتكالبون على كذا أي يتواثبون. منه قدس الله سره. (*)
[ 148 ]
بالبر والإحسان على من تعصبوا له وإن كان للاذلال والإهانة مستحقا فمن قلد
من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمهم الله بالتقليد لفسقة فقهائهم فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا على هواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه، وذلك لا يكون الا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم فان من يركب من القبائح والفواحش مراكب فسقة فقهاء العامة فلا تقبلوا منهم عنا شيئا ولا كرامة لهم. (79) فويل: شدة من العذاب في أسوء بقاع جهنم للذين يكتبون الكتاب بأيديهم يحرفون من أحكام التوراة ثم يقولون هذا من عند الله وذلك أنهم كتبوا صفة زعموا أنه صفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو خلاف صفته وقالوا للمستضعفين هذه صفة النبي المبعوث في آخر الزمان إنه طويل عظيم البدن والبطن أصهب (1) الشعر ومحمد (صلى الله عليه وآله) بخلافه وأنه يجئ بعد هذا الزمان بخمسماءة سنة ليشتروا به ثمنا قليلا لتبقى لهم على ضعفائهم رئاستهم وتدوم (2) لهم منهم إصاباتهم وبكفوا أنفسهم مؤونة خدمة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فويل لهم مما كتبت أيديهم يعني المحرف وويل لهم شدة من العذاب ثانية مضافة إلى الأولى مما يكسبون من الأموال التي يأخذونها إذا ثبتوا عوامهم على الكفر. (80) وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة لما قال لهم ذووا أرحامهم لم تفعلون هذا النفاق الذي تعلمون أنكم به عند الله مسخوط عليكم معذبون أجابهم هؤلاء اليهود بأن مدة العذاب الذي نعذب به لهذه الذنوب أيام معدودة وهي التي عبدنا فيها العجل وهي تنقضي ثم نصير بعده في النعمة في الجنان ولا نستعمل المكروه في الدنيا للعذاب الذي هو بقدر أيام ذنوبنا فانها تفنى وتنقضي ونكون
(1) الصهبة الشقرة في شعر الرأس. صحاح. الشقرة لون الأشقر وهي في الإنسان حمرة صافية وبشرته مائلة إلى البياض. ص.
(2) أي تدوم للرؤ ساء منهم أي من ناحية الضعفاء إصاباتهم أي مقاصدهم وحوائجهم وأمانيهم والمراد بالضعفاء الضعفاء في الرأي. (*)
[ 149 ]
قد حصلنا لذات الحرية من الخدمة ولذات نعمة الدنيا ثم لا نبالي بما يصيبنا بعد فانه إذا لم يكن دائما فكأنه قد فنى قل يا محمد أتخذتم عند الله عهدا ان عذابكم على كفركم منقطع غير دائم فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون يعني اتخذتم عهدا أم تقولون بل أنتم في أيهما ادعيتم كاذبون بل ما هو الا عذاب دائم لا نفاد له. (81) بلى من كسب سيئة وأحطت به خطيئته وقرئ خطيئاته بالجمع، قيل أي استولت عليه وشملت جملة أحواله حتى صار كالمحاط بها لا يخلرج عنها شئ من جوانبه. وفي تفسير الامام (عليه السلام) السيئة المحيطة به أن تخرجه عن جملة دين الله وتنزعه عن ولاية الله ولا تؤمنه من سخط الله وهي الشرك بالله والكفر به وبنبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وولاية علي (عليه السلام) وخلفائه وكل واحدة من هذه سيئة تحيط به أي تحيط بأعماله فتبطلها وتمحقها، قيل وتحقيق ذلك أن من اذنب ذنبا ولم يقلع عنه استجره إلى معاودة مثله والانهماك فيه وارتكاب ما هو أكبر منه حتى يستولي عليه الذنوب ويأخذ بمجامع قلبه فيصير بطبعه مائلا إلى المعاصي مستحسنا إياها معتقدا أن لا لذة سواها مبغضا لمن يمنعه عنها مكذبا لمن ينصحه فيها كما قال الله تعالى ثم كان عاقبة الذين أساؤ وا السوءى أن كذبوا بآيات الله فاولئك عاملوا هذه السيئة المحيطة أصحاب النار هم فيها خالدون لأن نياتهم في الدنيا ان لو خلدوا فيها أن يعصوا الله أبدا فبالنيات خلدوا كذا في الكافي عن الصادق (عليه السلام).
وفي التوحيد عن الكاظم (عليه السلام) لا يخلد الله في النار إلا أهل الكفر والجحود وأهل الضلال والشرك. وفي الكافي عن أحدهما (عليهما السلام) قال: إذا جحدوا إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.
[ 150 ]
(82) والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خلدون. (83) وإذ أخذنا واذكروا إذ أخذنا ميثاق بنى إسر يل عهدهم المؤكد عليهم. أقول: وهو جار في أخلافهم لما أدى إليهم أسلافهم قرنا بعد قرن وجار في هذه الامة أيضا كما يأتي بيانه في ذي القربى لا تعبدون وقرئ بالياء إلا الله لا تشبهوه بخلقه ولا تجوزوه في حكمه ولا تعملوا ما يراد به وجهه تريدون به وجه غيره، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من شغلته (1) عبادة الله عن مسألته أعطاه أفضل ما يعطي السائلين. وقال الصادق (عليه السلام): ما أنعم الله على عبد أجل من أن لا يكو ن في قلبه مع الله غيره وبالو لدين إحسانا وأن تحسنوا بهما إحسانا مكافأة عن إنعامهما عليهم وإحسانهما إليهم واحتمال المكروه الغليظ فيهم لترفيههم. وفي الكافي سئل الصادق (عليه السلام) ما هذا الإحسان قال: أن تحسن صحبتهما وأن لا تكلفهما أن يسألاك شيئا مما يحتاجان إليه وإن كانا مستغنيين أليس الله (1) يقول: * (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) *. وفي تفسير الامام (عليه السلام) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أفضل والديكم وأحقهما بشكركم محمد (ص) وعلي (عليه السلام)
وقال علي بن أبي طالب (عليه السلام) سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أنا وعلي أبوا هذه الامة ولحقنا عليهم أعظم من حق أبوي ولادتهم فانا ننقذهم ان أطاعونا من النار إلى دار القرار ونلحقهم من العبودية بخيار الاحرار.
(1) هذا الحديث مروي في جملة تفسير الإمام (عليه السلام) ويأتي نظيره مما أرسل في كلامه. منه قدس سره. (2) لعل وجه الا ستشهاد بالآية أن ممايحب الا نسان لنفسه الرفاهية والدعة وفراغ البال ممايهمه ورعاية حال الوالدين بحيث لا يسألا نه شيئا مما يحتاجان إليه وإن كانا مستغنيين لا يقتضي تفقد حالهما في كل حال والإهتمام بشأنهما في جميع الأحوال فهذا إنفاق ممايحب. منه قدس الله سره. (*)
[ 151 ]
قول: ولهذه الأبوة صار المؤ منون أخوة كما قال الله عز وجل إنما المؤ منون اخوة وذي القربى وأن تحسنوا بقراباتهما لكرامتهما وقال أيضا: هم قراباتك من أبيك وأمك قيل لك اعرف حقهم كما أخذ العهد به على بني إسرائيل وأخذ عليكم معاشر امة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بمعرفة حق قرابات محمد الذين هم الأئمة بعده ومن يليهم بعد من خيار أهل دينهم، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من رعى حق قرابات أبويه أعطي في الجنة ألف ألف درجة ثم فسر الدرجات ثم قال ومن رعى حق قربى محمد وعلي أوتي من فضائل الدرجات وزيادة المثوبات على قدر زيادة فضل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي (عليه السلام) على أبوي نسبه واليتامى الذين فقدوا آباءهم الكافين لهم أمورهم السائقين إليهم قوتهم وغذائهم المصلحين لهم معاشهم قال (عليه السلام): وأشد من يتم هذا اليتيم من يتم عن إمامه ولا يقدر على الوصول إليه ولا يدري كيف حكمه فيما يبتلي به من شرائع دينه الا فمن كان من شيعتنا عالما بعلومنا وهذا الجاهل بشريعتنا المنقطع عن مشاهدتنا يتيم في حجره ألا فمن
هداه وارشده وعلمه شريعتنا كان معنا في الرفيق الأعلى حدثني بذلك أبي عن آبائه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمساكين هو سكن من الضر والفقر حركته قال: ألا فمن واساهم بحواشي ماله وسع الله عليه جنانه وأناله غفرانه ورضوانه ثم قال (عليه السلام): إن من محبي محمد مساكين مواساتهم أفضل من مواساة مساكين الفقر وهم الذين سكنت جوارحهم وضعفت قواهم عن مقابلة أعداء الله الذين يعيرونهم بدينهم ويسفهون أحلامهم ألا فمن قواهم بفقهه وعلمه حتى أزال مسكنتهم ثم سلطهم على الأعداء الظاهرين من النواصب وعلى الأعداء الباطنين إبليس ومردته حتى يهزمونهم عن دين الله ويذودوهم عن أولياء رسول الله حول الله تعالى تلك المسكنة إلى شياطينهم وأعجزهم عن إضلالهم قضى الله بذلك قضاء حقا على لسان رسول الله وقولوا للناس الذين لا مؤونة لهم عليكم حسنا وقرئ بفتحتين عاملوهم بخلق جميل، قال: قال الصادق (عليه السلام): قولوا للناس حسنا كلهم مؤمنهم ومخالفهم أما المؤمنون فيبسط
[ 152 ]
لهم وجهه وبشره وأما المخالفون فيكلمهم بالمداراة لا جتذابهم إلى الإيمان فان ييأس من ذلك يكف شرورهم عن نفسه وإخوانه المؤمنين ثم قال (عليه السلام): إن مداراة أعداء الله من أفضل صدقة المرء على نفسه وإخوانه وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في منزله إذ استأذن عليه عبد الله بن ابي بن سلول فقال رسول الله (صلى الله وآله وسلم) بئس أخو العشيرة ائذنوا له فلما دخل أجلسه وبشر في وجهه فلما خرج قالت عائشة: يا رسول الله (ص) قلت فيه ما قلت وفعلت فيه من البشر ما فعلت فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا عويش يا حميراء إن شر الناس عند الله يوم القيامة من يكرم اتقاء شره. وفي الكافي والعياشي عن الباقر (عليه السلام) في هذه الآية قولوا للناس حسنا
أحسن ما تحبون أن يقال لكم فان الله يبغض اللعان السباب الطعان على المؤمنين المتفحش السائل الملحف (1) ويحب الحيي الحليم الضعيف المتعفف. وفي الكافي عن الصادق (عليه السلام) لا تقولوا الا خيرا حتى تعلموا ما هو. وفيه وفي التهذيب والخصال عنه (عليه السلام) والعياشي عن الباقر (عليه السلام) أنها نزلت في أهل الذمة ثم نسخها قوله تعالى: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صغرون. والقمي: نزلت في اليهود ثم نسخت بقوله تعالى: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم. أقول: إن قيل فما وجه التوفيق بين نسخها وبقاء حكمها قلنا إنما نسخت في حق اليهود وأهل الذمة المأمور بقتالهم وبقي حكمها في سائر الناس وأقيموا الصلو ة باتمام ركوعها وسجودها وحفظ مواقيتها وأداء حقوقها التي إذا لم تؤد لم يتقبلها رب الخلائق أتدرون ما تلك الحقوق هو إتباعها بالصلاة على محمد
(1) الحف في المسألة يلحف إلحافا إذا ألح فيها ولزمها. منه قدس الله سره. (*)
[ 153 ]
وعلي وآلهما منطويا على الاعتقاد بأنهم أفضل خيرة الله والقوام بحقوق الله والنصار لدين الله، قال (عليه السلام): وأقيموا الصلاة على محمد وآله عند أحوال غضبكم ورضاكم وشدتكم ورخاكم وهمومكم المعلقة بقلوبكم واتوا الزكو ة من المال والجاه وقوة البدن ثم توليتم أيها اليهود من الوفاء بالعهد الذي أداه إليكم أسلافكم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون عن ذلك العهد تاركين له غافلين عنه.
(84) وإذ أخذنا ميثاقكم واذكروا يا بني إسرائيل حين أخذنا ميثاقكم على أسلافكم وعلى كل من يصل إليه الخبر بذلك من أخلافكم الذين أنتم فيهم لا تسفكون دماءكم ولا يسفك بعضكم دماء بعض ولا تخرجون أنفسكم من دياركم لا يخرج بعضكم بعضا من ديارهم ثم أقررتم بذلك الميثاق كما أقر به أسلافكم والتزمتموه كما التزموه وأنتم تشهدون بذلك على أسلافكم وأنفسكم. (85) ثم أنتم معاشر اليهود هؤلاء قيل هو خبر أنتم على معنى أنتم بعد ذلك هؤلاء الناقضون كقولك انت ذلك الرجل الذي فعل كذا استبعادا لما ارتكبوه بعد الميثاق والاقرار به والشهادة عليه تقتلون أنفسكم يقتل بعضكم بعضا وتخرجون فريقا منكم من ديارهم غضبا وقهرا عليهم تظاهارون عليهم تظاهر بعضكم بعضا على إخراج من تخرجونه من ديارهم وقتل من تقتلونه منهم بغير حق وقرى بتشديد الظاء والتظاهر التعاون بالإثم والعدو ن بالتعدي تتعاونون وتتظاهرون وإن يأتوكم يعني هؤلاء الذين تخرجونهم أي ترومون إخراجهم وقتلهم ظلما أن يأتوكم أسارى قد أسرهم أعداؤكم وأعداؤهم وقرئ أسرى تفدوهم من الأعداء بأموالكم وقرئ تفدوهم بفتح التاء بغير الف وهو محرم عليكم إخراجهم اعاد قوله إخراجهم لئلا يتوهم ان المحرم إنما هو مفاداتهم أفتؤمنون ببعض الكتب وهو الذي أوجب عليكم المفاداة وتكفرون ببعض وهو الذي حرم عليكم قتلهم وإخراجهم فإذا كان قد حرم الكتاب قتل النفوس والاخراج من الديار كما فرض فداء الأسرى فما بالكم تطيعون في بعض وتعصون في بعض كأنكم ببعض مؤمنون فما جزاء من يفعل ذلك منكم معاشر
[ 154 ]
اليهود إلا خزي ذل في الحياة الدنيا جزية تضرب عليه ويذل بها ويوم القيمة يردون إلى أشد العذاب إلى جنس أشد العذاب يتفاوت ذلك على قدر تفاوت
معاصيهم وما الله بغافل عما تعملون يعمل هؤلاء اليهود وقرئ بالياء. (86) أولئك الذين اشتروا الحيوة الدنيا بالآخرة ورضو بالدنيا وحطامها بدلا من نعيم الجنان المستحق بطاعات الله فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون ولا ينصرهم أحد يدفع عنهم العذاب قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لما نزلت الآية في اليهود أي الذين نقضوا عهد الله وكذبوا رسل الله وقتلوا اوليا الله أفلا انبئكم بمن يضاهيهم من يهود هذه الامة قالوابلى يا رسول الله قال قوم من أمتي ينتحلون بأنهم من أهل ملتي يقتلون أفاضل ذريتي وأطايب أرومتي (1) ويبدلون شريعتي وسنتي ويقتلون ولدي الحسن والحسين كما قتل أسلاف اليهود زكريا ويحيى ألا وان الله يلعنهم كما لعنهم ويبعث على بقايا ذراريهم قبل يوم القيامة هاديا مهديا من ولد الحسين المظلوم يحرفهم بسيوف اوليائه إلى نار جهنم. والقمي أنها نزلت في أبي ذر (ره) وفيما فعل به عثمان بن عفان وكان سبب ذلك أنه لما امر عثمان بنفي ابي ذر (ره) إلى الربذة دخل عليه أبو ذر وكان عليلا وهو متكى ء على عصاه وبين يدي عثمان ماءة الف درهم اتته من بعض النواحي وأصحابه حوله ينظرون إليه ويطمعون أن يقسمها فيهم فقال أبو ذر لعثمان: ما هذا المال ؟ فقال: حمل إلينا من بعض الأعمال ماءة الف درهم أريد أن اضم إليها مثلها ثم أرى فيها رأيي. قال أبو ذر: يا عثمان أيما اكثر ماءة الف درهم ام اربعة دنانير ؟ قال عثمان: بل ماءة الف درهم فقال: اما تذكر إذ أنا وانت دخلنا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عشاء فوجدناه كئيبا حزينا فسلمنا عليه ولم يرد (علينا السلام) فلما اصبحنا اتيناه فرأيناه ضاحكا مستبشرا فقلت له بأبي أنت وامي دخلنا عليك البارحة فرأيناك كئيبا حزينا وعدنا
إليك اليوم فرأيناك ضاحكا مستبشرا فقال: نعم كان قد بقي عندي من في ء المسلمين اربعة دنانير لم اكن قسمتها وخفت ان يدركني الموت وهي عندي وقد قسمتها اليوم فاسترحت. ونظر عثمان إلى كعب الأحبار فقال له: يا ابا اسحق ما تقول في رجل أدى زكاة ماله المفروضة هل يجب عليه فيما بعد ذلك فقال: لا ولو اتخذ لبنة من ذهب ولبنة من فضة ما وجب عشئ فرفع أبو ذر عصاه فضرب بها رأس كعب وقال: يابن اليهودية المشركة ما انت والنظر في احكام المسلمين قول الله عز وجل اصدق من قولك حيث قال: الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم إلى قوله فذوقوا ما كنتم تكنزون قال عثمان: يا ابا ذر إنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك ولولا صحبتك لرسول الله لقتلتك. فقال: كذبت يا عثمان ويلك اخبرني حبيبي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: لا يفتنونك يا ابا ذر ولا يقتلونك اما عقلي فقد بقى منه ما اذكرني حديثا سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قاله فيك وفي قومك قال: وما سمعت من رسول الله في وفي قومي قال سمعته يقول: وهو قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا بلغ آل ابي العاص ثلاثين رجلا صيروا مال الله دولا (1) وكتاب الله دغلا (2) وعباد الله خولا (3) والصالحين حربا والفاسقين حزبا. قال عثمان: يا معشر اصحاب محمد هل سمع احد منكم هذا الحديث من رسول الله ؟ قالوا: لا ما سمعنا هذا من رسول الله فقال عثمان ادعوا عليا (عليه السلام) فجاءه امير المؤمنين فقال له عثمان: يا أبا الحسن اسمع ما يقول هذا الشيخ الكذاب فقال أمير المؤمنين: مه يا عثمان لا تقل كذاب فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر قال أصحاب رسول الله: صدق علي سمعنا هذا القول من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فعند ذلك بكى أبو ذر وقال ويلكم كلكم
(1) الدولة بالضم في المال يقال صار القئ دولة بينهم يتداولونه يكون مرة لهذا ومرة لهذا والجمع دولات ودول صحاح. (2) الدغل بالتحريك الفساد مثل الدخل يقال قد ادغل في الأمر إذا أدخل فيه ما يخالفه ويفسده. ص. (3) الخول بالتحريك ما اعطاك الله من النعم والعبيد والإماء وغيرهم. وخول الرجل: حشمه. ص. (*)
[ 156 ]
قد مد عنقه إلى هذا المال ظننتم إني أكذب على رسول الله. ثم نظر إليهم فقال من خيركم فقالوا: انت تقول إنك خيرنا قال: نعم خلفت حبيبي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الجبة وهي علي بعد وأنتم قد أحدثتم احداثا كثيرة والله سائلكم عن ذلك ولا يسألني فقال عثمان: يا أبا ذر أسألك بحق رسول الله إلا ما أخبرتني عما أنا سائلك عنه فقال أبو ذر: والله لو لم تسألني بحق رسول الله أيضا لأخبرتك فقال: أي البلاد أحب إليك أن تكون فيها ؟ فقال مكة حرم الله وحرم رسوله أعبد الله فيها حتى يأتيني الموت فقال لا ولا كرامة لك قال المدينة حرم رسول الله فقال لا ولا كرامة لك قال: فسكت أبو ذر. فقال أي البلاد أبغض إليك أن تكون بها قال الربذة التي كنت بها على غير دين الإسلام. فقال عثمان سر إليها فقال أبو ذر: قد سألتني فصدقتك وأنا أسألك فأصدقني قال نعم قال أخبرني لو أنك بعثتني فيمن بعثت من أصحابك إلى المشركين فأسروني وقالوا لا نفديه إلا بثلث ما تملك قال: كنت أفديك قال فان قالوا لا نفديه إلا بنصف ما تملك قال: كنت أفديك قال: فان قالوا لا نفديه إلا بكل ما تملك قال: كنت أفديك فقال أبو ذر: الله أكبر قال لي حبيبي رسول الله يوما: يا أبا ذر كيف انت إذا قيل لك أي البلاد أحب إليك أن تكون فيها فتقول مكة حرم الله وحرم رسوله أعبد الله فيها حتى يأتيني الموت فيقال لا ولا كرامة لك فتقول فالمدينة حرم رسول الله فيقال: لا
ولا كرامة لك ثم يقال لك فأي البلاد أبغض إليك أن تكون فيها فتقول الربذة التي كنت فيها على غير دين الإسلام فيقال لك سر إليها فقلت: وإن هذا لكائن يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: إي والذي نفسي بيده انه لكائن فقلت يا رسول الله أفلا أضع سيفي على عاتقي فأضرب به قدما قدما، قال: لا اسمع واسكت ولو لعبد حبشي وقد أنزل الله تعالى فيك وفي عثمان خصمك آية فقلت: وما هي يا رسول الله فقال قول الله تعالى: وتلا هذه الآية. وفي الكافي عن الصادق (عليه السلام) في حديث وجوه الكفر في القرآن قال: الرابع من الكفر ترك ما أمر الله وهو قول الله عز وجل وتلا هذه الآية فقال
[ 157 ]
فكفرهم بترك ما أمر الله ونسبهم إلى الإيمان ولم يقبله منهم ولم ينفعهم عنده. (87) ولقد آتينا موسى الكتب: التوراة المشتملة على أحكامنا وعلى ذكر فضل محمد (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته وإمامة علي (عليه السلام) وخلفائه بعده وشرف أحوال المسلمين له وسوء أحوال المنافقين عليه وقفينا من بعده بالرسل جعلنا رسولا في إثر رسول وآتينا عيسى ابن مريم البينات أعطيناه الآيات الواضحات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرض والانباء بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم وأيدناه بروح القدس وقرئ مخففا وهو جبرائيل وذلك حين رفعه من روزنة بيته إلى السماء والقى شبهه على من رام قتله فقتل بدلا منه وقيل هو المسيح. أقول: وفي رواية أخرى أنه القي شبهه على رجل من خواصه إثر حياته على حياة نفسه كما يأتي. والقمي عن الباقر (عليه السلام) القى شبهه على رجل من خواصه ليقتل فيكون معه في درجته كما يأتي في سورة آل عمران ان شاء الله.
أفكلما جاءكم أيها اليهود رسول بما لا تهوى أنفسكم أخذ عهودكم ومواثيقكم بما لا تحبون من اتباع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبذل الطاعة لأولياء الله استكبرتم على الإيمان والاتباع ففريقا كذبتم كموسى وعيسى وفريقا تقتلون قتل أسلافكم زكريا ويحيى وأنتم رمتم قتل محمد وعلي (عليهما السلام) فخيب الله سعيكم ورد كيدكم في نحوركم فمعنى تقتلون قتلتم كما تقول لمن توبخه ويلك لم تكذب ولا تريد ما يفعله بعد وإنما تريد لم فعلت وانت عليه موطن ثم قال (عليه السلام): ولقد رامت الفجرة الكفرة ليلة العقبة قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على العقبة ورام من بقي من مردة المنافقين بالمدينة قتل علي بن ابي طالب صلوات الله عليه فما قدروا على مغالبة ربهم حملهم على ذلك حسدهم لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في علي لما فخم أمره وعظم شأنه ثم ذكر القصة بطولها وسيأتي ذكر ملخصها من طريق آخر من
[ 158 ]
المجمع في سورة التوبة ان شاء الله. والعياشي عن الباقر (عليه السلام) قال: ضرب الله مثلا لأمة محمد (صلى الله وآله وسلم) فقال لهم: فان جاءكم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بما لا تهوي أنفسكم بموالاة علي استكبرتم ففريقا من آل محمد (صلى الله عليه وآله) كذبتم وفريقا تقتلون، قال: فذلك تفسيرها في الباطن. (88) وقالوا قلوبنا غلف أي أوعية للخير والعلوم قد أحاطت بها واشتملت عليها ثم هي مع ذلك لا نعرف لك يا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فضلا مذكورا في شئ من كتب الله ولا على لسان احد من أنبيا الله فرد الله عليهم بقوله: بل لعنهم الله بكفرهم أبعدهم من الخير فقليلا ما يؤمنون يعني فإيمانا قليلا يؤمنون ببعض ما أنزل الله ويكفرون ببعض قال (عليه السلام): وإذا
قرئ غلف (1) فانهم قالوا قلوبنا في غطاء فلا نفهم كلامك وحديثك كما قال الله تعالى وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفى آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب، قال: وكلتا القراءتين حق وقد قالوا بهذا وهذا جميعا. (89) ولما جاءهم يعني اليهود كتب من عند الله القرآن مصدق لما معهم من التوراة التي بين فيها أن محمدا الأمي من ولد اسماعيل المؤيد بخير خلق الله بعده علي ولي الله وكانوا من قبل أن ظهر محمد بالرسالة يستفتحون يسألون الله الفتح والظفر على الذين كفروا من أعدائهم وكان الله يفتح لهم وينصرهم فلما جاءهم ما عرفوا من نعت محمد وصفته كفروا به جحدوا نبوته حسدا له وبغيا عليه فلعنة الله على الكفرين. في الكافي والعياشي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: في هذه الآية كانت اليهود تجد في كتبها أن مهاجر محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ما بين عير وأحد فخرجوا يطلبون الموضع فمروا بجبل يسمى جبيل وبجبل يسمى
(1) كان القراءة الأولى بضم اللام جمع غلاف والثانية بسكون اللام جمع أغلف مستعار من الأغلف الذي لم يختن. منه قدس الله سره. (*)
[ 159 ]
حداد فقالوا حداد واحد سواء فتفرقوا عنده فنزل بعضهم بتيماء وبعضهم بفدك وبعضهم بخيبر فاشتاق الذين بتيماء (1) إلى بعض إخوانهم فمر بهم أعرابي من قيس فتكاروا منه، وقال: أمر بكم ما بين عير (2) وأحد فقالوا له إذا مررت بهما فأذنا بهما فلما توسط بهم ارض المدينة قال لهم ذلك عير وهذا أحد فنزلوا عن ظهر إبله وقالوا قد أصبنا بغيتنا فلا حاجة لنا في إبلك فاذهب حيث شئت وكتبوا إلى إخوانهم الذين بفدك وخيبر أنا قد أصبنا الموضع فهلموا إلينا فكتبوا إليهم أنا قد استقرت بنا الدار واتخذنا الاموال وما أقربنا منكم فلما كان ذلك فما اسرعنا
إليكم فاتخذوا بأرض المدينة الأموال فلما كثرت أموالهم بلغ تبع (3) فغزاهم فتحصنوا منه فحاصرهم وكانوا يرقون لضعفاء أصحاب تبع فيلقون إليهم بالليل التمر والشعير فبلغ ذلك تبع فرق لهم وأمنهم فنزلوا إليه فقال لهم: إني قد استطبت بلادكم ولا أراني إلا مقيما فيكم فقالوا له إن ذاك ليس لك إنها مهاجر نبي وليس ذلك لأحد حتى يكون ذلك فقال لهم إني مخلف فيكم من أسرتي من إذا كان ذلك ساعده ونصره فخلف حيين الأوس (4) والخزرج (5) فلما كثروا بها كانوا يتناولون أموال اليهود وكانت اليهود تقول لهم: أما لو قد بعث الله فيكم محمدا لنخرجنكم من ديارنا وأموالنا فلما بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) آمنت به الأنصار وكفرت به اليهود وهو قول الله عز وجل وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جأهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين. وفي الكافي عن الصادق (عليه السلام) أنه سئل عن هذه الآية فقال كان قوم فيما بين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعيسى وكانوا يتوعدون أهل الأصنام
(1) تيما اسم موضع. ص. (2) عير جبل بالمدينة. ص. (3) تبع كسكر واحد التبايعة من ملوك خمير سمي تبعا لكثرة أتباعه، وقيل سموا تبابعة لأن الأخير يتبع الأول في الملك وهم سبعون تبعا ملكوا جميع الأرض ومن فيها من العرب والعجم وكان تبع الأوسط مؤمنا الخ. مجمع. (4) الأوس أبو قبيلة من اليمن وهو اوس بن قيلة أخو الخزرج منهم الأنصار وقيلة امهما. (5) الخزرج قبيلة من الأنصار. (*)
[ 160 ]
بالنبي ويقولون ليخرجن النبي فليكسرن أصنامكم وليفعلن بكم كذا فلما خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كفروا به.
والقمي كانت اليهود يقولون للعرب قبل مجئ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أيها العرب هذا أوان نبي يخرج من مكة وكانت مهاجرته بالمدينة وهو آخر الأنبياء وأفضلهم في عينيه حمرة وبين كتفيه خاتم النبوة يلبس الشملة (1) ويجتزئ بالكسرة (2) والتميرات ويركب الحمار العري وهو الضحوك القتال يضع سيفه على عاتقه لا يبالي من لا قى يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر لنقتلنكم به يا معشر العرب قتل عاد فلما بعث الله نبيه بهذه الصفة حسدوه وكفروا به كما قال الله وكانوا من قبل، الآية. وفي تفسير الامام (عليه السلام) قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ان الله تعالى أخبر رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بما كان من إيمان اليهود بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل ظهوره ومن استفتاحهم على أعدائهم بذكره (والصلاة عليه وآله)، قال وكان الله عز وجل أمر اليهود في ايام موسى وبعده إذا دهمهم أمر أو دهمتهم داهية أن يدعوا الله عز وجل بمحمد وآله الطيبين وأن يستنصروا بهم، وكانوا يفعلون ذلك حتى كانت اليهود من أهل المدينة قبل ظهور محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بسنين كثيرة يفعلون ذلك فيكفون البلاء والدهماء والداهية وكانت اليهود قبل ظهور محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بعشر سنين يعاديهم اسد وغطفان وقوم من المشركين ويقصدون أذاهم فكانوا يستدفعون شرورهم وبلاهم بسؤالهم ربهم بمحمد وآله الطيبين حتى قصدهم في بعض الأوقات اسد وغطفان في ثلاثة آلاف فارس إلى بعض قرى اليهود حوالي المدينة فتلقاهم اليهود وهم ثلاثمائة فارس ودعوا الله بمحمد وآله فهزموهم وقطعوهم وقال اسد وغطفان بعضهم لبعض تعالوا نستعين عليهم بسائر
(1) الشملة بالفتح كساء دون القطيفة يشتمل به. ق. (2) الكسرة بالكسر القطعة من الشئ المكسور، والجمع كسر كقطعة وقطع، ومنه الحديث معه كسرة قد غمسها في اللبن. ص. (*)
[ 161 ]
القبائل فاستعانوا عليهم بالقبائل فأكثروا حتى اجتمعوا على قدر ثلاثين ألفا وقصدوا هؤلاء الثلثمائة في قريتهم فألجؤوهم إلى بيوتها وقطعوا عنها المياه الجارية التي كانت تدخل إلى قراهم فلم يأمنوهم وقالوا لا إلا أن نقتلكم ونسبيكم وننهبكم فقالت اليهود بعضها لبعض كيف نصنع فقال لهم أماثلهم وذوو الرأي منهم أما أمر موسى اسلافكم فمن بعدهم بالاستنصار بمحمد وآله الطيبين أما امركم بالابتهال إلى الله عز وجل عند الشدائد بهم قالوا بلى قالوا فافعلوا فقالوا اللهم بجاه محمد وآله الطيبين لما سقيتنا فقد قطعت الظلمة عنا المياه حتى ضعف شباننا وتماوت (1) ولداننا واشرفنا على الهلكة فبعث الله لهم وابلا هطلا صبا متتابعا ملا حياضهم وآبارهم وأنهارهم وأوعيتهم وظروفهم فقالوا هذه إحدى الحسنيين ثم اشرفوا من سطوحهم على العساكر المحيطة بهم فإذا المطر قد أذاهم غاية الأذى وافسد أمتعتهم واسلحتهم واموالهم فانصرف عنهم لذلك بعضهم وذلك أن المطر اتاهم في غير اوانه في حمازة (2) القيظ حين لا يكون مطر فقال الباقون من العساكر هبكم سقيتم فمن اين تأكلون ولئن انصرف عنكم هؤلاء فلسنا ننصرف حتى نقهركم على أنفسكم وعيالاتكم واهاليكم وأموالكم ونشفي غيظا منكم فقالت اليهود ان الذي سقانا بدعائنا بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) قادر على ان يطعمنا وان الذي صرف عنا من صرفه قادر ان يصرف الباقين ثم دعوا الله بمحمد وآله ان يطعمهم فجاءت قافلة عظيمة من قوافل الطعام قدر الفي جمل وبغل وحمار موقرة حنطة ودقيقا وهم لا يشعرون بالعساكر فانتهوا إليهم وهم نيام ولم يشعروا بهم لأن الله تعالى ثقل نومهم حتى دخلوا القرية ولم يمنعوهم وطرحوا فيها أمتعتهم وباعوها منهم فانصرفوا وابعدوا وتركوا العساكر نائمة وليس في أهلها عين تطرف فلما ابعدوا انتبهوا ونابذوا اليهود الحرب وجعل يقول
بعضهم لبعض: الوحا (3) الوحا فان هؤلاء اشتد بهم الجوع وسيذلون لنا قال لهم
(1) تماوت ولداننا ماتوا أو أشرفوا عليه. (2) حمازة القيظ بالحاء المهملة والزاي شدته. منه قدس الله سره. (3) الوحا الوحا بالمد والقصر السرعة المسرعة وهو منصوب بفعل مضمر واستوحيته استصرخته. (*)
[ 162 ]
اليهود: هيهات بل قد اطعمنا ربنا وكنتم نياما جاءنا من الطعام كذا وكذا ولو اردنا قتلكم في حال نومكم ليهئ لنا ولكنا كرهنا البغي عليكم فانصرفوا عنا وإلا دعونا عليكم بمحمد وآله واستنصرنا بهم ان يخزيكم كما قد اطعمنا وسقانا فأبوا إلا طغيانا فدعوا الله بمحمد وآله واستنصروا بهم. ثم برز الثلاثمائة إلى الثلاثين ألفا فقتلوا منهم واسروا وطحطحوهم (1) واستوثقوا منهم بأسرائهم فكان لا يبدأهم مكروه من جهتهم لخوفهم على من لهم في ايدي اليهود فلما ظهر محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) حسدوه إذ كان من العرب وكذبوه ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه نصرة الله تعالى لليهود على المشركين بذكرهم لمحمد وآله ألا فاذكروا يا أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) محمدا وآله عند نوائبكم وشدائدكم لينصرن الله به ملائكتكم على الشياطين الذين يقصدونكم فان كل واحد منكم معه ملك عن يمينه يكتب حسناته وملك عن يساره يكتب سيئاته ومعه شيطانان من عند إبليس يغويانه فإذا وسوسا في قلبه ذكر الله تعالى وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على محمد وآله خنس (1) الشيطانان واختفيا. الحديث. (90) بئس ما اشتروا به أنفسهم: ذم الله اليهود وعاب فعلهم في كفرهم بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يعني اشتروا انفسهم بالهدايا والفضول التي كانت تصل إليهم وكان الله امرهم بشرائها من الله بطاعتهم له ليجعل لهم انفسهم
والانتفاع بها دائما في نعيم الآخرة فلم يشتروها بل اشتروها بما انفقوه في عداوة رسول الله ليبقى لهم عزهم في الدنيا ورئاستهم على الجهال وينالوا المحرمات واصابوا الفضولات من السفلة وصرفوهم عن سبيل الرشاد ووقفوهم على طريق الضلالات أن يكفروا بما أنزل الله على موسى من تصديق محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بغيا لبغيهم وحسدهم أن ينزل الله وقرى ء مخففا من فضله على من يشا من عباده يعني تنزيل القرآن على محمد الذي ابان فيه نبوته واظهر به آيته
(1) يقال طحطحت الشئ إذا كسرته وفرقته. ص. (1) خنس عنه يخنس بالضم أي تأخر وأخنسه غيره إذا خلفه ومضى عنه. ص. (*)
[ 163 ]
ومعجزاته وفضائل أهل بيته. وفي الكافي والعياشي عن الباقر (عليه السلام): قال: بما انزل الله في علي بغيا. فباءوا وبغضب على غضب يعني رجعوا وعليهم الغضب من الله في اثر غضب فالغضب الأول حين كذبوا بعيسى بن مريم فجعلهم قردة خاسئين ولعنهم على لسان عيسى والغضب الثاني حين كذبوا بمحمد (صلى الله عليه وآله) فسلط عليهم سيوف أصحابه حتى ذللهم بها فاما دخلوا في الإسلام طائعين وإما اعطوا الجزية صاغرين. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول من سئل عن علم فكتمه حيث يجب اظهاره ويزول عنه التقية جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار وللكافرين عذاب مهين يعني لهم أظهر لينبئ عن السبب كذا قيل وله نظائر كثيرة في القرآن. (91) وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله: على محمد (صلى الله على محمد وآله وسلم) من القرآن قالوا نؤمن بما أنزل علينا وهو التوراة ويكفرون بما
وراءه ما سواه لا يؤمنون به وهو الحق لأنه هو الناسخ للمنسوخ الذي تقدمه مصدقا لما معهم وهو التوراة قل فلم تقتلون فلم كنتم تقتلون لم كان يقتل أسلافكم أنبياء الله من قبل ان كنتم مؤمنين بالتوراة فان فيها تحريم قتل الأنبياء وفيها الأمر بالإيمان بمحمد والقرآن فما آمنتم بعد بالتوراة. والعياشي عن الصادق (عليه السلام) إنما نزل هذا في قوم من اليهود كانوا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يقتلوا الأنبياء بأيديهم ولا كانوا في زمانهم فانما قتل اوائلهم الذين كانوا من قبلهم فجعلهم الله منهم واضاف إليهم فعل اوائلهم بما تبعوهم وتولوهم. أقول: قد مضى تحقيق ذلك في المقدمة الثالثة. (92) ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل إلها من بعده بعد انطلاقه إلى الجبل وخالفتم خليفته الذي نص عليه وتركه عليكم وهو هارون
[ 164 ]
وأنتم ظلمون بما فعلتم. (93) وإذ أخذنا ميثاقكم: واذكروا إذ أخذنا ميثاق اسلافكم ورفعنا فوقكم الطور: فعلنا بهم ذلك لما أبوا من قبول ما جاءهم به موسى من دين الله واحكامه وفرض تعظيم محمد وآله خذوا قلنا لهم خذوا ما آتيناكم ما أعطيناكم من الفرائض بقوة قد أعطينا كموها ومكناكم بها وازحنا عللكم في تركيبها فيكم واسمعوا ما يقال لكم وتؤمرون به قالوا سمعنا قولك وعصينا أمرك اي انهم عصوا بعد واضمروا في الحال ايضا العصيان قالوا سمعنا باذاننا وعصينا بقلوبنا فاما في الظاهر فاعطوا كلهم الطاعة داخرين صاغرين. وأشربوا في قلوبهم العجل امروا بشرب العجل الذي كان قد ذريت سحالته (1) في الماء الذي امروا بشربه
ليتبين من عبده ممن لم يعبده كما مر في تفسير قوله تعالى: فاقتلوا انفسكم قال (عليه السلام): عرضوا لشرب العجل الذي عبدوه حتى وصل ما شربوه من ذلك إلى قلوبهم بكفرهم لأجل كفرهم امروا بذلك. أقول: لا تنافي بين هذا التفسير وما هو المشهور في تفسير الأية وهو ان معناه تداخلهم حبه ورسخ في قلوبهم صورته لفرط شغفهم به كما يتداخل الصبع الثوب والشراب اعماق البدن لجواز الجمع بين الأمرين وان يكون الشرب ظاهرا سببا للحب باطنا وفي قلوبهم بيان لمكان الأشراب كقوله: إنما يأكلون في بطونهم نارا. والعياشي عن الباقر (عليه السلام) قال: لما ناجى موسى ربه أوحى الله تعالى إليه أن يا موسى قد فتنت قومك قال بماذا يا رب ؟ قال بالسامري قال وما السامري قال قد صاغ لهم من حليهم عجلا قال: يا رب ان حليهم لا يحتمل أن يصاغ منه غزال أو تمثال أو عجل فكيف فتنتهم ؟ قال: انه صاغ لهم عجلا فخار قال: يا رب ومن اخاره قال: انا فقال: عندها موسى إن هي الا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء قال: فلما انتهى موسى إلى قومه ورآهم
(1) بالمهمتين الفتات ذريت أي فرقت. منه قدس الله سره. (*)
[ 165 ]
يعبدون العجل القى الألواح من يده فكسرت. قال أبو جعفر (عليه السلام): كان ينبغي أن يكون ذلك عند اخبار الله تعالى إياه قال: فعمد موسى فبرد العجل من انفه إلى طرف ذنبه ثم أحرقه بالنار فذره في اليم قال: فكان أحدهم ليقع في الماء وما به إليه من حاجة فيتعرض بذلك الرماد فيشربه وهو قول الله: * (واشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم) *. أقول: وعلى هذه الرواية يشبه أن يكون حبهم للعجل صار سببا لشربهم
اياه بالعكس مما مر. قل بئس ما يأمركم به إيمانكم بموسى والتوراة ان تكفروا بي إن كنتم مؤمنين كما تزعمون بموسى والتوراة ولكن معاذ الله لا يأمركم إيمانكم بموسى والتوراة الكفر بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم). (94) قل: يا محمد لهؤلاء اليهود القائلين بأن الجنة خالصة لنا من دونك ودون أهل بيتك وانا مبتلون بكم وممتحنون ونحن اولياء الله المخلصون وعباد الله الخيرون ومستجاب دعاؤ نا غير مردود علينا شي ء من سؤ النا إن كانت لكم الدار الآخرة الجنة ونعيمها عند الله خالصة من دون الناس محمد وأهل بيته ومؤمني امته فتمنوا الموت للكاذب منكم ومن مخالفيكم فان محمدا وعليا وذريهما يقولون انهم اولياء الله من دون الناس الذين هم يخالفونهم في دينهم وهم المجاب دعاؤ هم فان كنتم معاشر اليهود تدعون ذلك فقولوا اللهم امت الكاذب منا ومن مخالفينا ليستريح منا الصادقون ولتزداد حجتك وضوحا بعد أن وضحت إن كنتم صادقين إنكم انتم المحقون المجاب دعاؤ كم على مخالفيكم ثم قال رسول الله بعدما عرض هذا عليهم: لا يقولها احد منكم الا غص بريقه فمات مكانه وكانت اليهود علماء بأنهم الكاذبون وان محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه هم الصادقون فلم يجسروا ان يدعوا به. أقول: المشهور أن المراد بتمنيهم الموت تمنيه لأنفسهم لدعواهم انهم أولياء الله واحباؤه وقولهم لن يدخل الجنة الا من كان هودا فان في التوراة مكتوبا
[ 166 ]
ان اولياء الله يتمنون الموت ولا يرهبونه والوجه في ذلك ان من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاقها واحب التخلص إليها من الدار ذات الشوائب كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) بماذا احببت لقاء ربك قال لما رأيته قد اختار لي دين
ملائكته ورسله وأنبيائه علمت بأن الذي أكرمني بهذا ليس ينساني فأحببت لقائه. (95) ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم من موجبات النار كالكفر بمحمد وآله والقرآن وتحريف التوراة والله عليم بالظلمين تهديد لهم وتنبيه على أنهم ظالمون في دعوى ما ليس لهم ونفيه عمن هو لهم كذا قيل. (96) ولتجدنهم أحرص الناس على حيوة: ليأسهم عن نعيم الآخرة لانهماكهم في كفرهم الذي يعلمون انه لا حظ لهم معه في شئ من خيرات الجنة ومن الذين أشركوا واحرص من الذين اشركوا يعني المجوس الذين لا يرون النعيم الا في الدنيا ولا يأملون خيرا في الآخرة قيل افرادهم بالذكر للمبالغة فان حرصهم شديد إذ لم يعرفوا الا الحياة العاجلة أو للزيادة في التوبيخ والتقريع فانهم لما زاد حرصهم وهم مقرون بالجزاء على حرص المنكرين دل ذلك على علمهم بأنهم سائرون إلى النار يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو أي التعمير ألف سنة بمزحزحه مباعده من العذاب أن يعمر إنما ابدل من الضمير وكرر التعمير لئلا يتوهم عوده إلى التمني والله بصير بما يعملون فعلى حسبه يجازيهم ويعدل عليهم ولا يظلمهم. (97) قل من كان عدوا لجبريل: وقرى ء بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز وبفتحهما مهموزا بياء بعد الهمزة وبغير ياء فإنه فان جبرائيل نزله نزل القرآن على قلبك يا محمد وهذا كقوله سبحانه نزل به الروح الأ مين على قلبك بإذن الله بأمره مصدقا لما بين يديه من كتب الله وهدى من الضلالة وبشرى للمؤمنين بنبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وولاية علي (صلوات الله عليه) ومن بعده من الأئمة (عليهم السلام) بأنهم أولياء الله حقا قال شيعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي (عليه السلام) ومن تبعهم من أخلافهم وذراريهم. (97) قل من كان عدوا لجبريل: وقرئ بفتح الجيم وكسر الراء من غير
همز وبفتحهما مهموزا بياء بعد الهمزة وبغير ياء فإنه فان جبرائيل نزله نزل القرآن على قلبك يا محمد وهذا كقوله سبحانه نزل به المروح الأمين على قلبك بإذن الله بأمره مصدقا لما بين يديه من كتب الله وهدى من الضلالة وبشرى للمؤمنين بنبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وولاية علي (صلوات الله عليه) ومن بعده من الأئمة (عليهم السلام) بأنهم أولياء الله حقا قال شيعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي (عليه السلام) ومن تبعهم من أخلافهم وذراريهم.
[ 167 ]
(98) من كان عدوا لله: بأن يخالفه عنادا لإنعامه على المقربين من عباده وملائكته المبعوثين لنصرتهم ورسله المخبرين عن فضلهم الداعين إلى متابعتهم وجبريل وميكال خصوصا وقرئ بغير همزة ولا ياء وبهمزة من غير ياء فإن الله عدو للكافرين بهم وذلك قول من قال من النصاب لما قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في علي (عليه السلام): جبرائل عن يمينه وميكائيل عن يساره وإسرافيل من خلفه وملك الموت امامه والله تعالى من فوق عرشه ناظر باظرضوان إليه ناصره قال بعض النصاب انا أبرأ من الله وجبرائيل وميكائيل والملا ئكة الذين حالهم مع علي ما قال محمد (صلى عليه وآله وسلم) فقال الله من كان عدوا لهؤ لاء تعصبا على علي فان الله يفعل بهم ما يفعل العدو بالعدو. والقمي انها نزلت في اليهود الذين قالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله لو كان الملك الذي يأتيك ميكائيل لآمنا بك فانه ملك الرحمة وهو صديقنا وجبرئيل ملك العذاب وهو عدونا. وفي تفسير الامام (عليه السلام) ان الله ذم اليهود في بغضهم لجبرئيل الذي كان ينفذ قضاء الله فيهم فيما يكرهون كدفعه عن بخت نصر ان يقتله دانيال (عليه السلام من غير ذنب جنى بخت نصر حتى بلغ كتاب الله في اليهود أجله وحل
بهم ما جرى في سابق علمه وذمهم ايضا وذم النواصب في بغضهم لجبرائيل وميكائيل وملائكة الله النازلين لتأييد علي بن أبي طالب (عليه السلام) على الكافرين حتى أذلهم بسيفه الصارم. وفيه وفي الا حتجاج قال أبو محمد قال جابر بن عبد الله لما قدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة اتوه بعبد الله بن صوريا غلام اعور يهودي تزعم اليهود انه اعلم يهودي بكتاب الله وعلوم انبيائه فسأله عن اشياء فأجابه عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بما لم يجد إلى إنكار شئ منه سبيلا إلى أن قال بقيت خصلة ان قلتها آمنت بك واتبعتك أي ملك يأتيك بما تقوله عن الله قال جبرئيل: قال ابن صوريا ذاك عدونا من بين الملائكة ينزل بالقتل والشدة والحرب ورسولنا ميكائيل يأتي بالسرور والرخاء فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك
[ 168 ]
آمنا بك وميكائيل كان يشد ملكنا وجبرئيل كان يهلك ملكنا فهو عدونا قال فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ويحك أجهلت أمر الله وما ذنب جبرئيل إن أطاع الله فيما يريده بكم أرأيتم الآباء والأمهات إذا أوجروا الأولاد الدوأ الكريهه لمصالحهم يجب أن يتخذهم أولادهم اعداء من أجل ذلك لا ولكنكم بالله جاهلون وعن حكمه غافلون أشهد ان جبرئيل وميكائيل بأمر الله عاملان وله مطيعان وانه لا يعادي أحدهما الا من عادى الآخر وانه من زعم انه يحب أحدهما ويبغض الآخر فقد كذب وكذلك محمد رسول الله (ص) وعلي اخوان فمن أحبهما فهو من أولياء الله ومن أبغضهما فهو من أعداء الله ومن ابغض احدهما وزعم أنه يحب الآخر فقد كذب وهما منه بريئان والله تعالى وملائكته وخيار خلقه منه براء. قال الامام (عليه السلام): فقال له سلمان الفارسي (ص) فما بدو
عداوته لكم قال نعم يا سلمان عادانا مرارا كثيرة وكان من اشد ذلك علينا ان الله أنزل على أنبيائه: ان البيت المقدس يخرب على يد رجل يقال له بخت نصر وفي زمانه أخبرنا بالخبر الذي يخرب به والله يحدث الأمر بعد الأمر فيمحواما يشاء ويثبت ما يشاء فلما بلغنا ذلك الخبر الذي يكون فيه هلاك بيت المقدس بعث أوائلنا رجلا من أقوياء بني إسرائيل وأفاضلهم كان يعد من أنبيائهم يقال له دانيال في طلب بخت نصر ليقتله فحمل معه وقرة مال لينفقه في ذلك فلما انطلق في طلبه لقيه ببابل غلاما ضعيفا مسكينا ليس له قوة ولا منعة فأخذه صاحبنا ليقتله فدفع عنه جبرائيل وقال لصاحبنا ان كان ربكم هو الذي امر بهلاككم فانه لا يسلطك عليه وإن لم يكن هذا فعلى أي شئ تقتله فصدقه صاحبنا وتركه ورجع إلينا فأخبرنا بذلك وقوي بخت نصر وملك وغزانا وخرب بيت المقدس فلهذا نتخذه عدوا وميكائيل عدو لجبرئيل. فقال سلمان: يا ابن صوريا بهذا العقل المسلوك به غير سبيله ضللتم أرأيتم أوايلكم كيف بعثوا من يقتل بخت نصر وقد أخبر الله تعالى في كتبه على ألسنة رسله انه يملك ويخرب بيت المقدس أرادوا بذلك تكذيب أنبياء الله في
[ 169 ]
خبرهم واتهموهم في اخبارهم أو صدقوهم في الخبر عن الله ومع ذلك أرادوا مغالبة الله هل كان هؤلاء ومن وجهوه الا كفارا بالله واي عداوة يجوز ان يعتقد لجبرئيل وهو يصده عن مغالبة الله عز وجل وينهى عن تكذيب خبر الله تعالى فقال ابن صوريا قد كان الله اخبر بذلك على ألسن أنبيائه ولكنه يمحو ما يشاء ويثبت. قال سلمان: فإذا لا تثقوا بشئ مما في التوراة من الأخبار عما مضى وما يستأنف فان الله يمحو ما يشاء ويثبت وإذا لعل الله قد كان عزل موسى وهارون
عن النبوة وابطلا في دعواهما لأن الله يمحو ما يشاء ويثبت ولعل كل ما أخبراكم أنه يكون لا يكون وما أخبراكم أنه لا يكون يكون وكذلك ما أخبراكم عما (1) كان لعله لم يكن وما أخبراكم أنه لم يكن لعله كان ولعل ما وعده من الثواب يمحوه ولعل ما توعده به من العقاب يمحوه فانه يمحو ما يشاء ويثبت وإنكم جهلتم معنى يمحو الله ما يشاء ويثبت فلذلك كنتم انتم بالله كافرون ولأخباره عن الغيوب مكذبون وعن دين الله منسلخون ثم قال سلمان فاني أشهد ان من كان عدوا لجبرائيل فانه عدو لميكائيل وانهما جميعا عدوان لمن عاداهما سلمان لمن سالمهما فأنزل الله تعالى عند ذلك موافقا لقول سلمان قل من كان عدوا لجبرائيل الآية. (99) ولقد أنزلنا إليك آيات بينات: دالات على صدقك في نبوتك وإمامة علي (عليه السلام) أخيك موضحات عن كفر من شك فيكما وما يكفر بها إلا الفسقون الخارجون عن دين الله وطاعته من اليهود والكاذبين من النواصب المتسمين بالمسلمين. (100) أوكلما عاهدوا واثقوا وعاقدوا عهدا ليكونن لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) طائعين ولعلي (عليه السلام) بعده مؤتمرين وإلى أمره صائرين نبذه نبذ العهد فريق منهم وخالفه بل أكثرهم بل أكثر هؤلاء اليهود والنواصب لا يؤمنون
(1) اريد بالأخبار عما كان وما لم يكن الأخبار عما غاب عن الحس بغير طريق الا حساس بكونه وعدم كونه. منه قدس الله سره. (*)
[ 170 ]
في مستقبل أعمارهم لا يرعون ولا يتوبون مع مشاهدتهم الآيات ومعاينتهم الدلالات. (101) ولما جاءهم رسول (1) من عند الله مصدق لما معهم قال: قال
الصادق (عليه السلام) ولما جاءهم جاء اليهود ومن يليهم من النواصب كتاب من عند الله القرآن مشتملا على وصف محمد وعلي وإيجاب ولايتهما وولاية أوليائهما وعداوة أعدائهما. أقول: إنما فسر الرسول بالكتاب لاستلزامه إياه دون العكس وليوافق ما سبق في نظيره ولموافقة المنبوذ. نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله التوراة وسائر كتب أنبيائه وراء ظهورهم تركوا العمل بما فيها حسدا لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) على نبوته ولعلي (عليه السلام) على وصيته وجحدوا على ما وقفوا عليه من فضائلهما كأنهم لا يعلمون فعلوا قعل من لا يعلم مع علمهم بأنه حق. (ونحن ايضابه نظهر العجائب حتى ينقاد لنا الناس ونستغني عن الانقياد لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي (عليه السلام). القمي والعياشي عن الباقر (عليه السلام) قال: لما هلك سليمان وضع إبليس السحر ثم كتبه في كتاب فطواه وكتب على ظهره هذا ما وضع آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم من أراد كذا وكذا فليعمل كذا وكذا ثم دفنه تحت السرير ثم استشاره لهم فقرأه فقال الكافرون ما كان يغلبنا سليمان إلا بهذا وقال المؤمنون بل هو عبد الله ونبيه فقال الله في كتابه واتبعوا ما
(1) يعني ان فسر الرسول لم يفد هذه الفائدة ولم يفهم منه الكتاب. منه قدس الله سره. (2) على بمعنى في كما في قوله تعالى ودخل في المدينة على حين غفلة من أهلها. (*)
[ 171 ]
تتلو الشياطين على ملك سليمان أي السحر. وفي الاحتجاج عن الصادق (عليه السلام) في حديث قال السائل فمن اين علم الشياطين السحر قال من حيث عرف الأطباء الطب بعضه تجربة وبعضه
علاج وما كفر سليمان ولا استعمل السحر كما قال هؤلاء الكافرون ولكن الشياطين كفروا وقرئ بتخفيف النون ورفع ما بعده يعلمون الناس السحر يعني كفروا بتعليمهم الناس السحر الذي نسبوه إلى سليمان بن داود وما أنزل على الملكين وبتعليمهم إياهم ما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت اسم الملكين. قال الصادق (عليه السلام: وكان بعد نوح قد كثر السحرة والمموهون فبعث الله تعالى ملكين إلى نبي ذلك الزمان بذكر ما يسحر به السحرة وذكر ما يبطل به سحرهم ويرد به كيدهم فتلقاه النبي عن الملكين وأداه إلى عباد الله بأمر الله عز وجل وأمرهم أن يقفوا به على السحر وان يبطلوه ونهاهم أن يسحروا به الناس وهذا كما يدل على السم ما هو وعلى ما يدفع به غائلة السم ثم يقال لمتعلم ذلك هذا السم فمن رأيته سم فادفع غائلته بكذا وكذا وإياك أن تقتل بالسم احدا قال: وذلك النبي أمر الملكين أن يظهرا للناس بصورة بشرين ويعلما هم ما علمهما الله من ذلك ويعظاهم وما يعلمان من أحد ذلك السحر وابطاله حتى يقولا للمتعلم إنما نحن فتنة امتحان للعباد وليطيعوا الله عز وجل فيما يتعلمون من هذا ويبطلوا به كيد السحر ولا يسحروا فلا تكفر باستعمال هذا السحر وطلب الاضرار به ودعاء الناس إلى أن يعتقدوا أنك به تحيي وتميت وتفعل ما لا يقدر عليه إلا الله فان ذلك كفر فيتعلمون يعني طالبي السحر منهما يعني مما تتلوا الشياطين على ملك سليمان من النيرنجات وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت يتعلمون من هذين الصنفين ما يفرقون به بين المرء وزوجه هذا من يتعلم للاضرار بالناس يتعلمون التفريق بضروب من الحيل والتمائم والإيهام وانه قد دفن في موضع كذا وعمل كذا ليخب قلب المرأة على الرجل وقلب الرجل على المرأة ويؤدي إلى الفراق بينهما وما هم بضارين به من أحد أي ما
[ 172 ]
المتعلمون لذلك بضارين به من احد إلا بإذن الله يعني بتخلية الله وعلمه فانه لو شا لمنعهم بالجبر والقهر ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم لأنهم إذا تعلموا ذلك السحر ليسحروا به ويضروا فقد تعلموا ما يضرهم في دينهم ولا ينفعهم فيه بل ينسلخون عن دين الله بذلك ولقد علموا علم هؤلاء المتعلمون لمن اشتراه بدينه الذي ينسلخ عنه بتعلمه ما له في الآخرة من خلق من نصيب في ثواب الجنة. وفي العيون عن الصادق (عليه السلام) لأنهم يعتقدون أن لا آخرة فهم يعتقدون أنها إذا لم تكن فلا خلاق لهم في دار الآخرة بعد الدنيا وإن كانت بعد الدنيا آخرة فهم مع كفرهم بها لا خلاق لهم فيها. ولبئس ما شروا به أنفسهم رهنوها بالعذاب لو كانوا يعلمون انهم قد باعوا الآخرة وتركوا نصيبهم من الجنة لأن المتعلمين لهذا السحر هم الذين يعتقدون ان لا رسول ولا إله ولا بعث ولا نشور. (103) ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة (1) من عند الله خير لو كانوا يعلمون قال الراوي قلت لأبي محمد (عليه السلام) فان قوما عندنا يزعمون أن هاروت وماروت ملكان اختارتهما الملائكة لما كثر عصيان بني آدم وانزلهما الله مع ثالث لهما إلى الدنيا وانهما افتتنا بالزهرة وارادا الزنا بها وشربا الخمر وقتلا النفس المحر مة وأن الله تعالى يعذبهما ببابل وان السحرة منهما يتعلمون السحر وان الله مسخ تلك المرأة هذا الكوكب الذي هو الزهرة فقال الامام معاذ الله من ذلك ان ملائكة الله معصومون محفوظون من الكفر والقبائح بألطاف الله تعالى قال الله عز وجل فيهم: * (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) * وقال: * (وله من في السموات والأرض ومن عنده) *. يعني الملائكة لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون اليل والنهار لا يفترون، وقال في الملائكة أيضا بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم
بأمره يعملون إلى قوله مشفقون.
(1) المثوبة والواب والأجر نظائر ونقيض المثوبة العقوبة يقال ثاب يثوب ثوبا وثوابا واثابة إثابة وثوابا ومثوبة والأصل في الثواب ما رجع إليك من شئ. م. (*)
[ 173 ]
وفي العيون عن الصادق (عليه السلام) مثل ما في تفسير الامام (عليه السلام) من قوله واتبعوا ما تتلوا الشياطين إلى هنا بزيادة أشرنا إليها في محلها وعن الرضا (عيه السلام) أنه سئل عما يرويه الناس من امر الزهرة وانها كانت امرأة فتن بها هاروت وماروت وما يروونه من أمر سهيل وانه كان عشارا باليمن فقال: كذبوا في قولهم انهما كوكبان وانما كانتا دابتين من دواب البحر فغلط الناس وظنوا انهما الكوكبان وما كان الله عز وجل ليمسخ اعداءه انوارا مضيئة ثم يبقها ما بقيت السموات والأرض وان المسوخ لم يبق اكثر من ثلاثة أيام حتى ماتت وما تناسل منها شئ وما على وجه الأرض اليوم مسخ وان التي وقع عليها اسم المسوخة مثل القردة والخنزير والدب واشباهها انما هي مثل ما مسخ الله عز وجل على صورها قوما غضب الله عليهم ولعنهم بانكارهم توحيد الله وتكذيبهم رسله واما هاروت وماروت فكانا ملكين علما الناس السحر ليحترزوا به من سحر السحرة ويبطلوا به كيدهم وما علما احدا من ذلك شيئا الا قالا له إنما نحن فتنة فلا تكفر فكفر قوم باستعمالهم لما أمروا بالاحتراز منه وجعلوا يفرقون بما تعلموه بين المرء وزوجه. أقول: واما ما كذبوه (عليهم السلام) من امر هاروت وماروت ومسخ زهرة وقصتهم المشتهرة بين الناس فقد ورد عنهم (عليهم السلام) في صحتها ايضا روايات والوجه في الجمع والتوفيق اي يحمل روايات الصحة على كونها من مرموزات الأوائل واشاراتهم وإنهم لما رأوا ان حكاتها كانوا يحملونها على ظاهرها كذبوها ولا بأس بإيرادها وحلها فان هاهنا محلها.
القمي والعياشي عن الباقر (عيه السلام) انه سأله عطاء عن هاروت وماروت فقال (عليه السلام إن الملائكة كانوا ينزلون من السماء إلى الأرض في كل يوم وليلة يحفظون اعمال أوساط أهل الأرض من ولد آدم ومن الجن ويسطرونها ويعرجون بها إلى السماء قال فضج أهل السما من اعمال أوساط اهل الأرض في المعاصي والكذب على الله تعالى وجرأتهم عليه ونزهوا الله مما يقولون ويصفون فقالت طائفة من الملائكة يا ربنا اما تغضب مما يعمل خلقك في أرضك ومما يصفون فيك الكذب ويقولون الزور ومما يرتكبونه من المعاصي التي نهيتهم عنها وهم في قبضتك وتحت
[ 174 ]
قدرتك قال: فأحب الله عز وجل ان يرى الملائكة سابق علمه في جميع خلقه ويعرفهم ما من به عليهم مما طبعهم عليه من الطاعة وعدل به عنهم من الشهوات الإنسانية فأوحى الله عز وجل إليهم ان انتدبوا منكم ملكين حتى اهبطهما إلى الأرض واجعل فيهما الطبائع البشرية من الشهوة والحرص والأمل كما هو في ولد آدم ثم اختبرهما في الطاعة لي ومخالفة الهوى قال: فندبوا لذلك هاروت وماروت وكانا من اشد الملائكة قولا في العيب لولد آدم واستيثار غضب الله تعالى عليهم فأوحى الله سبحانه وتعالى إليهما اهبطا إلى الأرض فقد جعلت فيكما طبائع الشهوات والحرص والأمل وامثالها كما جعلت في بني آدم واني آمركما ألا تشركا بي شيئا ولا تقتلا النفس التي حرمتها ولا تزنيا ولا تشربا الخمر ثم اهبطا إلى الأرض في صورة البشر ولباسهم فهبطا في ناحية بابل فرفع لهما بناء مشرف فأقبلا نحوه فإذا ببابه امرأة جميلة حسناء متزينة متعطرة مسفرة مستبشرة نحوهما فلما تأملا حسنها وجمالها وناطقاها وقعت في قلوبهما اشد موقع واشتد بهما الشهوة التي جعلت فيهما فمالا إليها ميل فتنة وخذلان وحادثاها وراوداها عن نفسها فقالت لهما إن لي دينا ادين به وليس في ديني أن
اجيبكما إلى ما تريدان الا ان تدخلا في ديني فقالا وما دينك فقالت لهما: إن لي إلها من عبد وسجد له فهو ممن في ديني وانا مجيبة لما يسأل مني فقالا وما إلهك فقالت إلهي هذا الصنم فنظر كل إلى صاحبه فقال له: هاتان خصلتان مما نهينا عنه الزنا والشرك لأنا إن سجدنا لهذا الصنم وعبدنا أشركنا بالله وهو ذا نحن نطلب الزنا ولا نقدر على مغالبة الشهوة فيه ولن يحصل بدون هذا قالا لها: إنا نجيبك إلى ما سألت قالت: فدونكما هذه الخمرة فاشربا فانها قربان لكما منه وبها تبلغان مرادكما فائتمرا بينهما وقالا: هذه ثلاث خصال مما نهينا عنها الشرك والزنا وشرب الخمر وإنا لا نقدر على الزنا الا بهاتين حتى نصل إلى قصاء وطرنا فقالا ما اعظم البلية بك فقد أجبناك قالت: فدونكما اشربا هذاالخمر واسجدا للصنم فشربا الخمر وسجدا ثم راوداها فلما تهيأت لذلك دخل عليهما سائل فرأهما على تلك الحالة فذعرا منه فقال: ويلكما قد خلوتما بهذه المرأة المعطرة الحسناء وقعدتما منها على مثل هذه الفاحشة إنكما لرجلا سوء لأفعلن بكما وخرج على ذلك فنهضت، فقالت: لا وإلهي لا
[ 175 ]
تصلان الآن إلي وقد اطلع هذا الرجل علينا وعرف مكانكما وهو لا محالة يخبر بخبركما فبادرا واقتلاه قبل أن يفضحنا جميعا ثم دونكما فاقضيا وطركما مطمئنين آمنين فأسرعا إلى الرجل فأدركاه وقتلاه ثم رجعا إليها فلم يرياها وبدت لهما سوأتهما ونزع عنهما رياشهما واسقطا في أيديهما وسمعا هاتفا: إنكما هبطتما إلى الأرض بين البشر من خلق الله تعالى ساعة من النهار فعصيتما بأربع من كبائر المعاصي وقد نهاكما عنها وقدم إليكما فيها ولم تراقباه ولا استحييتما منه وقد كنتما اشد من نقم على أهل الأرض المعاصي واسجر غضبه عليهم ولما جعل فيكما من طبع خلقه البشري وكان عصمكم من المعاصي كيف رأيتم موضع خذلانه فيكم قال وكان قلبهما في
حب تلك المرأة ان وضعا طرائق من السحر ما تداوله اهل تلك الناحية. قال الامام (عليه السلام): فخيرهما الله عز وجل بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فقال أحدهما لصاحبه نتمتع من شهوات الدنيا إذ صرنا إليها إلى أن نصير إلى عذاب الآخرة فقال الآخران: عذاب الدنيا له انقطاع وعذاب الآخرة لا انقطاع له وليس حقيق بنا أن نختار عذاب الآخرة الشديد الدائم على عذاب الدنيا المنقطع الفاني قال: فاختارا عذاب الدنيا وكانا يعلمان الناس السحر بأرض بابل ثم لما علما الناس السحر رفعا من الأرض إلى الهواء فهما معذبان منكسان معلقان في الهواء إلى يوم القيامة. والعياشي عن ابي الطفيل قال كنت في مسجد الكوفة فسمعت عليا وهو على المنبر فناداه ابن الكوا وهو في مؤخر المسجد فقال: يا أمير المؤمنين (عليه السلام) ما الهدى ؟ قال: لعنك الله اولم تسمعه ما الهدى تريد ولكن العمى تريد. ثم قال (عليه السلام): ادن فدنا منه فسأله عن أشياء فأخبره فقال: أخبرني عن هذه الكوكبة الحمراء يعني الزهرة قال: إن الله اطلع ملائكته على خلقه وهم على معصية من معاصيه فقال الملكان هاروت وماروت هؤلاء الذين خلقت آباهم بيدك واسجدت له ملائكتك يعصونك قال فلعلكم لو ابتليتم بمثل الذي ابتليتهم به عصيتموني كما عصوني قالا: لا وعزتك قال: فابتلاهم بمثل الذي ابتلى به
[ 176 ]
بني آدم من الشهوة ثم أمرهم أن لا يشركوا به شيئا ولا يقتلوا النفس التي حرم الله ولا يزنوا ولا يشربوا الخمر ثم اهبطهما إلى الأرض فكانا يقضيان بين الناس هذا في ناحية وهذا في ناحية فكانا بذلك حتى أتت أحدهما هذه الكوكبة تخاصم إليه وكانت من اجمل الناس فأعجبته فقال لها: الحق لك ولا أقضي لك حتى تمكينيني من نفسك
فواعدت يوما ثم اتت الآخر فلما خاصمت إليه وقعت في نفسه واعجبته كما اعجبت الآخر فقال لها مثل مقالة صاحبه فواعدته الساعة التي واعدت صاحبه فاتفقا جميعا عندها في تلك الساعة فاستحي كل واحد من صاحبه حيث رآه وطأطأ رؤ وسهما ونكسا ثم نزع الحياء منهما فقال احدهما لصاحبه يا هذا جاء بي الذي جاء بك قال ثم اعلماها وزاودا عن نفسها فأبت عليهما حتى يسجدا لوثنها ويشربا من شرابها فأبيا عليها وسألا ها فأبت الا أن يشربا من شرابها فلما شربا صليا لوثنها ودخل مسكين فرأهما فقالت لهما يخرج هذا فيخبر عنكما فقاما إليه فقتلاه ثم راوداها عن نفسها فأبت حتى يخبرانها بمايصعدان به إلى السماء وكان يقضيان بالنهار فإذا كان الليل صعدا إلى السماء فأبيا عليها وأبت أن تفعل فأخبراها فقالت: ذلك لتجرب (1) مقالتهما وصعدت ورفعا أبصارهما إليها فرأيا أهل السماء مشرفين عليها ينظرون إليها وتناهت إلى السماء فمسخت وهي الكوكبة التي ترى. وفي الخصال عن الصادق (عليه السلام) عن ابيه عن جده قال: ان المسوخ من بني آدم ثلاثة عشر إلى أن قالوا وما الزهرة فكانت امرأة فتنت هاروت وماروت فمسخها الله كوكبا. وعنه عن أبيه عن جده عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) قال سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن المسوخ قال هي ثلاثة عشر إلى أن قال: وأما الزهرة فكانت امرأة نصرانية وكانت لبعض ملوك بني إسرائيل وهي التي فتن بها هاروت وماروت وكان اسمها ناهيل والناس يقولون ناهيد. وفي العلل عن أبي الحسن (عليه السلام) في حديث قال: ومسخت الزهرة لأنها
(1) يعني لتقول مثل مقالتهم فتعلم هل يتأتى الصعود بذلك القول أم لا. منه قدس الله سره. (*)
[ 177 ]
كانت امرأة فتن بها هاروت وماروت.
وعنه عن أبيه في حديث قال: واما الزهرة فانها كانت امرأة تسمى ناهيل وهي التي تقول الناس انه افتتن بها هاروت وماروت. أقول: في نسبة افتتانهما إلى قول الناس دليل على ما قلناه من انها من المرموزات، وأما حلها فلعل المراد بالملكين الروح والقلب فانهما من العالم الروحاني اهبطا إلى العالم الجسماني لاقامة الحق فافتتنا بزهرة الحياة الدنيا ووقعا في شبكة الشهوة فشربا خمر الغفلة وعبدا صنم الهواء وقتلا عقلهما الناصح لهما بمنع تغذيته بالعلم والتقوى ومحو اثر نصحه عن أنفسهما وتهيئا للزنا ببغي الدنيا الدنية التي تلي تربية النشاط والطرب فيها الكوكب المسمى بزهرة فهربت الدنيا منهما وفاتتهما لما كان من عادتها أن تهرب من طالبيها لأنها متاع الغرور وبقي اشراق حسنها في موضع مرتفع بحيث لا تنالها ايدي طلابها مادامت الزهرة باقية في السماء وحملهما حبها في قلبهما إلى أن وضعا طرائق من السحر وهو ما لطف مأخذه ودق فخيرا للتخلص منها فاختارا بعد التنبه وعود العقل إليهما اهون العذابين ثم رفعا إلى البرزخ معذبين ورأسهما بعد إلى اسفل إلى يوم القيامة هذا ما خطر بالبال في حل هذا الرمز وأما حل بقية اجزائه التي في رواية ابي الطفيل فموكول إلى بصيرة ذوي البصائر وقيل بل هو إشارة إلى أن الشخص العالم الكامل المقرب من حظائر القدس قد يوكل إلى نفسه الغرارة ولا يلحقه العناية والتوفيق فينبد علمه وراء ظهره ويقبل على مشتهياته الحسية الخسيسة ويطوي كشحه عن اللذات الحقيقية والمراتب العلية فينحط إلى أسفل السافلين والشخص الناقص الجاهل المنغمس في الأوزار قد يختلط بذلك الشخص العالم قاصدا بذلك الفساد والفحشاء فيدركه توفيق إلهي فيستفيد من ذلك العالم ما يضرب بسببه صفحا عن ادناس دار الغرور وارجاس عالم الزور ويرتفع ببركة ما تعلمه عن حضيض الجهل والخسران إلى أوج العز والعرفان فيصير المتعلم في أرفع درج العلاء والمعلم في أسفل درك الشقاء.
أقول: هذا الحل غير منطبق على الرمز بتمام أجزائه.
[ 178 ]
(104) يأيها الذين آمنوا العياشي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) والسجاد ليس في القرآن يا ايها الذين آمنوا الا وهي في التوراة يا أيها المساكين لا تقولوا (1) راعنا راع أحوالنا وراغبنا وتأن بنا فيما تلقننا حتى نفهمه وذلك لأن اليهود لما سمعوا المسلمين يخاطبون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بقولهم راعنا وكان راعنا في لغتهم سبا بمعنى اسمع لا سمعت قال بعضهم لبعض لو كنا نشتم محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الآن سرا فتعالوا الآن نشتمه جهرا فكانوا يقولون له راعنا يريدون شتمه ففطن لذلك سعد بن معاذ الأنصاري فلعنهم وأوعدهم بضرب أعناقهم لو سمعها منهم فنزلت وقولوا انظرإلنا واسمعوا إذا قال لكم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قولا وأطيعوا وللكافرين الشاتمين عذاب أليم. (105) مايود الذين كفروا من أهل الكتب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم آية بينة وحجة معجزة لنبوة محمد (صلى الله عليه وآله) وشرفه وشرف أهل بيته والله يختص برحمته توفيقه لدين الاسلام وموالاة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي (عليه السلام) من يشاء، وفي المجمع عن أمير المؤمنين والباقر (عليهما السلام) يعني بنبوته والله ذو الفضل العظيم يعني على من وفقه لدينه وموالاتهما. أقول: أو من يختاره لنبوته أو ما يشملهما وغيرهما. (106) ما ننسخ من آية بأن نرفع حكمها، وقرأ بعضهم النون وكسر السين أو ننسها بأن نرفع رسمها ونبلي عن القلوب حفظها وعن قلبك يا محمد كما قال: سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله أن ينسيك فرفع عن قلبك ذكره وقرئ ننساها بفتح النون واثبات الألف نأت بخير منها بما هو أعظم لثوابكم واجل لصلاحكم أو مثلها من الصلاح يعني إنا لا ننسخ ولا نبدل الا وغرضنا في ذلك مصالحكم.
(1) قوله تعالى لا تقولوا راعنا كان المسلمون يقولون يارسول الله راعنا أي استمع منا فحرفت اليهود هذه اللفظة فقالوا يا محمد راعنا وهم ملحدون الى الرعونة يريدون به النقيصة والوقيعة فلما عوتبوا قالوا نقول كما يقول المسلمون فنى الله عن ذلك بقوله ولا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا وقال قتاده إنها كلمة تقولها اليهود على وجه الاستهزاء، وقال عطا هي كلمة كانت الانصار تقولهافي الجاهلية فتهوا عنها في الإسلام، وقال السدي كان ذلك كلام يهودي بعينه يقال له رفاعة بن زيد يريد بذلك الرعونة فني المسلمون عن ذلك (مجمع). (*)
[ 179 ]
أقول: وذلك لأن المصالح تختلف باختلاف الأعصار والأشخاص فان النافع في عصر وبالنسبة إلى شخص قد يضر في غير ذلك العصر وفي غير ذلك الشخص، ويأتي بيان ذلك مفصلا من كلام المعصوم (عليه السلام) في تفسير آيات القبلة ان شاء الله، قيل انها نزلت حين قالوا ان محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) يأمر بأمر ثم ينهى عنه ويأمر بخلافه. ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير يقدر على النسخ والتبديل لمصالحكم ومنافعكم. (107) ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والارض وهو العالم بتدبيرها ومصالحها فهو يدبركم بعلمه وما لكم من دون الله من ولي يلي صلاحكم إذ كان العالم بالمصالح هو دون غيره ولا نصير ولا لكم من ناصر ينصركم من مكروه إن أراد إنزاله بكم أو عقاب إن أراد إحلاله بكم. (108) أم تريدون بل تريدون يا كفار قريش ويهود أن تسألوا رسولكم ما تقترحونه من الآيات التي لا تعلمون هل فيه صلاحكم أو فسادكم كما سئل موسى من قبل واقترح عليه لما قيل له لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة ومن يتبدل الكفر بالإيمن بعد جواب الرسول له إن ما سأله لا يصلح اقتراحه على الله فلا يؤمن إذا عرف أنه ليس له أن يقترح أو بعد ما يظهر له ما اقترح إن كان اقتراحه صوابا
فلا يؤمن عند مشاهدته ما يقترح أو لا يكتفي بما أقامه الله من الدلالات والبينات بأن يعاند ولا يلزم الحجة القائمة وذلك أن الني (صلى الله عليه وآله وسلم) قصده عشرة من اليهود يريدون أن يتعنتوه ويسألوه عن أشياء ويعانتوه بها ثم ذكر (عليه السلام) أشياء سألوها وآيات اقترحوها وسنذكرها انشا الله في مواضعها فقد ضل سواء السبيل أخطأ طريق القصد المؤدية إلى الجنان وأخذ في الطريق المؤدية إلى النيران. (109) ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا بما يوردونه عليكم من الشبه حسدا لكم بأن أكرمكم بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي وآلهما الطيبين من عند أنفسهم، قيل أي تمنوا ذلك من عند أنفسهم وتشهيهم
[ 180 ]
لا من عند تدينهم وميلهم إلى الحق أو حسدا بالغا منبعثا من أصل نفسهم من بعد ما تبين لهم الحق بالمعجزات الدالات على صدق محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وفضل علي وآلهما (عليهم السلام) قيل وبالنعوت المذكورة في التوراة فاعفوا واصفحوا عن جهلهم وقابلوهم بحجج الله وادفعوا بها أباطيلهم قيل العفو ترك عقوبة المذنب والصفح ترك تثريبه حتى يأتي الله بأمره فيهم بالقتل يوم فتح مكة إن الله على كل شئ قدير. (110) وأقيموا الصلاة واتوا الزكوة قيل عطف على فاعفوا كأنه أمرهم بالصبر والمخالفة واللجأ إلى الله بالعبادة والبر وما تقدموا لأنفسكم من خير كصلاة ومال تنفقونه في طاعة الله أو جاه تبذلونه لاخوانكم المؤمنين تجرون به إليهم المنافع وتدفعون به المضار تجدوه عند الله تجد ثوابه تحط به سيئاتكم وتضاعف به حسناتكم وترفع به درجاتكم إن الله بما تعملون بصير عالم ليس يخفى عليه ظاهر فعل ولا باطن ضمير على حسب اعتقاداتكم ونياتكم. (111) وقالوا يعني اليهود والنصارى قالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان
هودا (1) أي يهوديا أو نصارى يعني وقالت النصارى لن يدخل الجنة الا من كان نصرانيا تلك أمانيهم التي يتمنونها بلا حجة قل لهم هاتوا برهانكم حجتكم على مقالتكم إن كنتم صادقين في دعواكم. (112) بلى من أسلم وجهه لله لما سمع الحق وبرهانه وهو محسن في عمله لله فله أجره ثوابه عند ربه يوم الفصل والقضاء ولا خوف عليهم حين يخاف الكافرون مما يشاهدونه من العقاب ولا هم يحزنون عند الموت لأن البشارة بالجنان تأتيهم. (113) وقالت اليهود ليست النصارى على شئ من الدين بل وكفر وقالت النصارى ليست اليهود على شئ من الدين بل دينهم باطل وكفر لأن كلا
(1) في هود ثلاثة أقوال أحدها أنه جمع هائد كعائد وعود وعائط وعوط وهو جمع للمؤنث والمذكر على لفظ واحد والهائد التائب الراجع إلى الحق وثانيها أن يكون مصدرا يصلح للواحد والجمع كما يقال رجل فطر وقوم فطر رجل صوم وقوم صوم وثالثها ان يكون معناه الا من كان يهودا فحذفت الياء الزائدة (مجمع). (*)
[ 181 ]
من الفريقين مقلد بلا حجة وهم يتلون الكتاب ولا يتأملونه ليعلموا بما يوجبه فيتخلصوا من الضلالة كذلك قال الذين لا يعلمون الحق ولم ينظروا فيه من حيث أمره الله مثل قولهم يكفر بعضهم بعضا فالله يحكم بينهم بين الفريقين يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون في الدنيا يبين ضلالتهم وفسقهم ويجازي كل واحد منهم بقدر استحقاقه قال (عليه السلام) قال الحسن بن علي بن ابي طالب (عليهم السلام) إنما نزلت لأن قوما من اليهود وقوما من النصارى جاؤوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقالوا يا محمد اقض بيننا فقال (عليه السلام) قصوا علي قصتكم فقالت اليهود نحن المؤمنون بالله الواحد الحكيم وأولياؤه وليست النصارى على شئ من الدين والحق وقالت النصارى بل نحن المؤمنون بالله الواحد الحكيم وأولياؤه وليست هؤلاء اليهود على شئ من الحق والدين فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كلكم
مخطئون مبطلون فاسقون عن دين الله وامره فقالت اليهود وكيف نكون كافرين وفينا كتاب الله التوراة نقرؤه وقالت النصارى وكيف نكون كافرين وفينا كتاب الله الانجيل نقرؤه فقال رسول الله (ثلى الله عليه وآله وسلم): إنكم خالفتم ايها اليهود والنصارى كتاب الله ولم تعملوا به فلو كنتم عاملين بالكتابين لما كفر بعضكم بعضا بغير حجة لأن كتب الله أنزلها شفاء من العمى وبيانا من الضلالة تهدي العالمين بها إلى صراط مستقيم وكتاب الله إذا لم تعملوا به كان وبالا عليكم وحجة الله إذا لم تنقادوا لها كنتم لله عاصين ولسخطه متعرضين ثم أقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على اليهود فقال: احذروا أن ينالكم لخلاف أمر الله وخلاف كتابه ما أصاب أوائلكم الذين قال الله فيهم: * (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء). * (114) ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه هي مساجد خيار المؤمنين بمكة منعوهم من التعبد فيها بأن ألجأوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الخروج عن مكة، وفي المجمع عن الصادق (عليه السلام) والقمي انهم قريش حين منعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دخول مكة والمسجد الحرام وعن زيد ابن علي عن آبائه عن علي (عليه السلام) أنه أراد جميع الأرض لقول النبي (صلى الله
[ 182 ]
عليه وآله وسلم): جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا. أقول: وهو عام لكل مسجد وكل مانع وان نزل خاصا. وسعى في خرابها خراب تلك المساجد لئلا تعمر بطاعة الله أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين من عدله وحكمه النافذ عليهم أن يدخلوها كافرين بسيوفه وسياطه. أقول: يعني إمام العدل فهو وعد للمؤمنين بالنصرة واستخلاص المساجد منهم وقد أنجز وعده بفتح مكة لمؤمني ذلك العصر وسينجزه لعامة المؤمنين حين
ظهور العدل. والعياشي عن محمد بن يحيى يعني لا يقبلون الايمان إلا والسيف على رؤوسهم. لهم في الدنيا خزي وهو طرده إياهم عن الحرم ومنعهم أن يعودوا إليه ولهم في الآخرة عذاب عظيم بكفرهم وظلمهم، قال قال علي بن الحسين (عليهم السلام): ولقد كان من المنافقين والضعفاء أشباه المنافقين قصد إلى تخريب المساجد بالمدينة وتخريب مساجد الدنيا كلها بما هموا به من قتل علي (عليه السلام) بالمدينة وقتل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في طريقهم إلى العقبة يعني في غز وة تبوك. هذا آخر ما وجد من تفسير ابي محمد الزكي مرتبا مجتمعا وما وجد منه متفرقا نذكره في مواضعه انشاء الله. (115) ولله المشرق والمغرب يعني ناحيتي الأرض أي له كلها فأينما تولوا فثم وجه الله قيل اي ذاته إذ لا يخلو منه مكان إن الله وسع ذاتا وعلما وقدرة ورحمة وتوسعة على عباده عليم بمصالح الكل وما يصدر عن الكل في كل مكان وجهة. القمي إنها نزلت في صلاة النافلة تصليها حيث توجهت إذا كنت في السفر وأما الفرائض فقوله تعالى: * (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) * يعني الفرائض لا تصليها إلا إلى القبلة.
[ 183 ]
وفي المجمع مثله قال هذا هو المروي عن أئمتنا. والعياشي عن الباقر (عليه السلام) أنزل الله هذه الآية في التطوع خاصة فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم وصلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المساء على راحلته أينما توجهت به حيث خرج إلى خيبر وحين رجع من مكة وجعل الكعبة خلف ظهره، قال: قال زرارة قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الصلاة في
السفر والسفينة والمحمل سواء قال النافلة كلها سواء تومئ ايماء أينما توجهت دابتك وسفينتك والفريضة تنزل بها عن المحمل إلى الأرض إلا من خوف فان خفت أومأت واما السفينة فصل فيها قائما وتوخ القبلة بجهدك ان نوحا قد صلى الفريضة فيها قائما متوجها إلى القبلة وهي مطبقة عليهم قال قلت وما كان علمه بالقبلة فيتوجهها وهي مطبقة عليهم قال كان جبرئيل يقومه نحوها قال قلت فأتوجه نحوها في كل تكبيرة قال اما في النافلة فلا إنما تكبر في النافلة على غير القبلة أكثر ثم قال كل ذلك قبلة للمتنفل إنه قال أينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم. وفي العلل والعياشي عنه (عليه السلام) أنه سئل عن رجل يقرء السجدة وهو على ظهر دابته قال يسجد حيث توجهت فان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يصلي على ناقته النافلة وهو مستقبل المدينة يقول فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم. وفي الفقيه عن الصادق (عليه السلام) أنه سئل عن رجل يقوم في الصلاة ثم ينظر بعدما فرغ فيرى أنه قد انحرف عن القبلة يمينا وشمالا فقال قد مضت صلاته وما بين المشرق والمغرب قبلة ونزلت هذه الآية في قبلة المتحير ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله. وفي التوحيد عن سلمان الفارسي (رض) في حديث الجاثليق الذي سأل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن مسائل فأجابه عنها أن فيما سأله ان قال أخبرني عن وجه الرب تبارك وتعالى فدعا علي (عليه السلام) بنار وحطب فأضرمه فلما اشتعلت قال علي (عليه السلام): اين وجه هذه النار قال النصراني هي وجه من جميع حدودها قال علي (عليه السلام) هذه النار مدبرة مصنوعة لا يعرف وجهها وخالقها لا يشبهها ولله
[ 184 ]
المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله لا تخفى على ربنا خافية وقريب منه ما رواه
في الخصال عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في أجوبة مسائل اليهودي. وفي الاحتجاج عن امير المؤمنين (عليه السلام) ان وجه الله هم الحجج الذين قرنهم الله بنفسه وبرسوله وفرض على العباد طاعتهم مثل الذي فرض عليهم منها النفسه. (116) وقالوا اتخذ الله ولدا قالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى (1) المسيح ابن الله وقالت مشركوا العرب الملائكة بنات الله سبحنه تنزيه له عن ذلك فإنه يقتضي التشبيه والحاجة والفناء بل له ما في السماوات والأرض بل كله ملك له عزير والمسيح والملائكة وغيرهم كل له قانتون منقادون مقرون له بالعبودية طبعا وجبلة لا يمتنعون عن مشيئته وتكوينه فكيف يكونون مجانسين له ومن حق الولد أن يجانس والده. (117) بديع السماوات والارض في الكافي عن الباقر (عليه السلام) في تفسيره ابتدع الاشياء كلها بعلمه على غير مثال كان قبله فابتدع السماوات والأرض ولم يكن قبلهن سموات ولا ارضون أما تسمع لقوله تعالى: * (وكان عرشه على الماء) * وإذا قضى أمرا أراد فعله وخلقه كما قال إنما أمره إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون لا بصوت يقرع ولا بنداء يسمع وإنما كلامه سبحانه فعل منه انشاء ومثله لم يكن من قبل ذلك كائنا ولو كان قديما لكان إلها ثانيا كذا في نهج البلاغة قال يقول ولا يلفظ ويريد ولا يضمر. وفي الكافي والتوحيد عن الكاظم: الإرادة من المخلوق الضمير وما يبدو له بعد ذلك من الفعل واما من الله تعالى فإرادته للفعل احداثه لا غير ذلك لأنه لا يروي ولايهم (2) ولا يتفكر وهذه الصفات منفية عنه وهي من صفات الخلق فارادة الله هي
(1) قيل أن السبب في هذه الضلا لة ان ارباب الشرائع المتقدمة كانوا يطلقون الأب على الله باعتبار أنه السبب الأول حتى قالوا ان الأب هو الأب الأصغر والله سبحانه هو الأب الأكبر ثم ظت الجهلة منهم أن المراد به معنى الولادة فاعتقدوا ذلك تقليدا (منه) (ه). (2) الهم حديث النفس بفعله يقال هم بالأمر يهم هما وجمعه هموم واهمة الأمر إذا عنى به يحدث به نفسه والفرق بين
الهم بالشئ قبل أن يريده ويقصده بأنه يحدث نفسه به وهو مع ذلك مقبل على فعله (مجمع). (*)
[ 185 ]
الفعل لا غير ذلك يقول له كن فيكون بلا لفظ ولا نطق بلسان ولا همة ولا تفكر ولا كيف لذلك كما أنه لا كيف له. وفي رواية وكن منه صنع وما يكون منه المصنوع. (118) وقال الذين لا يعلمون جهلة المشركين وغير العاملين بعلمهم من أهل الكتاب لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية أقول: هذا كقوله سبحانه في المدثر يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة كذلك قال الذين من قبلهم من الامم الماضية مثل قولهم فقالوا ارنا الله جهرة وهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء تشابهت قلوبهم قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى والعناد قد بينا الآيات لقوم يوقنون الحقائق. (119) إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا فلا عليك ان أصروا أو كابروا ولا تسأل عن أصحب الجحيم. في المجمع عن الباقر (عليه السلام) أنه على النهي كما قرئ. (120) ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم مبالغة في اقناط الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عن إسلامهم فانهم إذا لم يرضوا منه حتى يتبع ملتهم فكيف يتبعون ملته كذا قيل قل إن هدى الله أي الاسلام هو الهدى إلى الحق لا ما تدعون إليه ولئن اتبعت أهواءهم آرائهم الزائفة (1) بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير يدفع عنك عقابه وهذا من قبيل إياك أعني واسمعي يا (121) الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته بالوقوف عند ذكر الجنة والنار يسأل في الأولى ويستعيذ في الاخرى كذا في المجمع عن والعياشي عن الصادق (عليه السلام.)
وفي الكافي عنه هم الأئمة ورواه العياشي أيضا.
(1) الزيغ الشك والجور عن الحق (ص). (*)
[ 186 ]
أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون. (122) يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العلمين. (123) واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون قد مضى تفسير الآيتين قيل لما صدر قصتهم بالأمر بذكر النعم والقيام بحقوقها والحذر من إضاعتها والخوف عن الساعة وأهوالها كرر ذلك وختم به الكلام معهم مبالغة في النصح وإيذانا بأنه فذلكة القصة والمقصود منها. والعياشي عن الصادق (عليه السلام) ان العدل الفريضة وعن الباقر (عليه السلام) ان العدل الفداء. (124) وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظلمين، القمي: هو ما ابتلاه به مما رآه في نومه من ذبح ولده فاتمها إبراهيم (عليه السلام) وعزم عليها وسلم فلما عزم قال تبارك وتعالى ثوابا لما صدق وسلم وعمل بما أمره الله اني جاعلك للناس إماما فقال إبراهيم ومن ذريتي قال جل جلاله لا ينال عهدي الظالمين أي لا يكون بعهدي إمام ظالم ثم أنزل عليه الحنيفية وهي الطهارة وهي عشرة أشياء خمسة في الرأس وخمسة في البدن فاما التي في الرأس فأخذ الشارب واعفاء اللحى وطم الشعر والسواك والخلال واما التي في البدن فحلق الشعر من البدن والختان وقلم الأظافر والغسل من الجنابة والطهور بالماء فهذه الحنيفية الطاهرة التي جاء بها إبراهيم (عليه السلام) فلم تنسخ ولا
تنسخ إلى يوم القيامة. وفي الخصال عن الصادق (عليه السلام): قال: هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه وهو أنه قال يا رب أسألك بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم الا تبت علي فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم فقيل له يا بن رسول الله فما يعني بقوله عز وجل: فأتمهن قال يعني اتمهن إلى القائم إثني عشر إماما تسعة من ولد الحسين (عليهم السلام).
[ 187 ]
والعياشي مضمرا قال: اتمهن بمحمد وعلي والأئمة من ولد علي (عليهم السلام) قال وقال إبراهيم: يا رب فعجل بمحمد وعلي ما وعدتني فيهما وعجل نصرك لهما. وفي الكافي عن الصادق (عليه السلام) قال إن الله تبارك وتعالى اتخذ إبراهيم عبداقبل أن يتخذه نبيا وان الله اتخذه نبيا قبل أن يتخذه رسولا وان الله اتخذه رسولا قبل أن يتخذه خليلا وان الله اتخذه خليلا قبل أن يجعله إماما فلما جمع له الأشياء قال إني جاعلك للناس إماما قال فمن عظمها في عين إبراهيم قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين قال لا يكون السفيه إمام التقي وعنه (عليه السلام) من عبد صنما أو وثنا لا يكون إماما. أقول: وفيه تعريض بالثلاثة حيث عبدوا الأصنام قبل الاسلام. في العيون عن الرضا (عليه السلام) في حديث طويل ان الامامة خص الله عز وجل بها إبراهيم الخليل (عليه السلام) بعد النبوة والخلة مرتبة ثالثة وفضيلة شرفها بها واشاد (1) بها ذكره فقال عز وجل إني جاعلك للناس إماما فقال الخليل (عليه السلام) سرورا بها ومن ذريتي قال الله عز وجل لا ينال عهدي الظالمين فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى يوم القيامة وصارت في الصفوة.
(125) وإذ جعلنا البيت الكعبة مثابة مرجعا ومحل عود للناس وأمنا. في الكافي عن الصادق (عليه السلام) من دخل الحرم من الناس مستجيرا به فهو آمن من سخط الله عز وجل ومن دخله من الوحش والطير كان آمنا من أن يهاج أويؤذى حتى يخرج من الحرم. واتخذوا وقرئ بفتح الخاء من مقام إبراهيم مصلى هو الحجر الذي عليه أثر قدمه في التهذيب عن الصادق (عليه السلام) يعني بذلك ركعتي طواف الفريضة ومثله في الكافي والعياشي عن الباقر (عليه السلام) ما أعظم فرية أهل الشام على الله تعالى
(1) الاشادة رفع الصوت بالشئ واشاد بذكره إذا رفع من قدره (ص). (*)
[ 188 ]
يزعمون ان الله تبارك وتعالى حيث صعد إلى السماء وضع قدمه على صخرة بيت المقدس ولقد وضع عبد من عباد الله قدمه على صخرة فأمرنا الله أن نتخذه مصلى الحديث. وفي المجمع والعياشي عنه (عليه السلام) قال نزلت ثلاثة أحجار من الجنة مقام إبراهيم وحجر بني إسرائيل والحجر الأسود. وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود القمي عن الصادق (عليه السلام) نحيا عنه المشركين وقال لما بنى إبراهيم البيت وحج الناس شكت الكعبة إلى الله تعالى ما تلقى من أنفاس المشركين فأوحى الله تعالى إليها قري كعبتي فاني أبعث في آخر الزمان قوما يتنظفون بقضبان (2) الشجر ويتخللون. وفي العلل والعياشي عنه (عليه السلام) أنه سئل أيغتسلن النساء إذا أتين البيت قال نعم إن الله تعالى يقول طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود فينبغي للعبد أن لا يدخل إلا وهو طاهر قد غسل عنه العرق والأذى وتطهر ومثله في الكافي.
(126) وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات في العلل عن الرضا (عليه السلام) لما دعا إبراهيم ربه أن يرزق أهله من الثمرات أمر بقطعة من الأردن (1) فسارت بثمارها حتى طافت بالبيت ثم أمرها أن تنصرف إلى هذا الموضع الذي سمي بالطائف ولذلك سمي طائفا. والقمي عن الصادق (عليه السلام) يعني من ثمرات القلوب أي حببهم إلى الناس لينتابوا إليهم ويعودوا. أقول: هذا تأويل وذاك تفسير وشاهد التأويل قوله في سورة إبراهيم واجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم. وفي العوالي حديث آخر يأتي هناك إنشاء الله. من آمن منهم بالله واليوم الآخر العياشي عن السجاد (عليه السلام) قال: إيانا
(1) القضيب واحد القضبان وهي الأغصان (ص). (1) الأردن كالأحمر ضرب من الخز وبضمتين وشد الدال النعاس وكورة بالشام (ق). (*)
[ 189 ]
عني بذلك وأوليائه وشيعة وصيه قال قال الله ومن كفر ارزقه أيضا فأمتعه) وقرئ بالتخفيف قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير عذاب النار قال عنى بذلك من جحد وصيه ولم يتبعه من امته كذلك والله هذه الامة. (127) وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا تقربنا إليك ببناء البيت إنك أنت السميع لدعائنا العليم بنياتنا. القمي عن الصادق (عليه السلام) قال لما بلغ اسماعيل مبلغ الرجال أمر الله إبراهيم أن يبني البيت فقال: يا رب في أي بقعة قال في البقعة التي أنزلت بها على آدم القبة فأضاء لها الحرم فلم يدر إبراهيم في أي موضع يبنيه فان القبة التي أنزلها الله على آدم كانت قائمة إلى أيام الطوفان أيام نوح فلما غرقت الدنيا رفع الله تلك القبة وبقي موضعها لم يغرق ولهذا سمي البيت العتيق لأنه اعتق من الغرق فبعث الله
جبرئيل فخط له موضع البيت فأنزل الله عليه القواعد من الجنة وكان الحجر لما أنزله الله على آدم أشد بياضا من الثلج فلما مسته أيدي الكفار اسود فبنى إبراهيم (عليه السلام) البيت ونقل إسماعيل الحجر من ذي طوى فرفعه في السماء تسعة أذرع ثم دله على موضع الحجر فاستخرجه إبراهيم ووضعه في موضعه الذي هو فيه الأن فلما بنى جعل له بابين بابا إلى المشرق وبابا إلى المغرب والباب الذي إلى المغرب يسمى المستجار ثم القى عليه الشجر والاذخر وعلقت هاجر على بابه كساء كان معه وكانوا يكنون تحته. وفي الكافي عنه (عليه السلام) في حديث فلما اذن الله له في البناء قدم إبراهيم فقال يا بني قد أمر الله ببناء الكعبة وكشفا عنها فإذا هو حجر واحد احمر فأوحى الله تعالى إليه ضع بناءها عليه وانزل الله تعالى اربعة أملاك يجمعون إليه الحجارة والملائكة تناولهما حتى تمت اثنا عشر ذراعا وهيأ له بابين بابا يدخل منه وبابا يخرج منه ووضعا عليه عتبا وشرجا من حديد على أبوابه. وعن أحدهما (عليهما السلام) قال إن الله تعالى أمر إبراهيم ببناء الكعبة وان يرفع
[ 190 ]
قواعدها ويري الناس مناسكهم فبنى إبراهيم واسماعيل البيت كل يوم ساقا (1) حتى انتهى إلى موضع الحجر الأسود. وقال أبو جعفر (عليه السلام) فنادى أبو قبيس إبراهيم ان لك عندي وديعة فأعطاه الحجر فوضعه موضعه. وفي العلل والعياشي عن الصادق (عليه السلام) قال إن الله عز وجل أنزل الحجر لآدم (عليه السلام) من الجنة وكان البيت درة بيضاء فرفعه الله إلى السماء وبقي اسه فهو بحيال هذا البيت يدخله كل يوم سبعون الف ملك لا يرجعون إليه أبدا فأمر الله إبراهيم واسماعيل يبنيان البيت على القواعد.
وفي المجمع عن الباقر (عليه السلام) ان اسماعيل أول من شق لسانه بالعربية وكان ابوه يقول وهما يبنيان: هاي أي أعطني حجرافيقول له اسماعيل بالعربية يا أبت هاك حجرا فابراهيم يبني واسماعيل يناوله. (128) ربنا واجعلنا مسلمين منقادين مخلصين لك ومن ذريتنا واجعل بعض ذريتنا أمة جماعة يؤمون أي يقصدون ويقتدون ويقتدى بهم مسلمة لك وهم أهل البيت الذي اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا كذا عن الصادق (عليه السلام) وفي رواية العياشي عنه (عليه السلام) أراد بالامة بني هاشم خاصة وأرنا عرفنا وقرئ باسكان الراء حيث وقع مناسكنا متعبداتنا والنسك في الأصل العبادة وشاع في الحج لما فيه من الكلفة والبعد عن العادة وتب علينا عما لا ينبغي إنك أنت التواب الرحيم لمن تاب. (129) ربنا وابعث فيهم في الامة المسلمة رسولا منهم يعني من تلك الأمة كذلك عن الصادق (عليه السلام) رواه العياشي ولم يبعث من ذريتهما غير نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم). والقمي يعني ولد اسماعيل قال فلذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنا دعوة أبي إبراهيم (عليه السلام) يتلوا عليهم آياتك يقرء عليهم ويبلغهم ما يوحى
(1) الساق كل عرق من الحائط. (*)
[ 191 ]
إليه من دلائل التوحيد والنبوة ويعلمهم الكتاب والحكمة ما تكمل به نفوسهم من المعارف والأحكام ويزكيهم عن الشرك والمعاصي إنك أنت العزيز الذي لا يقهر ولا يغلب على ما يريد الحكيم المحكم للأمر والصانع على وفق الحكمة. (130) ومن يرغب عن ملة إبراهيم استبعاد وانكار يعني لا يرغب عن ملته إلا من سفه نفسه الا من استمهانها واذلها واستخف بها قيل أصله سفه نفسه بالرفع نصب
على التميز مثل غبن رأيه وقيل سفه بالكسر متعد وبالضم لازم ويشهد له ما جاء في الحديث الكبر ان تسفه الحق وتغمض الناس. في المحاسن عن السجاد: ما احد على ملة ابراهيم الا نحن وشيعتنا وسائر الناس منها برا. وفي الكافي عن الصادق والكاظم (عليهما السلام) ما في معناه. ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين حجة وبيان لذلك فان من كان بهذه الصفة فهو حقيق بأن يتبع لا يرغب عن اتباعه الا سفيه أو متسفه. (131) إذ قال له ربه أسلم قال مبادرا إلى الاذعان واخلاص السر أسلمت لرب العالمين. (132) ووصى بها أي بالملة أو بهذه الكلمة أي بكلمة أسلمت لرب العالمين وقرئ أوصى إبراهيم بنيه ويعقوب ووصى بها يعقوب أيضا بنيه يا بنى إن الله اصطفى لكم الدين دين الاسلام فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون أمرهم بالثبات على الاسلام بحيث لا يتطرق إليه الزوال بحال. (133) أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت على لأنكار أي ما كنتم حاضرين، قيل ان اليهود قالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ألست تعلم أن يعقوب أوصى بنيه باليهودية يوم مات فنزلت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي أراد به تقريرهم على التوحيد والاسلام وأخذ ميثاقهم على الثبات عليهما قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق عد اسماعيل من آبائه لأن العرب تسمي العم
[ 192 ]
أبا كما تسمي الجد ابا وذلك لوجوب تعظيمهما كتعظيمه، وفي الحديث عم الرجل صنو ابيه إلها وحدا تصريح بالتوحيد ونحن له مسلمون. العياشي عن الباقر (عليه السلام) أنها جرت في القائم (عليه السلام.
أقول: لعل مراده (عليه السلام) أنها جارية في قائم آل محمد (عليهم السلام) فكل قائم منهم يقول حين الموت ذلك لبنيه ويجيبونه بما أجابوا به. (134) تلك أمة قد خلت يعني إبراهيم ويعقوب وبنيهما لها ما كسبت ولكم ما كسبتم لكل أجر عمله. أقول: يعني انتسابكم إليهم لا ينفعكم وإنما الانتفاع بالأعمال. ولا تسألون عما كانوا يعملون لا تؤاخذون بسيئاتهم كما لا تثابون بحسناتهم. (135) وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا تهتدوا قالت اليهوذ كونوا هودا تهتدوا وقالت النصارى كونوا نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم بل نكون اهل ملة ابراهيم متبعين له حنيفا مائلا عن كل دين إلى دين الحق. العياشي عن الصادق (عليه السلام) قال الحنيفية هي الاسلام، وعن الباقر (عليه السلام) قال ما أبقت الحنيفية شيئا حتى ان منها قص الشارب وقلم الأظافر والختان وما كان إبراهيم من المشركين تعريض لأهل الكتابين فانهم كانوا يدعون اتباع ملة إبراهيم وهم مع ذلك كانوا على الشرك. (136) قولوا آمنا بالله. في الكافي والعياشي عن الباقر (عليه السلام) إنما عنى بذلك عليا وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) وجرت في الأئمة (عليهم السلام) ثم يرجع القول من الله في الناس فقال فان آمنوا يعني الناس بما آمنتم به الأية والعياشي مضمرا وأما قوله قولوا فهم آل محمد (عليهم السلام. وما أنزل إلينا يعني القرآن وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط يعني الصحف والأسباط حفدة يعقوب. العياشي: عن الباقر (عليه السلام أنه سئل هل كان ولد يعقوب أنبياء قال: لا
[ 193 ]
ولكنهم كانوا أسباطا أولاد الأنبياء ولم يكونوا فارقوا الدنيا الا سعداء تابوا وتذكروا ما
صنعوا. وما أوتي موسى وعيسى التوراة والانجيل وما أوتي النبيون جملة المذكورون منهم وغير المذكورين من ربهم نزل عليهم من ربهم لا نفرق بين أحد منهم كاليهود يؤمن ببعض ويكفر ببعض، وأحد لوقوعه في سياق النفي عم فساغ أن يضاف إليه بين ونحن له لله مسلمون مذعنون مخلصون. في الخصال فيما علم أمير المؤمنين (عليه السلام) أصحابه إذا قرأتم قولوا آمنا فقولوا آمنا إلى قوله مسلمون. وفي الفقيه في وصاياه لابنه محمد بن الحنفية وفرض على اللسان الا قرار والتعبير عن القلب بما عقده عليه فقال عز وجل قولواآمنا بالله وما انزل الينا الآية. (137) فأن آمنواأي سائر الناس بمثل ما آمنتم به بما آمنتم به والمثل مقحم في مثله كما في قوله تعالى وشهد شاهد من بنى إسرائيل على مثله أي عليه وقرئ بحذفه فقد اهتدوا وإن تولوا أعرضوا فإنما هم في شقاق في كفر كذا في المجمع عن الصادق (عليه السلام) وأصله المخالفة والمناوأة فان كل واحد من المتخالفين في شق غير شق الآخر فسيكفيكهم الله تسلية وتسكين للمؤمنين ووعد لهم بالحفظ والنصر على من ناوأهم وهو السميع لأقوالكم العليم باخلاصكم. (138) صبغة الله صبغنا الله صبغة وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها وفسرها الصادق (عليه السلام) بالاسلام كما في الكافي ورواه العياشي وعنه هي صبغ المؤمنين بالولاية في الميثاق وقيل سمي صبغة لأنه ظهر عليهم أثره ظهور الصبغ على المصبوغ وتداخل قلوبهم تداخل الصبغ الثوب أو للمشاكة فان النصارى كانوا يغمسون أو لادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون هو تطهير لهم وبه تحقق نصرانيتهم ومن أحسن من الله صبغة لا صبغة احسن من صبغته ونحن له عابدون تعريض بهم أي لا نشرك به كشرككم.
(139) قل أتحاجوننا اتجادلوننا في الله في شأنه واصطفائه نبيا من العرب قيل
[ 194 ]
ان أهل الكتاب قالوا الأنبياء كلهم مناوديننا أقدم وكتابنا أسبق فلو كنت نبيا لكنت منا فنزلت وهو ربنا وربكم لا اختصاص له بقوم دون قوم يصيب برحمته من يشاء ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم فلا يبعد أن يكرمنا بأعمالنا ونحن له مخلصون موحدون نخلصه بالايمان والطاعة دونكم. (140) أم تقولون وقرئ بالياء إن إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله وقد نفى الله عز وجل عن إبراهيم اليهودية والنصرانية بقوله سبحانه ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله قيل يعني لا أحد أظلم من أهل الكتاب حيث كتموا شهادة الله لابراهيم بالحنيفية والبراءة من اليهودية والنصرانية أو منالو كتمنا هذه الشهادة وفيه تعريض بكتمانهم شهادة الله لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنبوة ولعلي (عليه السلام) بالوصاية في كتبهم وغيرها وما الله بغافل عما تعملون وقرئ بالياء وعيد لهم. (141) تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون قيل التكرير للمبالغة في التحذير والزجر عما استحكم في الطبائع من الافتخار بالآباء والاتكال عليهم أو الخطاب فيما سبق لهم وفي هذه الآية لنا تحذير عن الاقتداء بهم أو المراد بالامة في الأول الأنبياء وفي الثاني أسلاف اليهود والنصارى. (142) سيقول السفهاء من الناس الذين خف أحلامهم أو استمهنوها بالتقليد والاعراض عن النظر يريد المنكرين لتغيير القبلة من المنافقين واليهود والمشركين وفائدة تقديم الأخبار به توطين النفس واعداد الجواب ما ولا هم ما صرفهم عن قبلتهم
التي كانوا عليها يعني بيت المقدس قل لله المشرق والمغرب لا يختص به مكان دون مكان يهدي به من يشاء إلى صراط مستقيم وهو ما يقتضيه الحكمة والمصلحة من التوجه إلى بيت المقدس تارة وإلى الكعبة أخرى. وفي تفسير الامام (عليه السلام) عند قوله عز وجل ما ننسخ من آية أو ننسها.
[ 195 ]
وفي الاحتجاج أيضا عنه (عليه السلام) قال لما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة أمره الله عز وجل أن يتوجه نحو بيت المقدس في صلواته ويجعل الكعبة بينه وبينها إذا أمكن وإذا لم يمكن استقبل بيت المقدس كيف كان وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يفعل ذلك طول مقامه بها ثلاث عشرة سنة فلما كان بالمدينة وكان متعبدا باستقبال بيت المقدس استقبله وانحرف عن الكعبة سبعة عشر شهرا وجعل قوم من مردة اليهود يقولون والله ما يدري محمد كيف صلى حتى صار يتوجه إلى قبلتنا ويأخذ في صلواته بهدانا ونسكنا فاشتد ذلك على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما اتصل به عنهم وكره قبلتهم واحب الكعبة فجاءه جبرائيل فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا جبرائيل لوددت لو صرفني الله عز وجل عن بيت المقدس إلى الكعبة فلقد تأذيت بما يتصل بي من قبل اليهود من قبلتهم فقال جبرائيل (عليه السلام): فسل ربك أن يحولك إليها فانه لا يردك عن طلبتك ولا يخيبك عن بغيتك فلما استتم دعاؤه صعد جبرائيل ثم عاد من ساعته فقال اقرأيا محمد قد نرى تقلب وجهك في السماء الايات فقالت اليهود عند ذلك ما ولا هم عن قبلتهم التي كانوا عليها فأجابهم الله بأحسن جواب فقال قل لله المشرق والمغرب وهو يملكهما وتكليفه التحول إلى جانب كتحويله لكم إلى جانب آخر يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وهو مصلحهم ومؤديهم بطاعتة إلى جنات النعيم قوم من اليهود الى رسول الله (عليه وآله وسلم) فقالوا يا محمد هذه القبلة بيت المقدس قد
صليت إليها اربع عشرة سنة ثم تركتها الآن فحقا كان ما كنت عليه فقد تركته إلى باطل فان ما يخالف الحق فهو باطل أو كان باطلا فقد كنت عليه طول هذه المدة فما يؤمننا أن تكون الآن على باطل فقال رسول الله (صلى الله عليه بل ذلك كان حقا وهذا حق يقول الله تعالى: * (قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) * إذا عرف صلاحكم يا أيها العباد في استقبال المشرق أمركم به وإذا عرف صلاحكم في استقبال المغرب أمركم به فلا تنكروا تدبير الله تعالى في عباده وقصده إلى مصالحكم ثم قال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لقد تركتم العمل يوم السبت ثم عملتم بعده في سائر الأيام ثم تركتموه في السبت ثم عملتم بعده أفتركتم
[ 196 ]
الحق إلى الباطل أو الباطل إلى حق أو الباطل إلى باطل أو الحق إلى حق قولوا كيف شئتم فهو قول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وجوابه لكم قالوا بل ترك العمل في السبت حق والعمل بعده حق فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فكذلك قبلة بيت المقدس في وقته حق ثم قبلة الكعبة في وقتها حق فقالوا يا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أفبدا لربك فيما كان أمرك به بزعمك من الصلاة إلى بيت المقدس حين نقلك إلى الكعبة فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما بدا له عن ذلك فانه العالم بالعواقب والقادر على المصالح لا يستدرك على نفسه غلطا ولا يستحدث رأيا بخلاف المتقدم جل عن ذلك ولا يقع عليه أيضا مانع يمنعه من مراده وليس يبدو الا لمن كان هذا وصفه وهو جل وعز يتعالى عن هذه الصفات علوا كبيرا ثم قال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أيها اليهود أخبروني عن الله أليس يمرض ثم يصح ويصح ثم يمرض أبدا له في ذلك أليس يحيي ويميت أبدا له في كل واحد من ذلك ؟ قالوا: لا، قال فكذلك الله يعبد نبيه محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصلاة إلى الكعبة بعد أن كان يعبده بالصلاة إلى بيت المقدس وما بدا له في الأول قال أليس
الله يأتي بالشتاء في أثر الصيف والصيف بعد الشتاء أبدا له في كل واحد من ذلك قالوا: لا قال: فكذلك لم يبد له في القبلة ثم قال أليس ألزمكم في الشتاء أن تحترزوا من البرد بالثياب الغليظة وألزمكم في الصيف أن تحترزوا من الحر فبدا له في الصيف حتى أمركم بخلاف ما كان أمركم به في الشتاء قالوا: لا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): فكذلكم الله في تعبدكم في وقت لصلاح يعلمه بشئ ثم تعبدكم في وقت آخر لصلاح آخر يعلمه بشئ آخر فإذا أطعتم الله في الحالين استحققتم ثوابه وأنزل الله * (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله) * إذا توجهتم بأمره فثم الوجه الذي تقصدون منه الله وتأملون ثوابه ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يا عباد الله أنتم كالمرضى والله رب العالمين كالطبيب وصلاح المريض فيما يعلمه الطبيب ويدبره لا فيما يشتهيه المريض ويقترحه الا فسلموالله أمره تكونوا من الفائزين. (143) وكذ لك جعلناكم أمة القمي يعني أئمة وسطا قال أي عدلا وواسطة بين
[ 197 ]
الرسول والناس. أقول: فالخطاب للمعصومين (عليهم السلام) خاصة لتكونوا شهداء على الناس يعني يوم القيامة ويكون الرسول عليكم شهيدا في الكافي والعياشي عن الباقر (عليه السلام) نحن الأمة الوسط ونحن شهداء الله على خلقه وحججه في أرضه وسمائه وفي حديث ليلة القدر عنه (عليه السلام) وايم الله لقد قضي الأمر أن لا يكون بين المؤمنين اختلاف ولذلك جعلهم شهداء على الناس ليشهد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) علينا ولنشهد على شيعتنا ولتشهد شيعتنا على الناس. أقول: أراد بالشيعة خواص الشيعة الذين معهم وفي درجتهم كما قالوا شيعتنا معنا وفي درجتنا لئلا ينافي الخبر السابق والأخبار الآتية، وفي شواهد التنزيل عن
أمير المؤمنين (عليه السلام) إيانا عني بقوله: لتكونوا شهداء على الناس فرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) شاهد علينا ونحن شهداء الله على خلقه وحجته في أرضه ونحن الذين قال الله وكذلك جعلناكم أمة وسطا. والعياشي عن الباقر (عليه السلام) نحن نمط الحجاز قيل وما نمط الحجاز قال أوسط الأنماط إن الله يقول وكذلك جعلناكم أمة وسطا قال إلينا يرجع الغالي وبنا يلحق المقصر. وفي المناقب عنه (عليه السلام) إنما أنزل الله وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدأ على الناس ويكون الرسول شهيدا عليكم قال ولا يكون شهداء على الناس إلا الأئمة والرسل فأما الأمة فانه غير جائز ان يستشهدها الله وفيهم من لا تجوز شهادته في الدنيا على حزمة بقل. أقول: لعل المراد بهذا المعنى أنزل الله وقد مضى في دعاء إبراهيم ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وقد عرفت هناك أن الامة بمعنى المقصود سميت بها الجماعة لأن الفرق تؤمها. والعياشي عن الصادق (عليه السلام) قال ظننت أن الله عنى بهذه الآية جميع أهل
[ 198 ]
القبلة من الموحدين أفترى أن من لا يجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر يطلب الله شهادته يوم القيامة ويقبلها منه بحضرة جميع الامم الماضية كلا لم يعن الله مثل هذا من خلقه يعني الامة التي وجبت لها دعوة إبراهيم كنتم خير امة اخرجت للناس وهم الأئمة الوسطى وهم خير امة اخرجت للناس. أقول: لما كان الأنبياء والأوصياء معصومين من الكذب وجاز الوثوق بشهادتهم لله سبحانه على الامم دون سائر الناس جعل الله تعالى في كل أمة منهم شهيدا ليشهد عليهم بأن الله أرسل رسوله إليهم واتم حجته عليهم وبأن منهم من
أطاعه ومنهم من عصاه لئلا ينكرونه غدا فالنبي يشهد لله على الأئمة بأن الله أرسله إليهم وأنهم أطاعوه والأئمة يشهدون لله على الامم بأن الله أرسل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إليهم وللنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنه بلغهم وأن منهم من أطاعه ومنهم من عصاه وكذلك يشهد نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) لسائر النبيين على أممهم بأن النبيين بلغوا رسالا ت ربهم إلى أممهم، ويأتي تمام الكلام في هذا في سورة النساء إنشاء الله. وما جعلنا القبلة التى كنت عليها يعني بيت المقدس إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه يرتد عن دينه الفا بقبلة آبائه، في تفسير الامام وفي الاحتجاج عنه (عليه السلام) يعني الا لنعلم ذلك منه وجودا بعد أن علمناه سيوجد قال وذلك ان هوى أهل مكة كان في الكعبة فأراد الله أن يبين متبع محمد ممن خالفه باتباع القبلة التي كرهها ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يأمر بها ولما كان هوى أهل المدينة في بيت المقدس أمرهم بمخالفتها والتوجه إلى الكعبة ليتبين من يوافق محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يكرهه فهو مصدقه وموافقه وإن كانت الصلاة إلى بيت المقدس في ذلك الوقت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وعرف ان الله يتعبد بخلاف ما يريده المرء ليبتلي طاعته في مخالفة هواه وما كان الله ليضيع إيمنكم يعني صلاتكم إن الله بالناس لروف رحيم. العياشي عن الصادق (عليه السلام) أنه سئل عن الايمان أقول هو وعمل أم قول
[ 199 ]
بلا عمل فقال الايمان عمل كله والقول بعض ذلك العمل مفترض من الله مبين في كتابه واضح نوره ثابتة حجته يشهد له بها الكتاب ويدعو إليه ولما انصرف نبيه إلى الكعبة عن بيت المقدس قال المسلمون للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أرأيت صلاتنا التي كنا نصلي إلى بيت المقدس ما حالنا فيها وحال من مضى من أمواتنا وهم يصلون
إلى بيت المقدس فأنزل الله وما كان الله ليضيع إيمانكم فسمي الصلاة إيمانا فمن لقي الله حافظا لجوارحه موفيا كل جارحة من جوارحه ما فرض الله عليه لقي الله مستكملا لايمانه وهو من أهل الجنة ومن خان في شئ منها أو تعدى ما أمر الله فيها لقي الله ناقص الايمان. (144) قد نرى تقلب وجهك في السماء أي تردد وجهك في جهة السماء تطلعا للوحي، وقيل كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقع في روعه ويتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم وأقدم القبلتين وادعى للعرب إلى الايمان ولمخالفة اليهود فلنولينك قبلة ترضاها تحبها وتتشوق إليها لمقاصد دينية وافقت مشية الله تعالى وحكمته فول وجهك اصرف وجهك شطر المسجد الحرام نحوه وإنما ذكر المسجد اكتفاء بمراعاة الجهة. والقمي ان هذه الآية متقدمة على آية سيقول السفهاء. وفي الفقيه أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صلى إلى بيت المقدس بعد النبوة ثلاث عشرة سنة بمكة وتسعة عشر شهرا بالمدينة ثم عيرته اليهود فقالوا له إنك تابع لقبلتنا فاغتم لذلك غما شديدا فلما كان في بعض الليل خرج (عليه السلام) يقلب وجهه في آفاق السماء فلما أصبح صلى الغداة فلما صلى من الظهر ركعتين جاء جبرائيل فقال له قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام الآية ثم أخذ بيد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فحول وجهه إلى الكعبة وحول من خلفه وجوههم حتى قام الرجال مقام النساء والنساء مقام الرجال فكان أول صلاته إلى البيت المقدس وآخرها الى الكعبة وبلغ الخبر مسجدا بالمدينة وقد صلى أهله من العصر ركعتين فحولوا نحو القبلة فكانت أول صلاتهم إلى بيت المقدس وآخرها إلى الكعبة فسمي ذلك المسجد مسجد القبلتين.
[ 200 ]
والقمي ما يقرب منه قال: وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مسجد بني
سالم. وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره خص الرسول بالخطاب تعظيما له وإيجابا لرغبته ثم عم تصريحا بعموم الحكم جميع الامة وسائر الأمكنة وتأكيد الأمر القبلة وتخصيصا للامة على المتابعة وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم لعلمهم بأن عادته تعالى تخصيص كل شريعة بقبلة ولتضمن كتبهم أنه يصلي إلى القبلتين وما الله بغافل عما يعملون وعد ووعيد للفريقين. (145) ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية برهان وحجة ما تبعوا قبلتك لأن المعاند لا تنفعه الدلالة وما أنت بتابع قبلتهم قطع لأطماعهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض لتصلب كل حزب فيما هو فيه ولئن اتبعت أهواء هم من بعد ما جاءك من العلم على سبيل الفرض المحال أو المراد به غيره من أمته من قبيل إياك أعني واسمعي يا جارة إنك إذا لمن الظالمين أكد تهديده وبالغ فيه تعظيما للحق وتحريصا على اقتفائه وتحذيرا عن متابعة الهوا واستعظاما لصدور الذنب عن الأنبياء. (146) الذين آتيناهم الكتاب يعني علماءهم يعرفونه يعرفون محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) بنعته وصفته ومبعثه ومهاجره وصفة أصحابه في التوراة والانجيل كما يعرفون أبناءهم في منازلهم وإن فريقاوهم المعاندون دون المؤمنين ليكتمون الحق وهم يعلمون. (147) الحق من ربك إنك الرسول إليهم فلا تكونن من الممترين الشاكين. (148) ولكل وجهة ولكل قوم قبلة وملة وشرعة ومنهاج يتوجهون إليها هو موليها الله موليها إياهم وقرئ مولا ها بالألف أي قد وليها فاستبقوا الخيرت الطاعات وفي الكافي عن الباقر (عليه السلام) الخيرات الولاية. أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا قيل أينما متم في بلاد الله يأت بكم الله جميعا إلى المحشر يوم القيامة.
[ 201 ]
وفي اخبار أهل البيت أن المراد به أصحاب المهدي في آخر الزمان. وفي المجمع والعياشي عن الرضا (عليه السلام) أن لو قام قائمنا لجمع الله جميع شيعتنا من جميع البلدان. وفي الاكمال والعياشي عن الصادق (عليه السلام) لقد نزلت هذه الآية في أصحاب القائم وإنهم المفتقدون من فرشهم ليلا فيصبحون بمكة وبعضهم يسير في السحاب نهارا نعرف اسمه واسم أبيه وحليته ونسبه إن الله على كل شئ قدير على الاماتة والاحياء والجمع. (149) ومن حيث خرجت للسفر في البلاد فول وجهك شطر المسجد الحرام إذا صليت وإنه للحق من ربك وإن التوجه إلى الكعبة للحق الثابت المأمور به من ربك وما الله بغافل عما تعملون وقرئ بالياء. (150) ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره قيل كرر الحكم لتعدد علله فانه تعالى ذكر للتحويل ثلاث علل تعظيم الرسول بتغاء لمرضاته وجري العادة الالهية على أن يولي أهل كل ملة وصاحب دعوة جهة يستقبلها ويتميز بها ودفع حجج المخالفين كما يأتي وقرن بكل علة معلولها كما يقرن المدلول بكل واحد من دلائله تقريبا وتقريرامع أن القبلة لها شأن والنسخ من مظان الفتنة والشبهة فبالحري أن يؤكد أمرها ويعاد ذكرها مرة بعد أخرى لئلا يكون للناس عليكم حجة علة لقوله تعالى فولوا، والمعنى أن التولية عن بيت المقدس إلى الكعبة يدفع احتجاج اليهود بأن المنعوت في التوراة قبلته الكعبة وان محمدا يجحد ديننا ويتبعنا في قبلتنا واحتجاج المشركين بأنه يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته إلا الذين ظلموا منهم. القمي: إلا هاهنا بمعنى ولا وليست استثناء يعني ولا الذين ظلموا منهم وقيل
معناه إلا الحجة الداحضة من المعاندين بأن قالواما تحول إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين قومه وحبا لبلده أو بدا له فرجع إلى قبلة آبائه ويوشك أن يرجع إلى دينهم.
[ 202 ]
فلا تخشوهم فان مطاعنهم لا تضركم واخشوني فلا تخالفوا ما أمرتكم به ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تمام النعمة دخول الجنة وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) تمام النعمة الموت على الاسلام. أقول: لا تنافي بين الخبرين لتلازم الأمرين. (151) كما أرسلنا فيكم رسولا منكم أي ولأتم نعمتي عليكم كما أتممتها بإرسال رسول منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم يحملكم على ما تصيرون به أزكياء قدمه على التعليم باعتبار القصد وأخره في دعوة إبراهيم باعتبار الفعل ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون بالفكر والنظر إذ لا طريق إلى معرفته سوى الوحي وكرر الفعل ليدل على أنه جنس آخر. (152) فاذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب واشكروا لي ما أنعمت به عليكم ولا تكفرون بجحد النعم وعصيان الأمر أراد بالكفر كفر النعم كذا في الكافي والعياشي عن الصادق، والقمي عن الباقر صلوات الله عليهما ذكر الله لأهل الطاعة أكبر من ذكرهم إياه ألا ترى أنه يقول اذكروني أذكركم. وفي الخصال: عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أذكروا الله في كل مكان فانه معكم. وفي الكافي عن الصادق (عليه السلام) قال قال الله عز وجل: * (يا بن آدم اذكرني في ملأ أذكرك في ملأخير من ملئك) * وعنه (عليه السلام) في حديث عيسى يا عيسى اذكرني في نفسك أذكرك في نفسي واذكرني في ملئك أذكرك في ملأخير من ملأ الآدميين.
وعنه (عليه السلام) ان الله لم يذكره أحد من عباده المؤمنين الا ذكره بخير فاعطوا الله من أنفسكم الاجتهاد في طاعته. وفي المجمع والعياشي عن الباقر (عليه السلام) قال قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ان الملك ينزل الصحيفة من أول النهار وأول الليل يكتب فيها عمل ابن آدم
[ 203 ]
فأملوا في أولها خيرا وفي آخرها خيرا فان الله يغفر لكم ما بين ذلك انشاء الله فانه يقول اذكروني أذكركم. وفي الخصال عنه (عليه السلام) في البلاء من الله الصبر فريضة وفي القضاء من الله التسليم فريضة وفي النعمة من الله الشكر فريضة. وعن السجاد: من قال الحمد لله فقد أدى شكر كل نعم الله. وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) شكر كل نعمة الورع عما حرم الله. والعياشي عن الصادق (عليه السلام) أنه سئل هل للشكر حد إذا فعله الرجل كان شاكرا قال نعم قيل وما هو قال الحمد لله على كل نعمة أنعمها علي وإن كان له فيما أنعم عليه حق أداه ومنه قول الله: * (الحمد لله الذي سخر لنا هذا) * حتى عد آيات. (153) يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر عن المعاصي وحظوظ النفس والصلاة التي هي أم العبادات ومعراج المؤمنين ومناجاة رب العالمين إن الله مع الصابرين بالنصر وإجابة الدعوة. في مصباح الشريعة عن الصادق (عليه السلام) في كلام له قال فمن صبر كرها ولم يشك إلى الخلق ولم يجزع بهتك ستره فهو من العام ونصيبه ما قال الله وبشر الصابرين أي بالجنة ومن استقبل البلايا بالرحب وصبر على سكينة ووقار فهو من الخاص ونصيبه ما قال الله ان الله مع الصابرين. (154) ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات أي هم أموات بل أحياء بل
هم أحياء ولكن لا تشعرون ما حالهم. في الكافي والتهذيب عن يونس بن ظبيان عن الصادق (عليه السلام) أنه قال له ما يقول الناس في أرواح المؤمنين قال يقولون في حواصل طيور خضر في قناديل تحت العرش فقال سبحان الله المؤمن أكرم على الله من أن يجعل روحه في حوصلة طير يا يونس إذا كان ذاك أتاه محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم والملائكة المقربون فإذا قبضه الله تعالى صير تلك الروح في قالب كقالبه في الدنيا
[ 204 ]
فيأكلون ويشربون فإذا قدم عليهم القادم عرفوه بتلك الصورة التي كانت في الدنيا. وفي التهذيب عنه (عليه السلام) أنه سئل عن أرواح المؤمنين فقال في الجنة على صور أبدانهم لو رأيته لقلت فلان. (155) ولنبلونكم ولنصيبنكم إصابة المختبر هل تصبرون على البلاء وتستسلمون للقضاء بشئ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين أي بالجنة كما مر. وفي نهج البلاغة إن الله يبتلي عباده عند الأعمال السيئة بنقص الثمرات وحبس البركات وإغلاق خزائن الخيرات ليتوب تائب ويقلع مقلع ويتذكر متذكر ويزدجر مزدجر. وفي الاكمال عن الصادق (عليه السلام) ان هذه علامات قيام القائم يكون من الله عز وجل للمؤمنين قال بشئ من الخوف من ملوك بني أمية في آخر سلطانهم والجوع بغلاء أسعارهم ونقص من الأمول فساد التجارات وقلة الفضل ونقص من الأنفس الموت الذريع ونقص من الثمرات بقلة ريع ما يزرع وبشر الصابرين عند ذلك بتعجيل خروج القائم (عليه السلام) ثم قال هذا تأويله ان الله عز وجل يقول وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم.
(156) الذين إذا أصابتهم مصيبة في الحديث كل شئ يؤذي المؤمن فهو له مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. في نهج البلاغة: إن قولنا انا لله إقرار على أنفسنا بالملك وقولنا انا إليه راجعون إقرار على أنفسنا بالهلك. وفي المجمع: عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفا صالحا يرضاه وقال قال من أصيب بمصيبة فأحدث استرجاعا وان تقادم عهدها كتب الله له من الأجر مثل يوم اصيب. وفي الكافي: عن الباقر (عليه السلام) ما من عبد يصاب بمصيبة فيسترجع عند
[ 205 ]
ذكره المصيبة ويصبر حين تفجأه الا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وكل ما ذكر مصيبته فاسترجع عند ذكره المصيبة غفر الله له كل ذنب فيما بينهما. وعن الصادق (عليه السلام) من ذكر مصيبة ولو بعد حين فقال إنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين اللهم أجرني على مصيبتي واخلف علي أفضل منها كان له من الأجر مثل ما كان عند اول صدمتة. وفي الخصال والعياشي: عنه (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أربع خصال من كن فيه كان في نور الله الأعظم من كانت عصمة أمره شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن إذا أصابته مصيبة قال: إنا لله وإنا إليه راجعون ومن إذا أصاب خيرا قال الحمد لله ومن إذاأصابته خطيئة قال استغفر الله وأتوب إليه. (157) أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون قيل الصلاة من الله التزكية والمغفرة والرحمة واللطف والاحسان. وفي الخصال والعياشي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال الله تعالى إني جعلت
الدنيا بين عبادي فيضا فمن أقرضني منها قرضا أعطيته بكل واحدة منها عشرا إلى سبعماءة ضعف وما شئت من ذلك ومن لم يقرضني منها قرضا فأخذت منه قسرا أعطيته ثلاث خصال لو أعطيت واحدة منهن لملائكتي لرضوا الصلاة والهداية والرحمة إن الله تعالى يقول الذين إذا أصابتهم مصيبة الآية. (158) إن الصفا والمروة هما علما جبلين بمكة من شعائر الله من أعلام مناسكه جمع شعيرة وهي العلامة فمن حج البيت أو اعتمر الحج لغة القصد والاعتمار الزيارة فغلبا شرعا على قصد البيت وزيارته على الوجهين المخصوصين فلا جناح عليه أن يطوف بهما العياشي عن الباقر (عليه السلام) أي لا حرج عليه أن يطوف بهما. وفي الكافي والعياشي عن الصادق (عليه السلام) أنه سئل عن السعي بين الصفا
[ 206 ]
والمروة فريضة أم سنة فقال فريضة قيل أو ليس قال الله عز وجل فلا جناح عليه أن يطوف بهما، قال كان ذلك في عمرة القضاء ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) شرط عليهم أن يرفعوا الأصنام من الصفا والمروة فتشاغل رجل عن السعي حتى انقضت الأيام واعيدت الأصنام فجاؤ واإليه فقالوا يا رسول الله إن فلانا لم يسع بين الصفا والمروة وقد اعيدت الأصنام فأنزل الله تعالى: * (إن الصفا والمروة) * إلى قوله فلا جناح عليه أن يطوف بهما أي وعليهما الأصنام. والقمي أن قريشا كانت وضعت أصنامهم بين الصفا والمروة ويتمسحون بها إذا سعوافلما كان من أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة الحديبية ما كان وصدوه عن البيت وشرطوا له أن يخلوا له البيت في عام قابل حتى يقضي عمرته ثلاثة أيام ثم يخرج عنه فلما كانت عمرة القضاء في سنة سبع من الهجرة دخل مكة وقال لقريش ارفعوا أصنامكم حتى أسعى فرفعوها الحديث كما في الكافي بأدنى تفاوت.
وفي الكافي عن الصادق (عليه السلام) أن المسلمين كانوا يظنون أن السعي ما بين الصفا والمروة شي صنعه المشركون فأنزل الله هذه الآية، وعنه (عليه السلام) جعل السعي بين الصفا والمروة مذلة للجبارين ومن تطوع خيرا فأكثر الطواف أو فعل طاعة اخرى وقرئ بالياء وتشديد الطاء وجزم العين فإن الله شاكر عليم مثيب عليه لا يخفى عليه. أقول: الآية الآتية وما بعدها إلى قوله سبحانه: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت مما وجد من تفسير أبي محمد الزكي تفسيره ويكون بناء تفسيرنا فيها عليه كما كان فيما سبق فيما يوجد منه. (159) إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات كأحبار اليهود الكاتمين للآيات الشاهدة على أمر محمد وعلي (عليهما السلام) ونعتهما وحليتهما وكالنواصب الكاتمين لما نزل في فضل علي (عليه السلام) والهدى وكل ما يهدي إلى وجوب اتباعهما والايمان بهما من بعد ما بيناه للناس في الكتاب في التوراة وغيره ألئك يلعنهم الله ويلعنهم اللا عنون أي الذين يتأتى منهم اللعن عليهم من الملائكة والثقلين حتى
[ 207 ]
أنفسهم فان الكافرين يقولون لعن الله الكافرين. والعياشي: عن الصادق (عليه السلام) في قوله اللاعنون قال نحن هم وقد قالوا هوام الأرض. وفي الاحتجاج وتفسير الامام (عليه السلام): في غير هذا الموضع قال أبو محمد (عليه السلام) قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام) من خير خلق الله بعد أئمة الهدى ومصابيح الدجى قال العلماء إذا صلحوا قيل فمن شر خلق الله بعد إبليس وفرعون وثمود وبعد المتسمين بأسمائكم والمتلقبين بألقابكم والآخذين لأمكنتكم والمتامرين في ممالككم قال العلماء إذا فسدوا هم المظهرون للأباطيل الكاتمون للحقائق وفيهم
قال الله عز وجل أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللعنون. وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال من سئل عن علم يعلمه فكتمه الجم يوم القيامة بلجام من نار. والقمي مرفوعا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه ومن لم يفعل فعليه لعنة الله. والعياشي عن الباقر (عليه السلام) أن رجلا أتى سلمان الفارسي رضي الله عنه فقال حدثني فسكت عنه ثم عاد فسكت ثم عاد فسكت فأدبر الرجل وهو يتلو هذه الآية: * (إن الذين يكتمون) * فقال له أقبل انا لو وجدنا أمينا لحدثناه الحديث. (160) إلا الذين تابوا عن الكتمان وأصلحوا ما أفسدوا بالتدارك وبينوا ما ذكره الله من نعت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وصفته وما ذكره رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من فضل علي وولايته لتتم توبتهم فاولئك أتوب عليهم بالقبول والمغفرة وأنا التواب الرحيم المبالغ في قبول التوبة وإفاضة الرحمة. (161) إن الذين كفروا في ردهم نبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وولاية علي (عليه السلام) وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين استقر عليهم البعد من الرحمة.
[ 208 ]
(162) خالدين فيها في اللعنة في نار جهنم لا يخفف عنهم العذاب يوما ولا ساعة ولا هم ينظرون يمهلون. (163) وإلهكم إله واحد قيل أي المستحق منكم للعباده واحد لا شريك له يصح أن يعبد أو يسمى إلها لا إله إلا هو تقرير للوحدانية وإزاحة لأن يتوهم ان في الوجود إلها ولكن لا يستحق منهم العبادة الرحمن الرحيم كالحجة عليها. (164) إن في خلق السماوات والارض بلا عمد من تحتها تمنعها من السقوط
ولا علاقة من فوقها تحبسها من الوقوع عليكم وانتم أيها العباد والإماء اسرائي في قبضتي الأرض من تحتكم لا منجى لكم منها أين هربتم والسماء من فوقكم لا محيص لكم عنها اين ذهبتم فان شئت أهلكتكم بهذه وإن شئت أهلكتكم بتلك ثم ما في السموات من الشمس المنيرة في نهاركم لتنشروا في معايشكم ومن القمر المضئ في ليلكم لتبصروا في ظلمتها وألجأتكم بالاستراحة في الظلمة إلى ترك مواصلة الكد الذي ينهك أبدانكم واختلا ف الليل والنهار المتتابعين الكارين عليكم بالعجائب التي يحدثها ربكم في عالمه من إسعاد واشقاء واعزاز واذلال وإغناء وإفقار وصيف وشتاء وخريف وربيع وخصب وقحط وخوف وأمن والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس التي جعلها الله مطاياكم لا تهدأ ليلا ولا نهارا ولا تقتضيكم علفا ولا ماء وكفاكم بالرياح مؤونة تسييرها بقواكم التي كانت لا تقوم بها لو ركدت عنها الرياح لتمام مصالحكم ومنافعكم وبلوغكم الحوائج لأنفسكم وما أنزل الله من السما من ماء وابلا وهطلا ورذاذا لا ينزل عليكم دفعة واحدة فيغرقكم ويهلك معايشكم لكنه ينزل متفرقا من علاء حتى يعم الأوهاد والتلال والتلاع فأحيا به الارض بعد موتها فيخرج نباتها وحبوبها وثمارها وبث فيها من كل دابة منها ما هي لأكلكم ومعايشكم ومنها سباع ضارية حافظة عليكم أنعامكم لئلا تشذ عليكم خوفا من افتراسها لها وتصريف الرياح المربية لحبوبكم المبلغة لثماركم النافية لركود الهواء والاقتار عنكم، وقرئ بتوحيد الريح والسحاب المسخر المذلل الواقف بين السماء والارض يحمل أمطارها ويجري باذن الله ويصبها حيث يؤمر لآيات دلائل واضحات لقوم يعقلون يتفكرون فيها بعقولهم.
[ 209 ]
(165) ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا من الأصنام ومن الرؤساء الذين يطيعونهم.
في الكافي عن الباقر (عليه السلام) والعياشي عن الصادق (عليه السلام) هم والله أولياء فلان وفلان اتخذوهم أئمة دون الامام الذي جعله الله للناس إماما فلذلك قال ولو يرى الذين ظلموا الآية ثم قال والله هم أئمة الظلم وأشياعهم يحبونهم كحب الله قيل أي يعظمونهم ويطيعونهم كتعظيمه والميل إلى طاعته أي يسوون بينهم وبينه في المحبة والطاعة والذين آمنوا أشد حبا لله من هؤلاء المتخذين الأنداد مع الله لأندادهم لأن المؤمنين يرون الربوبية والقدرة لله لا يشركون به شيئا فمحبتهم خالصة له. والعياشي عن الباقر والصادق (عليهما السلام هم آل محمد (عليهم السلام). أقول: يعني الذين آمنوا ويأتي تحقيق معنى محبة الله عز وجل في سورة آل عمران عند تفسير قوله تعالى قل إنكم كنتم تحبون الله انشاء الله. ولو يرى الذين ظلموا باتخاذ الاصنام أندادا لله سبحانه والكفار والفجار مثالا لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي (عليه السلام) وقرئ بالتاء إذ يرون العذاب حين يرون العذاب الواقع بهم لكفرهم وعنادهم وقرئ بضم الياء أن القوة لله يعلمون ان القوة لله جميعا يعذب من يشاء ويكرم من يشاء ولا قوة للكفار يمتنعون بها من عذابه وأن الله شديد العذاب ويعلمون أن الله شديد العذاب وقيل جواب لو محذوف أي لندموا أشد الندم. (166) إذ تبرأ الذين اتبعوا أي لو يرى هؤلاء المتخذون الانداد حين تبرأ الرؤساء من الذين اتبعوا الرعايا والاتباع ورأوا العذاب وتقطعت بهم الا سباب الوصلات التي كانت بينهم يتواصلون بها ففنيت حيلتهم ولا يقدرون على النجاة من عذاب الله بشئ. (167) وقال الذين اتبعوا الاتباع لو أن لنا كرة يتمنون لو كان لهم رجعة إلى
[ 210 ]
الدنيا فنتبرأ منهم هناك كما تبرءوامنا هنا كذ لك كما تبرى بعضهم من بعض يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وذلك إنهم عملوا في الدنيا لغير الله أو على غير الوجه الذي أمر الله فيرونها لا ثواب لها ويرون أعمال غيرهم التي كانت لله قد عظم الله ثواب أهلها. وفي الكافي والفقيه والعياشي عن الصادق (عليه السلام) في قوله عز وجل يريهم الله أعملهم حسرات عليهم هو الرجل يدع ماله لا ينفقه في طاعة الله بخلا ثم يموت فيدعه لمن يعمل فيه بطاعة الله أو معصية الله فان عمل به في طاعة الله رآه في ميزان غيره فرآه حسرة وقد كان المال له وإن كان عمل به في معصية الله قواه بذلك المال حتى عمل به في معصية عز وجل وما هم بخارجين من النار كان عذابهم سرمدا دائما إذ كانت ذنوبهم كفرا لا تلحقهم شفاعة نبي ولا وصي ولا خير من خيار شيعتهم. (168) يا ايها الناس كلوا مما في الارض من أنواع ثمارها وأطعمتها حللا لا طيبا لكم إذا أطعتم ربكم في تعظيم من عظمه والاستخفاف لمن أهانه وصغره وقيل نزلت في قوم حرموا على أنفسهم رفيع الأطعمة والملابس ولا تتبعوا خطوات الشيطان مايخطو بكم إليه ويغر يكم به من مخالفة الله عز وجل. العياشي عن الباقر (عليه السلام) كل يمين بغير الله فهو من خطوات الشيطان. وفي المجمع عنهما (عليهما السلام) ما في معناه إنه لكم عدو مبين. (169) إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون قيل كاتخاذ الأنداد وتحليل المحرمات وتحريم الطيبات. أقول: فيه دلالة على المنع من اتباع الظن في المسائل الدينية رأسا. وفي الكافي عن الصادق (عليه السلام) إياك وخصلتين ففيهما هلك من هلك
إياك أن تفتي الناس برأيك وتدين بما لا تعلم. وعن الباقر (عليه السلام) أنه سئل عن حق الله تعالى على العباد قال أن يقولوا ما
[ 211 ]
يعلمون ويقفوا عند ما لا يعلمون. (170) وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله في كتابه قيل الضمير للناس وعدل عن الخطاب عنهم للنداء على ضلالتهم كأنه التفت إلى العقلاء وقال لهم انظرو إلى هؤلاء الحمقى ماذا يجيبون قالوا بل نتبع ما ألفينا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا من الدين والمذهب أولو كان ابآؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) إلى الحق والصواب. أقول: فيه دلالة على وجوب اعمال البصيرة ولو في معرفة من يقلده. (171) ومثل الذين كفروا في عبادتهم الأصنام واتخاذهم الأنداد من دون محمد وعلي كمثل الذى ينعق يصوت بما لا يسمع منه إلا دعاء ونداء لا يفهم ما يراد منه فيغيث المستغيث ويعين من استعانه. وفي المجمع عن الباقر أي مثلهم في دعائك إياهم إلى الأيمان كمثل الناعق في دعائه المنعوق به من البهائم التي لا تفهم وإنما تسمع الصوت. أقول: يعني بذلك أن مثل داعيهم كمثل داعي البهائم فانهم لا نهماكم في التقليد لا يلقون أذهانهم إلى ما يتلى عليهم ولا يتأملون فيما يقرر معهم فهم في ذلك كالبهائم التي ينعق عليها فتسمع الصوت ولا تعرف مغزاه وتحس النداء ولا تفهم معناه وهذا المعنى مع افتقاره إلى الاضمار أوضح من الأول لأن الأصنام لا تسمع دعاء ولا نداء كما انها لا تفهم ما يراد منها الا أن يجعل ذلك من باب التمثيل المركب أو يجعل اتخاذهم الأنداد في الحديث تفسيرا لعبادتهم الأصنام واريد بالأنداد والأصنام جميعا أئمة الظلال. صم بكم عمي عن الهدى فهم لا يعقلون) أمر الله سبحانه.
(172) يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقنكم واشكروا لله على ما رزقكم وأحل لكم إن كنتم إياه تعبدون. أقول: يعني واشكروا له نعمه إن صح انكم تختصونه بالعبادة وتقرون انه مولى النعم فان عبادته لا تتم إلا بالشكر بأن تعتقدوا بأن النعمة من الله وتصرفوا النعم
[ 212 ]
فيما خلقت له وتحمدوا الله بألسنتكم، وروي عن النبي (صلى عليه وآله وسلم) يقول الله تعالى إني والجن والإنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وارزق ويشكر غيري. (173) إنما حرم عليكم الميتة التي ماتت حتف أنفها بلا ذباحة من حيث اذن الله والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله ما ذكر اسم غير الله عليه من الذبائح وهي التي تتقرب بها الكفار بأسامي أندادهم التي اتخذوها من دون الله فمن اضطر إلى شئ من هذه المحرمات غير باغ ولا عاد وهو غير باغ عند الضرورة على إمام هدى ولا معتد قوال بالباطل في نبوة من ليس بنبي وإمامة من ليس بإمام. وفي الكافي عن الصادق (عليه السلام) الباغي الذي يخرج على الامام والعادي الذي يقطع الطريق لا تحل لهما الميتة. والعياشي عنه (عليه السلام) ما في معناه وفي رواية الباغي الظالم والعادي الغاصب. وفي التهذيب والعياشي عنه (عليه السلام) الباغي باغي الصيد والعادي السارق ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرا هي حرام عليهما ليس هي عليهما كما هي على المسلمين. وفيه وفي الفقيه عن الجواد عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقيل له إنا نكون بأرض عراق فتصيبنا المخمصة فمتى تحل
لنا الميتة قال ما لم تصطبحوا أو تغتبقوا أو تحتقبوا بقلا فشأنكم بهذا، قال عبد العظيم فقلت له يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فما معنى قول الله عز وجل: * (فمن اضطر غير باغ ولا عاد) * فقال العادي السارق والباغي الذي يبغي الصيد بطرا ولهوا لا ليعود به على عياله ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرا هي حرام عليهما في حال الاضطرار كما هي حرام عليهما في حال الاختيار وليس لهما أن يقصرا في صوم ولا صلاة في سفر، الحديث. فلا إثم عليه في تناول هذه الأشياء إن الله غفور ستار لعيوبكم رحيم بكم حين
[ 213 ]
أباح لكم في الضرورة ما حرمه في الرخاء. في الفقيه عن الصادق (عليه السلام) من اضطر إلى الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل شيئا من ذلك حتى يموت فهو كافر. (174) إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا عرضا من الدنيا يسيرا وينالون به في الدنيا عند الجهال رئاسة أولئك ما يأكلون في بطونهم قيل أي مل ء بطونهم يقال أكل في بطنه وأكل في بعض بطنه وفي الحديث كلوا في بعض بطنكم تعفوا إلا النار بدلا من إصابتهم اليسير من الدنيا لكتمانهم الحق ولا يكلمهم الله يوم القيمة بكلام خير بل يلعنهم ويخزيهم وقيل هو كناية عن غضبه تعالى عليهم وتعريض لحرمانهم عن الزلفى من الله ولا يزكيهم من ذنوبهم قيل ولا يثني عليهم ولهم عذاب أليم موجع في النار. (175) أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى في الدنيا والعذاب بالمغفرة في الآخرة بكتمان الحق للأغراض الدنيوية فما أصبرهم على النار ما أجرأهم على عمل يوجب عليهم عذاب النار. وفي الكافي والعياشي ما أصبرهم على فعل ما يعلمون أنه يصيرهم إلى النار.
والقمي ما أجرأهم على النار كلها عن الصادق (عليه السلام). (176) ذلك العذاب بأن الله نزل الكتاب بالحق أي ما يوعدون به يصيبهم ولا يخطيهم وقيل نزل بالحق فرفضوا بالتكذيب والكتمان وإن الذين اختلفوا في الكتاب بأن قال بعضهم سحر وقال آخر إنه شعر وقال آخر انه كهانة إلى غير ذلك لفي شقاق خلاف بعيد عن الحق كان الحق في شق وهم في شق غيره يخالفه. (175) ليس البر الفعل المرضي وقرئ بالنصب أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب إلى الكعبة قيل رد على الذين أكثروا الخوض في أمر القبلة من أهل الكتاب حين حولت إلى الكعبة مدعيا كل طائفة أن البر هو التوجه إلى قبلتها
[ 214 ]
والمشرق قبلة النصارى والمغرب قبلة اليهود. وفي تفسير الامام عن السجاد (عليه السلام) قالت اليهود قد صلينا على قبلتنا هذه الصلاة الكثيرة وفينا من يحيي الليل صلاة إليها وهي قبلة موسى التي أمرنا بها وقالت النصارى قد صلينا على قبلتنا هذه الصلاة الكثيرة وفينا من يحيي الليل صلاة إليها وهي قبلة عيسى التي أمرنا بها وقال كل واحد من الفريقين أترى ربنا يبطل أعمالنا هذه الكثيرة وصلاتنا إلى قبلتنا لأنا لا نتبع محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) على هواه في نفسه واخيه فأنزل الله يا محمد قل ليس البر الطاعة التي تنالون بها الجنان وتستحقون بها الغفران والرضوان ان تولوا وجوهكم بصلواتكم قبل المشرق يا ايها النصارى وقبل المغرب يا ايها اليهود وانتم لأمر الله مخالفون وعلى ولي الله مغتاظون ولكن البر قرئ بتخفيف لكن ورفع البر من آمن قيل يعني البر الذي ينبغي أن يهتم به بر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين واتى المال على حبه اعطى في الله تعالى المستحقين من المؤمنين على حبه للمال وشدة حاجته إليه يأمل الحياة ويخشى الفقر لأنه صحيح شحيح ذوي القربى اعطى قرابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الفقراء
هدية وبرا لا صدقة لأن الله أجلهم عن الصدقة واعطى قرابة نفسه صدقة وبرا واليتامى من بني هاشم الفقراء برا لا صدقة ويتامى غيرهم صدقة وصلة والمساكين) مساكلين الناس وابن السبيل المجتاز المنقطع به لا نفقة معه والسائلين الذين يتكففون وفي الرقاب في تخليصها يعني المكاتبين يعينهم ليؤدوا حقوقهم فيعتقوا وأقام الصللاة بحدودها وآتى الزكوة الواجبة عليه لإخوانه المؤمنين والموفون بعهدهم إذا عاهدوا قيل عطف على من آمن يشمل عهد الله والناس والصابرين نصبه على المدح ولم يعطف لفضل الصبر على سائر الأعمال في البأساء يعني في محاربة الأعداء ولا عدو يحاربه أعدى من إبليس ومردته ويهتف به ويدفعه وإياهم بالصلاة على محمد وآله الطيبين والضراء الفقر والشدة ولا فقر أشد من فقر مؤمن يلجأ إلى التكفف من اعداء آل محمد (عليهم السلام) يصبر على ذلك ويرى ما يأخذه من مالهم مغنما يلعنهم به ويستعين بما يأخذ على تجديد ذكر ولاية الطيبين الطاهرين وحين البأس عند شدة القتال يذكر الله ويصلي على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى علي ولي الله
[ 215 ]
يوالي بقلبه ولسانه أولياء الله ويعادي كذلك أعداء الله أولئك الذين صدقوا في إيمانهم وصدقوا أقاويلهم بأفاعيلهم وأولئك هم المتقون لما أمروا باتقائه. قيل الآية كما ترى جامعة للكمالات الانسانية بأسرها دالة عليها صريحا أو ضمنا فانها بكثرتها وتشتتها منحصرة في ثلاثة أشياء صحة الاعتقاد وحسن المعاشرة وتهذيب النفس وقد أشير إلى الأول بقوله: * (من آمن إلى والنبيين وإلى الثاني) * بقوله: * (وآتى المال إلى وفي الرقاب) * وإلى الثالث بقوله وأقام الصلاة إلى آخرها ولذلك وصف المستجمع لها بالصدق نظرا إلى إيمانه واعتقاده وبالتقوى اعتبارا بمعاشرته للخلق ومعاملته مع الحق وإليه أشار النبي (صلى الله عليه وآله وسللم) بقوله من عمل بهذه الآية فقد استكمل الايمان.
(178) يا ايها الذين آمنوا كتب عليكم قيل أي فرض وأوجب عليكم القصاص في القتلى يعني المساواة وان يسلك بالقاتل في طريق المقتول الذي سلكه به لما قتله الحر بالحر والعبد بالعبد والا نثى بالأنثى. العياشي: عن الصادق (عليه السلام) هي لجماعة المسلمين ما هي للمؤمنين خاصة. وفي التهذيب عنه (عليه السلام) لا يقتل حر بعبد ولكن يضرب ضربا شديدا ويغرم دية العبد ولا يقتل الرجل بالمرأة إلا إذا أدى أهلها إلى أهله نصف ديته. والعياشي ما في معناه قيل كان بين حيين من أحياء العرب دماء وكان لأحدهما على الآخر طول فأقسمو اليقتلن الحر بالعبد والذكر بالأنثى والرجلين بالرجل فلما جاء الاسلام تحاكموا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزلت فأمرهم أن يتكافؤوا فمن عفي له أي الجاني الذي عفي له من أخيه الذي هو ولي الدم قيل ذكر بلفظ الأخوة ليعطف أحدهما على صاحبه بذكر ما هو ثابت بينهما من أخوة الاسلام شئ من العفو وهو العفو من القصاص دون الدية فاتباع فليكن اتباع من العافي أي مطالبته بالدية بالمعروف وهي وصية للولي بأن يطلب الدية بالمعروف بأن لا يظلم الجاني
[ 216 ]
بالزيادة ولا يعنفه وأدآ إليه من الجاني إلى العافي بإحسان وصية للجاني بأن لا يماطله ولا يبخس حقه بل يشكره على عفوه. في الكافي والعياشي عن الصادق (عليه السلام) ينبغي للذي له الحق أن لا يعسر أخاه إذا كان قد صالحه على دية وينبغي للذي عليه الحق أن لا يمطل أخاه إذا قدر على ما يعطيه ويؤدي إليه باحسان ذلك التخيير تخفيف من ربكم ورحمة لما فيه من التسهيل والنفع فانه لو لم يكن إلا القتل أو العفو لقل ما طابت نفس ولي المقتول بالعفو بلا عوض يأخذه فكان قل ما يسلم القاتل من القتل، في العوالي: روي أن
القصاص كان في شرع موسى حتما والدية كان حتما في شرع عيسى فجاءت الحنفية السمحة بتسويغ الأمرين معا قيل كتب على اليهود القصاص وحده وعلى النصارى العفو مطلقا، وخير هذه الامة بينهما وبين الدية تيسيرا عليهم فمن اعتدى بعد ذلك بأن يقبل الدية أو يعفو أو يصالح ثم يجئ بعد فيمثل أو يقتل كذا في الكافي والعياشي عن الصادق فله عذاب أليم. (179) ولكم يا امة محمد في القصاص حياة لأن من هم بالقتل فعرف أنه يقتص منه فكف لذلك عن القتل كان حياة للذي هم بقتله وحياة لهذا الجاني الذي أراد أن يقتل وحياة لغيرهما من الناس إذا علموا أن القصاص واجب لا يجرؤ ون على القتل مخافة القصاص قيل هذا من أوجز الكلام وأفصحه. وفي الأمالي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال اربع قلت فأنزل الله تصديقي في كتابه وعد منها قلت القتل يقل القتل فأنزل الله تعالى ولكم في القصاص حياة يا أولي الا لباب أولي العقول قيل ناداهم للتأمل في حكمة القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس لعلكم تتقون. (180) كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت حضر أسبابه وظهر إماراته إن ترك خيرا مالا كثيرا. في المجمع عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه دخل على مولى له في مرضه وله سبع ماءة درهم أو ستماءة درهم فقال ألا
[ 217 ]
أوصي قال لا إنما قال الله إن ترك خيرا وليس لك كثير مال الوصية للولدين والأقربين بالمعروف بالشئ الذي يعرف العقل أنه لا جور فيه ولا جنف حقا على المتقين. العياشي: عن أحدهما هي منسوخة بآية المواريث وحملت على التقية لموافقتها مذهب العامة ومخالفتها القرآن ولما في الكافي والعياشي عن الباقر (عليه
السلام) أنه سئل عن الوصية للوارث فقال تجوز ثم تلا هذه الآية وفي معناه أخبار أخر كثيرة. أقول: نسخ الوجوب لا ينافي بقاء الجواز. وفي المجمع والعياشي عن الصادق عن ابيه عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) قال من لم يوص عند موته لذوي قرابته ممن لا يرث فقد ختم عمله بمعصية وفي الفقيه والعياشي عن الصادق (عليه السلام) أنه شئ جعله الله تعالى لصاحب هذا الأمر قيل هل لذلك حد قال أدنى ما يكون ثلث الثلث. والعياشي عنه (عليه السلام) حق جعله الله في أموال الناس لصاحب هذا الأمر قيل لذلك حد محدود قال نعم قيل كم قال أدناه السدس وأكثره الثلث. (181) فمن بدله بعد ما سمعه فانما إثمه على الذين يبدلونه والله سميع عليم وعيد للمبدل بغير حق. في الكافي عن أحدهما (عليهما السلام) والعياشي عن الباقر (عليه السلام) في رجل أوصى بماله في سبيل الله قال أعطه لمن أوصى به له وإن كان يهوديا أو نصرانيا إن الله يقول وتلا هذه الآية وفي معناه أخبار كثيرة وفي عدة منها أنه يغرمها إذا خالف. (182) فمن خاف من موص وقرئ بفتح الواو وتشديد الصاد توقع وعلم جنفا أو إثما ميلا عن الحق بالخطأ أو التعمد كذا في المجمع عن الباقر (عليه السلام. وفي العلل والعياشي عن الصادق يعني إذا اعتدى في الوصية. وزاد العياشي وزاد على الثلث ويأتي له معنى آخر.
[ 218 ]
وفي الفقيه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ان الجنف في الوصية من الكبائر فأصلح بينهم بين الورثة والموصي لهم فلا إثم عليه في التبديل لأنه تبديل باطل إلى الحق إن الله غفور رحيم وعد للمصلح وذكر المغفرة لمطابقة ذكر الاثم.
وفي الكافي والعياشي عن الباقر (عليه السلام) أنه سئل عن قول الله تعالى فمن بدله قال نسختها الآية التي بعدها فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه قال يعني الموصي إليه إن خاف جنفا من الموصي فيما أوصى به إليه فيما لا يرضى الله به من خلاف الحق فلا إثم على الموصى إليه أن يرده إلى الحق وإلى ما يرضى الله به من سبيل الخير. وفي رواية في الكافي ان الله اطلق للموصى إليه أن يغير الوصية إذا لم تكن بالمعروف وكان فيها جنف ويردها إلى المعروف لقوله تعالى فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه. والقمي عن الصادق (عليه السلام) إذا أوصى الرجل بوصية فلا يحل للوصي أن يغير وصيته بل يمضيها على ما أوصى إلا أن يوصي بغير ما أمر الله فيعصي في الوصية ويظلم فالموصى إليه جائز له أن يردها إلى الحق مثل رجل يكون له ورثة فيجعل المال كله لبعض الورثة ويحرم بعضها فالوصي جائز له أن يردها إلى الحق وهو قوله تعالى جنفا أو إثما فالجنف الميل إلى بعض ورثتك دون بعض والاثم أن تأمر بعمارة بيوت النيران واتخاذ المسكر فيحل للوصي أن لا يعمل بشئ من ذلك. (183) يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) العياشي عن الصادق (عليه السلام) إنه سئل عن هذه الآية وعن قوله سبحانه كتب عليكم القتال فقال هذه كلها يجمع الضلال والمنافقين وكل من أقر بالدعوة الظاهرة. وفي المجمع عنه (عليه السلام) قال لذة النداء أزال تعب العبادة والعناء كما كتب على الذين من قبلكم من الأنبياء والامم، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أن أولهم آدم يعني أنه عبادة قديمة ما أخلى الله أمة من إيجابها عليهم لم يوجبها عليكم وحدكم وفيه ترغيب على الفعل وتطييب عن النفس لعلكم تتقون المعاصي فان الصيام يكسر
[ 219 ]
الشهوة التي هي معظم أسبابها وفي الحديث من لم يستطع الباه فليصم فان الصوم له وجاء. (184) أياما معدودات قيل أي قلائل فان القليل يعد عدا والكثير يهال هيلا أو موقتات بعدد معلوم فمن كان منكم مريضا مرضا يضره الصوم ويعسر كما يدل عليه قوله تعالى: * (ولا يريد بكم العسر) * أو على سفر راكب سفر فعدة من أيام أخر فعليه عدة من أيام أخر وهذا نص في وجوب الافطار على المريض والمسافر كما ورد عن أئمتنا (عليهم السلام) في أخبار كثيرة حتى قالوا الصائم في شهر رمضان في السفر كالمفطر فيه في الحضر رواه في الكافي والتهذيب والفقيه وفي الثلاثة في حديث الزهري عن السجاد من صام في السفر أو المرض فعليه القضاء لأن الله تعالى يقول فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعن الباقر (عليه السلام) قال سمى رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوما صامواحين أفطر وقصر عصاة قال وهم العصاة إلى يوم القيامة وإنا لنعرف أبناءهم وابناء أبنائهم إلى يومنا هذا. وعن الصادق (عليه السلام) أنه سئل عمن صام في السفر فقال إذا كان بلغه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن ذلك فعليه القضاء وإن لم يكن بلغه فلا شئ عليه. وفي رواية اخرى وإن صامه بجهالة لم يقض، وعنه (عليه السلام) أنه سئل ما حد المرض الذي يفطر فيه الرجل ويدع الصلاة من قيام قال بل الانسان على نفسه بصيرة وهو أعلم بما يطيقه. وفي الكافي عنه (عليه السلام) هو مؤتمن عليه مفوض إليه فان وجد ضعفا فليفطر وإن وجد قوة فليصم كان المريض على ما كان. وفيه أنه (عليه السلام) سئل عن حد المرض الذي يترك منه الصوم قال إذا لم يستطع أن يتسحر.
وفي الفقيه عنه (عليه السلام) الصائم إذا خاف على عينيه من الرمد أفطر، وعنه
[ 220 ]
(عليه السلام) كلما أضر به الصوم فالافطار له واجب واما حد السفر الذي يفطر فيه فقصد ثمانية فراسخ فصاعدا ذهابا أو مع الإياب ما لم ينقطع سفره دونها بعزم إقامة عشرة أيام أو مضي ثلاثين يوما عليه مترددا في بلد أو بالوصول إلى بلد يكون له فيه منزل يقيم فيه ستة أشهر فان انقطع بأحدها فقد صار سفرين بينهما حضور وأن لا يكون السفر عمله إلا إذا جد به السير وشق عليه مشقة شديدة وأن يكون السفر جائزا له وأن يتوارى عن جدران البلد أو يخفى عليه أذانه هذا ما استفدناه من أخبار أئمتنا (عليهم السلام) في شرائط السفر الموجب للافطار في الصيام والتقصير في الصلاة وبيناه في كتابنا المسمى بالوافي من أراد الاطلاع عليه فليراجع إليه. وعلى الذين يطيقونه إن أفطروا فدية طعام مسكين في الجوامع عن الباقر (عليه السلام) طعام مساكين وقرأ به قيل كان القادر على الصيام الذي لا عذر له مخيرا بينه وبين الفدية لكل يوم نصف صاع وقيل مد وكان ذلك في بدو الاسلام حين فرض عليهم الصيام ولم يتعودوا فرخص لهم في الافطار والفدية ثم نسخ ذلك بقوله عز وجل فمن شهد منكم الشهر فليصمه قيل إنه غير منسوخ بل المراد بذلك الحامل المقرب والمرضعة القليلة اللبن والشيخ والشيخة فانه لما ذكر المرض المسقط للفرض وكان هناك اسباب اخر ليست بمرض عرفا لكن يشق معها الصوم وذكر حكمها فيكون تقديره وعلى الذين يطيقونه ثم عرض لهم ما يمنع الطاقة فدية وهذا هو المروي عن الصادق (عليه السلام) ويؤيده ما ورد في شواذ القراءة عن ابن عباس وعلى الذين يطوقونه أي يتكلفونه وعلى هذا يكون قوله وان تصوموا خير لكم كلاما مستأنفا لا تعلق له بما قبله وتقديره وإن صومكم خير عظيم لكم هذا ما قالوه في معنى الآية ويخطر بالبال أنه لا حاجة بنا إلى مثل هذه التكلفات البعيدة من القول بالنسخ تارة مع دلالة الأخبار المعصومية على خلافه والتزام الحذف والتقدير وفصل ما ظاهره الوصل
اخرى مع عدم ثبوت تلك الروايات المشار إليها وذلك لأن الله سبحانه لا يكلف نفسا إلا وسعها كما قاله في محكم كتابه والوسع دون الطاقة كما ورد في تفسيره عن أهل البيت (عليهم السلام) فلا تكلف نفس بما هو على قدر طاقتها أي بما يشق عليها تحمله عادة ويعسر فالذين يطيقون الصوم يعني يكون الصوم بقدر طاقتهم ويكونون معه على
[ 221 ]
مشقة وعلى عسر لم يكلفهم الله على سبيل الحتم كالشيخ والحامل ونحوهما بل خيرهم بينه وبين الفدية توسيعا منه ورحمة ثم جعل الصوم خيرا لهم من الفدية في الأجر والثواب إذا اختاروا المشقة على السعة ويؤ يده القراءة الشاذة كما يؤيده ما ذكروه ويدل على هذا أيضا ما رواه في الكافي والعياشي عن الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى: * (الذين يطيقونه) * قال الشيخ الكبير والذي يأخذه العطاش. وفي رواية المرأة تخاف على ولدها والشيخ الكبير وقوله تعالى: * (وأن تصوموا خير لكم) * فانه يدل على أن المطيق هو الذي يقدر على الصيام حدا في القدرة دون الحد الذي أوجب عليه التكليف. وفي الكافي عن الصادق (عليه السلام) في رجل كبير ضعف عن صوم شهر رمضان قال يتصدق عن كل يوم بما يجزي من طعام مسكين وفي رواية لكل يوم مد فمن تطوع خيرا أي زاد في مقدار الفدية وقرئ يطوع كما في آية الحج فهو فالتطوع خير له وأن تصوموا أيها المطيقون خير لكم من الفدية وتطوع الخير إن كنتم تعلمون ما في الصيام من الفضيلة إن صمتم أو إن كنتم من أهل العلم علمتم ذلك. (185) شهر رمضان أي الأيام المعدودات هي شهر رمضان. وفي الفقيه عن الصادق (عليه السلام) إنما فرض الله صيام شهر رمضان على الأنبياء دون الامم ففضل الله به هذه الامة وجعل صيامه فرضا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى أمته الذي أنزل فيه القرآن أي بيانه وتأويله كما مضى تحقيقه
في المقدمة التاسعة من هذا الكتاب وقرئ بغير الهمزة حيث وقع هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان قد مضى تفسيره في تلك المقدمة فمن شهد منكم الشهر فمن حضر في الشهر ولم يكن مسافرا فليصمه في الكافي والفقيه والتهذيب عن الصادق (عليه السلام) ما أبينها من شهد فليصمه ومن سافر فلا يصمه. وفي التهذيب عنه (عليه السلام) إذا دخل شهر رمضان فلله فيه شرط قال الله تعالى: * (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * فليس للرجل إذا دخل شهر رمضان أن يخرج إلا في حج أو عمرة أو مال يخاف تلفه أو أخ يخاف هلاكه وليس له أن يخرج
[ 222 ]
في إتلاف مال أخيه فإذا مضت ليلة ثلاث وعشرين فليخرج حيث شاء ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر كرر ذلك تأكيدا للأمر بالافطار وإنه عزيمة لا يجوز تركه يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر يريد أن ييسر عليكم ولا يعسر فلذلك أمركم بالافطار في المرض والسفر. في الكافي عن الصادق (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إن الله تصدق على مرضى أمتي ومسافريها بالتقصير والافطار أيسر أحدكم إذا تصدق بصدقة أن ترد عليه. وفي الخصال عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن الله تبارك وتعالى أهدى إلي وإلى أمتي هدية لم يهدهاإلى أحد من الامم كرامة من الله لنا قالوا وما ذلك يا رسول الله قال الافطار في السفر والتقصير في الصلاة فمن لم يفعل ذلك فقد رد على الله هديته. ولتكملوا العدة وشرع جملة ما ذكر لتكملوا عدة أيام الشهر، وقرئ لتكملوا مثقلا ولتكبروا الله على ما هديكم ولتعظموا الله وتمجدوه على هدايته إياكم ولعلكم تشكرون تسهيله الأمر لكم، في الفقيه عن الرضا (عليه السلام) وإنما جعل التكبير في صلاة العيد أكثر منه في غيرها من الصلوات لأن التكبير إنما هو تعظيم لله وتمجيد على ما هدى وعافى كما قال عز وعلا ولتكبروا الله على ما هديكم ولعلكم
تشكرون. وفي الكافي عن الصادق (عليه السلام) أما إن في الفطر تكبيرا ولكنه مسنون قال قلت وأين هو قال في ليلة الفطر في المغرب والعشأ الآخرة وفي صلاة الفجر وفي صلاة العيد ثم يقطع قال قلت كيف أقول قال تقول الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد الله أكبر على ما هدانا وهو قول الله تعالى: * (ولتكملوا العدة) * يعني الصيام ولتكبروا الله على ما هداكم. (186) وإذا سالك عبادي عني فإني قريب فقل لهم إني قريب روي أن اعرابيا قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فنزلت. أقول: قربه تعالى عبارة عن معيته عز وجل كما قال سبحانه وهو معكم أينما
[ 223 ]
كنتم فكما أن معيته للأشياء ليست بممازجة ومداخلة ومفارقته عنها ليست بمباينة ومزايلة فكذلك قربه ليس باجتماع وأين وبعده ليس بافتراق وبين بل بنحو آخر أقرب من هذا القرب وأبعد من هذا البعد ولهذا قال تعالى ونحن أقرب إليه من حبل الوريد وقال ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون، وفي مناجاة سيد الشهداء (عليه الصلاة والسلام) إلهي ما أقربك مني وأبعدني عنك وما أرأفك بي فما الذي يحجبني عنك وإنما يجد قربه من عبده كأنه يراه كما قال نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) أعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك، إن قيل كيف يكون الشئ قريبا من الآخر ويكون ذلك الآخر بعيدا عنه، قلنا هذا كما يكون لك محبوب وهو حاضر عندك وأنت عنه في عمى لا تراه ولا تشعر بحضوره فانه قريب منك وأنت بعيد عنه أجيب دعوة الداع إذا دعان تقرير للقرب ووعد للداعي بالإجابة فليستجيبوا لي إذا دعوتهم للايمان والطاعة كما أجبتهم إذا دعوني لمهامهم وليؤمنوا بى في المجمع عن الصادق (عليه السلام) أي وليتحققوا اني قادر على إعطائهم ما سألوه.
والعياشي ما في معناه لعلهم يرشدون قال أي لعلهم يصيبون الحق ويهتدون إليه. وروي أن الصادق (عليه السلام) قرأ أمن يجيب المضطر إذا دعاه فسئل ما لنا ندعو ولا يستجاب لنا فقال لأنكم تدعون من لا تعرفون وتسألون ما لا تفهمون فالاضطرار عين الدين وكثرة الدعاء مع العمى عن الله من علامة الخذلان من لم يشهد ذلة نفسه وقلبه وسره تحت قدرة الله حكم على الله بالسؤال وظن ان سؤاله دعاء والحكم على الله من الجرأة على الله. وفي الكافي عنه (عليه السلام) أنه قيل له في قوله سبحانه ادعوني استجب لكم ندعوه ولا نرى إجابة قال أفترى الله عز وجل أخلف وعده فال لا قال فمم ذلك قال لا أدري قال لكني أخبرك من أطاع الله عز وجل فيما أمره ثم دعاه من جهة الدعاء أجابه قيل وما جهة الدعاء قال تبدأ وتحمد الله وتذكر نعمه عندك ثم تشكره ثم تصلي على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم تذكر ذنوبك فتقر بها ثم تستعيذ منها فهذا جهة الدعاء.
[ 224 ]
وعنه (عليه السلام) أن العبد ليدعو فيقول الله للملكين قد استجبت له ولكن احبسوه بحاجته فاني أحب أن أسمع صوته وإن العبد ليدعو فيقول الله تبارك وتعالى عجلوا له حاجته فاني ابغض صوته. والقمي عنه (عليه السلام) أنه قيل له إن الله تعالى يقول: ادعوني أستجب لكم وإنا ندعوه فلا يستجاب لنا فقال لأنكم لا توفون بعهده الله وان الله يقول: * (أوفوا بعهدي أوف بعهدكم) * والله لو وفيتم لله لوفى لكم. وفي الكافي عنه (عليه السلام) أن من سره أن يستجاب دعوته فليطيب مكسبه. وروي عنه (عليه السلام) إذا أراد أحدكم أن لا يسأل ربه شيئا إلا أعطاء فلييأس
من الناس كلهم ولا يكون له رجاء إلا عند الله عز وجل فإذا علم الله ذلك من قلبه لم يسأله شيئا إلا أعطاه ويأتي حديث آخر في هذا الباب في سورة المؤمن انشاء الله. (187) أحل لكم ليلة الصيام أي الليلة التي تصبح منها صائما الرفث إلى نسائكم كنى به عن الجماع لأنه قلما يخلو عن رفث وهو الا فصاح بما يجب أن يكنى عنه وعدى بالى لتضمنه معنى الإفضاء هن لباس لكم وأنتم لباس لهن استيناف يبين سبب الا حلال وهو قلة الصبر عنهن وصعوبة اجتنابهن لكثرة المخالثة وشدة الملابسة علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم من الخيانة كالا كتساب من الكسب وهو أبلغ منها أي تظلمونها بتعريضها للعقاب وتنقيص حظها من الثواب فتاب عليكم لما تبتم ورخص لكم وأزال التشديد عنكم وعفا عنكم محى أثره عنكم فالآن باشروهن كنى بالمباشرة عن الجماع وهي الصاق البشرة بالبشرة وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا قيل يعني اطلبوا ما قدر لكم وأثبته في اللوح من الولد بالمباشرة أي لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ولكن لا بتغاء ما وضع الله النكاح له من التناسل وقيل وابتغوا ما كتب الله لكم من الاباحة بعد الحظر فان الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الأسود من الفجر شبه أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق
[ 225 ]
وما يمتد معه من ظلمة الليل بخيطين ابيض واسود واكتفى ببيان الخيط الأبيض بقوله من الفجر عن بيان الخيط الأسود لدلالته عليه. وفي الكافي عن الصادق (عليه السلام) هو بياض النهار من سواد الليل. وفي رواية: هو الفجر الذي لا شك فيه وفي أخرى ليس هو الأبيض صعداء إن الله لم يجعل خلقه في شبهة من هذاوتلا هذه الآية فقال المعترض.
وفي التهذيب عنه أنه سئل آكل في شهر رمضان بالليل حتى أشك قال كل حتى لا تشك. وفيه وفي الكافي والعياشي عنه (عليه السلام) أنه سئل عن رجلين قاما في رمضان فقال أحدهما هذا الفجر وقال الآخر ما أرى شيئا قال ليأكل الذي لم يستيقن الفجر وقد حرم الاكل على الذي زعم أنه رأى الفجر لأن الله يقول: * (كلوا واشربوا حتى يتبين لكم) * الآية. وفي الكافي والفقيه والعياشي عن الصادق (عليه السلام) أنها نزلت في خوات بن جبير الأنصاري وكان مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الخندق وهو صائم فأمسى وهو على تلك الحال وكانوا قبل أن تنزل هذه الآية إذا نام أحدهم حرم عليه الطعام والشراب فجاء خوات إلى أهله حين أمسى فقال هل عندكم طعام فقالوا لا تنم حتى نصلح لك طعاما فاتكى فنام فقالوا له قد فعلت فقال نعم فبات على تلك الحال فأصبح ثم غدا إلى الخندق فجعل يغشى عليه فمر به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما رأى الذي به أخبره كيف كان أمره فأنزل الله فيه الآية، وزاد القمي فيما زاد وكان النكاح حراما بالليل والنهار وفي شهر رمضان قال وكان قوم من الشبان ينكحون بالليل في شهر رمضان فأنزل الله، في الجوامع عن الصادق (عليه السلام) قال كان الأكل محرما في شهر رمضان بالليل بعد النوم وكان النكاح حراما بالليل والنهار وكان رجل من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقال له مطعم بن جبير نام قبل أن يفطر وحضر حفر الخندق فأغمي عليه وكان قوم من الشبان ينكحون بالليل سرا في شهر رمضان فنزلت الآية فأحل النكاح بالليل والأكل بعد النوم فذلك قوله وعفا عنكم.
[ 226 ]
وفي المجمع اختلفت العامة في اسم هذا الرجل ثم ذكر قصته عنهم بنحو آخر قال فقال عمر يا رسول الله اعتذر إليك من مثله رجعت إلى أهلي بعد ما صليت العشاء
فأتيت إمرأتي وقام رجال فاعترفوا بمثل الذي سمعوا فنزلت ثم أتموا الصيام إلى اليل بيان لآخر وقت الصيام ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد معتكفون فيها والاعتكاف أن يحبس نفسه في المسجد الجامع للعبادة تلك أي الأحكام التي ذكرت. حدود الله حرمات الله ومناهيه فلا تقربوها في الحديث النبوي الشريف أن لكل ملك حمى وان حمى الله محارمه فمن وقع حول الحمى يوشك أن يقع فيه كذلك مثل ذلك التبيين يبين الله آياته حججه ودلائله للناس على ما أمرهم به ونهاهم عنه لعلهم يتقون مخالفة أوامره ونواهيه. (188) ولا تأكلوا أموالكم بينكم لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل بالوجه الذي لا يحل ولم يشرعه الله. وفي المجمع عن الباقر يعني بالباطل اليمين الكاذبة تقتطع به الأموال. وفي الفقيه والعياشي عن الصادق (عليه السلام) انه سئل الرجل منا يكون عنده الشئ يتبلغ به وعليه الدين أيطعمه عياله حتى يأتيه الله تعالى بميسرة فيقضي دينه أو يستقرض على ظهره في خبث الزمان وشدة المكاسبة أو يقبل الصدقة فقال يقضي بما عنده دينه ولا يأكل أموال الناس الا وعنده ما يؤدي إليهم ان الله عز وجل يقول ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام عطف على المنهي أو نصب باضمار ان، والاد لا الالقاء أي ولا تلقوا أمرها والحكومة فيها إلى الحكام لتأكلوا بالتحاكم فريقا طائفة من أموال الناس بالإثم بما يوجب إثما كشهادة الزور واليمين الكاذبة أو بالصلح مع العلم بأن المقضي له ظلم وأنتم تعلمون أنكم مبطلون. في الكافي والعياشي عن الصادق (عليه السلام) في هذه الآية قال إن الله عز وجل قد علم أن في الامة حكاما يجورون اما إنه لم يعن حكام أهل العدل ولكنه عنى حكام أهل الجور.
[ 227 ]
والقمي قال العالم (عليه السلام) قد علم الله أنه يكون حكام يحكمون بغير الحق فنهى أن يتحاكم إليهم لأنهم لا يحكمون بالحق فيبطل الأموال. وفي التهذيب والعياشي عن الرضا (عليه السلام) أنه كتب في تفسيرها ان الحكام القضاة ثم كتب تحته وهو أن يعلم الرجل أنه ظالم فيحكم له القاضي فهو غير معذور في أخذه ذلك الذي حكم له إذا كان قد علم أنه ظالم. وفي المجمع عن الصادق (عليه السلام) كانت قريش تقامر الرجل في أهله وماله فنهاهم الله. أقول: الآية تعم الكل ولا تنافي بين الأخبار. (189) يسئالونك عن الأهلة عن أحوالها في زيادتها ونقصانها ووجه الحكمة في ذلك قل هي مواقيت للناس والحج أي معالم يوقت بها الناس عباداتهم ومزارعهم ومتاجرهم ومحال ديونهم وعدد نسائهم. وفي التهذيب عن الصادق (عليه السلام) لصومهم وفطرهم وحجهم وليس البر بأن تأتوا البيوت وقرئ بكسر الباء حيث وقع من ظهورها في المجمع عن الباقر (عليه السلام) كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا بيوتهم من أبوابها ولكنهم كانوا ينقبون في ظهور بيوتهم أي في مؤخرها نقبا يدخلون ويخرجون منه فنهوا عن التدين بها ولكن البر من اتقى ما حرم الله كذا عن الصادق (عليه السلام) وأتوا البيوت من أبوبها وفي المحاسن والمجمع والعياشي عن الباقر (عليه السلام) يعني أن يأتي الأمر من وجهه أي الأمور كان. أقول: ومنه أخذ أحكام الدين عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وعترته الطيبين لأنهم أبواب مدينة علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أجمعين كما قال أنا مدينة العلم وعلي بابها ولا يؤتى المدينة إلا من بابها.
وفي الاحتجاج عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قد جعل الله للعلم أهلا وفرض على العباد طاعتهم بقوله وأتوا البيوت من أبوابها والبيوت هي بيوت العلم
[ 228 ]
الذي استودعته الأنبياء وأبوابها أوصياؤهم. وعنه (عليه السلام) نحن البيوت التي أمر الله أن يؤتى أبوابها نحن باب الله وبيوته التي يؤتى منه فمن تابعنا وأقر بولايتنا فقد أتى البيوت من أبوابها ومن خالفنا وفضل علينا غيرنا فقد أتى البيوت من ظهورها إن الله عز وجل لو شاء عرف الناس نفسه حتى يعرفونه ويأتونه من بابه ولكن جعلنا أبوابه وصراطه وسبيله وبابه الذي يؤتى منه قال فمن عدل عن ولا يتنا وفضل علينا غيرنا فقد أتى البيوت من ظهورها وإنهم عن الصراط لناكبون. وفي المجمع والعياشي عن الباقر (عليه السلام) آل محمد صلوات الله عليهم أبواب الله وسبله والدعاة إلى الجنته والقادة إليها والادلاء عليها إلى يوم القيامة واتقوا الله في تغيير أحكامه لعلكم تفلحون لكي تظفروا بالهدى والبر. (190) وقاتلوا في سبيل الله جاهدوا لاعلاء كلمته واعزاز دينه الذين يقتلونكم هي ناسخة لقوله تعالى كفوا أيدكم كذا في المجمع عنهم (عليهم السلام) ولا تعتدوا بابتداء القتال والمفاجأة به من غير دعوة والمثلة وقتل من نهيتم عن قتله من النساء والصبيان والمشايخ والمعاهدين إن الله لا يحب المعتدين. (191) واقتلوهم حيث ثقفتموهم وجدتموهم هي ناسخة لقوله عز وجل ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم كذا في المجمع عنهم (عليهم السلام) وأخرجوهم من حيث أخرجوكم منها أخرجوهم من مكة كما أخرجوكم منها وقد فعل ذلك يوم الفتح بمن لم يسلم منهم والفتنة أشد من القتل قيل معناه شركهم في الحرم وصدهم إياكم عنه أشد من قتلكم إياهم فيه ولا تقتلوهم عند المسجد
الحرام حتى يقتلوكم فيه لا تفاتحوهم بالقتال وهتك حرمة الحرم فإن قتتلوكم فاقتلوهم فلا تبالوا بقتالهم ثمة فانهم الذين هتكوا حرمته، وقرئ ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم فان قتلوكم بدون الألف كذلك مثل ذلك جزاء الكفرين جزاؤهم يفعل بهم ما فعلوا. (192) فإن انتهوا عن القتال والشرك فإن الله غفور رحيم يغفر لهم ما قد سلف.
[ 229 ]
(193) وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة شرك كذا في المجمع عن الباقر (عليه السلام) ويكون الدين أي الطاعة والعبادة لله وحده خالصا ليس للشيطان فيه نصيب فإن انتهوا عن الشرك فلا عدوان إلا على الظلمين فلا تعتدوا على المنتهين سمي الجزاء باسم الاعتداء للمشاكلة وازدواج الكلام كما في قوله سبحانه: * (وجزاء سيئة سيئة مثلها) * ومثله فاعتدوا عليه كما يأتي. والعياشي عن أحدهما (عليهما السلام) أي لا عدوان إلا على ذرية قتلة الحسين (عليه السلام). وفي رواية لا يعتدي الله على أحد الا على نسل ولد قتلة الحسين (ع). وفي العلل: عن الرضا (عليه السلام) أنه سئل يابن رسول الله ما تقول في حديث روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين (عليه السلام) بفعال آبائهم فقال هو كذلك فقيل فقول الله عز وجل ولا تزر وازرة وزر اخرى ما معناه فقال صدق الله في جميع أقواله لكن ذراري قتلة الحسين (عليه السلام) يرضون بأفعال آبائهم كذلك ويفتخرون بها ومن رضي شيئا كان كمن أتاه ولو ان رجلا قتل في المشرق فرضي بقتله رجل في المغرب لكان الراضي عند الله شريك القاتل وإنما يقتلهم القائم (عليه السلام) إذا خرج لرضاهم بفعل ابائهم.
أقول: وذلك لأنهم إنما يكونون من سنخهم وحقيقتهم بحيث لو قدروا على ما قدر عليه أولئك فعلوا ما فعلوا كما حقق في المقدمة الثالثة. (194) الشهر الحرام بالشهر الحرام قيل قاتلهم المشركون في عام الحديبية في ذي القعدة واتفق خروجهم لعمرة القضاء فيه فكر هوا أن يقاتلوهم فيه لحرمته فقيل لهم هذا الشهر بذلك وهتكه بهتكه فلا تبالوا به. وفي المجمع روي مثله عن الباقر (عليه السلام) والحرمات قصاص أي كل حرمة وهي ما يجب أن يحافظ عليها يجري فيه القصاص فلما هتكوا حرمة شهركم فافعلوا بهم مثله.
[ 230 ]
في التهذيب والعياشي مضمرا أنه سئل عن المشركين أيبتدؤهم المسلمون بالقتال في الشهر الحرام فقال إذا كان المشركون ابتداؤهم باستحلالهم ثم رأى المسلمون أنهم يظهرون عليهم فيه وذلك قول سبحانه: الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم فذلكة وتأكيد لما سبق في التهذيب عن الصادق (عليه السلام) في رجل قتل رجلا في الحرم وسرق في الحرم فقال يقام عليه الحد وصغار له لأنه لم ير حرمة للحرم وقد قال الله تعالى: * (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * يعني في الحرم وقال فلا عدوان إلا على الظالمين واتقوا الله في الانتصار فلا تعتدوا إلى ما لم يرخص لكم واعلموا أن الله مع المتقين فيحرسهم ويصلح شأنهم. (195) وأنفقوا في سبيل الله في الجهاد وسائر أبواب البر ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة بالإسراف وتضييع وجه المعاش وبكل ما يؤدي إلى الهلاك، في المجالس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال طاعة السلطان واجبة ومن
ترك طاعة السلطان فقد ترك طاعة الله ودخل في نهيه ان الله يقول: * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) * وأحسنوا إن الله يحب المحسنين. في الكافي والعياشي عن الصادق (عليه السلام) قال لو أن رجلا أنفق ما في يديه في سبيل من سبل الله ما كان أحسن ولا وفق للخير أليس يقول الله: * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة واحسنواإن الله يحب المحسنين) * يعني المقتصدين. وفي المحاسن عنه (عليه السلام) قال إذاأحسن المؤمن عمله ضاعف الله عمله بكل حسنة سبعماءة وذلك قول الله سبحانه: * (يضاعف لمن يشاء) * فأحسنوا أعمالكم التي تعملونها لثواب الله فقيل له وما الاحسان فقال إذا صليت فأحسن ركوعك وسجودك وإذا صمت فتوق كل ما فيه فساد صومك وإذا حججت فتوق ما يحرم عليك في حجك وعمرتك قال وكل عمل تعمله لله فليكن نقيا من الدنس.
[ 231 ]
(196) وأتموا الحج والعمرة ائتوا بهما تامين كاملين بشرائطهما وأركانهما ومناسكهما لله لوجه الله خالصا وهو نص في وجوب العمرة كوجوب الحج. في الكافي والعياشي سئل الصادق (عليه السلام) عن هذه الآية فقال هما مفروضان. وفيه وفي العلل والعياشي عنه (عليه السلام) قال العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج على من استطاع لأن الله يقول وأتموا الحج والعمرة لله قيل فمن تمتع بالعمرة إلى الحج أيجزي ذلك عنه قال: نعم. وفي رواية قال يعني بتمامهما أداؤهما واتقاء ما يتقي المحرم فيهما. وفي المجمع عن أمير المؤمنين والسجاد صلوات الله عليهما يعني أقيموهما إلى آخر ما فيهما.
وفي الخصال والعيون عنه (عليه السلام) تمامهما اجتناب الرفث والفسوق والجدال في الحج. والعياشي عنهما ما في معناه. وفي الكافي عنه (عليه السلام) قال إذا أحرمت فعليك بتقوى الله وذكر الله كثيرا وقلة الكلام الا بخير فان من تمام الحج والعمرة أن يحفظ المرء لسانه الا من خير كما قال الله تعالى: * (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) *. وفيه عن الباقر (عليه السلام) قال تمام الحج لقاء الامام. وعن الصادق (عليه السلام) إذا حج أحدكم فليختم حجه بزيارتنا لأن ذلك من تمام الحج. أقول: وفي هذا الزمان زيارة قبورهم تنوب مناب زيارتهم ولقائهم كما يستفاد من اخبار أخر ولا منافاة بين هذه الأخبار لأن ذلك كله من تمام الحج فإن
[ 232 ]
أحصرتم منعكم خوف أو عدو أو مرض عن المضي إليه وأنتم محرمون بحج أو عمرة فامتنعتم لذلك كذا عنهم (عليهم السلام) رواه في المجمع. وفي الكافي عن الصادق (عليه السلام) المحصور غير المصدود والمحصور المريض والمصدود الذي يرده المشركون كما ردوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والصحابة ليس من مرض والمصدود تحل له النساء والمحصور لا تحل له النساء فما استيسر من الهدي فعليكم إذا أردتم التحلل من الاحرام ما تيسر من الهدى من بعير أو بقرة أو شاة. وفي العيون عن الرضا (عليه السلام يعني شاة وضع على أدنى القوم قوة ليسع القوي والضعيف.
والعياشي عن الصادق (عليه السلام) يجزيه شاة والبدنة والبقرة أفضل. وفي الكافي عن الباقر (عليه السلام) المصدود يذبح حيث صد ويرجع صاحبه فيأتي النساء والمحصور يبعث بهديه ويعدهم يوما فإذا بلغ الهدي أحل هذا في مكانه وعنه (عليه السلام) إذا أحصر الرجل بعث بهديه فإذا أفاق ووجد من نفسه خفة فليمض إن ظن أنه يدرك الناس فان قدم مكة قبل أن ينحر الهدي فليقم على إحرامة حتى يفرغ من جميع المناسك ولينحر هديه ولا شئ عليه وإن قدم من مكة وقد نحر هديه فان عليه الحج من قابل أو العمرة قيل فان مات وهو محرم قبل أن ينتهي إلى مكة قال يحج عنه إن كانت حجة الاسلام ويعتمر إنما هو شئ عليه ولا تحلقوا رؤوسكم لا تحلوا حتى يبلغ الهدي محله مكانه الذي يجب أن ينحر فيه فمن كان منكم مريضا مرضا يحوجه إلى الحلق أو به أذى من رأسه كجراحة أو قمل ففدية فعليه فدية إن حلق من صيام أو صدقة أو نسك في الكافي: عن الصادق (عليه السلام) إذا احصر الرجل بعث بهديه فان أذاه رأسه قبل أن ينحر هديه فانه يذبح شاة في المكان الذي احصر فيه أو يصوم أو يتصدق والصوم ثلاثة أيام والصدقة على ستة مساكين نصف صاع لكل مسكين. وفيه والعياشي عنه (عليه السلام) قال مر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
[ 233 ]
على كعب بن عجرة والقمل يتناثر من رأسه وهو محرم فقال له أتؤذيك هوامك فقال نعم فانزلت هذه الآية فأمره رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يحلق وجعل الصيام ثلاثة أيام والصدقة على ستة مساكين لكل مسكين مدين والنسك شاة، قال أبو عبد الله (عليه السلام) وكل شئ في القرآن أو فصاحبه بالخيار يختار ما شاء وكل شئ في القرآن فمن لم يجد كذا فعليه كذا فالأول الخيار. أقول: فالأول الخيار أي الخير والحري بالاختيار فإذا أمنتم الموانع يعني
إذا كنتم غير محصرين وفي حال امن وسعة فمن تمتع بالعمرة استمتع وانتفع بعد التحلل من عمرته باستباحة ما كان محرما عليه إلى الحج إلى أن يحرم بالحج فما استيسر من الهدي فعليه دم استيسره. وفي الكافي عن الصادق (عليه السلام) شاة فمن لم يجد الهدي فصيام ثلاثة أيام في الحج في وقت الحج وايام الاشتغال به والأفضل أن يصوم سابع ذي الحجة وثامنه وتاسعه. وفي الكافي أيضا عن الصادق (عليه السلام) في المتمتع لا يجد الهدي قال يصوم قبل التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة قيل فانه قد قدم يوم التروية قال يصوم ثلاثة أيام بعد التشريق قيل لم يقم عليه جماله قال يصوم يوم الحصبة وبعده يومين قيل وما الحصبة قال يوم نفره قيل يصوم وهو مسافر قال نعم أليس هو يوم عرفة مسافرا إنا أهل بيت نقول ذلك بقول الله تعالى فصيام ثلاثة أيام في الحج يقول في ذي الحجة وسبعة إذا رجعتم إلى أهاليكم فان بدا له الاقامة بمكة نظر مقدم أهل بلاده فإذا ظن أنهم قد دخلوا فليصم السبعة الأيام كذا في الكافي عنهم (عليهم السلام) تلك عشرة كاملة لا تنقص عن الأضحية الكاملة. في التهذيب عن الصادق (عليه السلام) أنه سئل عن سفيان الثوري أي شئ يعني بكاملة قال سبعة وثلاثة قال (عليه السلام) ويختل ذا على ذي حجى إن سبعة وثلاثة عشرة قال فأي شئ هو أصلحك الله قال انظر قال لا علم لي فأي شئ هو أصلحك الله قال الكاملة كمالها كمال الأضحية سواء أتيت بها أو لم
[ 234 ]
تأت ذلك أي التمتع لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام في الكافي عن الصادق في هذه الآية من كان منزله على ثمانية عشر ميلا من بين يديها وثمانية عشر ميلا عن خلفها وثمانية عشر ميلا عن يمينها وثمانية عشر ميلا عن يسارها فلا
متعة له مثل مر (1) وأشباهها، وفيه عن الباقر (عليه السلام) سئل عن هذه الآية قال ذلك أهل مكة ليس لهم متعة ولا عليهم عمرة قيل فما حد ذلك قال ثمانية واربعون ميلا من جميع نواحي مكة دون عسفان وذات عرق واتقوا الله في المحافظة على أوامره ونواهيه خصوصا في الحج واعلموا أن الله شديد العقاب لمن لم يتقه وخالف أمره وتعدى حدوده. (197) الحج يعني وقت إحرامه ومناسكه أشهر معلومات وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة كذا عن الباقر والصادق (عليهما الصلاة والسلام) في عدة أخبار قالا (عليهما السلام) ليس لأحد أن يحج فيما سواهن ومن أحرم الحج في غير أشهر الحج فلا حج له فمن فرض فيهن الحج في الكافي والعياشي قال الصادق (عليه السلام) الفرض التلبية والاشعار والتقليد فأي ذلك فعل فقد فرض الحج فلا رفث ولا فسوق وقرئ بالرفع والتنوين فيهما ولا جدال في الحج في أيامه، في الكافي والعياشي عن الصادق (عليه السلام) الرفث الجماع والفسوق الكذب والسباب والجدال قول الرجل لا والله وبلى والله، وزاد في الكافي وقال في الجدال شاة وفي الفسوق بقرة والرفث فساد الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله حث على البر وتزودوا لمعادكم التقوى فإن خير الزاد التقوى قيل كانوا يحجون من غير زاد فيكونون كلا على الناس واتقون يا أولي الألباب فان مقتضى اللب خشية الله عقب الحث على التقوى بأن يكون المقصود بها هو الله سبحانه والتبري عما سواه (198) ليس عليكم جناح أن تبتغوا في أن تطلبوا فضلا من ربكم كانوا يتأثمون بالتجارة في الحج فرفع عنهم الجناح في ذلك كذا في المجمع عنهم (عليهم السلام) وفي رواية فضلا أي مغفرة.
(1) بطن مر ويقال له مر الظهران موضع على مر حلة من مكة (ق). (*)
[ 235 ]
والعياشي عن الصادق (ع) فضلا من ربكم يعني الرزق إذا حل الرجل من إحرامه وقضى نسكه فليشتر وليبع في الموسم فإذآ أفضتم دفعتم أنفسكم بكثرة من أفاض الماء إذا صبه بكثرة من عرفات في تفسير الامام ومضيتم إلى المزدلفة فاذكروا الله عند المشعر الحرام قال بنمائه وآلائه والصلاة على سيد أنبيائه وعلى علي سيد أصفيائه واذكروه كما هديكم لدينه والايمان برسوله وقيل أي أذكروه ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة وقيل أي ذكرا يوازي هدايتكم إياه. أقول: ليس المراد بالكاف في مثل هذا الكلام التشبيه بل المراد به تعليل الطلب بوجود ما يقتضيه وأن المطلوب ليس بغريب بل إن وقع فهو في موضعه والمعنى اذكروه بإزاء هدايته إياكم فانه هداكم فبالحرى أن تذكروه وله نظائر كثيرة في الكلام ولكنه اشتبه على كثير من الأعلام وإن كنتم من قبله من قبل الهدى لمن الضالين الجاهلين لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه. وفي تفسير الامام: الضالين عن دينه قبل أن يهديكم لدينه. (199) ثم أفيضوا ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس قيل أي من عرفات. وفي المجمع عن الباقر (ع) كانت قريش وحلفاؤهم من الحمس لا يقفون مع الناس بعرفات ولا يفيضون منها ويقولون نحن أهل حرم الله تعالى فلا نخرج من الحرم فيقفون بالمشعر ويفيضون منه فأمرهم الله أن يقفوا بعرفات ويفيضوا منه. والعياشي عن الصادق (عليه السلام) مثله في عدة أخبار. وعنه (عليه السلام) يعني بالناس إبراهيم وإسماعيل واسحاق ومن بعدهم ممن أفاض من عرفات. وفي الكافي عن الحسين نحن الناس، وعن الصادق (عليه السلام)
في حديث حج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال ثم غدا والناس معه وكانت قريش تفيض من المزدلفة وهي جمع ويمنعون الناس أن يفيضوا منها فأقبل رسول الله (صلى
[ 236 ]
الله عليه وآله وسلم) وقريش ترجو أن تكون افاضته من حيث كانوا يفيضون فأنزل الله تعالى: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله يعني إبراهيم وإسماعيل واسحاق فإفاضتهم منها ومن كان من بعدهم. أقول: وعلى هذه الأخبار فمعنى ثم الترتيب في الرتبة لتفاوت ما بين الافاضتين كما في قولك احسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير الكريم. وأورد في المجمع سؤالا وهو ان ثم للترتيب فما معنى الترتيب هاهنا وأجاب بأن أصحابنا رووا ان هاهنا تقديما وتأخيرا تقديره ليس عليكم جناح ان تبتغوا فضلا من ربكم ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واستغفروا الله وذكر تفسيرا آخر وهو أن يكون المراد الافاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر قبل طلوع الشمس قال والآية تدل عليه لأن قوله ثم أفيضوا يدل على أنها إفاضة ثانية. أقول: وهو مخالف للأخبار الواردة في سبب نزول الآية من طرق الخاصة والعامة كمامرالا ما في تفسير الامام فان فيه ثم افيضوا من حيث أفاض الناس اي ارجعوا من المشعر الحرام من حيث رجع الناس من جمع قال والناس في هذا الموضع الحاج غير الحمس فان الحمس كانوالا يفيضون من جمع وهو كما ترى والعلم عند الله. واستغفروا الله واطلبوا المغفرة من الله من جاهليتكم في تغيير المناسك إن الله غفور رحيم يغفر ذنب المستغفر ويرحم عليه. (200) فإذا قضيتم مناسككم فرغتم من افعال الحج فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فاذكروا ذكر الله بآلائه لديكم وإحسانه إليكم وبالغوا فيه كما
تفعلونه في ذكر آبائكم بأفعالهم ومآثرهم وأبلغ منه. في تفسير الامام خيرهم بين ذلك ولم يلزمهم أن يكونواأشد ذكرا له منهم لآبائهم وإن كانت نعم الله عليهم أكثر وأعظم من نعم آبائهم. وفي المجمع عن الباقر (عليه السلام) كانوا إذا فرغوا من الحج يجتمعون هناك
[ 237 ]
يعدون مفاخر آبائهم ومآثرهم ويذكرون أيامهم القديمة وأياديهم الجسيمة فأمرهم الله سبحانه أن يذكروه مكان ذكر آبائهم في هذا الموضع أو اشد ذكرا أويزيدوا على ذلك بأن يذكروا نعم الله سبحانه ويعدوا آلاءه ويشكروا نعمائه لأن آبائهم وإن كانت لهم عليهم أياد ونعم فنعم الله سبحانه عليهم أعظم أياديه عندهم وأفخم ولأنه سبحانه المنعم عليهم بتلك المآثر والمفاخر على آبائهم وعليهم فمن الناس من يقول فان الناس من بين مقل لا يطلب بذكره الا الدنيا ومكثر يطلب به خير الدارين فيكونوا من المكثرين ربنا آتنا اجعل إيتاءنا ومنحتنا في الدنيا خاصة وما له في الا خرة من خلاق نصيب وحظ لأن همه مقصور على الدنيا لا يعمل للآخرة عملا ولا يطلب منها خيرا. (201) ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة كالصحة والأمن والكفاف وتوفيق الخير وفي الآخرة حسنة كالرحمة والزلفة وقنا عذاب النار بالمغفرة والعفو. في الكافي والعياشي عن الصادق (عليه السلام) قال رضوان الله والجنة في الآخرة والسعة في المعاش وحسن الخلق في الدنيا. وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) في الدنيا المرأة الصالحة وفي الآخرة الحوراء وعذاب النار المرأة السؤ وقيل الحسنة في الدنيا العلم والعبادة وفي الآخرة الجنة، وعذاب النار الشهوات والذنوب المؤدية إليها. أقول: كل ذلك أمثلة للمراد بها فلا تنافي بينها. (202) أولئك في تفسير الامام أولئك الداعون بهذا الدعاء على هذا الوصف
لهم نصيب مما كسبوا قال من ثواب ما كسبوا في الدنيا والآخرة. أقول: وإنما قيل ما كسبوا لأن الأعمال أنفسها تتصور بصور حسنة يتنعم بها صاحبها أو بصور قبيحة يتعذب بها صاحبها كما ورد في أخبار كثيرة عن اهل العصمة وفي الحديث النبوي إنما (هي أعمالكم ترد إليكم) والله سريع الحساب يحاسب الخلائق كلهم على كثرتهم وكثرة أعمالهم في مقدار لمح البصر كما ورد في الخبر. وفي المجمع عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أ نه قال معناه انه يحاسب الخلائق
[ 238 ]
دفعة كما يرزقهم دفعة. وعنه أنه سئل كيف يحاسب الله سبحانه الخلق ولا يرونه قال كما يرزقهم الله ولا يرونه. وفي تفسير الامام لأنه لا يشغله شأن عن شأن ولا محاسبة عن محاسبة فإذا حاسب واحدا فهو في تلك الحال محاسب للكل يتم حساب الكل بتمام حساب الواحد وهو كقوله: (ما خلقكم ولا بعثكم الا كنفس واحدة) ويأتي في سورة الأنعام ما يقرب منه. أقول: ولسرعة الحساب معنى آخر يجتمع مع هذا المعنى ويؤيده وهو ان الله يحاسب العبد في الدنيا في كل آن ولحظة ويجزيه على عمله في كل حركة وسكون ويكافئ طاعاته بالتوفيقات ومعاصيه بالخذلانات فالخير يجر الخير والشر يدعو إلى الشر ومن حاسب نفسه في الدنيا عرف هذا المعنى ولهذا ورد حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وهذا من الأسرار التي لا يمسها الا المطهرون. (203) واذكروا الله في أيام معدودات يعني ايام التشريق وذكر الله فيها التكبير في أعقاب الصلوات من ظهر يوم النحر إلى صلاة الفجر من اليوم الثالث لمن كان بمنى وفي الأمصار إلى عشر صلوات والتكبير الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر
الله أكبر ولله الحمد الله أكبر على ما هدانا الله اكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام كذا عنهم (عليهم السلام). في الكافي والعياشي وغيرهما فمن تعجل استعجل النفر من منى في يومين بعد يوم النحر إذا فرغ من رمي الجمار فلا إثم عليه ومن تأخر حتى رمى في اليوم الثالث فلا إثم عليه قيل معنى نفي الإثم بالتعجل والتأخر التخيير بينهما والرد على اهل الجاهلية فان منهم من اثم المتعجل ومنهم من اثم المتأخر. وفي الفقيه سئل الصادق (عليه السلام) عن هذه الآية فقال ليس هو على ان ذلك واسع إن شاء صنع ذا وإن شاء صنع ذا لكنه يرجع مغفورا له لا إثم عليه ولا ذنب له.
[ 239 ]
والعياشي عنه قال يرجع مغفورا له لا ذنب له. لمن اتقى في الفقيه عن الباقر لمن اتقى الله عز وجل قال وروي أنه يخرج من الذنوب كيوم ولدته امه. وفي التهذيب عن الصادق (عليه السلام) قال لمن اتقى الصيد يعني في احرامه فان اصابه لم يكن له أن ينفر في النفر الأول. والعياشي ما في معناه. وفي الفقيه عنه (عليه السلام) لمن اتقى الصيد حتى ينفر اهل منى في النفر الأخير. والعياشي عن الباقر (عليه السلام) لمن اتقى منهم الصيد واتقى الرفث والفسوق والجدال وما حرم الله عليه في إحرامه. وفي تفسير الامام فمن تعجل في يومين من ايام التشريق فانصرف من حجه إلى بلاده التي خرج منها فلا إثم عليه ومن تأخر إلى تمام اليوم الثالث فلا إثم عليه أي لا إثم عليه من ذنوبه السالفة لأنها قد غفرت له كلها بحجته هذه المقارنة لندمه عليها وتوقيه منها لمن اتقى ان يواقع الموبقات بعدها فانه ان واقعها كان عليه إثمها ولم يغفر
له تلك الذنوب السالفة بتوبة قد أبطلها بموبقاته بعدها وإنما يغفر بتوبة يجددها. أقول: وذلك لأن الذنوب السالفة هي التي حملت صاحبها على المعاودة إذ الباعث عليها بعد التوبة إنما هو العادة. وفي الكافي والفقيه عن الصادق (عليه السلام) يعني من مات قبل أن يمضي إلى أهله فلا اثم عليه ومن تأخر فلا اثم عليه لمن اتقى الكبائر. وعن الباقر (عليه السلام) اتقى الكبر وهو أن يجهل الحق ويطعن على أهله. وعن الصادق (عليه السلام) إنما هي لكم والناس سواد وانتم الحاج. أقول: أراد ان نفي الاثم في الصورتين مختص بأصحاب التقوى وهم الشيعة ليس الا.
[ 240 ]
والعياشي عن الباقر (عليه السلام) أنه سئل عن هذه الآية فقال انتم والله هم ان رسول الله قال: لا يثبت على ولاية علي صلوات الله عليه الا المتقون واتقوا الله في مجامع أموركم. وفي تفسير الامام واتقوا الله ايها الحاج المغفور لهم سالف ذنوبهم بحجهم المقرون بتوبتهم فلا تعاودوا الموبقات فتعود إليكم أثقالها ويثقلكم احتمالها فلا تغفر لكم الا بتوبة بعدها واعلموا أنكم إليه تحشرون فيجازيكم بما تعملون والحشر الجمع وضم المتفرق. (204) ومن الناس من يعجبك قوله يروقك ويعظم في قلبك في الحياة الدنيا باظهاره لك الدين والاسلام وتزينه بحضرتك بالورع والاحسان ويشهد الله على ما في قلبه بأن يحلف لك بأنه مؤمن مخلص مصدق قوله بعمله وهو ألد الخصام شديد العداوة والجدال للمسلمين. القمي نزلت في الثاني وقيل في معاوية. والعياشي عن الصادق (عليه السلام) فلان وفلان. أقول: تشمل عامة المنافقين وإن نزلت خاصة.
(205) وإذا تولى ادبر وانصرف عنك وقيل ملك الأمر وصار واليا سعى في الأرض ليفسد فيها يعني بالكفر المخالف لما اظهر والظلم المباين لما وعد ويهلك الحرث الزرع بأن يحرقه أو يفسده والنسل الذرية بأن يقتل الحيوان فيقطع نسله. وفي المجمع والقمي عن الصادق (عليه السلام) الحرث في هذا الموضع الدين والنسل الناس. وفي الكافي والعياشي عن امير المؤمنين (عليه السلام) يهلك الحرث والنسل بظلمه وسوء سيرته. أقول: ومنه ان يمنع الله بشؤم ظلمه المطر فيهلك الحرث والنسل إلى غير ذلك من نتائج الظلم والله لا يحب الفساد لا يرتضيه ولا يترك العقوبة عليه.
[ 241 ]
(206) وإذا قيل له اتق الله ودع سوء صنيعتك أخذته العزة بالإثم حملته الانفة وحمية الجاهلية على الاثم الذي يؤمر باتقائه وألزمته ارتكابه لجاجا من قولك أخذته بكذا إذا حملته عليه وألزمته إياه فيزداد إلى شره شرا ويضيف إلى ظلمه ظلما فحسبه جهنم كفته جزاء وعذابا على سوء فعله ولبئس المهاد أي الفراش يمهدها ويكون دائما فيها كذا فسرت الآيات الثلاث. (207) ومن الناس من يشرى يبيع نفسه يبذلها لله ابتغاء مرضات الله طلبا لرضاه فيعمل بطاعته ويأمر الناس بهاروت العامة عن جماعة من الصحابة والتابعين. والعياشي وعدة من أصحابنا عن أئمتنا في عدة أخبار انها نزلت في أمير المؤمنين (عليه السلام) حين بات على فراش النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الغار. وفي المجمع عن أمير المؤمنين ان المراد بالآية الرجل يقتل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أقول: يعني هي عامة وإن نزلت خاصة. وفي تفسير الامام (عليه السلام) هؤلاء خيار أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عذبهم اهل مكة ليفتنوهم عن دينهم فمنهم بلال وصهيب وخباب وعمار بن ياسر وابواه والله رؤوف بالعباد روي أنه لما نام على فراشه قام جبرئيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه وجبرائيل ينادي بخ بخ من مثلك يا علي بن ابي طالب يباهي الله الملائكة بك. وفي تفسير الامام (عليه السلام) اما الطالبون لرضاء ربهم فيبلغهم أقصى أمانيهم ويزيدهم عليها ما لم يبلغه آمالهم واما الفاجرون فيرفق بهم في دعوتهم إلى طاعته ولا يقطع ممن علم انه سيتوب عن ذنبه عظيم كرامته. (208) يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم في الاستسلام والطاعة وقرئ
[ 242 ]
بالفتح وهو بمعناه. وفي الكافي والعياشي عن الباقر (عليه السلام) ولايتنا. والعياشي عن الصادق (عليه السلام) في ولاية علي (عليه السلام) وعنهما أمروا بطاعتنا ومعرفتنا كافة جميعا ولا تتبعوا خطوت الشيطان بالتفرق والتفريق. والعياشي عن الصادق (عليه السلام) السلم ولاية علي والائمة والأوئمة (عليهم السلام) والاول. وفي تفسير الامام السلم في والمسالمة إلى دين الاسلام كافة جماعة ادخلوا فيه وأدخلوا جميع الاسلام فتقبلوه واعملوا به ولا تكونوا ممن يقبل بعضه ويعمل به ويأبى بعضه ويهجره قال ومنه الدخول في قبول ولاية علي فانه كالدخول في قبول نبوة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فانه لا يكون مسلما من قال ان محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) رسول الله فاعترف به ولم يعترف بأن عليا وصيه وخليفته وخير امته وقال
خطوات الشيطان ما يتخطى بكم إليه من طرق الغي والضلالة ويأمركم من ارتكاب الاثام الموبقات إنه لكم عدو مبين ظاهر العداوة. (209) فإن زللتم عن الدخول في السلم من بعد ما جاءتكم البينات الحجج والشواهد على أن ما دعيتم إليه حق فاعلموا أن الله عزيز غالب لا يعجزه الانتقام منكم حكيم لا ينتقم الا بالحق. (210) هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله أي يأتيهم أمر الله أو بأسه في ظلل جمع ظلة وهي ما أظلك من الغمام من السحاب الأبيض الذي هو مظنة الرحمة فإذا جاء منه العذاب كان اصعب والملائكة ويأتي الملائكة إن قرئ بالرفع ان قرئ بالجر. وفي العيون والتوحيد عن الرضا (عليه السلام) الا أن يأتيهم الله بالملائكة في ظلل من الغمام قال وهكذا نزلت وقضي الأمر واتم أمر اهلاكهم وفرغ منه وإلى الله
[ 243 ]
ترجع الا مور وقرئ بفتح التاء وكسر الجيم حيث وقع. وفي تفسير الامام (عليه السلام) أي هل ينظر هؤلاء المكذبون بعد إيضاحنا لهم الآيات وقطعنا معاذيرهم بالمعجزات الا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام وتأتيهم الملائكة كما كانوا اقترحوا عليك اقتراحهم المحال في الدنيا في إتيان الله الذي لا يجوز عليه الاتيان واقتراحهم الباطل في إتيان الملائكة الذين لا يأتون الا مع زوال هذا التعبد لأنه وقت مجيئ الأملاك بالإهلاك فهم في اقتراحهم مجيئ الأملائك جاهلون وقضي الأمر أي هل ينظرون مجيئ الملائكة فإذا جاؤ وا وكان ذلك قضي الأمر بهلاكهم. القمي عن الباقر (عليه السلام) قال ان الله إذا بدا له أن يبين خلقه ويجمعهم لما لا بد منه أمر مناديا ينادي فاجتمع الإنس والجن في اسرع من طرفة العين ثم اذن
للسمأ الدنيا فتنزل وكان من وراء الناس واذن للسماء الثانية فتنزل وهي ضعف التي تليها فإذا رآها اهل السماء الدنيا قالوا جاء ربنا قالوا لا وهو آت يعني امره حتى تنزل كل سماء تكون كل واحدة منها من وراء الاخرى وهي ضعف التي تليها ثم ينزل امر الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى ربكم ترجع الامور ثم يأمر مناديا ينادي يا معشر الجن والانس ان استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون الا بسلطان. والعياشي: عنه (عليه السلام) في هذه الآية قال ينزل في سبع قباب من نور ولا يعلم في ايها هو حين ينزل في ظهر الكوفة فهذا حين ينزل، وفي رواية اخرى عنه (علية السلام) قال كأني بقائم اهل بيتي قد علا نجفكم نشر راية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فإذا نشرها انحطت عليه ملائكة بدر، وقال انه نازل في قباب من نور حين ينزل بظهر الكوفة على الفاروق فهذا حين ينزل واما قضي الأمرفهو الوسم على الخرطوم يوم يوسم الكافر. أقول: لعل المراد انه ينزل على أمر يفرق به بين المؤمن والكافر وان المعني بقضاء الأمر امتياز احدهما عن الآخر بوسمه على خرطوم الكافر وذلك في الرجعة.
[ 244 ]
(211) سل بني إسرايل كم اتيناهم من آية بينة معجزة ظاهرة على أيدي أنبيائهم أو آية في التوراة شاهدة على صحة نبوة محمد. في الكافي عن الصادق (عليه السلام) انه كان يقرأ كم آتيناهم من آية بينة فمنهم من آمن ومنهم من جحد ومنهم من اقر ومنهم من بدل. والعياشي لم يذكر القراءة وإنما روى الزيادة كأنها تفسير وأورد انكر مكان بدل ومن يبدل نعمة الله آياته التي هي سبب الهدى والنجاة الذين هما من أجل النعم يجعلها سبب الضلالة وازدياد الرجس من بعد ما جاءته من بعد ما عرفها أو
تمكن من معرفتها فإن الله شديد العقاب فيعاقبه أشد عقوبة لأنه ارتكب أشد جريمة. (212) زين للذين كفروا الحياة الدنيا حسنت في أعينهم واشربت محبتها في قلوبهم حتى تهالكوا عليها ويسخرون من الذين آمنوا من فقراء المؤمنين الذين لا حظ لهم منها والذين اتقوا من المؤمنين فوقهم يوم القيمة لأنهم في عليين وفي الكرامة وهم في سجين وفي الندامة والله يرزق من يشاء في الدارين بغير حساب بغير تقدير فيوسع في الدنيا استدراجا تارة وابتلاء أخرى ويعطي أهل الجنة ما لا يحصى. (213) كان الناس أمة واحدة العياشي عن الصادق (عليه السلام) قال كان هذا قبل بعث نوح كانوا امة واحدة فبدا لله فأرسل الرسل قبل نوح (عليه السلام) قيل أعلى هدى كانوا ام على ضلالة قال بل كانوا ضلالا لا مؤمنين ولا كافرين ولا مشركين. وفي رواية اخرى له عنه قال وذلك أنه لما انقرض آدم وصالح ذريته بقي شيث وصيه لا يقدر على اظهار دين الله الذي كان عليه آدم وصالح ذريته وذلك أن قابيل توعده بالقتل كما قتل أخاه هابيل فسار فيهم بالتقية والكتمان فازدادوا كل يوم ضلالا حتى لحق الوصي بجزيرة في البحر يعبد الله فبدا لله تبارك وتعالى أن يبعث الرسل ولو سئل هؤلاء الجهال لقالوا قد فرغ من الأمر وكذبوا إنما هي شئ يحكم به الله في كل عام ثم قرأ فيها يفرق كل امر حكيم فيحكم الله تبارك وتعالى ما يكون في تلك السنة من شدة أو رخاء أو مطر أو غير ذلك قيل أفضلا لا كانوا قبل النبيين ام على هدى قال لم
[ 245 ]
يكونوا على هدى كانوا على فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ولم يكونوا ليهتدوا حتى يهديهم الله اما تسمع يقول إبراهيم لئن لم يهدنى ربى لأكونن من القوم الضالين أي ناسيا للميثاق. وفي الكافي عنه (عليه السلام) قال كان قبل نوح امة ضلال فبدا لله فبعث
المرسلين وليس كما يقولون لم يزل وكذبوا يفرق في ليلة القدر ما كان من شدة أو رخاء أو مطر بقدر ما يشاء أن يقدر إلى مثلها. وفي المجمع عن الباقر (عليه السلام) كانوا قبل نوح امة واحدة على فطرة الله لا مهتدين ولا ضلالا فبعث الله النبيين. أقول: اريد بالضلال المنفي في هذا الحديث التدين بالشرك والكفر وبالمثبت في الحديث السابق الخلو عن الدين فلا منافاة بينهما. والقمي: كان الناس امة واحدة قبل نوح على مذهب واحد فاختلفوا فبعث الله النبيين قيل وإنما حذف لدلالة قوله فيما اختلفوا فيه عليه. أقول: لا دلالة فيه على وقوع الإختلاف قبل البعث بل الظاهر أ ن المراد بالاختلاف في الآية اختلافهم في الدين بعد البعث على أن ظاهر الأخبار السابقة يدل على انه لم يكن قبل البعث اختلاف وقيل بل اختلفوا بعد البعث على الرسل. فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ليتخذ عليهم الحجة كذا في الكافي عن الصادق (عليه السلام) وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه جعلوا نزول الكتاب الذي أنزل لإزالة الخلاف سببا في شدة الاختلاف من بعد ما جاء تهم البينات بغيا حسدا وظلما بينهم لحرصهم على الدنيا فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق من بيان لما بإذنه والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم. (214) أم حسبتم أن تدخلوا الجنة قيل أحسبتم استبعاد للحسبان وتشجيع للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين على الصبر والثبات مع الذين اختلفوا عليه
[ 246 ]
وعداوتهم له ولما يأتكم متوقع إتيانه منتظر مثل الذين خلوا من قبلكم حالهم التي هي مثل في الشدة مستهم بيان للمثل البأساء والضراء القتل والخروج عن الأهل
والمال وزلزلوا وازعجوا ازعاجا شديدا بما أصابهم من الشدائد. وفي الكافي: عن الصادق (عليه السلام) أنه كان يقرأ وزلزلوا ثم زلزلوا حتى يقول وقرئ بالرفع الرسول والذين آمنوا معه لتناهي الشدة واستطالة المدة بحيث تقطعت حبال الصبر متى نصر الله استبطاء له لتأخره ألا إن نصر الله قريب فقيل ذلك لهم إسعافا لهم إلى طلبتهم من عاجل النصر قيل فيه إشارة إلى أن الوصول إلى الله تعالى والفوز بالكرامة عنده برفض الهوى واللذات ومكابدة الشدائد والرياضات كما قال (عليه الصلام) حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات. وفي الخرائج عن السجاد (عليه السلام) قال فما تمدون أعينكم ألستم آمنين لقد كان من قبلكم ممن هو على ما أنتم عليه يؤخذ فيقطع يده ورجله ويصلب ثم تلا هذه الآية. (215) يسألونك ماذا ينفقون أي شئ ينفق قل ما أنفقتم من خير من مال فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل سئل عن المنفق فاجيب ببيان المصرف لأنه أهم إذ النفقة لا تعتد بها إذا وقعت موقعها قيل وكان السؤال متضمنا للمصرف أيضا وإن لم يكن مذكورا في الآية على ما روي أن عمرو بن الجموح الانصاري كان هما ذا مال عظيم فقال يا رسول الله ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها فنزلت وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم ان تفعلوا خيرا فالله يعلم كنهه ويوفي ثوابه. (216) كتب عليكم القتال وهو كره لكم شاق عليكم مكروه طبعا وعسى أن تكرهوا شيئا في الحال وهو خير لكم في العاقبة وهكذا أكثر ما كلفوا به فان الطبع يكرهه وهو مناط صلاحهم وسبب فلاحهم وعسى أن تحبوا شيئا في الحال وهو شر لكم في العاقبة وهكذا اكثر ما نهوا عنه فان النفس تحبه وتهواه وهو يفضي بها إلى الردى وإنما ذكر عسى لأن النفس إذا ارتاضت ينعكس الأمر عليها والله يعلم ما هو
[ 247 ]
خير لكم وأنتم لا تعلمون ذلك. (217) يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قيل بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عبد الرحمن بن جحش ابن عمته على سرية في جمادى الاخر قبل قتال بدر بشهرين ليترصد عيرا لقريش فيهم عمرو بن عبد الله الحضرمي وثلاثة معه فقتلوه وأسروا إثنين واستاقوا العير وفيها تجارة الطائف وكان ذلك في غرة رجب وهم يظنونه من جمادى الاخرى فقالت قريش قد استحل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الشهر الحرام شهرا يأمن فيه الخائف ويذعر فيه الناس إلى معايشهم وشق على أصحاب السرية وقالوا ما نبرح حتى تنزل توبتنا ورد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مال العير والأسارى فنزلت. والقمي ما يقرب منه مع زيادات وفي آخره فكتب قريش إلى النبي (صلى الله عليه واله وسلم) إنك استحللت الشهر الحرام وسفكت فيه الدم وأخذت المال وكثر القول في هذا قال الصحابة يا رسول الله أيحل القتل في الشهر الحرام فنزلت قل قتال فيه كبير عظيم تم الكلام هاهنا ثم ابتدأ وقال وصد عن سبيل الله يعني ولكن ما فعلوه من صدهم عن سبيل الله أي الإسلام وكفر به وكفرهم بالله والمسجد الحرام وبالمسجد الحرام على بتقدير الباء وصدهم عن المسجد الحرام على أن يكون الكفر بالله عين الصد عن سبيل الله فلا يكون أجنبيا بين المعطوفين أو يكون تقديمه مع أن حقه التأخير لفرط العناية به كما في قوله تعالى ولم يكن له كفوا أحد وإخراج أهله وإخراج أهل المسجد الحرام وهم رسول الله والمؤمنون منه أكبر أعظم وزرا عند الله من القتل الذي وقع في الشهر الحرام والفتنة أكبر من القتل وما ارتكبوه من الاخراج والشرك أقطع مما وقع من القتل ولا يزالون يقتلونكم حتى يردوكم عن دينكم لكي يردوكم عنه اخبار عن دوام عداوة الكفار لهم وأنهم لا ينفكون عنها حتى يردوهم عن دينهم
هذا إن استطاعوا استبعاد لاستطاعتهم وإيذان بأنهم لا يردونهم ومن يرتدد منكم عن دينه يرجع عنه فيمت وهو كافر أي على الردة فاؤلئك حبطت أعمالهم في الدنيا لما يفوتهم من ثمرات الاسلام والآخرة لما يفوتهم من الثواب وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون كسائر الكفار.
[ 248 ]
(218) إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله قيل نزلت في قصة ابن جحش وأصحابه وقتلهم الحضرمي في رجب حين ظن قوم أنهم ان سلموا من الإثم فليس لهم أجر والله غفور لما فعلوه خطأ وقلة احتياط رحيم باجزال الأجر والثواب. (219) يسألونك عن الخمر والميسر أي عن تعاطيهما قل فيهما في تعاطيهما إثم كبير لانهما مفتاح كل شئ وقرئ بالثاء المثلثة ومنافع للناس من الطرب وكسب المال وغيرهما وإثمهما أكبر من نفعهما أي المفاسد التي تنشأ منها أعظم من المنافع المتوقعة منها. وفي الكافي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال إن الخمر رأس كل إثم ومفتاح كل شر وقال إن الله جعل للشر أقفالا فجعل مفاتيحها الشراب، وقال ما عصي الله بشئ أشد من شرب المسكر ان أحدهم ليدع الصلاة الفريضة ويثب على أمه واخته وبنته وهو لا يعقل وقال إنه أشر من ترك الصلاة لأنه يصير في حال لا يعرف معها ربه وقال يغفر الله في شهر رمضان لكل احد الا لثلاثة صاحب مسكر أو صاحب شاهين أو مشاحن، وقال كلما قومر عليه فهو ميسر، وفسر المشاحن بصاحب البدعة المفارق للجماعة. وعن الباقر (عليه السلام) قال: ما بعث الله نبيا قط الا وفي علم الله تعالى أنه إذا اكمل له دينه كان فيه تحريم الخمر ولم يزل الخمر حراما وإنما ينقلون من خصلة ثم
خصلة ولو حمل ذلك عليهم جملة لقطع بهم دون الدين قال ليس أحد أرفق من الله تعالى فمن رفقه تبارك وتعالى انه ينقلهم من خصلة إلى خصلة ولو حمل عليهم جملة لهلكوا، وعنهم (عليهم السلام) أن أول ما نزل في تحريم الخمر قوله تعالى: * (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) * فلما نزلت هذه الآية أحس القوم بتحريمها وعلموا أن الاثم مما ينبغي اجتنابه ولا يحمل الله تعالى عليهم من كل طريق لأنه قال ومنافع للناس ثم أنزل الله آية أخرى إنما الخمر والميسر والانصاب والأز لام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه
[ 249 ]
لعلكم تفلحون فكانت هذه الآية أشد من الأولى واغلظ في التحريم ثم ثلث بآية اخرى فكانت أغلظ من الأية الأولى والثانية واشد فقال * (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون) * فأمر تعالى باجتنابها وفسر عللها التي لها ومن أجلها حرمها ثم بين الله تعالى تحريمها وكشفه في الآية الرابعة مع ما دل عليه في هذه الآية المذكورة المتقدمة بقوله تعالى: قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والا ثم والبغى بغير الحق، وقال عز وجل في الآية الأولى يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ثم قال في الآية الرابعة قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والا ثم، فخبر عز وجل ان الاثم في الخمر وغيرها وأنه حرام وذلك ان الله تعالى إذا أراد أن يفترض فريضة أنزلها شيئا بعد شئ حتى يوطن الناس أنفسهم عليها ويسكنوا إلى أمر الله ونهيه فيها وكان ذلك من أمر الله تعالى على وجه التدبير فيهم أصوب وأقرب لهم إلى الأخذ بها وأقل لنفارهم عنها، وعن علي بن يقطين قال سأل المهدي (1) أبا الحسن (عليه السلام) عن الخمر هل هي محرمة في كتاب الله تعالى فان الناس إنما يعرفون النهي عنها ولا يعرفون التحريم لها فقال له أبو الحسن (عليه السلام)
بل هي محرمة في كتاب الله يا امير المؤمنين فقال له في أي موضع هي محرمة في كتاب الله عز وجل يا ابا الحسن فقال قول الله تعالى: * (قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغى بغير الحق) * إلى أن قال واما الإثم فانها الخمر بعينها وقد قال الله في موضع آخر * (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس) * فأما الاثم في كتاب الله فهي الخمر والميسر وإثمهما أكبر كما قال الله تعالى فقال المهدي يا علي بن يقطين وهذه فتوى هاشمية قال قلت له صدقت والله يا امير المؤمنين الحمد لله الذي لم يخرج هذا العلم منكم أهل البيت قال فوالله ما صبر المهدي أن قال لي صدقت يا رافضي ويأتي ما طويناه من هذا الحديث في سورة الأعراف انشاء الله تعالى. ويسألونك ماذا ينفقون قيل سأله أيضا ابن الجموح سأل أولا عن المنفق والمصرف ثم سأل عن كيفية الأنفال وقدره قل العفو وقرئ بالرفع