الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تاريخ الطبري - الطبري ج 6

تاريخ الطبري

الطبري ج 6


[ 1 ]

تاريخ الامم والملوك للامام أبى جعفر محمد بن جرير الطبري الجزء السادس [ قوبلت هذه الطبعة على النسخة المطبوعة ] [ بمطبعة " بريل " بمدينة ليدن في سنة 1879 م ] راجعه وصححه وضبطه نخبة من العلماء الاجلاء منشورات مؤسسة الاعلمي للمطبوعات بيروت - لبنان ص. ب 7120

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومائة فمما كان فيها من الاحداث قتل الحارث بن سريج بخراسان ذكر الخبر عن مقتله وسبب ذلك قد مضى ذكر كتاب يزيد بن الوليد للحارث بأمانه وخروج الحارث من بلاد الترك إلى خراسان ومصيره إلى نصر بن سيار وما كان من نصر إليه واجتماع من اجتمع إلى الحارث مستجيبين له * فذكر على بن محمد عن شيوخه أن ابن هبيرة لما ولى العراق كتب إلى نصر بعهده فبايع لمروان فقال الحارث إنما آمنني يزيد بن الوليد ومروان لا يجيز أمان يزيد فلا آمنه فدعا إلى البيعة فشتم أبو السليل مروان فلما دعا الحارث إلى البيعة أتاه سلم بن أحوز وخالد بن هريم وقطن بن محمد وعباد بن الابرد بن قرة وحماد بن عامر وكلموه وقالوا له لم يصير نصر سلطانه وولايته في أيدى قومك ألم يخرجك من أرض الترك ومن حكم خاقان وإنما أتى بك لئلا يجترئ عليك عدوك فخالفته وفارقت أمر عشيرتك فأطعمت فيهم عدوهم فنذكرك الله أن تفرق جماعتنا فقال الحارث إنى لا أرى في يدى الكرماني ولاية والامر في يد نصر فلم يجبهم بما أرادوا وخرج إلى حائط لحمزة بن أبى صالح السلمى بإزاء قصر بخار اخذاه فعسكر وأرسل إلى نصر فقال له اجعل الامر شورى فأبى نصر فخرج الحارث فأتى منازل يعقوب بن داود وأمر جهم بن صفوان مولى بنى راسب فقرأ كتابا سير فيه سيرة الحارث على الناس فانصرفوا يكبرون وأرسل الحارث إلى نصر اعزل سلم بن أحوز عن شرطك واستعمل بشر بن بسطام البرجمى فوقع بينه وبين مغلس بن زياد كلام فقرت قيس وتميم فعزله واستعمل إبراهيم بن عبد الرحمن فاختاروا رجالا يسمون لهم قوما يعملون بكتاب الله فاختار نصر مقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان واختار الحارث المغيرة بن شعبة الجهضمى

[ 3 ]

ومعاذ بن جبلة وأمر نصر كاتبه أن يكتب ما يرضون من السنن وما يختارونه من العمال فيوليهم الثغرين ثغر سمرقند وطخارستان ويكتب إلى من عليهما ما يرضونه من السير والسنن فاستأذن سلم بن أحوز نصرا في الفتك بالحارث فأبى وولى إبراهيم الصائغ وكان يوجه ابنه إسحاق بالفيروزج إلى مرو وكان الحارث يظهر أنه صاحب الرايات السود فأرسل إليه نصر إن كنت كما تزعم وأنكم تهدمون سور دمشق وتزيلون أمر بنى أمية فخذ منى خمسمائة رأس ومائتي بعير واحمل من الاموال ما شئت وآلة الحرب وسر فلعمري لئن كنت صاحب ما ذكرت إنى لفى يدك وإن كنت لست ذلك فقد أهلكت عشيرتك فقال الحارث قد علمت أن هذا حق ولكن لا يبايعني عليه من صحبني فقال نصر فقد استبان أنهم ليسوا على رأيك ولا لهم مثل بصيرتك وانهم هم فساق ورعاع فاذكر الله في عشرين ألفا من ربيعة واليمن سيهلكون فيما بينكم وعرض نصر على الحارث أن يوليه ما وراء النهر ويعطيه ثلثمائة ألف فلم يقبل فقال له نصر فإن شئت فابد أبا لكرماني فإن قتلته فأنا في طاعتك إن شئت فخل بينى وبينه فان ظفرت به رأيت رأيك وإن شئت فسر بأصحابى فإذا جزت الرى فأنا في طاعتك قال ثم تناظر الحارث ونصر فتراضيا أن يحكم بينهم مقاتل بن حيان وجهم بن صفوان فحكما بأن يعتزل نصر ويكون الامر شورى قلم يقبل نصر وكان جهم يقص في بيته في عسكر الحارث وخالف الحارث نصرا ففرض نصر لقومه من بنى سلمة وغيرهم وصير سلما في المدينة في منزل ابن سوار وضم إليه الرابطة وإلى هدبة بن عامر الشعراوي فرسنا وصيره في المدينة واستعمل على المدينة عبد السلام بن يزيد بن حيان السلمى وحول السلاح والدواوين إلى القهندز واتهم قوما من أصحابه أنهم كاتبوا الحارث فأجلس عن يساره من اتهم ممن لا بلاء له عنده وأجلس الذين ولاهم واصطنعهم عن يمينه ثم تكلم وذكر بنى مروان ومن خرج عليهم كيف أظفر الله به ثم قال احمد الله وأذم من على يسارى وليت خراسان فكنت يا يونس بن عبد ربه ممن أراد الهرب منه كلف مؤونات مرو وأنت وأهل بيتك ممن أراد

[ 4 ]

أسد بن عبد الله أن يختم أعناقهم ويجعلهم في الرجالة فوليتكم إذ وليتكم وأصنعتكم وأمرتكم أن ترفعوا ما أصبتم إذا أردت المسير إلى الوليد فمنكم من رفع ألف ألف وأكثر وأقل ثم ملاتم الحارث على فهلا نظر تم إلى هؤلاء الاحرار الذين لزموني مؤاسين على غير بلاء وأشار إلى هؤلاء الذين عن يمينه فاعتذر القوم إليه فقبل عذرهم وقدم على نصر من كور خراسان حين بلغهم ما صار إليه من الفتنة جماعة منهم عاصم بن عمير الصريمى وأبو الذيال الناجى وعمرو والقاوسان السغدى البخاري وحسان بن خالد الاسدي من طخارستان في فرارس وعقيل بن معقل الليثى ومسلم بن عبد الرحمن بن مسلم وسعيد الصغير في فرسان وكتب الحارث بن سريج سيرته فكانت تقرأ في طريق مرو والمساجد فأجابه قوم كثير فقرأ رجل كتابه على باب نصر بما جان فضربه غلمان نصر فنابذه الحارث فأتى نصرا هبيرة بن شراحيل ويزيد أبو خالد فأعلماه فدعا الحسن ابن سعد مولى قريش فأمره فنادى ان الحارث بن سريج عدو الله قد نابذ وحارب فاستعينوا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وأرسل من ليلته عاصم بن عمير إلى الحارث وقال لخالد بن عبد الرحمن ما نفعل شعارنا غدا فقال مقاتل بن سليمان إن الله بعث نبيا فقاتل عدوا له فكان شعاره حم لا ينصرون فكان شعارهم حم لا ينصرون وعلامتهم على الرماح الصوف وكان سلم بن أحوز وعاصم بن عمير وقطن وعقيل بن معقل ومسلم بن عبد الرحمن وسعيد الصغير وعامر بن مالك والجماعة في طرف الطخارية ويحيى بن حضين وربيعة في البخاريين ودل رجل من أهل مدينة مرو الحارث على نقب في الحائط فمضى الحارث فنقب الحائط فدخلوا المدينة من ناحية باب بالين وهم خمسون ونادوا يا منصور بشعار الحارث وأتوا باب نيق فقاتلهم جهم بن مسعود الناجى فحمل رجل على جهم فطعنه في فيه فقتله ثم خرجوا من باب نيق حتى أتوا قبة سلم بن أحوز فقاتلهم عصمة بن عبد الله الاسدي وخضر بن خالد والابرد بن داود من آل الابرد بن قرة وعلى باب بالين حازم بن حاتم فقتلوا كل من كان يحرسه وانتهبوا

[ 5 ]

منزل ابن أحوز ومنزل قديد بن منيع ونهاهم الحارث أن ينتهبوا منزل ابن أحوز ومنزل قديد بن منيع ومنزل إبراهيم وعيسى ابني عبد الله السلمى الا الدواب والسلاح وذلك ليلة الاثنين لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة قال وأنى نصرا رسول سلم يخبره دنو الحارث منه وأرسل إليه أخره حتى نصبح ثم بعث إليه أيضا محمد بن قطن بن عمران الاسدي انه قد خرج عليه عامة أصحابه فأرسل إليه لا تبدأهم وكان الذى أهاج القتال أن غلاما للنضر بن محمد الفقيه يقال له عطية صار إلى أصحاب سلم فقال أصحاب الحارث ردوه الينا فأبوا فاقتتلوا فرمى غلام لعاصم في عينه فمات فقاتلهم ومعه عقيل بن معقل فهزمهم فانتهوا إلى الحارث وهو يصلى الغداة في مسجد أبى بكرة مولى بنى تميم فلما قضى الصلاة دنا منهم فرجعوا حتى صاروا إلى طرف الطخارية ودنامنه رجلان فناداهما عاصم عرقبا برذونه فضرب الحارث أحدهما بعموده فقتله ورجع الحارث إلى سكة السغد فرأى أعين مولى حيان فنهاه عن القتال فقاتل فقتل وعدل في سكة أبى عصمة فأتبعه حماد بن عامر الحمانى ومحمد بن زرعة فكسر رمحيهما وحمل على مرزوق مولى سلم فلما دنا منه رمى به فرسه فدخل حانوتا وضرب برذونه على مؤخره فنفق قال وركب سلم حين نفق إلى باب نيق فأمرهم بالخندق فخندقوا وأمر مناديا فنادى من جاء برأس فله ثلثمائة فلم تطلع الشمس حتى انهزم الحارث وقاتلهم الليل كله فلما أصبحنا أخذ أصحاب نصر على الرزيق فأدركوا عبد الله بن مجاعة بن سعد فقتلوه وانتهى سلم إلى عسكر الحارث وانصرف إلى نصر فنهاه نصر فقال لست منتهيا حتى أدخل المدينة على هذا الدبوسي فمضى معه محمد بن قطن وعبيد الله بن بسام إلى باب درسنكان وهو القهندز فوجده مردوما فصعد عبد الله بن مزيد الاسدي السور ومعه ثلاثة ففتحوا الباب ودخل بن أحوز ووكل بالباب أبا مطهر حرب ابن سليمان فقتل سلم يومئذ كاتب الحارث بن سريج واسمه يزيد بن داود أمر عبد ربه ابن سيسن فقتله ومضى سلم إلى باب نيق ففتحه وقتل رجلا من الجزارين كان دل الحارث على النقب فقال المنذر الرقاشى ابن عم يحيى بن حضين يذكر

[ 6 ]

صبر القاسم الشيباني ما فاتل القوم منكم غير صاحبنا * في عصبة قاتلوا صبرا فما ذعروا هم قاتلوا عند باب الحصن ما وهنوا * حتى أتاهم غياث الله فانتصروا فقاسم بعد أمر الله أحرزها * وأنت في معزل عن ذاك مقتصر ويقال لما غلظ أمر الكرماني والحارث أرسل نصر إلى الكرماني فأتاه على عهد وحضرهم محمد بن ثابت القاضى ومقدام بن نعيم أخو عبد الرحمن بن نعيم الغامدى وسلم بن أحوز فدعا نصر إلى الجماعة فقال للكرماني أنت أسعد الناس بذلك فوقع بين سلم بن أحوز والمقدام كلام فأغلظ له سلم فأعانه عليه أخوه وغضب لهما السغدى بن عبد الرحمن الحزمى فقال سلم لقد هممت أن أضرب أنفك بالسيف فقال السغدى لو مسست السيف لم ترجع إليك يدك فخاف الكرماني أن يكون مكرا من نصر فقام وتعلقوا به فلم يجلس وعاد إلى باب المقصورة قال فقتلوه بفرسه فركب في المسجد وقال نصر أراد الغدربى وأرسل الحارث إلى نصر انا لا نرضى بك اماما فأرسل إليه نصر كيف يكون لك عقل وقد أفنيت عمرك في أرض الشرك وغزوت المسلمين بالمشركين أتراني أتضرع إليك أكثر مما تضرعت قال فأسر يومئذ جهم بن صفوان صاحب الجهمية فقال لسلم إن لى وليا من ابنك حارث قال ما كان ينبغى له أن يفعل ولو فعل ما آمنتك ولو ملات هذه الملاءة كواكب وأبرأك إلى عيسى ابن مريم ما نجوت والله لو كنت في بطني لشققت بطني حتى أقتلك والله لا يقوم علينا مع اليمانية أكثر مما قمت وأمر عبد ربه بن سيسن فقتله فقال الناس قتل أبو محرز وكان جهم يكنى أبا محرز وأسر يومئذ هبيرة بن شراحيل وعبد الله بن مجاعة فقال لا أبقى الله من استبقا كما وان كنتما من تميم ويقال بن قتل هبيرة لحقته الخيل عند دار قديد بن منيع فقتل قال ولما هزم نصر الحارث بعث الحارث ابنه حاتما إلى الكرماني فقال له محمد بن المثنى هما عدواك دعهما يضطربان فبعث الكرماني السغدى بن عبد الرحمن الحزمى معه فدخل السغدى المدينة من ناحية باب ميخان فأتاه الحارث فدخل فازة

[ 7 ]

الكرماني ومع الكرماني داود بن شعيب الحدانى ومحمد بن المثنى فأقيمت الصلاة فصلى بهم الكرماني ثم ركب الحارث فسار معه جماعة بن محمد بن عزيز أبو خلف فلما كان الغد سار الكرماني إلى باب ميدان يزيد فقاتل أصحاب نصر فقتل سعد ابن سلم المراغى وأخذوا علم عثمان بن الكرماني فأول من أتى الكرماني بهزيمة الحارث وهو معسكر بباب ما سرجسان على فرسخ من المدينة النضر بن غلاق السغدى وعبد الواحد بن المنخل ثم أتاه سوادة بن سريج وأول من بايع الكرماني يحيى بن نعيم بن هبيرة الشيباني فوجه الكرماني إلى الحارث بن سريج سورة ابن محمد الكندى.... والسغدى بن عبد الرحمن أبا طعمة وصعبا أو صعيبا وصباحا فدخلوا المدينة من باب ميخان حتى أتوا باب ركك وأقبل الكرماني إلى باب حرب بن عامر ووجه أصحابه إلى نصر يوم الاربعاء فتراموا ثم تحاجزوا ولم يكن بينهم يوم الخميس قتال قال والتقوا يوم الجمعة فانهزمت الازد حتى وصلوا إلى الكرماني فاخذ اللواء بيده فقاتل به وحمل الخضر بن تميم وعليه تجفاف فرموه بالنشاب وحمل عليه حبيش مولى نصر فطعنه في حلقه فأخذ الخضر السنان بشماله من حلقه فشب به فرسه وحمل فطعن حبيشا فأذراه عن برذونه فقتله رجالة الكرماني بالعصى قال وانهزم أصحاب نصر وأخذوا لهم ثمانين فرسا وصرع تميم ابن نصر فأخذوا له برذونين أخذ أحدهما السغدى ابن عبد الرحمن وأخذ الآخر الخضر ولحق الخضر بسلم بن أحوز فتناول من ابن أخيه عمودا فضربه فصرعه فحمل عليه رجلان من بنى تميم فهرب فرمى سلم بنفسه تحت القناطر وبه بضع عشر ضربة على بيضته فسقط فحمله محمد بن الحداد إلى عسكر نصر وانصرفوا فلما كان في بعض الليالى خرج نصر من مرو وقتل عصمة بن عبد الله الاسدي وكان يحمى أصحاب نصر فأدركه صالح بن القعقاع الازدي فقال له عصمة تقدم يا مزونى فقال صالح اثبت يا حصى وكان عقيما فعطف فرسه فشب فسقط فطعنه صالح فقتله وقاتل ابن الديليمرى وهو يرتجز فقتل إلى جنب عصمة وقتل عبيد الله بن حوتمة السلمى رمى مروان البهرانى بجرزه فقتل فأتى الكرماني برأسه فاسترجع وكان له

[ 8 ]

صديقا وأخذ رجل يمانى بعنان فرس مسلم بن عبد الرحمن بن مسلم فعرفه فتركه واقتتلوا ثلاثة أيام فهزمت آخر يوم المضرية اليمن فنادى الخليل بن غزوان يا معشر ربيعة واليمن قد دخل الحارث السوق وقتل ابن الاقطع ففت في أعضاد المضرية وكان أول من انهزم ابراهيم بن بسام الليثى وترجل تميم بن نصر فأخذ برذونه عبد الرحمن بن جامع الكندى وقتلوا هياجا الكبى ولقيط بن أخضر قتله غلام لهانئ البزار قال ويقال لما كان يوم الجمعة تأهبوا للقتال وهدموا الحيطان ليتسع لهم الموضع فبعث نصر محمد بن قطن إلى الكرماني إنك لست مثل هذا الدبوسي فاتق الله لا تشرع في الفتنة قال وبعث تميم بن نصر شاكريته وهم في دار الجنوب بنت القعقاع فرماهم أصحاب الكرماني من السطوح ونذروا بهم فقال عقيل بن معقل لمحمد بن المثنى علام نقتل أنفسنا لنصر والكرماني هلم نرجع إلى بلد نا بطخارستان فقال محمد ان نصرا لم يف لنا فلسنا ندع حربه وكان أصحاب الحارث والكرماني يرمون نصرا وأصحابه بعرادة فضرب سرادقه وهو فيه فلم يحوله فوجه إليهم سلم بن أحوز فقاتلهم فكان أول الظفر لنصر فلما رأى الكرماني ذلك أخذ لواءه من محمد بن محمد بن عميرة فقاتل به حتى كسره وأخذ محمد بن المثنى والزاغ وحطان في كارابكل حتى خرجوا على الرزيق وتميم ابن نصر على قنطرة النهر فقال محمد بن المئنى لتميم حين انتهى إليه تنح يا صبى وحمل محمد والزاغ معه راية صفراء فصرعوا أعين مولى نصر وقتلوه وكان صاحب دواة نصر وقتلوا نفرا من شاكريته وحمل الخضر بن تميم على سلم بن أحوز فطعنه فمال السنان فضربه بجرز على صدره وأخرى على منكبه وضربه على رأسه فسقط وحمى نصر أصحابه في ثمانية فمنعهم من دخول السوق قال ولما هزمت اليمانية مضرا أرسل الحارث إلى نصر إن اليمانية يعيرونني بانهزامكم وأنا كاف فاجعل حماة أصحابك بإزاء الكرماني فبعث إليه نصر يزيد النحوي وخالدا يتوثق منه أن يفى له بما أعطاه من الكف ويقال إنما كف الحارث عن قتال نصر أن عمران ابن الفضل الازدي وأهل بيته وعبد الجبار العدوى وخالد بن عبيد الله بن حية

[ 9 ]

العدوى وعامة أصحابه نقموا على الكرماني فعله بأهل التبوشكان وذلك أن أسدا وجهه فنزلوا على حكم أسد فبقر بطون خمسين رجلا وألقاهم في نهر بلخ وقطع أيدى ثلثمائة منهم وأرجلهم وصلب ثلاثا وباع أثقالهم فيمن يزيد فنقموا على الحارث عونه الكرماني وقتاله نصرا فقال نصر لاصحابه حين تغير الامر بينه وبين الحارث إن مضرا لا تجتمع لى ما كان الحارث مع الكرماني لا يتفقان على أمر فالرأى تركهما فانهما يختلفان وخرج إلى جلفر فيجد عبد الجبار الاحول العدوى وعمر بن أبى الهيثم الصغدى فقال لهما أيسعكما المقام مع الكرماني فقال عبد الجبار وأنت فلا عدمت آسيا ما أحلك هذا المحل فلما رجع نصر إلى مر وأمر به فضرب أربعمائة سوط ومضى نصر إلى خرق فأقام أربعة أيام بها ومعه مسلم بن عبد الرحمن ابن مسلم وسلم بن أحوز وسنان الاعرابي فقال نصر لنسائه إن الحارث سيخلفني فيكن ويحميكن فلما قرب من نيسابور أرسلوا إليه ما أقدمك وقد أظهرت من العصبية أمرا قد كان الله أطفأه وكان عامل نصر على نيسابور ضرار بن عيسى العامري فأرسل إليهم نصر بن سيار سنانا الاعرابي ومسلم بن عبد الرحمن وسلم ابن أحوز فكلموهم فخرجوا فتلقوا نصرا بالمواكب والجوارى والهدايا فقال سلم جعلني الله فداك هذا الحى من قيس فإنما كانت عاتبة فقال نصر أنا ابن خندف تنمينى قبائلها * للصالحات وعمى قيس عيلانا وأقام عند نصر حين خرج من مرو يونس بن عبد ربه ومحمد بن قطن وخالد ابن عبد الرحمن في نظرائهم قال وتقدم عباد بن عمر الازدي وعبد الحكيم بن سعيد العوذى وأبو جعفر عيسى بن جرز على نصر من مكة بأبرشهر فقال نصر لعبد الحكيم أما ترى ما صنع سفهاء قومك فقال عبد الحكيم بل سفهاء قومك طالت ولايتها في ولايتك وصيرت الولاية لقومك دون ربيعة واليمن فبطروا وفى ربيعة واليمن علماء وسفهاء فغلب السفهاء العلماء فقال عباد أتستقبل الامير بهذا الكلام قال دعه فقد صدق فقال أبو جعفر عيسى بن جرز وهو من أهل قرية على نهر مرو أيها الامير حسبك من هذه الامور والولاية فانه قد أطل أمر

[ 10 ]

عظيم سيقوم رجل مجهول النسب يظهر السواد ويدعوا لى دولة تكون فيغلب على الامر وأنتم تنظرون وتضطربون فقال نصر ما أشبه أن يكون لقلة الوفاء واستجراح الناس وسوء ذات البين وجهت إلى الحارث وهو بأرض الترك فعرضت عليه الولاية والاموال فأبى وشعث وظاهر على فقال أبو جعفر عيسى إن الحارث مقتلول مصلوب وما الكرماني من ذلك ببعيد فوصله نصر قال، وكان سلم بن أحوز يقول ما رأيت قوما أكرم إجابة ولا أبذل لدمائهم من قيس قال فلما خرج نصر من مرو غلب عليها الكرماني وقال للحارث إنما أريد كتاب الله فقال قحطبة لو كان صادقا لامددته ألف عنان فقال مقاتل بن حيان أفى كتاب الله هدم الدور وانتهاب الاموال فحبسه الكرماني في خيمة في العسكر فكلمه معمر بن مقاتل بن حيان أو معمر بن حيان فخلاه فأتى الكرماني المسجد ووقف الحارث فخطب الكرماني الناس وآمنهم غير محمد بن الزبير ورجل آخر فاستأمن لابن الزبير داود بن أبى داود بن يعقوب ودخل الكاتب فآمنه ومضى الحارث إلى باب دوران وسرخس وعسكر الكرماني في مصل أسد وبعث إلى الحارث فأتاه فأنكر الحارث هدم الدور وانتهاب الاموال فهم الكرماني به ثم كف عنه فأقام أياما وخرج بشر ابن جدموز الضبى بخرقان فدعا إلى الكتاب والسنة وقال للحارث إنما قاتلت معك طلب العدل فأما إذا كنت مع الكرماني فقد علمت أنك إنما تقاتل ليقال غلب الحارث وهؤلاء يقاتلون عصبية فلست مقاتلا معك واعتزل في خمسة آلاف وخمسمائة ويقال في أربعة آلاف وقال نحن الفئة العادلة ندعوا إلى الحق ولا نقاتل إلا من يقاتلنا وأتى الحارث مسجد عياض فأرسل إلى الكرماني يدعوه إلى أن يكون الامر شورى فأبى الكرماني وبعث الحارث ابنه محمدا نقله من دار تميم بن نصر فكتب نصر إلى عشيرته ومضر أن الزموا الحارث مناصحة فأتوه فقال الحارث إنكم أصل العرب وفرعها وأنتم قريب عهدكم بالهزيمة فاخرجوا إلى بالاثقال فقالوا لم نكن نرضى بشئ دون لقائه وكان من مد برى عسكر الكرماني مقاتل بن سليمان فأتاه رجل من البخاريين فقال أعطني أجر المنجنيق التى نصبتها

[ 11 ]

فقال أقم البينة أنك نصبتها من منفعة المسلمين فشهد له شيبة بن شيخ الازدي فأمر مقاتل فصك له إلى بيت المال قال فكتب أصحاب الحارث إلى الكرماني نوصيكم بتقوى الله وطاعته وايثار أئمة الهدى وتحريم ما حرم الله من دمائكم فان الله جعل اجتماعنا كان إلى الحارث ابتغاء الوسيلة إلى الله ونصيحة في عباده فعرضنا أنفسنا للحرب ودماءنا للسفك وأموالنا للتلف فصغر ذلك كله عندنا في جنب ما نرجو من ثواب الله ونحن وأنتم إخوان في الدين وأنصار على العدو فاتقوا الله وراجعوا الحق فإنا لا نريد سفك الدماء بغير حلها فأفاموا أياما فأتى الحارث بن سريج الحائط فثلم فيه ثلمة ناحية نوبان عند دار هشام بن أبى الهيثم فتفرق عن الحارث أهل البصائر وقالوا غدرت فأقام القاسم الشيباني وربيع التيمى في جماعة ودخل الكرماني من باب سرخمس فحاذى الحارث ومر المنخل بن عمرو الازدي فقتله السميدع أحد بنى العدوية ونادى يا لثأرات لقيط واقتتلوا وجعل الكرماني على ميمنته داود بن شعيب واخوته خالدا ومزيدا والمهلب وعلى ميسرته سورة بن محمد ابن عزيز الكندى في كندة وربيعة فاشتد الامر بينهم فانهزم أصحاب الحارث وقتلوا ما بين الثلمة وعسكر الحارث والحارث على بغل فنزل عنه وركب فرسا فضربه فجرى وانهزم أصحابه فبقى في أصحابه فقتل عند شجرة وقتل أخوه سوادة وبشر بن جرموز وقطن بن المغيرة بن عجرد وكف الكرماني وقتل مع الحارث مائة وقتل من أصحاب الكرماني مائة وصلب الحارث عند مدينة مرو بغير رأس وكان قتل بعد خروج نصر من مرو بثلاثين يوما قتل يوم الاحد لست بقين من رجب وكان يقال إن الحارث يقتل تحت زيتونة أو شجرة غبيراء فقتل كذلك سنة 128 وأصاب الكرماني صفائح ذهب للحارث فأخذها وحبس أم ولده ثم خلى عنها وكانت عند حاجب بن عمرو بن سلمة بن سكن بن جون بن دبيب قال وأخذ أموال من خرج مع نصر واصطفى متاع عاصم بن عمير فقال ابراهيم بم تستحل ماله فقال صالح من آل الوضاح أسقني دمه فحال بينه وبينه مقاتل ابن سليمان فأتى به منزله قال على قال زهير بن الهنيد خرج الكرماني إلى بشر

[ 12 ]

ابن جرموز وعسكر خارجا من المدينة ومرو وبشر في أربعة آلاف فعسكر الحارث مع الكرماني فأقام الكرماني أياما بينه وبين عسكر بشر فرسخان ثم تقدم حتى قرب من عسكر بشر وهو يريد أن يقاتله فقال للحارث تقدم وندم الحارث على اتباع الكرماني فقال لا تعجل إلى قتالهم فانى أردهم إليك فخرج من العسكر في عشرة فوارس حتى أتى عسكر بشر في قرية الدرزيجان فأقام معهم وقال ما كنت لا قاتلكم مع اليمانية وجعل المضريون ينسلون من عسكر الكرماني إلى الحارث حتى لم يبق مع الكرماني مضرى غير سلمة بن أبى عبد الله مولى بنى سليم فانه قال والله لا أتبع الحارث أبدا فإنى لم أره الا غادرا والمهلب بن إياس وقال لا أتبعه فإنى لم أرده قط الا في خيل تطرد فقاتلهم الكرماني مرارا يقتتلون ثم يرجعون إلى خنادقهم فمرة لهؤلاء ومرة لهؤلاء فالتقوا يوما من أيامهم وقد شرب مرثد بن عبد الله المجاشعى فخرج سكران على برذون للحارث فطعن فصرع وحماه فوارس من بنى تميم حتى تخلص وعار البرذون فلما رجع لامه الحارث وقال كدت تقتل نفسك فقال للحارث إنما تقول ذلك لمكان برذونك امرأته طالق إن لم آته ببرذون أفره من له أفره برذون في عسكرهم قالوا عبد الله بن ديسم العنزي وأشاروا إلى موقفه حتى وصل إليه فلما غشيه رمى ابن ديسم نفسه عن برذونه وعلق مرثد عنان فرسه في رمحه وقاده حتى أتى به الحارث فقال هذا مكان برذونك فلقى مخلد بن الحسن مرثدا فقال له يمازحه ما أهيأ برذون ابن ديسم تحتك فنزل عنه وقال خذه قال أردت أن تفضحني أخذته منا في الحرب وآخذه في السلم ومكثوا بذلك أياما ثم ارتحل الحارث ليلا فأتى حائط مروفنقب بابا ودخل الحائط فدخل الكرماني واترحل فقالت المضرية للحارث قد تركنا الخنادق فهو يومنا وقد فررت غير مرة فترجل فقال أنا لكم فارسا خير منى لكم راجلا قالوا لا نرضى الا أن نترجل فترجل وهو بين حائط مروو المدينة فقتل الحارث وأخوه وبشر بن جرموز وعدة من فرسان تميم وانهزم الباقون وصلب الحارث وصفت مرو لليمن فهدموا دور المضرية فقال نصر بن سيار للحارث حين قتل

[ 13 ]

يا مدخل الذل على قومه * بعدا وسحقا لك من هالك شؤمك أردى مضرا كلها * وغض من قومك بالحارك ما كانت الازد وأشياعها * تطمع في عمرو ولا مالك ولا بنى سعد إذا الجموا * كل طمر لونه حالك ويقال بل قال هذه الابيات نصر لعثمان بن صدقة المازنى وقالت أم كثير الضبية لا بارك الله في أنثى وعذبها * تزوجت مضريا آخر الدهر أبلغ رجال تميم قول موجعة * أحللتموها بدار الذل والفقر إن أنتم لم تكروا بعد جولتكم * حتى تعيدوا رجال الازد في الظهر إنى استحيت لكم من بذل طاعتكم * هذا المزونى يجبيكم على قهر وقال عباد بن الحارث ألا يا نصر قد برح الخفاء * وقد طال التمنى والرجاء وأصبحت المزون بأرض مرو * تقضى في الحكومة ما تشاء يجوز قضاؤها في كل حكم * على مضر وإن جار القضاء وحمير في مجالسها قعود * ترقرق في رقابهم الدماء فإن مضر بذا رضيت وذلت * فطال لها المذلة والشقاء وإن هي أعتبت فيها وإلا * فحل على عساكرها العفاء وقال ألا يا أيها المرء ال‍ * - ذى قد شقه الطرب أفق ودع الذى قد كن‍ * - ت تطلبه ونطلب فقد حدثت بحضرتنا * أمور شانها عجب الازد رأيتها عزت * بمرو وذلت العرب فجاز الصفر لما كا * ن ذاك وبهرج الذهب وقال أبو بكر بن إبراهيم لعلى وعثمان ابني الكرماني إنى لمرتحل أريد بمدحتي * أخوين فوق ذرى الانام ذراهما

[ 14 ]

سبقا الجياد فلم يزالا نجعة * لا يعدم الضيف الغريب قراهما يستعليان ويجريان إلى العلى * ويعيش في كنفيهما حياهما أعنى عليا إنه ووزيره * عثمان ليس يذل من والاهما جريا لكيما يحلقا بأبيهما * جرى الجياد من البعيد مداهما فلئن هما لحقا به لمنصب * يستعليان ويلحقان أباهما ولئن أبر عليهما فلطال ما * جريا فبذهما وبذ سواهما فلا مدحنهما بما قد عاينت * عينى وإن لم أخص كل نداهما فهما التقيان المشار إليهما * الحاملان الكاملان كلاهما وهما أزالا عن عريكة ملكه * نصرا ولا قى الذل إذ عاداهما نفيا ابن أقطع بعد قتل حماته * وتقسمت أسلابه خيلاهما والحارث بن سريج إذ قصدوا له * حتى تعاور رأسه سيفاهما أخذا بعفو أبيهما في قدره * إذ عز قومهما ومن والاهما (وفى هذه السنة) وجه إبراهيم بن محمد أبا مسلم إلى خراسان وكتب إلى أصحابه إنى قد أمرته بأمرى فاسمعوا منه واقبلوا قوله فإنى قد أمرته على خراسان وما غلب عليه بعد ذلك فأتاهم فلم يقبلوا قوله وخرجوا من قابل فالتقوا بمكة عند إبراهيم فأعلمه أبو مسلم أنه لم ينفذوا كتابه وأمره فقال إبراهيم إنى قد عرضت هذا الامر على غير واحد فأبوه على وذلك أنه كان عرض ذلك قبل أن يوجه أبا مسلم على سليمان بن كثير فقال لا ألى اثنين أبدا ثم عرضه على إبراهيم بن سلمة فأبى فأعلمهم أنه أجمع رأيه على أبى مسلم فأمرهم بالسمع والطاعة ثم قال يا عبد الرحمن إنك رجل منا أهل البيت فاحتفظ وصيتى وانظر هذا الحى من اليمن فأكرمهم وحل بين أظهرهم فإن الله لا يتم هذا الامر إلا بهم وانظر هذا الحى من ربيعة فاتهمهم في أمرهم وانظر هذا الحى من مضر فانهم العدو القريب الدار فاقتل من شككت في أمره ومن كان في أمره شبهة ومن وقع في نفسك منه شئ وإن استطعت أن لا تدع بخراسان لسانا عربيا فافعل فأيما غلام بلغ

[ 15 ]

خمسة أشبار تتهمه فاقتله ولا تخالف هذا الشيخ يعنى سليمان بن كثير ولا تعصه وإذا أشكل عليك أمر فاكتف به منى (وفى هذه السنة) قتل الضحاك بن قيس الخارجي فيما قال أبو مخنف ذكر ذلك هشام بن محمد عنه ذكر الخبر عن مقتله وسبب ذلك ذكر أن الضحاك لما حاصر عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بواسط وبايعه منصور بن جمهور ورأى عبد بن عمر أنه لا طاقة له به أرسل إليه ان مقامكم على ليس بشئ هذا مروان فسر إليه فإن قاتلته فانا معك فصالحه على ما قد ذكرت من اختلاف المختلفين فيه فذكر هشام عن أبى مخنف أن الضحاك ارتحل عن ابن عمر حتى لقى مروان بكفر توثا من أرض الجزيرة فقتل الضحاك يوم التقوا وأبو هاشم مخلد بن محمد بن صالح قال فيما حدثنى أحمد بن زهير قال حدثنا عبد الوهاب ابن إبراهيم عنه أن الضحاك لما قتل عطية التغلبي صاحبه وعامله على الكوفة ملحان بقنطرة السيلحين وبلغه خبر قتل ملحان وهو محاصر عبد الله بن عمر بواسط وجه مكانه من أصحابه رجلا يقال له مطاعن واصطلح عبد الله بن عمر والضحاك عن أن يدخل في طاعته فدخل وصلى خلفه وانصرف إلى الكوفة وأقام ابن عمر فيمن معه بواسط ودخل الضحاك الكوفة وكاتبه أهل الموصل ودعوه إلى أن يقدم عليهم فيمكنوه منها فسار في جماعة جنوده بعد عشرين شهرا حتى انتهى إليها وعليها يومئذ عامل لمروان وهو رجل من بنى شيبان من أهل الجزيرة يقال له القطران بن أكمة ففتح أهل الموصل المدينة للضحاك وقاتلهم القطران في عدة يسيرة من قومه وأهل بيته حتى قتلوا واستولى الضحاك على الموصل وكورها وبلغ مروان خبره وهو محاصر حمص مشتغل بقتال أهلها فكتب إلى ابنه عبد الله وهو خليفته بالجزيرة يأمره أن يسير فيمن معه من روابطه إلى مدينة نصيبين يشغل الضحاك عن توسط الجزيرة فشخص عبد الله إلى نصيبين في جماعة روابطه وهو في نحو من سبعة آلاف أو ثمانية وخلف بحران قائدا في ألف أو نحو ذلك وسار الضحاك من الموصل إلى عبد الله بنصيبين فقاتله فلم يكن له قوة لكثرة

[ 16 ]

من مع الضحاك فهو فيما بلغنا عشرون ومائة ألف يرزق الفارس عشرين ومائة والرجل والبغال المائة والثمانين في كل شهر وأقام الضحاك على نصيبين محاصرا لها ووجه قائدين من قواده يقال لهما عبد الملك بن بشر التغلبي وبدر الذكوانى مولى سليمان بن هشام في أربعة آلاف أو خمسة آلاف حتى وردا الرقة فقاتلهم من بها من خيل مروان وهم نحو من خمسمائة فارس ووجه مروان حين بلغه نزولهم الرقة خيلا من روابطه فلما دنوا منها انقشع أصحاب الضحاك منصرفين إليه فاتبعتهم خيله فاستسقطوا من ساقتهم نيفا وثلاثين رجلا فقطعهم مروان حين قدم الرقة ومضى صامدا إلى الضحاك وجموعه حتى التقيا بموضع يقال له الغز من أرض كفرتوثا فقاتله يومه ذلك فلما كان عند المساء ترجل الضحاك وترجل معه من ذوى الثبات من أصحابه نحو من ستة آلاف وأهل عسكره أكثرهم لا يعلمون بما كان منه وأحدقت بهم خيول مروان فالحوا عليهم حتى قتلوهم عند العتمة وانصرف من بقى من أصحاب الضحاك إلى عسكرهم ولم يعلم مروان ولا أصحاب الضحاك أن الضحاك قد قتل فيمن قتل حتى فقدوه في وسط الليل وجاءهم بعض من عاينه حين ترجل فأخبرهم بخبره ومقتله فبكوه وناحوا عليه وخرج عبد الملك ابن بشر التغلبي القائد الذى كان وجهه في عسكرهم إلى الرقة حتى دخل عسكر مروان ودخل عليه فأعلمه أن الضحاك قتل فأرسل معه رسلا من حرسه معهم النيران والشمع إلى موضع المعركة فقلبا القتلى حتى استخرجوه فاحتملوه حتى أتوا به مروان وفى وجهه أكثر من عشرين ضربة فكبر أهل عسكر مروان فعرف أهل عسكر الضحاك أنهم قد علموا بذلك وبعث مروان برأسه من ليلته إلى مدائن الجزيرة فطيف به فيها وقبل ان الخيبرى والضحاك انما قتلا في سنة 129 (وفى هذه السنة) كان أيضا في قول أبى مخنف قتل الخيبرى الخارجي كذلك ذكر هشام عنه ذكر الخبر عن مقتله * حدثنى أحمد بن زهير قال حدثنا عبد الوهاب بن إبراهيم قال حدثنى أبو هاشم مخلد بن محمد بن صالح قال لما قتل الضحاك أصبح أهل عسكره بايعوا الخيبرى

[ 17 ]

وأقاموا يومئذ وغادوه من بعد الغد وصافوه وصافهم وسليمان بن هشام يومئذ في مواليه وأهل بيته مع الخيبرى وقد كان قدم على الضحاك وهو بنصببين وهم في أكثر من ثلاثة آلاف من أهل بيته ومواليه فتزوج فيهم أخت شيبان الحروري الذى بايعوه بعد قتل الخيبرى فحمل الخيبرى على مروان في نحو من أربعمائة فارس من الشراة فهزم مروان وهو في القلب وخرج مروان من المعسكر هاربا ودخل الخيبرى فيمن معه عسكره فجعلوا ينادون بشعارهم ينادون يا خيبرى يا خيبرى ويقتلون من أدركوا حتى انتهوا إلى حجرة مروان فقطعوا أطنابها وجلس الخيبرى على فرشه وميمنة مروان عليها ابنه عبد الله ثابتة على حالها وميسرته ثابتة عليها إسحاق بن مسلم العقيلى فلما رأى أهل عسكر مروان قلة من مع الخيبرى ثار إليه عبيد من أهل العسكر بعمد الخيام فقتلوا الخيبرى وأصحابه جميعا في حجرة مروان وحولها وبلغ مروان الخبر وقد جاز العسكر بخمسة أميال أو ستة منهزما فانصرف إلى عسكره ورد خيوله عن مواضعها ومواقفها وباب ليلته تلك في عسكره فانصرف أهل عسكر الخيبرى قولوا عليهم شيبان وبايعوه فقاتلهم مروان بعد ذلك بالكراديس وأبطل الصف منذ يومئذ وكان مروان يوم الخيبرى بعث محمد بن سعيد وكان من ثقاته وكتابه إلى الخيبرى فبلغه أنه مالاهم وانحاز إليهم يومئذ فأتى به مروان أسيرا فقطع يده ورجله ولسانه (وفى هذه السنة) وجه مروان يزيد بن عمر بن هبيرة إلى العراق لحرب من بها من الخوارج (وحج) بالناس في هذه السنة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز كذلك قال أبو معشر فيما حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عنه وكذلك قال الواقدي وغيره وقال الواقدي وافتتح مروان حمص وهدم سورها وأخذ نعيم بن ثابت الجزامى فقتله في شوال سنة 8 وقد ذكرنا من خالفه في ذلك قبل وكان العامل على المدينة ومكة والطائف فيما ذكر في هذه السنة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وبالعراق عمال الضحاك وعبد الله بن عمر وعلى قضاء البصرة ثمامة بن عبد الله وبخراسان نصر بن سيار وخراسان مفتونة (وفى هذه السنة) لقى أبو حمزة

[ 18 ]

الخارجي عبد الله بن يحيى طالب الحق فدعاه إلى مذهبه ذكر الخبر عن ذلك * حدثنى العباس بن عيسى العقيلى قال حدثنا هارون بن موسى الغزوى قال حدثنى موسى بن كثير مولى الساعديين قال كان أول أمر أبى حمزة وهو المختار بن عوف الازدي السليمى من البصرة قال موسى كان أول أمر أبى حمزة أنه كان يوافي كل سنة مكة يدعو الناس إلى خلاف مروان بن محمد والى خلاف آل مروان قال فلم يزل يختلف في كل سنة حتى وافى عبد الله بن يحيى في آخر سنة 128 فقال له يا رجل أسمع كلاما حسنا أراك تدعو إلى حق فانطلق معى فانى رجل مطاع في قومي فخرج حتى ورد حضرموت فبايعه أبو حمزة على الخلافة ودعا إلى خلاف مروان وآل مروان * وقد حدئنى محمد بن حسن أن أبا حمزة مر بمعدن بنى سليم وكثير بن عبد الله عامل على المعدن فسمع بعض كلامه فأمر به فجلد سبعين سوطا ثم مضى إلى مكة فلما قدم أبو حمزة المدينة حين افتتحها تغيب كثير حتى كان من أمرهم ما كان ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك ما كان من هلاك شيبان بن عبد العزيز اليشكرى أبى الدلفاء ذكر الخبر عن سبب مهلكه وكان سبب ذلك أن الخوارج الذين كانوا بإزاء مروان بن محمد يحاربونه لما قتل الضحاك بن قيس الشيباني رئيس الخوارج والخيبري بعده ولوا عليهم شيبان وبايعوه فقاتلهم مروان فذكر هشام بن محمد والهيثم بن عدى أن الخيبرى لما قتل قال سليمان بن هشام بن عبد الملك للخوارج وكان معهم في عسكرهم إن الذى تفعلون ليس برأى وإن أخذتم برأيى وإلا انصرفت عنكم قالوا فما الرأى قال إن أحدكم يظفر ثم يستقل فيقتل فإنى أرى أن ننصرف على حاميتنا حتى

[ 19 ]

ننزل الموصل فنخندق ففعل وأتبعه مروان والخوارج في شرقي دجلة ومروان بإزائهم فاقتتلوا تسعة أشهر ويزيد بن عمر بن هبيرة بقرقيسيا في جند كثيف من أهل الشأم وأهل الجزيرة فأمره مروان أن يسير إلى الكوفة وعليها يومئذ المثنى ابن عمران من عائذة قريش من الخوارج * وحدثني أحمد بن زهير قال حدثنا عبد الوهاب بن إبراهيم قال حدثنى أبو هاشم مخلد بن محمد قال كان مروان بن محمد يقاتل الخوارج بالصف فلما قتل الخيبرى وبويع شيبان قاتلهم مروان بعد ذلك بالكراديس وأبطل الصف منذ يومئذ وجعل الآخرون يكردسون بكراديس مروان كراديس تكافئهم وتقاتلهم وتفرق كثير من أصحاب الطمع عنهم وخذلوهم وحصلوا في نحو من أربعين ألفا فأشار عليهم سليمان بن هشام أن ينصرفوا إلى مدينة الموصل فيصيروها ظهرا وملجأ وميرة لهم فقبلوا رأيه وارتحلوا ليلا وأصبح مروان فأتبعهم ليس يرحلون عن منزل إلا نزله حتى انتهوا إلى مدينة الموصل فعسكروا على شاطئ دجلة وخندقوا على أنفسهم وعقدوا جسورا على دجلة من عسكرهم إلى المدينة فكانت ميرتهم ومرافقهم منها وخندق مروان بإزائهم فأقام ستة أشهر يقاتلهم بكرة وعشية قال وأتى مروان بابن أخ لسليمان بن هشام يقال له أمية بن معاوية بن هشام وكان مع عمه سليمان بن هشام في عسكر شيبان بالموصل فهو مبارز رجلا من فرسان مروان فأسره الرجل فأتى به أسيرا فقال له أنشدك الله والرحم يا عم فقال ما بينى وبينك اليوم من رحم فأمر به وعمه سليمان وإخوته ينظرون فقطعت يداه وضربت عنقه قال وكتب مروان إلى يزيد بن عمر بن هبيرة يأمره بالمسير من قرقيسيا بجميع من معه إلى عبيدة بن سوار خليفة الضحاك بالعراق فلقى خيوله بعين التمر فقاتلهم فهزمهم وعليهم يومئذ المثنى بن عمران من عائذة قريش والحسن بن يزيد ثم تجمعوا له بالكوفة بالنخيلة فهزمهم ثم اجتمعوا بالصراة ومعهم عبيدة فقاتلهم فقتل عبيدة وهزم أصحابه واستباح ابن هبيرة عسكرهم فلم يكن لهم بقية بالعراق واستولى ابن هبيرة عليها وكتب إليه مروان بن محمد بن الخنادق يأمره أن يمده بعامر بن ضبارة المرى فوجهه في نحو

[ 20 ]

من ستة آلاف أو ثمانية وبلغ شيبان خبرهم ومن معه من الحرورية فوجهوا إليه قائيدن في أربعة آلاف يقال لهما ابن غوث والجون فلقوا ابن ضبارة بالسن دون الموصل فقاتلوه قتالا سديدا فهزمهم ابن ضبارة فلما قدم فلهم أشار عليهم سليمان بالارتحال عن الموصل وأعلمهم أنه لا مقام لهم إذ جاءهم ابن ضبارة من خلفهم وركبهم مروان من بين أيديهم فارتحلوا فأخذوا على حلوان إلى الاهواز وفارس ووجه مروان إلى ابن ضبارة ثلاثة نفر من قواده في ثلاثين ألفا من روابطه أحدهم مصعب بن الصحصح الاسدي وشقيق وعطيف وشقيق الذى يقول فيه الخوارج قد علمت أختاك يا شقيق * أنك من سكرك ما تفيق وكتب إليه يأمره أن يتعبهم ولا يقلع عنهم حتى يبيرهم ويستأصلهم فلم يزل يتبعهم حتى وردوا فارس وخرجوا منها وهو في ذلك يستسقط من لحق من أخرياتهم فتفرقوا وأخذ شيبان في فرقته إلى ناحية البحرين فقتل بها وركب سليمان فيمن معه من مواليه وأهل بيته السفن إلى السند وانصرف مروان إلى منزله من حران فأقام بها حتى شخص إلى الزاب (وأما أبو مخنف) فإنه قال فيما ذكر هشام بن محمد عنه قال أمر مروان يزيد بن عمر بن هبيرة وكان في جنود كثيرة من الشأم وأهل الجزيرة بقرقيسيا أن يسير إلى الكوفة وعلى الكوفة يومئذ رجل من الخوارج يقال له المثنى بن عمران العائذى عائذة قريش فسار إليه ابن هببرة على الفرات حتى انتهى إلى عين التمر ثم سار فلقى المثنى بالروحاء فوافى الكوفة في شهر رمضان من سنة 129 فهزم الخوارج ودخل ابن هبيرة الكوفة ثم سار إلى الصراة وبعث شيبان عبيدة بن سوار في خيل كثيرة فعسكر في شرقي الصراة وابن هبيرة في غربيها فالتقوا فقتل عبيدة وعدة من أصحابه وكان منصور ابن جمهور معهم في دور الصراة فمضى حتى غلب على الماهين وعلى الجبل أجمع وسار ابن هبيرة إلى واسط فأخذ ابن عمر فحبسه ووجه نباتة بن حنظلة إلى سليمان ابن حبيب وهو على كور الاهواز وبعث إليه سليمان داود بن حاتم فالتقوا بالمريان

[ 21 ]

على شاطئ دجيل فانهزم الناس وقتل داود بن حاتم وفى ذلك يقول خلف بن خليفة نفسي الفدا لداود والحمى * إذ أسلم الجيش أبا حاتم مهلبى مشرق وجهه * ليس على المعروف بالنادم سألت من يعلم لى علمه * حقا وما الجل‍....... قالوا عهدناه على مرقب * يحمل كالضرغامة الصارم ثم انثنى منجدلا في دم * يسفح فوق البدن الناعم وأقبل القبط على رأسه * واختصموا في السيف والخاتم وسار سليمان حتى لحق بابن معاوية الجعفري بفارس وأقام ابن هبيرة شهرا ثم وجه عامر بن ضبارة في أهل الشأم إلى الموصل فسار حتى انتهى إلى السن فلقيه بها الجون بن كلاب الخارجي فهزم عامر بن ضبارة حتى أدخله السن فتحصن فيها وجعل مروان يمده بالجنود يأخذون طريق البر حتى انتهوا إلى دجلة فقطعوها إلى ابن ضبارة حتى كثروا وكان منصور بن جمهور يمد شيبان بالاموال من كور الجبل فلما كثر من يتبع ابن ضبارة من الجنود نهض إلى الجون بن كلاب فقتل الجون ومصى ابن ضبارة مصعدا إلى الموصل فلما انتهى خبرالجون وقتله إلى شيبان ومسير عامر بن ضبارة نحوه كره أن يقيم بين العسكرين فارتحل بمن معه و فرسان أهل الشأم من اليمانية وقدم عامر بن ضبارة بمن معه على مروان بالموصل فضم إليه جنودا من جنوده كثيرة وأمره أن يسير إلى شيبان فان أقام أقام وإن سار سار وأن لا يبدأه بقتال فان قاتله شيبان قاتله وإن أمسك أمسك عنه وإن ارتحل اتبعه فكان على ذلك حتى مر على الجبل وخرج على بيضاء اصطخر وبها عبد الله بن معاوية في جموع كثيرة فلم يتهيأ الامر بينه وبين ابن معاوية فسار حتى نزل جيرفت من كرمان وأقبل عامر بن ضبارة حتى نزل بإزاء ابن معاوية أياما ثم ناهضه القتال فانهزم ابن معاوية فلحق بهراة وسار ابن ضبارة بمن معه فلقى شيبان بجيرفت من كرمان فاقتتلوا قتالا شديدا وانهزمت الخوارج واستبيح عسكرهم ومضى شيبان إلى سجستان فهلك بها

[ 22 ]

وذلك في سنة 130 وأما أبو عبيدة فانه قال لما قتل الخيبرى قام بأمر الخوارج شيبان بن عبد العزيز اليشكرى فحارب مروان وطالت الحرب بينهما وابن هبيرة بواسط قد قتل عبيدة بن سوار ونفى الخوارج ومعه رؤس قواد أهل الشأم وأهل الجزيرة فوجه عامر بن ضبارة في أربعة آلاف مددا لمروان فأخذ على المدائن وبلغ مسيرة شيبان فخاف أن يأتيهم مروان فوجه إليه الجون بن كلاب الشيباني ليشغله فالتقيا بالسن فحصر الجون عامرا أياما قال أبو عبيدة قال أبو سعيد فأخرجناهم والله واضطررناهم إلى قتالنا وقد كانوا خافونا وأرادوا الهرب منا فلم ندع لهم مسلكا فقال لهم عامر أنتم ميتون لا محالة فموتوا كراما فصدمونا صدمة لم يقم لها شئ وقتلوا رئيسنا الجون بن كلاب وانكشفنا حتى لحقنا بشيبان وابن ضبارة في آثارنا حتى نزل منا قريبا وكنا نقاتل من وجهين نزل ابن ضبارة من ورائنا مما يلى العراق ومروان أمامنا مما يلى الشأم فقطع عنا المادة والميرة فغلت أسعارنا حتى بلغ الرغيف درهما ثم ذهب الرغيف فلا شئ يشترى بغال ولا رخيص فقال حبيب بن جدرة لشيبان يا أمير المؤمنين إنك في ضيق من المعاش فلو انتقلت إلى غير هذا الموضع ففعل ومضى إلى شهر زور من أرض الموصل فعاب ذلك عليه أصحابه فاختلفت كلمتهم وقال بعضهم لما ولى شيبان أمر الخوارج..... إلى الموصل فاتبعه مروان ينزل معه حيث نزل......... شيبان حتى لحق بأرض فارس فوجه مروان في أثره عامر بن ضبارة.... - ع إلى جزيرة ابن كاوان ومضى شيبان بمن معه حتى صار إلى عمان فقتله جلندى بن مسعود بن جيفر بن جلندى الازدي (وفى هذه السنة) أمر إبراهيم بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس أبا مسلم وقد شخص من خراسان يريده حتى بلغ قومس بالانصراف إلى شيعته بخراسان وأمرهم باظهار الدعوة والتسويد ذكر الخبر عن ذلك وكيف كان الامر فيه قال على بن محمد عن شيوخه لم يزل أبو مسلم يختلف إلى خراسان حتى وقعت العصبية بها فلما اضطرب الحبل كتب سليمان بن كثير إلى أبى سلمة الخلال يسأله

[ 23 ]

أن يكتب إلى ابراهيم يسأله أن يوجه رجلا من أهل بيته فكتب أبو سلمة إلى ابراهيم فبعث أبا مسلم فلما كان في سنة 129 كتب ابراهيم إلى أبى مسلم يأمره بالقدوم عليه ليسأله عن أخبار الناس فخرج في النصف من جمادى الآخرة مع سبعين نفسا من النقباء فلما صار بالدندانقان من أرض خراسان عرض له كامل أو أبو كامل قال أين تريدون قالوا الحج ثم خلا به أبو مسلم فدعاه فأجابهم وكف عنهم ومضى أبو مسلم إلى بيورد فأقام بها أياما ثم سار إلى نسا وكان بها عاصم بن قيس السلمى عاملا لنصر بن سيار الليثى فلما قرب منها أرسل الفضل بن سليمان الطوسى إلى أسيد بن عبد الله الخزاعى ليعلمه قدومه فمضى الفضل فدخل قرية من قرى نسا فلقى رجلا من الشيعة يعرفه فسأله عن أسيد فانتهره فقال يا عبد الله ما أنكرت من مسألتي عن منزل رجل قال إنه كان في هذه القرية شرسعى برجلين قدما إلى العامل وقيل انهما داعيان فأخذهما وأخذ الا حجم بن عبد الله وغيلان بن فضالة وغالب بن سعيد والمهاجربن عثمان فانصرف الفضل إلى أبى مسلم وأخبره فتنكب الطريق وأخذ في أسفل القرى وأرسل طرخان الجمال إلى أسيد فقال ادعه لى ومن قدرت عليه من الشيعة واياك ان تكلم أحدا لم تعرفه فأتى طرخان أسيدا فدعاه واعلمه بمكان أبى مسلم فأتاه فسأله عن الاخبار قال نعم قدم الازهر بن شعيب وعبد الملك بن سعد بكتب من الامام اليك فخلفا الكتب عندي وخرجا فأخذا فلا أدرى من سعى بهما فبعث بهما العامل إلى عاصم بن قيس فضرب المهاجرين عثمان وناسا من الشيعة قال فأين الكتب قال عندي قال فأتني بها قال ثم سار حتى أتى قومس وعليها بيهس بن بديل العجلى فأتاهم بيهس فقال أين تريدون قالوا الحج قال أفمعكم فضل برذون تبيعونه قال أبو مسلم أما بيعا فلا ولكن خذ أي دوابنا شئت قال اعرضوها على فعرضوها فاعجبه برذون منها سمند فقال أبو مسلم هو لك قال لاأقبله إلا بثمن قال احتكم قال سبعمائة قال هو لك فأتاه وهو بقومس كتاب من الامام إليه وكتاب إلى سليمان بن كثير وكان في كتاب أبى مسلم إنى قد بعثت إليك براية النصر فارجع من حيث ألفاك كتابي ووجه إلى قحطبة بما معك

[ 24 ]

يوافني به في الموسم فانصرف أبو مسلم إلى خراسان ووجه قحطبة إلى الامام فلما كانوا بنسا عرض لهم صاحب مسلحه في قرية من قرى نسا فقال لهم من أنتم قالوا أردنا الحج فبلغنا عن الطريق شئ خفناه فأوصلهم إلى عاصم بن قيس السلمى فسألهم فأخبروه فقال..... للمفضل بن الشرقي السلمى وكان على شرطته أزعجهم فخلا به أبو مسلم وعرض عليه أمرهم فأجابه وقال ارتحلوا على مهل ولا تعجلوا وأقام عندهم حتى ارتحلوا فقدم أبو مسلم مرو في أول يوم من شهر رمضان سنة 129 ودفع كتاب الامام إلى سليمان بن كثير وكان فيه أن أظهر دعوتك ولا تربص فقد آن ذلك فنصبوا أبا مسلم وقالوا رجل من أهل البيت ودعوا إلى طاعة بنى العباس وأرسلوا إلى من قرب منهم أو بعد ممن أجابهم فأمروه بإظهار أمرهم والدعاء إليهم ونزل أبو مسلم قرية من قرى خزاعة يقال لها سفيذنج وشيبان والكرماني يقاتلان نصر بن سيار فبث أبو مسلم دعاته في الناس وظهر أمره وقال الناس قدم رجل من بنى هاشم فأتوه من كل وجه فظهر يوم الفطر في قرية خالد بن ابراهيم فصلى بالناس يوم الفطر القاسم ابن مجاشع المرائى ثم ارتحل فنزل بالين ويقال قرية اللين لخزاعة فوافاه في يوم واحد أهل ستين قرية فأفام اثنين وأربعين يوما فكان أول فتح أبى مسلم من قبل موسى بن كعب في بيورد وتشاغل لقتل عاصم بن قيس ثم جاء فتح من قبل مروروذ (قال أبو جعفر) وأما أبو الخطاب فإنه قال كان مقدم أبى مسلم أرض مرو منصرفا من قومس وقد أنفذ من قومس فحطبة بن شبيب بالاموال التى كانت معه والعروض إلى الامام ابراهيم بن محمد، وانصرف إلى مرو فقدمها في شعبان سنة 129 لتسع خلون منه يوم الثلاثاء فنزل قرية تدعى فنين على أبى الحكم عيسى بن أعين النقيب وهى قرية أبى داود النقيب فوجه منها أبا داود ومعه عمرو ابن أعين إلى طخارستان فما دون بلخ بإظهار الدعوة في شهر رمضان من عامهم ووجه النضر بن صبيح التميمي ومعه شريك بن غضى التميمي إلى مرو الروذ بإظهار الدعوة في شهر رمضان ووجه أبا عاصم عبد الرحمن بن سليم إلى الطالقان ووجه

[ 25 ]

أبا الجهم بن عطية إلى العلاء بن حريث بخوارزم بإظهار الدعوة في شهر رمضان لخمس بقين من الشهر فإن أعجلهم عدوهم دون الوقت فعرض لهم بالاذى والمكروه فقد حل لهم أن يدفعوا عن أنفسهم وان يظهروا السيوف ويجردوها من أغمادها ويجاهدوا أعداء الله ومن شغلهم عدوهم عن الوقت فلا حرج عليهم أن يظهروا بعد الوقت ثم تحول أبو مسلم عن منزل أبى الحكم عيسى بن أعين فنزل على سليمان ابن كثير الخزاعى في قريته التى تدعى سفيذنج من ربع خرقان لليلتين خلتا من شهر رمضان من سنة 129 فلما كانت ليلة الخميس لخمس بقين من شهر رمضان سنة 129 عقدوا اللواء الذى بعث به الامام إليه الذى يدعى الظل على رمح طوله أربعة عشر ذراعا وعقد الراية الذى بعث بها الامام التى تدعى السحاب على رمح طوله ثلاثة عشر ذراعا وهو يتلواذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ولبسوا السواد هو وسليمان بن كثير وإخوة سليمان ومواليه ومن كان أجاب الدعوة من أهل سفيذنج منهم غيلان بن عبد الله الخزاعى وكان صهر سليمان على أخته أم عمرو بنت كثير ومنهم حميد بن رزين وأخوه عثمان بن رزين فأوقد النيران ليلته أجمع للشيعة من سكان ربع خرقان وكانت العلامة بين الشيعة فتجمعوا له حين أصبحوا مغذين وتأول هذين الاسمين الظل والسحاب أن السحان يطبق الارض وكذلك دعوة بنى العباس وتأويل الظل أن الارض لا تخلو من الظل أبدا وكذلك لا تخلو من خليفة عباسي أبد الدهر وقدم على أبى مسلم الدعاة من أهل مرو بمن أجاب الدعوة وكان أول من قدم عليه أهل السقادم مع أبى الوضاح الهرمزفرى عيسى بن شبيل في تسعمائة رجل وأربعة فرسان ومن أهل هرمز فره سليمان بن حسان وأخوه يزدان بن حسان والهيثم بن يزيد بن كيسان وبويع مولى نصر بن معاوية وأبو خالد الحسن وجردي ومحمد بن علوان وقدم أهل السقادم مع أبى القاسم محرز بن ابراهيم الجوبانى في ألف وثلثمائة راجل وستة عشر فارسا ومنهم من الدعاة أبو العباس المروزى وخذام بن عمار وحمزة بن زنيم فجعل أهل السقادم يكبرون من ناحيتهم وأهل السقادم مع محرز بن ابراهيم بجيبونهم بالتكبير فلم يزالوا كذلك حتى دخلوا

[ 26 ]

عسكر أبى مسلم بسفيذنج وذلك يوم السبت من بعد ظهور أبى مسلم بيومين وأمر أبو مسلم أن يرم حصن سفيذنج ويحصن ويدرب فلما حضر العيد يوم الفطر بسفيذنج أمر أبو مسلم سليمان بن كثير أن يصلى به وبالشيعة ونصب له منبرا في العسكر وأمره أن يبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة وكانت بنو أمية تبدأ بالخطبة والاذان ثم الصلاة بالاقامة على صلاة يوم الجمعة فيخطبون على المنار جلوسا في الجمعة والاعياد وأمر أبو مسلم سليمان بن كثير أن يكبر ست تكبيرات تباعا ثم يقرأ ويركع بالسابعة ويكبر في الركعة الثانية خمس تكبيرات تباعا ثم يقرأ ويركع بالسادسة ويفتتح الخطبة بالتكبير ويختمها بالقرآن وكانت بنو أمية تكبر في الركعة الاولى أربع تكبيرات يوم العيد وفى الثانية ثلاث تكبيرات فلما قضى سليمان بن كثير الصلاة والخطبة انصرف أبو مسلم والشيعة إلى طعام قد أعده لهم أبو مسلم الخراساني فطعموا مستبشرين وكان أبو مسلم وهو في الخندق إذا كتب إلى نصر بن سيار يكتب للامير نصر فلما قوى أبو مسلم بمن اجتمع إليه في خندقه من الشيعة بدأ بنفسه فكتب إلى نصر أما بعد فان الله تبارك أسماؤه وتعالى ذكره عير أقواما في القرآن فقال (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الامم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا استكبارا في الارض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلى سنة الاولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا) فتعاظم نصر الكتاب وانه بدأ بنفسه وكسر له إحدى عينيه وقال هذا كتاب له جواب فلما استقر بأبى مسلم معسكره بالماخوان أمر محرز بن إبراهيم أن يخندق خندقا بجيرنج ويجتمع إليه أصحابه ومن نزع إليه من الشيعة فيقطع مادة نصر بن سيار من مروروذ وبلخ وكور طخارستان ففعل ذلك محرز بن إبراهيم واجتمع في خندقه نحو من ألف رجل فأمر أبو مسلم أبا صالح كامل بن مظفر أن يوجه رجلا إلى خندق محرز بن إبراهيم لعرض من فيه وإحصائهم في دفتر بأسمائهم وأسماء آبائهم

[ 27 ]

وقراهم فوجه أبو صالح حميدا الازرق لذلك وكان كاتبا فأحصى في خندق محرز ثمانمائة رجل وأربعة رجال من أهل الكف وكان فيهم من القواد المعروفين زياد بن سيار الازدي من قرية تدعى اسبوادق من ربع خرقان وخذام بن عمار الكندى من ربع السقادم ومن قرية تدعى بالاوايق وحنيفة بن قيس من ربع السقادم ومن قرية تدعى الشنج وعبدويه الجردامذ بن عبد الكريم من أهل هراة وكان يجلب الغنم إلى مرو وحمزة بن زنيم الباهلى من ربع خرقان من قرية تدعى هتلا دجور وأبو هاشم خليفة بن مهران من ربع السقادم من قرية تدعى جوبان وأبر خديجة جيلان بن السغدى وأبو نعيم موسى بن صبيح فلم يزل محرز ابن إبراهيم مقيما في خندقه حتى دخل أبو مسلم حائط مرر وعطل الخندق بماخوان والى أن عسكر بما سرجس يريد نيسابور فضم إليه محرز بن إبراهيم أصحابه وكان من الاحداث وأبو مسلم بسفيذنج أن نصر بن سيار وجه مولى له يقال له يزيد في خيل عظيمة لمحاربة أبى مسلم بعد ثمانية عشر شهرا من ظهوره فوجه إليه أبو مسلم مالك بن الهيثم الخزاعى ومعه مصعب بن قيس فالتقوا بقرية تدعى آلين فدعاهم مالك إلى الرضا من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستكبروا عن ذلك فصافهم مالك وهو في نحو من مائتين من أول النهار إلى وقت العصر وقدم على أبى مسلم صالح بن سليمان الضبى وإبراهيم بن يزيد وزياد بن عيسى فوجههم إلى مالك بن الهيثم فقدموا عليه مع العصر فقوى بهم أبو نصر فقال يزيد مولى نصر بن سيار لاصحابه إن تركنا هؤلاء الليلة أتتهم الامداد فاحملوا على القوم ففعلوا وترجل أبو نصر وحض أصحابه وقال إنى لارجو أن يقطع الله من الكافرين طرفا فاجتلدوا جلادا صادقا وصبر الفريقان فقتل من شيعة بنى مروان أربعة وثلاثون رجلا وأسر منهم ثمانية نفر وحمل عبد الله الطائى على يزيد مولى نصر عميد القوم فأسره وانهزم أصحابه فوجه أبو نصر عبد الله الطائى بأسيره في رجال من الشيعة ومعهم من الاسرى والرؤوس وأقام أبو نصر في معسكره بسفيذنج وفى الوفد أبو حماد المروزى وأبو عمرو الاعجمي فأمر أبو مسلم

[ 28 ]

بالرؤوس فنصبت على باب الحائط الذى في معسكره ودفع يزيد الاسلمي إلى أبى إسحاق خالد بن عثمان وأمره أن يعالج يزيد مولى نصر من جراحات كانت به ويحسن تعاهده وكتب إلى أبى نصر بالقدوم عليه فلما اندمل يزيد مولى نصر من جراحاته دعاه أبو مسلم فقال إن شئت أن تقيم معنا وتدخل في دعوتنا فقد أرشدك الله وإن كرهت فارجع إلى مولاك سالما وأعطنا عهد الله أن لا تحاربنا ولا تكذب علينا وأن تقول فينا ما رأيت فاختار الرجوع إلى مولاه فخلى له الطريق وقال أبو مسلم إن هذا سيرد عنكم أهل الورع والصلاح فانا ما عندهم على الاسلام وقدم يزيد على نصر بن سيار فقال لا مرحبا بك والله ما ظننت استبقاك القوم إلا ليتخذوك حجة علينا فقال يزيد فهو والله ما ظننت وقد استحلفوني ألا أكذب عليهم وأنا أقول إنهم يصلون الصلوات لمواقيتها بأذان وإقامة ويتلون الكتاب ويذكرون الله كثيرا ويدعون إلى ولاية رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أحسب أمرهم إلا سيعلو ولولا أنك مولاى أعتقتني من الرق ما رجعت اليك ولا قمت معهم فهذه أول حرب كانت بين الشيعة وشيعة بنى مروان (وفى هذه السنة) غلب حازم بن خزيمة على مروروذ وقتل عامل نصر بن سيار الذى كان عليها وكتب بالفتح إلى أبى مسلم مع خزيمة بن خازم ذكر الخبر عن ذلك ذكر على بن محمد أن أبا الحسن الحسمى وزهير بن هنيد والحسن بن رشيد أخبروه أن خازم بن خزيمة لما أراد الخروج بمروروذ أراد ناس من تميم أن يمنعوه فقال إنما أنا رجل منكم أريد مرو لعلى أن أغلب عليها فإن ظفرت فهى لكم وإن قتلت فقد كفيتكم أمرى فكفوا عنه فخرج فعسكر في قرية يقال لها كنج رستاه وقدم عليهم من قبل أبى مسلم النضر بن صبيح وبسام بن إبراهيم فلما أمسى خازم بيت أهل مروروذ فقتل بشر بن جعفر السعدى وكان عاملا لنصر بن سيار على مروروذ في أول ذى القعدة وبعث بالفتح إلى أبى مسلم

[ 29 ]

مع خزيمة بن خازم وعبد الله بن سعيد وشبيب بن واج (قال أبو جعفر) وقال غير الذين ذكرنا قولهم في أمر أبى مسلم وإظهاره الدعوة ومصيره إلى خراسان وشخوصه عنها وعوده إليها بعد الشخوص قولا خلاف قولهم والذى قال في ذلك إن ابراهيم الامام زوج أبا مسلم لما توجه إلى خراسان ابنة أبى النجم وساق عنه صداقها وكتب بذلك إلى النقباء وأمرهم بالسمع والطاعة لابي مسلم وكان أبو مسلم فيما زعم من أهل خطرنية من سواد الكوفة وكان قهرمانا لادريس بن معقل العجلى فآل أمره ومنتهى ولائه لمحمد بن على ثم لابراهيم بن محمد ثم للائمة من أولاد محمد بن على فقدم خراسان وهو حديث السن فلم يقبله سليمان بن كثير وتخوف أن لا يقوى على أمرهم وخاف على نفسه وأصحابه فردوه وأبو داود خالد بن ابراهيم غائب خلف نهر بلخ فلما انصرف أبو داود وقدم مرو أقرأه كتاب الامام ابراهيم فسأل عن الرجل الذى وجهه فأخبروه أن سليمان بن كثير رده فأرسل إلى جميع النقباء فاجتمعوا في منزل عمران بن اسماعيل فقال لهم أبو داود أتاكم كتاب الامام فيمن وجهه اليكم وأنا غائب فرددتموه فما حجتكم في رده فقال سليمان بن كثير لحداثة سنه وتخوفا أن لا يقدر على القيام بهذا الامر فأشفقنا على من دعونا إليه وعلى أنفسنا وعلى المجيبين لنا فقال هل فيكم أحد ينكر أن الله تبارك وتعالى اختار محمدا صلى الله عليه وآله وانتخبه واصفطاه وبعثه برسالته إلى جميع خلقه فهل فيكم أحد ينكر ذلك قالوا لا قال أفتشكون أن الله تعالى نزل عليه كتابه فأتاه جبريل عليه السلام الروح الامين أحل فيه حلاله وحرم فيه حرامه وشرع فيه شرائعه وسن فيه سننه وانبأه فيه بما كان قبله وما هو كائن بعده إلى يوم القيامة قالوا لا قال أفتشكون أن الله عز وجل قبضه إليه بعد ما أدى ما عليه من رسالة ربه قالوا لا قال أفتظنون أن ذلك العلم الذى أنزل عليه رفع معه أو خلفه قالوا بل خلفه قال أفتظنونه خلفه عند غير عترته وأهل بيته الاقرب فالاقرب قالوا لا قال فهل أحد منكم إذا رأى من هذا الامر إقبالا ورأى الناس له محبين بدا له أن يصرف ذلك إلى نفسه قالوا اللهم لا وكيف

[ 30 ]

يكون ذلك قال لست أقول لكم فعلتم ولكن الشيطان ربما نزغ النزغة فيما يكون وفيما لا يكون قال فهم فيكم أحد بدا له أن يصرف هذا الامر عن أهل البيت إلى غيرهم من عترة النبي صلى الله عليه وسلم قالوا لا قال أفتشكون أنهم معدن العلم وأصحاب ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لا قال فأراكم شككتم في أمرهم ورددتم علمهم ولو لم يعلموا أن هذا الرجل الذى ينبغى له أن يقوم بأمرهم لم بعثوه اليكم وهو لايتهم في موالاتهم ونصرتهم والقيام بحقهم فبعثوا إلى أبى مسلم فردوه من قومس بقول أبى داود وولوه أمرهم وسمعوا له وأطاعوا ولم تزل في نفس أبى مسلم على سليمان بن كثير ولم يزل يعرفها لابي داود وسمعت الشيعة من النقباء وغيرهم لابي مسلم وأطاعوه وتنازعوا وقبلوا ما جاء به وبث الدعاة في أقطار خراسان فدخل الناس أفواجا وكثروا وفشت الدعاة بخراسان كلها وكتب إليه إبراهيم الامام يأمره أن يوافيه بالموسم في هذه السنة وهى سنة 129 ليأمره بأمره في إظهار دعوته وأن يقدم معه بقحطبة بن شبيب ويحمل إليه ما اجتمع عنده من الاموال وقد كان اجتمع عنده ثلثمائة ألف وستون ألف درهم فاشترى بعامتها عروضا من متاع التجار من القوهى والمروى والحرير والفرند وصير بقيته سبائك ذهب وفضة وصيرها في الاقبية المحشوة واشترى البغال وخرج في النصف من جمادى الآخرة ومعه من النقباء قحطبة بن شبيب والقاسم بن مجاشع وطلحة ابن رزيق ومن الشيعة واحد وأربعون رجلا وتحمل من قرى خزاعة وحمل أثقاله على واحد وعشرين بغلا وحمل على كل بغل رجلا من الشيعة بسلاحه وأخذ المفازة وعدا عن مسلحة نصر بن سيار حتى انتهوا إلى بيورد فكتب أبو مسلم إلى عثمان بن نهيك وأصحابه يأمرهم بالقدوم عليه وبينه وبينهم خمسة فراسخ فقدم عليه منهم خمسون رجلا ثم ارتحلوا من أبيورد حتى انتهوا إلى قرية يقال لها فاقس من قرى نسا فبعث الفضل بن سليمان إلى اندومان قرية أسيد فلقى بها رجلا من الشيعة فسأله عن أسيد فقال له الرجل وما سؤالك عنه فقد كان اليوم شر طويل من العامل أخذ فأخذ معه الا حجم بن عبد الله وغيلان بن فضالة

[ 31 ]

وغالب بن سعيد والمهاجربن عثمان فحملوا إلى العامل عاصم بن قيس بن الحروري فحبسهم وارتحل أبو مسلم وأصحابه حتى انتهوا إلى اندومان فأتاه أبو مالك والشيعة من أهل نسا أخبره أبو مالك أن الكتاب الذى كان مع رسول الامام عنده فأمره أن يأتيه به فأتاه بالكتاب وبلواء وراية فإذا في الكتاب إليه يأمره بالانصراف حيثما يلقاه كتابه وأن يظهر الدعوة فعقد اللواء الذى أتاه من الامام على رمح وعقد الراية واجتمع إليه شيعة أهل نسا والدعاة والرؤس ومعه أهل أبيورد الذين قدموا معه وبلغ ذلك عاصم بن قيس الحروري فبعث إلى أبى مسلم يسأله عن حاله فأخبره أنه من الحاج الذين يريدون بيت الله ومعه عدة من أصحابه من التجار وسأله أن يخلى سبيل من احتبس من أصحابه حتى يخرج من بلاده فسألوا أبا مسلم أن يكتب لهم شرطا على نفسه أن يصرف ما معه من العبيد وما معه من الدواب والسلاح على أن يخلوا سبيل أصحابه الذين قدموا من بلاد الامام وغيرهم فأجابهم أبو مسلم إلى ذلك وخلى سبيل أصحابه فأمر أبو مسلم الشيعة من أصحابه أن ينصرفوا وقرأ عليهم كتاب الامام وأمرهم باظهار الدعوة فانصرف منهم طائفة وسار معه أبو مالك أسيد بن عبد الله الخزاعى وزريق بن شوذب ومن قدم عليه من أبيورد وأمر من انصرف بالاستعداد ثم سار فيمن قى من أصحابه صحبة قحطبة ابن شبيب حتى نزلوا تخوم جرجان وبعث إلى خالد بن برمك وأبى عون يأمرهما بالقدوم عليه بما قبلهما من مال الشيعة فقدما عليه فأقام أياما حتى اجتمعت القوافل وجهز قحطبة بن شبيب ودفع إليه المال الذى كان معه والاحمال بما فيها ثم وجهه إلى إبراهيم بن محمد وسار أبو مسلم بمن معه حتى انتهى إلى نسا ثم ارتحل منها إلى أبيورد حتى قدمها ثم سار حتى أتى مرو متنكرا فنزل قرية تدع فنين من قرى خزاعة لسبع ليال بقين من شهر رمضان وقد كان واعد أصحابه أن يوافوه بمرو يوم الفطر ووجه أبا داود وعمرو بن أعين إلى طخارستان والنضر بن صبيح إلى آمل وبخاري ومعه شريك بن عيسى وموسى بن كعب إلى أبيورد ونسا وخازم ابن خزيمة إلى مرو رود وقدموا عليه فصلى بهم القاسم بن مجاشع التميمي يوم العيد

[ 32 ]

في مصلى آل قنبر في قرية أبى داود خالد بن إبراهيم (وفى هذه السنة) تحالفت وتعاقدت عامة من كان بخراسان من قبائل العرب على قتال أبى مسلم وذلك حين كثر ابتاع أبى مسلم وقوى أمره (وفيها) تحول أبو مسلم من معسكره باسفيذنج إلى الماخوان ذكر الخبر عن ذلك والسبب فيه قال على أخبرنا الصباح مولى جبريل عن مسلمة بن يحيى قال لما ظهر أبو مسلم تسارع إليه الناس وجعل أهل مرو يأتونه لا يعرض لهم نصر ولا يمنعهم وكان الكرماني وشيبان لا يكرهان أمر أبى مسلم لانه دعا إلى خلع مروان بن محمد وأبو مسلم في قرية يقال لها بالين في خباء ليس له حرس ولا حجاب وعظم أمره عند الناس وقالوا ظهر رجل من بنى هاشم له حلم ووقار وسكينة فانطلق فتية من أهل مرو نساك كانوا يطلبون الفقه فأتوا أبا مسلم في معسكره فسألوه عن نسبه فقال خبرى خير لكم من نسبي وسألوه عن أشياء من الفقه فقال أمركم بالمعروف ونهيكم عن المنكر خير لكم من هذا ونحن في شغل ونحن إلى عونكم أحوج منا إلى مسئلتكم فاعفونا قالوا والله ما نعرف لك نسبا ولا نظنك تبقى إلا قليلا حتى تقتل وما بينك وبين ذلك إلا أن يتفرغ أحد هذين قال أبو مسلم بل أنا أقتلهما إن شاء الله فرجع الفتية فأتوا نصر بن سيار فحدثوه فقال جزاكم الله خيرا مثلكم تفقد هذا وعرفه وأتوا شيبان فأعلموه فأرسل إنا قد أشجى بعضنا بعضا فأرسل إليه نصر إن شئت فكف عنى حتى أقاتله وإن شئت فجامعني على حربه حتى أقتله أو أنفيه ثم نعود إلى أمرنا الدى نحن عليه فهم شيبان إن يفعل فظهر ذلك في العسكر فأتت عيون أبى مسلم فأخبروه فقال سليمان ما هذا الامر الذى بلغهم تكلمت عند أحد بشئ فأخبره خبر الفتية الذين أتوه فقال هذا لذاك إذا فكتبوا إلى على بن الكرماني إنك موتور قتل أبوك ونحن نعلم أنك لست على رأى شيبان وإنما تقاتل لثأرك فامنع شيبان من صلح نصر فدخل على شيبان فكلمه فثناه عن رأيه فأرسل نصر إلى شيبان إنك لمغرور وايم الله ليتفاقمن هذا الامر حتى تستصغرنى في جنبه فبينا

[ 33 ]

هم في أمرهم إذ بعث أبو مسلم النضر بن نعيم الضبى إلى هراة وعليها عيسى بن عقيل الليثى فطرده عن هراة فقدم عيسى على نصر منهزما وغلب النضر على هراة قال فقال يحيى بن نعيم بن هبيرة اختاروا إما أن تهلكوا أنتم قبل مضر أو مضر قبلكم قالوا وكيف ذاك قال إن هذا الرجل إنما ظهر أمره منذ شهر وقد صار في عسكره مثل عسكركم قالوا فما الرأى قال صالحوا نصرا فإنكم إن صالحتموه قاتلوا نصرا وتركوكم لان الامر في مضر وإن لم تصالحوا نصرا صالحوه وقاتلوكم ثم عادوا عليكم قالوا فما الرأى قال قدموهم قبلكم ولو ساعة فتقرأ عينكم بقتلهم فأرسل شيبان إلى نصر يدعوه إلى الموادعة فأجابه فأرسل إلى سلم بن أحوز فكتب بينهم كتابا فأتى شيبان وعن يمينه ابن الكرماني وعن يساره يحيى بن نعيم فقال سلم لابن الكرماني يا أعور ما أخلقك أن تكون الاعور الذى بلغنا أن يكون هلاك مضر على يديه ثم توا دعوا سنة وكتبوا بينهم كتابا فبلغ أبا مسلم فأرسل إلى شيبان إنا نوادعك أشهرا فتوادعنا ثلاثة أشهر فقال ابن الكرماني فإنى ما صالحت نصرا وإنما صالحه شيبان وأنا لذلك كاره وأنا موتور ولا أدع قتاله فعاود القتال وأبى شيبان أن يعينه وقال لا يحل الغدر فأرسل ابن الكرماني إلى أبى مسلم يستنصره على نصر بن سيار فأقبل أبو مسلم حتى أتى الماخوان وأرسل إلى ابن الكرماني شبل بن طهمان إنى معك على نصر فقال ابن الكرماني إنى أحب أن يلقانى أبو مسلم فأبلغه ذلك شبل فأقام أبو مسلم أربعة عشر يوما ثم سار إلى ابن الكرماني وخلف عسكره بالماخوان فتلقاه عثمان بن الكرماني في خيل وسار معه حتى دخل العسكر وأتى لحجرة على فوقف فأنزله فدخل فسلم على على بالامرة وقد اتخذ له على قصرا في قصره لمخلد بن الحسن الازدي فأقام يومين ثم انصرف إلى عسكره بالماخوان وذلك لخمس خلون من المحرم من سنة 130 وأما أبو الخطاب فإنه قال لما كثرت الشيعة في عسكر أبى مسلم ضاقت به سفيذنج فارتاد معسكرا فسيحا فأصاب حاجته بالماخوان وهى قرية العلاء بن حريث وأبى إسحاق خالد بن عثمان وفيها أبو الجهم ابن عطية وإخوته وكان مقامه بسفيذنج اثنين وأربعين يوما وارتحل من سفيذنج

[ 34 ]

إلى الماخوان فنزل منزل أبى إسحاق خالد بن عثمان يوم الاربعاء لتسع ليال خلون من ذى القعدة من سنة 129 فاحتفر بها خندقا وجعل للخندق بابين فعسكر فيه والشيعة ووكل بأحد بابى الخندق مصعب بن قيس الحنفي وبهدل بن إياس الضبى ووكل بالباب الآخر أبا شراحيل وأبا عمرو الاعجمي واستعمل على الشرط أبا نصر مالك بن الهيثم وعلى الحرس أبا اسحاق خالد بن عثمان وعلى ديوان الجند كامل ابن مظفر أبا صالح وعلى الرسائل أسلم بن صبيح والقاسم بن مجاشع النقيب التميمي على القضاء وضم أبا الوضاح وعدة من أهل السقادم إلى مالك بن الهيثم وجعل أهل نوشان وهم ثلاثة وثمانون رجلا إلى أبى اسحاق في الحرس وكان القاسم بن مجاشع يصلى بأبى مسلم الصلوات في الخندق ويقص القصص بعد العصر فيذكر فضل بنى هاشم ومعايب بنى أمية فنزل أبو مسلم خندق الماخوان وهو كرجل من الشيعة في هيئته حتى أتاه عبد الله بن بسطام فأتاه بالاروقة والفساطيط والمطابخ والمعالف للدواب وحياض الادم للماء فأول عامل استعمله أبو مسلم على شئ من العمل داود بن كراز فرد أبو مسلم العبيد على أن يضاموا في خندقه واحتفر لهم خندقا في قرية شوال وولى الخندق داود بن كراز فلما اجتمعت العبيد جماعة وجههم إلى موسى بن كعب بأبيورد وأمر أبو مسلم كامل بن مظفر أن يعرض أهل الخندق بأسمائهم وأسماء آبائهم فينسبهم إلى القرى ويجعل ذلك في دفتر ففعل ذلك كامل أبو صالح فبلغت عدتهم سبعة آلاف رجل فأعطاهم ثلاثة دراهم لكل رجل ثم أعطاهم أربعة أربعة على يدى أبى صالح كامل ثم إن أهل القبائل من مضر وربيعة وقحطان توادعوا على وضع الحرب وعلى أن تجتمع كلمتهم على محاربة أبى مسلم فإذا نفوه عن مرو ونظروا في أمر أنفسهم وعلى ما يجتمعون عليه فكتبوا على أنفسهم بذلك كتابا وثيقا وبلغ أبا مسلم الخبر فأقطعه ذلك وأعظمه فنظر أبو مسلم في أمره فإذا ماخوان سافلة الماء فتخوف أن يقطع عنه نصر بن سيار الماء فتحول إلى آلين قرية أبى منصور طلحة ابن رزيق النقيب وذلك بعد مقامه أربعة أشهر بخندق الماخوان فنزل آلين في ذى الحجة من سنة 129 يوم الخميس لست خلون من ذى الحجة فخندق بآلين

[ 35 ]

خندقا أمام القرية فيما بينهما وبين بلاش جرد فصارت القرية من خلف الخندق وجعل وجه دار المحتفز بن عثمان بن بشر المزني في الخندق وشرب أهل آلين من نهر يدعى الخرقان لا يمكن نصر بن سيار قطع الشرب عن آلين وحضر العيد يوم النحر وأمر القاسم بن مجاشع التميمي فصلى بأبى مسلم والشيعة في مصلى آلين وعسكر نصر بن سيار على نهر عياض ووضع عاصم بن عمرو ببلاش جزد ووضع أبا الذيال بطوسان ووضع بشر بن أنيف اليربوعي بجلفر ووضع حاتم بن الحارث ين سريج بخرق وهو يلتمس مواقعة أبى مسلم فأما أبو الذيال فأنزل جنده على أهلها مع أبى مسلم في الخندق فآذوا أهل طوسان وعسفوهم وذبحوا الدجاج والبقر والحمام وكلفوهم الطعام والعلف فشكت الشيعة ذلك إلى أبى مسلم فوجهه معهم خيلا فلقوا أبا الذيال فهزموه وأسروا من أصحابه ميمونا الاعسر الخوارزمي في نحو من ثلاثين رجلا فكساهم أبو مسلم وداوى جرا حاتهم وخلى لهم الطريق (وفى هذه السنة) قتل جديع بن على الكرماني وصلب ذكر الخبر عن مقتله قد مضى قبل ذكرنا مقتل الحارث بن سريج وأن الكرماني هو الذى قتله ولما قتل الكرماني الحارث خلصت له مرو بقتله إياه وتنحى نصر بن سيار عنها إلى أبر شهر وقوى أمر الكرماني فوجهه نصر إليه فيما قيل سلم بن أحوز فسار في رابطة نصر وفرسانه حتى لقى أصحاب الكرماني فوجد يحيى بن نعيم أبا الميلاء واقفا في ألف رجل من ربيعة ومحمد بن المثنى في سبعمائة من فرسان الازد وابن الحسن ابن الشيخ الازدي في ألف من فتيانهم والحزمى السغدى في ألف رجل من أبناء اليمن فلما تواقفوا قال سلم بن أحوز لمحمد بن المثنى يا محمد بن المثنى مر هذا الملاح بالخروج إلينا فقال محمد لسلم يا ابن الفاعلة لابي على تقول هذا ودلف القوم بعضهم إلى بعض فاجتلدوا بالسيوف فانهزم سلم بن أحوز وقتل من أصحابه زيادة على مائة وقتل من أصحاب محمد زيادة على عشرين وقدم أصحاب نصر عليه فلولا فقال له عقيل بن معقل يا نصر شأمت العرب فاما إذ صنعت ما صنعت فجد وشمر

[ 36 ]

عن ساق فوجه عصمة بن عبد الله الاسدي فوقف موقف سلم بن أحوز فنادى يا محمد لتعلمن أن السمك لا يغلب اللحم فقال له محمد يا ابن الفاعلة قف لنا إذا وأمر محمد السغدى فخرج إليه في أهل اليمن فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم عصمة حتى أتى نصر بن سيار وقد قتل من أصحابه أربعمائة ثم أرسل نصر بن سيار مالك بن عمرو التميمي فأقبل في أصحابه ثم نادى يا ابن المثنى ابرز لى إن كنت رجلا فبرز له فضربه التميمي على حبل العاتق فلم يصنع شيئا وضربه محمد بن المثنى بعمود فشدخ رأسه فالتحم القتال فاقتتلوا قتالا شديدا كأعظم ما يكون من القتال فانهزم أصحاب نصر وقد قتل منهم سبعمائة رجل وقتل من أصحاب الكرماني ثلثمائة رجل ولم يزل الشر بينهم حتى خرجوا جميعا إلى الخندقين فاقتتلوا قتالا شديدا فلما استيقن أبو مسلم أن كلا الفريقين قد أثخن صاحبه وأنه لا مدد لهم جعل يكتب الكتب إلى شيبان ثم يقول للرسول اجعل طريقك على المضرية فانهم سيعرضون لك ويأخذون كتبك فكانوا يأخذونها فيقرؤن فيها إنى رأيت أهل اليمن لا وفاء لهم ولا خير فيهم فلا تثقن بهم ولا تطمئن إليهم فانى أرجو أن يريك الله ما تحب ولئن بقيت لا أدع لهم شعرا ولا ظفرا ويرسل رسولا آخر في طريق أخر بكتاب فيه ذكر المضرية وأطراء اليمن بمثل ذلك حتى صار هوى الفريقين جميعا معه وجعل يكتب إلى نصر بن سيار وإلى الكرماني أن الامام قد أوصاني بكم ولست أعدو رأيه فيكم وكتب إلى الكور بإظهار الامر فكان أول من سود فيما ذكر أسيد بن عبد الله بنسا ونادى يا محمد يا منصور وسود معه مقاتل بن حكيم وابن غزوان وسود أهل أبيورد وأهل مرو الروذوقرى مر وأقبل أبو مسلم حتى نزل بين خندق نصر ابن سيار وخندق جديع الكرماني وهابه الفريقان وكثر أصحابه فكتب نصر بن سيار إلى مروان بن محمد يعلمه حال أبى مسلم وخروجه وكثرة من معه ومن تبعه وأنه يدعو إلى إبراهيم بن محمد وكتب بأبيات شعر أرى بين الرماد وميض جمر * فأحج بأن يكون له ضرام فإن النار بالعودين تذكى * وإن الحرب مبدؤها الكلام

[ 37 ]

فقلت من التعجب ليت شعرى * أأيقاظ أمية أم نيام فكتب إليه الشاهد يرى ما لا يرى الغائب فأحسم الثؤلول قبلك فقال نصر أما صاحبكم فقد أعلمكم ألا نصر عنده فكتب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة يستمده وكتب إليه بأبيات شعر أبلغ يزيد وخير القول أصدقه * وقد تبينت ألا خير في الكذب إن خراسان أرض قد رأيت بها * بيضا لو افرخ قد حدثت بالعجب فراخ عامين إلا أنها كبرت * لما يطرن وقد سربلن بالزغب فإن يطرن ولم يحتل لهن بها * يلهبن نيران حرب أيما لهب فقال يزيد لا غلبة إلا بكثرة وليس عندي رجل وكتب نصر إلى مروان يخبره خبر أبى مسلم وظهوره وقوته وإنه يدعو إلى ابراهيم بن محمد فألفى الكتاب مروان وقد أتاه رسول لابي مسلم إلى ابراهيم كان قد عاد من عند إبراهيم ومعه كتاب ابراهيم إلى أبى مسلم جواب كتابه يلعن فيه أبا مسلم ويسبه حيث لم ينتهز الفرصة من نصر والكرماني إذ أمكناه ويأمره أن لا يدع بخراسان عربيا إلا قتله فدفع الرسول الكتاب إلى مروان فكتب مروان إلى الوليد بن معاوية بن عبد الملك وهو على دمشق يأمره أن يكتب إلى عامل البلقاء فيسير إلى كرار الحميمة فليأخذ ابراهيم بن محمد ويشده وثاقا وليبعث به إليه في خيل فوجه الوليد إلى عامل البلقاء فأتى ابراهيم وهو في مسجد القرية فأخذه وكتفه وحمله إلى الوليد فحمله إلى مروان فحبسه مروان في السجن (رجع الحديث إلى حديث نصر والكرماني) وبعث أبو مسلم حين عظم الامر بين الكرماني ونصر إلى الكرماني انى معك فقبل ذلك الكرماني وانضم إليه أبو مسلم فاشتد ذلك على نصر فأرسل إلى الكرماني ويلك لا تغترر فوالله انى لخائف عليك وعلى أصحابك منه ولكن هلم إلى الموادعة فندخل مرو فنكتب بيننا كتابا بصلح وهو يريد أن يفرق بينه وبين أبى مسلم فدخل الكرماني منزله وأقام أبو مسلم في المعسكر وخرج الكرماني حتى وقف في الرحبة في مائة فارس وعليه قرطق خشكشونة ثم أرسل إلى نصرا خرج لنكتب بيننا ذلك

[ 38 ]

الكتاب فأبصر نصر منه غرة فوجه إليه ابن الحارث بن سريج في نحو من ثلثمائة فارس فالتقوا في الرحبة فاقتتلوا بها طويلا ثم ان الكرماني طعن في خاصرته فخر عن دابته وحماه أصحابه حتى جاءهم مالا قبل لهم به فقتل نصر الكرماني وصلبه ومعه سمكة فأقبل ابنه على وقد كان صار إلى أبى مسلم وقد جمع جمعا كثيرا فسار بهم إلى نصر بن سيار فقاتله حتى أخرجه من دار الامارة فمال إلى بعض دور مرو وأقبل أبو مسلم حتى دخل مرو فأتاه على بن جديع الكرماني فسلم عليه بالامرة وأعلمه أنه معه على مساعدته وقال مرنى بأمرك فقال أقم على ما أنت عليه حتى آمرك بأمرى (وفى هذه السنة) غلب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ابن أبى طالب على فارس ذكر الخبر عن ذلك وعن السبب الذى وصل به إلى الغلبة عليها ذكر على بن محمد ان عاصم بن حفص التميمي وغيره حدثوه ان عبد الله بن معاوية لما هزم بالكوفة شخص إلى المدائن فبايعه أهل المدائن فأتاه قوم من أهل الكوفة فخرج إلى الجبال فغلب عليها وعلى حلوان وقومس وأصبهان والرى وخرج إليه عبيد أهل الكوفة فلما غلب على ذلك أقام باصبهان وقد كان محارب ابن موسى مولى بنى يشكر عظيم القدر بفارس فجاء يمشى في نعلين إلى دار الامارة بإصطخر فطرد العامل عامل ابن عمر عنها وقال لرجل يقال له عمارة بايع الناس فقال له أهل اصطخر علام تبايع قال على ما أحببتم وكرهتم فبايعوه لابن معاوية وخرج محارب إلى كرمان فأغار عليهم وأصاب في غارته إبلا لثعلبة بن حسان المازنى فاستاقها ورجع فخرج ثعلبة يطلب ابله في قرية له تدعى أشهر قال ومع ثعلبة مولى له فقال له مولاه هل لك أن تفتك بمحارب فإن شئت ضربته وكفيتني الناس وإن شئت ضربته وكفيتك الناس قال ويحك أردت أن تفتك......... الرجل ثم دخل على محارب فرحب به ثم قال حاجتك قال إبلى........... وما أعرفها وقد عرفتها فدونك إبلك فاخذها وقال لولا...... قال ذاك لو أخذناها أشفى وانضم إلى محارب القواد والامراء من أهل الشأم فسار إلى

[ 39 ]

مسلم بن المسيب وهو بشيراز عامل لابن عمر فقتله في سنة 128 ثم خرج محارب إلى أصبهان فحول عبد الله بن معاوية إلى اصطخر واستعمل أخاه عبد الله أخاه الحسن على الجبال فأقبل فنزل في دير على ميل من اصطخر واستعمل أخاه يزيد على فارس فأقام فأتاه الناس بنو هاشم وغيرهم وجبى المال وبعث العمال وكان معه منصور بن جمهور وسليمان بن هشام بن عبد الملك وشيبان بن الحلس بن عبد العزيز الشيباني الخارجي وأتاه أبو جعفر عبد الله وعبد الله وعيسى ابنا على وقدم يزيد بن عمر ابن هبيرة على العراق فأرسل نباتة بن حنظلة الكلابي إلى عبد الله بن معاوية وبلغ سليمان بن حبيب أن ابن هبيرة ولى نباتة الاهواز فسرح داود بن حاتم فأقام بكربج دينار ليمنع نباتة من الاهواز فقدم نباتة فقاتله فقتل داود وهرب سليمان إلى سابور وفيها الاكراد قد غلبوا عليها وأخرجوا المسيح بن الحوارى فقاتلهم سليمان فطرد الاكراد عن سابور وكتب إلى عبد الله بن معاوية بالبيعة فقال عبد الرحمن بن يزيد بن المهلب لا يفى لك وانما أراد أن يدفعك عنه ويأكل سابور فاكتب إليه فليقدم عليك إن كان صادقا فكتب إليه فقدم وقال لاصحابه ادخلوا معى فان منعكم أحد فقاتلوه فدخلوا فقال لابن معاوية أنا أطوع الناس لك قال ارجع إلى عملك فرجع ثم ان محارب بن موسى نافر ابن معاوية وجمع جمعا فأتى سابور وكان ابنه مخلد بن محارب محبوسا بسابور أخذه يزيد بن معاوية فحبسه فقال لمحارب ابنك في يديه وتحاربه أما تخاف ان يقتل ابنك قال أبعده الله فقاتله يزيد فانهزم محارب فأتى كرمان فأقام بها حتى قدم محمد بن الاشعث فصار معه ثم نافر ابن الاشعث فقتله وأربعة وعشرين ابنا له ولم يزل عبد الله بن معاوية بإصطخر حتى أتاه ابن ضبارة مع داود بن يزيد بن عمر بن هبيرة فأمر ابن معاوية فكسروا قنطرة الكوفة فوجه ابن هبيرة معن بن زائدة من وجه آخر فقال سليمان لابان ابن معاوية بن هشام قد أتاك القوم قال لم أومر بقتالهم قال ولا تؤمر والله بهم أبدا وأتاهم فقاتلهم عند مرو الشاذان ومعن يرتجز ليس أمير القوم بالخب الخدع * فر من الموت وفى الموت وقع

[ 40 ]

قال ابن المقفع وغيره فر من الموت وفيه قد وقع قال عمدا قلت قد عملت فانهزم ابن معاوية وكف معن عنهم فقتل في المعركة رجل من آل أبى لهب وكان يقال يقتل رجل من بنى هاشم بمرو الشاذان وأسروا أسراء كثيرة فقتل ابن ضبارة عدة كثيرة فيقال كان فيمن قتل يومئذ حكيم الفرد أبو المجد ويقال قتل بالاهواز قتله نباتة ولما انهزم ابن معاوية هرب شيبان إلى جزيرة ابن كاوان ومنصور بن جمهور إلى السند وعبد الرحمن بن يزيد إلى عمان وعمرو بن سهل بن عبد العزيز إلى مصر وبعث ببقية الاسراء إلى ابن هبيرة قال حميد الطويل أطلق أولئك الاسراء فلم يقتل منهم غير حصين بن وعلة السدوسى ولما أمر بقتله قال أقتل من بين الاسراء قال نعم أنت مشرك أنت الذى تقول * لو آمر الشمس لم تشرق ومضى ابن معاوية من وجهه إلى سجستان ثم أتى خراسان ومنصور بن جمهور إلى السند فسار في طلبه معن بن زائدة وعطية الثعلبي وغيره من بنى ثعلبة فلم يدركوه فرجعوا وكان حصين بن وعلة السدوسى مع يزيد بن معاوية فتركه............... مورع السلمى رآه دخل غيضة فأخذه فأتى به......... فبعث به معن إلى ابن ضبارة فبعث به ابن ضبارة إلى واسط وسار ابن ضبارة إلى عبد الله بن معاوية باصطخر فنزل بازائه على نهر اصطخر فعبر ابن الصحصح في ألف فلقيه من أصحاب عبد الله بن معاوية أبان بن معاوية بن هشام فيمن كان معه من أهل الشأم ممن كان مع سليمان بن هشام فاقتتلوا فمال ابن نباتة إلى القنطرة فلقيهم من كان مع ابن معاوية من الخوارج فانهزم أبان والخوارج فأسر منهم ألفا فأتوا بهم ابن ضبارة فخلى عنهم وأخذ يومئذ عبد الله بن على بن عبد الله بن عباس في الاسراء فنسبه ابن ضبارة فقال ما جاء بك إلى ابن معاوية وقد عرفت خلافة أمير المؤمنين قال كان على دين فأديته فقام إليه حرب بن قطن الكنانى فقال ابن اختنا فرهبه له وقال ما كنت لاقدم على رجل من قريش وقال له ابن ضبارة إن الذى قد كنت معه قد عيب بأشياء فعندك منها علم قال نعم وعابه ورمى أصحابه باللواط فأتوا ابن ضبارة بغلمان عليهم أقبية قوهية مصبغة ألوانا فأقامهم للناس

[ 41 ]

وهم أكثر من مائة غلام لينظروا إليهم وحمل ابن ضبارة عبد الله بن على على البريد إلى ابن هبيرة ليخبره أخباره فحمله ابن هبيرة إلى مروان في أجناد أهل الشأم وكان يعيبه وابن ضبارة يومئذ في مفازة كرمان في طلب عبد الله بن معاوية وقد أتى ابن هبيرة مقتل نباتة فوجه ابن هبيرة كرب بن مصقلة والحكم بن أبى الابيض العبسى وابن محمد السكوني كلهم خطيب فتكلموا في تفريط ابن ضبارة فكتب إليه أن سر بالناس إلى فارس ثم جاءه كتاب ابن هبيرة سر إلى أصبهان (وفى هذه السنة) وافى الموسم أبو حمزة الخارجي من قبل عبد الله ابن يحيى طالب الحق محكما مظهرا للخلاف على مروان بن محمد ذكر الخبر عن ذلك من أمره * حدثنى العباس بن عيسى العقيلى قال حدثنا هارون بن موسى الفروى قال حدثنا موسى بن كثير مولى الساعديين قال لما كان تمام سنة 129 لم يدر الناس بعرفة إلا وقد طلعت أعلام عمائم سود حرقانية في رؤس الرماح وهم في سبعمائة ففزع الناس حين رأوهم وقالوا مالكم وما حالكم فأخبروهم بخلافهم مروان وآل مروان والتبرئ منه فراسلهم عبد الواحد بن سليمان وهو يومئذ على المدينة ومكة فراسلهم في الهدنة فقالوا نحن بحجنا أضن ونحن عليه أشح وصالحهم على أنهم جميعا آمنون بعضهم من بعض حتى ينفر الناس النفر الاخير ويصبحوا من الغد فوقفوا على حدة بعرفة ودفع بالناس عبد الواحد بن سليمان ابن عبد الملك بن مروان فلما كانوا بمنى ندموا عبد الواحد وقالوا قد أخطأت فيهم ولو حملت الحاج عليهم ما كانوا إلا أكلة رأس فنزل أبو حمزة بقرين الثعالب فنزل عبد الواحد منزل السلطان فبعث عبد الواحد إلى أبى حمزة عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبى بكر وعبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب وربيعة بن أبى عبد الرحمن في رجال أمثالهم فدخلوا على أبى حمزة وعليه إزار قطن غليظ فتقدمهم إليه عبد الله بن الحسن ومحمد بن عبد الله فنسبهما فانتسبا له

[ 42 ]

فعبس في وجوههما وأظهر الكراهة لهما ثم سأل عبد الرحمن بن القاسم وعبيد الله بن عمر فانتسبا له فهش اليهما وتبسم في وجوههما وقال والله ما خرجنا إلا لنسير بسيرة أبويكما فقال له عبد الله بن حسن والله ما جئنا لتفضل بين آبائنا ولكنا بعثنا اليك الامير برسالة وهذا ربيعة يخبركها فلما ذكر ربيعة نقض العهد قال بلج وأبرهة وكانا قائدين له الساعة الساعة فأقبل عليهم أبو حمزة فقال معاذ الله أن ننقض العهد أو نحبس والله لا أفعل ولو قطعت رقبتي هذه ولكن تنقضي الهدنة بيننا وبينكم فلما أبى عليهم خرجوا فأبلغوا عبد الواحد فلما كان النفر نفر عبد الواحد في النفر الاول وخلى مكة لابي حمزة فدخلها بغير قتال قال العباس قال هارون فأنشدني يعقوب بن طلحة الليثى أبياتا هجى بها عبد الواحد قال وهى لبعض الشعراء لم أحفظ اسمه زار الحجيج عصابة قد خالفوا * دين الاله ففر عبد الواحد ترك الحلائل والامارة هاربا * ومضى يخط كالبعير الشارد لو كان والده تنصل عرقه * لصفت مضاربه بعرق الوالد ثم مضى عبد الواحد حتى دخل المدينة فدعا بالديوان فضرب على الناس البعث وزادهم في العطاء عشرة عشرة قال العباس قال هارون أخبرني بذلك أبو ضمرة أنس بن عياض قال كنت فيمن اكتتب ثم محوت اسمى قال العباس قال هارون وحدثني غير واحد من أصحابنا أن عبد الواحد استعمل عبد العزيز ابن عبد الله بن عمرو بن عثمان على الناس فخرجوا فلما كانوا بالحرة لقيتهم جزر منحورة فمضوا (وحج) بالناس في هذه السنة عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال محمد بن عمر وغيره وكان العامل على مكة والمدينة عبد الواحد بن سليمان وعلى العراق يزيد بن عمر بن هبيرة وعلى قضاء الكوفة الحجاج بن عاصم المحاربي فيما ذكر وعلى قضاء البصرة عباد بن منصور وعلى خراسان نصر بن سيار والفتنة بها

[ 43 ]

ثم دخلت سنة ثلاثين ومائة ذكر الاحداث التى كانت فيما فمما كان فيها من ذلك دخول أبى مسلم حائط مرو ونزوله دار الامارة بها ومطابقة على بن جديع الكرماني إياه على حرب نصر بن سيار ذكر الخبر عن ذلك وسببه ذكر أبو الخطاب أن دخول أبى مسلم حائط مرو ونزوله دار الامارة التى ينزلها عمال خراسان كان في سنة 130 لتسع خلون من جمادى الآخرة يوم الخميس وأن السبب في مسير على بن جديع مع أبى مسلم كان أن سليمان بن كثير كان بإزاء على بن الكرماني حين تعاقد هو ونصر على حرب أبى مسلم فقال سليمان بن كثير لعلى بن الكرماني يقول لك أبو مسلم أما تأنف من مصالحة نصر بن سيار وقد قتل بالامس أباك وصلبه ما كنت أحسبك تجامع نصر بن سيار في مسجد تصليان فيه فأدرك على بن الكرماني الحفيظة فرجع عن رأيه وانتقض صلح العرب قال ولما انتقض صلحهم بعث نصر بن سيار إلى أبى مسلم يلتمس منه أن يدخل مع مضر وبعثت ربيعة وقحطان إلى أبى مسلم بمثل ذلك فتراسلوا بذلك أياما فأمرهم أبو مسلم أن يقدم عليه وفد الفريقين حتى يختار أحدهما ففعلوا وأمر أبو مسلم الشيعة أن يختاروا ربيعة وقحطان فان السلطان في مضروهم عمال مروان الجعدى وهم قتلة يحيى بن زيد فقدم الوفدان فكان وفد مضر عقيل بن معقل بن حسان الليثى وعبيد الله بن عبد ربه الليثى والخطاب بن محمد السلمى في رجال منهم وكان وفد قحطان عثمان بن الكرماني ومحمد بن المثنى وسورة بن محمد بن عزيز الكندى في رجال منهم فأمر أبو مسلم عثمان بن الكرماني وأصحابه فدخلوا بستان المحتفز وقد بسط لهم فيه فقعدوا وجلس أبو مسلم في بيت في دار المحتفز وأذن لعقيل بن معقل وأصحابه من وفد مضر فدخلوا إليه ومع أبى مسلم في البيت سبعون رجلا من الشيعة فقرأ على الشيعة كتابا كتبه أبو مسلم ليختاروا أحد الفريقين فلما

[ 44 ]

فرغ من قراءة الكتاب قام سليمان بن كثير فتكلم وكان خطيبا مفوها فاختار على ابن الكرماني وأصحابه وقام أبو منصور طلحة بن رزيق النقيب فيهم وكان فصيحا متكلما فقال كمقالة سليمان بن كثير ثم قام مزيد بن شفيق السلمى فقال مضر قتلة آل النبي صلى الله عليه وسلم وأعوان بنى أمية وشيعة مروان الجعدى ودماؤنا في أعناقهم وأموالنا في أيديهم والتباعات قبلهم ونصر بن سيار عامل مروان على خراسان ينفذ أموره ويدعو له على منبره ويسميه أمير المؤمنين ونحن من ذلك إلى الله برآء وأن يكون مروان أمير المؤمنين وأن يكون نصر على هدى وصواب وقد اخترنا على بن الكرماني وأصحابه من قحطان وربيعة فقال السبعون الذين جمعوا في البيت بقول مزيد بن شقيق فنهض وفد مضر عليهم الذلة والكآبة ووجه معهم أبو مسلم القاسم بن مجاشع في خيل حتى بلغوا مأمنهم ورجع وفد على بن الكرماني مسرورين منصورين وكان مقام أبى مسلم بآلين تسعة وعشرين يوما فرحل عن آلين راجعا إلى خندقه بالماخوان وأمر أبو مسلم الشيعة أن يبتنوا المساكن ويستعدوا للشتاء فقد أعفاهم الله من اجتماع كلمة العرب وصيرهم بنا إلى افتراق الكلمة وكان ذلك قدرا من الله مقدورا وكان دخول أبى مسلم الماخوان منصرفا عن آلين سنة 130 للنصف من صفر يوم الخميس فأقام أبو مسلم في خندقة بالماخوان ثلاثة أشهر تسعين يوما ثم دخل حائط مرو يوم الخميس لتسع خلون من جمادى الاولى سنة 130 قال وكان حائط مرو إذ ذاك في يد نصرى بن سيار لانه عامل خراسان فأرسل على بن الكرماني إلى أبى مسلم أن أدخل الحائط من قبلك وأدخل أنا وعشيرتي من قبلى فنغلب على الحائط فأرسل إليه أبو مسلم أن لست آمن أن يجتمع يدك ويد نصر على محاربتي ولكن ادخل أنت فانشب الحرب بينك وبينه وبين أصحابه فدخل على بن الكرماني فأنشب الحرب وبعث أبو مسلم أبا على شبل بن طهمان النقيب في جند فدخلوا الحائط فنزل في قصر بخارا خذاه فبعثوا إلى أبى مسلم أن ادخل فدخل أبو مسلم من خندق الماخوان وعلى مقدمته أسيد بن عبد الله الخزاعى وعلى ميمنته مالك بن الهيثم الخزاعى وعلى ميسرته

[ 45 ]

القاسم بن مجاشع التميمي حتى دخل الحائط والفريقان يقتتلان فأمرهما بالكف وهو يتلو من كتاب الله ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلان يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه ومضى أبو مسلم حتى نزل قصر الامارة بمرو الذى كان ينزله عمال خراسان وكان ذلك لتسع خلون من جمادى الاولى سنة 130 يوم الخميس وهرب نصر بن سيار عن مرو الغد من يوم الجمعة لعشر خلون من جمادى الاولى سنة 130 وصفت مرو لابي مسلم فلما دخل أبو مسلم حائط مرو أمر أبا منصور طلحة بن رزيق بأخذ البيعة على الجند من الهاشمية خاصة وكان أبو منور رجلا فصيحا نبيلا مفوها عالما بحجج الهاشمية وغوامض أمورهم وهو أحد النقباء الاثنى عشر والنقباء الاثنى عشرهم الذين اختارهم محمد بن على من السبعين الذين كانوا استجابوا له حين بعث رسوله إلى خراسان سنة 103 أو 104 وأمره أن يدعو إلى الرضا ولا يسمى أحدا ومثل له مثالا ووصف من العدل صفة فقدمها فدعا سرا فأجابه ناس فلما صاروا سبعين أخذ منهم اثنى عشر نقيبا (أسماء النقباء) منهم من خزاعة سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم وزياد بن صالح وطلحة بن رزيق وعمرو بن أعين ومن طيئ قحطبة واسمه زياد بن شبيب بن خالد بن معدان ومن تميم موسى بن كعب أبو عيينة ولا هزبن قريظ والقاسم بن مجاشع كلهم من بنى امرئ القيس وأسلم بن سلام أبو سلام ومن بكر بن وائل أبو داود خالد بن إبراهيم من بنى عمرو بن شيبان أخى سدوس وأبو على الهروي ويقال شبل بن طهمان مكان عمرو بن أعين وعيسى بن كعب وأبو النجم عمران بن إسماعيل مكان أبى على الهروي وهو ختن أبى مسلم ولم يكن في النقباء أحد والده حى غير أبى منصور طلحة بن رزيق بن أسعد وهو أبو زينب الخزاعى وقد كان شهد حرب عبد الرحمن ابن محمد بن الاشعث وصحب المهلب بن أبى صفرة وغزا معه فكان أبو مسلم يشاوره في الامور ويسأله عما شهد من الحروب والمغازى ويسأله عن الكنية بأبى منصور يا أبا منصور ما تقول وما رأيك قال أبو الخطاب فأخبرنا من شهد أبا منصور يأخذ البيعة على الهاشمية أبا يعكم على كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى

[ 46 ]

الله عليه وسلم والطاعة للرضا من أهل بيت رسول الله صى الله عليه وسلم عليكم بذلك عهد الله وميثاقه والطلاق والعتاق والمشى إلى بيت الله وعلى أن لا تسألوا رزقا ولا طمعا حتى يبدأكم به ولا تكم وإن كان عدو أحدكم تحت قدمه فلا تهيجوه إلا بأمر ولا تكم فلما حبس أبو مسلم سلم بن أحوز ويونس بن عبد ربه وعقيل ابن معقل ومنصور بن أبى الخرقاء وأصحابه شاور أبا منصور فقال اجعل سوطك السيف وسبحنك القبر فأقدمهم أبو مسلم فقتلهم وكانت عدتهم أربعة وعشرين رجلا وأما على بن محمد فانه ذكر أن الصباح مولى جبريل أخبره عن مسلمة بن يحيى أن أبا مسلم جعل على حرسه خالد بن عثمان وعلى شرطه مالك بن الهيثم وعلى القضاء القاسم بن مجاشع وعلى الديوان كامل بن مظفر فرزق كل رجل أربعة آلاف وأنه أقام في عسكره بالماخوان ثلاثة أشهر ثم سار من الماخوان ليلا في جمع كبير يريد عسكر ابن الكرماني وعلى ميمنته لاهزبن قريظ وعلى ميسرته القاسم بن مجاشع وعلى مقدمته أبو نصر مالك بن الهيثم وخلف على خندقه أبا عبد الرحمن الماخوانى فأصبح في عسكر شيبان فخاف نصر أن يجتمع أبو مسلم وابن الكرماني على قتاله فأرسل إلى أبى مسلم يعرض عليه أن يدخل مدينة مرو ويوادعه فأجابه فوادع أبا مسلم نصر فراسل نصر بن أحوز يومه ذلك كله وأبو مسلم في عسكر شيبان فأصبح نصر وابن الكرماني فغدوا إلى القتال وأقبل أبو مسلم ليدخل مدينة مرو فرد خيل نصر وخيل ابن الكرماني ودخل المدينة لسبع أو لتسع خلون من شهر ربيع الآخر سنة 130 وهو يتلو " ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته " إلى آخر الآية قال على وأخبرنا أبو الذيال والمفضل الضبى قالا لما دخل أبو مسلم مدينة مرو قال نصر لاصحابه أرى هذا الرجل قد قوى أمره وقد سارع إليه الناس وقدوا دعته وسيتم له ما يريد فاخرجوا بنا عن هذه البلدة وخلوه فاختلفوا عليه فقال بعضهم نعم وقال بعضهم لا فقال أما إنكم ستذكرون قولى وقال لخاصته من مضر انطلقوا إلى أبى مسلم فالقوه وخذوا بحظكم منه وأرسل أبو مسلم إلى نصر لاهزبن قريظ يدعوه فقال لا هز " إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك

[ 47 ]

وقرأ قبلها آيات ففطن نصر فقال لغلامه ضع لى وضوءا فقام كأنه يريد الوضوء فدخل بستان وخرج منه فركب وهرب قال على وأخبرنا أبو الذيال قال أخبرني إياس بن طلحة بن طلحة قال كنت مع أبى وقد ذهب عمى إلى أبى مسلم يبايعه فابطأ حتى صليت العصر والنهار قصير فنحن ننتظره وقد هيأنا له الغداء فإنى لقاعد مع أبى إذ مر نصر على برذون لا أعلم في داره برذونا أسرى منه ومعه حاجبه والحكم بن نميلة النميري قال أبى إنه لهارب ليس معه أحد وليس بين يديه حربة ولا راية فمر بنا فسلم تسليما خفيا فلما جاوزنا ضرب برذونه ونادى الحكم بن نميلة غلمانه فركبوا واتبعوه قال على قال أبو الذيال قال إياس كان بين منزلنا وبين مرو أربع فراسخ فمر بنا نصر بعد العتمة فضج أهل القرية وهربوا فقال لى أهلى وإخوانى اخرج لا تقتل وبكوا فخرجت أنا وعمى المهلب بن إياس فلحقنا نصرا بعد هدئ الليل وهو في أربعين قد قام برذونه فنزل عنه فحمله بشر بن بسطام بن عمران بن الفضل البرجمى على برذونه فقال نصر إنى لا آمن الطلب فمن يسوق بنا قال عبد الله ابن عرعرة الضبى أنا أسوق بكم قال أنت لها فطرد بنا ليلته حتى أصبحنا في بئر في المفازة على عشرين فرسخا أو أقل ونحن ستمائة فسرنا يومنا فنزلنا العصر ونحن ننظر إلى أبيات سرخس وقصورها ونحن ألف وخسمائة فانطلقت أنا وعمى إلى صديق لنا من بنى حنيفة يقال له مسكين فبتنا تحن عنده لم نطعم شيئا فأصبحنا فجاءنا بثريدة فأكلنا منها ونحن جياع لم نأكل يومنا وليلتنا واجتمع الناس فصاروا ثلاثة آلاف وأقمنا بسرخس يومين فلما لم يأتنا أحد صار نصر إلى طوس فأخبرهم خبر أبى مسلم وأقام خمسة عشر يوما ثم سار وسرنا إلى نيسابور فأقام بها ونزل أبو مسلم حين هرب نصر دار الامارة وأقبل ابن الكرماني فدخل مرو مع أبى مسلم فقال أبو مسلم حين هرب نصر يزعم نصر أنى ساحر هو والله ساحر وقال غير ما ذكرت قوله في أمر نصر وابن الكرماني وشيبان الحروري انتهى أبو مسلم في سنة 130 من معسكره بقرية سليمان بن كثير إلى قرية تدعى الماخوان فنزلها وأجمع على الاستظهار بعلى بن جديع ومن معه من اليمن وعلى دعاء نصر بن سيار ومن معه

[ 48 ]

إلى معاونته فأرسل إلى الفريقين جميعا وعرض على كل فريق منهم المسالمة واجتماع الكلمة والدخول في الطاعة فقبل ذلك على بن جديع وتابعه على رأيه فعاقده عليه فلما وثق أبو مسلم بمبايعة على بن جديع إياه كتب إلى نصر بن سيار أن يبعث إليه وفدا يحضرون مقالته ومقالة أصحابه فيما كان وعده أن يميل معه وأرسل إلى على بمثل ما أرسل به إلى نصر ثم وصف من خبر اختيار قواد الشيعة اليمانية على المضرية نحوا مما وصف من قد ذكرنا الرواية عنه قبل في كتابنا هذا وذكر أن أبا مسلم إذ وجه شبل بن طهمان فيمن وجهه إلى مدينة مرو وأنزله قصر بخار اخذاه إنما وجهه مددا لعلى بن الكرماني قال وسار أبو مسلم من خندقه بالماخوان بجميع من معه إلى على ابن جديع ومع على عثمان أخوه وأشراف اليمن معهم وخلفاؤهم من ربيعة فلما حاذى أبو مسلم مدينة مرو استقبله عثمان بن جديع في خيل عظيمة ومعه أشراف اليمن ومن معه من ربيعة حتى دخل عسكر على بن الكرماني وشيبان بن سلمة الحروري ومن معه من النقباء ووقف على حجرة على بن جديع فدخل عليه وأعطاه الرضا وآمنه على نفسه وأصحابه وخرجا إلى حجرة سيبان وهو يسلم عليه يومئذ بالخلافة فأمر أبو مسلم عليا بالجلوس إلى جنب شيبان وأعلمه أنه لا يحل له التسليم عليه وأراد أبو مسلم أن يسلم على على بالامرة فيظن شيبان أنه يسلم عليه ففعل ذلك على ودخل عليه أبو مسلم فسلم عليه بالامارة وألطف لشيبان وعظمه ثم خرج من عنده فنزل قصر محمد بن الحسن الازدي فأقام به ليلتين ثم انصرف إلى خندقه بالماخوان فأقام به ثلاثة أشهر ثم ارتحل من خندقه بالماخوان إلى مرو لسبع خلون من ربيع الآخر وخلف على جنده أبا عبد الكريم الماخوانى وجعل أبو مسلم على ميمنته لاهز بن قريظ وعلى ميسرته القاسم بن مجاشع وعلى مقدمته مالك بن الهيثم وكان مسيره ليلا فأصبح على باب مدينة مرو وبعث إلى على بن جديع أن يبعث خيله حتى وقف على باب قصر الامارة فوجد الفريقين يقتتلان أشد القتال في حائط مرو فأرسل إلى الفريقين أن كفوا وليتفرق كل قوم إلى معسكرهم ففعلوا وأرسل أبو مسلم لاهز بن قريظ وقريش بن شقيق وعبد الله

[ 49 ]

ابن البخترى وداود بن كراز إلى نصر يدعوه إلى كتاب الله والطاعة للرضا من آل محمد صلى الله عليه وسلم فلما رأى نصر ما جاءه من اليمانية والربعية والعجم وأنه لا طاقة له بهم ولابد أن.... أظهر قبول ما بعث به إليه على أن يأتيه فيبايعه وجعل يرشيهم لما هم به من الغدر والهرب إلى أن أمسى فأمر أصحابه أن يخرجوا ليلتهم إلى ما يأمنون فيه فما تيسر لاصحاب نصر الخروج في تلك الليلة وقال له سلم بن أحوز إنه لا يتيسر لنا الخروج الليلة ولكنا نخرج القابلة فلما كان صبح تلك الليلة عبأ أبو مسلم كتائبه فلم يزل في تعبيتها إلى بعد الظهر وأرسل إلى نصر لاهز بن قريظ وقريش بن شقيق وعبد الله بن البخترى وداود بن كراز وعدة من أعاجم الشيعة فدخلوا على نصر فقال لهم لشر ما عدتم فقال له لاهز لا بدلك من ذلك فقال نصر أما إذ كان لابد منه فإنى أتوضأ وأخرج إليه وأرسل إلى أبى مسلم فان كان هذا رأيه وأمره أتيته ونعما لعينه وأتهيأ إلى أن يجئ رسولي وقام نصر فلما قام قرأ لاهز هذه الآية " إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إنى لك من الناصحين " فدخل نصر منزله وأعلمهم أنه ينتظر انصراف رسوله من عند أبى مسلم فلما جنه الليل خرج من خلف حجرته ومعه تميم ابنه والحكم بن نميلة النميري وحاجبه وامرأته فانطلقوا هرابا فلما استبطأه لاهز وأصحابه دخلوا منزله فوجدوه قد هرب فلما بلغ ذلك أبا مسلم سار إلى معسكر نصر وأخذ ثقات أصحابه وصناديدهم فكتفهم وكان فيهم سلم بن أحوز صاحب شرطة نصر والبخترى كاتبه وابنان له ويونس بن عبد ربه ومحمد بن قطن ومجاهد بن يحيى بن حضين وغيرهم فاستوثق منهم بالحديد وكانوا في الحبس عنده....... أمر بقتلهم جميعا ونزل نصر سرخس فيمن اتبعه من المضرية وكانوا ثلاثة آلاف ومضى أبو مسلم وعلى بن جديع في طلبه فطلباه ليلتهما حتى أصبحا في قرية تدعى نصرانية فوجدا نصرا قد خلف امرأته المرز بانة فيها ونجا بنفسه ورجع أبو مسلم وعلى بن جديع إلى مرو فقال أبو مسلم لمن كان وجه إلى نصر ما الذى ارتاب به منكم قالوا لا ندرى قال فهل تكلم أحد منكم قالوا لا هز تلا هذه الآية " إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك " قال

[ 50 ]

هذا الذى دعاه إلى الهرب ثم قال يا لا هز أتدغل في الدين فضرب عنقه (وفى هذه السنة) قتل شيبان بن سلمة الحروري ذكر الخبر عن مقتله وسببه وكان سبب مقتله فيما ذكر أن على بن جديع وشيبان كانا مجتمعين على قتال نصر بن سيار لمخالفة شيبان نصرا لانه من عمال مروان بن محمد وأن شيبان يرى رأى الخوارج ومخالفة على بن جديع نصرا لانه يمانى ونصر مضرى وأن نصرا قتل أباه وصلبه ولما بين الفريقين من العصبية التى كانت بين اليمانية والمضرية فلما صالح على بن الكرماني أبا مسلم وفارق شيبان تنحى شيبان عن مرو إذ علم أنه لا طاقة له بحرب أبى مسلم وعلى بن جديع....... خلافه وقد هرب نصر من مرو........ أخبره والحس‍........... - لما انقضت......... أرسل أبو مسلم إلى شيبان يدعوه إلى البيعة فقال شيبان أنا أدعوك إلى بيعتى فأرسل إليه أبو مسلم ان لم تدخل في أمرنا فارتحل عن منزلك الذى أنت فيه فأرسل شيبان إلى ابن الكرماني يستنصره فأبى فسار شيبان إلى سرخس واجتمع إليه جمع كثير من بكر بن وائل فبعث إليه أبو مسلم تسعة من الازد فيهم المنتجع ابن الزبير يدعوه ويسأله أن يكف فأرسل شيبان فأخذ رسل أبى مسلم فسجنهم فكتب أبو مسلم إلى بسام بن ابراهيم مولى بنى ليث ببيورد يأمره أن يسير إلى شيبان فيقاتله ففعل فهزمه بسام واتبعه حتى دخل المدينة فقتل شيبان وعدة من بكر بن وائل فقيل لابي مسلم إن بساما ثائر بأبيه وهو يقتل البرى والسقيم فكتب إليه أبو مسلم يأمره بالقدوم عليه فقدم واستخلف على عسكره رجلا قال على أخبرنا المفضل قال لما قتل شيبان مر رجل من بكر بن وائل يقال له خفاف برسل أبى مسلم الذين كان أرسلهم إلى شيبان وهم في بيت فأخرجهم وقتلهم وقيل إن أبا مسلم وجه إلى شيبان عسكرا من قبله عليهم خزيمة من خازم وبسام بن ابراهيم (وفى هذه السنة) قتل أبو مسلم عليا وعثمان ابني جديع الكرماني

[ 51 ]

ذكر سبب قتل أبى مسلم اياهما وكان السبب في ذلك فيما قيل أن أبا مسلم كان وجه موسى بن كعب إلى أبيورد فافتتحها وكتب إلى أبى مسلم بذلك ووجه أبا داود إلى بلخ وبها زياد بن عبد الرحمن القشيرى فلما بلغه قصد أبى داود بلخ خرج في أهل بلخ والترمذ وغيرهما من كور طخارستان إلى الجوزجان فلما دنا أبو داود منهم انصرفوا منهزمين إلى الترمذ ودخل أبو داود مدينة بلخ فكتب إليه أبو مسلم يأمره بالقدوم عليه ووجه مكانه يحيى بن نعيم أبا الميلاء.... أبو داود فلقيه كتاب من أبى مسلم يأمره بالانصراف فانصرف وقدم عليه أبو الميلاء فكاتب زياد بن عبد الرحمن يحيى بن نعيم أبو الميلاء أن يصير أيديهم واحدة فأجابه فرجع زياد بن عبد الرحمن القشيرى ومسلم بن عبد الرحمن بن مسلم الباهلى وعيسى بن زرعة السلمى وأهل بلخ والترمذ وملوك طخارستان وما خلف النهر وما دونه فنزل زياد وأصحابه على فرسخ من مدينة بلخ وخرج إليه يحيى بن نعيم بمن معه حتى اجتمعوا فصارت كلمتهم واحدة مضريهم ويمانيهم وربعيهم ومن معهم من الاعاجم على قتال المسودة وجعلوا الولاية عليهم لمقاتل ابن حيان النبطي كراهة أن يكون من الفرق الثلاثة وأمر أبو مسلم أبا داود بالعود فأقبل أبو داود بمن معه حتى اجتمعوا على نهر السرجنان وكان زياد بن عبد الرحمن وأصحابه قد وجهوا أبا سعيد القرشى مسلحة فيما بين العود وبين قرية يقال لها أمديان لئلا يأتيهم أصحاب أبى داود من خلفهم وكانت أعلام أبى سعيد وراياته سودا فلما اجتمع أبو داود وزياد وأصحابهما واصطفوا للقتال أمر أبو سعيد القرشى أصحابه أن يأتوا زيادا وأصحابه من خلفهم فرجع وخرج عليهم من سكة العود وراياته سود فظن أصحاب زياد أنهم كمين لابي داود وقد نشب القتال بين الفريقين فانهزم زياد ومن معه وتبعهم أبو داود فوقع عامة أصحاب زياد في نهر السرجنان وقتل عامة رجالهم المخلفين ونزل أبو داود عسكرهم وحوى ما فيه ولم يتبع زيادا ولا..... في خيل أبى داود إلى مدينة..... ومضى زياد ويحيى ومن معهما إلى الترمذ وأقام أبو داود يومه............ واستصفى

[ 52 ]

أموال من قتل بالسرجنان ومن هرب من العرب وغيرهم واستقامت بلخ لابي داود ثم كتب إليه أبو مسلم يأمره بالقدوم عليه ووجه النضر بن صبيح المرى على بلخ وقدم أبو داود واجتمع رأى أبى داود وأبى مسلم على أن يفرقا بين على وعثمان ابني الكرماني فبعث أبو مسلم عثمان عاملا على بلخ فلما قدمها استخلف الفرافصة بن ظهير العبسى على مدينة بلخ وأقبلت المضرية من ترمذ عليهم مسلم ابن عبد الرحمن الباهلى فالتقوا وأصحاب عثمان بن جديع بقرية بين البروقان وبين الدستجرد فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم أصحاب عثمان بن جديع وغلب المضرية ومسلم بن عبد الرحمن على مدينة بلخ وأخرجوا الفرافصة منها وبلغ عثمان بن جديع الخبر والنضر بن صبيح وهما بمرو الروذ فأقبلا نحوهم وبلغ صحاب زياد ابن عبد الرحمن فهربوا من تحت ليلتهم وعتب النضر في طلبهم رجاء أن يفوتوا ولقيهم أصحاب عثمان بن جديع فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم أصحاب عثمان بن جديع وأكثروا فيهم القتل ومضت المضرية إلى أصحابها ورجع أبو داود من مرو إلى بلخ وسار أبو مسلم ومعه على بن جديع إلى نيسابور واتفق رأى أبى مسلم ورأى أبى داود على أن يقتل أبو مسلم عليا ويقتل أبو داود عثمان في يوم واحد فلما قدم أبو داود بلخ بعث عثمان عاملا على الختل فيمن معه من يمانى أهل مرو وأهل بلخ وربعيهم فلما خرج من بلخ خرج أبو داود.......... من أرض الختل فوثب أبو داود على عثمان وأصحابه فحبسهم جميعا ثم ضرب أعناقهم صبرا وقتل أبو مسلم في ذلك اليوم على بن الكرماني وقد كان أبو مسلم أمره أن يسمى له خاصته ليوليهم ويأمر لهم بجوائز وكسى فسماهم له فقتلهم جميعا (وفى هذه السنة) قدم قحطبة بن شبيب على أبى مسلم خراسان منصرفا من عند إبراهيم بن محمد بن على ومعه لواؤه الذى عقد له إبراهيم فوجهه أبو مسلم حين قدم عليه على مقدمته وضم إليه الجيوش وجعل له العزل والاستعمال وكتب إلى الجنود بالسمع والطاعة له (وفيها) وجه قحطبة إلى نيسابور للقاء نصر فذكر على بن محمد أن أبا الذيال والحسن بن رشيد وأبا الحسن الجشمى أخبروه أن شيبان بن سلمة

[ 53 ]

الحروري لما قتل لحق أصحابه بنصر وهو بنيسابور وكتب إليه النابى بن سويد العجلى يستغيث فوجه إليه نصر ابنه تميم بن نصر في ألفين وتهيأ نصر على أن يسير إلى طوس ووجه أبو مسلم قحطبة بن شبيب في قواد منهم القاسم بن مجاشع وجهور بن مرار فأخذ القاسم من قبل سرخس وأخذ جهور من قبل أبيورد فوجه تميم عاصم بن عمير السغدى إلى جهور وكان أدناهم منه فهزمه عاصم بن عمير فتحصن في كبادقان وأظل قحطبة والقاسم على النابى فأرسل تميم إلى عاصم أن ارحل عن جهور وأقبل فتركه وأقبل فقاتلهم قحطبة (قال أبو جعفر) فأما غير الذين روى عنهم على بن محمد ما ذكرنا في أمر قحطبة وتوجيه أبى مسلم إياه إلى نصر وأصحابه فانه ذكر أن أبا مسلم لما قتل شيبان الخارجي وابنى الكرماني ونفى نصرا عن مرو وغلب على خراسان وجه عماله على بلادها فاستعمل سباع بن النعمان الازدي على سمرقند وأبا دواد خالد بن إبراهيم على طخارستان ووجه محمد ابن الاشعث إلى الطبسين وفارس وجعل مالك بن الهيثم على شرطته ووجه قحطبة إلى طوس ومعه عدة من القواد منهم أبو عون عبد الملك بن يزيد ومقاتل بن حكيم العكى وخالد بن برمك وخازم بن خزيمة والمنذر بن عبد الرحمن وعثمان بن نهيك وجهور بن مرار العجلى وأبو العباس الطوسى وعبد الله بن عثمان الطائى وسلمة بن محمد وابو غانم عبد الحميد بن ربعى وأبو حميد وأبو الجهم وجعله أبو مسلم كاتبا لقحطبة على الجند وعامر بن إسماعيل ومحرز بن إبراهيم في عدة من القواد فلقى من بطوس فانهزموا وكان من مات منهم في الزحام أكثر ممن قتل فبلغ عدة القتلى يومئذ بضعة عشر ألفا ووجه أبو مسلم القاسم بن مجاشع إلى نيسابور على طريق المحجة وكتب إلى قحطبة يأمره بقتال تميم بن نصر بن سيار والنابى بن سويد ومن لجأ اليهما من أهل خراسان وأن يصرف إليه موسى بن كعب عن أبيورد فلما قدم قحطبة أبيورد صرف موسى بن كعب إلى أبى مسلم وكتب مقاتل بن حكيم يأمره أن يوجه رجلا إلى نيسابور ويصرف منها القاسم بن مجاشع فوجه أبو مسلم على بن معقل في عشرة آلاف إلى تميم بن نصر وأمره........ قحطبة طوس أن يستقبله بمن معه وينضم

[ 54 ]

إليه فسار على بن معقل حتى نزل قرية يقال لها حلوان وبلغ قحطبة مسير على........ نزل فعجل السير إلى السوذقان ومعه معسكر تميم بن نصر والنابى بن سويد ووجه على مقدمته أسيد بن عبد الله الخزاعى في........ أهل نساو أبيورد فسار حتى نزل قرية يقال........ لقتاله فكتب أسيد إلى قحطبة يعلمه ما أخبر........ لم يعجل القدوم عليه حاكمهم إلى الله عز وجل وأخبره أنهما في ثلاثين ألفا من صناديد أهل خراسان وفرسانهم فوجه قحطبة مقاتل بن حكيم العكى في ألف وخالد بن برمك في ألف فقدما على أسيد وبلغ ذلك تميما والنابى فكسر هما ثم قدم عليهم قحطبة بمن معه وتعبأ لقتال تميم وجعل على ميمنته مقاتل بن حكيم وأبا عون عبد الملك بن يزيد وخالد بن برمك وعلى ميسرته أسيد بن عبد الله الخزاعى والحسن ابن قحطبة والمسيب بن زهير وعبد الجبار بن عبد الرحمن وصار هو في القلب ثم زحف البهم فدعاهم إلى كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإلى الرضا من آل محمد صلى الله عليه وسلم فلم يجيبوه فأمر الميمنة والميسرة أن يحملوا فاقتتلوا قتالا شديدا أشد ما يكون من القتال فقتل تميم بن نصر في المعركة وقتل معه منهم مقتلة عظيمة واستبيح عسكرهم وأفلت النابى في عدة فتحصنوا في المدينة وأحاطت بهم الجنود فنقبوا الحائط ودخلوا إلى المدينة فقتلوا النابى ومن كان معه وهرب عاصم بن عمير السمرقندى وسالم بن راوية السعيدى إلى نصر بن سيار بنيسابور فأخبراه بمقتل تميم والنابى ومن كان معهما فلما غلب قحطبة على عسكرهم بما فيه صير إلى خالد بن برمك قبض ذلك ووجه مقاتل بن حكيم العكى على مقدمته إلى نيسابور فبلغ ذلك نصر بن سيار فارتحل هاربا في أثر أهل أبرشهر حتى نزل قومس وتفرق عنه أصحابه فسار إلى نباتة بن حنظلة بجرجان وقدم قحطبة نيسابور بجنوده (وفى هذه السنة) قتل نباتة بن حنظلة عامل زيد بن عمر بن هبيرة على جرجان ذكر الخبر عن مقتله ذكر على بن محمد أن زهير بن هنيد وأبا الحسن الجشمى وجبلة بن فروخ وأبا عبد الرحمن الاصبهاني أخبروه أن يزيد بن عمر بن هبيرة بعث نباتة بن حنظلة

[ 55 ]

الكلابي إلى نصر فأتى فارس واصبهان ثم سار إلى الرى ومضى إلى جرجان ولم يضم إلى نصر بن سيار فقالت القيسية لنصر لا تحملنا قومس فتحولوا إلى جرجان وخندق نباتة فكان إذا وقع الخندق في دار قوم رشوه فأخره فكان خندقه نحوا من فرسخ وأقبل قحطبة إلى جرجان في ذى القعدة من سنة 130 ومعه أسيد بن عبد الله الخزاعى وخالد بن برمك وأبو عون عبد الملك بن يزيد وموسى بن كعب المراى والمسيب بن زهير وعبد الجبار بن عبد الرحمن الازدي وعلى ميمنته موسى ابن كعب وعلى ميسرته أسيد بن عبد الله وعلى مقدمته الحسن بن قحطبة فقال قحطبة يا أهل خراسان أتدرون إلى من تسيرون ومن تقاتلون إنما تقاتلون بقية قوم حرقوا بيت الله عز وجل وأقبل الحسن حتى نزل تخوم خراسان ووجه الحسن عثمان بن رفيع ونافعا المروزى وأبا خالد المروروزى ومسعدة الطائى إلى مسلحة نباتة وعليها رجل يقال له ذؤيب فبيتوه فقتلوا ذؤيبا وسبعين رجلا من أصحابه ثم رجعوا إلى عسكر الحسن وقدم قحطبة فنزلوا بإزاء نباتة وأهل الشأم في عدة لم ير الناس مثلها فلما رآهم أهل خراسان هابوهم حتى تكلموا بذلك وأظهروه وبلغ قحطبة فقام فيهم خطيبا فقال يا أهل خراسان هذه البلاد كانت لآبائكم الاولين وكانوا ينصرون على عدوهم لعدلهم وحسن سيرتهم حتى بدلوا وظلموا فسخط الله عز وجل عليهم فاننزع سلطانهم وسلط عليهم أذل أمة كانت في الارض عندهم فغلبوهم على بلادهم واستنكحوا نساءهم واسترقوا أولادهم فكانوا بذلك يحكمون بالعدل ويوفون بالعهد وينصرون المظلوم ثم بدلوا وغيروا وجاروا في الحكم وأخافوا أهل البر والتقوى من عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلطكم عليهم لينتقم منهم بكم ليكونوا أشد عقوبة لانكم طلبتموهم بالثار وقد عهد إلى الامم أنكم تلقونهم في مثل هذه العدة فينصركم الله عز وجل عليهم فتهزمونهم وتقتلونهم وقد قرئ على قحطبة كتاب أبى مسلم من أبى مسلم إلى قحطبة بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فناهض عدوك فإن الله عز وجل ناصرك فإذا ظهرت عليهم فأثخن في القتل فالتقوا في مستهل ذى الحجة سنة 130 في يوم الجمعة فقال قحطبة يا أهل خراسان إن هذا يوم

[ 56 ]

قد فضله الله تبارك وتعالى على سائر الايام والعمل فيه مضاعف وهذا شهر عظيم فيه عيد أعظم أعيادكم عند الله عز وجل وقد أخبرنا الامام أنكم تنصرون في هذا اليوم من هذا الشهر على عدوكم فالقوه بجد وصبر واحتساب فإن الله مع الصابرين ثم ناهضهم وعلى ميمنته الحسن بن قحطبة وعلى ميسرته خالد بن برمك ومقاتل بن حكيم العكى فاقتتلوا وصبر بعضهم لبعض فقتل نباتة وانهزم أهل الشأم فقتل منهم عشرة آلاف وبعث قحطبة إلى أبى مسلم يرأس نباتة وابنه حية قال وأخبرنا شيخ من بنى عدى عن أبيه قال كان سالم بن راوية التميمي ممن هرب من أبى مسلم وخرج مع نصر ثم صار مع نباتة فقاتل قحطبة بجرجان فانهزم الناس وبقى يقاتل وحده فحمل عليه عبد الله الطائى وكان من فرسان قحطبة فضربه سالم بن راوية على وجهه فأندر عينه وقاتلهم حتى اضطر من المسجد فدخله ودخلوا عليه فكان لا يشد من ناحية إلا كشفهم فجعل ينادى شربة فو الله لانقعن لهم شرا يومى هذا وحرقوا عليه سقف المسجد فرموه بالحجارة حتى قتلوه وجاءوا برأسه إلى قحطبة وليس في رأسه ولا وجهه مصح فقال قحطبة ما رأيت مثل هذا قط (وفى هذه السنة) كانت الوقعة التى كانت بقديد بين أبى حمزة الخارجي وأهل المدينة ذكر الخبر عن ذلك * حدثنى العباس بن عيسى العقيلى قال حدثنا هارون بن موسى الفروى قال حدثنى غير واحد من أصحابنا أن عبد الواحد بن سليمان استعمل عبد العزيز ابن عبد الله بن عمرو بن عثمان على الناس فخرجوا فلما كان بالحرة لقيتهم جزر منحورة فمضوا فلما كان بالعقيق تعلق لواؤهم بمسرة فانكسر الرمح فتشاءم الناس بالخروج ثم ساروا حتى نزلوا قديد فنزلوها ليلا وكانت قرية قديد من ناحية القصر المبنى اليوم وكانت الحياض هنالك فنزل قوم مغترون ليسوا بأصحاب حرب فلم يرعهم الا القوم قد خرجوا عليهم من الفضل وقد زعم بعض الناس أن خزاعة دلت أبا حمزة على عورتهم وأدخلوهم عليهم فقتلوهم وكانت المقتلة على قريش هم كانوا أكثر الناس وبهم كانت الشوكة وأصيب منهم عدد كثير قال العباس قال

[ 57 ]

هارون وأخبرني بعض أصحابنا أن رجلا من قريش نظر إلى زجل من أهل اليمن وهو يقول الحمد لله الذى أقر عينى بمقتل قريش فقال لابنه يا بنى ابدأ به وقد كان من أهل المدينة قال فدنا منه ابنه فضرب عنقه ثم قال لابنه أي بنى تقدم فقاتلا حتى قتلا ثم ورد فلال الناس المدينة وبكى الناس قتلاهم فكانت المرأة تقيم على حميمها النواح فما تبرح النساء حتى تأتيهن الاخبار عن رجالهن فتخرج النساء امرأة امرأة كل امرأة تذهب إلى حميمها حتى ما تبقى عندها امرأة قال وأنشدني أبو ضمرة هذه الابيات في قتلى قديد الذين أصيبوا من قومه رثاهم بعض أصحابهم فقال يا لهف نفسي ولهفي غير كاذبة * على فوارس بالبطحاء أنجاد عمرو وعمر وعبد الله بينهما * وابناهما خامس والحارث السادى (وفى هذه السنة) دخل أبو حمزة الخارجي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهرب عبد الواجد بن سليمان بن عبد الملك إلى الشأم ذكر الخبر عن دخول أبى حمزة المدينة وما كان منه فيها * حدثنى العباس بن عيسى قال حدثنا هارون بن موسى الفروى قال حدثنى موسى بن كثير قال دخل أبو حمزة المدينة سنة 130 ومضى عبد الواحد بن سليمان ابن عبد الملك إلى الشأم فرقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال يا أهل المدينة سألتكم عن ولاتكم هؤلاء فأسأتم لعمر الله فيهم القول وسألنا كم هل يقتلون بالظن فقلتم لنا نعم وسألناكم هل يستحلون المال الحرام والفرج الحرام فقلتم لنا نعم فقلنا لكم تعالوا نحن وأنتم نناشدهم الله إلا تنحوا عنا وعنكم فقلتم لا يفعلون فقلنا لكم تعالوا نحن وأنتم نقاتلهم فان نظهر نحن وأنتم.... بمن يقيم فينا فيكم كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فقلتم لا نقوى فقلناكم فخلوا بيننا وبينهم فان نظفر نعدل في أحكامكم ونحملكم على سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم فيئكم بينكم فأبيتم وقاتلتمونا دونهم فقلنا كم فأبعدكم الله وأسحقكم (قال محمد بن عمر) حدثنى حزام بن هشام قال كانت الحرورية أربعمائة وعلى طائفة من الحروية الحارث

[ 58 ]

وعلى طائفة بكار بن محمد العدوى عدى قريش وعلى طائفة أبو حمزة فالتقوا وقد تهيأ الناس بعد الاعذار من الخوارج إليهم وقالوا لهم إنا والله مالنا حاجة بقتالكم دعونا نمض إلى عدونا فأبى أهل المدينة فالتقوا لسبع ليال خلون من صفر يوم الخميس سنة 130 فقتل أهل المدينة لم يفلت منهم الا الشريد وقتل أمير هم عبد العزيز بن عبد الله واتهمت قريش خزاعة أن يكونوا داهنوا الحرورية فقال لى حزام والله لقد آويت رجالا من قريش منهم حتى آمن الناس فكان يلج على مقدمتهم وقدمت الحرورية المدينة لستع عشرة ليلة خلت من صفر * حدثنى العباس بن عيسى قال قال هارون بن موسى أخبرني بعض أشياخنا أن أبا حمزة لما دخل المدينة قام فخطب فقال في خطبته يا أهل المدينة مررت في زمن الاحول هشام ابن عبد الملك وقد أصابتكم عاهة بثماركم وكتبتم إليه تسألونه أن يضع أخراصكم عنكم فكتب اليكم يضعها عنكم فزاد الغنى غنا وزاد الفقير فقلتم جزاك الله خيرا فلا جزاكم الله خيرا ولا جزاه خيرا قال العباس قال هارون وأخبرني يحيى بن زكرياء أن أبا حمزة خطب بهذه الخطبة قال رقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال تعلمون يا أهل المدينة أنا لم نخرج من ديارنا وأموالنا أشرا ولا بطرا ولا عبثا ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه ولا لثأر قديم نيل منا ولكنا لما رأينا مصابيح الحق قد عطات وعفت لقائل بالحق قتل القائم بالقسط قاضت علينا الارض بما رجبت وسمعنا داعيا يدعو إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن فأجبنا داعى الله " ومن لا يجب داعى الله فليس بمعجز في الارض " أقبلنا من قبائل شتى النفر منا على بعير واحد عليه زادهم وأنفسهم يتعاورون لحافا واحدا قليلون مستضعفون في الارض فآوانا وأيدنا في نصره فأصبحنا والله جميعا بنعمته اخوانا ثم لقينا رجالكم بقديد فدعوناهم إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن ودعونا إلى طاعة الشيطان وحكم آل مروان فشتان لعمر الله ما بين الرشد والغى ثم أقبلوا يهرعون يزفون قد ضرب الشيطان فيهم بجرانه وغلت بدمائهم مراجله وصدق عليهم ظنه وأقبل أنصار الله عز وجل عصائب وكتائب بكل مهند ذى رونق فدارت رحانا

[ 59 ]

واستدارت رحاهم بضرب يرتاب منه المبطلون وأنتم يا أهل المدينة إن تنصروا مروان وآل مروان يسحتكم الله عز وجل بعذاب من عنده أو بأيدينا ويشف صدور قوم مؤمنين يا أهل المدينة أولكم خير أول وآخركم شر آخر يا أهل المدينة الناس منا ونحن منهم إلا مشركا عابد وثن أو مشرك أهل الكتاب أو إماما جائرا يا أهل المدينة من زعم أن الله عز وجل كلف نفسا فوق طاقتها أو سألها ما لم يؤتها فهو الله عز وجل عدو ولنا حرب يا أهل المدينة أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها الله عز وجل في كتابه على القوى والضعيف فجاء تاسع ليس له منها ولا سهم واحد فأخذها لنفسه مكابرا محاربا لربه يا أهل المدينة بلغني أنكم تنتقصون أصحابي قلتم شباب أحداث وأعراب حفاة ويلكم يا أهل المدينة وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شبابا أحداثا شباب والله مكتهلون في شبابهم غضية عن الشرأ عينهم ثقيلة عن الباطل أقدامهم قد باعوا الله عز وجل أنفسا تموت بأنفس لا تموت قد حالطوا كلالهم بكلالهم وقيام ليلهم بصيام نهارهم منحنيه أصلابهم على أجزاء القرآن كلما مروا بآية شوق شهقوا شوقا إلى الجنة فلما نظروا إلى السيوف قد انتضت والرماح قد شرعت وإلى السهام قد فوقت وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت استخفوا وعيد الكتيبة لو عيد الله عز وجل ولم يستخفوا وعيد الله لو عيد الكتيبة فطوبى لهم وحسن مآب فكم من عين في منقار طائر طالما فاضت في جوف الليل من خوف الله عز وجل وكم من يد زالت عن مفصلها طالما اعتمد بها صاحبها أقول قولى هذا وأستغفر الله من تقصيرنا وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب * حدثنى العباس قال قال هارون حدثنى جدى أبو علقمة قال سمعت أبا حمزة على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من زنى فهو كافر ومن شك فهو كافر ومن سرق فهو كافر ومن شك أنه كافر فهو كافر قال العباس قال هارون وسمعت جدى يقول كان قد أحسن السيرة في أهل المدينة حتى استمال حتى سمعوا كلامه في قوله من زنى فهو كافر قال العباس قال هارون وحدثني بعض أصحابنا لما رقى المنبر قال برح الخفاء أين ما بك يذهب من زنى فهو كافر ومن سرق فهو

[ 60 ]

كافر قال العباس قال هارون وأنشدني بعضهم في قديد ما لقيد وماليه * أفنت قديد رجاليه فلابكين سريرة * ولابكين علانيه ولابكين إذا شحن‍ * - ت مع الكلاب العاويه فكان دخول أبى حمزة وأصحابه المدينة لثلاث عشرة بقيت من صفر واختلفوا في قدر مدتهم في مقامهم فقال الواقدي كان مقامهم بها ثلاثة أشهر وقال غيره أقاموا بها بقية صفر وشهرى ربيع وطائفة من جمادى الاولى وكانت عدة من قتل من أهل المدينة بقديد فيما ذكر الواقدي سبعمائة وكان أبو حمزة فيما ذكر قد قدم طائفة من أصحابه عليهم أبو بكر بن محمد بن عبد الله بن عمر القرشى ثم أحد بنى عدى ابن كعب وبلج بن عيينة بن الهيصم الاسدي من أهل البصرة فبعث مروان بن محمد من الشأم عبد الملك بن محمد بن عطية أحد بنى سعد في جول الشأم * فحدثني العباس ابن عيسى قال حدثنى هارون بن موسى عن موسى بن كثير قال خرج أبو حمزة من المدينة وخلف بعض أصحابه فسار حتى نزل الوادي قال العباس قال هارون حدثنى بعض أصحابنا ممن أخبرني عنه أبو يحيى الزهري أن مروان انتخب من عسكره أربعة الاف واستعمل عليهم ابن عطية وأمره بالجد في السير وأعطى كل رجل منهم مائة دينار وفرسا عربية وبغلا لثقله وأمره أن يمضى فيقاتلهم فإن هو ظفر مضى حتى بلغ اليمن ويقاتل عبد الله بن يحيى ومن معه فخرج حتى نزل بالعلا وكان رجل من أهل المدينة يقال له العلاء بن أفلح مولى أبى الغيث يقول لقيني وأنا غلام ذلك اليوم رجل من أصحاب ابن عطية فسألني ما اسمك يا غلام قال فقلت العلاء قال ابن من قلت ابن أفلح قال مولى من قلت مولى أبى الغيث قال فأين نحن قلت بالعلا قال فأين نحن غدا قال بغالب قال فما كلمني حتى أردفني وراءه ومضى بى حتى أدخلني على ابن عطية فقال سل هذا الغلام ما اسمه فسألني فرددت عليه القول الذى قلت قال فسر بذلك ووهب لى دراهم قال العباس قال هارون وأخبرني عبد الملك بن الماجشون قال لما ألقى أبو حمزة وابن عطية قال أبو حمزة لا تقاتلوهم حتى تخبروهم

[ 61 ]

قال فصاحوا بهم ما تقولون في القرآن والعمل به قال فصاح ابن عطية نضعه في جوف الجوالق قال فما تقولون في مال اليتيم قال نأكل ماله ونفجر بأمه في أشياء بلغني أنهم سألوهم عنها قال فلما سمعوا كلامهم قاتلوهم حتى أمسوا فصاحوا ويحك يا ابن عطية إن الله عز وجل قد جعل الليل سكنا فاسكن نسكن قال فأبى فقاتلهم حتى قتلهم قال العباس قال هارون وكان أبو حمزة حين خرج ودع أهل المدينة وقال إنا خارجون إلى مروان فإن نظفر نعدل في أحكامكم ونحملكم على سنة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم ونقسم فيئكم بينكم وإن يكن ما يمنون فسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون قال العباس قال هارون وأخبرني بعض أصحابنا أن الناس وثبوا على أصحابه حين جاءهم قتله فقتلوهم قال محمد بن عمر سار أبو حمزة وأصحابه إلى مروان فلقيهم خيل مروان بوادي القرى عليها ابن عطية السعدى من قيس فأوقعوا بهم فرجعوا منهزمين منهم إلى المدينة فلقيهم أهل المدينة فقرهم قال وكان الذى قاد جيش مروان عبد الملك بن محمد بن عطية السعدى سعد هوازن قدم المدينة في أربعة آلاف فارس عربي مع كل واحد منهم بغل ومنهم من عليه درعان أو درع وتنور وتجافيف وعدة لم ير مثلها في ذلك الزمان فمضوا إلى مكة وقال بعضهم أقام ابن عطية بالمدينة حين دخلها شهرا ثم مضى إلى مكة واستخلف على المدينة الوليد بن عروة بن محمد بن عطية ثم مضى إلى مكة وإلى اليمن فاستخلف على مكة ابن ما عز رجلا من أهل الشأم ولما مضى ابن عطية بلغ عبد الله بن يحيى وهو بصنعاء مسيره إليه فأقبل إليه بمن معه فالتقى هو وابن عطية فقتل ابن عطية عبد الله ابن يحيى وبعث ابنه بشير إلى مروان ومصى ابن عطية فدخل صنعاء وبعث برأس عبد الله بن يحيى إلى مروان ثم كتب مروان إلى ابن عطية يأمره أن يغذ السير ويحج بالناس فخرج في نفر من أصحابه فيما حدثنى العباس بن عيسى عن هارون حتى نزل الجرف هكذا قال العباس ففطن له بعض أهل القرية فقالوا منهزم والله فشدوا عليه فقال ويحكم عامل الحج والله كتب إلى أمير المؤمنين (قال أبو جعفر) وأما محمد بن عمر فانه ذكر أن أبا الزبير بن عبد الرحمن حدثه قال خرجت

[ 62 ]

مع ابن عطية السعدى ونحن اثنا عشر رجلا بعهد مروان على الحج ومعه أربعون ألف دينار في خرجه حتى نزل الجرف يريد الحج وقد خلف عسكره وخيله وراءه بصنعاء فو الله إنا آمنون مطمئنون إذ سمعت كلمة من امرأة قاتل الله ابني جمانة ما أشمتهما فقمت كأنى أهريق الماء وأشرفت على نشز من الارض فإذا الدهم من الرجال والسلاح والخيل والقذافات فإذا ابنا جمانة المراديان واقفان علينا قد أحدقوا بنا من كل ناحية فقلنا ما تريدون فقالوا أنتم لصوص فأخرج ابن عطية كتابه وقال هذا كتاب أمير المؤمنين وعهده على الحج وأنا ابن عطية فقالوا هذا باطل ولكنكم لصوص فرأينا الشر فركب الصفر بن حبيب فرسه فقاتل وأحسن حتى قتل ثم ركب ابن عطية فقاتل حتى قتل ثم قتل من معنا وبقيت فقالوا من أنت فقلت رجل من همدان قالوا من أي همدان أنت فاعتزيت إلى بطن منهم وكنت عالما ببطون همدان فتركوني وقالوا أنت آمن وكل مالك في هذا الرحل فخذه فلو ادعيت المال كله لاعطوني ثم بعثوا معى فرسانا حتى بلغوا بى صعدة وأمنت ومضيت حتى قدمت مكة (وفى هذه السنة) غزا الصائفة فيما ذكر الوليد بن هشام فنزل العمق وبنى حصن مرعش (وفيها) وقع الطاعون بالبصرة (وفى هذه السنة) قتل قحطبة بن شبيب من أهل جرجان من قتل من أهلها قيل إنه قتل منهم زهاء ثلاثين ألفا وذلك أنه بلغه فيما ذكر عن أهل جرجان أنه كان أجمع رأيهم بعد مقتل نباتة بن حنظلة على الخروج على قحطبة فدخل قحطبة لما بلغه ذلك من أمرهم واستعرضهم فقتل منهم من ذكرت ولما بلغ نصر بن سيار قتل قحطبة نباتة ومن قتل من أهل جرجان وهو بقومس ارتحل حتى نزل خوار الرى وكان سبب نزول نصر قومس فيما ذكر على بن محمد أن أبا الذيال حدثه والحسن ابن رشيد وأبا الحسن الجشمى أن أبا مسلم كتب مع المنهال بن فتان إلى زياد بن زرارة القشيرى بعهده على نيسابور بعد ما قتل تميم بن نصر والنابى بن سويد العجلى وكتب إلى قحطبة يأمره أن يتبع نصرا فوجه قحطبة العكى على مقدمته وسار قحطبة حتى نزل نيسابور فأقام بها شهرين شهرى رمضان وشوال من سنة

[ 63 ]

130 ونصر نازل في قرية من قرى قومس يقال لها بذش ونزل من كان معه من قيس في قرية يقال لها الميدان وكتب نصر إلى ابن هبيرة يستمده وهو بواسط مع ناس من وجوه أهل خراسان يعظم الامر عليه فحبس ابن هبيرة رسله فكتب نصر إلى مروان إنى وجهت إلى ابن هبيرة قوما من وجوه أهل خراسان ليعلموه أمر الناس من قبلنا وسألته المدد فاحتبس رسلي ولم يمدنى بأحد وإنما أنا بمنزلة من أخرج من بيته إلى حجرته ثم أخرج من حجرته إلى داره ثم أخرج من داره إلى فناء داره فإن أدركه من يعينه فعسى أن يعود إلى داره وتبقى له وإن أخرج من داره إلى الطريق فلا دار له ولا فناء فكتب مروان إلى ابن هبيرة يأمره أن يمد نصرا وكتب إلى نصر يعلمه ذلك وكتب إلى ابن هبيرة مع خالد مولى بنى ليث يسأله أن يعجل إليه الجندفإن أهل خراسان قد كذبتهم حتى ما رجل منهم يصدق لى قولا فأمدني بعشرة آلاف قبل أن تمدني بمائة ألف ثم لا تغنى شيئا (وحج) في هذه السنة بالناس محمد بن عبد الملك ابن مروان كذلك حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره حدثه عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكانت إليه مكة والمدينة والطائف وكان فيها العراق إلى يزيد بن عمر ابن هبيرة وكان على قضاء الكوفة الحجاج بن عاصم المحاربي وكان على قضاء البصرة عباد بن منصور وعلى خراسان نصر بن سيار والامر بخراسان على ما ذكرت ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائة ذكر ما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك توجيه قحطبة ابنه الحسن إلى نصر وهو بقومس فذكر على بن محمد أن زهير بن هنيد والحسن بن رشيد وجبلة بن فروخ التاجى قالوا لما قتل نباتة ارتحل نصر بن سيار من بذش ودخل خوار وأميرها أبو بكر العقيلى ووجه قحطبة ابنه الحسن إلى قومس في المحرم سنة 131 ثم وجه قحطبة أبا كامل وأبا القاسم محرز بن ابراهيم وأبا العباس المروزى إلى الحسن في سبعمائة فلما كانوا قريبا منه انحاز أبو كامل وترك عسكره وأتى نصرا فصار معه وأعلمه مكان القائد

[ 64 ]

الذى خلف فوجه إليهم نصر جندا فأتوهم وهم في حائط فحصروهم فنقب جميل بن مهران الحائط وهرب هو وأصحابه وخلفوا شيئا من متاعهم فأخذه أصحاب نصر فبعث به نصر إلى ابن هبيرة فعرض له عطيف بالرى فأخذ الكتاب من رسول نصر والمتاع وبعث به إلى ابن هبيرة فعتب نصر وقال انى شغب ابن هبيرة أيشغب على بضغابيس قيس أما والله لادعنه فليعرفن أنه ليس بشئ ولا ابنه الذى تربص له الاشياء وسار حتى نزل الرى وعلى الرى حبيب بن بديل النهشلي فخرج عطيف من الرى حين قدمها نصر إلى همذان وفيها مالك بن أدهم بن محرز الباهلى على الصحصحية فلما رأى مالكا في همذان وعدل منها إلى أصبهان إلى عامر بن ضبارة وكان عطيف في ثلاثة آلاف وجهه ابن هبيرة إلى نصر فنزل الرى ولم يأت نصرا وأقام نصر بالرى يومين ثم مرض فكان يحمل حملا حتى إذا كان بساوة قريبا من همذان مات بها فلما مات دخل أصحابه همذان وكانت وفاة نصر فيما قيل لمضى اثنتى عشرة ليلة من شهر ربيع الاول وهو ابن خمس وثمانين سنة وقيل إن نصرا لما شخص من خوار متوجها نحو الرى لم يدخل الرى ولكنه أخذ المفازة التى بين الرى وهمذان فمات بها (رجع الحديث إلى حديث على عن شيوخه) قال ولما مات نصر بن سيار بعث الحسن خازم بن خزيمة إلى قرية يقال لها سمنان وأقبل قحطبة من جرجان وقدم أمامه زياد بن زرارة القشيرى وكان زياد قد ندم على اتباع أبى مسلم فانخزل عن قحطبة وأخذ طريق اصبهان يريد أن يأتي عامر بن ضبارة فوجه قحطبة المسيب ابن زهير الضبى فلحقه من غد بعد العصر فقاتله فانهزم زياد وقتل عامة من معه ورجع المسيب بن زهير إلى قحطبة ثم سار قحطبة إلى قومس وبها ابنه الحسن فقدم خازم من الوجه الذى كان وجهه فيه الحسن فقدم قحطبة ابنه إلى الرى وبلغ حبيب بن بديل النهشلي ومن معه من أهل الشأم مسير الحسن فخرجوا عن الرى ودخلها الحسن فأقام حتى قدم أبوه وكتب قحطبة حين قدم الرى إلى أبى مسلم يعلمه نزوله الرى (وفى هذه السنة) تحول أبو مسلم من مرو إلى نيسابور فنزلها

[ 65 ]

ذكر الخبر عما كان من أمر أبى مسلم هنالك ومن قحطبة بعد نزوله الرى ولما كتب قحطبة إلى أبى مسلم بنزوله الرى ارتحل أبو مسلم فيما ذكر من مرو فنزل نيسابور وخندق بها ووجه قحطبة ابنه الحسن بعد نزوله الرى بثلاث إلى همذان فذكر على عن شيوخه وغيرهم أن الحسن بن قحطبة لما توجه إلى همذان خرج منها مالك بن أدهم ومن كان بها من أهل الشأم وأهل خراسان إلى نهاوند فدعاهم مالك إلى أرزاقهم وقال من كان له ديوان فليأخذ رزقه فترك قوم كثير دواوينهم ومضوا فأقام مالك ومن بقى معه من أهل الشأم وأهل خراسان ممن كان مع نصر فسار الحسن من همذان إلى نهاوند فنزل على أربعة فراسخ من المدينة وأمده قحطبة بأبى الجهم بن عطية مولى باهلة في سبعمائة حتى أطاف بالمدينة وحصرها (وفى هذه السنة) قتل عامر بن ضبارة ذكر الخبر عن مقتله وعن سبب ذلك وكان سبب مقتله أن عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر لما هزمه ابن ضبارة مضى هاربا نحو خراسان وسلك إليها طريق كرمان ومضى عامر بن ضبارة في أثره لطلبه وورد على يزيد بن عمر مقتل نباتة بن حنظلة بجرجان فذكر على بن محمد أن أبا السرى المروزى وأبا الحسن الجشمى والحسن بن رشيد وجبلة بن فروخ وحفص بن شبيب وأخبروه قال لما قتل نباتة كتب ابن هبيرة إلى عامر بن ضبارة والى ابنه داود بن يزيد بن عمر أن يسيرا إلى قحطبة وكانا بكرمان فسارا في خمسين ألفا حتى نزلوا اصبهان بمدينة جى وكان يقال لعكسر بن ضبارة عسكر العساكر فبعث قحطبة إليهم مقاتل وأبا حفص المهلبى وأبا حماد المروزى مولى بنى سليم وموسى بن عقيل وأسلم بن حسان وذؤيب بن الاشعث وكلثوم بن شبيب ومالك بن طريف والمخارق بن عقال والهيثم بن زياد وعليهم جميعا العكى فسار حتى نزل قم وبلغ ابن ضبارة نزول الحسن بأهل نهاوند فأراد أن يأتيهم معينا لهم وبلغ الخبر العكى فبعث إلى قحطبة يعلمه فوجه زهير بن محمد إلى قاشان خرج العكى من قم

[ 66 ]

وخلف بها طريف بن غيلان فكتب إليه قحطبة يأمره أن يقيم حتى يقدم عليه وأن يرجع إلى قم وأقبل قحطبة من الرى وبلغه طلائع العسكرين فلما لحق قحطبة بمقاتل بن حكيم العكى ضم عسكر العكى إلى عسكره وسار عامر بن ضبارة إليهم وبينه وبين عسكر قحطبة فرسخ فأقام أياما ثم سار قحطبة إليهم فالتقوا وعلى ميمنة قحطبة العكى ومعه خالد بن برمك وعلى ميسرته عبد الحميد بن ربعى ومعه مالك بن طريف وقحطبة في عشرين ألفا وابن ضبارة في مائة ألف وقيل في خمسين ومائة ألف فأمر قحطبة بمصحف فنصب على رمح ثم نادى يا أهل الشأم انا ندعوكم إلى ما في هذا المصحف فشتموه وأفحشوا في القول فأرسل إليهم قحطبة احملوا عليهم فحمل عليهم العكى وتهايج الناس فلم يكن بينهم كثير قتال حتى انهزم أهل الشأم وقتلوا قتلا ذريعا وحووا عسكرهم فأصابوا شيئا لا يدرى عدده من السلاح والمتاع والرقيق وبعث بالفتح إلى ابنه الحسن مع شريح بن عبد الله قال على وأخبرنا أبو الذيال قال لقى قحطبة عامر بن ضبارة ومع ابن ضبارة ناس من أهل خراسان منهم صالح بن الحجاج النميري وبشر بن بسطام بن عمران بن الفضل البرجمى وعبد العزيز بن شماس المازنى وابن ضبارة في خيل ليست معه رجالة وقحطبة معه خيل ورجالة فرموا الخيل بالنشاب فانهزم ابن ضبارة حتى دخل عسكره واتبعه قحطبة فترك ابن ضبارة العسكر ونادى إلى فانهزم الناس وقتل قال على وأخبرنا المفضل بن محمد الضبى قال لما لقى قحطبة ابن ضبارة انهزم داود بن يزيد بن عمر فسأل عنه عامر فقيل انهزم فقال لعن الله شرنا منقلبا وقاتل حتى قتل قال على وأخبرنا حفص بن شبيب قال حدثنى من شهد قحطبة وكان معه قال ما رأيت عسكرا قط جمع ما جمع أهل الشأم بإصبهان من الخيل والسلاح والرقيق كأنا افتتحنا مدينة وأصبنا معهم ما لا يحصى من البرابط والطنابير والمزامير ولقل بيت أو خباء ندخله إلا أصبنا فيه زكرة أوزقا من الخمر فقال بعض الشعراء قرضبهم قحطبة القرضب * يدعون مروان كدعوى الرب (وفى هذه السنة) كانت وقعة قحطبة بنهاوند بمن كان لجئ إليها من جنود

[ 67 ]

مروان بن محمد قيل وكانت الوقعة بجابلق من أرض أصبهان يوم السبت لسبع بقين من رجب ذكر الخبر عن هذه الوقعة ذكر على بن محمد أن الحسن بن رشيد وزهير بن الهنيد أخبراه أن ابن ضبارة لما قتل كتب بذلك قحطبة إلى ابنه الحسن فلما أتاه الكتاب كبر وكبر جنده ونادوا بقتله فقال عاصم بن عمير السغدى ما صاح هؤلاء بقتل ابن ضبارة إلا وهو حق فاخرجوا إلى الحسن بن قحطبة وأصحابه فانكم لا تقومون لهم فتذهبون حيث شئتم قبل أن يأتيه أبوه أو مدده فقالت الرجالة تخرجون وأنتم فرسان على خيول فتذهبون وتتركوننا فقال لهم مالك بن أدهم الباهلى كتب إلى ابن هبيرة ولا أبرح حتى يقدم على فأقاموا وأقام قحطبة باصبهان عشرين يوما ثم سار حتى قدم على الحسن نهاوند فحصرهم أشهرا ودعاهم إلى الامان فأبوا فوضع عليهم المجانيق فلما رأى ذلك مالك طلب الامان لنفسه ولاهل الشأم وأهل خراسان لا يعلمون فأعطاه الامان فوفى له قحطبة ولم يقتل منهم أحدا وقتل من كان بنهاوند من أهل خراسان إلا الحكم ابن ثابت بن أبى مسعر الحنفي وقتل من أهل خراسان أبا كامل وحاتم بن الحارث ابن شريح وابن نصر بن سيار وعاصم بن عمير وعلى بن عقيل وبيهس بن بديل من بنى سليم من أهل الجزيرة ورجلا من قريش يقال له البخترى من أولاد عمر ابن الخطاب رضى الله عنه وزعموا أن آل الخطاب لا يعرفونه وقطن بن حرب الهلالي قال على وحدثنا يحيى بن الحكم الهمداني قال حدثنى مولى لنا قال لما صالح مالك بن أدهم قحطبة قال بيهس بن بديل إن ابن أدهم ليصالح علينا والله لافتكن به فوجد أهل خراسان أن قد فتح لهم الابواب ودخلوا وأدخل قحطبة من كان معه من أهل خراسان حائطا وقال غير على أرسل قحطبة إلى أهل خراسان الذين في مدينة نهاوند يدعوهم إلى الخروج إليه وأعطاهم الامان فأبوا ذلك ثم أرسل إلى أهل الشأم بمثل ذلك فقبلوا ودخلوا في الامان بعد أن حوصروا ثلاثة أشهر شعبان ورمضان وشوال وبعث أهل الشأم إلى قحطبة يسألونه أن يشغل

[ 68 ]

أهل المدينة حتى يفتحوا الباب وهم لا يشعرون ففعل ذلك قحطبة وشغل أهل المدينة بالقتال ففتح أهل الشأم الباب الذى كانوا عليه فلما رأى أهل خراسان الذين في المدينة خروج أهل الشأم سألوهم عن خروجهم فقالوا أخذنا الامان لنا ولكم فخرج رؤساء أهل خراسان فدفع قحطبة كل رجل منهم إلى رجل من قواد أهل خراسان ثم أمر فنادى مناديه من كان في يده أسير ممن خرج إلينا من أهل المدينة فليضرب عنقه وليأتنا برأسه ففعلوا ذلك فلم يبق أحد ممن كان قد هرب من أبى مسلم وصاروا إلى الحصن إلا قتل ما خلا أهل الشأم فإنه خلى سبيلهم وأخذ عليهم ألا يمالؤا عليه عدوا (رجع الحديث إلى حديث على) عن شيوخه الذين ذكرت ولما أدخل قحطبة الذين كانوا بنهاوند من أهل خراسان مع أهل الشأم الحائط قال لهم ابن عمير ويلكم لا تدخلوا الحائط وخرج عاصم قد لبس درعه ولبس سوادا كان معه فلقيه شاكري كان له بخراسان فعرفه فقال أبو الاسود قال نعم فأدخله في سرب وقال لغلام له احتفظ به ولا تطلعن على مكانه أحدا وأمر قحطبة من كان عنده أسيرا فليأتنا به فقال الغلام الذى كان وكل بعاصم إن عندي أسيرا أخاف أن أغلب عليه فسمعه رجل من أهل اليمن فقال أرنيه فأراه إياه فعرفه فأتى قحطبة فأخبره وقال رأس من رؤس الجبابرة فأرسل إليه فقتله ووفى لاهل الشأم فلم يقتل منهم أحد قال على وأخبرنا أبو الحسن الخراساني وجبلة بن فروخ قالا لما قدم قحطبة نهاوند والحسن محاصرهم أقام قحطبة عليهم ووجه الحسن إلى مرج القلعة فقدم الحسن خازم بن خزيمة إلى حلوان وعليها عبد الله بن العلاء الكندى فهرب من حلوان وخلاها قال على وأخبرنا محرز بن إبراهيم قال لما فتح قحطبة نهاوند أرادوا أن يكتبوا إلى مروان باسم قحطبة فقالوا هذا اسم شنيع اقلبوه فجاء هبط حق فقالوا الاول مع شنعته أيسر من هذا فردوه (وفى هذه السنة) كانت وقعة أبى عون بشهرزور ذكر الخبر عنها وعما كان فيها ذكر على أن أبا الحسن وجبلة بن فروخ حدثاه قال وجه قحطبة أبا عون

[ 69 ]

عبد الملك بن يزيد الخراساني ومالك بن طريف الخراساني في أربعة آلاف إلى شهر زور وبها عثمان بن سفيان على مقدمة عبد الله بن مروان فقدم أبو عون ومالك فنزلا على فرسخين من شهرزور فأقاما به يوما وليلة ثم ناهضا عثمان بن سفيان في العشرين من ذى الحجة سنة 131 فقتل عثمان بن سفيان وبعث أبو عون بالبشارة مع إسماعيل بن المتوكل وأقام أبو عون في بلاد الموصل وقال بعضهم لم يقتل عثمان بن سفيان ولكنه هرب إلى عبد الله بن مروان واستباح أبو عون عسكره وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة بعد قتال شديد وقال كان قحطبة وجه أبا عون إلى شهر زور في ثلاثين ألفا بأمر أبى مسلم إياه بذلك قال ولما بلغ خبر أبى عون مروان وهو بحران ارتحل منها ومعه جنود الشأم والجزيرة والموصل وحشرت بنو أمية معه أبناءهم مقبلا إلى أبى عون حتى انتهى إلى الموصل ثم أخذ في حفر الخنادق من خندق إلى خندق حتى نزل الزاب الاكبر وأقام أبو عون بشهرزور بقية ذى الحجة والمحرم من سنة 132 وفرض فيها لخمسة آلاف رجل (وفى هذه السنة) سار قحطبة نحو ابن هبيرة ذكر على بن محمد أن أبا الحسن أخبره وزهير ابن هنيد وإسماعيل بن أبى إسماعيل وجبلة بن فروخ قالوا لما قدم على ابن هبيرة ابنه منهزما من حلوان خرج يزيد بن عمر بن هبيرة فقاتل قحطبة في عدد كثير لا يحصى مع حوثرة بن سهيل الباهلى وكان مروان أمد ابن هبيرة به وجعل على الساقة زياد بن سهل الغطفانى فسار يزيد بن عمر بن هبيرة حتى نزل جلولاء الوقيعة وخندق فاحتفر الخندق الذى كانت العجم احتفرته أيام وقعة جلولاء وأقبل قحطبة حتى نزل قرماسين ثم سار إلى حلوان ثم تقدم من حلوان فنزل خانقين فارتحل قحطبة من خانقين وارتحل ابن هبيرة راجعا إلى الدسكرة وقال هشام عن أبى مخنف قال أقبل قحطبة وابن هبيرة مخندق بجلولاء فارتفع إلى عكيراء وجاز قحطبة دجلة ومضى حتى نزل دممادون الانبار وارتحل ابن هبيرة بمن معه منصرفا مبادرا إلى الكوفة لقحطبة حتى نزل في الفرات في شرقيه وقدم حوثرة في خمسة عشر ألفا إلى الكوفة وقطع قحطبة الفرات من دمما حتى صار من

[ 70 ]

غربيه ثم سار يريد الكوفة حتى انتهى إلى الموضع الذى فيه ابن هبيرة (وفى هذه السنة) حج بالناس الوليد بن عروة بن محمد بن عطية السعدى سعد هوازن وهو ابن أخى عبد الملك بن محمد بن عطية الذى قتل أبا حمزة الخارجي وكان والى المدينة من قبل عمه حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وغيره وقد ذكر أن الوليد بن عروة إنما كان خرج خارجا من المدينة وكان مروان قد كتب إلى عمه عبد الملك بن محمد بن عطية يأمره أن بحج بالناس وهو باليمن فكان من أمره ما قد ذكرت قبل فلما أبطأ عليه عمه عبد الملك افتعل كتابا من عمه يأمره بالحج بالناس فحج بهم وذكر أن الوليد بن عروة بلغه قتل عمه عبد الملك فمضى الذين قتلوه فقتل منهم مقتلة عظيمة وبقربطون نسائهم وقتل الصبيان وحرق بالنيران من قدر عليه منهم وكان عامل مكة والمدينة والطائف في هذه السنة الوليد بن عروة السعدى من قبل عمه عبد الملك بن محمد وعامل العراق يزيد بن عمر بن هبيرة وعلى قضاء الكوفة الحجاج بن عاصم المحاربي وعلى قضاء البصرة عباد بن منصور الناجى ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها هلاك قحطبة بن شبيب ذكر الخبر عن مهلكه وسبب ذلك فكان السبب في ذلك أن قحطبة لما نزل خانقين مقبلا إلى ابن هبيرة وابن هبيرة بجلولاء ارتحل ابن هبيرة من جلولاء إلى الدسكرة فبعث فيما ذكر قحطبة ابنه الحسن طليعة ليعلم له خبر ابن هبيرة وكان ابن هبيرة راجعا إلى خندقه بجلولاء فوجد الحسن بن هبيرة في خندقه فرجع إلى أبيه فأخبره بمكان ابن هبيرة فذكر على بن محمد عن زهير بن هنيد وجبلة بن فروخ واسماعيل بن أبى اسماعيل والحسن بن رشيد أن قحطبة قال لاصحابه لما رجع ابنه الحسن إليه وأخبره بما أخبره به من أمر ابن هبيرة هل تعلمون طريقا يخرجنا إلى الكوفة لا نمر بابن هبيرة فقال خلف بن المورع

[ 71 ]

الهمذانى أحد بنى تميم نعم أنا أدلك فعبربه تامرا من روستقباذ ولزم الجادة حتى نزل بزرج سابور وأتى عكبراء فعير دجلة إلى أوانا قال على وحدثنا ابراهيم بن يزيد الخراساني قال نزل قحطبة بخانقين وابن هبيرة بجلولاء بينهما خمسة فراسخ وأرسل طلائعه إلى ابن هبيرة ليعلم علمه فرجعوا إليه فأعلموه أنه مقيم فبعث قحطبة خازم بن خزيمة وأمره أن يعبر دجلة فعبر وسار بين دجلة ودجيل حتى نزل كوثبا ثم كتب إليه قحطبة يأمره بالمسير إلى الانبار وأن يحدر إليه ما فيها من السفن وما قدر عليه يعبرها ويوافيه بها بدمما فعل ذلك خازم ووافاه قحطبة بدمما ثم عبر قحطبة الفرات في المحرم من سنة 132 ووجه الاثقال في البرية وصارت الفرسان معه على شاطئ الفرات وابن هبيرة معسكر على فم الفرات من أرض الفلوجة العليا على رأس ثلاثة وعشرين فرسخا من الكوفة وقد اجتمع إليه فل ابن ضبارة وأمده مروان بحوثرة بن سهيل الباهلى في عشرين ألفا من أهل الشأم وذكر على أن الحسن بن رشيد وجبلة بن فروخ أخبراه أن قحطبة لما ترك ابن هبيرة ومضى يريد الكوفة قال حوثرة بن سهيل الباهلى وناس من وجوه أهل الشأم لابن هبيرة قد مضى قحطبة إلى الكوفة فاقصد أنت خراسان ودعه ومروان فإنك تكسره فبالحرى أن يتبعك فقال ما هذا برأى ما كان ليتبعني ويدع الكوفة ولكن الرأى أن أبادره إلى الكوفة ولما عبر قحطبة الفرات وسار على شاطئ الفرات ارتحل ابن هبيرة من معسكره بأرض الفلوجة فاستعمل على مقدمته حوثرة به سهيل وأمره بالمسير إلى الكوفة والفريقان يسيران على شاطئ الفرات ابن هبيرة بين الفرات وسورا وقحطبة في عربيه مما يلى البر ووقف قحطبة فعبر إليه رجل أعرابي في زورق فسلم على قحطبة فقال ممن أنت قال من طيئ فقال الاعرابي لقحطبة اشرب من هذا واسقني سؤرك فغرف قحطبة في قصعة فشرب وسقاه فقال الحمد الله الذى نسأ أجلى حتى رأيت هذا الجيش يشرب من هذا الماء قال قحطبة أتتك الرواية قال نعم قال ممن أنت قال من طيئ ثم أحد بنى نبهان فقال قحطبة صدقنى امامى أخبرني أن لى وقعة على هذا النهر لى فيها النصر يا أخا بنى نبهان هل ههنا مخاضة قال نعم

[ 72 ]

ولا أعرفها وأدلك على من يعرفها السندي بن عصم فأرسل إليه قحطبة فجاء وأبو السندي وعون فدعوه على المخاضة وأمسى ووافته مقدمة ابن هبيرة في عشرين ألفا عليهم حوثرة فذكر على عن ابن شهاب العبدى قال نزل قحطبة الحائرة فقال صدقنى الامام أخبرني أن النصر بهذا المكان وأعطى الجند أرزاقهم فرد عليه كاتبه ستة عشر ألف درهم فضل الدرهم والدرهمين وأكثر وأقل فقال لا تزالون بخير ما كنتم على هذا ووافته خيول الشأم وقد دلوه على مخاضة فقال إنما أنتظر شهر حرام وليلة عاشوراء وذلك سنة 132 وأما هشام بن محمد فانه ذكر عن أبى مخنف أن قحطبة انتهى إلى موضع مخاضة ذكرت له وذلك عند غروب الشمس ليلة الاربعاء لثمان خلون من المحرم سنة 132 فلما انتهى قحطبة إلى المخاضة اقتحم في عدة من أصحابه حتى حمل على ابن هبيرة وولى أصحابه منهزمين ثم نزلوا فم النيل ومضى حوثرة حتى نزل قصر ابن هبيرة وأصبح أهل خراسان وقد فقدوا أميرهم فألقوا بأيدهم وعلى الناس الحسن بن قحطبة (رجع الحديث إلى حديث على) عن ابن شهاب العبدى فأما صاحب علم قحطبة خيران أو يسار مولاه قال له اعبر وقال لصاحب رايته مسعود بن علاج رجل من بكر بن وائل اعبر وقال لصاحب شرطته عبد الحميد بن ربعى أبى غانم أحد بنى نبهان من طيئ اعبر يا أبا غانم وأبشر بالغنيمة وعبر جماعة حتى عبر أربعمائة فقاتلوا صحاب حوثرة حتى نحوهم عن الشريعة ولقوا محمد بن نباتة فقاتلوه ورفعوا النيران وانهزم أهل الشأم وفقدوا قحطبة فبايعوا حميد بن قحطبة على كره منه وجعلوا على الاثقال رجلا يقال له أبو نصر في مائتين وسار حميد حتى نزل كربلاء ثم دير الاعور ثم العباسية قال على أخبرنا خالد بن بن الاصفح وأبو الذيال قالوا وجد قحطبة فدفنه أبو الجهم فقال رجل من عرض الناس من كان عنده عهد من قحطبة فليخبرنا به فقال مقاتل بن مالك العكى سمعت قحطبة يقول إن حدث لى حدث فالحسن أمير الناس فبايع الناس حميدا للحسن وأرسلوا إلى الحسن فلحقه الرسول دون قرية شاهى فرجع الحسن فأعطاه أبو الجهم خاتم قحطبة وبايعوه فقال الحسن إن كان قحطبة مات فأنا ابن قحطبة وقتل في هذه الليلة ابن نبهان السدوسى وحرب بن

[ 73 ]

سلم بن أحوز وعيسى بن إياس العدوى ورجل من الاساورة يقال له مصعب وادعى قتل قحطبة معن بن زائدة ويحيى بن حصن قال على قال أبو الذيال وجدوا قحطبة قتيلا في جدول وحرب بن سلم بن أحوز قتيل إلى جنبه فظنوا أن كل واحد منهما قتل صاحبه قال على وذكر عبد الله بن بدر قال كنت مع ابن هبيرة ليلة قحطبة فعبروا الينا فقاتلونا على مسناة عليها خمسة فوارس فبعث ابن هبيرة محمد بن نباتة فتلقاهم فدفعناهم دفعا وضرب معن بن زائدة قحطبة على حبل عاتقه فأسرع فيه السيف فسقط قحطبة في الماء فأخرجوه فقال شدوا يدي فشدوها بعمامة فقال إن مت فألقوني في الماء لا يعلم أحد بقتلى وكر عليهم أهل خراسان فانكشف ابن نباتة وأهل الشأم فاتبعونا وقد أخذ طائفة في وجه ولحقنا قوم من أهل خراسان فقاتلناهم طويلا فما نجونا إلا برجلين من أهل الشأم قاتلوا عنا قتالا شديدا فقال بعض الخراسانية دعوا هؤلاء الكلاب بالفارسية فانصرفوا عنا ومات قحطبة وقال قبل موته إذا قدمتم الكوفة فوزير الامام أبو سلمة فسلموا هذا الامر إليه ورجع ابن هبيرة إلى واسط (وقد قيل) في هلاك قحطبة قول غير الذى قاله من ذكرنا قوله من شيوخ على بن محمد والذى قيل من ذلك أن قحطبة لما صار بحذاء ابن هبيرة من الجانب الغربي من الفرات وبينهما الفرات قدم الحسن ابنه على مقدمته ثم أمر عبد الله الطائى ومسعود بن علاج وأسد بن المرزبان وأصحابهم بالعبور على خيولهم في الفرات فعبروا بعد العصر فطعن أول فارس لقيهم من أصحاب ابن هبيرة فولوا منهزمين حتى بلغت هزيمتهم جسر سوار حتى اعترضهم سويد صاحب شرطة ابن هبيرة فضرب وجوههم ووجوه دوابهم حتى ردهم إلى موضعهم وذلك عند المغرب حتى انتهوا إلى مسعود بن علاج ومن معه فكثروهم فأمر قحطبة المخارق بن غفار وعبد الله بسام وسلمة بن محمد وهم في جريدة خيل أن يعبروا فيكونوا رداء المسعودين علاج فعبروا ولقيهم محمد بن نباتة فحصر سلمة ومن معه بقرية على شاطئ الفرات وترجل سلمة ومن معه وحمى القتال فجعل محمد بن نباتة يحمل على سلمة وأصحابه فيقتل العشرة والعشرين ويحمل سلمة وأصحابه

[ 74 ]

على محمد بن نباتة وأصحابه فيقتل منهم المائة والمائتين وبعث سلمة إلى قحطبة يستمده فأمده بقواده جميعا ثم عبر قحطبة بفرسانه وأمر كل فارس أن يردف رجلا وذلك ليلة الخميس لليال خلون من المحرم ثم واقع قحطبة محمد بن نباتة ومن معه فاقتتلوا قتالا شديدا فهزمهم قحطبة حتى ألحقهم بابن هبيرة وانهزم ابن هبيرة بهزيمة ابن نباتة وخلوا عسكرهم وما فيه من الاموال والسلاح والزينة والآنية وغير ذلك ومضت بهم الهزيمة حتى قطعوا جسر الصراة وساروا ليلتهم حتى أصبحوا بفم النيل وأصبح أصحاب قحطبة وقد فقدوه فلم يزالوا في رجاء منه إلى نصف النهار ثم يئسوا منه وعلموا بغرقه فأجمع القواد على الحسن بن قحطبة فولوه الامر وبايعوه فقام بالامر وتولاه وأمر بإحصاء مافى عسكر ابن هبيرة ووكل بذلك رجلا من أهل خراسان يكنى أبا النصر في مائتي فارس وأمر بحمل الغنائم في السفن إلى الكوفة ثم ارتحل الحسن بالجنود حتى نزل كربلاء ثم ارتحل فنزل سورا ثم نزل بعدها دير الاعور ثم سار منها فنزل العباسية وبلغ حوثرة هزيمة ابن هبيرة فخرج بمن معه حتى لحق بابن هبيرة بواسط وكان سبب قتل قحطبة فيما قال هؤلاء أن أحلم بن ابراهيم بن بسام مولى بنى ليث قال لما رأيت قحطبة في الفرات وقد سبحت به دابته حتى كادت تعبر به من الجانب الذى كنت فيه أنا وبسام بن إبراهيم أخى وكان بسام على مقدمة قحطبة فذكرت من قتل من ولد نصر بن سيار وأشياء ذكرتها منه وقد أشفقت على أخى بسام بن ابراهيم لشئ بلغه عنه فقلت لا طلبت بثار أبدا إن نجوت الليلة قال فأتلقاه وقد صعدت به دابته لتخرج من الفرات وأنا على الشط فضربته بالسيف على جبينه فوثب فرسه وأعجله الموت فذهب في الفرات بسلاحه ثم أخبر ابن حصين السعدى بعد موت أحلم بن ابراهيم بمثل ذلك وقال لو لا أنه أقر بذلك عند موته ما أخبرت عنه بشئ (وفى هذه السنة) خرج محمد بن خالد بالكوفة وسود قبل ان يدخلها الحسن بن قحطبة وخرج عنها عامل ابن هبيرة ثم دخلها الحسن

[ 75 ]

ذكر الخبر عما كان من أمر من ذكرت ذكر هشام عن أبى مخنف قال خرج محمد بن خالد بالكوفة في ليلة عاشوراء وعلى الكوفة زياد بن صالح الحارثى وعلى شرطه عبد الرحمن بن بشير العجلى وسود محمد وسار إلى القصر فارتحل زياد بن صالح وعبد الرحمن بن بشير العجلى ومن معهم من أهل الشأم وخلوا القصر فدخله محمد بن خالد فلما أصبح يوم الجمعة وذلك صبيحة اليوم الثاني من مهلك قحطبة بلغه نزول حوثرة ومن معه مدينة ابن هبيرة وانه تهيأ للمسير إلى محمد فتفرق عن محمد عامة من معه حيث بلغهم نزول حوثرة مدينة ابن هبيرة ومسيره إلى محمد لقتاله الا فرسانا من فرسان أهل اليمن ممن كان هرب من مروان ومواليه وأرسل إليه أبو سلمة الخلال ولم يظهر بعد يأمره بالخروج من القصر واللحاق بأسفل الفرات فإنه يخاف عليه لقلة من معه وكثرة من مع حوثرة ولم يبلغ أحدا من الفريقين هلاك قحطبة فأبى محمد بن خالد أن يفعل حتى تعالى النهار فتهيأ حوثرة للمسير إلى محمد بن خالد حيث بلغه قلة من معه وخذلان العامة له فبينا محمد في القصر إذ أتاه بعض طلائعه فقال له خيل قد جاءت من أهل الشأم فوجه إليهم عدة من مواليه فأقاموا بباب دار عمر بن سعد إذ طلعت الرايات لاهل الشأم فتهيؤا لقتالهم فنادى الشأميون نحن بجيلة وفينا مليح بن خالد البجلى جئنا لندخل في طاعة الامير فدخلوا ثم جاءت خيل أعظم منها مع رجل من آل بحدل فلما رأى ذلك حوثرة من صنيع أصحابه ارتحل نحو واسط بمن معه وكتب محمد بن خالد من ليلته إلى قحطبة وهو لا يعلم بهلكه يعلمه أنه قد ظفر بالكوفة وعجل به مع فارس فقدم على الحسن بن قحطبة فلما دفع إليه كتاب محمد بن خالد قرأه على الناس ثم ارتحل نحو الكوفة فاقام محمد بالكوفة يوم الجمعة والسبت والاحد وصبحه الحسن يوم الاثنين فأتوا أبا سلمة وهو في بنى سلمة فاستخرجوه فعسكر بالنخيلة يومين ثم ارتحل إلى حمام أعين ووجه الحسن بن قحطبة إلى واسط لقتال ابن هبيرة وأما على بن محمد فانه ذكر أن عمارة مولى جبرائيل بن يحيى أخبره قال بايع أهل خراسان الحسن بعد قحطبة فأقبل إلى الكوفة وعليها يومئد عبد الرحمن

[ 76 ]

ابن بشير العجلى فأتاه رجل من بنى ضبة فقال إن الحسن داخل اليوم أو غدا قال كأنك جئت ترهبني وضربه ثلثمائة سوط ثم هرب فسود محمد بن خالد بن عبد الله القسرى فخرج في أحد عشر رجلا ودعا الناس إلى البيعة وضبط الكوفة فدخل الحسن من الغد فكانوا يسألون في الطريق أين منزل أبى سلمة وزير آل محمد فدلوهم عليه فجاءوا حتى وقفوا على بابه فخرج إليهم فقدموا له دابة من دواب قحطبة فركبها وجاء حتى وقف في جبانة السبيع وبايع أهل خراسان فمكث أبو سلمة حفص ابن سليمان مولى السبيع يقال له وزير آل محمد واستعمل محمد بن خالد بن عبد الله القسرى على الكوفة وكان يقال له الامير حتى ظهر أبو العباس وقال على أخبرنا جبلة بن فروخ وأبو صالح المروزى وعمارة مولى جبرائيل وأبو السرى وغيرهم ممن قد أدرك أول دعوة بنى العباس قالوا ثم وجه الحسن بن قحطبة إلى ابن هبيرة بواسط وضم إليه قوادا منهم خازم بن خزيمة ومقاتل بن حكيم العكى وخفاف ابن منصور وسعيد بن عمرو وزياد بن مشكان والفضل بن سليمان وعبد الكريم ابن مسلم وعثمان بن نهيك وزهير بن محمد والهيثم بن زياد وأبو خالد المروزى وغيرهم سنة عشر قائدا وعلى جميعهم الحسن بن قحطبة ووجه حميد بن قحطبة إلى المدائن في قواد منهم عبد الرحمن بن نعيم ومسعود بن علاج كل قائد في أصحابه وبعث المسيب بن زهير وخالد بن برمك إلى ديرقنى وبعث المهلبى وشراحيل في أربعمائة إلى عين التمر وبسام بن إبراهيم بن بسام إلى الاهواز وبها عبد الواحد ابن عمر بن هبيرة فلما أتى بسام الاهواز خرج عبد الواحد إلى البصرة وكتب مع حفص بن السبيع إلى سفيان بن معاوية بعهده على البصرة فقال له الحارث أبو غسان الحارثى وكان يتكهن وهو أحد بنى الديان لا ينفذ هذا العهد فقدم الكتاب على سفيان فقاتله سلم بن قتيبة وبطل عهد سفيان وخرج أبو سلمة فعسكر عند حمام أعين على نحو من ثلاثة فراسخ من الكوفة فأقام محمد بن خالد بن عبد الله بالكوفة وكان سبب قتال سلم بن قتيبة سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب فيما ذكر أن أبا سلمة الخلال وجه إذ فرق العمال في البلدان بسام بن إبراهيم مولى بنى

[ 77 ]

ليث إلى عبد الواحد بن عمر بن هبيرة وهو بالاهواز فقاتله بسام حتى فضه فلحق سلم بن قتيبة الباهلى بالبصرة وهو يومئذ عامل ليزيد بن عمر بن هبيرة وكتب أبو سلمة إلى الحسن بن قحطبة أن يوجه إلى سلم من أحب من قواده وكتب إلى سفيان بن معاوية بعهده على البصرة وأمره أن يظهر بها دعوة بنى العباس ويدعو إلى القائم منهم وبقى سلم بن قتيبة فكتب سفيان إلى سلم يأمره بالتحول عن دار الامارة ويخبره بما أتاه من رأى أبى سلمة فأبى سلم ذلك وامتنع منه وحشد مع سفيان جميع اليمانية وحلفاءهم من ربيعة وغيرهم وجنح إليه قائد من قواد ابن هبيرة كان بعثه مددا لسلم في ألفى رجل من كلب فأجمع السير إلى سلم ابن قتيبة فاستعد له سلم وحشد معه من قدر عليه من قيس وأحياء مضر ومن كان بالبصرة من بنى أمية ومواليهم وسارعت بنو أمية إلى نصره فقدم سفيان يوم الخميس وذلك في صفر فأتى المربد سلم فوقف منه عند سوق الابل ووجه الخيول في سكة المربد وسائر سكك البصرة للقاء من وجه إليه سفيان ونادى من جاء برأس فله خمسمائة ومن جاء بأسير فله ألف درهم ومضى معاوية بن سفيان بن معاوية في ربيعة خاصة فلقيه رجل من تميم في السكة التى تأخذ لبنى عامر من سكة المربد عند الدار التى صارت لعمر بن حبيب فطعن رجل منهم فرس معاوية فشب به فصرعه ونزل إليه رجل من بنى ضبة يقال له عياض فقتله وحمل رأسه إلى سلم ابن قتيبة فأعطاه ألف درهم فانكسر سفيان لقتل ابنه فانهزم ومن معه وخرج من فوره هو وأهل بيته حتى أتى القصر الابيض فنزلوه ثم ارتحلوا منه إلى كسكر وقدم على سلم بعد غلبته على البصرة جابر بن توبة الكلابي والوليد بن عتبة الفراسى من ولد عبد الرحمن بن سمرة في أربعة آلاف رجل كتب إليهم ابن هبيرة أن يصيروا مددا لسلم وهو بالاهواز فغدا جابر بمن معه على دور المهلب وسائر الازد فأغاروا عليهم فقاتلهم من بقى من رجال الازد قتالا شديدا حتى كثرت القتلى فيهم فانهزموا فسبى جابر ومن معه من أصحابه النساء وهدموا الدور وانتهبوا فكان ذلك من فعلهم ثلاثة أيام فلم يزل سلم مقيما بالبصرة حتى بلغه قتل

[ 78 ]

ابن هبيرة فشخص عنها فاجتمع من بالبصرة من ولد الحارث ابن عبد المطلب إلى محمد بن جعفر فولوه أمرهم فوليهم أياما يسيرة حتى قدم البصرة أبو مالك عبد الله بن أسيد الخزاعى من قبل أبى مسلم فوليها خمسة أيام فلما قام أبو العباس ولا هاسفيان بن معاوية (وفى هذه السنة) بويع لابي العباس عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله ابن العباس بن عبد المطلب بن هاشم ليلة الجمعة لثلاث عشرة مضت من شهر ربيع الآخر كذلك حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال هشام بن محمد وأما الواقدي فإنه قال بويع لابي العباس بالمدينة بالخلافة في جمادى الاولى في سنة 132 قال الواقدي وقال لى أبو معشر في شهر ربيع الاول سنة 132 وهو الثبت خلافة أبى العباس عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس ذكر الخبر عن سبب خلافته وكان بدء ذلك فيما ذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه أعلم عباس ابن عبد المطلب أنه تؤول الخلافة إلى ولده فلم يزل ولده يتوقعون ذلك ويتحدثون به بينهم وذكر على بن محمد ان إسماعيل بن الحسن حدثه عن رشيد بن كريب ان أبا هاشم خرج إلى الشأم فلقى محمد بن على بن عبد الله بن عباس فقال يا ابن عم إن عندي علما أنبذه اليك فلا تطلعن عليه أحدا إن هذا الامر الذى ترتجيه الناس فيكم قال قد علمت فلا يسمعنه منك أحد قال على فأخبرنا سليمان بن داود عن خالد بن عجلان قال لما خلف ابن الاشعث وكتب الحجاج بن يوسف إلى عبد الملك أرسل عبد الملك إلى خالد بن يزيد فأخبره فقال أما إذا كان الفتق من سجستان فليس عليك بأس إنما كنا نتخوف لو كان من خراسان وقال على أخبرنا الحسن ابن رشيد وجبلة بن فروخ التاجى ويحيى بن طفيل والنعمان بن سرى وأبو حفص الازدي وغيرهم أن الامام محمد بن على بن عبد الله بن عباس قال لنا ثلاث أوقات موت الطاغية يزيد بن معاوية ورأس المائة وفتق إفريقية فعند ذلك يدعو لنا

[ 79 ]

دعاة ثم تقبل أنصارنا من المشرق حتى ترد خيولهم المغرب ويستخرجوا ما كنز الجبارون فيها فلما قتل يزيد بن أبى مسلم بإفريقية ونقضت البربر بعث محمد بن على رجلا إلى خراسان وأمره أن يدعو إلى الرضى ولا يسمى أحدا وقد ذكرنا قبل خبر محمد بن على وخبر الدعاة الذى وجههم إلى خراسان ثم مات محمد ابن على وجعل وصيه من بعده ابنه إبراهيم فبعث إبراهيم بن محمد إلى خراسان أبا سلمة حفص بن سليمان مولى السبيع وكتب معه إلى النقباء بخراسان فقبلوا كتبه وقام فيهم ثم رجع إليه فرده ومعه أبو مسلم وقد ذكرنا أمر أبى مسلم قبل وخبره ثم وقع في يد مروان بن محمد كتاب لابراهيم بن محمد إلى أبى مسلم جواب كتاب لابي مسلم يأمره بقتل كل من يتكلم بالعربية بخراسان فكتب مروان إلى عامله بدمشق يأمره بالكتاب إلى صاحبه بالبلقاء أن يسير إلى الحميمة ويأخذ إبراهيم ابن محمد ويوجه به إليه فذكر أبو زيد عمر بن شبة أن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن على بن أبى طالب حدثه عن عثمان بن عروة بن محمد ين عمار بن ياسر قال إنى مع أبى جعفر بالحميمة ومعه ابناه محمد وجعفر وأنا ارقصهما إذ قال لى ماذا تصنع أما ترى إلى ما نحن فيه قال فنظرت فإذا رسل مروان تطلب إبراهيم بن محمد قال فقلت دعني أخرج إليهم قال تخرج من بيتى وأنت ابن عمار بن ياسر قال فأخذوا ابواب المسجد حين صلوا الصبح ثم قالوا ليستأمن الذين معهم أين إبراهيم بن محمد فقالوا هو ذا فأخذوه وقد كان مروان أمرهم بأخذ إبراهيم ووصفه لهم صفة أبى العباس التى كان يجدها في الكتب انه يقتلهم فلما أتوه بإبراهيم قال ليس هذه الصفة التى وصفت لكم فقالوا قد رأينا الصفة التى وصفت فردهم في طلبه ونذروا فخرجوا إلى العراق هرابا قال عمرو حدثنى عبد الله بن كثير بن الحسن العبدى قال أخبرني على بن موسى عن أبيه قال بعث مروان بن محمد رسولا إلى الحميمة يأتيه بابراهيم بن محمد ووصف له صفته فقدم الرسول فوجد الصفة صفة أبى العباس عبد الله بن محمد فلما ظهر ابراهيم بن محمد وأمن قيل للرسول انما أمرت بابراهيم وهذا عبد الله فلما تظاهر ذلك عنده ترك أبا العباس وأخذ ابراهيم وانطلق

[ 80 ]

به قال فشخصت معه أنا وأناس من بنى العباس ومواليهم فانطلق بابراهيم ومعه أم ولد له كان بها معجبا فقلنا له انما أتاك رجل فهلم فلنقتله ثم ننكفئ إلى الكوفة فهم لنا شيعة فقال ذلك لكم قلنا فأمهل حتى نصير إلى الطريق التى تخرجنا إلى العراق قال فسرنا حتى صرنا إلى طريق تتشعب إلى العراق وأخرى إلى الجزيرة فنزلنا منزلا وكان إذا أراد التعريس اعتزل لمكان أم ولده فأتيناه للامر الذى اجتمعنا عليه فصر خنابه فقام ليخرج فتعلقت به أم ولده وقالت هذا وقت لم تكن تخرج فيه فما هاجك فالتوى عليها فأبت حتى أخبرها فقالت أنشدك الله ان تقتله فتشئم أهلك والله لئن قتلته لا يبقى مروان من آل العباس أحدا بالحميمة إلا قتله ولم تفارقه حتى حلف لها ألا يفعل ثم خرج الينا وأخبرنا فقلنا أنت أعلم قال عبد الله فحدثني ابن لعبد الحميد بن يحيى كاتب مروان عن أبيه قال قلت لمروان بن محمد أتتهمني قال لا قلت أفيحطك صهره قال لا قلت فانى أرى أمره ينبغ عليك فأنكحه وأنكح إليه فان ظهر كنت قد أعلقت بينك وبينه سببا لا ترتبك معه وان كفيته لم يشنك صهره قال ويحك والله لو علمته صاحب ذاك لسبقت إليه ولكن ليس بصاحب ذلك وذكران ابراهيم بن محمد حين أخذ للمضي به إلى مروان نعى إلى أهل بيته حين شيعوه نفسه وأمرهم بالمسير إلى الكوفة مع أخيه أبى العباس عبد الله بن محمد وبالسمع له وبالطاعة وأوصى إلى أبى العباس وجعله الخليفة بعده فشخص أبو العباس عند ذلك ومن معه من أهل بيته منهم عبد الله بن محمد وداود وعيسى وصالح واسماعيل وعبد الله وعبد الصمد بنو على ويحيى بن محمد وعيسى بن موسى بن محمد بن على وعبد الوهاب ومحمد ابنا ابراهيم وموسى بن داود ويحيى بن جعفر بن تمام حتى قدموا الكوفة في صفر فأنزلهم أبو سلمة دار الوليد بن سعد مولى بنى هاشم في بنى أودوكتم أمرهم نحوا من أربعين ليلة من جميع القواد والشيعة وأراد فيما ذكر أبو سلمة تحويل الامر إلى آل أبى طالب لما بلغه الخبر عن موت ابراهيم بن محمد فذكر على بن محمد أن جبلة بن فروخ وأبا السرى وغيرهما قالا قدم الامام الكوفة في ناس من أهل بيته فاختفوا فقال

[ 81 ]

أبو الجهم لابي سلمة ما فعل الامام قال لم يقدم بعد فألح عليه يسأله قال قد أكثرت السؤال وليس هذا وقت خروج حتى لقى أبو حميد خادما لابي العباس يقال له سابق الخوارزمي فسأله عن أصحابه فأخبره أنهم بالكوفة وأن أبا سلمة يأمرهم أن يختفوا فجاء به إلى أبى الجهم فأخبره خبرهم فسرح أبو الجهم أبا حميد مع سابق حتى عرف منزلهم بالكوفة ثم رجع وجاء معه إبراهيم بن سلمة رجل كان معهم فأخبر أبا الجهم عن منزلهم ونزول الامام بنى أود وأنه أرسل حين قدموا إلى أبى سلمة يسأله مائة دينار فلم يفعل فمشى أبو الجهم وأبو حميد وابراهيم إلى موسى بن كعب وقصوا عليه القصة وبعثوا إلى الامام بمائتي دينار ومضى أبو الجهم إلى أبى سلمة فسأله عن الامام فقال ليس هذا وقت خروج لان واسطا لم تفتح بعد فرجع أبو الجهم إلى موسى بن كعب فأخبره فأجمعوا على أن يلقوا الامام فمضى موسى بن كعب وأبو الجهم وعبد الحميد بن ربعى وسلمة بن محمد وابراهيم بن سلمة وعبد الله الطائى وإسحاق بن إبراهيم وشراحيل وعبد الله بن بسام وأبو حميد محمد بن إبراهيم وسليمان بن الاسود ومحمد بن الحصين إلى الامام فبلغ أبا سلمة فسأل عنهم فقيل ركبوا إلى الكوفة في حاجة لهم وأتى القوم أبا العباس فدخلوا عليه فقالو اأيكم عبد الله بن محمد بن الحارثية فقالوا هذا فسلموا عليه بالخلافه فرجع موسى بن كعب وأبو الجهم وأمر أبو الجهم الآخرين فتخلفوا عند الامام فأرسل أبو سلمة إلى أبى الجهم أين كنت قال ركبت إلى إمامى فركب أبو سلمة إليهم فأرسل أبو الجهم إلى أبى حميد أن أبا سلمة قد أتاكم فلا يدخلن على الامام إلا وحده فلما انتهى إليهم أبو سلمة منعوه أن يدخل معه أحد فدخل وحده فسلم بالخلافة على أبى العباس وخرج أبو العباس على برذون أبلق يوم الجمعة فصلى بالناس فأخبرنا عمار مولى جبرئيل وأبو عبد الله السلمى أن أبا سلمة لما سلم على أبى العباس بالخلافة قال له أبو حميد على رغم أنفك يا ماص بظر أمه فقال له أبو العباس مه وذكر أن أبا العباس لما صعد المنبر حين بويع له بالخلافة قام في أعلاه وصعد داود بن على فقام دونه فتكلم أبو العباس فقال الحمد لله الذى اصطفى

[ 82 ]

الاسلام لنفسه تكرمة وشرفه وعظمه واختاره لنا وأيده بنا وجعلنا أهله وكهفه وحصنه والقوام به والذابين عنه والناصرين له وألزمنا كلمة التقوى وجعلنا أحق بها وأهلها وخصنا برحم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابته وأنشأنا من آبائه وأنبتنا من شجرته واشتقنا من نبعته جعله من أنفسنا عزيزا عليه ما عنتنا حريصا علينا بالمؤمنين رؤفا رحيما ووضعنا من الاسلام وأهله بالموضع الرفيع وأنزل بذلك على أهل الاسلام كتابا يتلى عليهم فقال عز من قائل فيما أنزل من محكم القرآن (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) وقال: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) وقال: (وأنذر عشيرتك الاقربين) وقال: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى) وقال: (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمه وللرسول ولذي القربى واليتامى) فأعلمهم جل ثناؤه فضلنا وأوجب عليهم حقنا ومودتنا وأجزل من الفئ والغنيمة نصيبنا تكرمة لنا وفضلا علينا والله ذو الفضل العظيم وزعمت السبائية الضلال أن غير نا أحق بالرئاسة والسياسة والخلافة منا فشاهت وجوههم بم ولم أيها الناس وبنا هدى الله الناس بعد ضلالتهم وبصرهم بعد جهالتهم وأنقذهم بعد هلكتهم وأظهر بنا الحق وأدحض بنا الباطل وأصلح بنا منهم ما كان فاسدا ورفع بنا الخسيسة وتم بنا النقيصة وجمع الفرقة حتى عاد الناس بعد العداوة أهل تعاطف وبر ومواساة في دينهم ودنياهم وإخوانا على سرر متقابلين في آخرتهم فتح الله ذلك منة ومنحة لمحمد صلى الله عليه وسلم فلما قبضه الله إليه قام بذلك الامر من بعده أصحابه وأمرهم شورى بينهم فحووا مواريث الامم فعدلوا فيها ووضعوها مواضعها وأعطوها أهلها وخرجوا خماصا منها ثم وثب بنو حرب ومروان فابتزوها وتداولوها بينهم فجاروا فيها واستأثروا بها وظلموا أهلها فأملى الله لهم حينا حتى آسفوه فلما آسفوه انتقم منهم بأيدينا ورد علينا حقنا وتدارك بنا أمتنا وولى نصرنا والقيام بأمرنا ليمن بنا على الذين استضعفوا في الارض وختم بنا كما افتتح بنا وإنى لارجو أن لا يأتيكم الجور من

[ 83 ]

حيث أتاكم الخير ولا الفساد من حيث جاءكم الصلاح وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله يا أهل الكوفة أنتم محل محبتنا ومنزل مودتنا أنتم الذين لم تتغيروا عن ذلك ولم يثنكم عن ذلك تحامل أهل الجور عليكم حتى أدركتم زماننا وأتاكم الله بدولتنا فأنتم أسعد الناس بنا وأكرمهم علينا وقد زدتكم في أعطياتكم مائة درهم فاستعدوا فأنا السفاح المبيح والثائر المبير وكان موعوكا فاشتد به الوعك فجلس على المنبر وصعد داود بن على فقام دونه على مراقى المنبر فقال الحمد لله شكرا شكرا شكرا الذى أهلك عدونا وأصار إلينا ميراثنا من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أيها الناس الآن أقشعت حنادس الدنيا وانكشف غطاؤها وأشرقت أرضها وسماؤها وطلعت الشمس من مطلعها وبزغ القمر من مبزغه وأخذ القوس باريها وعاد السهم إلى منزعه ورجع الحق ونصابه في أهل بيت نبيكم أهل الرأفة والرحمة بكم والعطف عليكم أيها الناس إنا والله ما خرجنا في طلب هذا الامر لنكثر لجينا ولا عقيانا ولا نحفر نهرا ولا نبنى قصرا وإنما أخرجنا الانفة من ابتزازهم حقنا والغضب لبنى عمنا وما كرثنا من أموركم وبهظنا من شؤونكم ولقد كانت أموركم ترمضنا ونحن على فرشنا ويشتد علينا سوء سيرة بنى أمية فيكم وخرقهم بكم واستذلالهم لكم واستئثارهم وبفيئكم وصدقاتكم ومغانمكم عليكم لكم ذمة الله تبارك وتعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وآله وذمة العباس رحمه الله أن نحكم فيكم بما أنزل الله ونعمل فيكم بكتاب الله ونسير في العامة منكم والخاصة بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبا تبا لبني حرب بن أمية وبنى مروان آثروا في مدتهم وعصرهم العاجلة على الآجلة والدار الفانية على الدار الباقية فركبوا الآثام وظلموا الانام وانتهكوا المحارم وغشوا الجرائم وجاروا في سيرتهم في العباد وسنتهم في البلاد التى بها استلذوا تسربل الاوزار وتجلبب الآصار ومرحوا في أعنة المعاصي وركضوا في ميادين الغى جهلا باستدراج الله وأمنا لمكر الله فأتاهم بأس الله بياتا وهم نائمون فأصبحوا أحاديث ومزقوا كل ممزق فبعدا للقوم الظالمين وأدالنا الله من مروان وقد غره بالله الغرور أرسل

[ 84 ]

لعدو الله في عنانه حتى عثر في فضل خطامه فظن عدو الله أن لن نقدر عليه فنادى حزبه وجمع مكايده ورمى بكتائبه فوجد أمامه ووراءه وعن يمينه وشماله من مكر الله وبأسه ونقمته ما أمات باطله ومحق ضلاله وجعل دائرة السوء به وأحيا شرفنا وعزنا ورد إلينا حقنا وإرثنا أيها الناس إن أمير المؤمنين نصره الله نصرا عزيزا إنما غاد إلى المنبر بعد الصلاة انه كره أن يخلط بكلام الجمعة غيره وانما قطعه عن استتمام الكلام بعد أن اسحنفر فيه شدة الوعك وادعوا الله لامير المؤمنين بالعافية فقد أبدلكم الله بمروان عدو الرحمن وخليفة الشيطان المتبع للسفلة الذين أفسدوا في الارض بعد صلاحها بإبدال الدين وانتهاك حريم المسلمين الشاب المتكهل المتمهل المقتدى بسلفه الابرار الاخيار الذين أصلحوا الارض بعد فسادها بمعالم الهدى ومناهج التقوى فعج الناس له بالدعاء ثم قال يا أهل الكوفة إنا والله ما زلنا مظلومين مقهورين على حقنا حتى أتاح الله لنا شيعتنا أهل خراسان فأحيابهم حقنا وأفلج بهم حجتنا وأظهر بهم دولتنا وأراكم الله ما كنتم به تنتظرون وإليه تتشوفون فأظهر فيكم الخليفة من هاشم وبيض به وجوهكم وأدالكم على أهل الشأم ونقل إليكم السلطان وعز الاسلام ومن عليكم بإمام منحه العدالة وأعطاه حسن الايالة فخذوا ما آتاكم الله بشكر والزموا طاعتنا ولا تخدعوا عن أنفسكم فان الامر أمركم فان لكل أهل بيت مصرا وإنكم مصرنا ألا وإنه ما صعد منبركم هذا خليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الا أمير المؤمنين على ابن أبى طالب وأمير المؤمنين عبد الله بن محمد وأشار بيده إلى أبى العباس فاعلموا أن هذا الامر فينا ليس بخارج منا حتى نسلمه إلى عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم والحمد لله رب العالمين على ما أبلانا وأولانا ثم نزل أبو العباس وداود بن على أمامه حتى دخل القصر وأجلس أبا جعفر ليأخذ البيعة على الناس في المسجد فلم يزل يأخذها عليهم حتى صلى بهم العصر ثم صلى بهم المغرب وجنهم الليل فدخل وذكر أن داود بن على وابنه موسى كانا بالعراق أو بغيرها فخرجا يريدان الشراة فلقيهما أبو العباس يريد الكوفة معه أخوه أبو جعفر عبد الله بن محمد وعبد الله بن على

[ 85 ]

وعيسى بن موسى ويحيى بن جعفر بن تمام بن العباس ونفر عن مواليهم بدومة الجندل فقال لهم داود أين تريدون وما قصتكم فقص عليه أبو العباس قصتهم وأنهم يريدون الكوفة ليظهروا بها ويظهروا أمرهم فقال له داود يا أبا العباس تأتى الكوفة وشيخ بنى مروان مروان بن محمد بحران مطل على العراق في أهل الشأم والجزيرة وشيخ العرب يزيد بن عمر بن هبيرة بالعراق في حلبة العرب فقال أبو الغنائم من أحب الحياة ذل ثم تمثل بقول الاعشى فما ميتة أن متها غير عاجز * بعار إذا ما غالت النفس غولها فالتفت داود إلى ابنه موسى فقال صدق والله ابن عمك فارجع بنا معه نعش أعزاء أو نمت كراما فرجعوا جميعا فكان عيسى بن موسى يقول إذا ذكر خروجهم من الحميمة يريدون الكوفة ان نفرا أربعة عشر رجلا خرجوا من دارهم وأهليهم يطلبون مطالبنا لعظيم همهم كبيرة أنفسهم شديدة قلوبهم ذكر بقية الخبر عما كان من الاحداث في سنة اثنتين وثلاثين ومائة تمام الخبر عن سبب البيعة لابي العباس عبد الله بن محمد بن على وما كان من أمره (قال أبو جعفر) قد ذكرنا من أمر أبى العباس عبد الله بن محمد بن على ما حضرنا ذكره قبل عمن ذكرنا ذلك عنه وقد ذكرنا من أمره وأمر أبى سلمة وسبب عقد الخلافة لابي العباس أيضا ما أنا ذاكره وهو أنه لما بلغ أبا سلمة قتل مروان بن محمد ابراهيم الذى كان يقال له الامام بدا له في الدعاء إلى أولاد العباس وأضمر الدعاء لغيرهم وكان أبو سلمة قد أنزل أبا العباس حين قدم الكوفة مع من قدم معه من أهل بيته في دار الوليد بن سعد في بنى أودفكان أبو سلمة إذا سئل عن الامام يقول لا تعجلوا فلم يزل ذلك من أمره وهو في معسكره بحمام أعين حتى خرج أبو حميد وهو يريد الكناسة فلقى خادما لابراهيم يقال له سابق الخوارزمي فعرفه وكان يأتيهم بالشأم فقال له ما فعل الامام ابراهيم فأخبره أن مروان قتله غيلة وأن ابراهيم أوصى إلى أخيه أبى العباس واستخلفه من بعده وأنه قدم الكوفة ومعه عامة أهل بيته فسأله أبو حميد أن ينطلق به إليهم فقال له سابق الموعد بينى

[ 86 ]

وبينك غدا في هذا الموضع وكره سابق أن يدل عليهم إلا بإذنهم فرجع أبو حميد من الغد إلى الموضع الذى وعد فيه سابقا فلقيه فانطلق به إلى أبى العباس وأهل بيته فلما دخل عليهم سأل أبو حميد من الخليفة منهم فقال داود بن على هذا امامكم وخليفتكم وأشار إلى أبى العباس فسلم عليه بالخلافة وقبل يديه ورجليه وقال مرنا بأمرك وعزاه بالامام ابراهيم وقد كان ابراهيم بن سلمة دخل عسكر أبى سلمة متنكرا فأتى أبا الجهم فاستأمنه فأخبره أنه رسول أبى العباس وأهل بيته وأخبره بمن معه وبموضعهم وأن أبا العباس كان سرحه إلى أبى سلمة يسأله مائة دينار يعطيها الجمال كراء الجمال التى قدم بهم عليها فلم يبعث بها إليهم ورجع أبو حميد الى ابى الجهم فأخبره بحالهم فمشى أبو الجهم وابو حميد ومعهما ابراهيم بن سلمة حتى دخلوا على موسى بن كعب فقص عليه أبو الجهم الخبر وما أخبره إبراهيم بن سلمة فقال موسى بن كعب عجل البعثة إليه بالدنانير وسرحه فانصرف أبو الجهم ودفع الدنانير إلى إبراهيم بن سلمة وحمله على بغل وسرح معه رجلين حتى دخلا الكوفة ثم قال أبو الجهم لابي سلمة وقد شاع في العسكر أن مروان بن محمد قد قتل الامام فإن كان قد قتل كان أخوه العباس الخليفة والامام من بعده فرد عليهم أبو سلمة يا أبا الجهم اكفف أبا حميد عن دخول الكوفة فانهم أصحاب أرجاف وفساد فلما كانت الليلة الثانية أتى إبراهيم ابن سلمة أبا الجهم وموسى بن كعب فبلغهما رسالة من أبى العباس من أهل بيته ومشى في القواد والشيعة تلك الليلة فاجتمعوا في منزل موسى بن كعب منهم عبد الحميد بن ربعى وسلمة بن محمد وعبد الله الطائى وإسحق بن إبراهيم وشراحيل وعبد الله بن بسام وغيرهم من القواد فائتمروا في الدخول إلى أبى العباس وأهل بيته ثم تسللوا من الغد حتى دخلوا لكوفة وزعيمهم موسى بن كعب وأبو الجهم وأبو حميد الحميرى وهو محمد بن إبراهيم فانتهوا إلى دار الوليد بن سعد فدخلوا عليهم فقال موسى بن كعب وأبو الجهم أيكم أبو العباس فأشاروا إليه فسلموا عليه وعزوه بالامام إبراهيم وانصرفوا إلى العسكر وخلفوا عنده أبا حميد وأبا مقاتل وسليمان بن الاسود ومحمد بن الحسين ومحمد بن الحارث ونهار بن حصين ويوسف

[ 87 ]

ابن محمد وأبا هريرة محمد بن فروخ فبعث أبو سلمة إلى أبى الجهم فدعاه وكان خبره بدخوله الكوفة فقال أين كنت يا أبا الجهم قال كنت عند إمامى وخرج أبو الجهم فدعا حاجب بن صدان فبعثه إلى الكوفة وقال له ادخل فسلم على أبى العباس بالخلافة وبعث إلى أبى حميد وأصحابه إن أتاكم أبو سلمة فلا يدخل إلا وحده فان دخل وبايع فسبيله ذلك وإلا فاضربوا عنقه فلم يلبثوا أن أتاهم أبو سلمة فدخل وحده فسلم على أبى العباس بالخلافة فأمره أبو العباس بالانصراف إلى عسكره فانصرف من ليلته فأصبح الناس قد لبسوا سلاحهم واصطفوا لخروج أبى العباس وأتوه بالدواب فركب ومن معه من أهل بيته حتى دخلوا قصر الامارة بالكوفة يوم الجمعة لا ثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر ثم دخل المسجد من دار الامارة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وذكر عظمة الرب تبارك وتعالى وفضل النبي صلى الله عليه وسلم وقاد الولاية والوارثة حتى انتهيا إليه ووعد الناس خيرا ثم سكت وتكلم داود بن على وهو على المنبر أسفل من أبى العباس بثلاث درجات فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وقال أيها الناس إنه والله ما كان بينكم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم خليفة إلا على بن أبى طالب وأمير المؤمنين هذا الدى خلفي ثم نزلا وخرج أبو العباس فعسكر بحمام أعين في عسكر أبى سلمة ونزل معه في حجرته بينهما ستر وحاجب أبى العباس يومئذ عبد الله بن بسام واستخلف على الكوفة وأرضها عمه داود بن على وبعث عمه عبد الله بن على إلا أبى عون بن يزيد وبعث ابن أخيه عيسى بن موسى إلى الحسن بن قحطبة وهو يومئذ بواسط محاصر ابن هبيرة وبعث يحيى بن جعفر بن تمام بن عباس إلى حميد بن قحطبة بالمدائن وبعث أبا اليقظان عثمان بن عروة بن محمد بن عمار بن ياسر إلى بسام بن إبراهيم بن بسام بالاهواز وبعث سلمة بن عمرو بن عثمان إلى مالك بن طريف وأقام أبو العباس في العسكر أشهرا ثم ارتحل فنزل المدينة الهاشمية في قصر الكوفة وقد كان تنكر لابي سلمة قبل تحوله حتى عرف ذلك (وفى هذه السنة) هزم مروان بن محمد بالزاب

[ 88 ]

ذكر الخبر عن هذه الوقعة وما كان سببها وكيف كان ذلك ذكر على بن محمد أن أبا السرى وجبلة بن فروخ والحسن بن رشيد وأبا صالح المروزى وغيرهم أخبروه أن أبا عون عبد الملك بن يزيد الازدي وجهه قحطبة إلى شهرزور من نهاوند فقتل عثمان بن سفيان وأقام بناحية الموصل وبلغ مروان أن عثمان قد قتل فأقبل من حران فنزل منزلا في طريقه فقال ما اسم هذا المنزل قالوا بلوى قال بل علوى وبشرى ثم أتى رأس العين ثم أتى الموصل فنزل على دجلة وحفر خندقا فسار إليه أبو عون فنزل الزاب فوجه أبو سلمة إلى أبى عون عيينة بن موسى والمنهال بن فتان وإسحاق بن طلحة كل واحد في ثلاثة آلاف فلما ظهر أبو العباس بعث سلمة بن محمد في ألفين وعبد الله الطائى في ألف وخمسمائة وعبد الحميد بن ربعى الطائى في ألفين ووداس بن نضلة في خمسمائة إلى أبى عون ثم قال من يسير إلى مروان من أهل بيتى فقال عبد الله بن على أنا فقال سر على بركة الله فسار عبد الله بن على فقدم على أبى عون فتحول له أبو عون عن سرادقه وخلاه وما فيه وصير عبد الله بن على على شرطته حياش بن حبيب الطائى وعلى حرسه نصير بن المحتفر ووجه أبو العباس موسى بن كعب في ثلاثين رجلا على البريد إلى عبد الله بن على فلما كان لليلتين خلتا من جمادى الآخرة سنة 132 سأل عبد الله بن على عن مخاضة فدل عليها بالزاب فأمر عيينة بن موسى فعبر في خمسة آلاف فانتهى إلى عسكر مروان فقاتلهم حتى أمسوا ورفعت لهم النيران فتحاجزوا ورجع عيينة فعبر المخاضة إلى عسكر عبد الله بن على فأصبح مروان فعقد الجسر وسرح ابنه عبد الله يحفر خندقا أسفل من عسكر عبد الله بن على فبعث عبد الله بن على المخارق بن غفار في أربعة آلاف فأقبل حتى نزل على خمسة أميال من عسكر عبد الله بن على فسرح عبد الله ابن مروان إليه الوليد بن معاوية فلقى المخارق فانهزم أصحابه وأسروا وقتل منهم يومئذ عدة فبعث بهم إلى عبد الله وبعث بهم عبد الله إلى مروان مع الرؤس فقال مروان أدخلوا على رجلا من الاسارى فأتوه بالمخارق وكان نحيفا فقال أنت المخارق

[ 89 ]

فقال لا أنا عبد من عبيد أهل العسكر قال فتعرف المخارق قال نعم قال فانظر في هذه الرؤس هل تراه فنظر إلى رأس منها فقال هو هذا فخلى سبيله فقال رجل مع مروان حين نظر إلى المخارق وهو لا يعرفه لعن الله أبا مسلم حين جاءنا بهؤلاء يقاتلنا قال على حدثنا شيخ من أهل خراسان قال قال مروان تعرف المخارق إن رأيته فانهم زعموا أنه في هذه الرؤس التى أتينا بها قال نعم قال اعرضوا عليه تلك الرؤس فنظر فقال ما أرى رأسه في هذه الرؤس ولا أراه إلا وقد ذهب فخلى سبيله وبلغ عبد الله ابن على انهزام المخارق فقال له موسى بن كعب اخرج إلى مروان قبل أن يصل الفل إلى العسكر فيظهر ما لقى المخارق فدعا عبد الله بن على محمد بن صول فاستخلفه على العسكر وسار على ميمنته أبو عون وعلى ميسرة مروان الوليد بن معاوية ومع مروان ثلاثة آلاف من المحمرة ومعه الدوكانية والصحصحية والراشدية فقال مروان لما التقى العسكران لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز إن زالت الشمس اليوم ولم يقاتلونا كنا الذين ندفعها إلى عيسى ابن مريم وإن قاتلونا قبل الزوال فانا لله وإنا إليه ارجعون وأرسل مروان إلى عبد الله بن على يسأله الموادعة فقال عبد الله كذب ابن رزيق لا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل إن شاء الله فقال مروان لاهل الشأم قفوا لا تبدؤهم بقتال فجعل ينظر إلى الشمس فحمل الوليد بن معاوية بن مروان وهو ختن مروان على ابنته فغضب وشتمه وقاتل ابن معاوية أهل الميمنة فانحاز أبو عون إلى عبد الله بن على فقال موسى بن كعب لعبدالله مر الناس فلينزلوا فنودى الارض فنزل الناس فأشرعوا الرماح وجثوا على الركب فقاتلوهم فجعل أهل الشأم يتأخرون كأنهم يدفعون ومشى عبد الله قدما وهو يقول يا رب حتى متى نقتل فيك ونادى يا أهل خراسان يا لثأرات إبراهيم يا محمد يا منصور واشتد بينهم القتال وقال مروان لقضاعة انزلوا فقالوا قل لبنى سليم فلينزلوا فأرسل إلى السكاسك أن احملوا فقالوا قل لبنى عامر فليحملوا فأرسل إلى السكون أن احملوا فقالوا قل لغطفان فليحملوا فقال لصاحب شرطه انزل قال لا والله ما كنت لاجعل نفسي غرضا قال أما والله لا سوأنك قال وددت والله أنك قدرت على ذلك ثم

[ 90 ]

انهزم أهل الشأم وانهزم مروان وقطع الجسر فكان من غرق يومئذ أكثر ممن قتل فكان فيمن غرق يومئذ ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك وأمر عبد الله بن على فعقد الجسر على الزاب واستخرجوا الغرقى فكان فيمن أخرجوا ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك فقال عبد الله بن على " وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون " وأقام عبد الله بن على في عسكره سبعة أيام فقال رجل من ولد سعيد ابن العاصى يعير مروان لج الفرار بمروان فقلت له * عاد الظلوم ظليما همه الهرب أين الفرار وترك الملك إذ ذهبت * عنك الهوينا فلا دين ولا حسب فراشه الحلم فرعون العقاب وإن * تطلب نداه فكلب دونه كلب وكتب عبد الله بن على إلى أمير المومنين أبى العباس بالفتح وهرب مروان وحوى عسكر مروان بما فيه فوجد فيه سلاحا كثيرا وأموالا ولم يجدوا فيه امرأة إلا جارية كانت لعبدالله بن مروان فلما أتى أبا العباس كتاب عبد الله بن على صلى ركعتين ثم قال " فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر - إلى قوله - وعلمه مما يشاء " وأمر لمن شهد الوقعة بخمسمائة خمسمائة ورفع أرزاقهم إلى ثمانين * حدثنا أحمد بن زهير عن على بن محمد قال قال عبد الرحمن بن أمية كان مروان لما لقيه أهل خراسان لا يدبر شيئا إلا كان فيه الخلل والفساد قال بلغني أنه كان يوم انهزم واقفا والناس يقتتلون إذ أمر بأموال فأخرجت فقال للناس اصبروا وقاتلوا فهذه الاموال لكم فجعل ناس من الناس يصيبون من ذلك المال فأرسلوا إليه إن الناس قد مالوا على هذا المال ولا نأمنهم أن يذهبوا به فأرسل إلى ابنه عبد الله أن سر في أصحابك إلى مؤخر عسكرك فاقتل من أخذ من ذلك المال وامنعهم فمال عبد الله برايته وأصحابه فقال الناس الهزيمة فانهزموا * حدثنا أحمد بن على عن أبى الجارود السلمى قال حدثنى رجل من أهل خراسان قال لقينا مروان على الزاب فحمل علينا أهل الشأم كأنهم جبال حديد فجثونا وأشرعنا الرماح فمالوا عنا كأنهم سحابة ومنحنا الله أكتافهم وانقطع الجسر مما يليهم حين عبروا فبقى عليه رجل من

[ 91 ]

أهل الشأم فخرج عليه رجل منا فقتله الشأمى ثم خرج آخر فقتله حتى والى بين ثلاثة فقال رجل منا اطلبوا لى سيفا قاطعا وترسا صلبا فأعطيناه فمشى إليه فضربه الشأمى فاتقاه بالترس وضرب رجله فقطعها فقتله ورجع وحملناه وكبرنا فإذا هو عبيد الله الكابلي وكانت هزيمة مروان بالزاب فيما ذكر صبيحة يوم السبت لاحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة (وفى هذه السنة) قتل ابراهيم بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس ذكر الخبر عن سبب مقتله اختلف أهل السير في أمر ابراهيم بن محمد فقال بعضهم لم يقتل ولكنه مات في سجن مروان بن محمد بالطاعون ذكر من قال ذلك * حدثنى أحمد بن زهير قال حدثنا عبد الوهاب بن ابراهيم بن خالد قال حدثنا أبو هاشم مخلد بن محمد بن صالح قال قدم مروان بن محمد الرقة حين قدمها متوجها إلى الضحاك بسعيد بن هشام بن عبد الملك وابنيه عثمان ومروان وهم في وثاقهم معه فسرح بهم إلى خليفته بحران فحبسهم في حبسها ومعهم ابراهيم بن على بن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر بن عبد العزيز والعباس بن الوليد وأبو محمد السفياني وكان يقال له البيطار فهلك في سجن حران منهم في وباء وقع بحران العباس بن الوليد وابراهيم بن محمد وعبد الله بن عمر قال فلما كان قبل هزيمة مروان من الزاب يوم هزمه عبد الله بن على بجمعة خرج سعيد بن هشام ومن معه من المحبس فقتلوا صاحب السجن وخرج فيمن معه وتخلف أبو محمد السفياني في الحبس فلم يخرج فيمن خرج ومعه عيره لم يستحلوا الخروج من الحبس فقتل أهل حران ومن كان فيها من الغوغاء سعيد بن هشام وشراحيل بن مسلمة بن عبد الملك وعبد الملك بن بشر التغلبي وبطريق أرمينية الرابعة وكان اسمه كوشان بالحجارة ولم يلبث مروان بعد قتلهم إلا نحوا من خمس عشرة ليلة حتى قدم حران منهزما من الزاب فخلى عن أبى محمد ومن كان

[ 92 ]

في حبسه من المحبسين * وذكر عمر أن عبد الله بن كثير العبدى حدثه عن على ابن موسى عن أبيه قال هدم مروان على إبراهيم بن محمد بيتا فقتله * قال عمرو حدثنى محمد بن معروف بن سويد قال حدثنى أبى عن المهلهل بن صفوان قال عمر ثم حدثنى المفضل بن جعفر بن سليمان بعده قال حدثنى المهلهل بن صفوان قال كنت مع إبراهيم بن محمد في الحبس حبس عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وشراحيل بن مسلمة بن عبد الملك فكانوا يتزاورون وخص الذى بين إبراهيم وشراحيل فأتاه رسوله يوما بلبن فقال يقول لك أخوك إنى شربت من هذا اللبن فاستطبته فأحببت أن تشرب منه فتناوله فشرب فتوصب من ساعته وتكسر جسده وكان يوما يأتي فيه شراحيل فأبطأ عليه فأرسل إليه جعلت فداك قد أبطأت فما حبسك فأرسل إليه إنى لما شربت اللبن الذى أرسلته إلى أخلفني فأتاه شراحيل مذعورا وقال لا والله الذى لا إله إلا هو ما شربت اليوم لبنا ولا أرسلت به اليك فإنا لله وإنا إليه راجعون احتيل لك والله قال فوالله ما بات إلا ليلته وأصبح ميتا من غد فقال إبراهيم بن على بن سلمة بن عامر ابن هرمة بن هذيل بن الربيع بن عامر بن صبيح بن عدى بن قيس وقيس هو ابن الحارث بن فهر يرثيه: قد كنت أحسبنى جلدا فضعضعنى * قير بحران فيه عصمة الدين فيه الامام وخير الناس كلهم * بين الصفائح والاحجار والطين فيه الامام الذى عمت مصيبته * وعيلت كل ذى مال ومسكين فلا عفا الله عن مروان مظلمة * لكن عفا الله عمن قال آمين (وفى هذه السنة) قتل مروان بن محمد بن مروان بن الحكم ذكر الخبر عن مقتله وقتاله من فاتكة من أهل الشأم في طريقه وهو هارب من الطلب * حدثنى أحمد بن زهير قال حدثنا عبد الوهاب بن إبراهيم قال حدثنى أبو هاشم مخلد بن محمد قال لما انهزم مروان من الزاب كنت في عسكره قال

[ 93 ]

كان لمروان في عسكره بالزاب عشرون ومائة ألف كان في عسكره ستون ألفا وكان في عسكر ابنه عبد الله مثل ذلك والزاب بينهم فلقيه عبد الله بن على فيمن معه وأبى عون وجماعة قواد منهم حميد بن قحطبة فلما هزموا سار إلى حران وبها أبان بن يزيد بن محمد بن مروان بن أخيه عامله عليها فأقام بها نيفأ وعشرين يوما فلما دنا منه عبد الله بن على حمل أهله وولده وعياله ومضى منهزما وخلف بمدينة حران أبان بن يزيد وتحته ابنة لمروان يقال لها أم عثمان وقدم عبد الله ابن على فتلقاه أبان مسودا مبايعا له فبايعه ودخل في طاعته فآمنه ومن كان بحران والجزيرة ومضى مروان حتى مر بقنسرين وعبد الله متبع له ثم مضى من قنسرين إلى حمص فتلقاه أهلها بالاسواق والسمع والطاعة فأقام بها يومين أو ثلاثة ثم شخص منها فلما رأوا قلة من معه طمعوا فيه وقالوا مرعوب منهزم فاتبعوه بعد ما رحل عنهم فلحقوه على أميال فلما رأى غبرة خيلهم أكمن لهم في واديين قائدان من مواليه يقال لاحدهما يزيد والآخر مخلد فلما دنوا منه وجازوا الكمينين ومضى الذرارى صافهم فيمن معه وناشدهم فأبوا إلا مكاثرته وقتاله فنشب القتال بينهم وأثار الكمينين من خلفهم فهزمهم وقتلتهم خيله حتى انتهوا إلى قريب من المدينة قال ومضى مروان حتى مربدمش وعليها الوليد ابن معاوية بن مروان وهو ختن لمروان متزوج بابنة له يقال لها أم الوليد فمضى وخلفه بها حتى قدم عبد الله بن على عليه فحاصره أياما ثم فتحت المدينة ودخلها عنوة معترضا أهلها وقتل الوليد بن معاوية فيمن قتل وهدم عبد الله بن على حائط مدينتها ومر مروان بالاردن فشخص معه ثعلبة بن سلامة العاملي وكان عامله عليها وتركها ليس عليها وال حتى قدم عبد الله بن على فولى عليها ثم قدم فلسطين وعليها من قبله الرماحس بن عبد العزيز فشخص به معه ومضى حتى قدم مصر ثم خرج منها حتى نزل منزلا منها يقال له بوصير فبيته عامر بن إسمعيل وشعبة ومعهما خيل الموصل فقتلوه بها وهرب عبد الله وعبيد الله ابنا مروان ليلة بيت مروان إلى أرض الحبشة فلقوا من الحبشة بلاء قاتلتهم الحبشة فقتلوا

[ 94 ]

عبد الله وأفلت عبيد الله في عدة ممن معه وكان فيهم بكر بن معاوية الباهلى فسلم حتى كان في خلافة المهدى فأخذه نصر بن محمد بن الاشعث عامل فلسطين فبعث به إلى المهدى (وأما على بن محمد) فانه ذكر أن بشر بن عيسى والنعمان أبا السرى ومحرز بن إبراهيم وأبا صالح المروزى وعمار مولى جبرئيل أخبروه أن مروان لقى عبد الله بن على في عشرين ومائة ألف وعبد الله في عشرين ألفا وقد خولف هؤلاء في عدد من كان مع عبد الله بن على يومئذ * فذكر مسلم بن المعرة عن معصب بن الربيع الخثعمي وهو أبو موسى بن مصعب وكان كاتبا لمروان قال لما انهزم مروان وظهر عبد الله بن على على الشأم طلبت الامان فآمننى فانى يوما جالس عنده وهو متكئ إذ ذكروا مروان وانهزامه قال أشهدت القتال قلت نعم أصلح الله الامير فقال حدثنى عنه قال قلت لما كان ذلك اليوم قال لى احرز القوم فقلت إنما أنا صاحب قلم ولست صاحب حرب فأخذ يمنة ويسرة ونظر فقال لى هم اثنا عشر ألفا فجلس عبد الله وقال ماله قاتله الله ما أحصى الديوان يومئذ فضلا على اثنى عشر ألف رجل (رجع الحديث) إلى حديث على بن محمد عن أشياخه فانهزم مروان حتى أتى مدينة الموصل وعليها هشام ابن عمرو التغلبي وبشر بن خزيمة الاسدي وقطعوا الجسر فناداهم أهل الشأم هذا مروان قالوا كذبتم أمير المؤمنين لا يفر فسار إلى بلد فعبر دجلة فأتى حران ثم أتى دمشق وخلف بها الوليد بن معاوية وقال قاتلهم حتى يجتمع أهل الشأم ومضى مروان حتى أتى فلسطين فنزل نهر أبى فطرس وقد غلب على فلسطين الحكم بن ضبعان الجذامي فأرسل مروان إلى عبد الله بن يزيد بن روح بن زنباع فأجازه وكان بيت المال في يد الحكم وكتب أبو العباس إلى عبد الله بن على يأمره باتباع مروان فسار عبد الله إلى الموصل فتلقاه هشام بن عمرو التغلبي وبشر بن خزيمة وقد سودا في أهل الموصل ففتحوا له المدينة ثم سار إلى حران وولى الموصل محمد بن صول فهدم الدار التى حبس فيها إبراهيم بن محمد ثم سار من حران إلى منبج وقد سودوا فنزل منبج وولاها أبا حميد المروروذى

[ 95 ]

وبعث إليه أهل قنسرين ببيعتهم إياه بما أتاه به عنهم أبو أمية التغلبي وقدم عليه عبد الصمد بن على أمده به أبو العباس في أربعة آلاف فأقام يومين بعد قدوم عبد الصمد ثم سار إلى قنسرين فأتاها وقد سود أهلها فأقام يومين ثم سار حتى نزل حمص فأقام بها أياما وبايع أهلها ثم سار إلى بعلبك وأقام يومين ثم ارتحل فنزل بعين الحر فأقام يومين ثم ارتحل فنزل مزة قرية من قرى دمشق فأقام وقدم عليه صالح بن على مددا فنزل مرج عذراء في ثمانية آلاف معه بسام بن ابراهيم وخفاف وشعبة والهيثم بن بسام ثم سار عبد الله ابن على فنزل على باب شرقي ونزل صالح بن على على باب الجابية وأبو عون على باب كيسان وبسام على باب الصغير وحميد بن قحطبة على باب توما وعبد الصمد ويحيى بن صفوان والعباس بن يزيد على باب الفراديس وفى دمشق الوليد بن معاوية فحصروا أهل دمشق والبلقاء وتعصب الناس بالمدينة فقتل بعضهم بعضا وقتلوا الوليد ففتحوا الابواب يوم الاربعاء لعشر مضين من رمضان سنة 132 فكان أول من صعد سور المدينة من باب شرقي عبد الله الطائى ومن قبل باب الصغير بسام بن ابراهيم فقتل بها على ثلاث ساعات وأقام عبد الله بن على بدمشق خمسة عشر يوما ثم سار يريد فلسطين فنزل نهر الكسوة فوجه منها يحيى بن جعفر الهاشمي إلى المدينة ثم ارتحل إلى الاردن فأتوه وقد سودوا ثم نزل بيسان ثم سار إلى مرج الروم ثم أتى نهر أبى فطرس وقد هرب مروان فأقام بفلسطين وجاءه كتاب أبى العباس أن وجه صالح بن على في طلب مروان فسار صالح بن على من نهر أبى فطرس في ذى القعدة سنة 132 ومعه ابن فتان وعامر بن إسماعيل وأبو عون فقدم صالح بن على أبا عون على مقدمته وعامر بن إسماعيل الحارثى وسار فنزل الرملة ثم سار فنزلوا ساحل البحر وجمع صالح بن على السفن وتجهز يريد مروان وهو بالفرماء فسار على الساحل والسفن حذاءه في البحر حتى نزل العريش وبلغ مروان فأحرق ما كان حوله من علف وطعام وهرب ومضى صالح بن على فنزل النيل ثم سار حتى نزل الصعيد

[ 96 ]

وبلغه أن خيلا لمروان بالساحل يحرقون الاعلاف فوجه إليهم قوادا فأخذوا رجالا فقدموا بهم على صالح وهو بالفسطاط فعبر مروان النيل وقطع الجسر وحرق ما حوله ومضى صالح يتبعه فالتقى هو وخيل لمروان على النيل فاقتتلوا فهزمهم صالح ثم مضى إلى خليج فصادف عليه خيلا لمروان فأصاب منهم طرفا وهزمهم ثم سار إلى خليج آخر فعبروا ورأوا رهجا فظنوه مروان فبعث طليعة عليها الفضل بن دينار ومالك بن قادم فلم يلقوا أحدا ينكرونه فرجعوا إلى صالح فارتحل فنزل موضعا يقال له ذات الساحل ونزل فقدم أبو عون عامر بن إسماعيل الحارثى ومعه شعبة بن كثير المازنى فلقوا خيلا لمروان فهزموهم وأسروا منهم رجالا فقتلوا بعضهم واستحيوا بعضا فسألوا عن مروان فأخبروهم بمكانه على أن يؤمنوهم وساروا فوجدوه نازلا في كنيسة في بوصير فوفوهم في آخر الليل فهرب الجند وخرج إليهم مروان في نفر يسير فأحاطوا به فقتلوه * قال على وأخبرني اسماعيل ابن الحسن عن عامر بن اسماعيل قال لقينا مروان ببوصير ونحن في جماعة يسيرة فشدوا علينا فانضوينا إلى نخل ولو يعلموا بقتلتنا لاهلكونا فقلت لمن معى من أصحابي فإن أصبحنا فرأوا قلتنا وعددنا لم ينج منا أحد وذكرت قول بكير بن ما هان أنت والله تقتل مروان كأنى أسمعك تقول دهيد يا جوانكثان فكسرت جفن سيفى وكسر أصحابي جفون سيوفهم وقلت دهيد يا جوانكثان فكأنها نار صبت عليهم فانهزموا وحمل رجل على مروان فضربه بسيفه فقتله وركب عامر ابن إسماعيل إلى صالح بن على فكتب صالح بن على إلى أمير المؤمنين أبى العباس انا اتبعنا عدوالله الجعدى حتى ألجأناه إلى أرض عدو الله شبيهه فرعون فقتلته بأرضه قال على حدثنا أبو طالب الانصاري قال طعن مروان رجل من أهل البصرة يقال له المغود وهو لا يعرفه فصرعه فصاح صائح صرع أمير المؤمنين وابتدروه فسبق إليه رجل من أهل الكوفة كان يبيع الرمان فاحتز رأسه فبعث عامر بن إسماعيل برأس مروان إلى أبى عون فبعث بها أبو عون إلى صالح بن على وبعث صالح برأسه مع يزيد بن هانئ وكان على شرطه إلى أبى العباس يوم الاحد لثلاث

[ 97 ]

بقين من ذى الحجة سنة 132 ورجع صالح إلى الفسطاط ثم انصرف إلى الشأم فدفع الغنائم إلى أبى عون والسلاح والاموال والرقيق إلى الفضل بن دينار وخلف أبا عون على مصر قال على وأخبرنا أبو الحسن الخراساني قال حدثنا شيخ من بكر بن وائل قال إنى بدير قنى مع بكير بن ماهان ونحن نتحدث إذ مر فتى معه قربتان حتى انتهى إلى دجلة فاستقى ماء ثم رجع فدعاه بكير فقال ما اسمك يا فتى قال عامر قال ابن من قال ابن اسماعيل من بلحارث قال وأنا من بلحارث قال فكن من بنى مسلية قال فأنا منهم قال فأنت والله تقتل مروان لكأنى والله أسمعك تقول يا جوانكتان دهيد * قال على حدثنا الكنانى قال سمعت أشياخنا بالكوفة يقولون مسلية قتلة مروان وقتل مروان يوم قتل وهو ابن اثنتين وستين سنة في قول بعضهم وفى قول آخرين وهو ابن تسع وستين وفى قول آخرين وهو ابن ثمان وخمسين وقتل يوم الاحد لثلاث بقين من ذى الحجة وكانت ولايته من حين بويع إلى أن قتل خمس سنين وعشرة أشهر وستة عشر يوما وكان يكنى أبا عبد الملك وزعم هشام بن محمد أن أمه كانت أم ولد كردية * وقد حدثنى أحمد بن زهير عن على بن محمد عن على بن مجاهد وأبى سنان الجهنى قالا كان يقال إن أم مروان بن محمد كانت لابراهيم بن الاشتر أصابها محمد بن مروان بن الحكم يوم قتل ابن الاشتر فأخذها من ثقله وهى تتنيق فولدت مروان على فراشه فلما قام أبو العباس دخل عليه عبد الله بن عياش المنتوف فقال الحمد لله الذى أبدلنا بحمار الجزيرة وابن أمة النخع ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عبد المطلب (وفى هذه السنة) قتل عبد الله بن على من قتل بنهر أبى فطرس من بنى أمية وكانوا اثنين وسبعين رجلا (وفيها) خلع أبو الورد أبا العباس بقنسرين فبيض وبيضوا معه ذكر الخبر عن تبيض أبى الورد وما آل إليه أمره وأمر من بيض معه وكان سبب ذلك فيما حدثنى أحمد بن زهير قال حدثنى عبد الوهاب بن إبراهيم قال حدثنى أبو هاشم مخلد بن محمد بن صالح قال كان أبو الورد واسمه مجزاة بن الكوثر

[ 98 ]

ابن زفر بن الحارث الكلابي من أصحاب مروان وقواده وفرسانه فلما هزم مروان وأبو الورد بقنسرين قدمها عبد الله بن على فبايعه ودخل فيما دخل فيه جنده من الطاعة وكان ولد مسلمة بن عبد الملك مجاورين له ببالس والناعورة فقدم بالس قائد من قواد عبد الله بن على من الازار مردين في مائة وخمسين فارسا فبعث بولد مسلمة بن عبد الملك ونسائهم فشكا بعضهم ذلك إلى أبى الورد فخرج من مزرعة يقال لها زراعة بنى زفر ويقال لها خساف في عدة من أهل بيته حتى هجم على ذلك القائد وهو نازل في حصن مسلمة فقاتله حتى قتله ومن معه وأظهر التبييض والخلع لعبدالله بن على ودعا أهل قنسرين إلى ذلك فبيضوا فأجمعهم وأبو العباس يومئذ بالحيرة وعبد الله بن على يومئذ مشتغل بحرب حبيب بن مرة المرى فقاتله بأرض البلقاء والبثنية وحوران وكان قد لقيه عبد الله بن على في جموعه فقاتلهم وكان بينه وبينهم وقعات وكان من قواد مروان وفرسانه وكان سبب تبييضه الخوف على نفسه وعلى قومه فبايعته قيس وغيرهم ممن يليهم من أهل تلك الكور البثنية وحوران فلما بلغ عبد الله بن على تبييضهم دعا حبيب بن مرة إلى الصلح فصالحه وآمنه ومن معه وخرج متوجها نحو قنسرين للقاء أبى الورد فمر بدمشق فخلف فيها أبا غانم عبد الحميد بن ربعى الطائى في أربعة آلاف رجل من جنده وكان بدمشق يومئذ امرأة عبد الله بن على أم البنين بنت محمد بن عبد المطلب النوفلية أخت عمرو بن محمد وأمهات أولاد لعبدالله وثقل له فلما قدم حمص في وجهه ذلك انتقض عليه بعده أهل دمشق فبيضوا ونهضوا مع عثمان بن عبد الاعلى بن سراقة الازدي قال فلقوا أبا غانم ومن معه فهزموه وقتلوا من أصحابه مقتلة عظيمة وانتهبوا ما كان عبد الله ابن على خلف من ثقله ومتاعه ولم يعرضوا لاهله وبيض أهل دمشق واستجمعوا على الخلاف ومضى عبد الله بن على وقد كان تجمع مع أبى الورد جماعة أهل قنسرين وكاتبوا من يليهم من أهل حمص وتدمر وقدمهم ألوف عليهم أبو محمد ابن عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبى سفيان فرأسوا عليهم أبا محمد ودعوا إليه وقالوا هو السفياني الذى كان يذكروهم في نحو من أربعين ألفا فلما دنامنهم

[ 99 ]

عبد الله بن على وأبو محمد معسكر في جماعته بمرج يقال له مرج الاخرم وأبو الورد المتولي لامر العسكر والمدبر له وصاحب القتال والوقائع وجه عبد الله أخاه عبد الصمد ابن على في عشرة آلاف من فرسان من معه فناهضهم أبو الورد ولقيهم فيما بين العسكرين واشتجر القتل فيما بين الفريقين وثبت القوم وانكشف عبد الصمد ومن معه وقتل منهم يومئذ ألوف وأقبل عبد الله حيث أتاه عبد الصمد ومعه حميد بن قحطبة وجماعة من معه من القواد فالتقوا ثانية بمرج الاخرم فاقتتلوا قتالا شديدا وانكشف جماعة ممن كان مع عبد الله ثم ثابوا وثبت لهم عبد الله وحميد بن قحطبة فهزموهم وثبت أبو الورد في نحو من خمسمائة من أهل بيته وقومه فقتلوا جميعا وهرب أبو محمد ومن معه من الكلبية حتى لحقوا بتدمر وآمن عبد الله أهل قنسرين وسودوا وبايعوا ودخلوا في طاعته ثم انصرف راجعا إلى أهل دمشق لما كان من تبييضهم عليه وهزيمتهم أبا غانم فلما دنا من دمشق هرب الناس وتفرقوا ولم يكن بينهم وقعة وآمن عبد الله أهلها وبايعوه ولم يأخذهم بما كان منهم قال ولم يزل أبو محمد متغيبا هاربا ولحق بأرض الحجاز وبلغ زياد بن عبيد الله الحارثى عامل أبى جعفر مكانه الذى تغيب فيه فوجه إليه خيلا فقاتلوه حتى قتل وأخذا بنين له أسيرين فبعث زياد برأس أبى محمد وابنيه إلى أبى جعفر أمير المؤمنين فأمر بتخلية سبيلهما وآمنهما (وأما على بن محمد) فانه ذكر أن النعمان أبا السرى حدثه وجبلة ابن فروخ وسليمان بن داود وأبو صالح المروزى قالوا خلع أبو الورد بقنسرين فكتب أبو العباس إلى عبد الله بن على وهو بفطرس أن يقاتل أبا الورد ثم وجه عبد الصمد إلى قنسرين في سبعة آلاف وعلى حرسه مخارق بن غفار وعلى شرطه كلثوم بن شبيب ثم وجه بعده ذؤيب بن الاشعث في خمسة آلاف ثم جعل يوجه الجنود فلقى عبد الصمد أبا الورد في جمع كثير فانهزم الناس عن عبد الصمد حتى أتوا حمص فبعث عبد الله بن على العباس بن يزيد بن زياد ومروان الجرجاني وأبا المتوكل الجرجاني كل رجل في أصحابه إلى حمص وأقبل عبد الله ابن على بنفسه فنزل على أربعة أميال من حمص وعبد الصمد بن على بحمص وكتب

[ 100 ]

عبد الله إلى حميد بن قحطبة فقدم عليه من الاردن وبايع أهل قنسرين لابي محمد السفياني زياد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية وأبو الورد بن... وبايعه الناس وأقام أربعين يوما وأتاهم عبد الله بن على ومعه عبد الصمد وحميد بن قحطبة فالتقوا فاقتتلوا أشد القتال بينهم واضطرهم أبو محمد إلى شعب ضيق فجعل الناس يتفرقون فقال حميد بن قحطبة لعبدالله بن على علام نقيم هم يزيدون وأصحابنا ينقصون ناجزهم فاقتتلوا يوم الثلاثاء في آخر يوم من ذى الحجة سنة 133 وعلى ميمنة أبى محمد أبو الورد وعلى ميسرته الاصبغ بن ذؤالة فجرح أبو الورد فحمل إلى أهله فمات ولجأ قوم من أصحاب أبى الورد إلى أجمة فأحرقها عليهم وقد كان أهل حمص نقضوا وأرادوا إيثار أبى محمد فلما بلغهم هزيمته أقاموا (وفى هذه السنة) خلع حبيب بن مرة المرى وبيض هو ومن معه من أهل الشأم ذكر الخبر عن ذلك ذكر على عن شيوخه قال بيض حبيب بن مرة المرى وأهل البثنية وحوران وعبد الله بن على في عسكر أبى الورد الذى قتل فيه * وقد حدثنى أحمد بن زهير قال حدثنا عبد الوهاب بن إبراهيم قال حدثنا أبو هاشم مخلد بن محمد قال كان تبييض حبيب بن مرة وقتاله عبد الله بن على قبل تبييض أبى الورد وإنما بيض أبو الورد وعبد الله مشتغل بحرب حبيب بن مرة المرى بأرض البلقاء أو البثنية وحوران وكان قد لقيه عبد الله بن على في جموعه فقاتله وكان بينه وبينه وقعات وكان من قواد مروان وفرسانه وكان سبب تبييضه الخوف على نفسه وقومه فبايعه قيس وغيرهم ممن يليهم من أهل تلك الكور البثنية وحوران فلما بلغ عبد الله بن على تبييض أهل قنسرين دعا حبيب بن مرة إلى الصلح فصالحه وآمنه ومن معه وخرج متوجها إلى قنسرين للقاء أبى الورد (وفى هذه السنة) بيض أيضا أهل الجزيرة وخلعوا أبا العباس ذكر الخبر عن أمرهم وما آل إليه حالهم فيه * حدثنى أحمد بن زهير قال حدثنا عبد الوهاب بن إبراهيم قال حدثنا أبو هاشم

[ 101 ]

مخلد بن محمد قال كان أهل الجزيرة بيضوا ونقضوا حيث بلغهم خروج أبى الورد وانتقاض أهل قنسرين وساروا إلى حران وبحران يومئذ موسى بن كعب في ثلاثة آلاف من الجند فتشبث بمدينتها وساروا إليه مبيضين من كل وجه وحاصروه ومن معه وأمرهم مشتت ليس عليهم رأس يجمعهم وقدم على تفيئة ذلك إسحاق ابن مسلم من أرمينية وكان شخص عنها حين بلغه هزيمة مروان فرأسه أهل الجزيرة عليهم وحاصر موسى بن كعب نحوا من شهرين ووجه أبو العباس أبا جعفر فيمن كان معه من الجنود التى كانت بواسط محاصرة ابن هبيرة فمضى حتى مر بقرقيسيا وأهلها مبيضون وقد غلقوا أبوابها دونهم ثم قدم مدينة الرقة وهم على ذلك وبها بكار بن مسلم فمضى نحو حران ورحل اسحق بن مسلم إلى الرهاء وذلك في سنة 133 وخرج موسى بن كعب فيمن معه من مدينة حران فلقوا أبا جعفر وقدم بكار على أخيه اسحاق بن مسلم فوجهه إلى جماعة ربيعة بدار أو ماردين ورئيس ربيعة يومئذ رجل من الحرورية يقال له بريكة فصمد إليه أبو جعفر فلقيهم فقاتلوه بها قتالا شديدا وقتل بريكة في المعركة وانصرف بكار إلى أخيه اسحاق بالرهاء فخلفه إسحاق بها ومضى في عظم العسكر إلى سميساط فخندق على عسكره وأقبل أبو جعفر في جموعه حتى قابله بكار بالرهاء وكانت بينهما وقعات وكتب أبو العباس إلى عبد الله بن على في المسير بجنوده إلى إسحاق بسميساط فأقبل من الشأم حتى نزل بإزاء إسحاق بسميساط وهم في ستين ألفا أهل الجزيرة جميعا وبينهما الفرات وأقبل أبو جعفر من الرهاء فكاتبهم إسحاق وطلب إليهم الامان فأجابوا إلى ذلك وكتبوا إلى أبى العباس فأمرهم أن يؤمنوه ومن معه فكتبوا بينهم كتابا ووثقوا له فيه فخرج إسحاق إلى أبى جعفر وتم الصلح بينهما وكان معه من آثرا أصحابه عنده فاستقام أهل الجزيرة وأهل الشأم وولى أبو العباس أبا جعفر الجزيرة وأرمينية وأذربيجان فلم يزل على ذلك حتى استخلف وقد ذكر أن إسحاق بن مسلم العقيلى هذا أقام بسميساط سبعة أشهر وأبو جعفر محاصره وكان يقول في عنقي بيعة فأنا لا أدعها حتى أعلم أن صاحبها قد مات أو قتل فأرسل إليه أبو جعفر أن مروان قد قتل فقال

[ 102 ]

حتى أتيقن ثم طلب الصلح وقال قد علمت أن مروان قد قتل فآمنه أبو جعفر وصار معه وكان عظيم المنزلة عنده (وقد قيل) إن عبد الله بن على هو الذى آمنه (وفى هذه السنة) شخص أبو جعفر إلى أبى مسلم بخراسان الاستطلاع رأيه في قتل أبى سلمة حفص بن سليمان ذكر الخبر عن سبب مسير أبى جعفر في ذلك وما كان من أمره وأمر أبى مسلم في ذلك قد مضى ذكرى قبل أمر أبى سلمة وما كان من فعله في أمر أبى العباس ومن كان معه من بنى هاشم عند قدومهم الكوفة الذى صاربه عندهم متهما فذكر على ابن محمد أن جبلة بن فروخ قال وقال يزيد بن أسيد قال أبو جعفر لما ظهر أبو العباس أمير المؤمنين سمرنا ذات ليلة فذكرنا ما صنع أبو سلمة فقال رجل منا ما يدريكم لعل ما صنع أبو سلمة كان عن رأى أبى مسلم فلم ينطق منا أحد فقال أمير المؤمنين أبو العباس لئن كان هذا عن رأى أبى مسلم إنا لبعرض بلاء إلا أن يدفعه الله عنا وتفرقنا فأرسل إلى أبو العباس فقال ما ترى فقلت الرأى رأيك فقال ليس منا أحد أخص بأبى مسلم منك فاخرج إليه حتى تعلم ما رأيه فليس يخفى عليك فلو قد لقيته فإن كان عن رأيه أخذنا لانفسنا وإن لم يكن عن رأيه طابت أنفسنا فخرجت على وجل فلما انتهينا إلى الرى إذا صاحب الرى قد أتاه كتاب أبى مسلم إنه بلغني أن عبد الله بن محمد توجه اليك فإذا قدم فأشخصه ساعة قدومه عليك فلما قدمت أتانى عامل الرى فأخبرني بكتاب أبى مسلم وأمرني بالرحيل فازددت وجلا وخرجت من الرى وأنا حذر خائف فسرت فلما كنت بنيسابور إذا عاملها قد أتانى بكتاب أبى مسلم إذا قدم عليك عبد الله بن محمد فأشخصه ولا تدعه فان أرضك أرض خوارج ولا آمن عليه فطابت نفسي وقلت أراه يعنى بأمرى فسرت فلما كنت من مرو على فرسخين تلقاني أبو مسلم في الناس فلما دنا أبو مسلم منى أقبل يمشى إلى حتى قبل يدى فقلت اركب فركب فدخل مرو فنزلت دارا فمكثت ثلاثة أيام لا يسألني عن شئ ثم قال لى في اليوم الرابع ما أقدمك

[ 103 ]

فأخبرته فقال فعلها أبو سلمة أكفيكموه فدعا مرار بن أنس الضبى فقال انطلق إلى الكوفة فاقتل أبا سلمة حيث لقيته وانته في ذلك إلى رأى الامام فقد مرار الكوفة فكان أبو سلمة يسمر عند أبى العباس فقعد في طريقه فلما خرج قتله وقالوا قتله الخوارج قال على فحدثني شيخ من بنى سليم عن سالم قال صحبت أبا جعفر من الرى إلى خراسان وكنت حاجبه فكان أبو مسلم يأتيه فينزل على باب الدار ويجلس في الدهليز ويقول استأذن لى فغضب أبو جعفر على وقال ويلك إذا رأيته فافتح له الباب وقل له يدخل على دابته ففعلت وقلت لابي مسلم إنه قال كذا وكذا قال نعم أعلم واستأذن لى عليه وقد قيل إن أبا العباس قد كان تنكر لابي سلمة قبل ارتحاله من عسكره بالنخيلة ثم تحول عنه إلى المدينة الهاشمية فنزل قصر الامارة بها وهو متنكر له قد عرف ذلك منه وكتب إلى أبى مسلم يعلمه رأيه وما كان هم به من الغش وما يتخوف منه فكتب أبو مسلم إلى أمير المؤمنين إن كان اطلع على ذلك منه فليقتله فقال داود بن على لابي العباس لا تفعل يا أمير المؤمنين فيحتج عليك بها أبو مسلم وأهل خراسان الذين معك وحاله فيهم حاله ولكن اكتب إلى أبى مسلم فليبعث إليه من يقتله فكتب إلى أبى مسلم بذلك فبعث لذلك أبو مسلم مرار بن أنس الضبى فقدم على أبى العباس في المدينة الهاشمية وأعلمه سبب قدومه فأمر أبو العباس مناديا فنادى إن أمير المؤمنين قد رضى عن أبى سلمة ودعاه وكساه ثم دخل عليه بعد ذلك ليلة فلم يزل عنده حتى ذهب عامة الليل ثم خرج منصرفا إلى منزله يمشى وحده حتى دخل الطاقات فعرض له مرار بن أنس ومن كان معه من أعوانه فقتلوه وأغلقت أبواب المدينة وقالوا قتل الخوارج أبا سلمة ثم أخرج من الغد فصلى عليه يحيى بن محمد بن على ودفن في المدينة الهاشمية فقال سليمان بن المهاجر البجلى إن الوزير وزير آل محمد * أو دى فمن يشناك كان وزيرا وكان يقال لابي سلمة وزير آل محمد ولابي مسلم أمين آل محمد فلما قتل أبو سلمة وجه أبو العباس أخاه أبا جعفر في ثلاثين رجلا إلى أبى مسلم فيهم الحجاج بن

[ 104 ]

أرطاة وإسحق بن الفضل الهاشمي ولما قدم أبو جعفر على أبى مسلم سايره عبيد الله ابن الحسين الاعرج وسليمان بن كثير معه فقال سليمان بن كثير للاعرج يا هذا إنا كنا نرجو أن يتم أمركم فإذا شئتم فادعونا إلى ما تريدون فظن عبيد الله أنه دسيس من أبى مسلم فخاف ذلك وبلغ أبا مسلم مسايرة سليمان بن كثير إياه وأتى عبيد الله أبا مسلم فذكر له ما قال سليمان وظن أنه إن لم يفعل ذلك اغتاله فقتله فبعث أبو مسلم إلى سليمان بن كثير فقال له أتحفظ قول الامام لى من اتهمته فاقتله قال نعم قال فانى قد اتهمتك فقال أنشدك الله قال لا تناشدني الله وأنت منطو على غش الامام فأمر بضرب عنقه ولم ير أحدا ممن كان يضرب عنقه أبو مسلم غيره فانصرف أبو جعفر من عند أبى مسلم فقال لابي العباس لست خليفة ولا أمرك بشئ إن تركت أبا مسلم ولم تقتله قال وكيف قال والله ما يصنع إلا ما أراد قال أبو العباس اسكت فاكتمها (وفى هذه السنة) وجه أبو العباس أخاه أبا جعفر إلى واسط لحرب يزيد بن عمر بن هبيرة وقد ذكرنا ما كان من أمر الجيش الذين لقوه من أهل خراسان مع قحطبة ثم مع ابنه الحسن بن قحطبة وانهزامه ولحاقه بمن معه من جنود الشأم بواسط متحصنا بها فذكر على بن محمد عن أبى عبد الله السلمى عن عبد الله بن بدر وزهير بن هنيد وبشر بن عيسى وأبى السرى أن ابن هبيرة لما انهزم تفرق الناس عنه وخلف على الاثقال قوما فذهبوا بتلك الاموال فقال له حوثرة أين تذهب وقد قتل صاحبهم امض إلى الكوفة ومعك جند كثير فقاتلهم حتى تقتل أو تظفر قال بل نأتى واسطا فننظر قال ما تزيد على أن تمكنه من نفسك وتقتل فقال له يحيى بن حضين إنك لا تأتى مروان بشئ أحب إليه من هذه الجنود فالزم الفرات حتى تقدم عليه وإياك وواسط فتصير في حصار وليس بعد الحصار إلا القتل فأبى وكان يخاف مروان لانه كان يكتب إليه في الامر فيخالفه فخافه إن قدم عليه أن يقتله فأتى واسط فدخلها وتحصن بها وسرح أبو سلمة الحسن بن قحطبة فخندق الحسن وأصحابه ونزلوا فيما بين الزاب ودجلة وضرب الحسن سرادقه حيال باب المضمار فأول وقعة كانت بينهم يوم الاربعاء فقال

[ 105 ]

أهل الشأم لابن هبيرة ائذن لنا في قتالهم فأذن لهم فخرجوا وخرج ابن هبيرة وعلى ميمنته ابنه داود ومعه محمد بن نباتة في ناس من أهل خراسان فيهم أبو العود الخراساني فالتقوا وعلى ميمنته الحسن خازم بن خزيمة وابن هبيرة قبالة باب المضمار فحمل خازم على ابن هبيرة فهزموا أهل الشأم حتى ألجؤوهم إلى الخنادق وبادر الناس باب المدينة حتى غص باب المضمار ورمى أصحاب العرادات بالعرادات والحسن واقف وأقبل يسير في الخيل فيما بين النهر والخندق ورجع أهل الشأم فكر عليهم الحسن فحالوا بينه وبين المدينة واضطروهم إلى دجلة فغرق منهم ناس كثير فتلقوهم بالسفن فحملوهم وألقى ابن نباتة يومئذ سلاحه واقتحم فتبعوه بسفينة فركب وتحاجزوا فمكثوا سبعة أيام ثم خرجوا إليهم يوم الثلاثاء فاقتتلوا فحمل رجل من أهل الشأم على أبى حفص هزار مرد فضربه وانتمى أنا الغلام السلمى وضربه أبو حفص وانتمى أنا الغلام العتكى فصرعه وانهزم أهل الشأم هزيمة قبيحة فدخلوا المدينة فمكثوا ما شاء الله لا يقتتلون إلا رميا من وراء الفصيل وبلغ ابن هبيرة وهو في الحصار أن أبا أمية التغلبي قد سود فأرسل أبا عثمان إلى منزله فدخل على أبى أمية في قبته فقال إن الامير أرسلني إليك لافتش قبتك فان كان فيها سواد علقته في عنقك وحبلا ومضيت بك إليه وإن لم يكن في بيتك سواد فهذه خمسون ألفا صلة لك فأبى أن يدعه أن يفتش قبتة فذهب به إلى ابن هبيرة فحبسه فتكلم في ذلك معن بن زائدة وناس من ربيعة وأخذوا ثلاثة من بنى فزارة فحبسوهم وشتموا ابن هبيرة فجاءهم يحيى بن حضين فكلمهم فقالوا لا نخلى عنهم حتى يخلى عن صاحبنا فأبى ابن هبيرة فقال له ما تفسد إلا على نفسك وأنت محصور خل سبيل هذا الرجل قال لا ولا كرامة فرجع ابن حضين إليهم فأخبرهم فاعتزل معن وعبد الرحمن بن بشير العجلى فقال ابن حضين لابن هبيرة هؤلاء فرسانك قد أفسدتهم وإن تماديت في ذلك كانوا أشد عليك ممن حصرك فدعا أبا أمية فكساه وخلى سبيله فاصطلحوا وعادوا إلى ما كانوا عليه وقدم أبو نصر مالك بن الهيثم من ناحية سجستان فأوفد الحسن بن قحطبة وفدا إلى أبى العباس

[ 106 ]

بقدوم أبى نصر عليه وجعل على الوفد غيلان بن عبد الله الخزاعى وكان غيلان واجدا على الحسن لانه سرحه إلى روح بن حاتم مددا له فلما قدم على أبى العباس قال أشهد أنك أمير المؤمنين وأنك حبل الله المتين وأنك إمام المتقين قال حاجتك يا غيلان قال أستغفرك قال غفر الله لك فقال داود بن على وفقك الله يا أبا فضالة فقال له غيلان يا أمير المؤمنين من علينا برجل من أهل بيتك قال أو ليس عليكم رجل من أهل بيتى الحسن بن قحطبة قال يا أمير المؤمنين من علينا برجل من أهل بيتك فقال أبو العباس مثل قوله الاول فقال يا أمير المؤمنين من علينا برجل من أهل بيتك ننظر إلى وجهه وتقرأ عيننا به قال نعم يا غيلان فبعث أبا جعفر فجعل غيلان على شرطه فقدم واسطا فقال أبو نصر لغيلان ما أردت إلا ما صنعت قال به بود فمكث أياما على الشرط ثم قال لابي جعفر لا أقوى على الشرط ولكني أدلك على من هو أجلد منى قال من هو قال جهوربن مرار قال لا أقدر على عزلك لان أمير المؤمنين استعملك قال اكتب إليه فأعلمه فكتب إليه فكتب إليه أبو العباس أن اعمل برأى غيلان فولى شرطه جهورا وقال أبو جعفر للحسن ابغنى رجلا أجعله على حرسي قال من قدر ضيته لنفسي عثمان بن نهيك فولى الحرس قال بشر بن عيسى ولما قدم أبو جعفر واسطاتحول له الحسن عن حجرته فقاتلهم وقاتلوه فقاتلهم أبو نصر يوما فانهزم أهل الشأم إلى خنادقهم وقد كمن لهم معن وأبو يحيى الجذامي فلما جاوزهم أهل خراسان خرجوا عليهم فقاتلوهم حتى أمسوا وترجل لهم أبو نصر فاقتتلوا عند الخنادق ورفعت لهم النيران وابن هبيرة على برج باب الخلالين فاقتتلوا ما شاء الله من الليل وسرح ابن هبيرة إلى معن أن ينصرف فانصرف ومكثوا أياما وخرج أهل الشأم أيضا مع محمد بن نباتة ومعن بن زائدة وزياد بن صالح وفرسان من فرسان أهل الشأم فقاتلهم أهل خراسان فهزموهم إلى دجلة فجعلوا يتساقطون في دجلة فقال أبو نصر يا أهل خراسان مردمان خانئه بيابان هستيد وبرخيزيد فرجعوا وقد صرع ابنه فحماه روح بن حاتم فمر به أبوه فقال له بالفارسية قد قتلوك يا بنى لعن الله الدنيا بعدك وحملوا على أهل الشأم فهزموهم حتى أدخلوهم مدينة واسط فقال بعضهم

[ 107 ]

لبعض لا والله لا تفلح بعد عشيتنا أبدا خرجنا عليهم ونحن فرسان أهل الشأم فهزمونا حتى دخلنا المدينة وقتل تلك العشية من أهل خراسان بكار الانصاري ورجل من أهل خراسان كانا من فرسان أهل خراسان وكان أبو نصر في حصار ابن هبيرة يملا السفن حطبا ثم يضرمها بالنار لتحرق ما مرت به فكان ابن هبيرة يهيئ حراقات كان فيها كلاليب تجر تلك السفن فمكثوا بذلك أحد عشر شهرا فلما طال ذلك عليهم طلبوا الصلح ولم يطلبوه حتى جاءهم خبر قتل مروان أتاهم به اسماعيل بن عبد الله القسرى وقال لهم علام تقتلون أنفسكم وقد قتل مروان وقد قيل إن أبا العباس وجه أبا جعفر عند مقدمه من خراسان منصرفا من عند أبى مسلم إلى ابن هبيرة لحربه فشخص جعفر حتى قدم على الحسن بن قحطبة وهو محاصر ابن هبيرة بواسط فتحول له الحسن عن منزله فنزله أبو جعفر فلما طال الحصار على ابن هبيرة وأصحابه تجنى عليه أصحابه فقالت اليمانية لا نعين مروان وآثاره فينا آثاره وقالت النزارية لا نقاتل حتى تقاتل معنا اليمانية وكان انما يقاتل معه الصعاليك والفتيان وهم ابن هبيرة أن يدعو إلى محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن فكتب إليه فابطأ جوابه وكاتب أبو العباس اليمانية من أصحاب ابن هبيرة وأطمعهم فخرج إليه زياد بن صالح وزياد بن عبيد الله الحارثيان ووعدا ابن هبيرة ان يصلحا له ناحية أبى العباس فلم يفعلا وجرت السفراء بين أبى جعفر وبين ابن هبيرة حتى جعل له أمانا وكتب به كتابا مكث يشاور فيه العلماء أربعين يوما حتى رضيه ابن هبيرة ثم أنفذه إلى أبى جعفر فأنفذه أبو جعفر إلى أبى العباس فأمره بامضائه وكان رأى أبى جعفر الوفاء له بما أعطاه وكان أبو العباس لا يقطع أمرا دون أبى مسلم وكان أبو الجهم عينا لابي مسلم على أبى العباس فكتب إليه بأخباره كلها فكتب أبو مسلم إلى أبى العباس إن الطريق السهل إذا ألقيت فيه الحجارة فسد لا والله لا يصلح طريق فيه ابن هبيرة ولما تم الكتاب خرج ابن هبيرة إلى أبى جعفر في ألف وثلثمائة من البخارية فأراد أن يدخل الحجرة على دابته فقام إليه الحاجب سلام بن سليم فقال مرحبا بك أبا خالد انزل راشدا وقد أطاف بالحجرة نحو من عشرة آلاف من أهل

[ 108 ]

خراسان فنزل ودعا له بوسادة ليجلس عليها ثم دعا بالقواد فدخلوا ثم قال سلام ادخل أبا خالد فقال له أنا ومن معى فقال إنما استأذنت لك وحدك فقام فدخل ووضعت له وسادة فجلس عليها فحادثه ساعة ثم قام وأتبعه أبو جعفر بصره حتى غاب عنه ثم مكث يقيم عنه يوما ويأتيه يوما في خمسمائة فارس وثلثمائة راجل فقال يزيد بن حاتم لابي جعفر أيها الامير إن ابن هبيرة ليأتي فيتضعضع له العسكر وما نقص من سلطانه شئ فإذا كان يسير في هذه الفرسان والرجالة فما يقول عبد الجبار وجهور فقال أبو جعفر لسلام قل لا بن هبيرة يدع الجماعة ويأتينا في حاشيته فقال له سلام ذلك فتغير وجهه وجاء في حاشيته نحوا من ثلاثين فقال له سلام كأنك تأتى مباهيا فقال إن أمرتم أن نمشي إليكم مشينا فقال ما أردنا بك استخفافا ولا أمر الامير بما أمر به إلا نظرا لك فكان بعد ذلك يأتي في ثلاثة وذكر أبو زيد أن محمد بن كثير حدثه قال كلم ابن هبيرة يوما أبا جعفر فقال يا هناه أو يا أيها المرء ثم رجع فقال أيها الامير إن عهدي بكلام الناس بمثل ما خاطبتك به حديث فسبقني لساني إلى ما لم أرده وألح أبو العباس على أبى جعفر يأمره بقتله وهو يراجعه حتى كتب إليه والله لتقتلنه أو لارسلن إليه من يخرجه من حجرتك ثم يتولى قتله فأزمع على قتله فبعث خازم بن خزيمة والهيثم ابن شعبة بن ظهير وأمرهما بختم بيوت الاموال ثم بعث إلى وجوه من معه من القيسية والمضرية فأقبل محمد بن نباتة وحوثرة بن سهيل وطارق بن قدامة وزياد ابن سويد وأبو بكر بن كعب العقيلى وأبان وبشر ابنا عبد الملك بن بشر في اثنين وعشرين رجلا من قيس وجعفر بن حنظلة وهزان بن سعد قال فخرج سلام بن سليم فقال أبو حوثرة ومحمد بن نباتة فقاما فدخلا وقد أجلس عثمان بن نهيك والفضل بن سليمان وموسى بن عقيل في مائة في حجرة دون حجرته فنزعت سيوفهما وكتفا ثم دخل بشر وأبان ابنا عبد الملك بن بشر ففعل بهما ذلك ثم دخل أبو بكر بن كعب وطارق بن قدامة فقام جعفر بن حنظلة فقال نحن رؤساء الاجناد ولم يكون هؤلاء يقدمون علينا فقال ممن أنت قال من بهراء فقال وراءك

[ 109 ]

أوسع لك ثم قام هزان فتكلم فأخر فقال روح بن حاتم يا أبا يعقوب نزعت سيوف القوم فخرج عليهم موسى بن عقيل فقالوا له أعطيتمونا عهد الله ثم خستم به إنا لنرجو أن يدرككم الله وجعل ابن نباتة يضرب في لحية نفسه فقال له حوثرة إن هذا لا يغنى عنك شيئا فقال كأنى كنت أنظر إلى هذا فقتلوا وأخذت خواتيمهم وانطلق خازم والهيثم بن شعبة والاغلب بن سالم في نحو من مائة فأرسلوا إلى ابن هبيرة إنا نريد حمل المال فقال ابن هبيرة لحاجبه يا أبا عثمان انطلق فدلهم عليه فأقاموا عند كل بيت نفرا ثم جعلوا ينظرون في نواحى الدار ومع ابن هبيرة ابنه داود وكاتبه عمرو بن أيوب وحاجبه وعدة من مواليه وبنى له صغير في حجره فجعل ينكر نظرهم فقال أقسم بالله إن في وجوه القوم لشرا فأقبلوا نحوه فقام حاجبه في وجوههم فقال ما وراءكم فضربه الهيثم بن شعبة على حبل عاتقه فصرعه وقاتل ابنه داود فقتل وقتل مواليه ونحى الصبى من حجره وقال دونكم هذا الصبى وخر ساجدا فقتل وهو ساجد ومضوا برؤوسهم إلى أبى جعفر فنادى بالامان للناس إلا للحكم بن عبد الملك بن بشر وخالد بن سلمة المخزومى وعمر بن ذر فاستأمن زياد بن عبيد الله لابن ذر فآمنه أبو العباس وهرب الحكم وآمن أبو جعفر خالدا فقتله أبو العباس ولم يجز أمان أبى جعفر وهرب أبو علاقة وهشام بن هشيم بن صفوان بن مزيد الفزاريان فلحقهما حجر بن سعيد الطائى فقتلهما على الزاب فقال أبو عطاء السندي يرثيه: ألا إن عينا لم تجد يوم واسط * عليك بجارى دمعها لجمود عشية قام النائحات وشققت * جيوب بأيدى مأتم وخدود فإن تمس مهجور الفناء فربما * أقام به بعد الوفود وفود فإنك لم تبعد على متعهد * بلى كل من تحت التراب بعيد وقال منقذ بن عبد الرحمن الهلالي يرثيه منع العزاء حرارة الصدر * والحزن عقد عزيمة الصبر لما سمعت بوقعة شملت * بالشيب لون مفارق الشعر

[ 110 ]

أفنى الحماة الغر أن عرضت * دون الوفاء حبائل الغدر مالت حبائل أمرهم بفتى * مثل النجوم حففن بالبدر عالى نعيهم فقلت له * هلا أتيت بصيحة الحشر لله درك من زعمت لنا * أن قد حوته حوادث الدهر من للمنابر بعد مهلكهم * أو من يسد مكارم الفخر فإذا ذكرتهم شكا ألما * قلبى لفقد فوارس زهر قتلى بدجلة ما يغمهم * إلا عباب زواخر البحر فلتبك نسوتنا فوارسها * خير الحماة ليالى الذعر وذكر أبو زيد أن أبا بكر الباهلى حدثه قال حدثنى شيخ من أهل خراسان قال كان هشام بن عبد الملك خطب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة ابنته على ابنه معاوية فأبى أن يزوجه فجرى بعد ذلك بين يزيد بن عمر وبين الوليد بن القعقاع كلام فبعث به هشام إلى الوليد بن القعقاع فضربه وحبسه فقال ابن طيسلة: يا قل خير رجال لا عقول لهم * من يعدلون إلى المحبوس في حلب إلى امرئ لم تصبه الدهر معضلة * إلا استقل بها مسترخى اللبب وقيل إن أبا العباس لما وجه أبا جعفر إلى واسط لقتال ابن هبيرة كتب إلى لحسن بن قحطبة إن العسكر عسكرك والقواد قوادك ولكن أحببت أن يكون أخى حاضرا فاسمع له وأطع وأحسن موازرته وكتب إلى أبى نصر مالك بن الهيثم بمثل ذلك فكان الحسن المدبر لذلك العسكر بأمر المنصور (وفى هذه السنة) وجه أبو مسلم محمد بن الاشعث على فارس وأمره أن يأخذ عمال أبى سلمة فيضرب أعناقهم ففعل ذلك (وفى هذه السنة) وجه أبو العباس عمه عيسى بن على على فارس وعليها محمد بن الاشعث فهم به فقيل له إن هذا لا يسوغ لك فقال بلى أمرنى أبو مسلم ألا يقدم على أحد يدعى الولاية من غيره إلا ضربت عنقه ثم ارتدع عن ذلك لما تخوف من عاقبته فاستخلف عيسى بالايمان المحرجة أن لا يعلو متبرا ولا يتقلد سيفا إلا في جهاد فلم يل عيسى بعد ذلك عملا ولا تقلد سيفا

[ 111 ]

إلا في غزو ثم وجه أبو العباس بعد ذلك إسماعيل بن على واليا على فارس (وفى هذه السنة) وجه أبو العباس أخاه أبا جعفر واليا على الجزيرة وأذربيجان وأرمينية ووجه أخاه يحيى بن محمد بن على واليا على الموصل (وفيها) عزل عمه داود بن على عن الكوفة وسوادها وولاه المدينة ومكة واليمن واليمامة وولى موضعه وما كان إليه من عمل الكوفة وسوادها عيسى بن موسى (وفيها) عزل مروان وهو بالجزيرة عن المدينة الوليد بن عروة وولاها أخاه يوسف بن عروة فذكر الواقدي أنه قدم المدينة لاربع خلون من شهر ربيع الاول (وفيها) استقضى عيسى بن موسى على الكوفة ابن أبى ليلى * وكان العامل على البصرة في هذه السنة سفيان بن معاوية المهلبى وعلى قضائها الحجاج بن أرطاة وعلى فارس محمد بن الاشعث وعلى السند منصور بن جمهور وعلى الجزيرة وأرمينية وأذربيجان عبد الله بن محمد وعلى الموصل يحيى بن محمد وعلى كور الشأم عبد الله ابن على وعلى مصر أبو عون عبد الملك بن يزيد وعلى خراسان والحبال أبو مسلم وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك (وحج) بالناس في هذه السنة داود بن على ابن عبد الله بن العباس ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائة ذكر ما كان في هذه السنة من الاحداث (فمن ذلك) ما كان من توجيه أبى العباس عمه سليمان بن على واليا على البصرة وأعمالها وكور دجلة والبحرين وعمان مهرجا نفذق وتوجيهه أيضا عمه إسماعيل بن على على كور الاهواز (وفيها) قتل داود بن على من كان أخذ من بنى أمية بمكة والمدينة (وفيها) مات داود بن على بالمدينة في شهر ربيع الاول وكانت ولايته فيما ذكر محمد بن عمر ثلاثة أشهر واستخلف داود بن على حين حضرته الوفاة على عمله ابنه موسى ولما بلغت أبا العباس وفاته وجه على المدينة ومكة والطائف واليمامة خالد زياد بن عبيد الله بن عبد الله بن

[ 112 ]

عبد المدان الحارئى ووجه محمد بن يزيد بن عبد الله بن عبد المدان على اليمن فقدم اليمن في جمادى الاولى فأقام زياد بالمدينة ومضى محمد إلى اليمن ثم وجه زياد بن عبيد الله من المدينة إبراهيم بن حسان السلمى وهو أبو حماد الابرص إلى المثنى ابن يزيد بن عمر بن هبيرة وهو باليمامة فقتله وقتل أصحابه (وفيها) كتب أبو العباس إلى أبى عون باقراره على مصر واليا عليها وإلى عبد الله وصالح ابني على على أجناد الشأم (وفيها) توجه محمد بن الاشعث إلى إفريقية فقاتلهم قتالا شديدا حتى فتحها (وفيها) خرج شريك بن شيخ المهرى بخراسان على أبى مسلم ببخارى ونقم عليه وقال ما على هذا اتبعنا آل محمد على أن نسفك الدماء ونعمل بغير الحق وتبعه على رأيه أكثر من ثلاثين ألفا فوجه إليه أبو مسلم زياد بن صالح الخزاعى فقاتله فقتله (وفيها) توجه أبو داود خالد بن إبراهيم من الوخش إلى الختل فدخلها ولم يمتنع عليه حنش بن السبل ملكها وأتاه ناس من دهاقين الختل فتحصنوا معه وامتنع بعضهم في الدروب والشعاب والقلاع فلما ألح أبو داود على حنش خرج من الحصن ليلا ومعه دهاقينه وشاكريته حتى انتهوا إلى أرض فرغانة ثم خرج منها في أرض الترك حتى وقع إلى ملك الصين وأخذ أبو داود من ظفر به منهم فجاوز بهم إلى بلخ ثم بعث بهم إلى أبى مسلم (وفيها) قتل عبد الرحمن بن يزيد بن المهلب قتله سليمان الذى يقال له الاسود بأمان كتبه له (وفيها) وجه صالح بن على سعيد بن عبد الله لغزو الصائفة وراء الدروب (وفيها) عزل يحيى بن محمد عن الموصل واستعمل مكانه إسماعيل بن على (وحج) بالناس في هذه السنة زياد بن عبيد الله الحارثى كذلك حدثنى أحمد بن ثابت عمن حدثه عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وغيره * وكان على الكوفة وأرضها عيسى بن موسى وعلى قضائها ابن أبى ليلى وعلى البصرة وأعمالها وكور دجلة والبحرين وعمان والعرض ومهرجا نقذق سليمان بن على وعلى قضائها عباد بن منصور وعلى الاهواز إسماعيل بن على وعلى فارس محمد ابن الاشعث وعلى السند منصور بن جمهور وعلى خراسان والجبال أبو مسلم وعلى

[ 113 ]

قنسرين وحمص وكور دمشق والاردن عبد الله بن على وعلى فلسطين صالح بن على وعلى مصر عبد الملك بن يزيد أبو عون وعلى الجزيرة عبد الله بن محمد المنصور وعلى الموصل اسماعيل بن على وعلى أرمينية صالح بن صبيح وعلى أذربيجان مجاشع بن يزيد وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومائة ذكر ما كان فيها من الاحداث (ففيها) خالف بسام بن ابراهيم بن بسام وخلع وكان من فرسان أهل خراسان وشخص فيما ذكر من عسكر أبى العباس أمير المؤمنين مع جماعة ممن شايعه على ذلك من رأيه مسبشرين بخروجهم ففحص عن أمرهم وإلى أين صاروا حتى وقف على مكانهم بالمدائن فوجه إليهم أبو العباس خازم بن خزيمة فلما لقى بساما ناجزه القتال فانهزم بسام وأصحابه وقتل أكثرهم واستبيح عسكره ومضى خازم وأصحابه في طلبهم في أرض جوخا إلى أن بلغ ماه وقتل كل من لحقه منهزما أو ناصبه القتال ثم انصرف من وجهه ذلك فمر بذات المطامير أو بقرية شبيهة بها وبها من بنى الحارث بن كعب من بنى عبد المدان وهم أخوال أبى العباس ذنبة فمر بهم وهم في مجلس لهم وكانوا خمسة وثلاثين رجلا منهم ومن غيرهم ثمانية عشر رجلا ومن مواليهم سبعة عشر رجلا فلم يسلم عليهم فلما جاز شتموه وكان في قلبه عليهم ما كان لما بلغه عنهم من حال المغيرة بن الفزع وإنه لجأ إليهم وكان من أصحاب بسام ابن ابراهيم فكر راجعا فسألهم عما بلغه من نزول المغيرة بهم فقالوا مر بنا رجل مجتاز لا نعرفه فأقام في قريتنا ليلة ثم خرج عنها فقال لهم أنتم أخوال أمير المؤمنين يأتيكم عدوه فيأمن في قريتكم فهلا اجتمعتم فأخذ تموه فأغلظوا له الجواب فأمر بهم فضربت أعناقهم حميعا وهدمت دورهم وانتهبت أموالهم ثم انصرف إلى أبى العباس وبلغ ما كان من فعل خازم اليمانية فأعظموا ذلك واجتمعت كلمتهم فدخل زياد بن عبيد الله الحارثى على أبى العباس مع عبد الله بن الربيع الحارثى

[ 114 ]

وعثمان بن نهيك وعبد الجبار بن عبد الرحمن وهو يومئذ على شرطة أبى العباس فقالوا يا أمير المؤمنين إن خادما اجترأ عليك بأمر لم يكن أحد من أقرب ولد أبيك ليجترئ عليك به من استخفافه بحقك وقتل أخوالك الذين قطعوا البلاد وأتوك معتزين بك طالبين معروفك حتى إذا صاروا إلى دارك وجوارك وثب عليهم خازم فضرب أعناقهم وهدم دورهم وأنهب أموالهم وأخرب ضياعهم بلا حدث أحد ثوه فهم بقتل خازم فبلغ ذلك موسى بن كعب وأبا الجهم بن عطية فدخل على أبى العباس فقالا بلغنا يا أمير المؤمنين ما كان من تحميل هؤلاء القوم إياك على خازم وإشارتهم عليك بقتله وما هممت به من ذلك وإنا نعيذك بالله من ذلك فان له طاعة وسابقة وهو يحتمل له ما صنع فان شيعتكم من أهل خراسان قد آثروكم على الاقارب من الاولاد والآباء والاخوان وقتلوا من خالفكم وأنت أحق من تغمد إساءة مسيئهم فان كنت لابد مجمعا على قتله فلا تتول ذلك بنفسك وعرضه من المباعث لما أن قتل فيه كنت قد بلغت الذى أردت وإن ظفر كان ظفره لك وأشاروا عليه بتوجيهه إلى من بعمان من الخوارج إلى الجلندى وأصحابه وإلى الخوارج الذين بجزيرة ابن كاوان مع شيبان بن عبد العزيز اليشكرى فأمر أبو العباس بتوجيهه مع سبعمائة رجل وكتب إلى سليمان بن على وهو على البصرة بخملهم في السفن إلى جزيرة ابن كاوان وعمان فشخص (وفى هذه السنة) شخص خازم بن خزيمة إلى عمان فأوقع بمن فيها من الخوارج وغلب عليها وعلى ما قرب منها من البلدان وقتل شيبان الخارجي ذكر الخبر عما كان منه هنالك ذكر أن خازم بن خزيمة شخص في السبعمائة الذين ضمهم إليه أبو العباس وانتخب من أهل بيته وبنى عمه ومواليه ورجال من أهل مرو الروذ قد عرفهم ووثق بهم فسار إلى البصرة فحملهم سليمان بن على وانضم إلى خازم بالبصرة عدة من بنى تميم فساروا حتى أرسوا بجزيرة ابن كاوان فوجه خازم نضلة بن نعيم النهشلي في خمسمائة رجل من أصحابه إلى شيبان فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا فركب شيبان

[ 115 ]

وأصحابه السفن فقطعوا إلى عمان وهم صفرية فلما صاروا إلى عمان نصب لهم الجلندى وأصحابه وهم إباضية فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل شيبان ومن معه ثم سار خازم في البحر بمن معه حتى أرسوا إلى ساحل عمان فخرجوا إلى صحراء فلقيهم الجلندى وأصحابه فاقتتلوا قتالا شديدا وكثر القتل يومئذ في أصحاب خازم وهم يومئذ على ضفة البحر وقتل فيمن قتل أخ لخازم لامه يقال له إسماعيل في تسعين رجلا من أهر مروالروذ ثم تلاقوا في اليوم الثاني فاقتتلوا قتالا شديدا وعلى ميمنته رجل من أهل مرو الروذ يقال له حميد الورتكانى وعلى ميسرته رجل من أهل مرو الروذ يقال له مسلم الارغدى وعلى طلائعه نضلة بن نعيم النهشلي فقتل يومئذ من الخوارج تسعمائة رجل وأحرقوا منهمه نحوا من تسعين رجلا ثم التقوا بعد سبعة أيام من مقدم خازم على رأى أشار به عليه رجل من أهل الصغد وقع بتلك البلاد فأشار عليه أن يأمر أصحابه فيجعلوا على أطراف أسنتهم المشاقة ويرووها بالنقط ويشعلوا فيها النيران ثم يمشوا بها حتى يضرموها في بيوت أصحاب الجلندى وكانت من خشب وخلاف فلما فعل ذلك وأضرمت بيوتهم بالنيران وشغلوا بها وبمن فيها من أولادهم وأهاليهم شد عليهم خازم وأصحابه فوضعوا فيهم السيوف وهم غير ممتنعين منهم وقتل الجلندى فيمن قتل وبلغ عدة من قتل عشر آلاف وبعث خازم برؤوسهم إلى البصرة فمكث بالبصرة أياما ثم بعث بها إلى أبى العباس وأقام خازم بعد ذلك أشهرا حتى أتاه كتاب أبى العباس فإقفاله فقفلوا (وفى هذه السنة) غزا أبو داود خالد بن ابراهيم أهل كش فقتل الاخريد ملكها وهو سامع مطيع قدم عليه قبل ذلك بلخ ثم تلقاه بكندك مما يلى كش وأخذ أبو داود من الاخريد وأصحابه حين قتلهم من الاواني الصينية المنقوشة المذهبة التى لم ير مثلها ومن السروج الصينية ومتاع الصين كله من الديباج وغيره ومن طرف الصين شيئا كثيرا فحمله أبو داود أجمع إلى أبى مسلم وهو بسمرقند وقتل أبو داود دهقان كش في عدة من دهاقينها واستحيا طاران أخا الاخريد وملكه على كش وأخذ ابن النجاح ورده إلى

[ 116 ]

أرضه وانصرف أبو مسلم إلى مرو بعد أن قتل في أهل الصغدو أهل بخارى وأمر ببناء حائط سمرقند واستخلف زياد بن صالح على الصغد وأهل بخارى ثم رجع أبو داود إلى بلخ (وفى هذه السنة) وجه أبو العباس موسى بن كعب إلى الهند لقتال منصور بن جمهور وفرض لثلاثة آلاف رجل من العرب والموالي بالبصرة ولالف من بنى تميم خاصة فشخص واستخلف مكانه على شرطة أبى العباس المسيب بن زهير حتى ورد السند ولقى منصور بن جمهور في اثنى عشر ألفا فهزمه ومن معه ومضى فمات عطشا في الرمال (وقد قيل) أصابه بطن وبلغ خليفة منصور وهو بالمنصورة هزيمة منصور فرحل بعيال منصور وثقله وخرج بهم في عدة من ثقاته فدخل بهم بلاد الخزر (وفيها) توفى محمد بن يزيد ابن عبد الله وهو على اليمن فكتب أبو العباس إلى على بن الربيع بن عبيد الله الحارثى وهو عامل لزياد بن عبيد الله على مكة بولايته على اليمن فسار إليها (وفى هذه السنة) تحول أبو العباس من الحيرة إلى الانبار وذلك فيما قال الواقدي وغيره في ذى الحجة (وفيها) عزل صالح بن صبيح عن أرمينية وجعل مكانه يزيد بن أسيد (وفيها) عزل مجاشع بن يزيد عن أذربيجان واستعمل عليها محمد بن صول (وفيها) ضرب المنار من الكوفة إلى مكة والاميال وحج بالناس في هذه السنة عيسى بن موسى وهو على الكوفة وأرضها وكان على قضاء الكوفة ابن أبى ليلى وعلى المدينة ومكة والطائف واليمامة زياد بن عبيد الله وعلى اليمن على بن الربيع الحارثى وعلى البصرة وأعمالها وكور دجلة والبحرين وعمان والعرض ومهرجا نقذق سليمان بن على وعلى قضائها عباد بن منصور وعلى السند موسى بن كعب وعلى خراسان والجبال أبو مسلم وعلى فلسطين صالح بن على وعلى مصر أبو عون وعلى موصل إسماعيل بن على وعلى أرمينية يزيد بن أسيد وعلى أذربيجان محمد بن صول وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك وعلى الجزيرة عبد الله بن محمد أبو جعفر وعلى قنسرين وحمص وكور دمشق والاردن عبد الله بن على

[ 117 ]

ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومائة ذكر ما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك خروج زياد بن صالح وراء نهر بلخ فشخص أبو مسلم من مرو مستعدا للقائه وبعث أبو داود خالد بن ابراهيم نصر بن راشد إلى الترمذ وأمره أن ينزل مدينتها مخافة أن يبعث زياد بن صالح إلى الحصن والسفن فيأخذها ففعل ذلك نصر وأقام بها أياما فخرج عليه ناس من الراوندية من أهل الطالقان مع رجل يكنى أبا اسحاق فقتلوا نصرا فلما بلغ ذلك أبا داود بعث عيسى بن ماهان في تتبع قتلة نصر فتتبعهم فقتلهم فمضى أبو مسلم مسرعا حتى انتهى إلى آمل ومعه سباع بن النعمان الازدي وهو الذى كان قدم بعهد زياد بن صالح من قبل أبى العباس وأمره إن رأى فرصة أن يثب على أبى مسلم فيقتله فأخبر أبو مسلم بذلك فدفع سباع بن النعمان إلى الحسن بن الجنيد عامله على آمل وأمره بحبسه عنده وعبر أبو مسلم إلى بخارى فلما نزلها أتاه أبو شاكر وأبو سعد الشروى في قواد قد خلعوا زيادا فسألهم أبو مسلم عن أمر زياد ومن أفسده قالوا سباع بن النعما فكتب إلى عامله على آمل أن يضرب سباعا مائة سوط ثم يضرب عنقه ففعل ولم أسلم زيادا قواده ولحقوا بأبى مسلم لجأ إلى دهقان باركث فوثب عليه الدهقان فضرب عنقه وجاء برأسه إلى أبى مسلم فأبطأ أبو داود على أبى مسلم لحال الراوندية الذين كانوا خرجوا فكتب إليه أبو مسلم أما بعد فليفرج روعك ويأمن سربك فقد قتل الله زيادا فاقدم فقدم أبو داود كش وبعث عيسى بن ماهان إلى بسام وبعث ابن النجاح إلى الاصبهبذ إلى شاوغر فحاصر الحصن فأما أهل شاوغر فسألوا الصلح فأجيبوا إلى ذلك فأما بسام فلم يصل عيسى بن ماهان إلى شئ منه حتى ظهر أبو مسلم بستة عشر كتابا وجدها من عيسى بن ماهان إلى كامل بن مظفر صاحب أبى مسلم يعيب فيها أبا داود وينسبه فيها إلى العصبية وإيثاره العرب وقومه على غيرهم من أهل هذه الدعوة وإن في عسكره ستة وثلاثون سرادقا للمستأمنة فبعث بها أبو مسلم

[ 118 ]

إلى أبى داود وكتب إليه أن هذه كتب العلج الذى صيرته عدل نفسك فشأنك به فكتب أبو داود إلى عيسى بن ماهان يأمره بالانصراف إليه عن بسام فلما قدم عليه حبسه ودفعه إلى عمر النغم وكان في يده محبوسا ثم دعا به بعد يومين أو ثلاثة فذكره صنيعته به وإيثاره اياه على ولده فأقر بذلك فقال أبو داود فكان جزاء ما صنعت بك أن سعيت بى وأردت قتلى فأنكر ذلك فأخرج كتبه فعرفها فضربه أبو داود يومئذ حدين أحدهما للحسن بن حمدان ثم قال أبو داود أما انى قد تركت ذنبك لك ولكن الجند أعلم فاخرج في القيود فلما أخرج من السرادق وثب عليه حرب بن زياد وحفص بن دينار مولى يحيى بن حضين فضرباه بعمود وطبرزين فوقع إلى الارض وعدا عليه أهل الطالقان وغيرهم فأدخلوه في جوالق وضربوه بالاعمدة حتى مات ورجع أبو مسلم إلى مرو (وحج) بالناس في هذه السنة سليمان بن على وهو على البصرة وأعمالها وعلى قضائها عباد بن منصور وكان على مكة العباس بن عبد الله بن معبد بن عباس وعلى المدينة زياد بن عبيد الله الحارثى وعلى الكوفة وأرضها عيسى بن موسى وعلى قضائها ابن أبى ليلى وعلى الجزيرة أبو جعفر المنصور وعلى مصر أبو عون وعلى حمص وقنسرين وبعلبك والغوطة وحوران والجولان والاردن عبد الله بن على وعلى البلقاء وفلسطين صالح بن على وعلى الموصل اسماعيل بن على وعلى أرمينية يزيد بن أسيد وعلى أذربيجان محمد بن صول وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث (ففى هذه السنة) قدم أبو مسلم العراق من خراسان على أبى العباس أمير المؤمنين ذكر الخبر عن قدومه عليه وما كان من أمره في ذلك * فذكر على بن محمد أن الهيثم بن عدى أخبره والوليد بن هشام عن أبيه قال لم يزل أبو مسلم مقيما بخراسان حتى كتب إلى أبى العباس يستأذنه في القدوم عليه

[ 119 ]

فأجابه إلى ذلك فقدم على أبى العباس في جماعة من أهل خراسان عظيمة ومن تبعه من غيرهم الانبار فأمر أبو العباس الناس يتلقونه فتلقاه الناس وأقبل إلى أبى العباس فدخل عليه فأعظمه وأكرمه ثم استأذن أبا العباس في الحج فقال لو لا أن أبا جعفر يحج لاستعملتك على الموسم وأنزله قريبا منه فكان يأتيه في كل يوم يسلم عليه فكان ما بين أبى جعفر وأبى مسلم متباعدا لان أبا العباس كان بعث أبا جعفر إلى أبى مسلم وهو بنيسابور بعد ما صفت له الامور بعهده على خراسان وبالبيعة لابي العباس ولابي جعفر من بعده فبايع له أبو مسلم وأهل خراسان وأقام أبو جعفر أياما حتى فرغ من البيعة ثم انصرف وكان أبو مسلم قد استخف بأبى جعفر في مقدمه ذلك فلما قدم على أبى العباس أخبره بما كان من استخافه به * قال على قال الوليد عن أبيه لما قدم أبو مسلم على أبى العباس قال أبو جعفر لابي العباس يا أمير المؤمنين أطعنى واقتل أبا مسلم فوالله إن في رأسه لغدرة فقال يا أخى قد عرفت بلاءه وما كان منه فقال أبو جعفر يا أمير المؤمنين إنما كان بدولتنا والله لو بعثت سنورا لقام مقامه وبلغ ما بلغ في هذه الدولة فقال له أبو العباس فكيف نقتله قال إذا دخل عليك وحادثته وأقبل عليك دخلت فتغفلته فضربته من خلفه ضربة أتيت بها على نفسه فقال أبو العباس فكيف بأصحابه الذين يؤثرونه على دينهم ودنياهم قال يؤل ذلك كله إلى ما تريد ولو علموا أنه قد قتل تفرقوا وذلوا قال عزمت عليك الا كففت عن هذا قال أخاف والله إن لم تتغده اليوم أن يتعشاك غدا قال فدونكه أنت أعلم قال فخرج أبو جعفر من عنده عازما على ذلك فندم أبو العباس وأرسل إلى أبى جعفر لا تفعل ذلك الامر * وقيل إن أبا العباس لما أذن لابي جعفر في قتل أبى مسلم دخل أبو مسلم على أبى العباس فبعث أبو العباس خصياله فقال اذهب فانظر ما يصنع أبو جعفر فأتاه فوجده محتبيا بسيفه فقال للخصي أجالس أمير المؤمنين فقال له قد تهيأ للجلوس ثم رجع الخصى إلى أبى العباس فأخبره بما رأى منه فرده إلى أبى جعفر وقال له قل له الامر الذى عزمت عليه لا تنفذه فكف أبو جعفر (وفى هذه السنة) حج أبو جعفر المنصور وحج معه أبو مسلم

[ 120 ]

ذكر الخبر عن مسيرهما وعن صفة مقدمها على أبى العباس أما أبو مسلم فإنه فيما ذكر لما أراد القدوم على أبى العباس كتب يستأذنه في القدوم للحج فأذن له وكتب إليه أن اقدم في خمسمائة من الجند فكتب إليه أبو مسلم إنى قد وترت الناس ولست آمن على نفسي فكتب إليه أن أقبل في ألف فإنما أنت في سلطان أهلك ودولتك وطريق مكة لا يحتمل العسكر فشخص في ثمانية آلاف فرقهم فيما بين نيسابور والرى وقدم بالاموال والخزائن فخلفها بالرى وجمع أيضا أموال الجبل وشخص منها في ألف وأقبل فلما أراد الدخول تلقاه القواد وسائر الناس ثم استأذن أبا العباس في الحج فأذن له وقال لولا أن أبا جعفر حاج لوليتك الموسم * وأما أبو جعفر فإنه كان أميرا على الجزيرة وكان الواقدي يقول كان إليه مع الجزيرة أرمينية وأذربيجان فاستخلف على عمله مقاتل ابن حكيم العكى وقدم على أبى العباس فاستأذنه في الحج * فذكر على بن محمد عن الوليد بن هشام عن أبيه أن أبا جعفر سار إلى مكة حاجا وحج معه أبو مسلم سنة 136 فلما انقضى الموسم أقبل أبو جعفر وأبو مسلم فلما كان بين البستان وذات عرق أتى أبا جعفر كتاب بموت أبى العباس وكان أبو جعفر قد تقدم أبا مسلم بمرحلة فكتب إلى أبى مسلم أنه قد حدث أمر فالعجل العجل فأتاه الرسول فأخبره فأقبل حتى لحق أبا جعفر وأقبلا إلى الكوفة (وفى هذه السنة) عقد أبو العباس عبد الله بن محمد بن على لاخيه أبى جعفر الخلافة من بعده وجعله ولى عهد المسلمين ومن بعد أبى جعفر عيسى بن موسى بن محمد بن على وكتب العهد بذلك وصيره في ثوب وختم عليه بخاتمه وخواتيم أهل بيته ودفعه إلى عيسى بن موسى (وفيها) توفى أبو العباس أمير المؤمنين بالانبار يوم الاحد لثلاث عشرة خلت من ذى الحجة وكانت وفاته فيما قيل بالجدرى وقام هشام بن محمد توفى لاثنتى عشرة ليلة مضت من ذى الحجة واختلف في مبلغ سنه يوم وفاته فقال بعضهم كان له يوم توفى ثلاث وثلاثون سنة وقال هشام بن محمد كان يوم توفى ابن ست وثلاثين سنة وقال بعضهم كان له ثمان وعشرون سنة وكانت ولايته من لدن قتل مروان

[ 121 ]

ابن محمد إلى أن توفى أربع سنين ومن لدن بويع له بالخلافة إلى أن مات أربع سنين وثمانية أشهر وقال بعضهم وتسعة أشهر وقال الواقدي أربع سنين وثمانية أشهر منها ثمانية أشهر وأربعة أيام يقاتل مروان وملك بعد مروان أربع سنين وكان فيما ذكر ذاشعرة جعدة وكان طويلا أبيض أقنى الانف حسن الوجه واللحية وأمه ريطة بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان بن الديان الحارثى وكان وزيره أبو الجهم بن عطية وصلى عليه عمه عيسى بن على ودفنه بالانبار العتيقة في قصره وكان فيما ذكر خلف تسع جباب وأربعة أقمصة وخمسة سراويلات وأربعة طيالسة وثلاثة مطاريف خز خلافة أبى جعفر المنصور وهو عبد الله بن محمد (وفى هذه السنة) بويع لابي جعفر المنصور بالخلافة وذلك في اليوم الذى توفى فيه أخوه أبو العباس وأبو جعفر يومئذ بمكة وكان الذى أخذ البيعة بالعراق لابي جعفر بعد موت أبى العباس عيسى بن موسى وكتب إليه عيسى يعلمه بموت أخيه أبى العباس وبالبيعة له * وذكر على بن محمد عن الهيثم عن عبد الله بن عياش قال لما حضرت أبا العباس الوفاة أمر الناس بالبيعة لعبد الله بن محمد أبى جعفر فبايع الناس له بالانبار في اليوم الذى مات فيه أبو العباس قام بأمر الناس عيسى بن موسى وأرسل عيسى بن موسى إلى أبى جعفر وهو بمكة محمد بن الحصين العبدى بموت أبى العباس وبالبيعة له فلقيه بمكان من الطريق يقال له زكية فلما جاءه الكتاب دعا الناس فبايعوه وبايعه أبو مسلم فقال أبو جعفر أين موضعنا هذا قالوا زكية فقال أمر يزكى لنا إن شاء الله تعالى وقال بعضهم ورد على أبى جعفر البيعة له بعد ما صدر من الحج في منزل من منازل طريق مكة يقال له صفية فتفاءل باسمه وقال صفت لنا إن شاء الله تعالى (رجع الحديث) إلى حديث على بن محمد فقال على حدثنى الوليد عن أبيه قال لما أتى الخبر أبا جعفر كتب إلى أبى مسلم وهو نازل بالماء وقد تقدمه أبو جعفر فأقبل أبو مسلم حتى

[ 122 ]

قدم عليه وقيل إن أبا مسلم كان هو الذى تقدم أبا جعفر فعرف الخبر قبله فكتب إلى أبى جعفر بسم الله الرحمن الرحيم عافاك الله وأمتع بك إنه أتانى أمر أفظعني وبلغ من مبلغا لم يبلغه شئ قط لقيني محمد بن الحصين بكتاب من عيسى بن موسى إليك بوفاة أبى العباس أمير المؤمنين رحمه الله فنسأل الله أن يعظم أجرك ويحسن الخلافة عليك ويبارك لك فيما أنت فيه إنه ليس من أهلك أحد أشد تعظيما لحقك وأصفى نصيحة لك وحرصا على ما يسرك منى وأنفذ الكتاب إليه ثم مكث أبو مسلم يومه ومن الغد ثم بعث إلى أبى جعفر بالبيعة وإنما أراد ترهيب أبى جعفر بتأخيرها (رجع الحديث) إلى حديث على بن محمد فلما جلس أبو مسلم ألقى إليه الكتاب فقرأه وبكى واسترجع قال ونظر أبو مسلم إلى أبى جعفر وقد جزع جزعا شديدا فقال ماهذا الجزع وقد أتتك الخلافة فقال أتخوف شر عبد الله بن على وشيعة على فقال لا تخفه فأنا أكفيك أمره إن شاء الله إنما عامة جنده ومن معه أهل خراسان وهم لا يعصوننى فسرى عن أبى جعفر ما كان فيه وبايع له أبو مسلم وبايع الناس وأقبلا حتى قدما الكوفة ورد أبو جعفر زياد بن عبيد الله إلى مكة وكان قبل ذلك واليا عليها وعلى المدينة لابي العباس وقيل إن أبا العباس كان قد عزل قبل موته زياد بن عبيد الله الحارثى عن مكة وولاها العباس بن عبد الله بن معبد بن العباس (وفى هذه السنة) قدم عبد الله ابن على على أبى العباس الانبار فعقد له أبو العباس على الصائفة في أهل خراسان وأهل الشأم والجزيرة والموصل فسار فبلغ دلوك ولم يدرب حتى أتته وفاة أبى العباس (وفى هذه السنة) بعث عيسى بن موسى وأبو الجهم يزيد بن زياد أبا غسان إلى عبد الله بن على ببيعة المنصور فانصرف عبد الله بن على بمن معه من الجيوش قد بالع لنفسه حتى قدم حران وأقام الحج للناس في هذه السنة أبو جعفر المنصور وقد ذكرنا ما كان إليه من العمل في هذه السنة ومن استخلف عليه حين شخص حاجا وكان على الكوفة عيسى بن موسى وعلى قضائها ابن أبى ليلى وعلى البصرة وعملها سليمان بن على وعلى قضائها عباد ابن منصور وعلى المدينة زياد بن عبيد الله الحارثى وعلى مكة العباس بن عبد الله ابن معبد وعلى مصر صالح بن على

[ 123 ]

ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائة ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الاحداث فمما كان فيها من ذلك قدوم المنصور أبى جعفر من مكة ونزوله الحيرة فوجد عيسى بن موسى قد شخص إلى الانبار واستخلف على الكوفة طلحة بن إسحاق بن محمد بن الاشعث فدخل أبو جعفر الكوفة فصلى بأهلها الجمعة يوم الجمعة وخطبهم وأعلمهم أنه راحل عنهم ووافاه أبو مسلم بالحيرة ثم شخص أبو جعفر إلى الانبار وأقام بها وجمع إليه أطرافه وذكر على بن محمد عن الوليد عن أبيه أن عيسى بن موسى كان قد أحرز بيوت الاموال والخزائن والدواوين حتى قدم عليه أبو جعفر الانبار فبايع الناس له بالخلافة ثم لعيسى بن موسى من بعده فسلم عيسى بن موسى إلى أبى جعفر الامر وقد كان عيسى بن موسى بعث أبا غسان واسمه يزيد بن زياد وهو حاجب أبى العباس إلى عبد الله بن على ببيعة أبى جعفر وذلك بأمر أبى العباس قبل أن يموت حين أمر الناس بالبيعة لابي جعفر من بعده فقدم أبو غسان على عبد الله بن على بأفواه الدروب متوجها يريد الروم فلما قدم عليه أبو غسان بوفاة أبى العباس وهو نازل بموضع يقال له دلوك أمر مناديا فنادى الصلاة جامعة فاجتمع إليه القواد والجند فقرأ عليهم الكتاب بوفاة أبى العباس ودعا الناس إلى نفسه وأخبرهم أن أبا العباس حين أراد أن يوجه الجنود إلى مروان بن محمد دعا بنى أبيه فأرادهم على المسير إلى مروان بن محمد وقال من انتدب منكم فسار إليه فهو ولى عهدي فلم ينتدب له غيرى فعلى هذا خرجت من عنده وقتلت من قتلت فقام أبو غانم الطائى وخفاف المروروذى في عدة من قواد أهل خراسان فشهدوا له بذلك فبايعه أبو غانم وخفاف وأبو الاصبغ وجميع من كان معه من أولئك القواد فيهم حميد بن قحطبة وخفاف الجرجاني وحياش بن حبيب ومخارق ابن غفار وتزار خدا وغيرهم من أهل خراسان والشأم والجزيرة وقد نزل تل محمد فلما فرغ من البيعة ارتحل فنزل حران وبها مقاتل العكى وكان أبو جعفر

[ 124 ]

استخلفه لما قدم على أبى العباس فأراد مقاتلا على البيعة فلم يجبه وتحصن منه فأقام عليه وحصره حتى استنزله من حصنه فقتله وسرح أبو جعفر لقتال عبد الله بن على أبا مسلم فلما بلغ عبد الله إقبال أبى مسلم أقام بحران وقال أبو جعفر لابي مسلم إنما هو أنا أو أنت فسار أبو مسلم نحن عبد الله بحران وقد جمع إليه الجنود والسلاح وخندق وجمع إليه الطعام والعلوفة وما يصلحه ومضى أبو مسلم سائرا من الانبار ولم يتخلف منه من القواد أحد وبعث على مقدمته مالك ابن الهيثم الخزاعى وكان معه الحسن وحميد ابنا قحطبة وكان حميد قد فارق عبد الله بن على وكان عبد الله أراد قتله وخرج معه أبو اسحاق وأخوه وأبو حميد وأخوه وجماعة من أهل خراسان وكان أبو مسلم استخلف على خراسان حيث شخص خالد بن ابراهيم أبا داود * قال الهيثم كان حصار عبد الله بن على مقاتلا العكى أربعين ليلة فلما بلغه مسير أبى مسلم إليه وأنه لم يظهر بمقاتل وخشى أن يهجم عليه أبو مسلم أعطى العكى أمانا فخرج إليه فيمن كان معه وأقام معه أياما يسيرة ثم وجهه إلى عثمان بن عبد الاعلى بن سراقة الازدي إلى الرقة ومعه ابناه وكتب إليه كتابا دفعه إلى العكى فلما قدموا على عثمان قتل العكى وحبس ابنيه فلما بلغه هزيمة عبد الله بن على وأهل الشأم بنصيبين أخرجهما فضرب أعناقهما وكان عبد الله بن على خشى ألا يناصحه أهل خراسان فقتل منهم نحوا من سبعة عشر ألفا أمر صاحب شرطه فقتلهم وكتب لحميد بن قحطبة كتابا ووجهه إلى حلب وعليها زفر بن عاصم وفى الكتاب إذا قدم عليك حميد بن قحطبة فاضرب عنقه فسار حميد حتى إذا كان ببعض الطريق فكر في كتابه وقال إن ذهابي بكتاب ولا أعلم ما فيه لغرر ففك الطومار فقرأه فلما رأى ما فيه دعا أناسا من خاصته فأخبرهم الخبر وأفشى إليهم أمره وشاورهم وقال من أراد منكم أن ينجو ويهرب فليسر معى فانى أريد أن آخذ طريق العراق وأخبرهم ما كتب به عبد الله بن على في أمره وقال لهم من لم يرد منكم أن يحمل نفسه على السير فلا يفشين سرى وليذهب حيث أحب قال فاتبعه على ذلك ناس من أصحابه فأمر حميد بدوابه فأنعلت وأنعل أصحابه دوابهم وتأهموا

[ 125 ]

للمسير معه ثم فوزبهم وبهرج الطريق فأخذ على ناحية من الرصافة رصافة هشام بالشأم وبالرصافة يومئذ مولى لعبدالله بن على يقال له سعيد البربري فبلغه أن حميد بن قحطبة قد خالف عبد الله بن على وأخذ في المفازة فسار في طلبه فيمن معه من فرسانه فلحقه ببعض الطريق فلما بصربه حميد ثنى فرسه نحوه حتى لقيه فقال له ويحك أما تعرفني والله مالك في قتالي من خير فارجع فلا تقتل أصحابي وأصحابك فهو خير لك فلما سمع كلامه عرف ما قال له فرجع إلى موضعه بالرصافة ومضى حميد ومن كان معه فقال له صاحب حرسه موسى بن ميمون إن لى بالرصافة جارية فان رأيت أن تأذن لى فآتيها فأوصيها ببعض ما أريد ثم ألحقك فأذن له فأتاها فأقام عندها ثم خرج من الرصافة يريد حميدا فلقيه سعيد البربري مولى عبد الله ابن على فأخذه فقتله وأقبل عبد الله بن على حتى نزل نصيبين وخندق عليه وأقبل أبو مسلم وكتب أبو جعفر إلى الحسن بن قحطبة وكان خليفته بأرمينية أن يوافي أبا مسلم فقدم الحسن بن قحطبة على أبى مسلم وهو بالموصل وأقبل أبو مسلم فنزل ناحية لم يعرض له وأخذ طريق الشأم وكتب إلى عبد الله إنى لم أومر بقتالك ولم أوجه له ولكن أمير المؤمنين ولانى الشأم وإنما أريدها فقال من كان مع عبد الله من أهل الشأم لعبدالله كيف نقيم معك وهذا يأتي بلادنا وفيها حرمنا فيقتل من قدر عليه من رجالنا ويسبي ذرارينا ولكنا نخرج إلى بلادنا فنمنعه حرمنا وذرارينا ونقاتله إن قاتلنا فقال لهم عبد الله بن على إنه والله ما يريد الشأم وما وجه إلا لقتالكم ولئن أقمتم ليأتينكم قال فلم تطب أنفسهم وأبوا إلا المسير إلى الشأم قال وأقبل أبو مسلم فعسكر قريبا منهم وارتحل عبد الله بن على من عسكره متوجها نحو الشأم وتحول أبو مسلم حتى نزل في معسكر عبد الله بن على في موضعه وعور ما كان حوله من المياه وألقى فيها الجيف وبلغ عبد الله بن على نزول أبى مسلم معسكره فقال لاصحابه من أهل الشأم ألم أقل لكم وأقبل فوجد أبا مسلم قد سبقه إلى معسكره فنزل في موضع عسكر أبى مسلم الذى كان فيه فاقتتلوا أشهرا خمسة أو ستة وأهل الشأم أكثر فرسانا وأكمل عدة وعلى ميمنة عبد الله بكار بن مسلم العقيلى وعلى ميسرته

[ 126 ]

حبيب بن سويد الاسدي وعلى الخيل عبد الصمد بن على وعلى ميمنة أبى مسلم الحسن بن قحطبة وعلى الميسرة أبو نصر خازم بن خزيمة فقاتلوه أشهرا قال على قال هشام بن عمرو التغلبي كنت في عسكر أبى مسلم فتحدث الناس يوما فقيل أي الناس أشد فقال قولوا حتى أسمع فقال رجل أهل خراسان وقال آخر أهل الشأم فقال أبو مسلم كل قوم في دولتهم أشد الناس قال ثم التقينا فحمل علينا أصحاب عبد الله بن على فصدمونا صدمة أزالونا بها عن مواضعنا ثم انصرفوا وشد علينا عبد الصمد في خيل مجردة فقتل منا ثمانية عشرة رجلا ثم رجع في أصحابه ثم تجمعوا فرموا بأنفسهم فأزالوا صفنا وجلنا جولة فقلت لابي مسلم لو حركت دابتي حتى أشرف هذا التل فأصبح بالناس فقد انهزموا فقال افعل قال قلت وأنت أيضا فتحرك دابتك فقال إن أهل الحجى لا يعطفون دوابهم على هذه الحال ناد يا أهل خراسان ارجعوا فإن العاقبة لمن اتقى قال ففعلت فتراجع الناس وارتجز أبو مسلم يومئذ فقال: من كان ينوى أهله فلا رجع * فر من الموت وفى الموت وقع * قال وكان قد عمل لابي مسلم عريش فكان يجلس عليه إذا التقى الناس فينظر إلى القتال فان رأى خللا في الميمنة أو في الميسرة أرسل إلى صاحبها ان في ناحيتك انتشارا فاتق ألا تؤتى من قبلك فافعل كذا قدم خيلك كذا أو تأخر كذا إلى موضع كذا فانما رسله تختلف إليهم برأيه حتى ينصرف بعضهم عن بعض قال فلما كان يوم الثلاثاء أو الاربعاء لسبع خلون من جمادى الآخرة سنة 136 أو 137 التقوا فاقتتلوا قتالا شديدا فلما رأى ذلك أبو مسلم مكر بهم فأرسل إلى الحسن بن قحطبة وكان على ميمنته أن أعر الميمنة وضم أكثرها إلى الميسرة وليكن في الميمنة حماة أصحابك وأشداؤهم فلما رأى ذلك أهل الشأم أعروا ميسرتهم وانضموا إلى ميمنتهم بإزاء ميسرة أبى مسلم ثم أرسل أبو مسلم إلى الحسن أن مر أهل القلب فليحملوا مع من بقى في الميمنة على ميسرة أهل الشأم فحملوا عليهم فحطموهم وجال أهل القلب والميمنة قال وركبهم أهل خراسان فكانت الهزيمة

[ 127 ]

فقال عبد الله بن على لابن سراقة الازدي وكان معه يا ابن سراقة ما ترى قال أرى والله أن تصبر وتقاتل حتى تموت فان الفرار قبيح بمثلك وقبل عبته على مروان فقلت قبح الله مروان جزع من الموت ففر قال فانى آتى العراق قال فأنا معك فانهزموا وتركوا عسكرهم فاحتواه أبو مسلم وكتب بذلك إلى أبى جعفر فأرسل أبو جعفر أبا الخصيب مولاه يحصى ما أصابوا في عسكر عبد الله بن على فغضب من ذلك أبو مسلم ومضى عبد الله بن على وعبد الصمد بن على فأما عبد الصمد فقدم الكوفة فاستأمن له عيسى بن موسى فآمنه أبو جعفر وأما عبد الله بن على فأتى سليمان بن على بالبصرة فأقام عنده وآمن أبو مسلم الناس فلم يقتل أحدا وأمر بالكف عنهم ويقال بل استأمن لعبد الصمد بن على اسماعيل بن على * وقد قيل ان عبد الله بن على لما انهزم مضى هو وعبد الصمد أخوه إلى رصافة هشام فأقام عبد الصمد بها حتى قدمت عليه خيول المنصور وعليها جمهور بن مرار العجلى فأخذه فبعث به إلى المنصور مع أبى الخصيب مولاه موثقا فلما قدم عليه أمر بصرفه إلى عيسى ابن موسى فآمنه عيسى وأطلقه وأكرمه وحباه وكساه وأما عبد الله بن على فلم يلبث بالرصافة إلا ليلة ثم أدلج في قواده ومواليه حتى قدم البصرة على سليمان بن على وهو عاملها يومئذ فآواهم سليمان وأكرمهم وأقاموا عنده زمانا متوارين (وفى هذه السنة) قتل أبو مسلم ذكر الخبر عن مقتله وعن سبب ذلك * حدثنى أحمد بن زهير قال حدثنا على بن محمد قال حدثنا سلمة بن محارب ومسلم ابن المغيرة وسعيد بن أوس وأبو حفص الازدي والنعمان أبو السرى ومحرز ابن ابراهيم وغيرهم ان أبا مسلم كتب إلى أبى العباس يستأذنه في الحج وذلك في سنة 136 وإنما أراد أن يصلى بالناس فأذن له وكتب أبو العباس إلى أبى جعفر وهو على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان أن أبا مسلم كتب إلى يستأذن في الحج وقد أذنت له وقد ظننت أنه إذا قدم يريد أن يسألنى أن أوليه اقامة الحج للناس فاكتب إلى تستأذننى في الحج فانك إذا كنت بمكة لم يطمع أن يتقدمك فكتب

[ 128 ]

أبو جعفر إلى أبى العباس يستأذنه في الحج فأذن له فوافى الانبار فقال أبو مسلم أما وجد أبو جعفر عاما يحج فيه غير هذا واضطغنها عليه * قال على قام مسلم بن المغيرة استخلف أبو جعفر على أرمينية فتلك السنة الحسن بن قحطبة * وقال غيره استعمل رضيعه يحيى بن مسلم بن عروة وكان أسود مولى لهم فخرجا إلى مكة فكان أبو مسلم يصلح العقاب ويكسو الاعراب في كل منزل ويصل من سأله وكسا الاعراب البتوت والملاحف وحفر الآبار وسهل الطرق فكان الصوت له فكان الاعراب يقولون هذا المكذوب عليه حتى قدم مكة فنظر إلى اليمانية فقال لنيزك وضرب جنبه يا نيزك أي جند هؤلاء لو لقيهم رجل ظريف اللسان سريع الدمعة (ثم رجع الحديث) إلى حديث الاولين * قالوا لما صدر الناس عن الموسم نفر أبو مسلم قبل أبى جعفر فتقدمه فأتاه كتاب بموت أبى العباس واستخلاف أبى جعفر فكتب أبو مسلم إلى أبى جعفر يعزيه بأمير المؤمنين ولم يهنئه بالخلافة ولم يقم حتى يلحقه ولم يرجع فغضب أبو جعفر فقال لابي أيوب اكتب إليه كتابا غليظا فلما أتاه كتاب أبى جعفر كتب إليه يهنئه بالخلافة فقال يزيد بن أسيد السلمى لابي جعفر انى أكره أن تجامعه في الطريق والناس جنده وهم له أطوع وله أهيب وليس معك أحد فأخذ برأيه فكان يتأخر ويتقدم أبو مسلم وأمر أبو جعفر أصحابه فقدموا فاجتمعوا جميعا وجمع سلاحهم فما كان في عسكره إلا ستة أذرع فمضى أبو مسلم إلى الانبار ودعا عيسى بن موسى إلى ان يبايع له فأتى عيسى فقدم أبو جعفر فنزل الكوفة وأتاه أن عبد الله بن على قد خلع فرجع إلى الانبار فدعا أبا مسلم فعقد له وقال له سر إلى ابن على فقال له أبو مسلم ان عبد الجبار بن عبد الرحمن وصالح بن الهيثم يعيباننى فاحبسهما فقال أبو جعفر عبد الجبار على شرطى وكان قبل على شرط أبى العباس وصالح بن الهيثم أخو أمير المؤمنين من الرضاعة فلم أكن لاحبسهما لظنك بهما قال أراهما آثر عندك منى فغضب أبو جعفر فقال أبو مسلم لم أرد كل هذا * قال على قال مسلم بن المغيرة كنت مع الحسن بن قحطبة بأرمينية فلما وجه أبو مسلم إلى الشأم كتب أبو جعفر إلى الحسن أن يوافيه ويسير

[ 129 ]

معه فقدمنا على أبى مسلم وهو بالموصل فأقام أياما فلما اراد ان يسير قلت للحسن انتم تسيرون إلى والقتال وليس بك إلى حاجة فلو أذنت لى فأتيت العراق فأقمت حتى تقدموا ان شاء الله قال نعم لكن أعلمني إذا أردت الخروج قلت نعم فلما فرغت وتهيأت اعلمته وقلت أتيتك أودعك قال قف لى بالباب حتى أخرج إليك فخرجت فوقفت وخرج فقال إنى أريد أن ألقى إليك شيئا لتبلغه أبا أيوب ولولا ثقتى بك لم أخبرك ولولا مكانك من أبى أيوب لم أخبرك فأبلغ أبا أيوب إنى قد أرتبت بأبى مسلم منذ قدمت عليه أنه يأتيه الكتاب من أمير المؤمنين فيقرأه ثم يلوى شدقه ويرمى بالكتاب إلى أبى نصر فيقرأه ويضحكان استهزاء قلت نعم قد فهمت فلقيت أبا أيوب وأنا أرى ان قد أتيته بشئ فضحك وقال نحن لابي مسلم أشد تهمة منا لعبد الله بن على إلا انا نرجو واحدة نعلم أن اهل خراسان لا يحبون عبد الله بن على وقد قتل منهم من قتل وكان عبد الله بن على حين خلع خاف اهل خراسان فقتل منهم سبعة عشر ألفا أمر صاحب شرطته حياش ابن حبيب فقتلهم * قال على فذكر أبو حفص الازدي ان ابا مسلم قاتل عبد الله بن على فهزمه وجمع ما كان في عسكره من الاموال فصيره في حظيرة واصاب عينا ومتاعا وجوهرا كثيرا فكان منثورا في تلك الحظيرة ووكل بها وبحفظها قائدا من قواده فكنت في أصحابه فجعلها نوائب بيننا فكان إذا خرج رجل من الحظيرة فتشه فخرج أصحابي يوما من الحظيرة وتخلفت فقال لهم الامير ما فعل أبو حفص فقالوا هو في الحظيرة قال فجاء فاطلع من الباب وفطنت له فنزعت خفى وهو ينظر فنفضتهما وهو ينظر ونفضت سراويلي وكمى ثم لبست خفى وهو ينظر ثم قام فقعد في مجلسه وخرجت فقال ما حبسك قلت خير فخلاني فقال قد رأيت ما صنعت فلم صنعت هذا قلت إن في الحظيرة لؤلؤا منثورا ودراهم منثورة ونحن نتقلب عليها فخفت أن يكون قد دخل في خفى منها شئ فنزعت خفى وجوربى فأعجبه ذلك وقال انطلق فكنت أدخل الحظيرة مع من يحفظ فآخذ من الدراهم ومن تلك الثياب الناعمة فأجعل بعضها في خفى وأشد

[ 130 ]

بعضها على بطني ويخرج أصحابي فيفتشون ولا أقتش حتى جمعت مالا قال وأما اللؤلؤ فانى لم أكن أمسه (ثم رجع الحديث) إلى حديث الذين ذكر على عنهم قصة أبى مسلم في أول الخبر قالوا ولما انهزم عبد الله بن على بعث أبو جعفر أبا الخصيب إلى أبى مسلم ليكتب له ما أصاب من الامول فافترى أبو مسلم على أبى الخصيب وهم بقتله فكلم فيه وقيل إنما هو رسول فخل سبيله فرجع إلى أبى جعفر وجاء القواد إلى أبى مسلم فقالوا نحن ولينا أمر هذا الرجل وغنمنا عسكره فلم يسئل عما في أيدينا إنما لامير المؤمنين من هذا الخمس فلما قدم أبو الخصيب على أبى جعفر أخبره أن أبا مسلم هم بقتله فخاف أن يمضى أبو مسلم إلى خراسان فكتب إليه كتابا مع يقطين أن قد وليتك مصر والشأم فهى خير لك من خراسان فوجه إلى مصر من أحببت وأقم بالشأم فتكون بقرب أمير المؤمنين فان احب لقاءك أتيته من قريب فلما أتاه الكتاب غضب وقال هو يوليني الشأم ومصر وخراسان لى وأعتزم بالمضي إلى خراسان فكتب يقطين إلى أبى جعفر بذلك وقال غير من ذكرت خبره لما ظفر أبو مسلم بعسكر عبد الله ابن على بعث المنصور يقطين بن موسى وأمره أن يحصى ما في العسكر وكان أبو مسلم يسميه يك دين فقال أبو مسلم يا يقطين أمين على الدماء خائن في الاموال وشتم أبا جعفر فأبلغه يقطين ذلك وأقبل أبو مسلم من الجزيرة مجمعا على الخلاف وخرج من وجهه معارضا يريد خراسان وخرج أبو جعفر من الانبار إلى المدائن وكتب إلى أبى مسلم في المصير إليه فكتب أبو مسلم وقد نزل الزاب وهو على الرواح إلى طريق حلوان أنه لم يبق لامير المؤمنين أكرمه الله عدو إلا أمكنه الله منه وقد كنا نروى عن ملوك آل ساسان أن أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء فنحن نافرون من قربك حريصون على الوفاء بعهدك ما وفيت حريون بالسمع والطاعة غير أنها من بعيد حيث تقارنها السلامة فإن أرضاك ذاك فأنا كأحسن عبيدك فان أبيت إلا أن تعطى نفسك إرادتها أنقضت ما أبرمت من عهدك ضننا بنفسى فلما وصل الكتاب إلى المنصور كتب إلى أبى مسلم قد

[ 131 ]

فهمت كتابك وليست صفتك صفة أولئك الوزراء الغششة ملوكهم الذين يتمنون اضطراب حبل الدولة لكثرة جرائمهم فانما راحتهم في انتشار نظام الجماعة فلم سويت نفسك بهم فأنت في طاعتك ومناصحتك واضطلاعك بما حملت من أعباء هذا الامر على ما أنت به وليس مع الشريطة التى أو جبت منك سماع ولا طاعة وحمل إليك أمير المؤمنين عيسى بن موسى رسالة لتسكن إليها إن أصغيت إليها وأسأل الله أن يحول بين الشيطان ونزغاته وبينك فانه لم يجد بابا يفسد به نيتك أو كد عنده وأقرب من طبه من الباب الذى فتحه عليك ووجه إليه جرير بن يزيد ابن جرير بن عبد الله البجلى وكان واحد أهل زمانه فخدعه ورده وكان أبو مسلم يقول والله لاقتلن بالروم وكان المنجمون يقولون ذلك فأقبل والمنصور في الرومية في مضارب وتلقاه الناس وأنزله وأكرمه أياما وأما على فانه ذكر عن شيوخه الذين تقدم ذكرنا لهم أنهم قالوا كتب أبو مسلم إلى أبى جعفر أما بعد فانى اتخذت رجلا إماما ودليلا على ما افترض الله على خلقه وكان في محلة العلم نازلا وفى قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قريبا فاستجهلني بالقرآن فحرفه عن مواضعه طمعا في قليل قد تعافاه الله إلى خلقه فكان كالذى دلى بغرور وأمرني أن أجرد السيف وأرفع الرحمة ولا أقبل المعذرة ولا أقيل العثرة ففعلت توطيدا لسلطانكم حتى عرفكم الله من كان جهلكم ثم استنقذني الله بالتوبة فان يعف عنى فقدما عرف به ونسب إليه وإن يعاقبنى فبما قدمت يداى وما الله بظلام للعبيد وخرج أبو مسلم يريد خراسان مراغما مشاقا فلما دخل أرض العراق ارتحل المنصور من الانبار فأقبل حتى نزل المدائن وأخذ أبو مسلم طريق حلوان فقال رب أمر لله دون حلوان وقال أبو جعفر لعيسى بن على وعيسى بن موسى ومن حضره من بنى هاشم اكتبوا إلى أبى مسلم فكتبوا إليه يعظمون أمره ويشكرون ما كان منه ويسألونه أن يتم على ما كان منه وعليه من الطاعة ويحذرونه عاقبة الغدر ويأمرونه بالرجوع إلى أمير المؤمنين وأن يلتمس رضاه وبعث بالكتاب أبو جعفر مع أبى حميد المروروذى وقال له كلم أبا مسلم بألين ما تكلم به أحدا ومنه وأعلمه أنى رافعه

[ 132 ]

وصانع به ما لم يصنعه أحد إن هو صلح وراجع ما أحب فان أبى أن يرجع فقل له يقول لك امير المؤمنين لست للعباس وأنا برئ من محمد إن مضيت مشاقا ولم تأتني إن وكلت امرك إلى احد سواى وإن لم أل طلبك وقتالك بنفسى ولو خضت البحر لخضته ولو اقتحمت النار لاقتحمتها حتى أقتلك أو أموت قبل ذلك ولا تقولن له هذا الكلام حتى تأيس من رجوعه ولا تطمع منه في خير فسار أبو حميد في ناس من أصحابه ممن يثق بهم حتى قدموا على أبى مسلم بحلوان فدخل أبو حميد وأبو مالك وغيرهما فدفع إليه الكتاب وقال له إن الناس يبلغونك عن أمير المؤمنين ما لم يقله وخلاف ما عليه رأيه فيك حسدا وبغيا يريدون إزالة النعمة وتغييرها فلا تفسد ما كان منك وكلمه وقال يا أبا مسلم إنك لم تزل أمين آل محمد يعرفك بذلك الناس وما ذخر الله لك من الاجر عنده في ذلك أعظم مما أنت فيه من دنياك فلا تحبط أجرك ولا يستهوينك الشيطان فقال له أبو مسلم متى كنت تكلمني بهذا الكلام قال إنك دعوتنا إلى هذا وإلى طاعة أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بنى العباس وأمرتنا بقتال من خالف ذلك فدعوتنا من أرضين متفرقة وأسباب مختلفة فجمعنا الله على طاعتهم وألف بين قلوبنا بمحبتهم وأعزنا بنشر نا لهم ولم نلق منهم رجلا إلا بما قذف الله في قلوبنا حتى أتيناهم في بلادهم ببصائرنا فذة وطاعة خالصة أفتريد حين بلغنا غاية منانا ومنتهى أملنا أن تفسد أمرنا وتفرق كلمتنا وقد قلت لنا من خالفكم فاقتلوه وإن خالفتكم فاقتلوني فأقبل على أبى نصر فقال يا مالك أما تسمع ما يقول لى هذا ما هذا بكلامه يا مالك قال لا تسمع كلامه ولا يهولنك هذا منه فلعمري لقد صدقت ما هذا كلامه ولما بعد هذا أشد منه فامض لامرك ولا ترجع فوالله لئن أتيته ليقتلنك ولقد وقع في نفسه منك شئ لا يأمنك أبدا فقال قوموا فنهضوا فأرسل أبو مسلم إلى نيزك وقال يا نيزك إنى والله ما رأيت طويلا أعقل منك فما ترى فقد جاءت هذه الكتب وقد قال القوم ما قالوا قال لا أرى أن تأتيه وأرى أن تأتى الرى فتقيم بها فيصير ما بين خراسان والرى لك وهم جندك ما يخالفك أحد فإن استقام لك استقمت له وإن أبى

[ 133 ]

كنت في جندك وكانت خراسان من ورائك ورأيت رأيك فدعا أبا حميد فقال ارجع إلى صاحبك فليس من رأيى أن آتيه قال قد عزمت على خلافه قال نعم قال لا تفعل قال ما أريد أن ألقاه فلما آيسه من الرجوع قال له ما أمره به أبو جعفر فوجم طويلا ثم قال قم فكسره ذلك القول ورعبه وكان أبو جعفر قد كتب إلى أبى داود وهو خليفة أبى مسلم بخراسان حين اتهم أبا مسلم ان لك إمرة خراسان ما بقيت فكتب أبو داود إلى أبى مسلم إنا لم نخرج لمعصية خلفاء الله وأهل بيت نبيه صلى الله عليه وسلم فلا تخالفن إمامك ولا ترجعن إلا بإذنه فوافاه كتابه على تلك الحال فزاده رعبا وهما فأرسل إلى أبى حميد وأبى مالك فقال لهما إنى قد كنت معتزما على المضى إلى خراسان ثم رأيت أن أوجه أبا إسحاق إلى أمير المؤمنين فيأتيني برأيه فإنه ممن أثق به فوجهه فلما قدم تلقاه بنو هاشم بكل ما يحب وقال له أبو جعفر اصرفه عن وجهه ولك ولاية خراسان وأجازه فرجع أبو إسحاق إلى أبى مسلم فقال له ما أنكرت شيئا رأيتهم معظمين لحقك يرون لك ما يرون لانفسهم وأشار عليه أن يرجع إلى أمير المومنين فيعتذر إليه مما كان منه فأجمع على ذلك فقال له نيزك قد أجمعت على الرجوع قال نعم وتمثل ما للرجال مع القضاء محالة * ذهب القضاء بحيلة الاقوام فقال إذا عزمت على هذا فخار الله لك احفظ عنى واحدة إذا دخلت عليه فاقتله ثم بايع لمن شئت فان الناس لا يخالفونك وكتب أبو مسلم إلى أبى جعفر يخبره أنه منصرف إليه قالوا قال أبو أيوب فدخلت يوما على أبى جعفر وهو في خباء شعر بالرومية جالس على مصلى بعد العصرو بين يديه كتاب أبى مسلم فرمى به إلى فقرأته ثم قال والله لئن ملات عينى منه لاقتلنه فقلت في نفسي إنا لله وانا إليه راجعون طلبت الكتابة حتى إذا بلغت غايتها فصرت كاتبا للخليفة وقع هذا بين الناس والله ما أرى إنا إن قتل يرضى أصحابه بقتله ولا يدعون هذا حيا ولا أحدا ممن هو بسبيل منه وامتنع منى النوم ثم قلت لعل الرجل يقدم وهو آمن فإن كان آمنا فعسى أن ينال ما يريد وإن قدم وهو حذر لم يقدر عليه إلا في شر فلو

[ 134 ]

التمست حيلة فأرسلت إلى سلمة بن سعيد بن جابر فقلت له هل عندك شكر فقال نعم فقلت إن وليتك ولاية تصيب منها مثل ما يصيب صاحب العراق تدخل معك حاتم بن أبى سليمان أخى قال نعم فقلت وأردت أن يطمع ولا ينكر وتجعل له النصف قال نعم قلت إن كسكر كالت عام أول كذا وكذا ومنها الطعام أضعاف ما كان عام أول فإن دفعتها اليك بقبالتها عاما أول أو بالامانة أصبت ما تضيق به ذرعا قال فكيف لى بهذا المال قلت تأتى أبا مسلم فتلقاه وتكلمه غدا وتسأله أن يجعل هذا فيما يرفع من حوائجه أن نتولاها أنت بما كانت في العام الاول فإن أمير المؤمنين يريد أن يوليه إذا قدم ما وراء بابه ويستريح ويريح نفسه قال فكف لى أن يأذن أمير المؤمنين في لقائه قلت أنا أستأذن لك ودخلت إلى أبى جعفر فحدثته الحديث كله قال فادع سلمة فدعوته فقال إن ابا أيوب استأذن لك أفتحب أن تلقى أبا مسلم قال نعم قال فقد أذنت لك فأقرئه السلام وأعلمه بشوقنا إليه فخرج سلمة فلقيه فقال أمير المؤمنين أحسن الناس فيك رأيا فطابت نفسه وكان قبل ذلك كئيبا فلما قدم عليه سلمة سره ما أخبره به وصدقة ولم يزل مسرورا حتى قدم قال أبو أيوب فلما دنا أبو مسلم في المدائن أمر أمير المؤمنين الناس فتلقوه فلما كان عشية قدم دخلت على أمير المؤمنين وهو في خباء على مصلى فقلت هذا الرجل يدخل العشية فما تريد أن تصنع قال أريد ان أقتله حين أنظر إليه قلت أنشدك الله إنه يدخل معه الناس وقد علموا ما صنع فإن دخل عليك ولم يخرج لم آمن البلاء ولكن إذا دخل عليك فأذن له أن ينصرف فإذا غدا عليك رأيت رأيك وما أردت بذلك الا دفعه بها وما ذاك الا من خوفى عليه وعلينا جميعا من أصحاب أبى مسلم فدخل عليه من عشيته وسلم وقام قائما بين يديه فقال انصرف يا عبد الرحمن فأرح نفسك وادخل الحمام فإن للسفر قشفا ثم اغد على قانصرف أبو مسلم وانصرف الناس قال فافترى على أمير المؤمنين حين خرج أبو مسلم وقال متى اقدر على مثل هذه الحال منه التى رأيته قائما على رجليه ولا أدرى ما يحدث في ليلتى فانصرفت وأصبحت غاديا عليه فلما رأني قال يا ابن اللخناء لا مر حبا بك أنت منعتني منه امس والله

[ 135 ]

ما غمضت الليلة ثم شتمنى حتى خفت ان يأمر بقتلى ثم قال ادع لى عثمان بن نهيك فدعوته فقال يا عثمان كيف بلاء امير المؤمنين عندك قال يا امير المؤمنين انما انا عبدك والله لو امرتني ان اتكئ على سيفى حتى يخرج من ظهرى لفعلت قال كيف انت ان أمرتك بقتل أبى مسلم فوجم ساعة لا يتكلم فقلت مالك لا تتكلم فقال قولة ضعيفة أقتله قال انطلق فجئ بأربعة من وجوه الحرس جلد فمضى فلما كان عند الرواق ناداه يا عثمان يا عثمان إرجع فرجع قال اجلس وأرسل إلى من تثق به من الحرس فأحضر منهم أربعة فقال لو صيف له انطلق فادع شبيب بن واج وادع أبا حنيفة ورجلين آخرين فدخلوا فقال لهم أمير المؤمنين نحوا مما قال لعثمان فقالوا نقتله فقال كونوا خلف الرواق فإذا صفقت فاخرجوا فاقتلوه وأرسل إلى أبى مسلم رسلا بعضهم على أثر بعض فقالوا قد ركب وأتاه وصيف فقال أتى عيسى ابن موسى فقلت يا أمير المؤمنين الا أخرج فأطوف في العسكر فأنظر ما يقول الناس هل ظن أحد ظنا أو تكلم أحد بشئ قال بلى فخرجت وتلقاني أبو مسلم داخلا فتبسم وسلمت عليه ودخل فرجعت فإذا هو منبطح لم ينتظر به رجوعي وجاء أبو الجهم فلما رآه مقتولا قال إنا لله وإنا إليه راجعون فأقبلت على أبى الجهم فقلت له أمرته بقتله حين خالف حتى إذا قتل قلت هذه المقالة فنبهت به رجلا غافلا فتكلم بكلام أصلح ما جاء منه ثم قال يا أمير المؤمنين ألا أرد الناس قال بلى قال فمر بمتاع يحول إلى رواق آخر من أرواقك هذه فأمر بفرش فأخرجت كأنه يريد أن يهيئ له رواقا آخر وخرج أبو الجهم فقال انصرفوا فإن الامير يريد أن يقبل عند أمير المؤمنين ورأوا المتاع ينقل فظنوه صادقا فانصرفوا ثم راحوا فأمر لهم أبو جعفر بجوائزهم وأعطى أبا إسحاق مائة ألف قال أبو أيوب قال لى أمير المؤمنين دخل على أبو مسلم فعاتبته ثم شتمته فضربه عثمان فلم يصنع شيئا وخرج شبيب ابن واج وأصحابه فضربوه فسقط فقال وهم يضربونه العفو ققلت يا ابن اللخناء العفو والسيوف قد اعتورتك وقلت اذبحوه فذبحوه قال على عن أبى حفص الازدي قال كنت مع أبى مسلم فقدم عليه أبو اسحاق من عند أبى جعفر بكتب من بنى

[ 136 ]

هاشم وقال رأيت القوم على غير ما ترى كل القوم يرون لك ما يرون للخليفة ويعرفون ما أبلاهم الله بك فسار إلى المدائن وخلف أبا نصر في ثقله وقال أقم حتى يأتيك كتابي قال فاجعل بينى وبينك آية أعرف بها كتابك قال إن أتاك كتابي مختوما بنصف خاتم فانا كتبته وإن أتاك بالخاتم كله فلم أكتبه ولم أختمه فلما دنا من المدائن تلقاه رجل من قواده فسلم عليه فقال له أطعنى وارجع فانه إن عاينك قتلك قال قد قربت من القوم فأكره أن أرجع فقدم المدائن في ثلاثة آلاف وخلف الناس بحلوان فدخل على أبى جعفر فأمره بالانصراف في يومه وأصبح يريده فتلقاه أبو الخصيب فقال أمير المؤمنين مشغول فاصبر ساعة حتى تدخل خاليا فأتى منزل عيسى بن موسى وكان يحب عيسى فدعا له بالغداء وقال أمير المؤمنين للربيع وهو يومئذ وصيف يخدم أبا الخصيب انطلق إلى أبى مسلم ولا يعلم أحد فقل له قال لك مرزوق إن أردت أمير المؤمنين خاليا فالعجل فقام فركب وقال له عيسى ولا تعجل بالدخول حتى أحضر أدخل معك فأبطأ عيسى بالوضوء ومضى أبو مسلم فدخل فقتل قبل أن يجئ عيسى وجاء عيسى وهو مدرج في عباءة فقال أين أبو مسلم قال مدرج في الكساء قال إنا لله قال اسكت فما تم سلطانك وأمرك الا اليوم ثم رمى به في دجلة قال على قال أبو حفص دعا أمير المؤمنين عثمان بن نهيك وأربعة من الحرس فقال لهم إذا ضربت بيدى إحداهما على الاخرى فاضربوا عدوالله فدخل عليه أبو مسلم فقال له أخبرني عن نصلين أصبتهما في متاع عبد الله بن على قال هذا أحدهما الذى على قال أرنيه فانتضاه فناوله فهزه أبو جعفر ثم وضعه تحت فراشه وأقبل عليه يعابته فقال أخبرني عن كتابك إلى أبى العباس تنهاه عن الموات أردت أن تعلمنا الدين قال ظننت أخذه لا يحل فكتب إلى فلما أتانى كتابه علمت أن أمير المؤمنين وأهل بيته معدن العلم قال فأخبرني عن تقدمك إياى في الطريق قال كرهت اجتماعنا على الماء فيضر ذلك بالناس فتقدمتك التماس المرفق قال فقولك حين أتاك الخبر بموت أبى العباس لمن أشار عليك أن تنصرف إلى نقدم فبرى من رأينا ومضيت فلا أنت أقمت حتى نلحقك ولا أنت رجعت إلى قال منعنى من

[ 137 ]

ذلك ما أخبرتك من طلب المرفق بالناس وقلت نقدم الكوفة فليس عليه منى خلاف قال فجارية عبد الله بن على أردت أن تتخذها قال لا ولكني خفت أن تضيع فحملتها في قبة ووكلت بها من يحفظها قال فمراغمتك وخروجك إلى خراسان قال خفت أن يكون قد دخلك منى شئ فقلت آتى خراسان فأكتب اليك بعذري وإلى ذاك ما قد ذهب ما في نفسك على قال تا لله ما رأيت كاليوم قط والله ما زدتني الاغضبا وضرب بيده فخرجوا عليه فضربه عثمان وأصحابه حتى قتلوه قال على قال يزيد ابن أسيد قال أمير المؤمنين عاتبت عبد الرحمن فقلت المال الذى جمعته بحران قال أنفقته وأعطيته الجند تقوية لهم واستصلاحا قلت فرجوعك إلى خراسان مراغما قال دع هذا فما أصبحت أخاف أحدا الا الله فغضبت فشتمته فخرجوا فقتلوه وقال غير من ذكرت في أمر أبى مسلم أنه لما أرسل إليه يوم قتل أتى عيسى ابن موسى فسأله أن يركب معه فقال له تقدم وأنت في ذمتي فدخل مضرب أبى جعفر وقد أمر عثمان بن نهيك صاحب الحرس فأعد له شبيب بن واج المروروذى رجلا من الحرس وأبا حنيفة حرب بن قيس وقال لهم إذا صفقت بيدى فشأنكم وأذن لابي مسلم فقال لمحمد البواب النجارى ما الخبر قال خير يعطينى الامير سيفه فقال ما كان يصنع بى هذا قال وما عليك فشكا ذلك إلى أبى جعفر قال ومن فعل بك هذا قبحه الله ثم أقبل يعاتبه ألست الكاتب إلى تبدأ بنفسك والكاتب إلى تخطب أمينة بنت على وتزعم أنك ابن سليط بن عبد الله بن عباس ما دعاك إلى قتل سليمان بن كثير مع أثره في دعوتنا وهو أحد نقبائنا قبل أن ندخلك في شئ من هذا الامر قال أراد الخلاف وعصاني فقتلته فقال المنصور وحاله عند حاله فقتلته وتعصيني وأنت مخالف على قتلني الله إن لم أقتلك فضربه بعمود وخرج شبيب وحرب فقتلاه وذلك لخمس ليال بقين من شعبان من سنة 137 فقال المنصور زعمت أن الدين لا يقتضى * فاستوف بالكيل أبا مجرم سقيت كاسا كنت تسقى بها * أمر في الحلق من العلقم قال وكان أبو مسلم قد قتل في دولته وحروبه ستمائة ألف صبرا وقيل أن

[ 138 ]

أبا جعفر لما عاتب أبا مسلم قال له فعلت وفعلت قال له أبو مسلم ليس يقال هذا لى بعد بلائى وما كان منى فقال يا ابن الخبيثة والله لو كانت أمة مكانك لاجزت ناحيتها إنما عملت ما عملت في دولتنا وبريحنا ولو كان ذلك إليك ما قطعت قتيلا ألست الكاتب إلى تبدأ بنفسك والكاتب إلى تخطب أمينة بنت على وتزعم أنك ابن سليط بن عبد الله بن عباس لقدار تقيت لا أم لك مرتقى صعبا فأخذ أبو مسلم بيده يعركها ويقبلها ويعتذر إليه وقيل أن عثمان بن نهيك ضرب أبا مسلم أول ما ضرب ضربة خفيفة بالسيف فلم يزد على أن قطع حمائل سيفه فاعتقل بها أبو مسلم وضربه شبيب بن واج فقطع رجله واعتوره بقية أصحابه حتى قتلوه والمنصور يصيح بهم اضربوا قطع الله أيديكم وقد كان أبو مسلم قال فيما قيل عند أول ضربة أصابته يا أمير المؤمنين استبقني لعدوك قال لا أبقاني الله إذا وأى عدو لى أعدى منك وقيل إن عيسى بن موسى دخل بعد ما قتل أبو مسلم فقال يا أمير المؤمنين أين أبو مسلم فقال قد كان ههنا آنفا فقال عيسى يا أمير المؤمنين قد عرفت طاعته ونصيحته ورأى الامام إبراهيم كان فيه فقال يا أنوك والله ما أعلم في الارض عدوا أعدى لك منه ها هو ذاك في البساط فقال عيسى إنا لله وإنا إليه راجعون وكان لعيسى رأى في أبى مسلم فقال له المنصور خلع الله قلبك وهل كان لكم ملك أو سلطان أو أمر أو نهى مع أبى مسلم ثم دعا أبو جعفر بجعفر بن حنظلة فدخل عليه فقال ما تقول في أبى مسلم فقال يا أمير المؤمنين إن كنت أخذت شعرة من رأسه فاقتل ثم اقتل ثم اقتل فقال المنصور وفقك الله ثم أمره بالقيام والنظر إلى أبى مسلم مقتولا فقال يا أمير المؤمنين عد من هذا اليوم لخلافتك ثم استؤذن لا سماعيل ابن على فدخل فقال يا أمير المؤمنين إنى رأيت في ليلتى هذه كأنك ذبحت كبشا وأتى توطأته برجلي فقال نامت عينك يا أبا الحسن قم فصدق رؤياك قد قتل الله الفاسق فقام اسماعيل إلى الموضع الذى فيه أبو مسلم فتوطأه ثم إن المنصور هم بقتل أبى اسحاق صاحب حرس أبى مسلم وقتل أبى نصر مالك وكان على شرط أبى مسلم فكلمه أبو الجهم فقال يا امير المؤمنين جنده جندك امرتهم بطاعته فأطاعوه ودعا

[ 139 ]

المنصور بأبى اسحاق فلما دخل عليه ولم ير أبا مسلم قال أبو جعفر أنت المتابع لعدو الله أبى مسلم على ما كان اجمع فكف وجعل يلتفت يمينا وشمالا تخوفا من أبى مسلم فقال له المنصور تكلم بما اردت فقد قتل الله الفاسق وأمر بإخراجه إليه مقطعا فلما رآه أبو اسحق خر ساجدا فأطال السجود فقال له المنصور إرفع رأسك وتكلم فرفع رأسه وهو يقول الحمد الله الذى آمنني بك اليوم والله ما أمنته يوما واحدا منذ صحبته وما جئته يوما قط إلا وقد أوصيت وتكفنت وتحنطت ثم رفع ثيابه الظاهرة فإذا تحتها ثياب كتان جدد وقد تحنطت فلما رأى أبو جعفر حاله رحمه ثم قال استقبل طاعة خليفتك واحمد الله الذى أراحك من الفاسق ثم قال له أبو جعفر فرق عنى هذه الجماعة ثم دعا بمالك بن الهيثم فحدثه بمثل ذلك فاعتذر إليه بأنه أمره بطاعته وإنما خدمه وخف له الناس بمرضاته وأنه قد كان في طاعتهم قبل أن يعرف أبا مسلم فقبل منه وأمره بمثل ما أمر به أبا إسحاق من تفريق جند أبى مسلم وبعث أبو جعفر إلى عدة من قواد أبى مسلم بجوائز سنية وأعطى جميع جنده حتى رضوا ورجع أصحابه وهم يقولون بعنا مولانا بالدراهم ثم دعا أبو جعفر بعد ذلك أبا إسحاق فقال أقسم بالله لئن قطعوا طنبا من أطنابي لا ضربن عنقك ثم لاجاهدنهم فخرج إليهم أبو إسحاق فقال يا كلاب انصرفوا قال على قال أبو حفص الازدي لما قتل أبو مسلم كتب أبو جعفر إلى أبى نصر كتابا عن لسان أبى مسلم يأمره بحمل ثقله وما خلف عنده وأن يقدم وختم الكتاب بخاتم أبى مسلم فلما رأى أبو نصر نقش الخاتم تاما علم أن أبا مسلم لم يكتب الكتاب فقال أفعلتموها وانحدر إلى همذان وهو يريد خراسان فكتب أبو جعفر لابي نصر عهده على شرزور ووجه رسولا إليه بالعهد فأتاه حين مضى الرسول بالعهد أنه قد توجه إلى خراسان فكتب إلى زهير بن التركي وهو على همذان إن مربك أبو نصر فاحبسه فسبق الكتاب إلى زهير وأبو نصر بهمذان فأخذه فحبسه في القصر وكان زهير مولى لخزاعة فأشرف أبو نصر على إبراهيم بن عريف وهو ابن أخى أبى نصر لامه فقال يا إبراهيم تقتل عمك قال لا والله أبدا فأشرف زهير فقال لابراهيم

[ 140 ]

إنى مأمور والله إنه لمن أعز الخلق على ولكني لا أستطيع رد أمر امير المؤمنين ووالله لئن رمى أحدكم بسهم لارمين إليكم برأسه ثم كتب أبو جعفر كتابا آخر إلى زهير إن كنت أخذت أبا نصر فاقتله وقدم صاحب العهد على أبى نصر بعهده فخلى زهير سبيله لهواه فيه فخرج ثم جاء بعد يوم الكتاب إلى زهير بقتله فقال جاءني كتاب بعهده فخليت سبيله وقدم أبو نصر على أبى جعفر فقال أشرت على أبى مسلم بالمضي إلى خراسان فقال نعم يا أمير المؤمنين كانت له عندي أياد وصنائع فاستشارني فنصحت له وأنت يا أمير المؤمنين إن اصطنعتني نصحت لك وشكرت فعفا عنه فلما كان يوم الراوندية قام أبو نصر على باب القصر وقال أنا اليوم البواب لا يدخل أحد القصر وأنا حى فقال أبو جعفر أين مالك بن الهيثم فأخبروه عنه فرأى أنه قد نصح له وقيل إن أبا نصر مالك بن الهيثم لما مضى إلى همذان كتب أبو جعفر إلى زهير بن التركي ان لله دمك ان فاتك مالك فأتى زهير مالكا فقال له انى قد صنعت لك طعاما فلو أكرمتني بدخول منزلي فقال نعم وهيأ زهير أربعين رجلا تخيرهم فجعلهم في بيتين يفضيان إلى المجلس الذى هيأه فلما دخل مالك قال يا أدهم عجل طعامك فخرج أولئك الاربعون إلى مالك فشدوه وثاقا ووضع في رجليه القيود وبعث به إلى المنصور فمن عليه وصفح عنه واستعمله على الموصل (وفى هذه السنة) ولى أبو جعفر المنصور أبا داود خالد بن إبراهيم خراسان وكتب إليه بعهده (وفيها) خرج سنباذ بخراسان يطلب بدم أبى مسلم ذكر الخبر عن سنباذ * ذكر أن سنباذ هذا كان مجوسيا من أهل قرية من قرى نيسابور يقال لها أهن وانه كثر أتباعه لما ظهرو كان خروجه غضبا لقتل أبى مسلم فيما قيل وطلبا بثأره وذلك انه كان من صنائعه وغلب حين خرج على نيسابور وقومس والرى ويسمى فيروز اصبهبذ فلما صار بالرى قبض خزائن أبى مسلم وكان أبو مسلم خلف بها خزائنه حين شخص متوجها إلى أبى العباس وكان عامة أصحاب سنباذ أهل الجبال فوجه إليهم أبو جعفر جهور بن مرار العجلى في عشرة آلاف فالتقوا بين همذان

[ 141 ]

والرى على طرف المفازة فاقتتلوا فهزم سنباذ وقتل من أصحابه في الهزيمة نحوا من ستين ألفا وسبى ذراريهم ونساءهم ثم قتل سنباذ بين طبرستان وقومس قتله لونان الطبري قصير المنصور اصبهبذة طبرستان إلى ولدا هرمز بن الفرخان وتوجه وكان بين مخرج سنباذ إلى قتله سبعون ليلة (وفى هذه السنة) خرج ملبد بن حرملة الشيباني فحكم بناحية الجزيرة فسارت إليه روابط الجزيرة وهم يومئذ فيما قيل ألف فقتاتلهم ملبد فهزمهم وقتل من قتل منهم ثم سارت إليه روابط الموصل فهزمهم ثم سار إليه يزيد بن حاتم المهلبى فهزمه ملبد بعد قتال شديد كان بينهما وأخذ ملبد جارية ليزيد كان يطأها وقتل قائد من قواده ثم وجه إليه أبو جعفر مولاه المهلهل بن صفوان في ألفين من نخبة الجند فهزمهم ملبد واستباح عسكرهم ثم وجه إليه نزارا قائدا من قواد أهل خراسان فقتله ملبد وهزم أصحابه ثم وجه إليه زياد بن مشكان في جمع كثير فلقيهم ملبد فهزمهم ثم وجه إليه صالح بن صبيح في جيش كثيف وخيل كثيرة وعدة فهزمهم ثم سار إليه حميد بن قحطبة وهو يومئذ على الجزيرة فلقيه الملبد فهزمه وتحصن منه حميد وأعطاه مائة ألف درهم على أن يكف عنه وأما الواقدي فإنه زعم أن ظهور ملبد وتحكيمه كان في سنة 138 ولم يكن للناس في هذه السنة صائفة لشغل السلطان بحرب سنباذ (وحج) بالناس في هذه السنة اسماعيل بن على بن عبد الله بن عباس كذلك قال الواقدي وغيره وهو على الموصل وكان على المدينة زياد بن عبيد الله والعباس بن عبد الله بن معبد على مكة وماث العباس عند انقضاء الموسم فضم اسماعيل عمله إلى زياد بن عبيد الله فأقره عليهم أبو جعفر وكان على الكوفة في هذه السنة عيسى بن موسى وعلى البصرة وأعمالها سليمان ابن على وعلى قضائها عمر بن عامر السلمى وعلى خراسان أبو داود خالد بن ابراهيم وعلى الجزيرة حميد بن قحطبة وعلى مصر صالح بن على بن عبد الله بن عباس

[ 142 ]

ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومائة ذكر ما كان فيها من الاحداث فما كان فيها من ذلك دخول قسطنطين طاغية الروم ملطية عنوة وقهرا لاهلها وهدمه سورها وعفوه عمن فيها من المقاتلة والذرية ومنها غزو العباس بن محمد ابن على بن عبد الله بن العباس في قول الواقدي الصائفة مع صالح بن على بن عبد الله فوصله صالح بأربعين ألف دينار وخرج معهم عيسى بن على بن عبد الله فوصله أيضا بأربعين ألف دينار فبنى صالح بن على ما كان صاحب الروم هدمه من ملطية وقد قيل إن خروج صالح والعباس إلى ملطية للغزو كان في سنة 139 (وفى هذه السنة) بايع عبد الله بن على لابي جعفر وهو مقيم بالبصرة مع أخيه سليمان بن على (وفيها) خلع جهور بن مرار العجلى المنصور ذكر سبب خلعه إياه وكان سبب ذلك فيما ذكر أن جهورا لما هزم سنباذ حوى ما في عسكره وكان فيه خزائن أبى مسلم التى كان خلفها بالرى فلم يوجهها إلى أبى جعفر وخاف فخلع فوجه إليه أبو جعفر محمد بن الاشعث الخزاعى في جيش عظيم فلقيه محمد فاقتتلوا قتالا شديدا ومع جهور نخب فرسان العجم زياد ودلاستاخنج فهزم جهور وأصحابه وقتل من أصحابه خلق كثير وأسر زياد ودلاستاخنج وهرب جهور فلحق بأذربيجان فأخذ بعد ذلك باسباذر وفقتل (وفى هذه السنة) قتل الملبد الخارجي ذكر الخبر عن مقلته * ذكر أن أبا جعفر لما هزم الملبد حميد بن قحطبة وتحصن منه حميد وجه إليه عبد العزيز بن عبد الرحمن أخا عبد الجبار بن عبد الرحمن وضم إليه زياد بن مشكان فأكمن له الملبد مائة فارس فلما لقيه عبد العزيز خرج عليه الكمين فهزموه وقتلوا عامة أصحابه فوجه أبو جعفر إليه خازم بن خزيمة في نحو من ثمانية آلاف من المروروذية فسار خازم حتى نزل الموصل وبعث إلى الملبد بعض أصحابه وبعث

[ 143 ]

معهم الفعلة فسار إلى بلد فخندقوا وأقاموا له الاسواق وبلغ ذلك الملبد فخرج حتى نزل ببلد في خندق خازم فلما بلغ ذلك خازما خرج إلى مكان من أطراف الموصل حريز فعسكر به فلما بلغ ذلك الملبد عبر دجلة من بلد وتوجه إلى خازم من ذلك الجانب يريد الموصل فلما بلغ خازما ذلك وبلغ اسماعيل بن على وهو على الموصل أمر اسماعيل خازما أن يرجع من معسكره حتى يعبر من جسر الموصل فلم يفعل وعقد جسرا من موضع معسكره وعبر إلى الملبد وعلى مقدمته وطلائعه نضلة بن نعيم بن خازم ابن عبد الله النهشلي وعلى ميمنته زهير بن محمد العامري وعلى ميسرته أبو حماد الابرص مولى بنى سليم وسار خازم في القلب فلم يزل يساير الملبد وأصحابه حتى غشيهم الليل ثم توافقوا ليلتهم وأصبحوا يوم الاربعاء فمضى الملبد وأصحابه متوجهين إلى كورة حزة وخازم وأصحابه يسايرونهم حتى غشيهم الليل وأصبحوا يوم الخميس وسار الملبد وأصحابه كأنه يريد الهرب من خازم فخرج خازم وأصحابه في أثرهم وتركوا خندقهم وكان خازم تخندق عليه وعلى أصحابه بالحسك فلما خرجوا من خندقهم كر عليهم الملبد وأصحابه فلما رأى ذلك خازم ألقى الحسك بين يدين وبين يدى أصحابه فحملوا على ميمنة خازم وطووها ثم حملوا على الميسرة وطووها ثم انتهوا إلى القلب وفيه خازم فلما رأى ذلك خازم نادى في أصحابه الارض الارض فنزلوا ونزل الملبد وأصحابه وعقروا عامة دوابهم ثم اضطربوا بالسيوف حتى تقطعت وأمر خازم نضلة بن نعيم ان إذ اسطع الغبار ولم يبصر بعضنا بعضا فارجع إلى خيلك وخيل أصحابك فاركبوها ثم ارموا بالنشاب ففعل ذلك وتراجع أصحاب خازم من الميمنة إلى الميسرة ثم رشقوا الملبد وأصحابه بالنشاب فقتل الملبد في ثمانمائة رجل ممن ترجل وقتل منهم قبل أن يترجلوا زهاء ثلثمائة وهرب الباقون وتبعهم نضلة فقتل منهم مائة وخمسين رجلا (وحج) بالناس في هذه السنة الفضل بن صالح بن على بن عبد الله بن عباس كذلك قال الواقدي وغيره وذكر أنه كان خرج من عند أبيه من الشأم حاجا فأدركته ولا يته على الموسم والحج بالناس في الطريق فمر بالمدينة

[ 144 ]

فأحرم منها وزياد بن عبيد الله على المدينة ومكة والطائف وعلى الكوفة وسوادها عيسى بن موسى وعلى البصرة وأعمالها سليمان بن على وعلى قضائها سوار بن عبد الله وأبو داود خالد بن إبراهيم على خراسان وعلى مصر صالح بن على ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك ما كان من إقامة صالح بن على والعباس بن محمد بملطية حتى استتما بناء ملطية ثم غزوا الصائفة من درب الحدث فوغلا في أرض الروم وغزا مع صالح أختاه أم عيسى ولبابة ابنتا على وكانتا ندرتا إن زال ملك بنى أمية أن تجاهد في سبيل الله وغزا من درب ملطية جعفر بن حنظلة البهرانى (وفى هذه السنة) كان الفداء الذى جرى بين المنصور وصاحب الروم فاستنقذ المنصور منهم أسراء المسلمين ولم يكن بعد ذلك فيما قيل للمسلمين صائفة إلى سنة 146 لاشتغال أبى جعفر بأمر ابني عبد الله بن الحسن إلا أن بعضهم ذكر أن الحسن بن قحطبة غزا الصائفة مع عبد الوهاب بن إبراهيم الامام في سنة 140 وأقبل قسطنطين صاحب الروم في مائة ألف فنزل جيحان فبلغه كثرة المسلمين فأحجم عنهم ثم لم يكن بعدها صائفة إلى سنة 146 (وفى هذه السنة) سار عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك ابن مروان إلى الاندلس فملكه أهلها أمرهم فولده ولاتها إلى اليوم (وفيها) وسع أبو جعفر المسجد الحرام وقيل إنها كانت سنة خصبة فسميت سنة الخصب (وفيها) عزل سليمان بن على عن ولاية البصرة وعما كان إليه من أعمالها وقد قيل إنه عزل عن ذلك في سنة 140 (وفيها) ولى المنصور ما كان إلى سليمان بن على من عمل البصرة سفيان بن معاوية وذلك فيما قيل يوم الاربعاء للنصف من شهر رمضان فلما عزل سليمان وولى سفيان توارى عبد الله بن على وأصحابه خوفا على أنفسهم فبلغ ذلك أبو جعفر فبعث إلى سليمان وعيسى ابني على وكتب إليهما في أشخاص عبد الله بن على وعزم عليهما أن يفعلا ذلك ولا يؤخراه وأعطاهما

[ 145 ]

من الامان لعبد الله بن على ما رضياه له ووثقا به وكتب إلى سفيان بن معاوية يعلمه ذلك ويأمره بإزعاجهما واستحثاثهما بالخروج بعبد الله ومن معه من خاصته فخرج سليمان وعيسى بعبد الله وبعامة قواده وخواص أصحابه ومواليه حتى قدموا على أبى جعفر يوم الخميس لاثنتى عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة (وفيها) أمر أبو جعفر بحبس عبد الله بن على وبحبس من كان معه من أصحابه وبقتل بعضهم ذكر الخبر عن ذلك ولما قدم سليمان وعيسى ابنا على على أبى جعفر أذن لهما فدخلا عليه فأعلماه حضور عبد الله بن على وسألاه الاذن له فأنعم لهما بذلك وشغلهما بالحديث وقد كان هيأ لعبد الله بن على محبسا في قصره وأمر به أن يصرف إليه بعد دخول عيسى وسليمان إليه ففعل ذلك به ونهض أبو جعفر من مجلسه فقال لسليمان وعيسى سارعا بعبد الله فلما خرجا افتقدا عبد الله من المجلس الذى كان فيه فعلما أنه قد حبس فانصرفا راجعين إلى أبى جعفر فحيل بينهما وبين الوصول إليه وأخذت عند ذلك سيوف من حضر من أصحابه عبد الله بن على من عواتقهم وحبسوا وقد كان خفاف بن منصور حذرهم ذلك وندم على مجيئه وقال لهم إن أنتم أطعتموني شددنا شدة واحدة على أبى جعفر فوالله لا يحول بيننا وبينه حائل حتى نأتى على نفسه ونشد على هذه الابواب مصلتين سيوفنا ولا يعرض لنا عارض إلا أفتنا نفسه حتى نخرج وننجو بأنفسنا فعصوه فلما أخذت السيوف وأمر بحبسهم جعل خفاف يضرط في لحيته ويتفل في وجوه أصحابه ثم أمر أبو جعفر بقتل بعضهم بحضرته وبعث بالبقية إلى أبى داود خالد بن ابراهيم بخراسان فقتلهم بها * وقد قيل إن حبس أبى جعفر عبد الله بن على كان في سنة 140 (وحج) بالناس في هذه السنة العباس بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس * وكان على مكة والمدينة والطائف زياد بن عبيد الله الحارثى وعلى الكوفة وأرضها عيسى بن موسى وعلى البصرة وأعمالها سفيان بن معاوية وعلى قضائها سوار بن عبد الله وعلى خراسان أبو داود خالد بن ابراهيم

[ 146 ]

ثم دخلت سنة أربعين ومائة ذكر ما كان فيها من الاحداث فمن ذلك ما كان فيها من مهلك عامل خراسان ذخر الخبر عن ذلك وسبب هلاكه ذكر أن ناسا من الجند ثاروا بأبى داود خالد بن ابراهيم بخراسان وهو عامل أبى جعفر المنصور عليها في هذه السنة ليلا وهو نازل بباب كشماهن من مدينة مرو حتى وصلوا إلى المنزل الذى هو فيه فأشرف أبو داود من الحائط على حرف آجرة خارجة وجعل ينادى أصحابه ليعرفوا صوته فانكسرت الآجرة عند الصبح فوقع على سترة صفة كانت قدام السطح فانكسر ظهره فمات عند صلاة العصر فقام عصام صاحب شرطة أبى داود بخلافة أبى داود حتى قدم عليه عبد الجبار بن عبد الرحمن الازدي (وفيها) ولى أبو جعفر عبد الجبار بن عبد الرحمن خراسان فقدمها فأخذ بها ناسا من القواد ذكر أنه اتهمهم بالدعاء إلى ولد على بن أبى طالب منهم مجاشع بن حريث الانصاري صاحب بخارى وأبو المغيرة مولى بنى تميم واسمه خالد بن كثير وهو صاحب قوهستان والحريش بن محمد الذهلى ابن عم أبى داود فقتلهم وحبس الجنيد بن خالد بن هريم التغلبي ومعبد بن الخليل المزني بعد ما ضربهما ضربا مبرحا وحبس عدة من وجوه قواد أهل خراسان وألح على استخراج ما على عمال أبى داود من بقايا الاموال (وفيها) خرج أبو جعفر المنصور حاجا فأحرم من الحيرة ثم رجع بعد ما قضى حجه إلى المدينة فتوجه منها إلى بيت المقدس * وكان عمال الامصار في هذه السنة عمالها في السنة التى قبلها إلا خراسان فإن عاملها كان عبد الجبار ولما قدم أبو جعفر بيت المقدس صلى في مسجدها ثم سلك الشأم منصرفا حتى انتهى إلى الرقة فنزلها فأتى بمنصور بن جعونة بن الحارث العامري من بنى عامر بن صعصعة فقتله ثم شخص منها فسلك الفرات حتى أتى الهاشمية شمية الكوفة

[ 147 ]

ثم دخلت سنه إحدى وأربعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك خروج الراوندية (وقد قال) بعضهم كان أمر الراوندية وأمر أبى جعفر الذى أنا ذاكره في سنة 137 أو 136 ذكر الخبر عن أمرهم وأمر أبى جعفر المنصور معهم والراوندية قوم فيما ذكر عن على بن محمد كانوا من أهل خراسان على رأى أبى مسلم صاحب دعوة بنى هاشم يقولون فيما زعم بتناسخ الارواح ويزعمون أن روح آدم في عثمان بن نهيك وأن ربهم الذى يطعمهم ويسقيهم هو أبو جعفر المنصور وأن الهيثم بن معاوية جبرئيل قال وأتوا قصر المنصور فجعلوا يطوفون به ويقولون هذا قصر ربنا فأرسل المنصور إلى رؤسائهم فحبس منهم مائتين فغضب أصحابهم وقالوا علام حبسوا وأمر المنصور ألا يجتمعوا فأعدوا نعشا وحملوا السرير وليس في النعش أحدثم مروا في المدينة حتى صاروا على باب السجن فرموا بالنعش وشدوا على الناس ودخلوا السجن فأخرجوا أصحابهم وقصدوا نحو المنصور وهم يومئذ ستمائة رجل فتنادى الناس وغلقت أبواب المدينة فلم يدخل أحد فخرج المنصور من القصر ماشيا ولم تكن في القصر دابة فجعل بعد ذلك اليوم يرتبط فرسا يكون في دار الخلافة معه في قصره قال ولما خرج المنصور أتى بدابة فركبها وهو يريدهم وجاء معن بن زائدة فانتهى إلى أبى جعفر فرمى بنفسه وترجل وأدخل خرقة قبائه في منطقته وأخذ بلجام دابة المنصور وقال أنشدك الله يا أمير المؤمنين إلا رجعت فإنك تكفى وجاء أبو نصر مالك بن الهيثم فوقف على باب القصر وقال أنا اليوم بواب ونودى في أهل السوق فرموهم وقاتلوهم حتى أثخنوهم وفتح باب المدينة فدخل الناس وجاء خازم بن خزيمة على فرس محذوف فقال يا أمير المؤمنين أقتلهم قال نعم فحمل عليهم حتى ألجأهم إلى ظهر حائط ثم كروا على خازم فكشفوه وأصحابه ثم كرخازم عليهم فاضطرهم إلى حائط المدينة وقال للهيثم بن شعبة إذا كروا علينا فاسبقهم إلى

[ 148 ]

الحائط فإذا رجعوا فاقتلهم فحملوا على خازم فاطرد لهم وصار الهيثم بن شعبة من ورائهم فقتلوا جميعا وجاءهم يومئذ عثمان بن نهيك فكلمهم فرجع فرموه بنشابة وقعت بين كتفيه فمرض أياما ومات منها فصلى عليه أبو جعفر وقام على قبره حتى دفن وقال رحمك الله أبا يزيد وصير مكانه على حرسه عيسى بن نهيك فكان على الحرس حتى مات فجعل على الحرس أبا العباس الطوسى وجاء يومئذ اسماعيل بن على وقد أغلقت الابواب فقال للبواب افتح ولك ألف درهم فأبى وكان القعقاع بن ضرار يومئذ بالمدينة وهو على شرط عيسى بن موسى فأبلى يومئذ وكان ذلك كله في المدينة الهاشمية بالكوفة قال وجاء يومئذ الربيع ليأخذ بلجام المنصور فقال له معن ليس هذا من أيامك فأبلى ابرويز من المصمغان ملك دنباوند وكان خالف أخاه فقدم على أبى جعفر فأكرمه وأجرى عليه رزقا فلما كان يومئذ أتى المنصور فكفر له وقال أقاتل هؤلاء قال له نعم فقاتلهم فكان إذا ضرب رجلا فصرعه تأخر عنه فلما قتلوا وصلى المنصور الظهر دعا بالعشاء وقال أطلعوا معن بن زاثدة وأمسك عن الطعام حتى جاءه معن فقال لقثم تحول إلى هذا الموضع واجلس معنا مكان قثم فلما فرغوا من العشاء قال لعيسى بن على يا أبا العباس أسمعت بأسد الرجال قال نعم قال لو رأيت اليوم معنا علمت أنه من تلك الآساد قال معن والله يا أمير المؤمنين لقد أتيتك وإنى لوجل القلب فلما رأيت ما عندك من الاستهانة بهم وشدة الاقدام عليهم رأيت أمرا لم أره من خلق في حرب فشد ذلك من قلبى وحملنى على ما رأيت منى وقال ابن خزيمة يا أمير المؤمنين إن لهم بقية قال فقد وليتك أمرهم فاقتلهم قال فاقتل رزاما فانه منهم فعاذر رزام بن بجعفر بن أبى جعفر فطلب فيه فآمنه قال على عن أبى بكر الهذلى قال إنى لواقف بباب أمير المؤمنين إذ طلع فقال رجل إلى جانبى هذا رب العزة هذا الذى يطعمنا ويسقينا فلما رجع أمير المؤمنين ودخل عليه الناس دخلت وخلا وجهه فقلت له سمعت اليوم عجبا وحدثته فنكت في الارض وقال يا هذلي يدخلهم الله النار في طاعتنا ويعتلهم أحب إلى من أن يدخلهم الجنة بمعصيتنا * وذكر عن جعفر بن عبد الله

[ 149 ]

قال حدثنى الفضل بن الربيع قال حدثنى أبى قال سمعت المنصور يقول أخطأت ثلاث خطيات وقانى الله شرها قتلت أبا مسلم وأنا في في خرق ومن حولي يقدم طاعته ويؤثرها ولو هتكت الخرق لذهبت ضياعا وخرجت يوم الراوندية ولو أصابني سهم غرب لذهبت ضياعا وخرجت إلى الشأم ولو اختلف سيفان بالعراق ذهبت الخلافة ضياعا وذكر أن معن بن زائدة كان مختفيا من أبى جعفر لما كان منه من قتاله المسودة مع ابن هبيرة مرة بعد مرة وكان اختفاؤه عند مرزوق أبى الخصيب وكان على أن يطلب له الامان فلما خرج الراوندية أتى الباب فقام عليه فسأل المنصور أبا الخصيب وكان يلى حجابة المصنور يومئذ من بالباب فقال معن بن زائدة فقال المنصور رجل من العرب شديد النفس عالم بالحرب كريم الحسب أدخله فلما دخل قال إيه يا معن ما الرأى قال الرأى أن تنادى في الناس وتأمر لهم بالاموال قال وأين الناس والاموال ومن يقدم على أن يعرض نفسه لهؤلاء العلوج لم تصنع شيئا يا معن الرأى أن أخرج فأقف فإن الناس إذا رأوني قاتلوا وأبلوا وثابوا إلى تراجعوا وإن أقمت تخاذلوا وتهاونوا فأخذ معن بيده وقال يا أمير المؤمنين إذا والله تقتل الساعة فأنشدك الله في نفسك فأتاه أبو الخصيب فقال مثلها فاجتذب ثوبه منهما ثم دعا بدابته فركب ووثب عليها من غير ركاب ثم سوى ثيابه وخرج ومعن آخذ بلجامه وأبو الخصيب مع ركابه فوقف وتوجه إليه رجل فقال يا معن دونك العلج فشد عليه معن فقتله ثم والى بين أربعة وثاب إليه الناس وتراجعوا ولم يكن إلا ساعة حتى أفنوهم وتغيب معن بعد ذلك فقال أبو جعفر لابي الخصيب ويلك أين معن قال والله ما أدرى أين هو من الارض فقال أيظن أن أمير المؤمنين لا يغفر ذنبه بعد ما كان من بلائه أعطه الامان وأدخله على فأدخله فأمر له بعشرة آلاف درهم وولاه اليمن فقال له أبو الخصيب قد فرق صلته وما يقدر على شئ قال له لو أراد مثل ثمنك ألف مرة لقدر عليه (وفى هذه السنة) وجه أبو جعفر المنصور ولده محمدا وهو يومئذ ولى عهد إلى خراسان في الجنود وأمره بنزول الرى ففعل ذلك محمد (وفيها) خلع عبد الجبار بن

[ 150 ]

عبد الرحمن عامل أبى جعفر على خراسان ذكر على بن محمد عمن حدثه عن أبى أيوب الخوزى أن المنصور لما بلغه أن عبد الجبار يقتل رؤساء أهل خراسان وأتاه من بعضهم كتاب فيه قد نغل الاديم قال لابي أيوب الخزاعى إن عبد الجبار قد أفنى شيعتنا وما فعل هذا إلا وهو يريد أن يخلع فقال له ما أيسر حيلته اكتب إليه أنك تريد غزو الروم فنوجه اليك الجنود من خراسان وعليهم فرسانهم ووجوهم فإذا خرجوا منها فابعث إليهم من شئت فليس من امتناع فكتب بذلك إليه فأجابه أن الترك قد جاشت وإن فرقت الجنود ذهبت خراسان فألقى الكتاب إلى أبى أيوب وقال له ما ترى قال قد أمكنك من قياده اكتب إليه أن خراسان أهم إلى من غيرها وأنا موجه اليك الجنود من قبلى ثم وجه إليه الجنود ليكونوا بخراسان فان هم بخلع أخذوا بعنقه فلما ورد على عبد الجبار الكتاب كتب إليه أن خراسان لم تكن قط أسوأ حالا منها في هذا العام وان دخلها الجنود هلكوا لضيق ماهم فيه من غلاء السعر فلما أتاه الكتاب ألقاه إلى أبى أيوب فقال له قد أبدى صفحته وقد خلع فلا تناظره فوجه إليه محمد بن المنصور وأمره بنزول الرى فسار إليها المهدى ووجه لحربه خازم بن خزيمة مقدمة له ثم شخص المهدى فنزل نيسابور ولما توجه خازم بن خزيمة إلى عبد الجبار وبلغ ذلك أهل مرو الروذ ساروا إلى عبد الجبار من ناحيتهم فناصبوه الحرب وقاتلوه قتالا شديدا حتى هزم فانطلق هاربا حتى لجأ إلى مقطنة فتوارى فيها فعبر إليه المجشر بن مزاحم من أهل مرو الروذ فأخذه أسيرا فلما قدم خازم أتاه به فألبسه خازم مدرعة صوف وحمله على بعير وجعل وجهه من قبل عجز البعير حتى انتهى به إلى المنصور ومعه ولده وأصحابه فبسط عليهم العذاب وضربوا بالسياط حتى استخرج منهم ما قدر عليه من الاموال ثم أمر المسيب بن زهير بقطع يدى عبد الجبار ورجليه وضرب عنقه ففعل ذلك المسيب وأمر المنصور بتسيير ولده إلى دهلك وهى جزيرة على ضفة البحر بناحية اليمن فلم يزالوا بها حتى أغار عليهم الهند فسبوهم فيمن سبوا حتى فودوا بعد ونجا منهم من نجا فكان ممن نجا منهم واكتتب في الديوان وصحب الخلفاء

[ 151 ]

عبد الرحمن بن عبد الجبار وبقى إلى أن توفى بمصر في خلافة هارون في سنة 170 (وفى هذه السنة) فرغ من بناء المصيصة على يدى جبرئيل بن يحيى الخراساني ورابط محمد بن إبراهيم الامام بملطية (واختلفوا) في أمر عبد الجبار وخبره فقال الواقدي كان ذلك في سنة 142 وقال غيره كان ذلك في سنة 141 وذكر عن على بن محمد أنه قال كان قدوم عبد الجبار خراسان لعشر خلون من ربيع الاول سنة 141 ويقال لاربع عشرة ليلة وكانت هزيمته يوم السبت لست خلون من ربيع الاول سنة 142 وذكر عن أحمد بن الحارث أن خليفة بن خياط حدثه قال لما وجه المنصور المهدى إلى الرى وذلك قبل بناء بغداد وكان توجيهه إياه لقتال عبد الجبار بن عبد الرحمن فكفى المهدى أمر عبد الجبار بمن حاربه وظفر به كره أبو جعفر أن تبطل تلك النفقات التى أنفقت على المهدى فكتب إليه أن يغزو طبرستان وينزل الرى ويوجه أبا الخصيب وخازم بن خزيمة الجنود إلى الاصبهبذ وكان الاصبهبذ يومئذ محاربا للمصهغان ملك دنباوند معسكرا بإزائه فبلغه أن الجنود دخلت بلاده وأن أبا الخصيب دخل سارية فساء المصمغان ذلك وقال له متى صاروا اليك صاروا إلى فاجتمعا على محاربة المسلمين فانصرف الاصبهبذ إلى بلاده فحارب المسلمين وطالت تلك الحروب فوجه أبو جعفر عمر بن العلاء الذى يقول فيه بشار فقل للخليفة إن جئته * نصيحا ولا خير في المتهم إذا أيقظتك حروب العدى * فنبه لها عمرا ثم نم فتى لا ينام على دمنة * ولا يشرب الماء إلا بدم وكان توجيهه إياه بمشورة ابرويز أخى المصمغان فانه قال له يا أمير المؤمنين إن عمر أعلم الناس ببلاد طبرستان فوجهه وكان أبرويز قد عرف عمر أيام سنباذ وأيام الراوندية فضم إليه أبو جعفر خازم بن خزيمة فدخل الرويان ففتحها أخذ قلعة الطاق وما فيها وطالت الحرب فألح خازم على القتال ففتح طبرستان وقتل منهم فأكثر وصار الاصبهبذ إلى قلعته وطلب الامان على أن يسلم القلعة بما فيها من ذخائره فكتب المهدى بذلك إلى أبى جعفر فوجه أبو جعفر بصالح

[ 152 ]

صاحب المصلى وعدة معه فأحصوا ما في الحصن وانصرفوا وبدا للاصبهبذ فدخل بلاد جيلان من الديلم فمات بها وأخذت ابنته وهى أم إبراهيم بن العباس بن محمد وصمدت الجنود للمصمغان فظفروا به وبالبحترية أم منصور بن المهدى وبصيمر أم ولد على بن ريطة بنت المصمغان فهذا فتح طبرستان الاول قال ولما مات المصمغان تحوز أهل ذلك الجبل فصاروا حوزية لانهم توحشوا كما توحش حمر الوحش (وفى هذه السنة) عزل زياد بن عبيد الله الحارثى عن المدينة ومكة والطائف واستعمل على المدينة محمد بن خالد بن عبد الله القسرى فقدمها في رجب وعلى الطائف ومكة الهيثم بن معاوية العتكى من أهل خراسان (وفيها) توفى موسى بن كعب وهو على شرط المنصور وعلى مصر والهند وخليفته على الهند عيينة ابنه (وفيها) عزل موسى بن كعب عن مصر ووليها محمد بن الاشعث ثم عزل عنها ووليها نوفل بن الفرات (وحج) بالناس في هذه السنة صالح ابن على بن عبد الله بن عباس وهو على قنسرين وحمص ودمشق وعلى المدينة محمد ابن خالد بن عبد الله القسرى وعلى مكة والطائف الهيثم بن معاوية وعلى الكوفة وأرضها عيسى بن موسى وعلى البصرة وأعمالها سفيان بن معاوية وعلى قضائها سوار بن عبد الله وعلى خراسان المهدى وخليفته عليها السرى بن عبد الله وعلى مصر نوفل بن الفرات ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها خلع عيينة بن موسى بن كعب بالسند ذكر الخبر عن سبب خلعه ذكر أن سبب خلعه كان أن المسيب بن زهير كان خليفة موسى بن كعب على الشرط فلما مات موسى أقام المسيب على ماكان يلى من الشرط وخاف المسيب أن يكتب المنصور إلى عيبنة في القدوم عليه فيوليه مكانه وكتب إليه ببيت شعر

[ 153 ]

ولم ينسب الكتاب إلى نفسه فأرضك أرضك إن تأتنا * تنم نومة ليس فيها حلم وخرج أبو جعفر لما أتاه الخبر عن عيينة بخلعه حتى نزل بعسكره من البصرة عند جسرها الاكبر ووجه عمر بن حفص بن أبى صفرة العتكى عاملا على السند والهند محاربا لعيينة بن موسى فسار حتى ورد السند والهند وغلب عليها (وفى هذه السنة) نقض اصبهبذ طبرستان العهد بينه وبين المسلمين وقتل من كان ببلاده من المسلمين ذكر الخبر عن أمره وأمر المسلمين ذكر أن أبا جعفر لما انتهى إليه خبر الاصبهبذ وما فعل بالمسلمين وجه إليه خازم بن خزيمة وروح بن حاتم ومعهم مرزوق أبو الخصيب مولى أبى جعفر فأقاموا على حصنه محاصرين له ولمن معه في حصنه وهم يقاتلونهم حتى طال عليهم المقام فاحتال أبو الخصيب في ذلك فقال لاصحابه اضربوني واحلقوا رأسي ولحيتي ففعلوا ذلك به ولحق بالاصبهبذ صاحب الحصن فقال له إنى ركب من أمر عظيم ضربت وحلق رأسي ولحيتي وقال له إنما فعلوا ذلك بى تهمة منهم لى ان يكون هواى معك وأخبره انه معه وانه دليل له على عورة عسكرهم فقبل منه ذلك الاصبهبذ وجعله في خاصته وألطفه وكان باب مدينتهم من حجر يلقى القاء يرفعه الرجال وتضعه عند فتحه واغلاقه وكان قد وكل به الاصبهبذ ثقات أصحابه وجعل ذلك نوبا بينهم فقال له أبو الخصيب ما أراك وثقت بى ولا قبلت نصيحتي قال وكيف ظننت ذلك قال لتركك الاستعانة بى فيما يعينك وتوكيلي فيما لا تثق به إلا بثقاتك فجعل يستعين به بعد ذلك فيرى منه ما يحب إلى أن وثق به فجعله فيمن ينوب في فتح باب مدينته وإغلاقه فتولى له ذلك حتى أنس به ثم كتب أبو الخصيب إلى روح ابن حاتم وخازم بن خزيمة وصير الكتاب في نشابة ورماها إليهم وأعلمهم ان قد ظفر بالحيلة ووعدهم ليلة وسماها لهم في فتح الباب فلما كان في تلك الليلة فتح لهم فقتلوا من فيها من المقاتلة وسبوا الذرارى وظفر بالبحترية وهى ام منصور بن المهدى

[ 154 ]

وامها باكند بنت الاصبهبذ الاصم وليس بالاصبهبذ الملك ذاك اخوبا كند وظفر بشكلة ام ابراهيم بن المهدى وهى بنت خرنابان قهرمان المصمغان فمص الاصبهبذ خاتما له فيه سم فقتل نفسه (وقد قيل) إن دخول روح بن حاتم وخازم بن خزيمة طبرستان كان في سنة 143 (وفى هذه السنة) بنى المنصور لاهل البصرة قبلتهم التى يصلون إليها في عيدهم بالحمان وولى بناءه سلمة بن سعيد بن جابر وهو يومئذ على الفرات والابلة من قبل أبى جعفر وصام أبو جعفر شهر رمضان وصلى بها يوم الفطر (وفيها) توفى سليمان بن على بن عبد الله بالبصرة ليلة السبت لتسع بقين من جمادى الآخرة وهو ابن تسع وخمسين سنة وصلى عليه عبد الصمد ابن على (وفيها) عزل عن مصر نوفل بن الفرات ووليها محمد بن الاشعث ثم عزل عنها محمد ووليها نوفل بن الفرات ثم عزل نوفل ووليها حميد بن قحطبة (وحج) بالناس في هذه السنة إسماعيل بن على بن عبد الله بن العباس وكان العامل على المدينة محمد بن خالد بن عبد الله وعلى مكة والطائف الهيثم بن معاوية وعلى الكوفة وأرضها عيسى بن موسى وعلى البصرة وأعمالها سفيان بن معاوية وعلى قضائها سوار بن عبد الله وعلى مصر حميد بن قحطبة (وفيها) في قول الواقدي ولى أبو جعفر أخاه العباس بن محمد الجزيرة والثغور وضم إليه عدة من القواد فلم يزل بها حينا ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث (ففى هذه السنة) ندب المنصور الناس إلى غزو الديلم ذكر الخبر عن ذلك ذكر أن أبا جعفر اتصل به عن الديلم إيقاعهم بالمسلمين وقتلهم منهم مقتلة عظيمة فوجه إلى البصرة حبيب بن عبد الله بن رغبان وعليها يومئذ إسماعيل بن على وأمره بإحصاه كل من له فيها عشرة آلاف درهم فصاعدا وأن يأخذ كل من

[ 155 ]

كان ذلك له بالشخوص بنفسه لجهاد الديلم ووجه آخر لمثل ذلك إلى الكوفة (وفيها) عزل الهيثم بن معاوية عن مكة والطائف وولى ما كان إليه من ذلك السرى بن عبد الله بن الحارث بن العباس بن عبد المطلب وأتى السرى عهده على ذلك وهو باليمامة فسار إلى مكة ووجهه أبو جعفر إلى اليمامة قثم بن العباس (وفيها) عزل حميد بن قحطبة عن مصر ووليها نوفل بن الفرات ثم عزل نوفل ووليها يزيد بن حاتم (وحج) بالناس في هذه السنة عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس وكان يومئذ إليه ولاية الكوفة وسوادها وكان والى مكة فيها السرى بن عبد الله ابن الحارث ووالى البصرة وأعمالها سفيان بن معاوية وعلى قضائها سوار بن عبد الله وعلى مصر يزيد بن حاتم ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك غزو محمد بن أبى العباس بن عبد الله بن محمد بن على ابن أمير المؤمنين الديلم في أهل الكوفة والبصرة وواسط والموصل والجزيرة (وفيها) انصرف محمد بن أبى جعفر المهدى عن خراسان إلى العراق وشخص أبو جعفر إلى قرماسين فلقيه بها ابنه محمد منصرفا من خراسان فانصرفا جميعا إلى الجزيرة (وفيها) بنى محمد بن أبى جعفر عند مقدمه من خراسان بابنة عمه ريطة بنت أبى العباس (وفيها) حج بالناس أبو جعفر المنصور وخلف على عسكره والميرة خازم بن خزيمة (وفيه هذه السنة) ولى أبو جعفر رياح بن عثمان المرى المدينة وعزل محمد بن خالد بن عبد الله القسرى عنها ذكر الخبر عن سبب عزله محمد بن خالد واستعماله رياح بن عثمان وعزله زياد بن عبيد الله الحارثى من قبل محمد بن خالد وكان سبب عزل زياد عن المدينة أن أبا جعفر همه أمر محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن بن حسن بن على بن أبى طالب وتخلفهما عن حضوره مع من

[ 156 ]

شهده من سائر بنى هاشم عام حج في حياة أخيه أبى العباس ومعه أبو مسلم وقد ذكر أن محمدا كان يذكر أن أبا جعفر ممن بايع له ليلة تشاور بنو هاشم بمكة فيمن يعقدون له الخلافة حين اضطرب أمر بنى مروان مع سائر المعتزلة الذين كانوا معهم هنالك فسأل عنهما فقال له زياد بن عبيد الله ما يهمك من أمرهما أنا آتيك بهما وكان زياد يومئذ مع أبى جعفر عند مقدمه مكة سنة 136 فرد أبو جعفر زيادا إلى عمه وضمنه محمدا وإبراهيم فذكر أبو زيد عمر بن شبة أن محمد بن إسماعيل حدثه قال حدثنى عبد العزيز ابن عمران قال حدثنى عبد الله بن أبى عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال لما استخلف أبو جعفر لم تكن له همة إلا طلب محمد والمسألة عنه وما يريد فدعا بنى هاشم رجلا رجلا كلهم يخليه فيسألهم عنه فيقولون يا أمير المؤمنين قد علم أنك قد عرفته يطلب هذا الشأن قبل اليوم فهو يخافك على نفسه وهو لا يريد لك خلافا ولا يحب لك معصية وما أشبه هذه المقالة إلا حسن بن زيد فانه أخبره خبره وقال والله ما آمن وثوبه عليك فانه للذى لا ينام عنك فر رأيك قال ابن أبى عبيدة فأيقظ من لاينام وقال محمد سمعت جدى موسى بن عبد الله يقول اللهم اطلب حسن بن زيد بدمائنا قال موسى وسمعت والله أبى يقول أشهد لعرفني أبو جعفر حديثا ما سمعه منى إلا حسن بن زيد * حدثنى محمد بن إسماعيل قال سمعت القاسم بن محمد بن عبد الله ابن عمرو بن عثمان بن عفان قال أخبرني محمد بن وهب السلمى عن أبى قال عرفني أبو جعفر حديثا ما سمعه منى إلا أخى عبد الله بن حسن وحسن بن زيد فاشهد ما أخبره به عبد الله ولا كان يعلم الغيب قال محمد وسأل عنه عبد الله بن حسن عام حج فقال له مقالة الهاشميين فأخبره أنه غير راض أو يأتيه به قال محمد وحدثتني أمي عن أبيها قال قال أبى قلت لسليمان بن على يا أخى صهرى بك صهرى ورحمي رحمى فما ترى قال والله لكأنى أنظر إلى عبد الله بن على حين حال الستر بيننا وبينه وهو يشير إلينا أن هذا الذى فعلتم بى فلو كان عافيا عفا عن عمه قال فقبل رأيه قال فكان آل عبد الله يرونها صلة من سليمان لهم قال أبو زيد وحدثني سعيد بن هريم قال أخبرني كلثوم المرائى قال سمعت يحيى بن خالد بن برمك يقول اشترى أبو جعفر

[ 157 ]

رقيقا من رقيق الاعراب ثم أعطى الرجل منهم البعيرين والرجل البعيرين والرجل الذود وفرقهم في طلب محمد في ظهر المدينة فكان الرجل منهم يرد الماء كالمار وكالضال فيفرون عنه ويتجسسون قال وحدثني محمد بن عباد بن حبيب المهلبى قال قال لى السندي مولى أمير المؤمنين أتدرى ما رفع عقبة بن سلم عند أمير المؤمنين قلت لاقال أوفد عمى عمر بن حفص وفدا من السند فيهم عقبة فدخلوا على أبى جعفر فلما قضوا حوائجهم نهضوا فاسترد عقبة فأجلسه ثم قال له من أنت قال رجل من جند أمير المؤمنين وخدمه صحبت عمر بن حفص قال وما اسمك قال عقبة ابن سلم بن نافع قال ممن أنت قال من الازد ثم من بنى هناءة قال إنى لارى لك هيأة وموضعا وانى لاريدك لامر أنا به معنى لم أزل أرتاد له رجلا عسى أن تكونه إن كفيتنيه رفعتك فقال أرجو أن أصدق ظن أمير المؤمنين في قال فأخف شخصك واستر أمرك وأتنى في يوم كذاوكذا في وقت كذا وكذا فأتاه في ذلك الوقت فقال له إن بنى عمنا هؤلاء قد أبوا الا كيدا لملكنا واغتيالا له ولهم شيعة بخراسان بقرية كذا يكاتبونهم ويرسلون إليهم بصدقات أموالهم وألطاف من ألطاف بلادهم فأخرج بكسى وألطاف وعين حتى تأتيهم متنكرا بكتاب تكتبه عن أهل هذه القرية ثم تسير ناحيتهم فان كانوا قد نزعوا عن رأيهم فأحبب والله بهم وأقرب وإن كانوا على رأيهم علمت ذلك وكنت على حذرو احتراس فاشخص حتى تلقى عبد الله بن حسن متقشفا متخشعا فان جبهك وهو فاعل فاصبر وعاوده فان عاد فاصبر حتى يأنس بك وتلين لك ناحيته فإذا ظهر لك ما في قلبه فأعجل على قال فشخص حتى قدم على عبد الله فلقيه بالكتاب فأنكره ونهره وقال ما أعرف هؤلاء القوم فلم يزل ينصرف ويعود إليه حتى قبل كتابه وألطافه وأنس به فسأله عقبة الجواب فقال أما الكتاب فإنى لا أكتب إلى أحد ولكن أنت كتابي إليهم فاقرأهم السلام وأخبرهم أن ابني خارجان لوقت كذا وكذا قال فشخص عقبة حتى قدم على أبى جعفر فأخبره الخبر * قال أبو زيد حدثنى أيوب بن عمر قال حدثنى موسى بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف قال ولى أبو جعفر الفضل بن صالح بن

[ 158 ]

على الموسم في سنة 138 فقال له إن وقعت عيناك على محمد وابراهيم ابني عبد الله بن حسن فلا يفارقانك وإن لم ترهما فلا تسأل عنهما فقدم المدينة فتلقاه أهلها جميعا فيهم عبد الله بن حسن وسائر بنى حسن إلا محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن فسكت حتى صدر عن الحج وصار إلى السيالة فقال لعبدالله بن حسن ما منع ابنيك أن يلقياني مع أهلهما قال والله ما منعهما من ذلك ريبة ولا سوء ولكنهما منهومان بالصيد واتباعه لا يشهدان مع أهليهما خيرا ولا شرا فسكت الفضل عنه وجلس على دكان قد بنى له بالسيالة فأمر عبد الله رعاته فسرحوا عليه ظهره فأمر أحدهم فحلب لبنا على عسل في عس عظيم ثم رقى به الدكان فأؤمأ إليه عبد الله أن اسق الفضل بن صالح فقصد قصده فلما دنا منه صاح به الفضل صيحة مغضبا اليك يا ماص بظر أمه فأدبر الراعى فوثب عبد الله وكان من أرفق الناس فتناول القعب ثم أقبل يمشى به إلى الفضل فلما رآه يمشى إليه استحيا منه فتناوله فشرب قال أبو زيد وحدثني محمد بن يحيى قال حدثنى أبى عن أبيه قال كان لزياد بن عبيد الله كاتب يقال له حفص بن عمر من أهل الكوفة يتشيع وكان يثبط زيادا عن طلب محمد فكتب فيه عبد العزيز بن سعد إلى أبى جعفر فحذره إليه فكتب فيه زياد إلى عيسى ابن على وعبد الله بن الربيع الحارثى فخلصاه حتى رجع إلى زياد قال على بن محمد قدم محمد البصرة مختفيا في أربعين فأتوا عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام فقال له عبد الرحمن أهلكتني وشهرتني فانزل عندي وفرق أصحابك فأبى فقال ليس لك عندي منزل فانزل في بنى راسب فنزل في بنى راسب قال عمر حدثنى سليمان بن محمد السارى قال سمعت أبا هبار المزني يقول أقمنا مع محمد بن عبد الله بالبصرة يدعو الناس إلى نفسه قال وحدثني عيسى بن عبد الله قال قال أبو جعفر ما طمعت في بغية لى قط إذا ذكرت مكان بنى راسب بالبصرة قال وحدثني أبو عاصم النبيل قال حدثنى ابن جشيب اللهبى قال نزلت في بنى راسب في أيام ابن معاوية فسألني فتى منهم يوما عن اسمى فلطمه شيخ منهم فقال وما أنت وذاك ثم نظر إلى شيخ جالس بين يديه فقال أترى هذا الشيخ نزل فينا أبوه أيام الحجاج فأقام حتى

[ 159 ]

ولدله هذا الولد وبلغ هذا المبلغ وهذا السن ولا والله ما ندرى ما اسمه ولا اسم أبيه ولا ممن هو قال وحدثني محمد بن الهذيل قال سمعت الزعفراني يقول قدم محمد فنزل على عبد الله ابن شيبان أحد بنى مرة بن عبيد فأقام ستة أيام ثم خرج فبلغ أبا جعفر مقدمه البصرة فأقبل مغذا حتى نزل الجسر الاكبر فأرد نا عمرا على لقائه فأبى حتى غلبناه فلقيه فقال يا أبا عثمان هل بالبصرة أحد نخافه على أمرنا قال لا قال فأقتصر على قولك وأنصرف قال نعم فانصرف وكان محمد قد خرج قبل مقدم أبى جعفر قال على بن محمد حدثنى عامر ابن أبى محمد قال قال أبو جعفر لعمرو بن عبيد أبايعت محمدا قال أنا والله لو قلدتني الامة أمورها ما عرفت لهما موضعا قال على وحدثني أيوب القزاز قال قلت لعمرو ما تقول في رجل رضى بالصبر على ذهاب دينه قال أنا ذاك قلت وكيف ولو دعوت أجابك ثلاثون ألفا قال والله ما أعرف موضع ثلاثة إذا قالوا وفوا ولو عرفتهم لكنت لهم رابعا قال أبو زيد حدثنى عبيد الله بن محمد بن حفص قال حدثنى أبى قال وجل محمد وإبراهيم من أبى جعفر فأتيا عدن ثم سارا إلى السند ثم إلى الكوفة ثم إلى المدينة قال عمرو حدثنى محمد بن يحيى قال حدثنى الحارث بن اسحاق قال تكفل زياد لامير المؤمنين با بنى عبد الله ان يخرجهما له فأقره على المدينة فكان حسن بن زيد إذا علم من أمرهما علما كف حتى يفارقا مكانهما ذلك ثم يخبر أبا جعفر فيجد الرسم الذى ذكر فيصدقه بما رفع إليه حتى كانت سنة 140 فحج فقسم قسوما خص فيها آل أبى طالب فلم يظهر له ابنا عبد الله فبعث إلى عبد الله فسأله عنهما فقال لا علم لى بهما حتى تغالظا فأمصه أبو جعفر فقال يا أبا جعفر بأى أمهاتي تمصني أبفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أم بفاطمة بنت أسد أم بفاطمة بنت حسين أم أم إسحاق بنت طلحة أم خديجة بنت خويلد قال لا بواحدة منهن ولكن بالجرباء بنت قسامة ابن زهير وهى امرأة من طيئ قال فوثب المسيب بن زهير فقال دعني يا امير المؤمنين أضرب عنق ابن الفاعلة قال فقام زياد بن عبيد الله فألقى عليه رداءه وقال هبه لى يا أمير المؤمنين فأنا أستخرج لك ابنيه فتخلصه منه قال عمرو حدثنى الوليد بن هشام بن قحذم قال قال الحزين الديلى لعبدالله بن الحسن ينعى عليه ولادة الجرباء

[ 160 ]

لعلك بالجرباء أو بحكاكة * تفاخر أم الفضل وابنة مشرح وما منهما إلا حصان نجيبة * لها حسب في قومها مترجح قال عمرو حدثنى محمد بن عباد قال قال لى السندي مولى أمير المؤمنين لما أخبر عقبة بن سلم أبا جعفر أنشأ الحج وقال لعقبة إذا صرت بمكان كذا وكذا لقيني بنو حسن فيهم عبد الله فأنا مبجله ورافع مجلسه وداع بالغداء فإذا فرغنا من طعامنا فلحظتك فامثل بين يديه قائما فإنه سيصرف بصره عنك فدر حتى تغمز ظهره بإبهام رجلك حتى يملا عينه منك ثم حسبك وإياك أن يراك ما دام يأكل فخرج حتى إذا تدفع في البلاد لقيه بنو حسن فأجلس عبد الله إلى جانبه ثم دعا بالطعام فأصابوا منه ثم أمر به فرفع فأقبل على عبد الله فقال يا أبا محمد قد علمت ما اعطيتني من العهود والمواثيق الا تبغيني سوءا ولا تكيد لى سلطانا قال فأنا على ذلك يا أمير المؤمنين قال فلحظ أبو جعفر عقبة فاستدار حتى قام بين يديه فأعرض عنه فرفع رأسه حتى قام من وراء ظهره فغمزه بأصبعه فرفع رأسه فملا عينه منه فوثب حتى جثا بين يدى ابى جعفر فقال أقلنى يا امير المؤمنين اقالك الله قال لا اقالني الله إن اقلتك ثم امر بحبسه قال عمر وحدثني بكر بن عبد الله بن عاصم مولى قريبة بنت عبد الرحمن بن ابى بكر الصديق قال حدثنى على بن رباح بن شبيب اخو إبراهيم عن صالح صاحب المصلى قال إنى لواقف على رأس ابى جعفر وهو يتغدى بأوطاس وهو متوجه إلى مكة ومعه على مائدته عبد الله بن حسن وابو الكرام وجماعة من بنى العباس فأقبل على عبد الله فقال يا ابا محمد محمد وإبراهيم اراهما قد استوحشا من ناحيتى وإنى لاحب ان يأنسانى وان يأتياني فأصلهما وأخلطهما بنفسى قال وعبد الله مطرق طويلا ثم رفع رأسه فقال وحقك يا أمير المؤمنين فما لى بهما ولا بموضعهما من البلاد على ولقد خرجا من يدى فيقول أبو جعفر لا تفعل يا أبا محمد اكتب إليهما وإلى من يوصل كتابك إليهما قال فامتنع أبو جعفر ذلك اليوم من عامة غدائه إقبالا على عبد الله وعبد الله يحلف ما يعرف موضعهما وابو جعفر يكرر عليه لا تفعل يا ابا محمد لا تفعل يا ابا محمد لا تفعل يا ابا محمد قال وكان

[ 161 ]

شدة هرب محمد من أبى جعفر أن أبا جعفر كان عقد له بمكة في أناس من المعتزلة قال عمر حدثنى أيوب بن عمر يعنى ابن أبى عمرو قال حدثنى محمد بن خالد بن اسماعيل ابن أيوب بن سلمة المخزومى قال أخبرني أبى قال أخبرني العباس بن محمد بن على ابن عبد الله بن عباس قال لما حج أبو جعفر في سنة 140 أتاه عبد الله وحسن ابنا حسن فإنهما وإياى لعنده وهو مشغول بكتاب ينظر فيه إذ تكلم المهدى فلحن فقال عبد الله يا أمير المؤمنين ألا تأمر بهذا من يعدل لسانه فإنه يغفل غفل الامة فلم يفهم وغمزت عبد الله فلم ينته وعاد لابي جعفر فاحتفظ من ذلك وقال أين ابنك فقال لا أدرى قال لتأتينى به قال لو كان تحت قدمى ما رفعتهما عنه قال يا ربيع قم به إلى الحبس قال عمر حدثنى موسى بن سعيد بن عبد الرحمن الجمحى قال لما تمثل عبد الله بن حسن لابي العباس ألم تر حوشبا أمسى يبنى * بيوتا نفعها لبنى بقيله لم تزل في نفس أبى جعفر عليه فلما أمر بحبسه قال ألست القائل لابي العباس ألم تر حوشبا أمسى يبنى * بيوتا نفعها لبنى بقيله وهو آمن الناس عليك وأحسنهم إليك صنيعا قال عمر حدثنا محمد بن يحيى قال حدثنى الحارث بن إسحاق عن أبى حنين قال دخلت على عبد الله بن حسن وهو محبوس فقال هل حدث اليوم من خبر قلت نعم قد أمر ببيع متاعك ورقيقك ولا أرى أحدا يقدم على شرائه فقال ويحك يا أبا حنين والله لو خرج بى وببناتي مسترقين لا شترينا قال عمرو حدثنى محمد بن يحيى قال حدثنا الحارث بن إسحاق قال شخص أبو جعفر وعبد الله بن حسن محبوس فأقام في الحبس ثلاث سنين قال عمرو حدثنى عبد الله بن إسحاق بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب قال حدثنى أبو حرملة محمد بن عثمان مولى آل عمرو بن عثمان قال حدثنى أبو هبار المزني قال لما حج أبو جعفر سنة 140 حج تلك السنة محمد وإبراهيم ابنا عبد الله وهما متغيبان فاجتمعوا بمكة فأرادوا اغتيال أبى جعفر فقال لهم الاشتر عبد الله بن محمد بن عبد الله أنا أكفيكموه فقال محمد لا

[ 162 ]

والله لا أقتله أبدا غيلة حتى أدعوه قال فنقض أمرهم ذلك وما كانوا أجمعوا عليه وقد كان دخل معهم في أمرهم قائد من قواد أبى جعفر من أهل خراسان قال فاعترض لابي جعفر اسماعيل بن جعفر بن محمد الاعرج فنمى إليه أمرهم فأرسل في طلب القائد فلم يظفر به وظفر بجماعة من أصحابه وأفلت الرجل وغلام له بمال زهاء ألفى دينار كانت مع الغلام فأتاه بها وهو مع محمد فقسمها بين أصحابه قال أبو هبار فأمرني محمد فاشتريت للرجل أباعر وجهزته وحملته في قبة وقطرته وخرجت أريد به المدينة حتى أوردته إياها وقدم محمد فضمه إلى أبيه عبد الله ووجههما إلى ناحية من خراسان قال وجعل أبو جعفر يقتل أصحاب ذلك القائد الذى كان من أمره ما ذكرت قال عمرو حدثنى محمد بن يحيى بن محمد قال حدثنى أبى عن أبيه قال غدوت على زياد بن عبيد الله وأبو جعفر بالمدينة قال فقال أخبركم عجبا مما لقيته الليلة طرقني رسل أمير المؤمنين نصف الليل وكان زياد قد تحول لقدوم أمير المؤمنين إلى داره بالبلاط قال فدقت على رسله فخرجت ملتحفا بإزارى ليس على ثوب غيره فنبهت غلمانا لى وخصيانا في سقيفة الدار فقلت لهم إن هدموا الدار فلا يكلمنهم منكم أحد قال فدقوا طويلا ثم انصرفوا فأقاموا ساعة ثم طلعوا بحرز شبيه أن يكون معهم مثلهم مرة أو مرتين فدقوا الباب بحرزة الحديد وصيحوا فلم يكلمهم أحد فرجعوا فأقاموا ساعة ثم جاءوا بأمر ليس عليه صبر فظننت والله أن قد هدموا الدار على فأمرت بفتحها وخرجت إليهم فاستحثوني وهموا أن يحملونى وجعلت أسمع العزاء من بعضهم حتى أسلموني إلى دار مروان فأخذ رجلان بعضدي فخرجانى على حال الزفيف على الارض أو نحوه حتى أتيا بي حجرة القبة العظمى فإذا الربيع واقف فقال ويحك يا زياد ماذا فعلت بنا وبنفسك منذ الليلة ومضى بى حتى كشف ستر باب القبة فأدخلني ووقف خلفي بين البابين فإذا الشمع في نواحى القبة فهى تزهر ووصيف قائم في ناحيتها وأبو جعفر محتب بحمائل سيفه على بساط ليس تحته وسادة ولا مصلى وإذا هو منكس رأسه ينقر بجرز في يده قال فأخبرني الربيع أنها حاله من حين

[ 163 ]

صلى العتمة إلى تلك الساعة قال فما زلت وأقفا حتى إنى لانتظر نداء الصبح وأجد لذلك فرجا فما يكلمني بكلمة ثم رفع رأسه إلى فقال يا ابن الفاعلة أين محمد وإبراهيم قال ثم نكس رأسه ونكت أطول مما مضى له ثم رفع رأسه الثانية فقال يا ابن الفاعلة أين محمد وإبراهيم قتلني الله إن لم أقتلك قال قلت له اسمع منى ودعني أكلمك قال قل قلت له أنت نفرتهما عنك بعثت رسولا بالمال الذى أمرت بقسمه على بنى هاشم فنزل القادسية ثم أخرج سكينا يحده وقال بعثنى أمير المؤمنين لاذبح محمدا وإبراهيم فجاءتهما بذلك الاخبار فهربا قال فصرفني فانصرفت قال عمرو حدثنى عبد الله بن راشد بن يزيد وكان يلقب الاكار من أهل فيد قال سمعت نصر بن قادم مولى بنى محول الحناطين قال كان عبدويه وأصحاب له بمكة في سنة حجها أبو جعفر قال فقال لاصحابه إنى أريد أن أوجر أبا جعفر هذه الحربة بين الصفا والمروة قال فبلغ ذلك عبد الله بن حسن فنهاه وقال أنت في موضع عظيم فما أرى أن تفعل وكان قائد لابي جعفر يدعى خالد بن حسان كان يدعى أبا العساكر على ألف رجل وكان قدما لا عبدويه وأصحابه فقال له أبو جعفر أخبرني عنك وعن عبدويه والعطاردي ما أردتم أن تصنعوا بمكة قال أردنا كذا وكذا قال فلما منعكم قال عبد الله بن حسن قال فطمره فلم ير حتى الساعة قال عمر حدثنى محمد بن يحيى قال حدثنا الحارث بن إسحق قال جد أبو جعفر حين حبس عبد الله في طلب ابنيه فبعث عينا له وكتب معه كتابا على ألسن الشيعة إلى محمد يذكرون طاعتهم ومسارعتهم وبعث معه بمال وألطاف فقدم الرجل المدينة فدخل على عبد الله ابن حسن فسأله عن محمد فذكر له أنه في جبل جهينة وقال امر ربعلى بن حسن الرجل الصالح الذى يدعى الاغر وهو بذى الابر فهو يرشدك فأتاه فأرشده وكان لابي جعفر كاتب على سره كان متشيعا فكتب إلى عبد الله بن حسن بأمر ذلك العين وما بعث له فقدم الكتاب على عبد الله فارتاعوا وبعثوا أبا هبار إلى على ابن الحسن والى محمد فيحذرهم الرجل فخرج أبو هبار حتى نزل بعلى بن حسن فسأله فأخبره أن قد أرشده إليه قال أبو هبار فجئت محمدا في موضعه الذى هو به فإذا

[ 164 ]

هو جالس في كهف معه عبد الله بن عامر الاسلمي وابنا شجاع وغيرهم والرجل معهم أعلاهم صوتا وأشدهم انبساطا فلما رأني ظهر عليه بعض النكرة وجلست مع القوم فتحدثت مليا ثم أصغيت إلى محمد فقلت إن لى حاجة فنهض ونهضت معه فأخبرته بخبر الرجل فاسترجع وقال فما الرأى فقلت إحدى ثلاث أيها شئت فافعل قال وما هي قلت تدعني فأقتل الرجل قال ما أنا بمقارف دما إلا مكرها أو ما ذا قلت توقره حديدا وتنقله معك حيث انتقلت قال وهل بنا فراغ له مع الخوف والاعجال أو ماذا قلت تشده وتوثقه وتودعه بعض أهل ثقتك من جهينة قال هذه إذا فرجعنا وقد نذر الرجل فهرب فقلت أين الرجل قالوا قام بركوة فاصطب ماء ثم توارى بهذا الظرب يتوضأ قال فجلنا بالجبل وما حوله فكأن الارض التأمت عليه قال وسعى على قدميه حتى شرع على الطريق فمر به أعراب معهم حمولة إلى المدينة فقال لبعضهم فرغ هذه الغرارة وأدخلنيها أكن عدلا لصاحبتها ولك كذا وكذا قال نعم ففرغها وحمله حتى أقدمه بالمدينة ثم قدم على أبى جعفر فأخبره الخبر كله وعمى عن اسم أبى هبار وكنيته وعلق وبرا فكتب أبو جعفر في طلب وبر المزني فحمل إليه رجل منهم يدعى وبرا فسأله عن قصة محمد وما حكى له العين فخلف أنه ما يعرف من ذلك شيئا فأمر به فضرب سبعمائة سوط وحبس حتى مات أبو جعفر قال عمر حدثنى محمد بن يحيى قال حدثنى الحارث بن إسحق قال ألح أبو جعفر في طلب محمد وكتب إلى زياد بن عبيد الله الحارثى يتنجزه ما كان ضمن له فقدم محمد المدينة قدمة فبلغ ذلك زيادا فتلطف له وأعطاه الامان على أن يظهر وجهه للناس معه فوعده ذلك محمد فركب زياد مغلسا ووعد محمدا سوق الظهر فالتقيا بها ومحمد معلن غير مخنف ووقف زياد إلى جنبه وقال يا أيها الناس هذا محمد بن عبد الله بن حسن ثم أقبل عليه فقال الحق بأى بلاد الله شئت وتوارى محمد وتواترت الاخبار بذلك على أبى جعفر قال عمر حدثنى عيسى بن عبد الله قال حدثنى من أصدق قال دخل ابراهيم بن عبد الله على زياد وعليه درع حديد تحت ثوبه فلمسها زياد ثم قال يا أبا اسحاق كأنك اتهمتني ذلك والله ما ينالك منى أبدا قال عمر حدثنى

[ 165 ]

عيسى قال حدثنى أبى قال ركب زياد بمحمد فأتى به السوق فتصايح أهل المدينة المهدى المهدى فتوارى فلم يظهر حتى خرج قال عمر حدثنى محمد بن يحيى قال حدثنى الحارث بن إسحاق قال لما أن تتابعت الاخبار على أبى جعفر بما فعل زياد بن عبيد الله وجه أبا الازهر رجلا من أهل خراسان إلى المدينة وكتب معه كتابا ودفع إليه كتبا وأمره أن لا يقرأ كتابه إليه حتى ينزل الاعوص على بريد من المدينة فلما أن نزله قرأه فإذا فيه تولية عبد العزيز بن المطلب بن عبد الله المدينة وكان قاضيا لزياد بن عبيد الله وشد زياد في الحديد واصطفاء ماله وقبض جميع ما وجد له وأخذ عماله واشخاصه وإياهم إلى أبى جعفر فقدم أبو الازهر المدينة لسبع ليال بقين من جمادى الآخرة سنة 141 فوجد زيادا في موكب له فقال أين الامير فقيل ركب وخرجت الرسل إلى زياد بقدومه فأقبل مسرعا حتى دخل دار مروان فدخل عليه أبو الازهر فدفع إليه كتابا من أبى جعفر في ثلث يأمره أن يسمع ويطيع فلما قرأه قال سمعا وطاعة فمر يا أبا الازهر بما أحببت قال ابعث إلى عبد العزيز بن المطلب فبعث إليه فدفع إليه كتابا أن يسمع لابي الازهر فلما قرأه قال سمعا وطاعة ثم دفع إلى زياد كتابا يأمره يتسليم العمل إلى ابن المطلب ودفع إلى ابن المطلب كتابا بتوليته ثم قال لابن المطلب ابعث إلى أربعة كبول وحدادا فأتى بهما فقال اشدد أبا يحيى فشد فيها وقبض ماله ووجد في بيت المال خمسة وثمانين ألف دينار وأخذ عماله فلم يغادر منهم أحدا فشخص بهم وبزياد فلما كانوا في طرف المدينة وقف له عماله يسلمون عليه فقال بأبى أنتم والله ما أبالى إذا رأكم أبو جعفر ما صنع بى أي من هيأتهم ومروتهم قال عمرو حدثنى محمد بن يحيى قال حدثنى الحارث بن اسحاق عن خاله على ابن عبد الحميد قال شيعنا زيادا فسرت تحت محمله ليلة فأقبل على فقال والله ما أعرف لى عند أمير المؤمنين ذنبا غير أنى أحسبه وجد على في ابني عبد الله ووجد دماء بنى فاطمة على عزيزة ثم مضوا حتى كانوا بالشقراء فأفلت منهم محمد بن عبد العزيز فرجع إلى المدينة وحبس أبو جعفر الآخرين ثم خلى عنهم قال وحدثني عيسى بن عبد الله قال حدثنى من أصدق قال لما أن وجه أبو جعفر مبهوتا وابن أبى عاصية في

[ 166 ]

طلب محمد كان مبهوت الذى أخذ زيادا فقال زياد: أكلف ذنب قوم لست منهم * وما جنت الشمال على اليمين قال وحدثني عيسى بن عبد الله قال حدثنى عبد الله بن عمران بن أبى فروة قال كنت أنا والشعبانى فائد كان لابي جعفر مع زياد بن عبيد الله نختلف إلى أبى الازهر أيام بعثه أبو جعفر في طلب بنى حسن فانى لاسير مع أبى الازهر يوما إذا أتاه آت فلصق به فقال إن عندي نصيحة في محمد وابراهيم قال اذهب عنا قال إنها نصيحة لامير المؤمنين قال اذهب عنا ويلك قد قتل الخلق قال فأبى أن ينصرف فتركه أبو الازهر حتى خلا الطريق ثم بعج بسيفه بطنه بعجة ألقاه ناحية ثم استعمل أبو جعفر على المدينة محمد بن خالد بعد زياد * فذكر عمر أن محمد بن يحيى حدثه قال حدثنا الحارث بن إسحق قال استعمل أبو جعفر على المدينة محمد بن خالد بعد زياد وأمره بالجد في طلب محمد وبسط يده في النفقة في طلبه فأغد السير حتى قدم المدينة هلال رجب سنة 141 ولم يعلم به أهل المدينة حتى جاء رسوله من الشقرة وهى بين الاعوص والطرف على ليلتين من المدينة فوجد في بيت المال سبعين ألف دينار وألف ألف درهم فاستغرق ذلك المال ورفع في محاسبته أموالا كثيرة أنفقها في طلب محمد فاستبطأه أبو جعفر واتهمه فكتب إليه أبو جعفر يأمره بكشف المدينة وأعراضها فأمر محمد بن خالد أهل الديوان أن يتجاعلو المن يخرج فتجاعلوا رباع الغاضرى المضحك وكان يداين الناس بألف دينار فهلكت وتويت وخرجوا إلى الاعراض لكشفها عن محمد وأمر القسرى أهل المدينة فلزموا بيوتهم سبعة أيام وطافت رسله والجند ببيوت الناس يكشفونها لا يحسون شيئا وكتب القسرى لاعوانه صكاكا يتعززون بها لئلا يعرض لهم أحد فلما استبطأه أبو جعفر ورأى ما استغرق من الاموال عزله قال وحدثني عيسى بن عبد الله قال أخبرني حسين بن يزيد عن ابن ضبة قال اشتد أمر محمد وابراهيم على أبى جعفر فبعث فدعا أبا السعلاء من قيس بن عيلان فقال ويلك أشر على في أمر هذين الرجلين فقد غمني أمرهما قال أرى لك أن تستعمل رجلا من ولد الزبير أو طلحة فانهم يطلبونهما

[ 167 ]

يذحل فأشهد لا يلبثونهما أو يخرجوهما اليك قال قاتلك الله ما أجود رأيا جئت به والله ما غبى هذا على ولكني أعاهد الله أن لا أثئر من أهل بيتى بعدوى وعدوهم ولكني أبعث عليهم صعليكا من العرب فيفعل ما قلت فبعث رياح بن عثمان بن حيان قال وحدثني محمد بن يحيى قال حدثنى عبد الله بن يحيى عن موسى بن عبد العزيز قال لما أراد أبو جعفر عزل محمد بن خالد عن المدينة ركب ذات يوم فلما خرج من بيته استقبله يزيد بن أسيد السلمى فدعاه فسايره ثم قال أما تدلني على فتى من قيس مقل أغنيه وأشرفه وأمكنه من سيد اليمن يلعب به يعنى ابن القسرى قال بلى قد وجدته يا أمير المؤمنين قال من هو قال رياح بن عثمان بن حيان المرى قال فلا تذكرن هذا لاحد ثم انصرف فأمر بنجائب وكسوة ورحال فهيئت للمسير فلما انصرف من صلاة العتمة دعا برياح فذكر له ما بلا من غش زياد وابن القسرى في ابني عبد الله وولاه المدينة وأمر بالمسير من ساعته قبل أن يصل إلى منزله وأمره بالجد في طلبهما فخرج مسرعا حتى قدمها يوم الجمعة لسبع ليال بقين من شهر رمضان سنة 144 قال وحدثني محمد بن معروف قال أخبرني الفضل بن الربيع عن أبيه قال لما بلغ أمر محمد وإبراهيم من أبى جعفر ما بلغ خرجت يوما من عنده أو من بيتى أريد فإذا أنا برجل قد دنا منى فقال أنا رسول رياح بن عثمان اليك يقول لك قد بلغني أمر محمد وابراهيم وإدهان الولاة في أمرهما وإن ولانى أمير المؤمنين المدينة ضمنت له أحدهما وألا أظهرهما قال فأبلغت ذلك أمير المؤمنين فكتب إليه بولايته وليس بشاهد * ذكر عمر بن شبة عن محمد بن يحيى عن عبد الله بن يحيى عن موسى ابن عبد العزيز قال لما دخل رياح دار مروان فصار في سقيفتها أقبل على بعض من معه فقال هذه دار مروان قالوا نعم قال هذه المحلال المظعان ونحن أول من يظعن منها قال عمر حدثنى أيوب بن عمر قال حدثنى الزبير بن المنذر مولى عبد الرحمن بن العوام قال قدم رياح بن عثمان فقدم معه حاجب له يكنى أبا البخترى وكان لابي صديقا زمان الوليد بن يزيد قال فكنت آتيه لصداقته لابي فقال لى يوما يا زبير إن رياحا لما دخل دار مروان قال لى هذه دار مروان أما والله إنها

[ 168 ]

لمحلال مظعان فلما تكشف الناس عنه وعبد الله محبوس في قبة الدار التى على الطريق إلى المقصورة حبسه فيها زياد بن عبيد الله قال لى يا أبا البخترى خذ بيدى ندخل على هذا الشيخ فأقبل متكئا على حتى وقف على عبد الله بن حسن فقال أيها الشيخ إن أمير المؤمنين والله ما استعملني لرحم قريبة ولا يد سلفت إليه والله لا لعبت بى كما لعبت بزياد وابن القسرى والله لا زهقن نفسك أو لتأتينى بابنيك محمد وإبراهيم قال فرفع رأسه إليه وقال نعم أما والله إنك لازيرق قيس المذبوح فيها كما تذبح الشاة قال أبو البخترى فانصرف رياح والله آخذا بيدى أجد برديده وإن رجليه ليخطآن مما كلمه قال قلت والله إن هذا ما اطلع على الغيب قال إيها ويلك فوالله ما قال إلا ما سمع قال فذبح والله فيها ذبح الشاة قال وحدثني محمد بن يحيى قال حدثنا الحارث بن إسحق قال قدم رياح المدينة فدعا بالقسرى فسأله عن الاموال فقال هذا كاتبى هو أعلم بذلك منى قال أسألك ويحيلنى على كاتبك فأمر به فوجئت عنقه وقنع أسواطا ثم أخذ رزا ما كاتب محمد بن خالد القسرى ومولاه فبسط عليه العذاب وكان يضربه في كل غب خمسة عشر سوطا مغلولة يده إلى عنقه من بكرة إلى الليل يتبع به أفناء المسجد والرحبة ودس إليه في الرفع على ابن خالد فلم يجد عنده في ذلك مساغا فأخرجه عمر بن عبد الله الجذامي وكان خليفة صاحب الشرط يوما من الايام وهو يريد ضربه وما بين قدميه إلى قرنه قرحة فقال له هذا يوم غبك فأين تحت أن نجلدك قال والله ما في بدنى موضع لضرب فان شئت فبطون كفى فأخرج كفيه فضرب في بطونهما خمسة عشر سوطا قال فجعلت رسل رياح تختلف إليه تأمره أن يرفع على ابن خالد ويخلى سبيله فأرسل إليه مر بالكف عنى حتى أكتب كتابا فأمر بالكف عنه ثم ألح عليه وبعث إليه أن رح بالكتاب العشية على رؤس الناس فادفعه إلى فلما كان العشى أرسل إليه فأتاه وعنده جماعة فقال أيها الناس إن الامير أمرنى أن أكتب كتابا وأرفع على ابن خالد وقد كتبت كتابا أتنجى به وأنا أشهدكم أن

[ 169 ]

كل ما فيه باطل فأمر به رياح فضرب مائة سوط ورد إلى السجن قال عمر حدثنى عيسى بن عبد الله قال حدثنى عمى عبيد الله بن محمد بن عمر بن على قال لما أهبط الله آدم من الجنة رفعه على أبى قبيس فرفع له الارض جميعا حتى رآها وقال هذه كلها لك قال أي رب كيف أعلم ما فيها فجعل له النجوم فقال إذا رأيت نجم كذاوكذا كان كذا وكذا وإذا رأيت نم كذا وكذا كان كذا وكذا فكان يعلم ذلك بالنجوم ثم إن ذلك اشتد عليه فأنزل الله عز وجل مرآة من السماء يرى بها ما في الارض حتى إذا ما مات آدم عمد إليها شيطان يقال له فقطس فكسرها وبنى عليها مدينة بالمشرق يقال لها جابرت فلما كان سليمان بن داود سأل عنها فقيل له أخذها فقطس فدعاه فسأله عنها فقال هي تحت أواسى جابرت قال فأتني بها قال ومن يهدمها فقالوا لسليمان قل له أنت فقال سليمان أنت فأتى بها سليمان فكان يجبر بعضها إلى بعض ثم يشدها في أقطارها بسير ثم ينظر فيها حتى هلك سليمان فوثبت عليها الشياطين فذهبت بها وبقيت منها بقية فتوارثتها بنو إسرائل حتى صارت إلى رأس الجالوت فأتى بها مروان بن محمد فكان يحكها ويجعلها على مرآة أخرى فيرى فيها ما يكره فرمى بها وضرب عنق رأس الجالوت ودفعها إلى جارية له فجعلتها في كرسفة ثم جعلتها في حجر فلما استخلف أبو جعفر سأل عنها فقيل له هي عند فلانة فطلبها حتى وجدها فكانت عنده فكان يحكها ويجعلها على مرآة أخرى فيرى فيها فكان يرى محمد بن عبد الله فكتب إلى رياح ابن عثمان إن محمدا ببلاد فيها الاترج والاعناب فاطلبه بها وقد كتب إلى محمد بعض أصحابه أبى جعفر لا تقيمن في موضع إلا بقدر مسير البريد من العراق إلى المدينة فكان ينتقل فيراه بالبيضاء وهى من وراء الغابة على نحو من عشرين ميلا وهى لا شجع فكتب إليه إنه ببلاد بها الجبال والقلات فيطلبه فلا يجده قال فكتب إليه إنه بجبل به الحب الاخضر والقطران قال هذه رضوى فطلبه فلم يجده قال أبو زيد حدثنى أبو صفوان نصر بن قديد بن نصر بن سيار أنه بلغه أنه كان عند أبى جعفر مرآة يرى فيها عدوه من صديقه قال وحدثني محمد بن يحيى قال حدثنى

[ 170 ]

الحارث بن إسحاق قال جد رياح في طلب محمد فاخبر انه في شعب من شعاب رضوى جبل جهينة وهى من عمل ينبع فاستعمل عليها عمرو بن عثمان بن مالك الجهنى أحد بنى جشم وأمره بطلب محمد فطلبه فذكر له انه بشعب من رضوى فخرج إليه بالخيل والرجال ففزع منه محمد فاحضر شدا فافلت وله ابن صغير ولد في خوفه ذلك وكان مع جارية له فهوى من الجبل فتقطع وانصرف عمرو بن عثمان قال وحدثني عبد الله بن محمد بن حكيم الطائى قال لما سقط ابن محمد فمات ولقى محمد مالقى قال منخرق السربال يشكو الوجى * تنكبه أطراف مرو حداد شرده الخوف فأزرى به * كذاك من يكره حر الجلاد قد كان في الموت له راحة * والموت حتم في رقاب العباد قال وحدثني عيسى بن عبد الله قال حدثنى عمى عبيد الله بن محمد قال قال محمد ابن عبد الله بينا أنا في رضوى مع أمة لى أم ولد معها بنى لى ترضعه إذا ابن سنوطى مولى لاهل المدينة قد هجم على في الجبل يطلبني فخرجت هاربا وهربت الجارية فسقط الصبى منها فتقطع فقال عبيد الله فأتى بابن سنوطى إلى محمد بعد حين ظهر فقال يا ابن سنوطى أتعرف حديث الصبى قال إى والله إنى لاعرفه فأمر به فحبس فلم يزل محبوسا حتى قتل محمد قال وحدثني عبد العزيز بن زياد قال حدثنى أبى قال قال محمد إنى بالحرة مصعد ومنحدر إذا أنا برياح والخيل فعدلت إلى بئر فوقفت بين قرنيها فجعلت أستقى فلقينى رياح صفحا فقال قاتله الله أعرابيا ما أحسن ذراعه قال وحدثني ابن زبالة قال حدثنى عثمان بن عبد الرحمن الجهنى عن عثمان ابن مالك قال أذلق رياح محمدا بالطلب فقال لى اغد بنا إلى مسجد الفتح ندع الله فيه قال فصليت الصبح ثم انصرفت إليه فغدونا وعلى محمد قميص غليظ ورداء قرقبى مفتول فخرجنا من موضع كان فيه حتى إذا كان قريبا التفت فإذا رياح في جماعة من أصحابه ركبان فقلت له هذا رياح إنا لله وإنا إليه راجعون فقال غير مكترث به امض فمضيت وما تنقلني رجلاى وتنحى هو عن الطريق فجلس وجعل

[ 171 ]

ظهره مما يلى الطريق وسدل هدب ردائه على وجهه وكان جسيما فلما حاذى به رياح التفت إلى أصحابه فقال امرأة رأتنا فاستحيت قال ومضيت حتى طلعت الشمس وجاء رياح فصعد وصلى ركعتين ثم انصرف من ناحية بطحان فأقبل محمد حتى دخل المسجد فصلى ودعا ولم يزل محمد بن عبد الله ينتقل من موضع إلى موضع إلى حين ظهر * ولما طال على المنصور أمره ولم يقدر عليه عبد الله بن حسن محبوس قال عبد العزيز بن سعيد فيما ذكر عن عيسى بن عبد الله عن عبد الله بن عمران بن أبى فروة قال لابي جعفر يا أمير المؤمنين أتطمع أن يخرج لك محمد وإبراهيم وبنو حسن مخلون والله للواحد منهم أهيب في صدور الناس من الاسد قال فكان ذلك الذى هاجه على حبسهم قال ثم دعاه فقال من أشار عليك بهذا الرأى قال فليح بن سليمان فلما مات عبد العزيز بن سعيد وكان عينا لابي جعفر وواليا على الصدقات وضع فليح بن سليمان في موضعه وأمر أبو جعفر بأخذ بنى حسن قال عيسى حدثنى عبد الله بن عمران بن أبى فروة قال أمر أبو جعفر رياحا بأخذ بنى حسن ووجه في ذلك أبا الازهر المهرى قال وقد كان حبس عبد الله بن حسن فلم يزل محبوسا ثلاث سنين فكان حسن بن حسن قد نصل خضابه تسليا على عبد الله فكان أبو جعفر يقول مافلعت الحادة قال فأخذ رياح حسنا وإبراهيم ابني حسن بن حسن وحسن بن جعفر بن حسن بن حسن وسليمان وعبد الله ابني داود بن حسن بن حسن ومحمد وإسماعيل وإسحاق بنى إبراهيم بن حسن بن حسن وعباس بن حسن بن حسن بن حسن بن على بن أبى طالب أخذوه على بابه فقالت أمه عائشة ابنة طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر دعوني أشمه قالو الا والله ما كنت حية في الدنيا وعلى بن حسن بن حسن بن حسن العابد قال وحدثني إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم قال حبس معهم أبو جعفر عبد الله بن حسن بن حسن أخا على قال وحدثني محمد بن يحيى قال حدثنا الحارث بن إسحاق قال جهر رياح بشتم محمد وإبراهيم ابني عبد الله وشتم أهل المدينة قال ثم قال يوما وهو على المنبر يذكرهما الفاسقين الخالعين الحاربين قال ثم ذكر ابنة أبى عبيدة أمهما فأفحش لها فسبح

[ 172 ]

الناس وأعظموا ما قال فأقبل عليهم فقال انكم لا كلنا عن شتمهما ألصق الله بوجوهكم الذل والهوان أما والله لاكتبن إلى خليفتكم فلا علمنه غشكم وقلة نصحكم فقال الناس لا تسمع منك يا ابن المحدود وبادروه بالحصى فبادر واقتحم دار مروان وأغلق عليه الباب وخرج الناس حتى صفوا وجاهه فرموه وشتموه ثم تناهوا وكفوا قال وحدثني محمد بن يحيى قال حدثنى الثقة عندي قال حبس معهم موسى ابن عبد الله بن حسن بن حسن بن على وعلى بن محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن عند مقدمه من مصر قال وحدثني عبد الله بن عمر بن حبيب قال وجه محمد بن عبد الله ابنه عليا إلى مصر فدل عليه عاملها وقد هم بالوثوب فشده وأرسل به إلى أبى جعفر فاعترف له وسمى أصحاب أبيه فكان فيمن سمى عبد الرحمن بن أبى الموالى وأبو حنين فأمر بهما أبو جعفر فحبسا وضرب أبو حنين مائة سوط قال وحدثني عيسى قال مر حسن بن حسن بن حسن على إبراهيم بن حسن وهو يعلف إبلا له فقال أتعلف إبلك وعبد الله محبوس أطلق عقلها يا غلام فأطلقها ثم صاح في أدبارها فلم يوجد منه واحد قال وحدثني عيسى قال حدثنى على بن عبد الله ابن محمد بن عمر بن على قال حضرنا باب رياح في المقصورة فقال الآذان من كان ههنا من بنى حسين فليدخل فقال لى عمى عمر بن محمد أنظر ما يصنع القوم قال فدخلوا من باب المقصورة وخرجوا من باب مروان قال ثم قال من ههنا من بنى حسن فليدخل فدخلوا من باب المقصورة ودخل الحدادون من باب مروان فدعى بالقيود قال وحدثني عيسى قال حدثنى أبى قال كان رياح إذا صلى الصبح أرسل إلى وإلى قدامة بن موسى فيحدثنا ساعة فانا لعنده يوما فلما أسفرنا إذا برجل متلفف في ساج له فقال له رياح مرحبا بك وأهلا ما حاجتك قال جئت لتحبسني مع قومي فإذا هو على بن حسن بن حسن بن حسن فقال أما والله ليعرفنها لك أمير المؤمنين ثم حبسه معهم قال حدثنى يعقوب بن القاسم قال حدثنى سعيد بن ناشرة مولى جعفر بن سليمان قال بعث محمد ابنه عليا فأخذ بمصر فمات في سجن أبى جعفر قال وحدثني موسى بن

[ 173 ]

عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن قال حدثنى أبى عن أبيه موسى بن عبد الله قال لما حبسنا ضاق الحبس بنا فسأل أبى رياح أن يأذن له فيشترى دارا فيجعل حبسنا فيها ففعل فاشترى أبى دارا فنقلنا إليها فلما امتدبنا الحبس أتى محمد أمه هندا فقال إنى قد حملت أبى وعمومتي مالا طاقة لهم به ولقد هممت أن أضع يدى في أيديهم فعسى أن يخلى عنهم قال فتنكرت ولبست اطمارا ثم جاءت السجن كهيئة الرسول فأذن لها فلما رآها أبى أثبتها فنهض إليها فأخبرته عن محمد فقال كلا بل نصبر فوالله إنى لارجو أن يفتح الله به خيرا قولى له فليدع إلى أمره وليجد فيه فان فرجنا بيد الله قال فانصرفت وتم محمد على بغيته (وفى هذه السنة) حمل ولد حسن بن حسن بن على من المدينة إلى العراق ذكر الخبر عن سبب حملهم إلى العراق وما كان من أمرهم إذ حملوا * ذكر عمر قال حدثنى موسى بن عبد الله قال حدثنى أبى عن أبيه قال لما حج أبو جعفر أرسل محمد بن عمران بن إبراهيم بن محمد بن طلحة ومالك بن أنس إلى أصحابنا فسألهم أن يدفعوا إليه محمدا وإبراهيم ابني عبد الله قال فدخل علينا الرجلان وأبى قائم يصلى فأبلغاهم رسالته فقال حسن بن حسن هذا عمل ابني المشومة أما والله ما هذا برأينا ولا عن ملامنا ولا لنا فيه حيلة قال فأقبل عليه إبراهيم فقال علام تؤذى أخاك في ابنيه وتؤذى ابن أخيك في أمه قال وانصرف أبى من صلاته فأبلغاه فقال لا والله لا أرد عليكما حرفا إن أحب أن يأذن لى فألقاه فليفعل فانصرف الرجلان فأبلغاه فقال أراد أن يسحرني لا والله لا ترى عينه عينى حتى يأتيني بابنيه قال وحدثني ابن زبالة قال سمعت بعض علمائنا يقول ما سار عبد الله بن حسن أحدا قط إلا قتله عن رأيه قال وحدثني موسى بن عبد الله عن أبيه عن جده قال ثم سار أمير المؤمنين أبو جعفر لوجهه حاجا ثم رجع فلم يدخل المدينة ومضى إلى الربذة حتى أتى ثنى رهوتها قال عمر وحدثني محمد بن يحيى قال حدثنى الحارث بن إسحاق قال لم يزل بنو حسن محبوسين عند رياح حتى حج أبو جعفر سنة 144 فتلقاه رياح بالربذة فرده إلى المدينة وأمره بإشخاص بنى حسن إليه وبإشخاص

[ 174 ]

محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان وهو أخو بنى حسن لامهم أمهم جميعا فاطمة بنت حسين بن على بن أبى طالب فأرسل إليه رياح وكان بماله ببدر فحدره إلى المدينة ثم خرج رياح ببنى حسن ومحمد بن عبد الله بن عمرو إلى الربذة فلما صار بقصر نفيس على ثلاثة أميال من المدينة دعا بالحدادين والقيود والاغلال فألقى كل رجل منهم في كبل وغل فضاقت حلقتا قيد عبد الله بن حسن بن حسن فعضتاه فتأوه فأقسم عليه أخوه على بن حسن ليحولن حلقتيه عليه إن كانتا أوسع فحولتا عليه فمضى بهم رياح إلى الربذة قال وحدثني إبراهيم بن خالد ابن أخت سعيد بن عامر عن جويرة بن أسماء وهو خال أمه قال لما حمل بنو حسن إلى أبى جعفر أتى بأقياد يقيدون بها وعلى بن حسن بن حسن قائم يصلى قال وكان في الاقياد قيد ثقيل فكلما قرب إلى رجل منهم تفادى منه واستعفى قال فانفتل على من صلاته فقال لشدما جزعتم شرعه هذا ثم مدرجليه فقيد به قال وحدثني عيسى قال حدثنى عبد الله بن عمران قال الذى حدرهم إلى الربذة أبو الازهر قال عمر حدثنى ابن زبالة قال حدثنى حسين ابن زيد بن على بن حسين قال غدوت إلى المسجد فرأيت بنى حسن يخرج بهم من دار مروان مع أبى الازهر يراد بهم الربذة فانصرفت فأرسل إلى جعفر بن محمد فجئته فقال ما وراءك فقلت رأيت بنى حسن يخرج بهم في محامل قال اجلس فجلست فدعا غلاما له ثم دعا ربه دعاء كثيرا ثم قال لغلامه اذهب فإذا حملوا فأت فأخبرني فأتاه الرسول فقال قد أقبل بهم قال فقام جعفر بن محمد فوقف من وراء ستر شعر يبصر من ورائه ولا يبصره أحد فطلع بعبد الله بن حسن في محمل معادله مسود وجميع أهل بيته كذلك قال فلما نظر إليهم جعفر هملت عيناه حتى جرت دموعه على لحيته ثم أقبل على فقال يا أبا عبد الله والله لا يحفظ لله حرمة بعد هؤلاء قال وحدثني محمد بن الحسن بن زبالة قال حدثنى مصعب بن عثمان قال لما ذهب ببنى حسن لقيهم الحارث بن عامر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بالربذة فقال الحمد لله الذى أخرجكم من بلادنا قال فاشرأب له حسن بن حسن فقال له عبد الله عزمت عليك إلا سكت قال وحدثني عيسى قال حدثنى ابن أبرود حاجب محمد بن عبد الله

[ 175 ]

قال لما حمل بنو حسن كان محمد وإبراهيم يأتيان معتمين كهيئة الاعراب فيسايران أبا هما ويسائلانه ويستأذناه في الخروج فيقول لا تعجلا حتى يمكنكما ذلك ويقول ان منعكما أبو جعفر أن تعيشا كريمين فلا يمنعكما أن تموتا كريمين قال عمرو حدثنى محمد بن يحيى قال حدثنى الحارث بن اسحاق قال لما صار بنو حسن إلى الربذة دخل محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان على أبى جعفر وعليه قميص وساج وإزار رقيق تحت قميصه فلما وقف بين يديه قال إيها يا ديوث قال محمد سبحان الله والله لقد عرفتني بغير ذلك صغيرا وكبيرا قال فمم حملت ابنتك وكانت تحت إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن الحسن وقد أعطيتني الايمان بالطلاق والعتاق ألا تغشني ولا تمالئ على عدوا ثم أنت تدخل على ابنتك متخضبة متعطرة ثم تراها حاملا فلا يروعك حملها فأنت بين أن تكون حانثا أو ديوثا وايم الله إنى لاهم برجمها فقال محمد أما إيمانى فهى على إن كنت دخلت لك في أمر غش علمته وأما ما رميت به هذه الجارية فإن الله قد أكرمها عن ذلك بولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها ولكني قد ظننت حين ظهر حملها أن زوجها ألم بها على حين غفلة منا فاحتفظ أبو جعفر من كلامه وأمر بشق ثيابه فشق قميصه عن إ اره فأشف عن عورته ثم أمر به فضرب خمسين ومائة سوط فبلغت منه كل مبلغ وأبو جعفر يفترى عليه ولا ينكى فأصاب سوط منها وجهه فقال له ويحك اكفف عن وجهى فان له حرمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فأغرى أبو جعفر فقال للجلاد الرأس الرأس قال فضرب على رأسه نحوا من ثلاثين سوطا ثم دعا بساجور من خشب شبيه به في طوله وكان طويلا فشد في عنقه وشدت به يده ثم أخرج به ملببا فلما طلع به من حجرة أبى جعفر وثب إليه مولى له فقال بأبى أنت وأمى ألا ألوثك بردائي قال بلى جزيت خيرا فوالله لشفوف إزارى أشد على من الضرب الذى نالنى فألقى عليه المولى الثوب ومضى به إلى أصحابه المحبسين قال وحدثني الوليد بن هشام قال حدثنى عبد الله بن عثمان عن محمد بن هاشم ابن البريد مولى معاوية قال كنت بالربذة فأتى ببنى حسن مغلولين معهم العثماني كأنه خلق من

[ 176 ]

فضة فأقعدوا فلم يلبثوا حتى خرج رجل من عند أبى جعفر فقال أين محمد بن عبد الله العثماني فقام فدخل فلم نلبث أن سمعنا وقع السياط فقال أيوب بن سلمة المخزومى لبنيه يا بنى إنى لارى رجلا ليس لاحد عنده هوادة فانظروا لانفسكم لا تسقطوا بشئ قال فأخرج كأنه زنجى قد غيرت السياط لونه وأسالت دمه وأصاب سوط منها إحدى عينيه فسالت فأقعد إلى جنب أخيه عبد الله بن حسن بن حسن فعطش فاستسقى ماء فقال عبد الله بن حسن يا معشر الناس من يسقى ابن رسول الله شربة ماء فتحاماه الناس فما سقوه حتى جاء خراساني بماء فسله إليه فشرب ثم لبثنا هنيهة فخرج أبو جعفر في شق محمل معادله الربيع في شقه الايمن على بغلة شقراء فناداه عبد الله يا أبا جعفر والله ما هكذا فعلنا بأسرائكم يوم بدر قال فأخسأه أبو جعفر وتفل عليه ومضى ولم يعرج وذكر أن أبا جعفر لما دخل عليه محمد بن عبد الله العثماني سأله عن ابراهيم فقال مالى به علم فدق أبو جعفر وجهه بالجوز وذكر عمر عن محمد بن أبى حرب قال لم يزل أبو جعفر جميل الرأى في محمد حتى قال له رياح يا أمير المؤمنين أما أهل خراسان فشيعتك وأنصارك وأما أهل العراق فشيعة آل أبى طالب وأما أهل الشأم فوالله ما على عندهم الا كافر وما يعتدون بأحد من ولده ولكن أخاهم محمد بن عبد الله بن عمر ولو دعا أهل الشأم ما تخلف عنه منهم رجل قال فوقعت في نفس أبى جعفر فلما حج دخل عليه محمد فقال يا محمد أليس ابنتك تحت ابراهيم بن عبد الله بن حسن قال بلى ولا عهد لى به إلا بمنى في سنة كذا وكذا قال فهل رأيت ابنتك تختضب وتمتشط قال نعم قال فهى إذا زانية قال مه يا أمير المؤمنين أتقول هذا لابنة عمك قال يا ابن اللخناء قال أي أمهاتي تلخن قال يا ابن الفاعلة ثم ضرب وجهه بالجرز وحدره وكانت رقية ابنة محمد تحت ابراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن ولها يقول خليلي من قيس دعا اللوم أقعدا * يسركما ألا أنام وترقدا أبيت كأنى مسعر من تذكري * رقية جمرا من غضا متوقدا قال وحدثني عيسى بن عبد الله بن محمد قال حدثنى سليمان بن داود بن حسن

[ 177 ]

قال ما رأيت عبد الله بن حسن جزع من شئ مما ناله الا يوما واحدا فان بعير محمد ابن عبد الله بن عمرو بن عثمان انبعث وهو غافل لم يتأهب له وفى رجليه سلسلة وفى عنقه زمارة فهوى وعلقت الزمارة بالمحمل فرأيته منوطا بعنقه يضطرب فرأيت عبد الله بن حسن قد بكى بكاء شديدا قال وحدثني موسى بن عبد الله بن موسى قال حدثنى أبى عن أبيه قال لما صرنا بالربذة أرسل أبو جعفر إلى أبى ان أرسل إلى أحدكم واعلم أنه غير عائد إليك أبدا فابتدره بنو اخوته يعرضون أنفسهم عليه فجزاهم خيرا وقال أنا أكره ان أفجعهم بكم ولكن اذهب أنت يا موسى قال فذهبت وأنا يومئذ حديث السن فلما نظر إلى قال لا أنعم الله بك عينا السياط يا غلام قال فضربت والله حتى غشى على فما أدرى بالضرب فرفعت السياط عنى ودعانى فقربت منه واستقربنى فقال أتدرى ما هذا هذا فيض فاض منى فأفرغت منه سجلا لم أستطع رده ومن ورائه الموت أو تفتدي منه قال قلت يا أمير المؤمنين والله إن مالى ذنب وإنى لبمعزل عن هذا الامر قال فانطلق فأتني بأخويك قال فقلت يا أمير المؤمنين تبعثني إلى رياح بن عثمان فيضع على العيون والرصد فلا أسلك طريقا إلا تبعني له رسول ويعلم ذلك اخواى فيهربان منى قال فكتب إلى رياح لا سلطان لك على موسى قال وأرسل معى حرسا أمرهم أن يكتبوا إليه بخبرى قال فقدمت المدينة فنزلت دار ابن هشام بالبلاط فأقمت بها أشهرا فكتب إليه رياح أن موسى مقيم بمنزله يتربص بأمير المؤمنين الدوائر فكتب إليه إذا قرأت كتابي هذا فأحدره إلى فحدرنى قال وحدثني محمد بن اسماعيل قال حدثنى موسى قال أرسل أبى إلى أبى جعفر إنى كاتب إلى محمد وابراهيم فأرسل موسى عسى أن يلقاهما وكتب اليهما أن يأتياه وقال لى أبلغهما عنى فلا يأتياه أبدا قال وانما أراد أن يفلتنى من يده وكان أرق الناس على وكنت أصغر ولد هند وأرسل اليهما يا ابني أمية إنى عنكما غان * وما الغنى غير أنى مرعش فانى يا ابني أمية إلا ترحما كبرى * فإنما أنتما والشكل مثلان

[ 178 ]

قال فأقمت بالمدينة مع رسل أبى جعفر إلى أن استبطأني رياح فكتب إلى أبى جعفر بذلك فحد رنى إليه قال حدثنى يعقوب ابن القاسم بن محمد قال أخبرني عمران بن محرز من بنى البكاء قال خرج ببنى حسن إلى الربذة فيهم على وعبد الله ابنا حسن بن حسن بن حسن وأمهما حبابة ابنة عامر بن عبد الله ابن عامر بن بشر بن عامر ملاعب الاسنة فمات في السجن حسن بن حسن وعباس ابن حسن وأمه عائشة بنت طلحة بن عمر بن عبيد الله وعبد الله بن حسن وابراهيم بن حسن قال عمر حدثنى المدائني قال لما خرج ببنى حسن قال ابراهيم بن عبد الله بن حسن قال عمرو قد أنشدني غير أبى الحسن هذا الشعر لغالب الهمداني ما ذكرك الدمنة القفار وأه‍ * - ل الدار إما نأوك أو قربوا إلا سفاها وقد تفرعك ال‍ * - شيب بلون كأنه العطب ومر خمسون من سنيك كما * عدلك الحاسبون إذ حسبوا بعد ذكر الشباب لست له * ولا إليك الشباب منقلب إنى عرتنى الهموم فاحتضر ال‍ * - هم وسادى فالقلب منشعب واستخرج الناس للشقاء وحل‍ * - قت لدهر بظهره حدب أعوج يستعذب الليام به * ويحتويه الكرام إن سربوا نفسي فدت شيبة هناك وظن‍ * - بوبا به من قيوده ندب والسادة الفر من بنيه فما * روقب فيه الاله والنسب يا حلق القيد ما تضمنت من * حلم وبر يشوبه حسب وأمهات من العواتك أخ‍ * - لصنك بيض عقائل عرب كيف اعتذاري إلى الاله ولم * يشهرن فيك المأثورة القضب ولم أقد غارة ململمة * فيها بنات الصريح تنتحب والسابقات الجياد والاسل ال‍ * - ذبل فيها أسنة ذرب حتى نوفي بنى نتيلة بال‍ * - قسط بكيل الصاع الذى احتلبوا بالقتل قتلا وبالاسير الذى * في القد أسرى مصفودة سلب

[ 179 ]

أصبح آل الرسول أحمد في ال‍ * - ناس كذى عرة بن جرب بؤسا لهم ما جنت أكفهم * وأى حبل من أمة قضبوا وأى حبل خانوا المليك به * شد بميثاق عقده الكذب وذكر عبد الله بن راشد بن يزيد قال سمعت الجراح بن عمر وخاقان بن زيد وغيرهما من أصحابنا يقولون لما قدم بعبدالله بن حسن وأهله مقيدين فأشرف بهم على النجف قال لاهله أما ترون في هذه القرية من يمنعنا من هذا الطاغية قال فلقيه ابنا أخى الحسن وعلى مشتملين على سيفين فقالا له قد جئناك يا ابن رسول الله فمرنا بالذى تريد قال قد قضيتما ما عليكما ولن تغنيا في هؤلاء شيئا فانصرفا قال وحدثني عيسى قال حدثنى عبد الله بن عمران بن أبى فروة قال أمر أبو جعفر أبا الازهر فحبس بنى حسن بالهاشمية قال وحدثني محمد بن الحسن قال حدثنى محمد ابن ابراهيم قال أتى بهم أبو جعفر فنظر إلى محمد بن ابراهيم بن حسن فقال أنت الديباج الاصفر قال نعم قال أما والله لاقتلنك قتلة ما قتلتها أحدا من أهل بيتك ثم أمر بأسطوانة مبنية ففرقت ثم أدخل فيها فبنى عليه وهو حى قال محمد بن الحسن وحدثني الزبير بن بلال قال كان الناس يختلفون إلى محمد ينظرون إلى حسنه قال عمرو حدثنى عيسى قال حدثنى عبد الله بن عمران قال أخبرني أبو الازهر قال قال لى عبد الله بن حسن أبغني حجاما فقد احتجت إليه فاستأذنت أمير المؤمنين فقال آتيه بحجام مجيد قال وحدثني الفضل بن دكين أبو نعيم قال حبس من بنى حسن ثلاثة عشر رجلا وحبس معهم العثماني وابنان له في قصر ابن هبيرة وكان في شرقي الكوفة مما يلى بغداد فكان أول من مات منهم إبراهيم بن حسن ثم عبد الله بن حسن فدفن قريبا من حيث مات والا يكن بالقبر الذى يزعم الناس أنه قبره فهو قريب منه قال وحدثني محمد بن أبى حرب قال كان محمد بن عبد الله ابن عمرو محبوسا عند أبى جعفر وهو يعلم براءته حتى كتب إليه أبو عون من خراسان أخبر أمير المؤمنين أن أهل خراسان قد تقاعسوا عنى وطال عليهم أمر محمد ابن عبد الله فأمر أبو جعفر عند ذلك بمحمد بن عبد الله بن عمرو فضربت عنقه

[ 180 ]

وأرسل برأسه إلى خراسان وأقسم لهم أنه رأس محمد بن عبد الله وأن أمه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمر فحدثني الوليد بن هشام قال حدثنى أبى قال لما صار أبو جعفر بالكوفة قال ما أشتفى من هذا الفاسق من أهل بيت فسق فدعا به فقال أزوجت ابنتك ابن عبد الله قال لا قال أفليست بامرأته قال بلى زوجها إياه عمها وأبوه عبد الله بن حسن فأجزت نكاحه قال فأين عهودك التى أعطيتني قال هي على قال أفلم تعلم بخضاب ألم تجد ريح طيب قال لا علم لى قد علم القوم مالك على من المواثيق فكتموني ذلك كله قال هل لك أن تستقيلنى فأفيلك وتحدث لى ايمانا مستقبلة قال ما حنثت بأيمانى فتجددها على ولا أحدثت ما أستقيلك منه فتقيلني فأمر به فضرب حتى مات ثم احتز رأسه فبعث به إلى خراسان فلما بلغ ذلك عبد الله بن حسن قال إنا لله وإنا إليه راجعون والله إن كنا لنأمن به في سلطانهم ثم قد قتل بنا في سلطاننا قال وحدثني عيسى بن عبد الله قال حدثنى مسكين ابن عمرو قال لما ظهر محمد بن عبد الله بن حسن أمر أبو جعفر بضرب عنق محمد ابن عبد الله بن عمرو ثم بعث به إلى خراسان وبعث معه الرجال يحلفون بالله أنه لمحمد بن عبد الله بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمر فسألت محمد بن جعفر بن إبراهيم في أي سبب قتل محمد بن عبد الله بن عمرو قال احتيج إلى رأسه قال عمرو حدثنى محمد بن أبى حرب قال كان عون بن أبى عون خليفة أبيه بباب أمير المؤمنين فلما قتل محمد بن عبد الله بن حسن وجه أبو جعفر برأسه إلى خراسان إلى أبى عون مع محمد بن عبد الله بن أبى الكرام وعون بن أبى عون فلما قدم به ارتاب أهل خراسان وقالوا أليس قد قتل مرة وأتينا برأسه قال ثم تكشف لهم الخبر حتى علموا حقيقته فكانوا يقولون لم يطلع من أبى جعفر على كذبة غيرها قال وحدثني عيسى بن عبد الله قال حدثنى عبد الله بن عمران بن أبى فروة قال كنا نأتى أبا الازهر ونحن بالهاشمية أنا والشعبانى فكان أبو جعفر يكتب إليه من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين إلى أبى الازهر مولاه ويكتب أبو الازهر إلى أبى جعفر من أبى الازهر مولاه وعبده فلما كان ذات يوم ونحن عنده وكان أبو جعفر قد ترك له

[ 181 ]

ثلاثة أيام لا ينوبها فكنا نخلو معه في تلك الايام فأتاه كتاب من أبى جعفر فقرأه ثم رمى به ودخل إلى بنى حسن وهم محبوسون قال فتناولت الكتاب وقرأته فإذا فيه أنظر يا أبا الازهر ما أمرتك به في مدله فعجله وأنفذه قال وقرأ الشعبانى الكتاب فقال تدرى من مدله قلت لا قال هو والله عبد الله بن حسن فانظر ما هو صانع قال فلم نلبث أن جاء أبو الازهر فجلس فقال قدو الله هلك عبد الله بن حسن ثم لبث قليلا ثم دخل وخرج مكتئبا فقال أخبرني عن على بن حسن أي رجل هو قلت أمصدق أنا عندك قال نعم وفوق ذلك قال قلت هو والله خير من تقله هذه وتظله هذه قال فقدو الله ذهب قال وحدثني محمد بن اسماعيل قال سمعت جدى موسى بن عبد الله يقول ما كنا نعرف وقوت الصلاة في الحبس إلا بأحزاب كان يقرأها على بن حسن قال عمر وحدثني ابن عائشة قال سمعت مولى لبنى دارم قال قلت لبشير الرحال ما يسرعك إلى الخروج على هذا الرجل قال إنه أرسل إلى بعد أخذه عبد الله بن حسن فأتيته فأمرني يوما بدخول بيت فدخلته فإذا بعبدالله بن حسن مقتولا فسقطت مغشيا على فلما أفقت أعطيت الله عهدا ألا يختلف في أمره سيفان إلا كنت مع الذى عليه منهما وقلت للرسول الذى معى من قبله لا تخبره بما لقيت فانه إن علم قتلني قال عمر فحدثت به هشام بن إبراهيم بن هشام بن راشد من اهل همذان وهو العباسي أن أبا جعفر أمر بقتله فحلف بالله ما فعل ذلك ولكنه دس إليه من أخبره أن محمدا قد ظهر فقتل فانصدع قلبه فمات قال وحدثني عيسى ابن عبد الله قال قال من بقى منهم أنهم كانوا يسقون فماتوا جميعا إلا سليمان وعبد الله ابني داود بن حسن بن حسن وإسحاق واسماعيل ابني إبراهيم بن حسن بن حسن وجعفر بن حسن وكان من قتل منهم إنما قتل بعد خروج محمد قال عيسى فنظرت مولاة لآل حسن إلى جعفر بن حسن فقالت بنفسى أبو جعفر ما أبصره بالرجال حيث يطلقك وقتل عبد الله بن حسن ذكر بقية الخبر من الاحداث التى كانت في سنة أربع وأربعين ومائة فمن ذلك ما كان من حمل أبى جعفر المنصور بنى حسن بن حسن بن على من

[ 182 ]

المدينة إلى العراق ذكر الخبر عن سبب حمله إياهم إلى العراق * حدثنى الحارث بن محمد قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال لما ولى أبو جعفر رياح بن عثمان بن حيان المرى المدينة أمره بالجد في طلب محمد وابراهيم ابني عبد الله بن الحسن وقلة الغفلة عنهما قال محمد بن عمر فأخبرني عبد الرحمن ابن أبى الموالى قال فجد رياح في طلبهما ولم يداهن واشتد في ذلك كل الشدة حتى خافا وجعلا ينتقلان من موضع إلى موضع وأغنم أبو جعفر من تبغيهما وكتب إلى رياح بن عثمان ألم يأخذ أباهما عبد الله بن حسن وإخوته حسن بن حسن وداود بن حسن وابراهيم بن حسن ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان وهو أخوهم لامهم فاطمة بنت حسين في عدة منهم ويشدهم وثاقا ويبعث بهم إليه حتى يوافوه بالربذة وكان أبو جعفر قد حج تلك السنة وكتب إليه أن يأخذني معهم فيبعث بى إليه أيضا قال فأدركت وقد أهللت بالحج فأخذت فطرحت في الحديد وعورض بى الطريق حتى وافيتهم بالربذة قال محمد بن عمر أنا رأيت عبد الله بن حسن وأهل بيته يخرجون من دار مروان بعد العصر وهم في الحديد فيحملون في المحامل ليس تحتهم وطاء وأنا يومئذ قد راهقت الاحتلام أحفظ ما أرى قال محمد بن عمر قال عبد الرحمن بن أبى الموالى وأخذ معهم نحو من أربعمائة من جهينة ومزينة وغيرهم من القبائل فأراهم بالربذة مكتفين في الشمس قال وسجنت مع عبد الله ابن حسن وأهل بيته ووافى أبو جعفر الربذة منصرفا من الحج فسأل عبد الله بن حسن أبا جعفر أن يأذن له في الدخول عليه فأبى أبو جعفر فلم يره حتى فارق الدنيا قال ثم دعاني أبو جعفر من بينهم فأقعدت حتى أدخلت وعنده عيسى بن على فلما رأني عيسى قال نعم هو هويا أمير المؤمنين وان أنت شددت عليه أخبرك بمكانهم فسلمت فقال أبو جعفر لا سلم الله عليك أين الفاسقان ابنا الفاسق الكذابان ابنا الكذاب قال قلت هل ينفعني الصدق يا أمير المؤمنين عندك قال وما ذاك قال امرأته طالق وعلى وعلى إن كنت أعرف مكانهما قال فلم يقبل ذلك منى وقال

[ 183 ]

السياط وأقمت بين العقابين فضربني أربعمائة سوط فما عقلت بها حتى رفع عنى ثم حملت إلى أصحابي على تلك الحال ثم بعث إلى الديباج محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان وكانت ابنته تحت ابراهيم بن عبد الله بن حسن فلما أدخل عليه قال أخبرني عن الكذابين ما فعلا وأين هما قال والله يا أمير المؤمنين مالى بهما علم قال لتخبرنى قال قد قلت لك وإنى والله لصادق ولقد كنت أعلم علمهما قبل اليوم وأما اليوم فمالى والله بهما علم قال جردوده فجرد فضربه مائة سوط وعليه جامعة حديد في يده إلى عنقه فلما فرغ من ضربه أخرج فألبس قميصا له قوهيا على الضرب وأتى به إلينا فوالله ما قدروا على نزع القميص من لصوقه بالدم حتى حلبوا عليه شاة ثم انتزع القميص ثم داووه فقال أبو جعفر أحدروا بهم إلى العراق فقدم بنا إلى الهاشمية فحبسنا بها فكان أول من مات في الحبس عبد الله بن حسن فجاء السجان فقال ليخرج أقربكم به فليصل عليه فخرج أخوه حسن بن حسن بن حسن بن على عليهم السلام فصلى عليه ثم مات محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان فأخذ رأسه فبعث به مع جماعة من الشيعة إلى خراسان فطافوا في كور خراسان وجعلوا يحلفون بالله أن هذا رأس محمد بن عبد الله بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه يوهمون الناس أنه رأس محمد بن عبد الله بن حسن الذى كانوا يجدون خروجه على أبى جعفر في الرواية وكان والى مكة في هذه السنة السرى بن عبد الله ووالى المدينة رياح بن عثمان المرى ووالى الكوفة عيسى بن موسى ووالى البصرة سفيان بن معاوية وعلى قضائها سوار بن عبد الله وعلى مصر يزيد بن حاتم ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك خروج محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة وخروج أخيه إبراهيم بن عبد الله يعده بالبصرة ومقتلهما

[ 184 ]

ذكر الخبر عن مخرج محمد بن عبد الله ومقتله ذكر عمر أن محمد بن يحيى حدثه قال حدثنى الحارث بن إسحق قال لما انحدر أبو جعفر ببنى حسن رجع رياح إلى المدينة فألح في الطلب وأخرج محمدا حتى عزم على الظهور قال عمر فحدثت إبراهيم بن محمد بن عبد الله الجعفري أن محمدا أخرج فخرج قبل وقته الذى فارق عليه أخاه إبراهيم فأنكر ذلك وقال ما زال محمد يطلب أشد الطلب حتى سقط ابنه فمات وحتى رهقه الطلب فتدلى في بعض آبار المدينة يناول أصحابه الماء وقد انغمس فيه إلى رأسه وكان بدنه لا يخفى عظما ولكن إبراهيم تأخر عن وقته بحدرى أصابه قال وحدثني محمد بن يحيى قال حدثنى الحارث بن إسحق قال تحدث أهل المدينة بظهور محمد فأسرعنا في شراء الطعام حتى باع بعضهم حلى نسائه وبلغ رياحا أن محمدا أتى المذاد فركب في جنده يريده وقد خرج قبله محمد يريد المذاد ومعه جبير بن عبد الله السلمى وجبير بن عبد الله ابن يعقوب بن عطاء وعبد الله بن عامر الاسلمي فسمعوا سقاءة تحدث صاحبتها أن رياحا قد ركب يطلب محمدا بالمذاد وأنه قد سار إلى السوق فدخلوا دار الجهنية وأجافوا بابها عليهم ومر رياح على الباب لا يعلم بهم ثم رجع إلى دار مروان فلما حضرت العشاء الاخيرة صلى في الدار ولم يخرج (وقيل) إن الذى أعلم رياحا بمحمد سليمان بن عبد الله بن بى سبرة من بنى عامر بن لؤى وذكر عن الفضل بن دكين قال بلغني أن عبيد الله بن عمرو بن أبى ذؤيب وعبد الحميد بن جعفر دخلوا على محمد قبل خروجه فقال له ما ننتظر بالخروج والله ما تجد في هذه الامة أحدا أشأم عليها منك ما يمنعك أن تخرج وحدك قال وحدثني عيسى قال حدثنى أبى قال بعث إلينا رياح فأتيته أنا وجعفر بن محمد بن على بن حسين وحسين ابن على بن حسين بن على وعلى بن عمر بن على بن حسين بن على وحسن بن على ابن حسين بن على بن حسين بن على ورجال من قريش منهم إسماعيل بن أيوب ابن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة ومعه ابنه خالد فأنا لعنده في دار مروان إذ سمعنا التكبير قد حال دون كل شئ فظنناه من عند الحرس وظن الحرس أنه

[ 185 ]

من الدار قال فوثب ابن مسلم بن عقبة وكان مع رياح فاتكأ على سيفه فقال أطعنى في هؤلاء فاضرب أعناقهم فقال على بن عمر فكدنا والله تلك الليلة أن نطيح حتى قام حسين بن على فقال والله ما ذاك لك أنا على السمع والطاعة قال وقام رياح ومحمد بن عبد العزيز فدخلا جنيدا في دار يزيد فاختفيا فيه وقمنا فخرجنا من دار عبد العزيز بن مروان حتى تسورنا على ركبا كانت في زقاق عاصم بن عمرو فقال إسماعيل بن أيوب لابنه خالد يا بنى والله ما تجيبني نفسي إلى الوثوب فارفعني فرفعه * وحدثني محمد بن يحيى قال حدثنى عبد العزيز بن عمران قال حدثنى أبى قال جاء الخبر إلى رياح وهو في دار مروان أن محمدا لخارج الليلة فأرسل إلى أخى محمد بن عمران وإلى العباس بن عبد الله بن الحارث بن العباس والى غير واحد قال فخرج أخى وخرجت معه حتى دخلنا عليه بعد العشاء الآخرة فسلمنا عليه فلم يرد علينا فجلسنا فقال أخى كيف أمسى الامير أصلحه الله قال بخير صوت ضعيف قال ثم صمت طويلا ثم تنبه فقال أيها يا أهل المدينة أمير المؤمنين يطلب بغيته في شرق الارض وغربها وهو ينتفق بين أظهركم أقسم بالله لئن خرج لا أترك منكم أحدا إلا ضربت عنقه فقال أخى أصلحك الله أنا عذبرك منه هذا والله الباطل قال فأنت أكثر من ههنا عشيرة وأنت قاضى أمير المؤمنين فادع عشيرتك قال فوثب أخى ليخرج فقال اجلس اذهب أنت يا ثابت فوثبت فأرسلت إلى بنى زهرة ممن يسكن حش طلحة ودار سعد ودار بنى أزهر أن أحضروا سلاحكم قال فجاء منهم بشر وجاء إبراهيم بن يعقوب بن سعد بن أبى وقاص منتكبا قوسا وكان من أرمى الناس فلما رأيت كثرتهم دخلت على رياح فقلت هذه بنو زهرة في السلاح يكونون معك ائذن لهم قال هيهات تريد أن تدخل على الرجال طروقا في السلاح قل لهم فليجلسوا في الرحبة فان حدث شئ فليقاتلوا قال قلت لهم قد أبى أن يأذن لكم لا والله ما ههنا شئ فاجلسوا بنا نتحدث قال فمكثنا قليلا فخرج العباس بن عبد الله بن الحارث في خيل يعس حتى جاء رأس الثنية ثم انصرف إلى منزله وأغلقه عليه فوالله إنا لعلى تلك الحال إذ

[ 186 ]

طلع فارسان من قبل الزوراء يركضان حتى وقفا بين دار عبد الله بن مطيع ورحبة القضاء في موضع السقاية قال قلنا شر الامر والله جد قال ثم سمعنا صوتا بعيدا فأقمنا ليلا طويلا فأقبل محمد بن عبد الله من المذاد ومعه مائتان وخمسون رجلا حتى إذا شرع على بنى سلمة وبطحان قال اسلكوا بنى سلمة تسلموا إن شاء الله قال فسمعنا تكبيرا ثم هدأ الصوت فأقبل حتى إذا خرج من زقاق ابن حبين استبطن السوق حتى جاء على التمارين حتى دخل من أصحاب الاقفاص فأتى السجن وهو يومئذ في دار ابن هشام فدقه وأخرج من كان فيه ثم أقبل حتى إذا كان بين دار يزيد ودار أويس نظرنا إلى هول من الاهوال قال فنزل ابراهيم بن يعقوب ونكب كنانته وقال ارمى فقلنا لا تفعل ودار محمد بالرحبة حتى جاء بيت عاتكة بنت يزيد فجلس على بابها وتناوش الناس حتى قتل رجل سندى كان يستصبح في المسجد قتله رجل من أصحاب محمد قال وحدثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر أخبرني جهم بن عثمان قال خرج محمد بن المذاد على حمارونحن معه فولى خوات بن بكير بن خوات بن جبير الرجالة وولى عبد الحميد بن جعفر الحربة وقال أكفنيها فحملها ثم استعفاه منها فأعفاه ووجهه مع ابنه حسن بن محمد قال وحدثني عيسى قال حدثنى جعفر بن عبد الله بن يزيد بن ركانة قال بعث ابراهيم بن عبد الله إلى أخيه بحملي سيوف فوضعها بالمذاد فأرسل إلينا ليلة خرج وما نكون مائة رجل وهو على حمار اعرابي أسود فافترق طريقان طريق بطحان وطريق بنى سلمة فقلنا له كيف نأخذ قال على بنى سلمة يسلمكم الله قال فجئنا حتى صرنا بباب مروان قال وحدثني محمد بن عمرو ابن رتبيل بن نهشل أحد بنى يربوع عن أبى عمر والمديني شيخ من قريش قال أصابتنا السماء بالمدينة أياما فلما أقلعت خرجت في غبها متمطرا فانتسأت عن المدينة فإنى لفى رحلى إذ هبط على رجل لا أدرى من أين أتى حتى جلس إلى عليه اطمار له درنة وعمامة رثة فقلت له من أين أقبلت قال من غنيمة لى أوصيت راعيها بحاجة لى ثم أقبلت أريد أهلى قال فجعلت لا أسلك من العلم طريقا إلا سبقني إليه وكثرنى فيه فجعلت أعجب له ولما يأتي قلت ممن الرجل قال من المسلمين قلت

[ 187 ]

أجل فمن أيهم أنت قال لا عليك ألا تريد قلت بلى على ذلك فمن أنت قال فوثب وقال * منخرق الحفين يشكو الوجى * الابيات الثلاثة قال ثم أدبر فذهب فوالله ما فات مدى بصرى حتى ندمت على تركه قبل معرفته فاتبعته لاسأله فكأن الارض التأمت عليه ثم رجعت إلى رحلى ثم أتيت المدينة فمات غبرت إلا يومى وليلتي حتى شهدت صلاة الصبح بالمدينة فإذا رجل يصلى بنا لاعرف صوته فقرأ إنا فتحنا لك فتحا مبينا فلما انصرف صعد المنبر فإذا صاحبي وإذا هو محمد بن عبد الله بن حسن قال وحدثني اسماعيل بن ابراهيم بن هود مولى قريش قال سمعت اسماعيل بن الحكم بن عوانة يخبر عن رجل قد سماه بشبيهة بهذه القصة قال اسماعيل فحدثت بها رجلا من الانبار يكنى أبا عبيد فذكر أن محمدا أو ابراهيم وجه رجلا من بنى ضبة فيما يحسب اسماعيل بن ابراهيم بن هود ليعلم له بعض علم أبى جعفر فأتى الرجل المسيب وهو يومئذ على الشرط فمت إليه برحمه فقال المسيب إنه لابد من رفعك إلى أمير المؤمنين فأدخله على أبى جعفر فاعترف فقال ما سمعته يقول قال: شرده الخوف فأزرى به * كذاك من يكره حر الجلاد قال أبو جعفر فأبلغه أنا نقول: وخطة ذل نجعل الموت دونها * نقول لها للموت أهلا ومرحبا وقال انطلق فأبلغه قال عمر وحدثني أزهر بن سعيد بن نافع وقد شهد ذلك قال خرج محمد في أول يوم من رجب سنة 145 فبات بالمذاد هو وأصحابه ثم أقبل في الليل فدق السجن وبيت المال وأمر برياح وابن مسلم فحبسا معا في دار ابن هشام قال وحدثني يعقوب بن القاسم قال حدثنى على بن أبى طالب قال خرج محمد لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة 145 * وحدثني عمر بن راشد قال خرج لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة فرأيت عليه ليلة خرج قلنسوة صفراء مصرية وجبة صفراء وعمامة قد شدبها حقويه وأخرى قداعتم بها متوشحا سيفا فجعل يقول لاصحابه لا تقتلوا لا تقتلوا فلما امتنعت منهم الدار قال ادخلوا من باب المقصورة قال فاقتحموا وحرقوا باب الخوخة التى فيها فلم يستطع أحد أن يمر فوضع رزام مولى القسرى

[ 188 ]

ترسه على النار ثم تخطى عليه فصنع الناس ما صنع ودخلوا من بابها وقد كان بعض اصحاب رياح ما رسوا على الباب وخرج من كان مع رياح في الدار من دار عبد العزيز من الحمام وتعلق رياح في مشربة في دار مروان فأمر بدرجها فهدمت فصعدوا إليه فأنزلوه وحبسوه في دار مروان وحبسوا معه أخاه عباس بن عثمان وكان محمد بن خالد وابن أخيه النذير بن يزيد ورزام في الحبس فأخرجهم محمد وأمر النذير بالاستيثاق من رياح وأصحابه قال وحدثني عيسل قال حدثنى أبى قال حبس محمد رياحا وابن أخيه وابن مسلم بن عقبة في دار مروان قال وحدثني محمد بن يحيى قال حدثنى عبد العزيز بن أبى ثابت عن خاله راشد بن حفص قال قال رزام للنذير دعني وإياه فقد رأيت عذابه إياى قال شأنك وإياه ثم قام ليخرج فقال له رياح يا أبا قيس قد كنت أفعل بكم ما كنت أفعلت وأنا بسؤددكم عالم فقال له النذير فعلت ما كنت أهله ونفعل ما نحن أهله وتناوله رزام فلم يزل به رياح يطلب إليه حتى كف وقال والله إن كت لبطرا عند القدرة لئيما عند البلية قال وحدثني موسى ابن سعيد الجمحى قال حبس رياح محمد بن مروان بن أبى سليط من الانصار ثم أحد بنى عمرو بن عوف فمدحه وهو محبوس فقال وما نسى الذمام كريم قيس * ولا ملقى الرجال إلى الرجال إذا ما الباب قعقعه سعيد * هدجنا نحوه هدج الرئال دبيب الذر تصبح حين يمشى * قصا الخطو غير ذوى اختيال قال حدثنى محمد بن يحيى قال حدثنى اسماعيل بن يعقوب التيمى قال صعد محمد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس فإنه كان من أمر هذا الطاغية عدوالله أبى جعفر ما لم يخف عليكم من بنائه القبة الخضراء التى بناها معاندا لله في ملكه وتصغيرا للكعبة الحرام وإنما أخذ الله فرعون حين قال أنا ربكم الاعلى وأن أحق الناس بالقيام بهذا الدين أبناء المهاجرين الاولين والانصار المواسين اللهم إنهم قد أحلوا حرامك وحرموا حلالك وآمنوا من أخفت وأخافوا من آمنت اللهم فأحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا أيها الناس إنى

[ 189 ]

والله ما خرجت من بين أظهركم وأنتم عندي أهل قوة ولا شدة ولكني اخترتكم لنفسي والله ما جئت هذه وفى الارض مصر يعبد الله فيه إلا وقد أخذلى فيه البيعة قال وحدثني موسى بن عبد الله قال حدثنى أبى عن أبيه قال لما وجهنى رياح بلغ محمدا فخرج من ليلته وقد كان رياح تقدم إلى الاجناد الذين معى أن أطلع عليهم من ناحية المدينة رجل أن يضربوا عنقي فلما أتى محمد برياح قال أين موسى قال لا سبيل إليه والله لقد حدرته إلى العراق قال فأرسل في أثره فرده قال قد عهدت إلى الجند الذين معه أن رأوا أحدا مقبلا من المدينة أن يقتلوه قال فقال محمد لاصحابه من لى بموسى فقال ابن خضير إنا لك به قال فانظر رجالا فانتخب رجالا ثم أقبله قال فوالله ما راعنا إلا وهو بين أيدينا كأنما أقبل من العراق فلما نظر إليه الجند قالوا رسل أمير المؤمنين فلما خالطونا شهروا السلاح فأخذني القائد وأصحابه وأناخ بى وأطلقنى من وثاقي وشخص بى حتى أقدمني على محمد قال عمر حدثنى على بن الجعد قال كان أبو جعفر يكتب إلى محمد عن ألسن قواده يدعونه إلى الظهور ويخبرونه أنهم معه فكان محمد يقول لو التقينا مال إلى القواد كلهم قال وحدثني محمد بن يحيى قال حدثنى الحارث بن إسحاق قال لما أخذ المدينة استعمل عليها عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير وعلى قضائها عبد العزيز بن المطلب ابن عبد الله المخزومى وعلى الشرط أبا القلمس عثمان بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وعلى ديوان العطاء عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور ابن مخرمة وبعث إلى محمد بن عبد العزيز أنى كنت لاظنك ستنصرنا وتقيم معنا فاعتذر إليه وقال أفعل ثم انسل منه فأتى مكة قال وحدثني إسماعيل بن إبراهيم ابن هود قال حدثنى سعيد بن يحيى أبو سفيان الحميرى قال حدثنى عبد الحميد بن جعفر قال كنت على شرط محمد بن عبد الله حتى وجهنى وجها وولى شرطه الزبيري قال وحدثني أزهر بن سعيد بن نافع قال لم يتخلف عن محمد أحد من وجوه الناس إلا نفر منهم الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حزام وعبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام أبو سلمة بن عبيد الله

[ 190 ]

ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب وخبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير قال وحدثني يعقوب بن القاسم قال حدثتني جدتى كلثم بنت وهب قالت لما خرج محمد تنحى أهل المدينة فكان فيمن خرج زوجي عبد الوهاب بن يحيى بن عباد بن عبد الله ابن الزبير إلى البقيع فاختبأت عند أسماء بنت حسين بن عبد الله بن عبد الله بن عباس قالت فكتب إلى عبد الوهاب بأبيات قالها فكتبت إليه رحم الله شبابا * قاتلوا يوم الثنيه قاتلوا عنه بنيا * - ت وأحساب نقيه فر عنه الناس طرا * غير خيل أسديه قالت فزاد الناس قتل الرحمن عيسى * قاتل النفس الزكيه قال وحدثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن سنان الحكمى أخو الانصار قال أخبرني غير واحد أن مالك بن أنس استفتى في الخروج مع محمد وقيل له إن في أعناقنا بيعة لابي جعفر فقال إنما بايعتم مكرهين وليس على كل مكره يمين فأسرع الناس إلى محمد ولزم مالك بيته * وحدثني محمد بن إسماعيل قال حدثنى ابن أبى مليكة مولى عبد الله بن جعفر قال أرسل محمد إلى إسماعيل بن عبد الله بن جعفر وقد كان بلغ عمرا فدعاه محمد حين خرج إلى البيعة فقال يا ابن أخى أنت والله مقتول فكيف أبايعك فارتدع الناس عنه قليلا وكان بنو معاوية قد أسرعوا إلى محمد فأتته حمادة بنت معاوية فقالت يا عم إن اخوتى قد أسرعوا إلى ابن خالهم وانك ان قلت هذه المقالة ثبطت عنه الناس فيقتل ابن خالي وإخوتى قال فأبى الشيخ الا النهى عنه فيقال أن حمادة عدت عليه فقتلته فأراد محمد الصلاة عليه فوثب عليه عبد الله بن اسماعيل فقال تأمر بقتل أبى ثم تصلى عليه فنحاه الحرس وصلى عليه محمد قال وحدثني عيسى قال حدثنى أبى قال أتى محمد بعبيد الله ابن الحسين بن على بن الحسين بن على مغمضا عينيه فقال ان على يمينا إن رأيته لاقتلنه فقال عيسى بن زيد دعني أضرب عنقه فكفه عنه محمد قال وحدثني أيوب

[ 191 ]

ابن عمر قال حدثنى محمد بن معن قال حدثنى محمد بن خالد القسرى قال لما ظهر محمد وأنا في حبس ابن حيان أطلقني فلما سمعت دعوته التى دعا إليها على المنبر قلت هذه دعوة حق والله لا بلين الله فيها بلاء حسنا فقلت يا أمير المؤمنين إنك قد خرجت في هذا البلد والله لو وقف على نقب من أنقابه مات أهله جوعا وعطشا فانهض معى فإنما هي عشر حتى أضربه بمائة ألف سيف فأبى على فإنى لعنده يوما إذ قال لى ما وجدنا من حر المتاع شيئا أجود من شئ وجدناه عند ابن أبى فروة ختن أبى الخصيب وكان انتهبه قال فقلت ألا أراك قد أبصرت حر المتاع فكتبت إلى أمير المؤمنين فأخبرته بقلة من معه فعطف على فحبسني حتى أطلقني عيسى بن موسى بعد قتله إياه قال وحدثني سعيد بن عبد الحميد ابن جعفر قال حدثتني أختى بريكة بنت عبد الحميد عن أبيها قال إنى لعند محمد يوما ورجله في حجري إذ دخل عليه خوات بن بكير بن خوات بن جبير فسلم عليه فرد عليه سلاما ليس بالقوى ثم دخل عليه شاب من قريش فسلم عليه فأحسن الرد عليه فقلت ما تدع عصبيتك بعد قال وما ذلك قلت دخل عليك سيد الانصار فسلم فرددت عليه ردا ضعيفا ودخل عليك صعلوك من صعاليك قريش فسلم فاحتفلت في الرد عليه فقال ما فعلت ذاك ولكنك تفقدت منى مالا يتفقد احد من أحد قال وحدثني عبد الله بن إسحاق بن القاسم قال استعمل محمد الحسن بن معاوية بن عبد الله بن جعفر على مكة ووجه معه القاسم بن إسحاق واستعمله على اليمن قال وحدثني محمد بن إسماعيل عن أهله أن محمدا استعمل القاسم ابن إسحاق على اليمن وموسى بن عبد الله على الشأم يدعوان إليه فقتل قبل أن يصلا قال وحدثني أزهر بن سعيد قال استعمل محمد حين ظهر عبد العزيز بن الدراوردى على السلاح قال وأخبرني محمد بن يحيى ومحمد بن الحسن بن زبالة وغيرهما قال لما ظهر محمد قال ابن هرمة وقد أنشد بعضهم ما لم ينشد غيره لابي جعفر غلبت على الخلافة من تمنى * ومناه المضل بها الضلول فأهلك نفسه سفها وجبنا * ولم يقسم له منها فتيل

[ 192 ]

ووازره ذوو طمع فكانوا * غثاء السيل يجمعه السيول دعوا إبليس إذ كذبوا ورجاوا * فلم يصر خهم المغوى الخذول وكانوا أهل طاعته فولى * وصار وراءه منهم قبيل وهم لم يقصروا فيها بحق * على أثر المضل ولم يطيلوا وما الناس احتبوك بها ولكن * حباك بذلك الملك الجليل تراث محمد لكن وكنتم * أصول الحق إذ نفى الاصول قال وحدثني محمود بن معمر بن أبى الشدائد الفزارى وموهوب بن رشيد بن حيان الكلابي قال: قال أبو الشدائد لما ظهر محمد وتوجه إليه عيسى أتتك النجائب والمقربات * بعيسى بن موسى فلا تعجل قال وحدثني عيسى قال كان محمد آدم شديد الادمة أدلم جسيما عظيما وكان يلقب القارى من أدمته حتى كان أبو جعفر يدعوه محمما قال وحدثني عيسى قال حدثنى ابراهيم بن زياد بن عنبسة قال ما رأيت محمدا رقى المنبر قط إلا سمعت بقعقعة من تحته وإنى لبمكانى ذلك قال وحدثني عبد الله بن عمر بن حبيب قال حدثنى من حضر محمدا على المنبر يخطب فاعترض بلغم في حلقه فتنحنح فذهب ثم عاد فتنحنح فذهب ثم عاد فتنحنح ثم عاد فتنحنح ثم نظر فلم ير موضعا فرمى بنخامته سقف المسجد فالصقها به قال وحدثني عبد الله بن نافع قال حدثنى ابراهيم ابن على من آل أبى رافع قال كان محمد تمتا ما فرأيته على المنبر يتلجلج الكلام في صدره فيضرب بيده على صدره يستخرج الكلام قال وحدثني عيسى قال حدثنى أبى قال دخل عيسى بن موسى يوما على أبى جعفر فقال سرك الله يا أمير المؤمنين قال فيم قال ابتعت وجه دار عبد الله بن جعفر من بنى معاوية حسن ويزيد وصالح قال أتفرح أما والله ما باعوها إلا ليثبوا عليك بثمنها قال وحدثني محمد ابن يحيى قال حدثنى عبد العزيز بن عمران عن محمد بن عبد العزيز عن عبد الله ابن الربيع بن عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان قال خرج محمد بالمدينة وقد خط المنصور مدينته بغداد بالقصب فسار إلى الكوفة وسرت معه فصيح بى فلحقته

[ 193 ]

فصمت طويلا ثم قال يا ابن الربيع خرج محمد قلت أين قال بالمدينة قلت هلك والله وأهلك خرج والله في غير عدد ولا رجال يا أمير المؤمنين ألا أحدثك حديثا حدثنيه سعيد بن عمرو بن جعدة المخزومى قال كنت مع مروان يوم الزاب واقفا فقال يا سعيد من هذا الذى يقاتلني في هذا الخيل قلت عبد الله ابن على بن عبد الله بن عباس قال أيهم هو أعرفه قلت نعم رجل أصفر حسن الوجه رقيق الذراعين رجل دخل عليك يشتم عبد الله بن معاوية حين هزم قال قد عرفته والله لوددت أن على بن أبى طالب يقاتلني مكانه إن عليا وولده لا حظ لهم في هذا الامر وهذا رجل من بنى هاشم وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عباس معه ريح الشأم ونصر الشأم يا ابن جعدة تدرى ما حملني على أن عقدت لعبد الله وعبيد الله ابني مروان وتركت عبد الملك وهو أكبر من عبيد الله قلت لا قال وجدت الذى يلى هذا الامر عبد الله وكان عبيد الله أقرب إلى عبد الله من عبد الملك فعقدت له فقال أنشدك الله أحدثك هذا ابن جعدة قلت ابنة سفيان بن معاوية طالق البتة إن لم يكن حدثنى ما حدثتك قال عمر وحدثني محمد بن يحيى قال حدثنى الحارث بن اسحاق قال خرج إلى أبى جعفر في الليلة التى ظهر فيها محمد رجل من آل أويس بن أبى سرح من بنى عامر بن لؤى فسار تسعا من المدينة فقدم ليلا فقام على أبواب المدينة فصاح حتى نذر به فأدخل فقال له الربيع ما حاجتك هذه الساعة وأمير المؤمنين نائم قال لا بدلى منه قال أعلمنا نعلمه فأبى فدخل الربيع عليه فأعلمه فقال سله عن حاجته ثم أعلمني قال قد أبى الرجل الا مشافهتك فأذن له فدخل عليه فقال يا أمير المؤمنين خرج محمد بن عبد الله بالمدينة قال قتلته والله ان كنت صادقا أخبرني من معه فسمى له من خرج معه من وجوه أهل المدينة وأهل بيته قال أنت رأيته وعاينته قال أنا رأيته وعاينته وكلمته على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا فأدخله أبو جعفر بيتا فلما أصبح جاءه رسول لسعيد بن دينار غلام عيسى بن موسى كان يلى أموال عيسى بالمدينة فأخبره بأمر محمد وتواترت عليه أخباره فأخرج الاويسى فقال لاوطئن الرجال عقبيك

[ 194 ]

ولاغنينك وأمر له بتسعة آلاف لكل ليلة سارها ألفا قال وحدثني ابن أبى حرب قال لما بلغ أبا جعفر ظهوره أشفق منه فجعل الحارث المنجم يقول له يا أمير المؤمنين ما يجزعك منه فوالله لو ملك الارض ما لبث الا تسعين يوما قال وحدثني سهيل بن عقيل بن إسماعيل عن أبيه قال لما بلغ أبا جعفر خبره بادر إلى الكوفة وقال أنا أبو جعفر استخرجت الثعلب من جحره قال وحدثني عبد الملك ابن سليمان عن حبيب بن مرزوق قال حدثنى تسليم بن الحوارى قال لما ظهر محمد وابراهيم ابنا عبد الله أرسل أبو جعفر إلى عبد الله بن على وهو محبوس عنده ان هذا الرجل قد خرج فان كان عندك رأى فأشربه علينا وكان ذارأى عندهم فقال إن المحبوس محبوس الرأى فأخرجني حتى يخرج رأيى فأرسل إليه أبو جعفر لو جاءني حتى يضرب بابى ما أخرجتك وأنا خير لك منه وهو ملك أهل بيتك فأرسل إليه عبد الله ارتحل الساعة حتى تأتى الكوفة فاجثم على أكبادهم فانهم شيعة أهل هذا البيت وأنصارهم ثم احففها بالمسالح فمن خرج منها إلى وجه من الوجوه أو أتاها من وجه من الوجوه فاضرب عنقه وابعث إلى سلم بن قتيبة ينحدر عليك وكان بالرى واكتب إلى أهل الشأم فمرهم أن يحملوا إليك من أهل البأس والنجدة ما يحمل البريد فأحسن جوائزهم ووجههم مع سلم ففعل قال وحدثني العباس بن سفيان ابن يحيى بن زياد قال سمعت أشياخنا يقولون لما ظهر محمد ظهر وعبد الله بن على محبوس فقال أبو جعفر لاخوته إن هذا الاحمق لا يزال يطلع له الرأى الجيد في الحرب فادخلوا عليه فشاوروه ولا تعلموه أنى أمرتكم فدخلوا عليه فلما رآهم قال لامر ما جئتم ما جاء بكم جميعا وقد هجرتموني منذ دهر قالوا استأذنا أمير المؤمنين فأذن لنا قال ليس هذا بشئ فما الخبر قالوا خرج ابن عبد الله قال فما ترون ابن سلامة صانعا يعنى أبا جعفر قالوا لا ندرى والله قال إن البخل قد قتله فمروه فليخرج الاموال فليعط الاجناد فان غلب فما أوشك أن يعود إليه ماله وإن غلب لم يقدم صاحبه على درهم واحد قال وحدثنا عبد الملك بن شيبان قال أخبرني زيد مولى مسمع بن عبد الملك قال لما ظهر محمد دعا أبو جعفر عيسى بن موسى

[ 195 ]

فقال له قد ظهر محمد فسر إليه قال يا أمير المؤمنين هؤلاء عمومتك حولك فادعهم فشاورهم قال فأين قول ابن هرمة ترون امرءا لا يمحض القوم سره * ولا ينتجى الاذنين فيما يحاول إذا ما أتى شيئا مضى كالذى أبى * وإن قال إنى فاعل فهو فاعل قال وحدثني محمد بن يحيى قال نسخت هذه الرسائل من محمد بن بشير وكان بشير يصححها وحدثنيها أبو عبد الرحمن من كتاب أهل العراق والحكم بن صدقة ابن نزار وسمعت ابن أبى حرب يصححها ويزعم أن رسالة محمد لما وردت على أبى جعفر قال أبو أيوب دعني أجبه عليها فقال أبو جعفر لا بل أنا أجيبه عنها إذ تقارعنا على الاحساب فدعني وإياه قالوا لما بلغ أبا جعفر المنصور ظهور محمد ابن عبد الله بالمدينة كتب إليه (بسم الله الرحمن الرحيم) من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض ذلك لهم خزى في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم " ولك على عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم ان تبت ورجعت من قبل أن أقدر عليك أن أؤمنك وجميع ولدك واخوتك وأهل بيتك ومن اتبعكم على دمائكم وأموالكم وأسوغك ما أصبت من دم أو مال وأعطيك ألف ألف درهم وما سألت من الحوائج وأنزلك من البلاد حيث شئت وأن أطلق من في حبسي من أهل بيتك وأن أؤ من كل من جاءك وبايعك واتبعك أو دخل معك في شئ من أمرك ثم لا أتبع أحدا منهم بشئ كان منه أبدا فان أردت أن تتوثق لنفسك فوجه إلى من أحببت يأخذ لك من الامان والعهد والميثاق وما تثق به وكتب على العنوان من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله فكتب إليه محمد بن عبد الله (بسم الله الرحمن الرحيم) من عبد الله المهدى محمد بن عبد الله إلى عبد الله بن محمد (طسم تلك آيات الكتاب المبين نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم

[ 196 ]

يؤمنون إن فرعون علا في الارض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحى نساءهم إنه كان من المفسدين ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الارض ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون وأنا أعرض عليك من الامان مثل الذى عرضت على فإن الحق حقنا وإنما ادعيتم هذا الامر بنا وخرجتم له بشيعتنا وحظيتم بفضلنا وإن أبانا عليا كان الوصي وكان الامام فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء ثم قد علمت أنه لم يطلب هذا الامر أحد له مثل نسبنا وشرفنا وحالنا وشرف آبائنا لسنا من أبناء اللعناء ولا الطرداء ولا الطلقاء وليس يمت أحد من بنى هاشم بمثل الذى نمت به من القرابة والسابقة والفضل وإنا بنو أم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت عمرو في الجاهلية وبنو بنته فاطمة في الاسلام دونكم ان الله اختارنا واختار لنا فوالدنا من النبيين محمد صلى الله عليه وسلم ومن السلف أو لهم إسلاما على ومن الازواج أفضلهن خديجة الطاهرة وأول من صلى القبلة ومن البنات خير هن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة ومن المولودين في الاسلام حسن وحسين سيدا شباب أهل الجنة وإن هاشما ولد عليا مرتين وإن عبد المطلب ولد حسنا مرتين وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولدنى مرتين من قبل حسن وحسين وإنى أوسط بنى هاشم نسبا وأصرحهم أبا لم تعرق في العجم ولم تنازع في أمهات الاولاد فما زال الله يختار لى الآباء والامهات في الجاهلية والاسلام حتى اختار لى في النار فأنا ابن أرفع الناس درجة في الجنة وأهو نهم عذابا في النار وأنا ابن خير الاخيار وابن خير الاشرار وابن خير أهل الجنة وابن خير أهل النار ولك الله على إن دخلت في طاعتي وأجبت دعوتي أن أؤمنك على نفسك ومالك وعلى كل أمر أحدثته إلا حدا من حدود الله أو حقا لمسلم أو معاهد فقد علمت ما يلزمك من ذلك وأنا أولى بالامر منك وأوفى بالعهد لانك أعطيتني من العهد والامان ما أعطيته رجالا قبلى فأى الامانات تعطيني أمان ابن هبيرة أم أمان عمك عبد الله بن على أم أمان أبى مسلم فكتب إليه

[ 197 ]

أبو جعفر (بسم الله الرحمن الرحيم) أما بعد فقد بلغني كلامك وقرأت كتابك فإذا جل فخرك بقرابة النساء لتضل به الجفاة والغوغاء ولم يجعل الله النساء كالعمومة والآباء ولا كالعصبة والاولياء لان الله جعل العم أبا وبدأ به في كتابه على الوالدة الدنيا ولو كان اختيار الله لهن على قدر قرابتهن كانت آمنة أقربهن رحما وأعظمهن حقا وأول من يدخل الجنة غدا ولكن اختيار الله لخلقه على علمه لما مضى منهم واصطفائه لهم وأما ما ذكرت من فاطمة أم أبى طالب وولادتها فان الله لم يرزق أحدا من ولدها الاسلام لابنتا ولا ابنا ولو أن أحدا رزق الاسلام بالقرابة رزقه عبد الله أولاهم بكل خير في الدنيا والآخرة ولكن الامر لله يختار لدينه من يشاء قال الله عز وجل (إنك لا تهدى من احببت ولكن الله يهدى من يشاء وهو أعلم بالمهتدين) ولقد بعث الله محمدا عليه السلام وله عمومة أربعة فأنزل الله عز وجل (وأنذر عشيرتك الاقربين) فأنذرهم ودعاهم فأجاب اثنان أحدهما أبى وأبى اثنان أحدهما أبوك فقطع الله ولايتهما منه ولم يجعل بينه وبينهما إلا ولا ذمة ولا ميراثا وزعمت أنك ابن أخف أهل النار عذابا وابن خير الاشرار وليس في الكفر بالله صغير ولا في عذاب الله خفيف ولا يسير وليس في الشر خيار ولا ينبغى لمؤمن يؤمن بالله أن يفخر بالنار وسترد فتعلم (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) وأما ما فخرت به من فاطمة أم على وان هاشما ولده مرتين ومن فاطمة أم حسن وان عبد المطلب ولده مرتين وأن النبي صلى الله عليه وسلم ولدك مرتين فخير الاولين والآخرين رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلده هاشم الامرة ولا عبد المطلب الامرة وزعمت أنك أوسط بنى هاشم نسبا وأصرحهم أما وأبا وانه لم تلدك العجم ولم تعرق فيك أمهات الاولاد فقد رأيتك فخرت على بنى هاشم طرا فانظر ويحك أين أنت من الله غدا فانك قد تعديت طورك وفخرت على من هو خير منك نفسا وأبا وأولا وآخرا ابراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى والد ولده وما خيار بنى أبيك خاصة وأهل الفضل منهم الا بنو أمهات

[ 198 ]

أولاد وما ولد فيكم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من على بن حسين وهو لام ولد ولهو خير من جدك حسن بن حسن وما كان فيكم بعده مثل ابنه محمد بن على وجدته أم ولد ولهو خير من أبيك ولا مثل ابنه جعفر وجدته أم ولد ولهو خير منك وأما قولك انكم بنو رسول الله صلى الله عليه وسلم فان الله تعالى يقول في كتابه (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) ولكنكم بنو ابنته وانها لقرابة قريبة ولكنها لا تحوز الميراث ولا ترث الولاية ولا تجوز لها الامامة فكيف تورث بها ولقد طلبها أبوك بكل وجه فاخرجها نهارا ومرضها سرا ودفنها ليلا فأبى الناس إلا الشيخين وتفضيلهما ولقد جاءت السنة التى لا اختلاف فيها بين المسلمين أن الجد أبا الام والخال والخالة لا يرثون وأماما فخرت به من على وسابقته فقد حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم الوفاة فأمر غيره بالصلاة ثم أخذ الناس رجلا بعد رجل فلم يأخذوه وكان في الستة فتركوه كلهم دفعا له عنها ولم يروا له حقا فيها أما عبد الرحمن فقدم عليه عثمان وقتل عثمان وهو له متهم وقاتله طلحة والزبير وأبى سعد بيعته وأغلق دونه بابه ثم بايع معاوية بعده ثم طلبها بكل وجه وقاتل عليها وتفرق عنه أصحابه وشك فيه شيعته قبل الحكومة ثم حكم حكمين رضى بهما وأعطاهما عهده وميثاقه فاجتمعا على خلعه ثم كان حسن فباعها من معاوية بخرق ودراهم ولحق بالحجاز وأسلم شيعته بيد معاوية ودفع الامر إلى غير أهله وأخذ مالا من غير ولائه ولا حله فان كان لكم فيها شئ فقد بعتموه وأخذ تم ثمنه ثم خرج عمك حسين بن على على ابن مرجانة فكان الناس معه عليه حتى قتلوه وأتوا برأسه إليه ثم خرجتم على بنى أمية فقتلوكم وصلبوكم على جذوع النخل وأحرقوكم بالنيران ونفوكم من البلدان حتى قتل يحيى بن زيد بخراسان وقتلوا رجالكم وأسروا الصبية والنساء وحملوهم بلا وطاء في المحامل كالسبي المجلوب إلى الشأم حتى خرجنا عليهم فطلبنا بثأركم وأدركنا بدمائكم وأورثناكم أرضهم وديارهم وسنينا سلفكم وفضلناه فاتخذت ذلك علينا حجة وظننت انا انما ذكرنا أباك وفضلناه للتقدمة مناله على حمزة والعباس وجعفر

[ 199 ]

وليس ذلك كما ظننت ولكن خرج هؤلاء من الدنيا سالمين متسلما منهم مجتمعا عليهم بالفضل وابتلى أبوك بالقتال والحرب وكانت بنو أمية تلعنه كما تلعن الكفرة في الصلاة المكتوبة فاحتججنا له وذكرناهم فضله وعنفناهم وظلمناهم بما نالوا منه ولقد علمت أن مكرمتنا في الجاهلية سقاية الحجيج الاعظم وولاية زمزم فصارت للعباس من بين اخوته فنازعنا فيها أبوك فقضى لنا عليه عمر فلم نزل نليها في الجاهلية والاسلام ولقد قحط أهل المدينة فلم يتوسل عمر إلى ربه ولم يتقرب إليه الا بأبينا حتى نعشهم الله وسقاهم الغيث وأبوك حاضر لم يتوسل به ولقد علمت انه لم يبق أحد من بنى عبد المطلب بعد النبي صلى الله عليه وسلم غيره فكان وراثه من عمومته ثم طلب هذا الامر غير واحد من بنى هاشم فلم ينله إلا ولده فالسقاية سقايته وميراث النبي له والخلافة في ولده فلم يبق شرف ولا فضل في جاهلية ولا إسلام في دنيا ولا آخرة إلا والعباس وارثه ومورثه وأما ما ذكرت من بدر فان الاسلام جاء والعباس يمون أبا طالب وعياله وينفق عليهم للازمة التى أصبابته ولو لا أن العباس أخرج إلى بدر كرها لمات طالب وعقيل جوعا وللحساجفان عتبة وشيبة ولكنه كان من المطعمين فأذهب عنكم العار والسبة وكفاكم النفقة والمؤونة ثم فدى عقيلا يوم بدر فكيف تفخر علينا وقد علناكم في الكفر وفديناكم من الاسر وحزنا عليكم مكارم الآباء وورثنا دونكم خاتم الانبياء وطلبنا بثأركم فأدركنا منه ما عجزتم عنه ولم تدركوا لانفسكم والسلام عليك ورحمة الله قال عمر بن شبة حدثنى محمد بن يحيى قال حدثنى الحارث بن إسحق قال أجمع ابن القسرى على الغدر بمحمد فقال له يا أمير المؤمنين ابعث موسى بن عبد الله ومعه رزاما مولاى إلى الشأم يدعوان إليك فبعثهما فخرج رزام بموسى إلى الشأم وظهر محمد على أن القسرى كتب إلى أبى جعفر في أمره فحبسه في نفر ممن كان معه في دار ابن هشام التى في قبلة مصلى الجنائز وهى اليوم لفرج الخصى وورد رزام بموسى الشأم ثم انسل منه فذهب إلى أبى جعفر فكتب موسى إلى محمد إنى أخبرك أنى لقيت الشأم وأهله

[ 200 ]

فكان أحسنهم قولا الذى قال والله لقد مللنا البلاء وضقنا به ذرعا حتى ما فينا لهذا الامر موضع ولا لنا به حاجة ومنهم طائفة تحلف لئن أصبحنا من ليلتنا أو مسينا من غد ليرفعن أمرنا وليدلن علينا فكتبت إليك وقد غيبت وجهى وخفت على نفسي قال الحارث ويقال إن موسى ورزاما وعبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن ابن المسور توجهوا إلى الشأم في جماعة فلما ساروا بتيماء تخلف رزام ليشترى لهم زادا فركب إلى العراق ورجع موسى وأصحابه إلى المدينة قال وحدثني عيسى قال حدثنى موسى بن عبد الله ببغداد ورزام معا قال بعثنى محمد ورزاما في رجال معنا إلى الشأم لندعوا له فإنا لبدومة الجندل إذا أصابنا حر شديد فنزلنا عن رواحلنا تغتسل في غدير فاستل رزام سيفه ثم وقف على رأسي وقال يا موسى أرأيت لو ضربت عنقك ثم مضيت برأسك إلى أبى جعفر أيكون أحد عنده في منزلتي قال قلت لا تدع هزلك يا أبا قيس شم سيفك غفر الله لك قال فشام سيفه فركبنا قال عيسى فرجع موسى قبل أن يصل إلى الشأم فأتى البصرة هو وعثمان بن محمد فدل عليهما فأخذا قال وحدثني عبد الله بن نافع بن ثابت بن عبد الله بن الزبير قال حدثنى أخى عبد الله بن نافع الاكبر قال لما ظهر محمد لم يأته أبى نافع بن ثابت فأرسل إليه فأتاه وهو في دار مروان فقال يا أبا عبد الله لم أرك جئتنا قال ليس في ما تريد فألح عليه محمد حتى قال ألبس السلاح يتأس بك غيرك فقال أيها الرجل إنى والله ما أراك في شئ خرجت في بلد ليس فيه مال ولا رجال ولا كراع ولا سلاح وما أنا بمهلك نفسي معك ولا معين على دمى قال انصرف فلا شئ فيك بعد هذا قال فمكث يختلف إلى المسجد إلى أن قتل محمد فلم يصل في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قتل إلا نافع وحده ووجه محمد بن عبد الله لما ظهر فيما ذكر عمر عن أزهر بن سعيد بن نافع الحسن بن معاوية إلى مكة عاملا عليها ومعه العباس بن القاسم رجل من آل أبى لهب فلم يشعر بهم السرى ابن عبد الله حتى دنوا من مكة فخرج إليهم فقال له مولاه ما رأيك قد دنونا منهم قال انهزموا على بركة الله وموعدكم بئر ميمون فانهزموا ودخلها الحسن بن معاوية

[ 201 ]

وخرج الحسين بن صخر رجل من آل أويس من ليلته فسار إلى أبى جعفر تسعا فأخبره فقال (قد أنصف القارة من راماها) وأجازه بثلثمائة درهم قال وحدثني أيوب بن عمر قال حدثنى محمد بن صالح بن معاوية قال حدثنى أبى قال كنت عند محمد حين عقد للحسن بن معاوية على مكة فقال له الحسن أرأيت إن التحم القتال بيننا وبينهم ما ترى في السرى قال يا حسن إن السرى لم يزل مجتنبا لما كرهنا كارها للذى صنع أبو جعفر فإن ظفرت به فلا تقتله ولا تحركن له أهلا ولا تأخذن له متاعا وإن تنحى فلا تطلبن له أثرا قال فقال له الحسن يا أمير المؤمنين ما كنت أحسبك تقول هذا في أحد من آل العباس قال بلى إن السرى لم يزل ساخطا لما صنع أبو جعفر قال وحدثني عمر بن راشد مولى عنج قال كنت بمكة فبعث إلينا محمد حين ظهر الحسن بن معاوية والقاسم بن إسحق ومحمد بن عبد الله بن عنبسة يدى أبا جبرة أميرهم الحسن بن معاوية فبعث إليهم السرى بن عبد الله كاتبه مسكين ابن هلال في ألف ومولى له يدعى مسكين بن نافع في ألف ورجلا من أهل مكة يقال له ابن فرس كان شجاعا في سبعمائة وأعطاه خمسمائة دينار فالتقوا ببطن أذاخر بين الثنيتين وهى الثنية التى تهبط على ذى طوى منها هبط النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى مكة وهى داخلة في الحرم فتراسلوا فأرسل حسن إلى السرى أن خل بيننا وبين مكة ولا تهريقوا الدماء في حرم الله وحلف الرسولان للسرى ما جئناك حتى مات أبو جعفر فقال لهما السرى وعلى مثل ما حلفتما به إن كانت مضت لى أربعة منذ جاءني رسول من عند أمير المؤمنين فانظروني أربع ليال فإن أنتظر رسولا لى آخر وعلى ما يصلحكم ويصلح دوابكم فإن يكن ما تقولونه حقا سلمتها إليكم وإن يكن باطلا أجاهدكم حتى تغلبوني أو أغلبكم فأبى الحسن وقال لا نبرح حتى نناجزك ومع الحسن سبعون رجلا وسبعة من الخيل فلما دنوا منه قال لهم الحسن لا يقد من أحد منكم حتى ينفخ ونتوافى البوق فإذا نفخ فلتكن حملتكم حملة رجل واحد فلما رهقناهم وخشى الحسن أن يغشاه وأصحابه ناداه انفخ ويحك في البوق فنفخ وبتوا وحملوا علينا حملة رجل واحد

[ 202 ]

فانهزم أصحاب السرى وقتل منهم سبعة نفر قال واطلع عليهم بفرسان من أصحابه وهم من وراء الثنية في نفر من قريش قد خرج بهم وأخذ عليهم لننصرنه فلما رآهم القرشيون قالوا هؤلاء أصحابك قد انهزموا قال لا تعجلوا إلى أن طلعت الخيل والرجال في الجبال فقيل له ما بقى فقال انهزموا على بركة الله فانهزموا حتى دخلوا دار الامارة وطرحوا أداة الحرب وتسوروا على رجل من الجند يكنى أبا الرزام فدخلوا بيته فكانوا فيه ودخل الحسن بن معاوية المسجد فخطب الناس ونعى إليهم أبا جعفر ودعا لمحمد قال وحدثني يعقوب بن القاسم قال حدثنى الغمر بن حمزة ابن أبى رملة مولى العباس بن عبد المطلب قال لما أخذ الحسن بن معاوية مكة وفر السرى بلغ الخبر أبا جعفر فقال لهفى على ابن أبى العضل قال وحدثني ابن أبى مساور بن عبد الله بن مساور مولى بن نائلة من بنى عبد الله بن معيص قال كنت بمكة مع السرى بن عبد الله فقدم عليه الحسن بن معاوية قبل مخرج محمد والسرى يومئذ بالطائف وخليفته بمكة ابن سراقة من بنى عدى بن كعب قال فاستدى عتبة بن أبى خداش اللهبى على الحسن بن معاوية في دين عليه فحبسه فكتب له السرى إلى ابن أبى خداش أما بعد فقد أخطأت حظك وساء نظرك لنفسك حين تحبس ابن معاوية وإنما أصبت المال من أخيه وكتب إلى ابن سراقة يأمره بتخليته وكتب إلى ابن معاوية يأمره بالمقام إلى أن يقدم فيقضى عنه قال فلم يلبث أن ظهر محمد فشخص إليه الحسن بن معاوية عاملا على مكة فقيل للسرى هذا ابن معاوية قد أقبل اليك قال كلاما يفعل وبلائي عنده فكيف يخرج إلى أهل المدينة فوالله ما بها دار إلا وقد دخلها لى معروف فقيل له قد نزل فجاء قال فشخص إليه ابن جريج فقال له أيها الرجل إنك والله ما أنت بواصل إلى مكة وقد اجتمع أهلها مع السرى اتراك قاهرا قريشا وغاصبها على دارها قال يا ابن الحائك أبأهل مكة تخوفنى و الله ما أبيت إلا بها أو أموت دونها ثم وثب في أصحابه وأقبل إليه السرى فلقيه بفخ فضرب رجل من أصحاب الحسن مسكين بن هلال كاتب السرى على رأسه فشجه فانهزم السرى وأصحابه فدخلوا مكة والتف أبو الرزام رجل من بنى عبد الدار ثم

[ 203 ]

أحد آل شيبة على السرى فواراه في بيته ودخل الحسن مكة ثم إن الحسن أقام بمكة يسيرا ثم ورد كتاب محمد عليه يأمره باللحاق به وذكر عمر عن عبد الله ابن إسحاق بن القاسم قال سمعت من لا أحصى من أصحابنا يذكر أن الحسن والقاسم لما أخذا مكة تجهزا وجمعا جمعا كثيرا ثم أقبلا يريد ان محمدا ونصرته على عيسى بن موسى واستخلفا على مكة رجلا من الانصار فلما كانا بقديد لقيهما قتل محمد فتفرق الناس عنهما وأخذ الحسن على بسقة وهى حرة في الرمل تدعى بسقة قديد فلحق بإبراهيم فلم يزل مقيما بالبصرة حتى قفل إبراهيم وخرج القاسم بن إسحاق يريد إبراهيم فلما كان ببديع من أرض فدك لقيه قتل إبراهيم فرجع إلى المدينة فلم يزل مختفيا حتى أخذت ابنة عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن جعفر زوجة عيسى بن موسى له ولاخوته الامان فصهره بنو معاوية وظهر القاسم قال وحدثني عمر بن راشد مولى عنج قال لما ظهر الحسن بن معاوية على السرى أقام قليلا حتى أتاه كتاب محمد يأمره بالشخوص إليه ويخبره أن عيسى قددنا من المدينة ويستعجله بالقدوم قال فخرج من مكة يوم الاثنين في مطر شديد زعموا أنه اليوم الذى قتل فيه محمد فتلقاه بريد لعيسى بن موسى بأمج وهو ماء لخزاعة بين عسفان وقديد بقتل محمد فهرب وهرب أصحابه أصحابه قال عمرو حدثنى محمد بن يحيى قال حدثنى عبد العزيز بن أبى ثابت عن أبى سيار قال كنت حاجب محمد بن عبد الله فجاءني راكب من الليل قال قدمت من البصرة وقد خرج بها إبراهيم فأخذها قال فجئت دار مروان ثم جئت المنزل الذى فيه محمد فدققت الباب فصاح بأعلى صوته من هذا قلت أبو سيار قال لا حول ولا قوة إلا بالله اللهم إنى أعوذ بك من شرطوارق الليل إلا طارق يطرق منك بخير قال خير قلت خير قال ما وراءك قلت أخذ إبراهيم البصرة وكان محمد إذا صلى المغرب والصبح صاح صائح ادعوا الله لاخوانكم من أهل البصرة وللحسن بن معاوية واستنصروه على عدوكم قال وحدثني عيسى قال قدم علينا رجل من أهل الشأم فنزل دارنا وكان يكنى أبا عمرو فكان أبى يقول له كيف ترى هذا الرجل فيقول حتى ألقاه فأسبره ثم أخبرك قال عيسى فلقيه أبى

[ 204 ]

بعد فسأله فقال هو والله الرجل كل الرجل ولكن رأيت شحم ظهره ذراعا وليس هكذا يكون صاحب الحرب قال ثم بايعه بعد وقاتل معه قال وحدثني عبد الله بن محمد بن سلم يدعى ابن البواب مولى المنصور قال كتب أبو جعفر الى الاعمش كتابا على لسان محمد يدعوه الى نصرته فلما قرأه قال قد خبرناكم يا بنى هاشم فإذا أنتم تحبون الثريد فلما رجع الرسول إلى أبى جعفر فأخبره قال أشهد أن هذا كلام الاعمش * وحدثني الحارث قال حدثنى ابن سعد عن محمد بن عمر قال غلب محمد بن عبد الله على المدينة فبلغنا ذلك فخرجنا ونحن شباب أنا يومئذ ابن خمس عشرة سنة فانتهينا إليه وهو قد اجتمع إليه الناس ينظرون إليه ليس يصد عنه أحد فدنوت حتى رأيته وتأملته وهو على فرس وعليه قميص أبيض محشو وعمامة بيضاء وكان رجلا احزم قد أثر الجدرى في وجهه ثم وجه إلى مكة فأخذت له وبيضوا ووجه أخاه إبراهيم بن عبد الله إلى البصرة فأخذها وغلبها وبيضوا معه (رجع الحديث إلى حديث عمر) قال عمر وحدثني محمد بن يحيى قال حدثنى الحارث بن إسحاق قال ندب أمير المؤمنين أبو جعفر عيسى بن موسى لقتال محمد وقال لا أبالى أيهما قتل صاحبه وضم إليه أربعة آلاف من الجند وبعث معه محمد بن أبى العباس أمير المؤمنين قال وحدثني عبد الملك بن شيبان عن زيد مولى مسمع قال لما أمر أبو جعفر عيسى بن موسى بالشخوص قال شاور عمومتك فقال له امض أيها الرجل فوالله ما يراد غيرى وغيرك وما هو إلا أن تشخص أو أشخص قال فسار حتى قدم علينا ونحن بالمدينة قال وحدثني عبد الملك بن شيبان قال دعا أبو جعفر جعفر بن حنظلة البهرانى وكان أبرص طوالا أعلم الناس بالحرب وقد شهد مع مروان حروبه فقال يا جعفر قد ظهر محمد فما عندك قال وأين ظهر قال بالمدينة قال فاحمد الله ظهر حيث لا مال ولا رجال ولا سلاح ولا كراع ابعث مولى لك تثق به فليسر حتى ينزل بوادي القرى فيمنعه ميرة الشأم فيموت مكانه جوعا ففعل قال وحدثني عبد الله بن راشد بن يزيد قال سمعت أصحابنا اسماعيل ابن موسى وعيسى بن النضر وغيرهما يذكرون أن أبا جعفر قدم كثير بن حصين

[ 205 ]

العبدى فعسكر بفيد وخندق عليه خندقا حتى قدم عليه عيسى بن موسى فخرج به إلى المدينة قال عبد الله فأنا رأيت الخندق قائما دهرا طويلا ثم عفا ودرس قال وحدثني يعقوب بن القاسم قال حدثنى على بن أبى طالب ولقيته بصنعاء قال قال أبو جعفر لعيسى حين بعثه إلى محمد عليك بأبى العسكر مسمع بن محمد بن شيبان ابن مالك بن مسمع فسربه معك فإنى قد رأيته منع سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة من أهل البصرة وهم محلبون عليه وهو يدعو إلى مروان وهو عند أبى العسكر يأكل المخ بالطبرزد فخرج به عيسى فلما كان ببطن نخل تخلف هو والمسعودي بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود حتى قتل محمد فبلغ ذلك أبا جعفر فقال لعيسى بن موسى ألا ضربت عنقه * وحدثني عيسى بن عبد الله ابن محمد بن عمر بن على بن أبى طالب قال أخبرني أبى قال قال أبو جعفر لعيسى ابن موسى حين ودعه يا عيسى إنى أبعثك إلى ما بين هذين وأشار إلى جنبيه فإن ظفرت بالرجل فشم سيفك وابذل الامان وإن تغيب فضمنهم إياه حتى يأتوك به فإنهم يعرفون مذاهبه قال فلما دخلها عيسى فعل ذلك * فحدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال قال محمد بن عمر وجه أبو جعفر إلى محمد بن عبد الله بالمدينة عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس ووجه معه محمد بن أبى العباس أمير المؤمنين وعدة من قواد أهل خراسان وجندهم وعلى مقدمة عيسى بن موسى حميد بن قحطبة الطائى وجهزهم بالخيل والبغال والسلاح والميرة فلم ينزل ووجه مع عيسى بن موسى بن أبى الكرام الجعفري وكان في صحابة أبى جعفر وكان مائلا إلى بنى العباس فوثق به أبو جعفر فوجهه.... (رجع الحديث إلى حديث عمر ابن شبة) قال عمر وحدثني عيسى عن أبيه قال كتب أبو جعفر إلى عيسى بن موسى من لقيك من آل أبى طالب فاكتب إلى باسمه ومن لم يلقك فاقبض ماله قال فقبض عين أبى زياد وكان جعفر بن محمد تغيب عنه فلما قدم أبو جعفر كلمه جعفر وقال مالى قال قد قبضه مهديكم فال وحدئنى محمد بن يحيى قال حدثنى الحارث بن إسحاق قال لما صار عيسى بفيد كتب إلى رجال من أهل المدينة في خرق الحرير منهم

[ 206 ]

عبد العزيز بن المطلب المخزومى وعبيد الله بن محمد بن صفوان الجمحى فلما وردت كتبه المدينة تفرق ناس كثير عن محمد منهم عبد العزيز بن المطلب فأخذ فرد فأقام يسيرا ثم خرج فرد مرة أخرى وكان أخوه على بن المطلب من أشد الناس مع محمد فكلم محمدا في أخيه حتى كفه عنه قال وحدثني عيسى قال كتب عيسى بن موسى إلى أبى في حريرة صفراء جاء بها أعرابي بين خصا في نعله قال عيسى فرأيت الاعرابي قاعدا في دارنا وإنى لصبى صغير فدفعها إلى أبى فإذا فيها ان محمدا تعاطى ما ليس يعطيه الله وتناول ما لم يؤته الله قال الله عز وجل في كتابه (قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك من تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير) فعجل التخلص وأقل التربص وادع من أطاعك من قومك إلى الخروج معك قال فخرج وخرج معه عمر بن محمد بن عمر وأبو عقيل محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل قال ودعوا الافطس حسن بن على بن حسين بن على بن أبى طالب إلى الخروج معهم فأبى وثبت مع محمد وذكر خروجهم لمحمد فأرسل إلى ظهرهم فأحده فأتاه عمر بن محمد فقال أنت تدعو إلى العدل ونفى الجور فما بال إبلى تؤخذ فإنما أعددتها لحج أو عمرة قال فدفعها إليه فخرجوا من تحت ليلتهم فلقوا عيسى على أربع أو خمس من المدينة قال وحدثني أيوب بن عمر بن أبى عمرو بن نعيم بن مهان قال كتب أبو جعفر إلى رجال من قريش وغيرهم كتبا وأمر عيسى إذا دنا من المدينة أن يبعث بها إليهم فلما دنا بعث بها إليهم فأخذ حرس محمد الرسول والكتب فوجد فيها كتابا إلى إبراهيم بن طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر وإلى جماعة من رؤساء قريش فبعث محمد إلينا جميعا ما خلا ابن عمر وأبا بكر بن أبى سبرة فحبسنا في دار ابن هشام التى في المصلى قال أبى وبعث إلى وإلى أخى فأتى بنا فضر بنا ثلثمائة ثلثمائة قال فقلت له وهو يضربني ويقول أردت أن تقتلني تركتك وأنت تستتر بحجر وبيت شعر حتى إذا صارت المدينة في يدك وغلظ أمرك قمت عليك فيمن أقوم أبطاقتي أم بمالى أم بعشيرتي قال ثم أمر بنا الى الحبس وقيدنا بكبول وسلاسل تبلغ ثمانين

[ 207 ]

رطلا قال فدخل عليه محمد بن عجلان فقال إنى قد ضربت هذين الرجلين ضربا فاحشا وقيدتهما بما منعهما من الصلاة قال فلم يزالا محبوسين حتى قدم عيسى قال وحدثني محمد بن يحيى قال حدثنى عبد العزيز بن أبى ثابت عن عبد الحميد بن جعفر ابن عبد الله بن أبى الحكم قال إنا لعند محمد ليلة وذلك عند دنو عيسى من المدينة إذ قال محمد أشيروا على في الخروج والمقام قال فاختلفوا فأقبل على فقال أشر على يا أبا جعفر قلت ألست تعلم أنك أقل بلاد الله فرسا وطعاما وسلاحا وأضعفها رجالا قال بلى قلت تعلم أنك تقاتل أشد بلاد الله رجلا وأكثرها مالا وسلاحا قال بلى قلت فالرأى أن تسير بمن معك حتى تأتى مصرفو الله لا يردك راد فتقاتل الرجل بمثل سلاحه وكراعه ورجاله وماله فصاح حنين بن عبد الله أعوذ بالله أن تخرج من المدينة وحدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال رأيتنى في درع حصينة فأولتها المدينة قال وحدثني محمد بن اسماعيل بن جعفر عن الثقة عنده قال أجاب محمد الماظهر أهل المدينة وأعراضها وقبائل من العرب منهم جهينة ومزينة وسليم وبنو بكر وأسلم وغفار فكان يقدم جهينة فغضبت من ذلك قبائل قيس * قال محمد فحدثني عبد الله بن معروف أحد بنى رباح بن مالك بن عصية بن خفاف وقد شهد ذاك قال جاءت محمدا بنو سليم على رؤسائها فقال متكلمهم جابر بن أنس الرياحي يا أمير المؤمنين نحن أخوالك وجيرانك وفينا السلاح والكراع والله لقد جاء الاسلام والخيل في بنى سليم أكثر منها بالحجاز لقد بقى فينا منها ما إن بقى مثله عند عربي تسكن إليه البادية فلا تخندق الخندق فان رسول الله خندق خندقه لما الله أعلم به فانك إن خندقته لم يحسن القتال رجالة ولم يوجه لنا الخيل بين الازقة وان الذين يخندق دونهم هم الذين يقاتلون فيها وان الذين يخندق عليهم يحول الخندق دونهم فقال أحد بنى شجاع خندق رسول الله فاقتد برأيه أو تريد أنت أن تدع رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم لرأيك قال إنه والله يا ابن شجاع ما شئ أثقل عليك وعلى أصحابك من لقائهم ولا شئ أحب إلى وإلى أصحابي من مناجزتهم فقال محمد إنما اتبعنا في الخندق أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يردنى عنه أحد فلست بتاركه قال وحدثني

[ 208 ]

محمد بن يحيى عن الحارث بن إسحاق قال لما تيقن محمد أن عيسى قد أقبل حفر الخندق خندق النبي صلى الله عليه وسلم الذى كان حفره للاحزاب قال وحدثني سعيد ابن عبد الحميد بن جعفر قال حدثنى محمد بن عطية مولى المطلبيين قال لما حفر محمد الخندق ركب إليه وعليه قباء أبيض ومنطقة وركب الناس معه فلما أتى الموضع نزل فيه فبدأ هو فحفر بيده فأخرج لبنة من خندق النبي صلى الله عليه وسلم فكبر وكبر الناس معه وقالوا أبشر بالنصر هذا خندق جدك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحدثني محمد بن الحسن بن زبالة قال حدثنى مصعب بن عثمان بن مصعب ابن عروة بن الزبير قال لما نزل عيسى الاعوص رقى محمد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن عدو الله وعدوكم عيسى بن موسى قد نزل الاعوص وإن أحق الناس بالقيام بهذا الذين أبناء المهاجرين الاولين والانصار المواسين قال وحدثني إبراهيم ابن أبى اسحاق العبسى شيخ من غطفان قال أخبرني أبو عمر ومؤدب محمد بن عبد الرحمن بن سليمان قال سمعت الزبيري الذى قتله أبو جعفر يعنى عثمان بن محمد ابن خالد قال اجتمع مع محمد جمع لم أر مثله ولا أكثر منه إنى لاحسب أنا قد كنا مائة ألف فلما قرب عيسى خطبنا فقال يا أيها الناس إن هذا الرجل قد قرب منكم في عدد وعدة وقد حللتكم من بيعتى فمن أحب المقام فليقم ومن أحب الانصراف فلينصرف فتسللوا حتى بقى في شرذمة ليس بالكثيرة قال وحدثني موهوب ابن رشيد بن حيان بن أبى سليمان بن سمعان أحد بنى قريط بن عبد الله بن أبى بكر ابن كلاب قال حدثنى أبى قال لما ظهر محمد جمع الناس وحشرهم وأخذ عليهم المناقب فلا يخرج أحد فلما سمع بعيسى وحميد بن قحطبة قد أقبلا صعد المنبر فقال يا أيها الناس إنا قد جمعناكم للقتال وأخذنا عليكم المناقب وإن هذا العدو منكم قريب وهو في عدد كثير والنصر من الله والامر بيده وإنه قد بدا لى أن آذن لكم وأفرج عنكم المناقب فمن أحب أن يقيم أقام ومن أحب أن يظعن ظعن قال أبى فخرج عالم من الناس كنت فيهم فلما كنا بالعريض وهو على ثلاثة أميال من المدينة لقيتنا مقدمة عيسى بن موسى دون الرحبة فما شبهت رجالهم إلا رجلا من

[ 209 ]

جراد قال فمضينا وخالفونا إلى المدينة قال وحدثني محمد بن يحيى قال حدثنى الحارث ابن إسحاق قال خرج ناس كثير من أهل المدينة بذراريهم وأهليهم إلى الاعراض والجبال فأمر محمد أبا القلمس فرد من قدر عليه منهم فأعجزه كثير منهم فتركهم قال وحدثني عيسى قال حدثنى الغاضرى قال قال لى محمد أعطيك سلاحا وتقاتل معى قلت نعم إن أعطيتني رمحا أطعنهم به وهم بالاعوص وسيفا أضربهم به وهم بهسفا قال ثم مكث غير كثير ثم بعث إلى فقال ما تنتظر قلت ما أهون عليك أبقاك الله أن أقتل وتمروا فيقال والله إن كان لباد يا قال ويحك قد بيض أهل الشأم وأهل العراق وخراسان قال قلت اجعل الدنيا زبدة بيضاء وأنا في مثل صوته الدواة ما ينفعني هذا وعيسى بالاعوص قال وحدثني عيسى عن أبيه عن جده قال وجه أبو جعفر مع عيسى بن موسى بابن الاصم ينزله المنازل فلما قدموا نزلوا على ميل من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن الاصم ألا إن الخيل لا عمل لها مع الرجالة وإنى أخاف إن كشفوكم كشفة أن يدخلوا عسكركم فرفعهم إلى سقاية سليمان بن عبد الملك بالجرف وهى على أربعة أميال من المدينة وقال لا يهرول الراجل أكثر من ميلين أو ثلاثة حتى تأخذه الخيل قال وحدثني عيسى قال حدثنى محمد بن أبى الكرام قال لما نزل عيسى طرف القدوم أرسل إلى نصف الليل فوجدته جالسا والشمع والاموال بين يديه فقال جاءتني العيون تخبرني أن هذا الرجل في ضعف وأنا أخاف أن ينكشف وقد ظننت ألا مسلك له الا إلى مكة فاضمم إليك خمسمائة رجل فامض بها معاندا عن الطريق حتى تأتى الشجرة فتقيم بها قال فأعطاهم على السمع فخرجت بهم حتى مررت بالبصرة بالبطحاء وهى بطحاء ابن أزهر على ستة أميال من المدينة فخاف أهلها فقلت لا بأس عليكم أنا محمد بن عبد الله هل من سويق قال فأخرجوا إلينا سويقا فشربنا وأقمنا بها حتى قتل محمد قال وحدثني محمد بن اسماعيل عن الثقة عنده قال لما قرب عيسى أرسل إلى محمد القاسم بن الحسن بن زيد يدعوه إلى الرجوع عما هو عليه ويخبره أن أمير المؤمنين قد آمنه وأهل بيته فقال محمد للقاسم والله لولا أن الرسل لا تقتل

[ 210 ]

لضربت عنقك لانى لم أرك منذ كنت غلاما في فرقتين خير وشر الا كنت مع الشر على الخير وأرسل محمد إلى عيسى يا هذا إن لك برسول الله قرابة قريبة وإنى أدعوك إلى كتاب الله وسنة نبيه والعمل بطاعته واحذرك نقمته وعذابه وانى والله ما أنا بمنصرف عن هذا الامر التى ألقى الله عليه فاياك أن يقتلك من يدعوك إلى الله فتكون شر قتيل أو تقتله فيكون أعظم لوزرك وأكثر لمأثمك فأرسل هذه الرسالة مع إبراهيم بن جعفر فبلغه فقال ارجع إلى صاحبك فقل له ليس بيننا الا القتال قال وحدثى إبراهيم بن محمد بن أبى الكرام بن عبد الله بن على ابن عبد الله بن جعفر قال أخبرني أبى قال لما قرب عيسى من المدينة أرسلني إلى محمد بأمانه فقال لى محمد علام تقاتلونني وتستحلون دمى وإنما أنا رجل فرمن أن يقتل قال قلت إن القوم يدعونك إلا الامان فان أبيت إلا قتالهم قاتلوك على ما قاتل عليه خير آبائك على طلحة والزبير على نكث بيعتهم وكيد ملكهم والسعى عليهم قال فأخبرت بذلك أبا جعفر فقال والله ما سرنى أنك قلت له غير ذلك وإن لى كذا وكذا قال وحدثني هشام بن محمد بن عروة بن هشام بن عروة قال أخبرني ماهان ابن بخت مولى قحطبة قال لما صرنا بالمدينة أتانا ابراهيم بن جعفر بن مصعب طليعة فطاف بعسكرنا حتى جسه كله ثم ولى ذاهبا قال فرعبنا منه والله رعبا شديدا حتى جعل عيسى وحميد بن قحطبة يعجبان فيقولان فارس واحد طليعة لاصحابه فلما ولى مدى أبصارنا نظرنا إليه مقيما بموضع واحد فقال حميد ويحكم انظروا ما حال الرجل فانى أرى دابته واقفا لا تزول فوجه إليه حميد رجلين من أصحابه فوجدا دابته قد عثر به فصرعه ففرس التنور عنقه فأخذا سلبه فأتينا بتنور قيل إنه كان لمصعب بن الزبير مذهب لم ير مثله قط قال وحدثني محمد بن يحيى قال حدثنى الحارث بن إسحاق قال نزل عيسى بقصر سليمان بالجرف صبيحة ثنتى عشرة من رمضان من سنة 145 يوم السبت فأقام يوم السبت ويوم الاحد وغدا يوم الاثنين حتى استوى على سلع فنظر إلى المدينة والى من دخلها وخرج منها وشحن وجوهها كلها بالخيل والرجال إلا ناحية مسجد أبى الجراح وهو

[ 211 ]

على بطحان فإنه تركه لخروج من هرب وبرز محمد في أهل المدينة قال وحدثني عيسى قال حدثنا محمد بن زيد قال قدمنا مع عيسى فدعا محمدا ثلاثا الجمعة والسبت والاحد قال وحدثني عبد الملك بن شيبان قال حدثنى زيد مولى مسمع قال لما عسكر عيسى أقبل على دابة يمشى حواليه نحو من خمسمائة وبين يديه راية يسار بها معه فوقف على الثنية ونادى يا أهل المدينة إن الله قد حرم دماء بعضنا على بعض فهلموا إلى الامان فمن قام تحت رايتنا فهو آمن ومن دخل داره فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن ألقى سلاحه فهو آمن ومن خرج من المدينة فهو آمن خلوا بيننا وبين صاحبنا فاما لنا أوله قال فشتموه وأقذعوا له وقالوا يا ابن الشاة يا ابن كذا يا ابن كذا فانصرف يومه ذلك وعاد من الغد ففعل مثل ذلك فشتموه فلما كان اليوم الثالث أقبل بما لم أر مثله قط من الخيل والرجال والسلاح فوالله ما لبثنا أن ظهر علينا ونادى بالامان فانصرف إلى معسكره قال وحدثني ابراهيم الغطفانى قال سمعت أبا عمرو مؤدب محمد بن عبد الرحمن يحدث عن الزبيري يعنى عثمان بن محمد بن خالد قال لما التقينا نادى عيسى بنفسه أيا محمد ان أمير المؤمنين أمرنى أن لا أقاتلك حتى أعرض عليك الامان فلك على نفسك وأهلك وولدك وأصحابك وتعطى من المال كذا وكذا ويقضى عنك دينك ويفعل بك ويفعل قال فصاح محمدا له عن هذا فوالله لو علمت أنه لا يثنينى عنكم فزع ولا يقربني منكم طمع ما كان هذا قال ولج القتال وترجل محمد فإنى لا حسبه قتل بيده يومئذ سبعين رجلا قال وحدثني عيسى قال حدثنى محمد بن زيد قال لما كان يوم الاثنين وقف عيسى على ذباب ثم دعا مولى لعبدالله ابن معاوية كان معه وكان على مجففته فقال خذ عشرة من أصحابك أصحاب التجافيف فجاء بهم فقال لنا ليقم معه عشرة منكم يا آل أبى طالب قال فقنمامعه ومعنا ابنا محمد بن عمر بن على عبد الله وعمر ومحمد بن عبد الله بن عقيل والقاسم ابن الحسن بن زيد بن الحسن بن على وعبد الله بن اسماعيل بن عبد الله بن جعفر في عشرة منا فقال انطلقوا إلى القوم فادعوهم واعطوهم أمانا وبقى أمان الله

[ 212 ]

قال فخرجنا حتى جئنا سوق الحطابين فدعوناهم فسبونا ورشقونا بالنبل وقالوا هذا ابن رسول الله معنا ونحن معه فكلمهم القاسم بن الحسن بن زيد فقال وأنا ابن رسول الله وأكثر من ترون بنو رسول الله ونحن ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وحقن دمائكم والامان لكم فجعلوا يسبوننا ويرشقوننا بالنبل فقال القاسم لغلامه القط هذا النبل فلقطها فأخذها قاسم بيده ثم دخل بها إلى عيسى فقال ما تنتظر انظر ما صنعوا بنا فأرسل عيسى حميد بن قحطبة في مائة قال حدثنى أزهر بن سعيد بن نافع قال حدثنى إخوانى عثمان ومحمد ابنا سعيد وكانا مع محمد قال وقف القاسم بن الحسن ورجل معه من آل أبى طالب على رأس ثنية الوداع فدعوا محمدا إلى الامان فسبهما فرجعا وأقبل عيسى وقد فرق القواد فجعل هزار مرد عند حمام ابن أبى الصعبة وكثير بن حصين عند دار ابن أفلح التى ببقيع الغرقد ومحمد بن أبى العباس على باب بنى سلمة وفرق سائر القواد على انقاب المدينة وصار عيسى في أصحابه على رأس الثنية فرموا بالنشاب والمقاليع ساعة * وحدثني أزهر قال جعل محمد ستور المسجد دراريع لاصحابه قال وحدثني عبد الله بن إسحاق بن القاسم قال حدثنى عمر شيخ من الانصار قال جعل محمد ظلال المسجد خفانين لاصحابه فأتاه رجلان من جهينة فأعطى أحدهما خفتانا ولم يعط الآخر فقاتل صاحب الخفتان ولم يقاتل الآخر معه فلما حضرت الحرب أصابت صاحب الخفتان نشابة فقتلته فقال صاحبه يا رب لا تجعلني كمن حان * وباع باقى عيشه بخفتان قال وحدثني أيوب بن عمر قال حدثنى إسماعيل بن أبى عمرو قال إنا لوقوف على خندق بنى غفار إذ أقبل رجل على فرس ما يرى منه إلا عيناه فنادى الامان فأعطى الامان فدنا حتى لصق بنا فقال أفيكم من يبلغ عنى محمدا قلت نعم أنا قال فأبلغه عنى وحسر عن وجهه فإذا شيخ مخضوب فقال قل له يقول لك فلان التميمي بآية إنى وإياك جلسنا في ظل الصخرة في جبل جهينة في سنة كذا اصبر إلى الليل فإن عامة الجند معك قال فأتيته قبل أن يغدو وذلك يوم الاثنين

[ 213 ]

في اليوم الذى قتل فيه فوجدت بين يديه قربة عسل أبيض قد شقت من وسطها ورجل يتناول من العسل مل ء كفه ثم يغمسه في الماء ثم يلقمه اياه ورجل يحزم بطنه بعمامة فأبلغته الرسالة فقال قد أبلغت فقلت أخواى في يدك قال مكانهما خير لهما قال وحدثني ابراهيم بن مصعب بن عمارة بن حمزة بن مصعب ابن الزبير قال حدثنى محمد بن عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير قال كانت راية محمد إلى أبى فكنت احملها عنه قال وحدثني عيسى عن أبيه قال كان مع الافطس حسن بن على بن حسين علم أصفر فيه صورة حية ومع كل رجل من أصحابه من آل على بن أبى طالب علم وشعارهم أحد أحد قال وكذلك كان شعار النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين قال وحدثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن أبى الحكم قال أخبرنا جهم بن عثمان مولى بنى سليم ثم أحد بنى بهز قال قال لى عبد الحميد بن جعفر يوم لقينا أصحاب عيسى نحن اليوم على عدة أهل بدر يوم لقوا المشركين قال وكنا ثلثمائة ونيفا قال وحدثني إبراهيم بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس قال سمعت أبى يقول ولد عيسى بن موسى في سنة 103 وشهد حرب محمد وإبراهيم وهو ابن ثلاث وأربعين سنة وعلى مقدمته حميد بن قحطبة وعلى ميمنته محمد بن أبى العباس أمير المؤمنين وعلى ميسرته داود بن كراز من أهل خراسان وعلى ساقته الهيثم بن شعبة قال وحدثني عيسى عن أبيه قال لقى أبو القلمس محمد بن عثمان أخا أسد بن المرزبان بسوق الحطابين فاجتلدا بسيفهما حتى تقطعا ثم تراجعا إلى مواقفهما فأخذ أخو أسيد سيفا وأخذ أبو القلمس بأثفية فوضعها على قربوس سرجه وسترها بدرعه ثم تعاودا فلما تدانيا قام أبو القلمس في ركائبه ثم ضرب بها صدره فصرعه ونزل فاحتز رأسه قال وحدثني محمد بن الحسن بن زبالة قال حدثنى عبد الله بن عمر ابن القاسم بن عبد الله العمرى قال كنا مع محمد فبرز رجل من أهل المدينة مولى لآل الزبير يدعى القاسم بن وائل فدعا للبراز فبرز إليه رجل لم أر مثل كماله وعدته فلما رآه ابن وائل انصرف قال فوجدنا من ذلك وجدا شديدا فانا لعلى

[ 214 ]

ذلك إذ سمعت خشف رجل ورائي فالتفت فإذا أبو القلمس فسمعته يقول لعن الله أمير السفهاء أن ترك مثل هذا اجترأ علينا وإن خرج رجل خرج إلى أمر عسى أن لا يكون من شأنه قال ثم برزله فقتله قال وحدثني أزهر بن سعيد بن نافع قال خرج القاسم بن وائل يومئذ من الخندق ثم دعا للبراز فبرزله هزار مرد فلما رآه القاسم هابه فرجع فبرز أبو القلمس فقال ما انتفع في مثل هذا اليوم بسيفه قط ثم ضربه على حبل عاتقه فقال خذها وأنا ابن الفاروق فقال رجل من أصحاب عيسى قتلت خيرا من ألف فاروق قال وحدثني على أبو الحسن الحذاء من أهل الكوفة قال حدثنى مسعود الرحال قال شهدت مقتل محمد بالمدينة فانى لانظر إليهم عند أحجار الزيت وأنا مشرف عليهم من الجبل يعنى سلعا إذ نظرت إلى رجل من أصحاب عيسى قد أقبل مستلئما في الحديد لا ترى منه الا عيناه على فرس حتى فصل من صف أصحابه فوقف بين الصفين فدعا للبراز فخرج إليه رجل من أصحاب محمد عليه قباء أبيض وكمه بيضاء وهو راجل فكلمه مليا ظننت أنه استرجله لتستوى حالاهما فنظرت إلى الفارس ثنى رجله فنزل ثم التقيا فضربه صاحب محمد ضربة على خوذة حديد على رأسه فأقعده على استه وقيذ الاحراك به ثم انتزع الخوذة فضرب رأسه فقتله ثم رجع فدخل في أصحابه فلم ينشب ان خرج من صف عيسى آخر كأنه صاحبه فبرز له الرجل الاول فصنع به مثل ما صنع بصاحبه ثم عاد إلى صفه وبرز ثالث فدعاه فبرز له فقتله فلما قتل الثالث ولى يريد أصحابه فاعتوره أصحاب عيسى فرموه فأثبتوه وأسرع يريد أصحابه فلم يبلغهم حتى خر صريعا فقتلوه دونهم * وحدثني عيسى قال أخبرني محمد بن زيد قال لما أخبرنا عيسى برميهم ايانا قال لحميد بن قحطبة تقدم فتقدم في مائة كلهم راجل غيره معهم النشاب والترسة فلم يلبثوا أن زحفوا إلى جدار دون الخندق عليه أناس من أصحاب محمد فكشفوهم ووقفوا عند الجدار فأرسل حميد إلى عيسى بهدم الجدار قال فأرسل إلى فعلة فهدموه وانتهوا إلى الخندق فأرسل إلى عيسى إنا قد انتهينا إلى الخندق فأرسل إليه عيسى بأبواب بقدر الخندق فعبروا عليها حتى كانوا من ورائه ثم اقتتلوا أشد

[ 215 ]

القتال من بكرة حتى صار العصر * وحدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال قال محمد بن عمر أقبل عيسى بن موسى بمن معه حتى أناخ على المدينة وخرج إليه محمد بن عبد الله ومن معه فاقتتلوا أياما قتالا شديدا وصبر نفر من جهينة يقال لهم بنو شجاع مع محمد بن عبد الله حتى قتلوا وكان لهم غناء (رجع الحديث) إلى حديث عمر * حدثنى أزهر قال أمرهم عيسى فطرحوا حقائب الابل في الخندق فأمر ببابى دار سعد بن مسعود التى في الثنية فطرحا على الخندق فجازت الخيل فالتقوا عند مفاتح خشرم فاقتتلوا حتى كان العصر * حدثنى محمد بن يحيى قال حدثنا عبد العزيز بن أبى ثابت قال انصرف محمد يومئذ قبل الظهر حتى جاء دار مروان فاغتسل وتحنط ثم خرج قال عبد العزيز بن أبى ثابت فحدثني عبد الله بن جعفر قال دنوت منه فقلت له بأبى أنت إنه والله مالك بما رأيت طاقة وما معك أحد يصدق القتال فاخرج الساعة حتى تلحق بالحسن بن معاوية بمكة فإن معه جلة أصحابك فقال يا أبا جعفر والله لو خرجت لقتل أهل المدينة والله لا أرجع حتى أقتل أو أقتل وأنت منى في سعة فاذهب حيث شئت فخرجت معه حتى إذا جاء دار ابن مسعود في سوق الظهر ركضت فأخذت على الزياتين ومضى إلى الثنية وقتل من كان معه بالنشاب وجاءت العصر فصلى * حدثنى محمد بن الحسن بن زبالة قال حدثنى إبراهيم بن محمد قال رأيت محمدا بين دارى بنى سعد عليه جبة ممشقة وهو على برذون وابن خضير إلى جانبه يناشده الله إلا مضى إلى البصرة أو غيرها ومحمد يقول والله لا تبتلون بى مرتين ولكن اذهب حيث شئث فأنت في حل قال ابن خضير وأين المذهب عنك ثم مضى فأحرق الديوان وقتل رياحا ثم لحقه بالثنية فقاتل حتى قتل * وحدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد عن محمد بن عمر قال خرج مع محمد ابن عبد الله بن خضير رجل من ولد مصعب بن الزبير فلما كان اليوم الذى قتل فيه محمد ورأى الخلل في أصحابه وأن السيف قد أفناهم استأذن محمدا في دخول المدينة فأذن له ولا يعلم ما يريد فدخل على رياح بن عثمان بن حيان المرى وأخيه فذبحهما ثم رجع فأخبر محمدا ثم تقدم فقاتل حتى قتل من ساعته

[ 216 ]

(رجع الحديث) إلى حديث عمر * حدثنى أزهر قال حدثنى أخى قال لما رجع ابن خضير قتل رياحا وابن مسلم بن عقبة * وحدثني محمد بن يحيى قال حدثنى الحارث بن إسحاق قال ذبح ابن خضير رياحا ولم يجهز عليه فجعل يضرب برأسه الجدار حتى مات وقتل معه عباسا أخاه وكان مستقيم الطريقة فعاب الناس ذلك عليه ثم مضى إلى ابن القسرى وهو محبوس في دار ابن هشام فنذر به فردم بابى الدار دونه فعالج البابين فاجتمع من في الحبس فسدوهما فلم يقدر عليهم فرجع إلى محمد فقاتل بين يديه حتى قتل * حدثنى مسكين بن حبيب بن محمد قال لما جاءت العصر صلاها محمد في مسجد بنى الديل في الثنية فلما سلم استسقى فسقته ربيحة بنت أبى شاكر القرشية ثم قالت له جعلت فداك انج بنفسك قال إذا لا يبقى بها ديك يصرخ ثم مضى فلما كان ببطن مسيل سلع نزل فعرقب دابته وعرقب بنو شجاع دوابهم ولم يبق أحد إلا كسر غمد سيفه قال مسكين فلقد رأيتنى وأنا غلام جمعت من حليها نحوا من ثلثمائة درهم ثم قال لهم قد بايعتموني ولست بارحا حتى أقتل فمن أحب أن ينصرف فقد أذنت له ثم أقبل على ابن خضير فقال له قد أحرقت الديوان قال نعم خفت أن يؤخذ الناس عليه قال أصبت * حدثنى أزهر قال حدثنى أخواى قالا لقد هزمنا يومئذ أصحاب عيسى مرتين أو ثلاثا ولكنا لم نكن نعرف الهزيمة ولقد سمعنا بيزيد بن معاوية بن عبد الله بن جعفر يقول وقد هزمناهم ويل أمه فتحا لو كان له رجال * وحدثني عيسى قال كان ممن انهزم يومئذ وفر عن محمد عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فأرسل محمد وراءه فأتى به فجعل الصبيان يصيحون وراءه ألا باقة بقبقبه فكان عبد العزيز يقول بعد ذلك إن أشد ما أتى على لصياح الصبيان * وحدثني عيسى قال حدثنا مولى لهشام بن عمارة بن الوليد بن عدى بن الخيار قال كنا مع محمد فتقدم هشام ابن عمارة إليه وأنا معه فقال إنى لا آمن أن يخذلك من ترى فأشهد أن غلامي هذا حر لوجه الله إن رمت أبدأ أو تقتل أو أقتل أو نغلب فقلت فو الله إنى لمعه إذ وقعت بترسه نشابة ففلقته باثنتين ثم خسفت في درعه فالتفت إلى فقال فلان

[ 217 ]

قلت لبيك قال ويلك رأيت مثل هذا قط يا فلان أيما أحب اليك نفسي أم أنت قلت لابل نفسك قال فأنت حر لوجه الله فانطلق هاربا * وحدثني متوكل بن أبى الفحوة قال حدثنى محمد بن عبد الواحد بن عبد الله بن أبى فروة قال إنا لعلى ظهر سلع ننظر وعليه أعاريب جهينة إذ صعد إلينا رجل بيده رمح قد نصب عليه رأس رجل متصلا بحلقومه وكبده وأعفاج بطنه قال فرأيت منه منظرا هائلا وتطيرت منه الاعاريب وأجفلت هاربة حتى أسهلت وعلا الرجل الجبل ونادى على الجبل رطانة لاصحابه بالفارسية كوهبان فصعد إليه أصحابه حتى علوا سلعا فنصبوا عليه راية سوداء ثم انصبوا إلى المدينة فدخلوها وأمرت أسماء بنت حسن ابن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب وكانت تحت عبد الله بن حسين ابن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بخمار أسود فنصب على منارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى ذلك أصحاب محمد تنادوا دخلت المدينة وهربوا قال وبلغ محمدا دخول الناس من سلع فقال لكل قوم جبل يعصمهم ولنا جبل لا نؤتى إلا منه * وحدثني محمد بن إسماعيل عن الثقة عنده قال فتح بنو أبى عمرو الغفاريون للمسودة طريقا في بنى غفار فدخلوا منه حتى جاؤا وراء أصحاب محمد * وحدثني محمد بن يحيى قال حدثنى عبد العزيز بن عمران قال نادى محمد يومئذ حميد بن قحطبة إن كنت فارسا وأنت تعتد ذاك على أهل خراسان فابرز لي فأنا محمد بن عبد الله قال قد عرفتك وأنت الكريم ابن الكريم الشريف ابن الشريف لا والله يا أبا عبد الله لا أبرز لك وبين يدى من هؤلاء الاغمار إنسان واحد فإذا فرغت منهم فسأبرز لك لعمري * وحدثني عثمان بن المنذر بن مصعب بن عروة ابن الزبير قال حدثنى رجل من بنى ثعلبة بن سعد قال كنت بالثنية يوم قتل محمد ابن عبد الله بن حسن ومعه ابن خضير قال فجعل ابن قحطبة يدعو ابن خضير إلى الامان ويشح به عن الموت وهو يشد على الناس بسيفه مترجلا يتمثل لا تسقه حمزرا ولا حليبا * إن لم تجده سابحا يعبوبا ذا ميعة يلتهم الحبوبا * كالذئب يتلو طمعا قريبا يبادر الآثار أن تؤوبا * وحاجب الجونة أن يغيبا

[ 218 ]

قال فخالط الناس فضربه ضارب على أليته فحلها فرجع إلى أصحابه فشق ثوبا فعصبها إلى ظهره ثم عاد إلى القتال فضربه ضارب على حجاج عينه فأغمص السيف في عينه وخر فابتدره القوم فحزوا رأسه فلما قتل ترجل محمد فقالت على جيفته حتى قتل * وحدثني مخلد بن يحيى بن حاضر بن المهاجر الباهلى قال سمعت الفضل ابن سليمان مولى بنى نمير يخبر عن أخيه وكان قد قتل له أخ مع محمد قال كان الخراسانية إذا نظروا إلى ابن خضير تنادوا خضير آمد خضير آمد وتصعصعوا لذلك * وحدثني هشام بن محمد بن عروة بن هشام بن عروة قال أخبرني ماهان ابن بخت مولى قحطبة قال أتينا برأس ابن خضير فوالله ما جعلنا نستطيع حمله لما كان به من الجراح والله لكأنه باذنجانة مفلقة وكنا نضم أعظمه ضما * وحدثني أزهر بن سعيد قال لما نظر أصحاب محمد إلى العلم الاسود على منارة المسجد فت ذلك في أعضادهم ودخل حميد بن قحطبة من زقاق أشجع على محمد فقتله وهو لا يشعر وأخذ رأسه فأتى به عيسى وقتل معه بشرا كثيرا * وحدثني أبو الحسن الحذاء قال أخبرني مسعود الرحال قال رأيت محمدا يومئذ باشر القتال بنفسه فأنظر إليه حين ضربه رجل بسيف دون شحمة أذنه اليمنى فبرك لركبتيه وتاوروا عليه وصاح حميد بن قحطبة لا تقتلوه فكفوا وجاء حميد فاحتز رأسه * وحدثني محمد بن يحيى قال حدثنى الحارث بن إسحاق قال برك محمد يومئذ لركبتيه وجعل يذب عن نفسه ويقول ويحكم أنا ابن نبيكم مجرح مظلوم * وحدثني محمد بن يحيى قال حدثنى ابن أبى ثابت عن عبد الله بن جعفر قال طعنه ابن قحطبة في صدره فصرعه ثم نزل فاحتزر رأسه فأتى به عيسى * وحدثني محمد بن إسماعيل قال حدثنى أبو الحجاج المنقرى قال رأيت محمدا يومئذ وان أشبه ما خلق الله به لما ذكر عن حمزة بن عبد المطلب يهذ الناس بسيفه هذا ما يقاربه أحد إلا قتله ومعه سيف لا والله ما يليق شيثا حتى رماه انسان بسهم كأنى أنظر إليه أحمر أزرق ثم دهمتنا الخيل فوقف إلى ناحية جدار فتحاماه الناس فوجد الموت فتحامل على سيفه فكسره قال فسمعت

[ 219 ]

جدى يقول كان معه سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو الفقار * وحدثني هرمز أبو على مولى باهلة قال حدثنى عمرو بن المتوكل وكانت أمة تخدم فاطمة بنت حسين قال كان مع محمد يوم قتل سيف النبي صلى الله عليه وسلم ذو الفقار فلما أحس الموت أعطى سيفه رجلا من التجار كان معه وكان له عليه أربعمائة دينار فقال له خذ هذا السيف فانك لا تلقى به أحدا من آل أبى طالب إلا أخذه وأعطاك حقك قال فكان السيف عنده حتى ولى جعفر بن سليمان المدينة فأخبر عنه فدعا الرجل وأخذ السيف منه وأعطاه أربعمائة دينار فلم يزل عنده حتى قام المهدى وولى جعفر المدينة وبلغه مكان السيف فأخذه ثم صار إلى موسى فجرب به على كلب فانقطع السيف * وحدثني عبد الملك بن قريب الاصمعي قال رأيت الرشيد أمير المؤمنين بطوس متقلدا سيفا فقال لى يا أصمعي ألا أريك ذا الفقار قلت بلى جعلني الله فداك قال استل سيفى هذا فاستللته فرأيت فيه ثمان عشرة فقارة * وحدثني أبو عاصم النبيل قال حدثنى أخو الفضل بن سليمان النميري قال كنا مع محمد فأطاف بنا أربعون ألفا كانوا حولنا كالحرة السوداء فقلت له لو حملت فيهم لا نفرجوا عنك فقال ان أمير المؤمنين لا يحمل انه حمل لم تكن له بقية قال فجعلنا نعيد ذلك عليه فحمل فالتفوا عليه فقتلوه * وحدثني عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سلم ويدعى ابن البواب وكان خليفة الفضل بن الربيع يحجب هارون من أدباء الناس وعلمائهم قال حدثنى أبى عن الاسلمي يعنى عبد الله بن عامر قال قال لى محمد ونحن نقاتل معه عيسى تغشانا سحابة فان أمطر تناظفرنا هان تجاوزتنا إليهم فانظر إلى دمى على أحجار الزيت قال فوالله ما لبثنا ان أطلتنا سحابة فأحالت حتى قلت تفعل ثم جاوزتنا فأصابت عيسى وأصحابه فما كان إلا كلا ولا حتى رأيته قتيلا بين أحجار الزيت * وحدثني ابراهيم بن محمد بن عبد الله بن أبى الكرام قال قال عيسى لحميد بن قحطبة عند العصر أراك قد أبطأت في أمر هذا الرجل فول حمزة بن مالك حربه فقال والله لو رمت أنت ذاك ما تركتك أحين قتلت الرجال ووجدت ريح الفتح ثم جد في القتال حتى قتل محمد * وحدثني جواد بن غالب

[ 220 ]

ابن موسى مولى بنى عجل قال أخبرني حميد مولى محمد بن أبى العباس قال اتهم عيسى حميد بن قحطبة يومئذ وكان على الخيل فقال يا حميد ما أراك تبالغ قال أتتهمني فوالله لا ضربن محمدا حين أراه بالسيف أو أقتل دونه قال فمر به وهو مقتول فضربه بالسيف ليبر يمينه * وحدثني يعقوب بن القاسم قال حدثنى على ابن أبى طالب قال قتل محمد بعد العصر يوم الاثنين لاربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان * وحدثني أيوب بن عمر قال حدثنى أبى قال بعث عيسى فدق السجن فحملنا إليه والقتال دائب بينهم فلم نزل مطرحين بين يديه حتى أتى برأس محمد فقلت لاخى يوسف انه سيدعونا إلى معرفته ولا نعرفه له فانا نخاف أن نخطئ فلما أتى به قال أتعرفانه قلنا نعم قال انظرا أهو هذا قال أبى فبدرت يوسف فقلت أرى دما كثيرا وأرى ضربا فوالله ما أثبته قال فأطلقنا من الحديد وبتنا عنده ليلتنا كلها حتى أصبحنا قال ثم ولانى ما بين مكة والمدينة فلم أزل واليا عليه حتى قدم جعفر بن سليمان فحدرنى إليه الزمني نفسه * وحدثني على بن اسماعيل ابن صالح بن ميثم قال حدثنى أبو كعب قال حضرت عيسى حين قتل محمدا فوضع رأسه بين يديه فأقبل على أصحابه فقال ما تقولون في هذا فوقعوا فيه قال فأقبل عليهم قائد له فقال كذبتم والله وقلتم باطلا لما على هذا قاتلناه ولكنه خالف أمير المؤمنين وشق عصا المسلمين وان كان لصواما قواما فسكت القوم * وحدثني ابن البواب عبد الله بن محمد قال حدثنى أبى عن الاسلمي قال قدم على أبى جعفر قادم فقال هرب محمد فقال كذبت نحن أهل البيث لا نفر * وحدثني عبد الله بن راشد ابن يزيد قال حدثنى أبو الحجاج الجمال قال إنى لقائم على رأس أبى جعفر وهو مسائلي عن مخرج محمد إذ بلغه أن عيسى قد هزم وكان متكئا فجلس فضرب بقضيب معه مصلاه وقال كلا فأين لعب صبياننا بها على المنابر ومشورة النساء ما انى لذلك بعد قال وحدثني محمد بن الحسن قال حدثنى بعض أصحابنا قال أصاب أبا القلمس نشابة في ركبته فبقى نصلها فعالجه فأعياه فقيل له دعه حتى يقيح فيخرج فتركه فلما طلب بعد الهزيمة لحق بالحرة وأبطأبه ما أصاب ركبته فلم يزل بالنصل حتى استخرجه

[ 221 ]

ثم جثا لركبتيه ونكب كنانته فرماهم فتصدعوا عنه فلحق بأصحابه فنجا * وحدثني محمد بن الحسن قال حدثنى عبد الله بن عمر بن القاسم قال لما انهزمنا يومئذ كنت في جماعة فيهم أبو القلمس فالتفت إليه فإذا هو مستغرب ضحكا قال فقلت والله ماهذا بموضع ضحك وخفضت بصرى فإذا برجل من المنهزمة قد تقطع قميصه فلم يبق منه إلا جربانه وما يستر صدره إلى ثدييه وإذا عورته بادية وهو لا يشعر قال فجعلت أضحك لضحك أبى القلمس * فحدثني عيسى قال حدثنى أبى قال لم يزل أبو القلمس مختفيا بالفرع وبقى زمانا ثم عدا عليه عبد له فشدخ رأسه بصخرة فقتله ثم أتى أم ولد كانت له فقال انى قد قتلت سيدك فهلمى أتزوجك قالت رويدا أتصنع لك فأمهلها فأتت السلطان فأخبرته فأخذ العبد فشدخ رأسه * حدثنى محمود بن معمر بن أبى الشدائد قال أخبرني أبى قال لما دخلت خيل عيسى من شعب بنى فزارة فقتل محمد اقتحم نفر على أبى الشدائد فقتلوه وأخذوا رأسه فنادت ابنته الناعمة بنت أبى الشدائد وارجالاه فقال لها رجل من الجند ومن رجالك قالت بنو فزارة قال والله لو علمت ما دخلت بيتك فلا بأس عليك نا امرؤ من عشيرتك من باهلة وأعطاها قطعة من عمامته فعلقتها على بابها قال وأتى عيسى برأسه وعنده ابن أبى السكرام ومحمد بن لوط بن المغيرة بن نوفل ابن الحارث بن عبد المطلب فاسترجعا، وقالا والله ما بقى من أهل المدينة أحد هذا رأس أبى الشدائد فالح بن معمر رجل من بنى فزارة مكفوف قال فأمر مناديا فنادى من جاء برأس ضربنا رأسه * وحدثني على بن زادان قال حدثنى عبد الله ابن برقى فال رأيت قائدا من قواد عيسى جاء في جماعة يسأل عن منزل ابن هرمز فأرشدناه إليه قال فخرج وعليه قميص رياط قال فأنزلوا قائدهم وحملوه على برذونه وخرجوا به يزفونه حتى أدخلوه على عيسى فما هاجه * حدثنى قدامة بن محمد قال خرج عبد الله بن يزيد بن هرمز ومحمد بن عجلان مع محمد فلما حضر القتال تقلد كل واحد منهما قوسا فظننا أنهما أرادا أن يريا الناس أنهما قد صلحا لذلك * وحدثني عيسى قال حدثنى حسين بن يزيد قال أتى بابن هرمز إلى عيسى بعدما قتل محمد فقال

[ 222 ]

أيها الشيخ أما وزعك فقهك عن الخروج مع من خرج قال كانت فتنة شملت الناس فشملتنا فيهم قال اذهب راشدا * وحدثني محمد بن الحسن بن زبالة قال سمعت مالك ابن أنس يقول كنت آتى ابن هرمز فيأمر الجارية فتغلق الباب وترخى الستر ثم يذكر أول هذه الامة ثم يبكى حتى تخضل لحيته قال ثم خرج مع محمد فقيل له والله ما فيك شئ قال قد علمت ولكن يرانى جاهل فيقتدى بى * حدثنى عيسى قال حدثنى محمد بن زيد قال لما قتل محمدا انخرقت السماء بالمطر بما لم أر مثله انخرق قط منها فنادى منادى عيسى لا يبيتن بالمدينة أحد من الجند إلا كثير بن حصين وجنده ولحق عيسى بعسكره بالجرف فكان به حتى أصبح ثم بعث بالبشارة مع القاسم بن حسن بن زيد وبعث بالرأس مع ابن أبى الكرام * وحدثني محمد بن يحيى قال حدثنى الحارث بن إسحاق قال لما أصبح محمد في مصرعه أرسلت أخته زينب بنت عبد الله وابنته فاطمة إلى عيسى إنكم قد قتلتم هذا الرجل وقضيتم منه حاجتكم فلو أذنتم لنا فواريناه فأرسل إليهما أما ما ذكرتما يا بنتى عمل مما نيل منه فوالله ما أمرت ولا علمت فوارياه راشدتين فبعثت إليه فاحتمل فقيل إنه حشى في مقطع عنقه عديله قطنا ودفن بالبقيع وكان قبره وجاه زقاق دار على بن أبى طالب شارعا على الطريق أو قريبا من ذلك وبعث عيسى بألوية فوضع على باب أسماء بنت حسن بن عبد الله واحد وعلى باب العباس بن عبد الله بن الحارث آخر وعلى باب محمد بن عبد العزيز الزهري آخر وعلى باب عبيد الله بن محمد بن صفوان آخر وعلى باب دار أبى عمرو الغفاري آخر وصاح مناديه من دخل تحت لواء منها أو دخل دارا من هذه الدور فهو آمن ومطرت السماء مطرا جودا فأصبح الناس هادئين في أسواقهم وجعل عيسى يختلف إلى المسجد من الجرف فأقام بالمدينة أياما ثم شخص صبح تسع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان يريد مكة * حدثنى أزهر بن سعيد قال لما كان الغد من قتل محمد أذن عيسى في دفنه وأمر بأصحابه فصلبوا ما بين ثنية الوداع إلى دار عمر بن عبد العزيز قال أزهر فرأيتهم صفين ووكل بخشبة ابن خضير من يحرسها فاحتمله قوم في الليل فواروه ولم يقدر عليهم وأقام

[ 223 ]

الآخرون مصلبين ثلاثا ثم تأذى بهم الناس فأمر عيسى بهم فألقوا على المفرح من سلع وهى مقبرة اليهود فلم يزالوا هنالك ثم ألقوا في خندق بأصل ذباب * حدثنى عيسى بن عبد الله قال حدثتني أمي أم حسين بنت عبد الله بن محمد بن على بن حسين قالت قلت لعمى جعفر بن محمد إنى فديتك ما أمر محمد بن عبد الله قال فتنة يقتل فيها محمد عند بيت رومى ويقتل أخوه لابيه وأمه بالعراق وحوافر فرسه في ماء * حدثنى عيسى عن أبيه قال خرج مع محمد حمزة بن عبد الله بن محمد بن على وكان عمه جعفر ينهاه وكان من أشد الناس مع محمد قال فكان جعفر يقول له هو والله مقتول قال فتنحى جعفر * حدثنى عيسى قال حدثنا ابن أبى الكرام قال بعثنى عيسى برأس محمد وبعث معى مائة من الجند قال فجئنا حتى إذا أشرفنا على النجف كبرنا قال وعامر بن اسماعيل يومئذ بواسط محاصر هارون بن سعد العجلى فقال أبو جعفر للربيع ويحك ما هذا التكبير قال هذا ابن أبى الكرام جاء برأس محمد بن عبد الله قال ائذن له ولعشرة ممن معه قال فأذن لى فوضعت الرأس بين يديه في ترس فقال من قتل معه من أهل بيته قلت لا والله ولا إنسان قال سبحان الله هو ذاك قال فرفع رأسه إلى الربيع فقال ما أخبرنا صاحبه الذى كان قبله قال الربيع زعم أنه قتل منهم عدد كثير قلت لا والله ولا واحد * حدثنى على بن اسماعيل ابن صالح بن ميثم قال لما قدم برأس محمد على أبى جعفر وهو بالكوفة أمر به فطيف في طبق أبيض فرأيته آدم أرقط فلما أمسى من يومه بعث به إلى الآفاق * وحدثني عبد الله بن عمر بن حبيب من أهل ينبع قال لما أتى أبو جعفر برؤوس بنى شجاع قال هكذا فليكن الناس طلبت محمدا فاشتمل هؤلاء عليه ثم نقلوه وانتقلوا معه ثم قاتلوا معه فصبروا حتى قتلوا قال عمر أنشدني عيسى بن ابراهيم وابراهيم ابن مصعب بن عمارة بن حمزة بن مصعب ومحمد بن يحيى ومحمد بن الحسن بن زبالة وغيرهم لعبدالله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير يرثى محمدا تبكى مدله إن تقنص حبلهم * عيسى وأقصد صائبا عثمانا هلا على المهدى وابنى مصعب * أذريت دمعك ساكبا تهتانا

[ 224 ]

ولفقد إبراهيم حين تصدعت * عنه الجموع فواجه الاقرانا سالت دموعك ضلة قد هجت لى * برحاء وجد تبعث الاحزانا والله ما ولد الحواضن مثلهم * أمضى وأرفع محتدا ومكانا وأشد ناهضة وأقول للتى * تنفى مصادر عدلها البهتانا فهناك لو فقأت غير مشوه * عينيك من جزع عذرت علانا رزء لعمرك لو يصاب بمثله * مبطان صدع رزؤه مبطانا وقال ابن مصعب يا صاحبي دعا الملامة واعلما * أن لست في هذا بألوم منكما وقفا بقبر ابن النبي فسلما * لا بأس أن تقفا به فتسلما قبر تضمن خير أهل زمانه * حسبا وطيب سجية وتكرما رجل نفى بالعدل جور بلادنا * وعفا عظيمات الامور وأنعما لم يجتنب قصد السبيل ولم يجر * عنه ولم يفتح بفاحشة فما لو أعظم الحدثان شيئا قبله * بعد النبي به لكنت المعظما أو كان أمتع بالسلامة قبله * أحدا لكان قصاره أن يسلما ضحوا بإبراهيم خير ضحية * فتصرمت أيامه وتصرما بطلا يخوض بنفسه غمراتها * لا طائشا رعشا ولا مستسلما حتى مضت فيه السيوف وربما * كانت حترفهم السيوف وربما أضحى بنو حسن أبيح حريمهم * فينا وأصبح نهبهم متقسما ونساؤهم في دورهن نوائح * سجع الحمام إذا الحمام ترنما يتوسلون بقتلهم ويرؤنه * شرفا لهم عند الامام ومغنما والله لو شهد النبي محمد * صلى الاله على النبي وسلما إشراع أمته الاسنة لابنه * حتى تقطر من ظباتهم دما حقا لايقن أنهم قد ضيعوا * تلك القرابة واستحلوا المحرما * وحدثني إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم قال حدثنى موسى بن عبد الله بن حسن

[ 225 ]

قال خرجت من منازلنا بسويقة في الليل وذلك قبل مخرج محمد بن عبد الله فإذا بنسوة كأنما خرجن من ديارنا فأخذتني عليهن غيرة فإنى لاتبعهن أنظر أين يردن حتى إذا كن بطرف الحميراء من جانب الغرس التفتت إلى إحداهن فقالت سويقة بعد ساكنها يباب * لقد أمست أجدبها الخراب فعرفت أنهن من ساكنى الارض فرجعت * وحدثني عيسى قال لما قتل عيسى ابن موسى محمدا قبض أموال بنى حسن كلها فأجاز ذلك أبو جعفر * وحدثني أيوب بن عمر قال لقى جعفر بن محمد أبا جعفر ققال يا أمير المؤمنين رد على قطيعتي عين أبى زياد آكل من سعفها قال إياى تكلم بهذا الكلام والله لازهقن نفسك قال فلا تعجل على قد بلغت ثلاثا وستين وفيها مات أبى وجدى وعلى بن أبى طالب وعلى كذا وكذا إن ربتك بشئ أبدا وإن بقيت بعدك إن ربت الذى يقوم بعدك قال فرق له وأعفاه * وحدثني هشام بن إبراهيم بن هشام بن راشد قال لم يرد أبو جعفر عين أبى زياد حتى مات فردها المهدى على ولده * وحدثني هشام بن إبراهيم قال لما قتل محمد أمر أبو جعفر بالبحر فأقفل على أهل المدينة فلم يحمل إليهم من ناحية الجار شئ حتى كان المهدى فأمر بالبحر ففتح لهم وأذن في الحمل * حدثنى محمد بن جعفر بن إبراهيم قال حدثتني أمي أم سلمة بنت محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر زوجة موسى بن عبد الله قالت خاصم بنو المخزومية عيسى وسليمان وإدريس بنو عبد الله بن حسن بنى محمد بن عبد الله ابن حسن في ميراث عبد الله وقالوا قتل أبو كم محمد فورثه عبد الله فتنازعوا إلى الحسن ابن زيد فكتب بذلك إلى أمير المؤمنين أبى جعفر فكتب إليه أما بعد فإذا بلغك كتابي هذا فورثهم من جدهم فإنى قد رددت عليهم أموالهم صلة لارحامهم وحفظا لقرابتهم * وحدثني عيسى قال خرج مع محمد من بنى هاشم الحسن ويزيد وصالح بنو معاوية بن عبد الله بن أبى جعفر بن طالب وحسين و عيسى ابنا زيد بن على بن حسين بن على بن أبى طالب قال فحدثني عيسى قال بلغني أن أبا جعفر كان يقول

[ 226 ]

واعجبا لخروج ابني زيد بن على وقد قتلنا قاتل أبيهما كما قتله وصلبناه كما صلبه وأحرقناه كما أحرقه وحمزة بن عبد الله بن محمد بن على بن حسين بن على بن أبى طالب وعلى وزيد ابنا حسن بن زيد بن الحسن بن على بن أبى طالب قال عيسى قال أبو جعفر للحسن بن زيد كأنى أنظر إلى ابنيك واقفين على رأس محمد بسيفين عليهما قباء أن قال يا أمير المؤمنين قد كنت أشكو إليك عقوقهما قبل اليوم قال أجل فهذا من ذاك والقاسم بن إسحق بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب والمرجى على بن جعفر بن إسحق بن على بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب قال عيسى قال أبو جعفر لجعفر بن إسحاق من المرجى هذا فعل الله به وفعل قال يا أمير المؤمنين ذاك ابني والله لئن شئت أن أنتفى منه لافعلن ومن بنى عبد شمس محمد بن عبد الله ابن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس قال حدثنى أبو عاصم النبيل قال حدثنى عباد بن كثير قال خرج ابن عجلان مع محمد وكان على بغلة فلما ولى جعفر بن سليمان المدينة قيده فدخلت عليه فقلت كيف ترى رأى أهل البصرة في رجل قيد الحسن قال سيئا والله قال قلت فإن ابن عجلان بهذه كالحسن ثم فتركه ومحمد بن عجلان مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس * وحدثني سعيد بن عبد الحميد ابن جعفر بن عبد الله ان عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم خرج معه فأتى به أبو جعفر بعد قتل محمد فقال له أنت الخارج على مع محمد قال لم أجد إلا ذلك أو الكفر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم قال عمر هذا وهم قال وحدثني عبد العزيز بن أبى سلمة بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر قال كان عبيد الله قد أجاب محمدا إلى الخروج معه فمات قبل أن يخرج وخرج معه أبو بكر بن عبد الله بن محمد ابن أبى سبرة بن أبى رهم بن عبد العزى ابن ابى قيس بن عبدود بن نصر بن مالك ابن حسل بن عامر بن لؤى وخرج معه عبد الواحد بن أبى عون مولى الازد وعبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة وعبد العزيز بن محمد الدراوردى وعبد الحميد بن جعفر وعبد الله بن عطاء بن يعقوب مولى بنى سباع وابن سباع من خزاعة حليف بنى زهرة وبنوه ابراهيم واسحاق وربيعة وجعفر

[ 227 ]

وعبد الله وعطاء ويعقوب وعثمان وعبد العزيز بنو عبد الله بن عطاء * وحدثني ابراهيم بن مصعب بن عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير قال وحدثني الزبير بن خبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير قال انا لبا لمر من بطن اضم وعندي زوجتى أمينة بنت خضير إذ مربنا رجل مصعد من المدينة فقالت له ما فعل محمد قال قتل قالت فما فعل ابن خضير قال قتل فخرت ساجدة فقلت أتسجدين ان قتل أخوك قالت نعم أليس لم يفرو لم يؤسر قال عيسى حدثنى أبى قال قال أبو جعفر لعيسى بن موسى من استنصر مع محمد قال آل الزبير قال ومن قال وآل عمر قال أما والله لعن غير مودة بهما له ولا محبة له ولا لاهل بيته قال وكان أبو جعفر يقول لو وجدت ألفا من آل الزبير كلهم محسن وفيهم مسئ واحد لقتلتهم جميعا ولو وجدت ألفا من آل عمر كلهم مسئ وفيهم محسن واحد لاعفيتهم جميعا قال عمر وحدثني ابراهيم بن مصعب بن عمارة بن حمزة بن مصعب قال حدثنى محمد ابن عثمان بن محمد بن خالد بن الزبر قال لما قتل محمد هرب أبى وموسى بن عبد الله ابن حسن وأنا معهما وأبو هبار المزني فأتينا مكة ثم انحدرنا إلى البصرة فاكترينا من رجل يدعى حكيما فلما وردنا البصرة وذلك بعد ثلث الليل وجدن الدروب مغلقة فجلسنا عندها حتى طلع الفجر ثم دخلنا فنزلنا المربد فلما أصبحنا أرسلنا حكيما يبتاع لنا طعاما فجاء به على رجل أسود في رجله حديدة فدخل به علينا فأعطاه جعله فتسخط علينا فقلنا زده فتسخط فقلنا له ويلك أضعف له فأبى فاستراب بنا وجعل يتصفح وجوهنا ثم خرج فلم ننشب أن أحاطت بمنزلنا الخيل فقلنا لربة المنزل ما بال الخيل فقالت لا بأس فيها تطلب رجلا من بنى سعد يدعى نميلة بن مرة كان خرج مع ابراهيم قال فوالله ما راعنا إلا بالاسود قد دخل به علينا قد غطى رأسه ووجهه فلما دخل به كشف عنه ثم قيل أهؤلاء قال نعم هؤلاء هذا موسى ابن عبد الله وهذا عثمان بن محمد وهذا ابنه ولا أعرف الرابع غير أنه من أصحابهم قال فأخذنا جميعا فدخل بنا على محمد بن سليمان فلما نظر الينا أقبل على موسى فقال لا وصل الله رحمك أتركت البلاد جميعا وجئتني فإما أطلقتك فتعرضت لامير

[ 228 ]

المؤمنين وإما أخذتك فقطعت رحمك ثم كتب إلى أمير المؤمنين وحددنا قال فجاء الجواب أن أحملهم إلى فوجهنا إليه ومعنا جند فلما صرنا بالبطيحة وجدنا بها جندا آخر ينتظروننا ثم لم نزل نأتى على المسالح من الجند في طريقنا كله حتى وردنا بغداد فدخل بنا على أبى جعفر فلما نظر إلى أبى قال هيه أخرجت على مع محمد قال قد كان ذاك فأغلظ له أبو جعفر فراجعه مليا ثم أمر به فضربت عنقه ثم أمر بموسى فضرب بالسياط ثم أمر بى فقربت إليه فقال اذهبوا به فأقيموه على رأس أبيه فإذا نظر إليه فاضربوا عنقه على جيفته قال فكلمه عيسى بن على وقال والله ما أحسبه بلغ فقلت يا أمير المؤمنين كنت غلاما حدثا غرا أمرنى أبى فأطعته قال فأمر بي فضربت خمسين سوطا ثم حبسني في المطبق وفيه يومئذ يعقوب بن داود فكان خير رفيق أرافقه وأعطفه يطعمنى من طعامه ويسقيني من شرابه فلم نزل كذلك حتى توفى أبو جعفر وقام المهدى وأخرج يعقوب فكلمه في فأخرجني قال وحدثني أيوب بن عمر قال حدثنى محمد بن خالد قال أخبرني محمد بن عروة ابن هشام بن عروة قال إنى لعند أبى جعفر إذ أتى فقيل له هذا عثمان بن محمد بن خالد قد دخل به فلما رآه أبو جعفر قال أين المال الذى عندك قال دفعته إلى أمير المؤمنين رحمه الله قال ومن أمير المؤمنين قال محمد بن عبد الله قال أبايعته قال نعم كما بايعته قال يا ابن اللخناء قال ذاك من قامت عنه الاماء قال اضرب عنقه قال فأخر فضربت عنقه قال وحدثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر قال حدثنى محمد بن عثمان بن خالد الزبيري قال لما خرج محمد خرج معه رجل من آل كثير بن الصلت فلما قتل وهزم أصحابه تغيبوا فكان أبى والكثيري فيمن تغيب فلبثوا بذلك حتى قدم جعفر بن سليمان واليا على المدينة فاشتد في طلب أصحاب محمد فاكترى أبى من الكثيرى إبلا كانت له فخرجنا متوجهين نحو البصرة وبلغ الخبر جعفرا فكتب إلى أخيه محمد يعلمه بتوجهنا إلى البصرة ويأمره بالترصد لنا والتيقظ لامرنا ومقدمنا فلما قدمنا علم محمد بمقدمنا ومكاننا فأرسل إلينا فأخذنا فأتى بنا فأقبل عليه أبى فقال يا هذا اتق الله في كرينا هذا فإنه اعرابي لا علم له بنا انما أكرانا ابتغاء الرزق ولو علم

[ 229 ]

بجريرتنا ما فعل وأنت معرضه لابي جعفر وهو من قد علمت فأنت قاتله ومتحمل مأثمه قال فوجم محمد طويلا ثم قال هو والله أبو جعفر والله ما أتعرض له ثم حملنا جميعا فدخلنا على أبى جعفر وليس عنده أحد يعرف الكثيرى غير الحسن بن زيد فأقبل على الكثيرى فقال يا عدو الله أتكرى عدو أمير المؤمنين ثم تنقله من بلد إلى بل تواريه مرة وتظهره أخرى قال يا أمير المؤمنين وما علمي بخبره وجريرته وعداوته إياك إنما أكريته جاهلا به ولا أحسبه إلا رجلا من المسلمين برى الساحة سليم الناحية ولو علمت حاله لم أفعل قال واكب الحسن بن زيد ينظر إلى الارض لا يرفع رأسه قال فأوعد أبو جعفر الكثيرى وتهدده ثم أمر بإطلاقه فخرج فتغيب ثم أقبل على أبى فقال هيه يا عثمان أنت الخارج على أمير المؤمنين والمعين عليه قال بايعت أنا وأنت رجلا بمكة فوفيت ببيعتى وغدرت بيعتك قال فأمر به فضربت عنقه قال وحدثني عيسى قال حدثنى أبى قال أتى أبو جعفر بعبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فنظر إليه فقال إذا قتلت مثل هذا من قريش فمن أستبقى ث أطلقه وأتى بعثمان بن محمد بن خالد فقتله وأطلق ناسا من القرشيين فقال له عيسى بن موسى يا أمير المؤمنين ما أشقى هذا بك من بينهم فقال إن هذا بينى قال وحدثني عيسى قال سمعت حسن بن زيد يقول غدوت يوما على أبى جعفر فإذا هو قد أمر بعمل دكان ثم أقام عليه خالدا وأتى بعلى بن المطلب بن عبد الله بن حنطب فأمر به فضرب خمسمائة سوط ثم أتى بعبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع فأمر به فجلد خمسمائة سوط فما تحرك واحد منهما فقال لى هل رأيت أصبر من هذين قط والله إنا لنؤتى بالذين قد قاسوا غلظ المعيشة وكدها فما يصبرون هذا الصبر وهؤلاء أهل الخفض والكن والنعمة قلت يا أمير المؤمنين هؤلاء قومك أهل الشرف والقدر قال فأعرض عنى وقال أبيت إلا العصبية ثم أعاد عبد العزيز بن إبراهيم بعد ذلك ليضربه فقال يا أمير المؤمنين الله الله فينا فوالله إنى لمكب على وجهى منذ أربعين ليلة ما صليت لله صلاة قال أنتم صنعتم ذلك بأنفسكم قال فأين العفو يا أمير المؤمنين قال فالعفو

[ 230 ]

والله إذا ثم خلى سبيله * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد عن محمد بن عمر قال كثروا محمدا وألحوا في القتال حتى قتل محمد في النصف من شهر رمضان سنة 145 وحمل رأسه إلى عيسى بن موسى فدعا ابن أبى الكرام فأراه إياه فعرفه فسجد عيسى بن موسى ودخل المدينة وآمن الناس كلهم وكان مكث محمد بن عبد الله من حين ظهر إلى أن قتل شهرين وسبعة عشر يوما (وفى هذه السنة) استخلف عيسى بن موسى على المدينة كثيربن حصين حين شخص عنها بعد مقتل محمد بن عبد الله بن حسن فمكث واليها عليها شهرا ثم قدم عبد الله بن الربيع الحارثى واليا عليها من قبل أبى جعفر المنصور (وفى هذه السنة) ثارت السودان بالمدينة بعبد الله بن الربيع فهرب منهم ذكر الخبر عن وثوب السودان بالمدينة في هذه السنة والسبب الذى هيج ذلك ذكر عمر بن شبة أن محمد بن يحيى حدثه قال حدثنى الحارث بن إسحاق قال كان رياح بن عثمان استعمل أبا بكر بن عبد الله بن أبى سبرة على صدقة أسد وطيئ فلما خرج محمد أقبل إليه أبو بكر بما كان جبا وشمر معه فلما استخلف عيسى كثير ابن حصين على المدينة أخذ أبا بكر فضربه سبعين سوطا وحدده وحبسه ثم قدم عبد الله بن الربيع واليا من قبل أبى جعفر يوم السبت لخمس بقين من شوال سنة 145 فنازع جنده التجار في بعض ما يشترونه منهم فخرجت طائفة من التجار حتى جاؤا دار مروان وفيها ابن الربيع فشكوا ذلك إليه فنهرهم وشتمهم وطمع فيهم الجند فتزايدوا في سوء الرأى قال وحدثني عمر بن راشد قال انتهب الجند شيئا من متاع السوق وغدوا على رجل من الصرافين يدعى عثمان بن زيد فغالبوه على كيسه فاستغاث فخلص ماله منهم فاجتمع رؤساء أهل المدينة فشكوا ذلك إلى ابن الربيع فلم ينكره ولم يغيره ثم جاء رجل من الجند فاشترى من جزار لحما يوم الجمعة فأبى أن يعطيه ثمنه وشهر عليه السيف فخرج عليه الجزار من تحت الوضم بشفرة فطعن بها خاصرته فخر عن دابته واعتوروه الجزارون فقتلوه وتنادى السودان عن الجندوهم يروحوون إلى الجمعة فقتلوهم بالعمد في كل ناحية فلم يزالوا

[ 231 ]

على ذلك حتى أمسوا فلما كان الغد هرب ابن الربيع قال وحدثني محمد بن يحيى قال حدثنى الحارث بن إسحاق قال نفخ السودان في بوق لهم فذكر لى بعض من كان في العالية وبعض من كان في السافلة أنه كان يرى الاسود من سكانهما في بعض عمله يسمع نفخ البوق فيضعى له حتى يتيقنه ثم يوحش بما في يده ويأتم الصوت حتى يأتيه قال وذلك يوم الجمعة لسبع بقين من ذى الحجة من سنة 145 ورؤساء السودان ثلاثة نفر وثيق ويعقل ورمقة قال فغدوا على ابن الربيع والناس في الجمعة فأعجلوهم عن الصلاة وخرج إليهم فاستطردوا له حتى أتى السوق فمر بمساكين خمسة يسألون في طريق المسجد فحمل عليهم بمن معه حتى قتلوهم ثم مر بأصيبية على طنف دار فظن أن القوم منهم فاستنزلهم واختدعهم وآمنهم فلما نزلوا ضرب أعناقهم ثم مضى ووقف عند الحناطين وحمل عليه السودان فأجلى هاربا فاتبعوه حتى صار إلى البقيع ورهقوه فنثر لهم دراهم فشغلهم بها ومضى على وجهه حتى نزل ببطن نخل على ليلتين من المدينة قال وحدثني عيسى قال خرج السودان على ابن الربيع ورؤساؤهم وثيق وحديا وعنقود وأبو قيس فقاتلهم فهزموه فخرج حتى أتى بطن نخل فأقام بها قال وحدثني عمر بن راشد قال لما هرب ابن الربيع وقع السودان في طعام لابي جعفر من سويق ودقيق وزيت وقسب فانتهبوه فكان حمل الدقيق بدرهمين وراوية زيت بأربعة دراهم * وحدثني محمد بن يحيى قال حدثنى الحارث بن إسحاق قال أغاروا على دار مروان ودار يزيد وفيهما طعام كان حمل للجند في البحر فلم يدعوا فيهما شيئا قال وشخص سليمان بن فليح بن سليمان في ذلك اليوم إلى أبى جعفر فقدم عليه فأخبره الخبر قال وحدثني محمد بن يحيى قال حدثنى الحارث بن إسحاق قال وقتل السودان نفرا من الجند فهابهم الجند حتى أن كان الفارس ليلقى الاسود وما عليه إلا خرقتان على عورته ودراعة فيوليه دبره احتقارا له ثم لم ينشب أن يشد عليه بعمود من عمد السوق فيقتله فكانوا يقولون ما هؤلاء السودان إلا سحرة أو شياطين قال وحدثني عثامة بن عمرو السهمى قال حدثنى المسور بن عبد الملك قال لما حبس ابن الربيع أبا بكر بن أبى سبرة وكان

[ 232 ]

جاء بجباية طيئ وأسد فدفعها إلى محمد وأشفق القرشيون على ابن أبى سبرة فلما خرج السودان على ابن الربيع خرج ابن أبى سبرة من السجن فخطب الناس ودعاهم إلى الطاعة وصلى بالناس حتى رجع ابن الربيع قال وحدثني محمد بن يحى قال حدثنى الحارث بن إسحاق قال خرج ابن أبى سبرة من السجن والحديد عليه حتى أتى المسجد فأرسل إلى محمد بن عمران ومحمد بن عبد العزيز وغيرهما فاجتمعوا عنده فقال أنشدكم الله وهذه البلية التى وقعت فوالله لئن تمت علينا عند أمير المؤمنين بعد الفعلة الاولى أنه لا صطلام البلد وأهله والعبيد في السوق بأجمعهم فأنشدكم الله إذا ذهبتم إليهم فكلمتموهم في الرجعة والفيئة إلى رأيكم فإنهم لانظام لهم ولم يقوموا بدعوة وإنما هم قوم أخرجتهم الحمية قال فذهبوا إلى العبيد فكلموهم فقالوا مرحبا بكم يا موالينا والله ما قمنا الا أنفة لكم مما عمل بكم فأيدينا مع أيديكم وأمرنا اليكم فأقبلوا بهم إلى المسجد * وحدثني محمد بن الحسن بن زبالة قال حدثنى الحسين ابن مصعب قال لما خرج السودان وهرب ابن الربيع جئتهم أنا وجماعة معى وقد عسكروا في السوق فسألناهم أن يتفرقوا وأخبرناهم أنا وإياهم لا نقوى على ما نصبوا له قال فقال لنا وثيق أن الامر قد وقع بما ترون وهو غير مبق لنا ولا لكم فدعونا نشفكم ونشتف أنفسنا فأبينا ولم نزل بهم حتى تفرقوا * وحدثني عمر بن راشد قال كان رئيسهم وثيق وخليفته يعقل الجزار قال فدخل عليه ابن عمران قال إلى من تعهد يا وثيق قال إلى أربعة من بنى هاشم وأربعة من قريش وأربعة من الانصار وأربعة من الموالى ثم الامر شورى بينهم قال أسأل الله إن ولاك شيئا من أمرنا أن يرزقنا عدلك قال قدوالله ولانيه الله قال وحدثني محمد ابن يحيى قال حدثنى الحارث بن إسحاق قال حضر السودان المسجد مع ابن أبى سبرة فرقى المنبر في كبل حديد حتى استوى في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبعه محمد بن عمران فكان تحته وتبعهم محمد بن عبد العزيز فكان تحتهما وتبعهم سليمان بن عبد الله بن أبى سبرة فكان تحتهم جميعا وجعل الناس يلغطون لغطا شديدا وابن أبى سبرة جالس صامت فقال ابن عمران أنا ذاهب إلى السوق فانحدر وانحدر

[ 233 ]

من دونه وثبت ابن أبى سبرة فتكلم فحث على طاعة أمير المؤمنين وذكر أمر محمد بن عبد الله فأبلغ ومضى ابن عمران إلى السوق فقام على بلاس من بلس الحنطة فتكلم هناك فتراجع الناس ولم يصل بالناس يومئذ الا المؤذن فلما حضرت العشاء الآخرة وقد ثاب الناس فاجتمع القرشيون في المقصورة وأقام الصلاة محمد بن عمار المؤذن الذى يلقب كساكس فقال لقرشيين من يصلى بكم فلم يجبه أحد فقال ألا تسمعون فلم يجيبوه فقال يا ابن عمران ويا ابن فلان فلم يجبه أحد فقام فقام الاصبغ ابن سفيان بن عاصم بن عبد العزيز بن مروان فقال أنا أصلى فقام في المقام فقال للناس استووا فلما استوت الصفوف أقبل عليهم بوجهه ونادى بأعلى صوته ألا تسمعون أنا الاصبغ بن سفيان بن عاصم بن عبد العزيز بن مروان أصلى بالناس على طاعة أبى جعفر فردد ذلك مرتين أو ثلاثا ثم كبر فصلى فلما أصبح الناس قال ابن أبى سبرة أنه قد كان منكم بالامس ما قد علمتم نهبتم ما في دار عاملكم وطعام جند أمير المؤمنين فلا يبقين عند أحد منكم شئ إلا رده فقد أقعدت لكم الحكم بن عبد الله ابن المغيرة بن موهب فرفع الناس إليه ما انتهبوا فقيل أنه أصاب قيمة ألف دينار * وحدثني عثامة بن عمرو قال حدثنى المسور بن عبد الملك قال ائتمر القرشيون أن يدعوا ابن الربيع يخرج ثم يكلموه في استخلاف ابن أبى سبرة على المدينة ليتحلل ما في نفس أمير المؤمنين عليه فلما أخرجه السودان قال له ابن عبد العزيز أتخرج بغير وال استخلف ولها رجلا قال لمن قال قدامة بن مسوى قال فصيح بقدامة فدخل فجلس بين ابن الربيع وبين ابن عبد العزيز فقال ارجع يا قدامة فقد وليتك المدينة وأعمالها قال والله ما قال لك هذا من نصحك ولا نظر لمن وراءه ولا أراد الا الفساد ولا حق بهذا منى ومنه من قام بأمر الناس وهو جالس في بيته يعنى ابن أبى سبرة ارجع أيها الرجل فوالله ما لك عذر في الخروج فرجع ابن الربيع * وحدثني محمد بن يحيى قال حدثنى الحارث بن إسحاق قال ركب ابن عبد العزيز في نفر من قريش إلى ابن الربيع فناشدوه وهو ببطن نخل إلا رجع إلى عمله فتأبى قال فخلا به ابن عبد العزيز فلم يزل به حتى رجع وسكن الناس وهدؤا قال وحدثني

[ 234 ]

عمر بن راشد قال ركب إليه ابن عمران وغيره وقد نزل الاعوص فكلموه فرجع فقطع يد وثيق وأبى النار ويعقل ومسعر (وفى هذه السنة) أسست مدينة بغداد وهى التى تدعى مدينة المنصور ذكر الخبر عن سبب بناء أبى جعفر إياها وكان سبب ذلك أن أبا جعفر المنصور بنى فيما ذكر حين أفضى الامر إليه الهاشمية قبالة مدينة ابن هبيرة بينهما عرض الطريق وكانت مدينة ابن هبيرة التى بحيالها مدينة أبى جعفر الهاشمية إلى جانب الكوفة وبنى المنصور أيضا مدينة بظهر الكوفة سماها الرصافة فلما ثارت الراوندوية بأبى جعفر في مدينته التى تسمى الهاشمية وهى التى بحيال مدينة ابن هبيرة كره سكناها لا ضطراب من اضطرب أمره عليه من الراوندية مع قرب جواره من الكوفة ولم يأمن أهلها على نفسه فأراد أن يبعد من جوارهم فذكر أنه خرج بنفسه يرتاد لها موضعا يتخذه مسكنا لنفسه وجنده ويبتنى به مدينة فبدأ فانحدر إلى جرجرا يا ثم صار إلى بغداد ثم مضى إلى الموصل ثم عاد إلى بغداد فقال هذا موضع معسكر صالح هذه دجلة ليس بيننا وبين الصين شئ يأتينا فيها كل مافى البحر وتأتينا الميرة من الجزيرة وأرمينية وما حول ذلك وهذا الفرات يجئ فيه كل شئ من الشأم والرقة وما حول ذلك فنزل وضرب عسكره على الصراة وخط المدينة ووكل بكل ربع قائدا وذكر عمر بن شبة أن محمد بن معروف بن سويد حدثه قال حدثنى أبى قال حد ثنى سليمان بن مجالد قال أفسد أهل الكوفة جند أمير المؤمنين المنصور عليه فخرج نحو الجبل يرتاد منزلا والطريق يومئذ على المدائن فخرجنا على ساباط فتخلف بعض أصحابي لرمد أصابه فأقام يعالج عينيه فسأله الطبيب أين يريد أمير المؤمنين قال يرتاد منزلا فال فإنا نجد في كتاب عندنا أن رجلا يدعى مقلاصا يبنى مدينة بين دجلة والصراة وتدعى الزوراء فإذا أسسها وبنى عرقا منها أتاه فتق من الحجار فقطع بناءها وأقبل إصلاح ذلك الفتق فإذا كاد يلتئم أتاه فتق من البصرة هو أكبر عليه منه فلا يلبث للفتقان أن يلتئما ثم يعود إلى بنائها فيتمه ثم يعمر عمرا طويلا ويبقى الملك في عقبه قال سليمان فان أمير المؤمنين

[ 235 ]

لبأطراف الجبال في ارتياد منزل إذ قدم على صاحبي فأخبرني الخبر فأخبرت به أمير المؤمنين فدعا الرجل فحدثه الحديث فكر راجعا عوده على بدئه وقال أنا والله ذاك لقد سميت مقلاصا وأنا صبى ثم انقطعت عنى وذكر عن الهيثم بن عدى عن ابن عياش قال ما أراد أبو جعفر الانتقال من الهاشمية بعث روادا يرتادون له موضعا ينزله واسطا رافقا بالعامة والجند فنعت له موضع قريب من بارما وذكر له عند غذاء طيب فخرج إليه بنفسه حتى ينظر إليه وبات فيه وكرر نظره فيه فرآه موضعا طيبا فقال لجماعة من أصحابه منهم سليمان بن مجالد وأبو أيوب الخوزى وعبد الملك بن حميد الكاتب وغيرهم ما رأيكم في هذا الموضع قالوا ما رأينا مثله هو طيب صالح موافق قال صدقتم هو هكذا ولكنه لا يحمل الجند والناس والجماعات وإنما أريد موضعا يرتفق الناس به ويوافقهم مع موافقته لى ولا تغلو عليهم فيه الاسعار ولا تشتد فيه المؤونة فانى إن أقمت في موضع لا يجلب إليه من البر والبحر شئ غلت الاسعار وقلت المادة واشتدت المؤونة وشق ذلك على الناس وقد وقد مررت في طريقي على موضع فيه مجتمعة هذه الخصال فأنا نازل فيه وبائت به فإن اجتمع لى فيه ما أريد من طيب الليل والموافقة مع احتماله للجند والناس أبتنيه قال الهيثم بن عدى فخبرت أنه أتى ناحية الجسر فعبر في موضع قصر السنلام ثم صلى العصر وكان في صيف وكان في موضع القصر بيعة قس ثم بات ليلة حتى أصبح فبات أطيب مبيت في الارض وأرفقه وأقام يومه فلم ير إلا ما يحب فقال هذا موضع أبنى فيه فإنه تأتيه المادة من الفرات ودجلة وجماعة من الانهار ولا يحمل الجند والعامة إلا مثله فخطها وقدر بناءها ووضع أول لبنة بيده وقال بسم الله والحمد لله والارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ثم قال ابنوا على بركة الله وذكر عن بشر بن ميمون الشروى وسليمان بن مجالد أن المنصور لما رجع من ناحية الجبل سأل عن خبر القائد الذى حدثه عن الطبيب الذى أخبره عما يجدون في كتبهم من خبر مقلاص ونزل الدير الذى هو حذاء قصره المعروف بالخلد فدعا بصاحب الدير وأحضر البطريق صاحب رحا البطريق وصاحب بغداد

[ 236 ]

وصاحب المخرم وصاحب الدير المعروف ببستان القس وصاحب العتيقة فسألهم عن مواضعهم وكيف هي في الحر والبرد والامطار والوحول والبق والهوام فأخبره كل واحد بما عنده من العلم فوجه رجالا من قبله وأمر كل واحد منهم أن يببت في قرية منها فبات كل رجل منهم في قرية منها وأتاه بخبرها وشاور المنصور الذين أحضرهم وتنحر أخبارهم فاجتمع اختيارهم على صاحب بغداد فأحضره وشاوره وساءله فهو الدهقان الذى في قريته قائمة إلى اليوم في المربعة المعروفة بأبى العباس الفضل بن سليمان الطوسى وقباب القرية قائم بناؤها إلى اليوم وداره ثابتة على حالها فقال يا أمير المؤمنين سألتنى عن هذه الامكنة وطيبها وما يختار منها فالذي أرى يا أمير المؤمنين أن تنزل أربعة طساسيج في الجانب الغربي طسوجين وهما قطربل وبادريا وفى الجانب الشرقي طسوجين وهما نهر بوق وكلواذى فأنت تكون بين نخل وقرب الماء فإن أجدب طسوج وتأخرت عمارته كان في الطسوج الآخر العمارات وأنت يا أمير المؤمنين على الصراة تجيئك الميرة في السفن من المغرب في الفرات وتجيئك طرائف مصر والشأم وتجيئك الميرة في السفن من الصين والهند والبصرة وواسط في دجلة وتجيئك الميرة من أرمينية وما اتصل بها في تأمرا حتى تصل إلى الزاب وتجيئك الميرة من الروم وآمد والجزيرة والموصل في دجلة وأنت بين أنهار لا يصل إليك عدوك إلا على جسر أو قنطرة فإذا قطعت الجسر وأخربت القناطر لم يصل إليك عدوك وأنت بين دجلة والفرات لا يجيئك أحد من المشرق والمغرب إلا احتاج إلى العبور وأنت متوسط للبصرة وواسط والكوفة والموصل والسواد كله وأنت قريب من البر والبحر والجبل فازداد المنصور عزما على النزول في الموضع الذى اختاره وقال له يا أمير المؤمنين ومع هذا فإن الله قد من على أمير المؤمنين بكثرة جيوشه وقواده وجنده فليس أحد من أعدائه يطمع في الدنو منه والتدبير في المدن أن تتخذ لها الاسوار والخنادق والحصون ودجلة والفرات خنادق لمدينة امير المؤمنين وذكر عن إبراهيم بن عيسى أن حماد التركي قال بعث المنصور رجالا في سنة 145 يطلبون له موضعا يبنى

[ 237 ]

فيه مدينته فطلبوا وارتادوا فلم يرض موضعا حتى جاء فنزل الدير الذى على الصراة فقال هذا موضع أرضاه تأتيه الميرة من الفرات ودجلة ومن هذه الصراة وذكر عن محمد بن صالح بن النطاح عن محمد بن جابر عن أبيه قال لما أراد أبو جعفر أن يبنى مدينة ببغداد رأى راهبا فناداه فأجابه ققال تجدون في كتبكم أنه تبنى ههنا مدينة قال الراهب نعم يبنيها مقلاص قال أبو جعفر أنا كنت أدعى مقلاصا في حداثتى قال فأنت إذا صاحبها قال وكذلك لما أراد أن يبنى الرافقة بأرض الروم امتنع أهل الرقة وأرادوا محاربته وقالوا تعطل علينا أسواقنا وتذهب بمعاشنا وتضيق منازلنا فهم بمحاربتهم وبعث إلى راهب في الصومعة فقال هل عندك علم أن يبنى ههنا مدينة فقال له بلغني أن رجلا يقال له مقلاص يبنيها قال أنا مقلاص فبناها على بناء مدينة بغداد سوى السور وأبواب الحديد وخندق منفرد وذكر عن السرى عن سليمان بن مجالد أن المنصور وجه في حشر الصناع والفعلة من الشأم والموصل والجبل والكوفة وواسط والبصرة فأحضروا وأمر باختيار قوم من ذوى الفضل والعدالة والفقة والامانة والمعرفة بالهندسة فكان ممن أحضر لذلك الحجاج بن أرطاة وأبو حنيفة النعمان بن ثابت وأمر بخط المدينة وحفر الاساسات وضرب اللبن وطبخ الآجر فبدئ بذلك وكان أول ما ابتدئ به في عملها سنة 145 وذكر أن المنصور لما عزم على بنائها أحب أن ينظر إليها عيانا فأمر أن يخط بالرماد ثم أقبل يدخل من كل باب ويمر في فصلانها وطاقاتها ورحابها وهى مخطوطة بالرماد ودار عليهم ينظر إليهم وإلى ماخط من خنادقها فلما فعل ذلك أمر أن يجعل على تلك الخطوط حب القطن وينصب عليه النفط فنظر إليها والنار تشتعل ففهمها وعرف رسمها وأمر أن يحفر أساس ذلك على الرسم ثم ابتدئ في عملها وذكر عن حماد التركي أن المنصور بعث رجالا يطلبون له موضعا يبنى فيه المدينة فطلبوا ذلك في سنة 144 قبل خروج محمد بن عبد الله بسنة أو نحوها فوقع اختيارهم على موضع بغداد قرية على شاطئ الصراة مما يلى الخلد وكان في موضع بناء الخلد دير وكان في قرن الصراة مما يلى الخلد

[ 238 ]

من الجانب الشرقي أيضا قرية ودير كبير كانت تسمى سوق البقر وكانت القرية تسمى العتيقة وهى التى افتتحها المثنى بن حارثة الشيباني قال وجاء المنصور فنزل الدير الذى في موضع الخلد على الصراة فوجده قليل البق فقال هذا موضع أرضاه تأتيه الميرة من الفرات ودجلة ويصلح أن تبتنى فيه مدينة فقال للراهب الذى في الدير يا راهب أريد أن أبنى ههنا مدينة فقال لا يكون إنما يبنى ههنا ملك يقال له أبو الدوانيق فضحك المنصور في نفسه وقال أنا أبو الدوانيق وأمر فخطت المدينة ووكل بها أربعة قواد كل قائد بربع وذكر عن سليمان بن مجالد أن المنصور أراد أبا حنيفة النعمان بن ثابت على القضاء فامتنع من ذلك فحلف المنصور أن يتولى له وحلف أبو حنيفة ألا يفعل فولاه القيام ببناء المدينة وضرب اللبن وعده وأخذ الرجال بالعمل قال وإنما فعل المنصور ذلك ليخرج من يمينه قال وكان أبو حنيفة المتولي لذلك حتى فرغ من استتمام بناء حائط المدينة مما يلى الخندق وكان استتمامه في سنة 149 وذكر عن الهيثم بن عدى أن المنصور عرض على أبى حنيفة القضاء والمظالم فامتنع فحلف ألا يقلع عنه حتى يعمل فأخبر بذلك أبو حنيفة فدعا بقصبة فعد اللبن على رجل قد لبنه وكان أبو حنيفة أول من عد اللبن بالقصب فأخرج أبا جعفر عن يمينه واعتل فمات ببغداد * وقيل إن أبا جعفر لما أمر بحفر الخندق وانشاء البناء وإحكام الاساس أمر أن يجعل عرض السور من أسفله خمسين ذراعا وقدر أعلاه عشرين ذراعا وجعل في البناء جوائز قصب مكان الخشب في كل طرقة فلما بلغ الحائط مقدار قامة وذلك في سنة 145 أتاه خبر خروج محمد فقطع البناء * وذكر عن أحمد بن حميد بن جبلة قال حدثنى أبى عن جدى جبلة قال كانت مدينة أبى جعفر قبل بنائها مزرعة للبغداد يين يقال لها المباركة وكانت لستين نفسا منهم فعوضهم منها وأرضاهم فأخذ جدى قسمة منها * وذكر عن إبراهيم بن عيسى بن المنصور أن حمادا التركي قال كان حول مدينة أبى جعفر قرى قبل بنائها فكان إلى جانب باب الشأم قرية يقال لها الخطابية على باب درب النورة إلى درب الاقفاص وكان

[ 239 ]

بعض نخلها في شارع باب الشأم إلى أيام المخلوع في الطريق حتى قطع في أيام الفتنة وكانت الخطابية هذه لقوم من الدهاقين يقال لهم بنو فروة وبنو قنورا منهم إسماعيل بن دينار ويعقوب بن سليمان وأصحابهم * وذكر عن محمد بن موسى ابن الفرات أن القرية التى في مربعة أبى العباس كانت قرية جده من قبل أمه وأنهم من دهاقين يقال لهم بنو زرارى وكانت القرية تسمى الوردانية وقرية أخرى قائمة إلى اليوم مما يلى مربعة أبى فروة * وذكر عن ابراهيم بن عيسى أن المعروفة اليوم بدار سعيد الخطيب كانت قرية يقال لها شرفانية ولها نخيل قائم إلى اليوم مما يلى قنطرة أبى الجون وأبو الجون من دهاقين بغداد من أهل هذه القرية * وذكر أن قطيعة الربيع كانت مزارع للناس من قرية يقال لها بناورى من رستاق الفروسيج من بادوريا * وذكر عن محمد بن موسى بن الفرات أنه سمع أباه أو جده شك راوي ذلك عنه يقول دخل على رجل من دهاقين بادوريا وهو مخرق الطيلسان فقلت له من خرق طيلسانك قال خرق والله في زحمة الناس اليوم في موضع طالما طردت فيه الارانب والظباء يريد باب الكرخ ويقال ان قطيعة الربيع الخارجة انما هي اقطاع المهدى للربيع وأن المنصور انما كان أقطعه الداخلة * وقيل ان نهر طابق كسروى وانه نهر بابك بن بهرام بن بابك وان بابك هذا هو الذى اتخذ العقر الذى عليه قصر عيسى بن على واحتفر هذا النهر * وذكر أن فرصة جعفر اقطاع من أبى جعفر لابنه جعفر وان القنطرة العتيقة من بناء الفرس * وذكر عن حماد التركي قال كان المنصور نازلا بالدير الذى على شاطئ دجلة بالموضع المعروف بالخلد ونحن في يوم صائف شديد الحر في سنة 145 وقد خرجت فجلست مع الربيع وأصحابه إذ جاء رجل فجاوز الحرس إلى المقصورة فاستأذن فآذنا المنصور به وكان معه سلم بن أبى سلم فآذن له فخبره بخروج محمد فقال المنصور نكتب الساعة إلى مصر أن يقطع عن الحرمين المادة ثم قال انما هم في مثل حرجة إذا انقطعت عنهم المادة والميرة من مصر قال وأمر بالكتاب إلى العباس بن محمد وكان على الجزيرة

[ 240 ]

يخبره بخبر محمد وقال انى راحل ساعة كتبت إلى الكوفة فأمدني في كل يوم بما قدرت عليه من الرجال من أهل الجزيرة وكتب بمثل ذلك إلى أمراء الشأم ولو أن يرد على في كل يوم رجل واحد أكثر به من معى من أهل خراسان فانه ان بلغ الخبر الكذاب انكسر قال ثم نادى بالرحيل من ساعته فخرجنا في حر شديد حتى قدم الكوفة ثم لم يزل بها حتى انقضت الحرب بينه وبين محمد وابراهيم فلما فرغ منهما رجع إلى بغداد * وذكر عن أحمد بن ثابت قال سمعت شيخا من قريش يحدث أن أبا جعفر لما فصل من بغداد متوجها نحو الكوفة وقد جاءه البريد بمخرج محمد بن عبد الله بالمدينة نظر إليه عثمان بن عمارة بن حريم وإسحاق ابن مسلم العقيلى وعبد الله بن الربيع المدانى وكانوا من صحابته وهو يسير على دابته وبنو أبيه حوله فقال عثمان أظن محمدا خائبا ومن معه من أهل بيته أن حشو ثياب هذا العباسي لمكر ونكرودهاء وإنه فيما نصب له محمد من الحرب لكما قال ابن جذل الطعام فكم من غارة ورعيل خيل * تداركها وقد حمى اللقاء فرد مخيلها حتى ثناها * بأسمر ما يرى فيه التواء قال فقال إسحاق بن مسلم قدوالله سبرته ولمست عوده فوجدته خشنا وغمزته فوجدته صليبا وذقته فوجدته مرا وأنه ومن حوله من بنى أبيه لكما قال ربيعة ابن مكدم سمالى فرسان كأن وجوههم * مصابيح تبدو في الظلام زواهر يقودهم كبش أخو مصمئلة * عبوس السرى قد لوحته الهواجر قال وقال عبد الله بن الربيع هو ليث خيس ضيغم شموس للاقران مفترس وللارواح مختلس وأنه فيما يهيج من الحرب كما قال أبو سفيان بن الحارث وإن لنا شيخا إذا الحرب شمرت * بديهته الاقدام قبل النوافر قال فمضى حتى سار إلى قصر ابن هبيرة فنزل الكوفة ووجه الجيوش فلما انقضت الحرب رجع إلى بغداد فاستتم بناءها (وفى هذه السنة) ظهر إبراهيم

[ 241 ]

ابن عبد الله بن حسن أخو محمد بن عبد الله بن حسن بالبصرة فحارب أبا جعفر المنصور وفيها قتل أيضا ذكر الخبر عن سبب مخرجه وعن مقتله وكيف كان * فذكر عن عبد الله بن محمد بن حفص قال حدثنى أبى قال لما أخذ أبو جعفر عبد الله بن حسن أشفق محمد وإبراهيم من ذلك فخرجا إلى عدن فخافا بها وركبا البحر حتى صارا إلى السند فسعى بهما إلى عمر بن حفص فخرجا حتى قدما الكوفة وبها أبو جعفر * وذكر عمر بن شبة أن سعيد بن نوح الضبعى ابن ابنة أبى الساج الضبعى حدثه قال حدثتني آمنة بنت أبى المنهال قالت نزل إبراهيم في الحى من بنى ضبيعة في دار الحارث بن عيسى وكان لا يرى بالنهار وكانت معه أم ولد له فكنت أتحدث إليها ولا ندرى من هم حتى ظهر فأتيتها فقلت إنك لصاحبتي فقالت أنا هي لا والله ما أقرتنا الارض منذ خمس سنين مرة بفارس ومرة بكرمان ومرة بالحجاز ومرة باليمن قال عمر حدثنى أبو نعيم الفضل بن دكين قال حدثنى مطهر بن الحارث قال أقبلنا مع إبراهيم من مكة نريد البصرة ونحن عشرة فصحبنا أعرابي في بعض الطريق فقلنا له ما اسمك قال فلان بن أبى مصاد الكلبى فلم يفارقنا حتى قربنا من البصرة فأقبل على يوما فقال أليس هذا إبراهيم بن عبد الله بن حسن فقلت لا هذا رجل من أهل الشأم فلما كنا على ليلة من البصرة تقدم إبراهيم وتخلفنا عنه ثم دخلنا من غد * قال عمر وحدثني أبو صفوان نصر بن قديد بن نصر بن سيار قال كان مقدم إبراهيم البصرة في أول سنة 143 منصرف الناس من الحج فكان الذى أقدمه وتولى كراءه وعادله في محمله يحيى بن زياد بن حسان النبطي فأنزله في داره في بنى ليث واشترى له جارية أعجمية سندية فأولدها ولدا في دار يحيى بن زياد * فحدثني ابن قديد بن نصر أنه شهد جنازة ذلك المولود وصلى عليه يحيى بن زياد قال وحدثني محمد بن معروف قال حدثنى أبى قال نزل إبراهيم بالخيار من أرض الشأم على آل القعقاع بن خليد العبسى فكتب الفضل بن صالح بن على وكان على قنسرين إلى أبى جعفر في رقعة أدرجها في أسفل كتابه يخبره خبر

[ 242 ]

إبراهيم وأنه طلبه فوجده قد سبقه منحدرا إلى البصرة فورد الكتاب على أبى جعفر فقرأ أوله فلم يجد إلا السلامة فألقى الكتاب إلى أبى أيوب الموريانى فألقاه في ديوانه فلما أرادوا أن يجيبوا الولاة عن كتبهم فتح أبان بن صدقة وهو يومئذ كاتب أبى أيوب كتاب الفضل لينظر في تأريخه فأفضى إلى الرقعة فلما رأى أولها أخبر أمير المؤمنين أعادها في الكتاب وقام إلى أبى جعفر فقرأ الكتاب فأمر باذكاء العيون ووضع المراصد والمسالح قال وحدثني الفضل بن عبد الرحمن بن الفضل قال أخبرني أبى قال سمعت إبراهيم يقول اضطرني الطلب بالموصل حتى جلست غلى موائد أبى جعفر وذلك أنه قدمها يطلبني فتحيرت فلفظتني الارض فجعلت لا أجد مساغا ووضع الطلب والمراصد ودعا الناس إلى غدائه فدخلت فيمن دخل وأكلت فيمن أكل ثم خرجت وقد كف الطلب قال وحدثني أبو نعيم الفضل بن دكين قال قال رجل لمطهر بن الحارث مر إبراهيم بالكوفة ولقيته قال لا والله ما دخلها قط ولقد كان بالموصل ثم مر بالانبار ثم ببغداد ثم بالمدائن والنيل وواسط قال وحدثني نصر بن قديد بن نصر قال كاتب إبراهيم قوما من أهل العسكر كانوا يتشيعون فكتب يسألونه الخروج إليهم ووعده الوثوب بأبى جعفر فخرج حتى قدم عسكر أبى جعفر وهو يومئذ نازل ببغداد في في الدير وقد خط بغداد وأجمع على البناء وكانت لابي جعفر مرآة ينظر فيها فيرى عدوه من صديقه قال فزعم زاعم أنه نظر فيها فقال يا مسيب قدوالله رأيت إبراهيم في عسكري وما في الارض عدو أعدى لى منه فانظر ما أنت صانع قال وحدثني عبد الله بن محمد بن البواب قال أمر أبو جعفر ببناء قنطرة الصراة العتيقة ثم خرج ينظر إليها فوقعت عينه على ابراهيم وخنس ابراهيم فذهب في الناس فأتى فاميا فلجأ إليه فأصعده غرفة له وجد أبو جعفر في طلبه ووضع الرصد بكل مكان فنشب إبراهيم بمكانه الذى هو به وطلبه أبو جعفر أشد الطلب وخفى عليه أمره قال وحدثني محمد بن معروف قال حدثنى أبى وحدثني نصر بن قديد قال حدثنى أبى قال وحدثني عبد الله بن محمد بن البواب وكثير بن النضر بن كثير وعمر وبن

[ 243 ]

إدريس وابن أبى سفيان العمى واتفقوا على جل الحديث واختلفوا في بعضه أن إبراهيم لما نسب وخاف الرصد كان معه رجل من بنى العم قال عمر فقال لى أبو صفوان يدعى روح بن ثقف وقال لى ابن البواب يكنى أبا عبد الله وقال لى الآخرون يقال له سفيان بن حيان بن موسى قال عمرو هو جد العمى الذى حدثنى قال قلت لابراهيم قد نزل ما ترى ولابد من التغرير والمخاطرة قال فأنت وذاك فأقبل إلى الربيع فسأله الاذن قال ومن أنت قال أنا سفيان العمى فأدخله على أبى جعفر فلما رآه شتمه فقال يا أمير المؤمنين أنا أهل لما تقول غير أنى أتيتك نازعا تائبا ولك عندي كل ما تحب إن أعطيتني ما أسألك قال ومالى عندك قال آتيك بابراهيم بن عبد الله بن حسن إنى قد بلوته وأهل بيته فلم أجد فيهم خيرا فمالى عندك إن فعلت قال كل ما تسألك فأين إبراهيم قال قد دخل بغداد أو هو داخلها عن قريب قال عمر وقال لى أبو صفوان قال هو بعبدسى تركته في منزل خالد بن نهيك فاكتب لى جوازا ولغلام لى ولفرانق واحملني على البريد قال عمر وقال بعضهم وجه معى جندا واكتب لى جوازا ولغلام لى آتيك به قال فكتب له جوازا ودفع إليه جندا وقال هذه ألف دينار فاستعن بها قال لا حاجة لى فيها كلها فأخذ ثلثمائة دينار وأقبل بها حتى أتى إبراهيم وهو في بيت عليه مدرعة صوف وعمامة وقيل بل عليه قباء كأقبية العبيد فصاح به قم فوثب كالفزع فجعل يأمره وينهاه حتى أتى المدائن فمنعه صاحب القنطرة بها فدفع إليه جوازه فقال أين غلامك قال هذا فلما نظر في وجهه قال والله ما هذا غلامك وإنه لابراهيم بن عبد الله ابن حسن ولكن اذهب راشدا فأطلقهما وهرب قال عمر فقال بعضهم ركبا البريد حتى سارا بعبدسى ثم ركبا السفينة حتى قدما البصرة فاختفيا بها قال وقد قيل إنه خرج من عند أبى جعفر حتى قدم البصرة فجعل يأتي بهم الدار لها بابان فيقعد العشرة منهم على أحد البابين ويقول لا تبرحوا حتى آتيكم فيخرج من الباب الآخر ويتركهم حتى فرق الجند عن نفسه وبقى وحده فاختفى حتى بلغ الخبر سفيان ابن معاوية فأرسل إليهم فجمعهم وطلب العمى فأعجزه قال عمر وحدثني ابن عائشة

[ 244 ]

قال حدثنى أبى قال الذى احتال لابراهيم حتى أنجاهما منه عمرو بن شداد قال عمرو حدثنى رجل من أهل المدائن عن الحسن بن عمرو بن شداد قال حدثنى أبى قال مربى إبراهيم بالمدائن مستخفيا فأنزلته دارا لى على شاطئ دجلة وسعى بى إلى عامل المدائن فضربني مائة سوط فلم أقرر له فلما تركني أتيت إبراهيم فأخبرته فانحدر قال وحدثني العباس بن سفيان بن يحيى بن زياد مولى الحجاج بن يوسف وكان يحيى بن زياد ممن سبى من عسكر قطرى بن الفجاءة قال لما ظهر إبراهيم كنت غلاما ابن خمس سنين فسمعت أشياخنا يقولون إنه مر منحدرا يريد البصرة من الشأم فخرج إليه عبد الرحيم بن صفوان من موالى الحجاج ممن سبى من عسكر قطرى قال فمشى معه حتى عبره المآصر قال فأقبل بعض من رآه فقال رأيت عبد الرحيم مع رجل شاطر محتجز بإزار مورد في يده قوس جلاهق يرمى به فلما رجع عبد الرحيم سئل عن ذلك فأنكره فكان إبراهيم يتنكر بذلك قال وحدثني نصر بن قديد قال لما قدم إبراهيم منصرفه من بغداد نزل على أبى فروة في كندة فاختفى وأرسل إلى الناس يندبهم للخروج قال عمر وحدثني على بن إسماعيل بن صالح بن ميثم الاهوازي قال حدثنى عبد الله بن الحسن بن حبيب عن أبيه قال كان إبراهيم مختفيا عندي على شاطئ دجيل في ناحية مدينة الاهواز وكان محمد ابن حصين يطلبه فقال يوما إن أمير المؤمنين كتب إلى يخبرني أن المنجمين يخبرونه أن إبراهيم بالاهواز نازل في جزيرة بين نهرين فقد طلبته في الجزيرة حتى وثقت أنه ليس هناك يعنى بالجزيرة التى بين نهر الشاه جردو دجيل فقد اعتزمت أن أطلبه غدا في المدينة لعل أمير المؤمنين يعنى بين دجيل والمسرقان قال فأتيت إبراهيم فقلت له أنت مطلوب غدا في هذه الناحية قال فأقمت معه بقية يومى فلما غشيني الليل خرجت به حتى أنزلته في أداني دست أربك دون الكث فرجعت من ليلتى فأقمت أنتظر محمدا أن يغدو لطلبه فلم يفعل حتى تصرم النهار وقربت الشمس تغرب فخرجت حتى جئت إبراهيم فأقبلت به حتى رافينا المدينة مع العشاء الآخرة ونحن على حمارين فلما دخلنا المدينة فصرنا عند الجبل المقطوع لقينا أوائل خيل

[ 245 ]

ابن حصين فرمى إبراهيم بنفسه عن حماره وتباعد وجلس يبول وطوتني الخيل فلم يعرج على منهم أحد حتى صرت إلى ابن حصين فقال لى أبا محمد من أين في مثل هذا الوقت فقلت تمسيت عند بعض أهلى قال ألا أرسل معك من يبايغك قلت لا قد قربت من أهلى فمضى يطلب وتوجهت على سنني حتى انقطع آخر أصحابه ثم كررت راجعا إلى إبراهيم فالتمست حماره حتى وجدته فركب وانطلقنا حتى بتنا في أهلنا فقال إبراهيم تعلم والله لقد بلت البارحة دما فأرسل من ينظر فأتيت الموضع الذى بال فيه فوجدته قد بال دما قال وحدثتى الفضل بن عبد الرحيم بن سليمان بن على قال قال أبو جعفر غمص على أمر إبراهيم لما اشتملت عليه طفوف البصرة قال وحدثني محمد بن مسعر بن العلاء قال لما قدم إبراهيم البصرة دعا الناس فأجابه موسى بن عمر بن موسى بن عبد الله بن خازم ثم ذهب بإبراهيم إلى النضر بن إسحق بن عبد الله بن خازم مختفيا فقال للنضر بن إسحق هذا رسول إبراهيم فكلمه إبراهيم ودعاه إلى الخروج فقال له النضر يا هذا كيف أبايع صاحبك وقد عند جدى عبد الله بن خازم عن جده على بن أبى طالب وكان عليه فيمن خالفه فقال له إبراهيم دع سيرة الآباء عنك ومذاهبهم فانما هو الدين وأنا أدعوك إلى حق قال إنى والله ما ذكرت لك ما ذكرت إلا مازحا وما ذاك الذى يمنعنى من نصرة صاحبك ولكني لا أرى القتال ولا أدين به قال وانصرف ابراهيم وتخلف موسى فقال هذا والله ابراهيم نفسه قال فبئس لعمر الله ما صنعت لو كنت أعلمتني كلمته غير هذا الكلام قال وحدثني نصر بن قديد قال دعا ابراهيم الناس وهو في دار أبى فروة فكان أول من بايعه نميلة بن مرة وعفو الله بن سفيان وعبد الواحد ابن زياد وعمر بن سلمة الهجيمى وعبيد الله بن يحيى بن حصين الرقاشى وندبوا الناس له فأجاب بعدهم فتيان من العرب منهم المغيرة بن الفزع وأشباه له حتى ظنوا أنه قد أحصى ديوانه أربعة الاف وشهر أمره فقالوا له لو تحولت إلى وسط البصرة أتاك من أتاك وهو مريح فتحول ونزل دار أبى مروان مولى بنى سليم رجل من أهل نيسابور قال وحدثني يونس بن نجدة قال كان ابراهيم نازلا في بنى

[ 246 ]

راسب على عبد الرحمن بن حرب فخرج من داره في جماعة من أصحابه منهم عفو الله ابن سفيان وبرد بن لبيد أحد بنى يشكر والمضاء التغلبي والطهوى والمغيرة بن الفزع ونميلة بن مرة ويحيى بن عمرو الهمانى فمروا على جفرة بنى عقيل حتى خرجوا على الطفاوة ثم مروا على دار كرزم ونافع إبليس.... حتى دخلوا دار أبى مروان في مقبرة بنى يشكر قال وحدثني ابن عفو الله بن سفيان قال سمعت أبى يقول أتيت ابراهيم يوما وهو مرعوب فأخبرني أن كتاب أخيه أتاه يخبره أنه قد ظهر ويأمره بالخروج قال فوجم من ذلك واغتم له فجعلت أسهل عليه الامر وأقول قد اجتمع لك أمرك معك المضاء الطهوى والمغيرة وأنا وجماعة فنخرج إلى السجن في الليل فنفتحه فتصبح حين تصبح ومعك عالم من الناس فطابت نفسه قال وحدثني سهل بن عقيل بن اسماعيل قال حدثنى أبى قال لما ظهر محمد أرسل أبو جعفر إلى جعفر بن حنظلة البهرانى وكان ذا رأى فقال هات رأيك قد ظهر محمد بالمدينة قال وجد الاجناد إلى البصرة قال انصرف حتى أرسل إليك فلما صار إبراهيم إلى البصرة أرسل إليه فقال قد صار ابراهيم إلى البصرة فقال إياها خفت بادره بالجنود قال وكيف خفت البصرة قال لان محمدا ظهر بالمدينة وليسوا بأهل حرب بحبسهم أن يقيموا شأن أنفسهم وأهل الكوفة تحت قدمك وأهل الشأم أعداء آل أبى طالب فلم يبق إلا البصرة فوجه أبو جعفر ابني عقيل قائدين من أهل خراسان من طيئ فقدما وعلى البصرة سفيان بن معاوية فأنزلهما قال وحدثني جواد بن غالب بن موسى مولى بنى عجل عن يحيى بن بديل بن يحيى بن بديل قال لما ظهر محمد قال أبو جعفر لابي أيوب وعبد الملك بن حميد هل من رجل ذى رأى تعرفانه نجمع رأيه على رأينا قالا بالكوفة بديل بن يحيى وقد كان أبو العباس يشاوره فأرسل إليه فأرسل إليه فقال إن محمدا قد ظهر بالمدينة قال فاشحن الاهواز جندا قال قد فهمت ولكن الاهواز بابهم الذى يؤتون منه قال فقبل أبو جعفر رأيه قال فلما صار ابراهيم إلى البصرة أرسل إلى بديل فقال قد صار ابراهيم إلى البصرة قال فعاجله بالجند وأشغل الاهواز عليه * وحدثني محمد بن حفص

[ 247 ]

الدمشقي مولى قريش قال لما ظهر محمد شاور أبو جعفر شيخا من أهل الشأم ذا رأى فقال وجه إلى البصرة أربعة آلاف من جند أهل الشأم فلها عنه وقال خرف الشيخ ثم أرسل إليه فقال قد ظهر ابراهيم بالبصرة قال فوجد إليه جندا من أهل الشام قال ويلك ومن لى بهم قال اكتب إلى عاملك عليها يحمل اليك في كل يوم عشرة على البريد قال فكتب بذلك أبو جعفر إلى الشأم قال عمر بن حفص فانى لاذكر أبى يعطى الجند حينئذ وأنا أمسك له المصباح وهو يعطيهم ليلا وأنا يومئذ غلام شاب قال وحدثني سهل بن عقيل قال أخبرني سلم بن فرقد قال لما أشار جعفر بن حنظلة على أبى جعفر بحدر جند الشأم إليه كانوا يقدمون أرسالا بعضهم على أثر بعض وكان يريد أن يروع بهم أهل الكوفة فإذا جنهم الليل في عسكره أمرهم فرجعوا منكبين عن الطريق فإذا أصبحوا دخلوا فلا يشك أهل الكوفة أنهم جند آخرون سوى الاولين * حدثنى عبد الحميد وكان من خدم أبى العباس قال كان محمد بن يزيد من قواد أبى جعفر وكان له دابة شهرى كميت فربما مربنا ونحن بالكوفة وهو راكبه قد ساوى رأسه رأسه فوجهه أبو جعفر إلى البصرة فلم يزل بها حتى خرج ابراهيم فأخذه فحبسه * حدثنى سعيد بن نوح بن مجالد الضبعى قال وجه أبو جعفر مجالدا ومحمدا ابني يزيد بن عمران من أهل ابيورد قائدين فقدم مجالد قبل محمد ثم قدم محمد في الليلة التى خرج فيها ابراهيم فثبطهما سفيان وحبسهما عنده في دار الامارة حتى ظهر ابراهيم فأخذهما فقيدهما ووجه أبو جعفر معهما قائدا من عبد القيس يدعى معمرا * حدثنى يونس بن نجدة قال قدم على سفيان مجالد بن يزيد الضبعى من قبل أبى جعفر في ألف وخمسمائة فارس وخمسمائة راجل * حدثنى سعيد بن الحسن بن تسنيم بن الحوارى بن زياد بن عمرو بن الاشرف قال سمعت من لا أحصى من أصحابنا يذكرون أن أبا جعفر شاور في أمر ابراهيم فقيل له إن أهل الكوفة له شيعة والكوفة قدر يفور أنت طبقها فاخرج حتى تنزلها ففعل * حدثنى مسلم الخصى مولى محمد بن سليمان قال كان أمر ابراهيم وأنا ابن بضع عشرة سنة وأنا يومثذ لابي جعفر فأنزلنا الهاشمية بالكوفة

[ 248 ]

ونزل هو بالرصافة في ظهر الكوفة وكان جميع جنده الذين في عسكره نحوا من ألف وخمسمائة وكان المسيب بن زهير على حرسه فجزأ الجند ثلاثة أجزاء خمسمائة خمسمائة فكان يطوف الكوفة كلها في كل ليلة وأمر مناديا فنادى من أخذناه بعد عتمة فقد أحل بنفسه فكان إذا أخذ رجلا بعد عتمة لفه في عباءة وحمله فبيته عنده فإذا أصبح سأل عنه فان علم براءته أطلقه وإلا حبسه قال وحدثني أبو الحسن الحذاء قال أخذ أبو جعفر الناس بالسواد فكنت أراهم يصبغون ثيابهم بالمداد * وحدثني على بن الجعد قال رأيت أهل الكوفة أيامئذ أخذوا بلبس الثياب السود حتى البقالين أن أحدهم ليصبغ الثوب بالانقاس ثم يلبسه * وحدثني جواد ابن غالب قال حدثنى العباس بن سلم مولى قحطبة قال كان أمير المؤمنين أبو جعفر إذا اتهم أحدا من أهل الكوفة بالميل إلى إبراهيم أمر أبى سلما بطلبه فكان يمهل حتى إذا غسق الليل وهدأ الناس نصب سلما على منزل الرجل فطرقه في بيته حتى يخرجه فيقتله ويأخذ خاتمه قال أبو سهل جواد فسمعت جميلا مولى محمد بن أبى العباس يقول للعباس بن سلم والله لو لم يورثك أبوك إلا خواتيم من قتل من أهل الكوفة كنت أيسر الابناء * حدثنى سهل بن عقيل قال حدثنى سلم بن فرقد حاجب سليمان بن مجالد قال كان لى بالكوفة صديق فأتاني فقال أيا هذا اعلم أن أهل الكوفة معدون للوثوب بصاحبكم فان قدرت على أن تبوئ أهلك مكانا حريزا فافعل قال فأتيت سليمان بن مجالد فأخبرته الخبر فأخبر أبا جعفر ولابي جعفر عين من أهل الكوفة من الصيارفة يدعى ابن مقرن قال فأرسل إليه فقال ويحك قد تحرك أهل الكوفة فقال لا والله يا أمير المؤمنين أنا عذيرك منهم قال فركن إلى قوله وأضرب عنهم * وحدثني يحيى بن ميمون من أهل القادسية قال سمعت عدة من أهل القادسية يذكرون أن رجلا من أهل خراسان يكنى أبا الفضل ويسمى فلان ابن معقل ولى القادسية ليمنع أهل الكوفة من اتبان إبراهيم وكان الناس قدر صدوا في طريق البصرة فكانوا يأتون القادسية ثم العذيب ثم وادى السباع ثم يعدلون ذات اليسار في البر حتى قدموا البصرة قال فخرج نفر

[ 249 ]

من الكوفة اثنا عشر رجلا حتى إذا كانوا بوادي السباع لقيهم رجل من موالى بنى أسد يسمى بكرا من أهل شراف دون واقصة بميلين من أهل المسجد الذى يدعى مسجد الموالى فأتى ابن معقل فأخبره فاتبعهم فأدركهم بخفان وهى على أربعة فراسخ من القادسية فقتلهم أجمعين * حدثنى إبراهيم بن سلم قال كان الفرافصة العجلى قدهم بالوثوب بالكوفة فامتنع لمكان أبى جعفر ونزوله بها وكان ابن ما عز الاسدي يبايع لابراهيم فيها سرا * حدثنى عبد الله بن راشد بن يزيد قال سمعت اسماعيل بن موسى البجلى وعيسى بن النضر السمانين وغيرهما يخبرون أن غزوان كان لآل القعقاع بن ضرار فاشتراه أبو جعفر فقال له يوما يا أمير المؤمنين هذه سفن منحدرة من الموصل فيها مبيضة تريد ابراهيم بالبصرة قال فضم إليه جندا فلقيهم ببا حمشابين بغداد والموصل فقتلهم أجمعين وكانوا تجارى فيهم جماعة من العباد من أهل الخير وغيرهم وفيهم رجل يدعى أبا العرفان من آل شعيب السمان فجعل يقول ويلك يا غزوان ألست تعرفني أنا أبو العرفان جارك إنما شخصت برقيق لى فبعتهم فلم يقبل وقتلهم أجمعين وبعث برؤوسهم إلى الكوفة فنصبت ما بين دار إسحاق الازرق إلى جانب دار عيسى بن موسى إلى مدينة ابن هبيرة قال أبو أحمد عبد الله بن راشد فأنا رأيتها منصوبة على كوم التراب قال وحدثنا أبو على القداح قال حدثنى داود بن سليمان ونيبخت وجماعة من القداحين قالوا كنا بالموصل وبها حرب الراوندي رابطة في ألفين لمكان الخوارج بالجزيرة فأتاه كتاب أبى جعفر يأمره بالقفل إليه فشخص فلما كان بباحمشا اعترض له أهلها وقالوا لا ندعك تجوزنا لتنصر أبا جعفر على إبراهيم فقال لهم ويحكم إنى لا أريد بكم سوءا انما أنا ما ردعوني قالوا لا والله لا تجوزنا أبدا فقاتلهم فأبارهم وحمل منهم خمسمائة رأس فقدم بها على أبى جعفر وقض عليه قصتهم قال أبو جعفر هذا أول الفتح * وحدثني خالد بن خداش بن عجلان مولى عمر بن حفص قال حدثنى جماعة من أشياخنا أنهم شهدوا دفيف بن راشد مولى بنى يزيد بن حاتم أتى سفيان بن معاوية قبل خروج ابراهيم بليلة فقال ادفع إلى فوارس آتك بابراهيم أو برأسه قال أو مالك

[ 250 ]

عمل اذهب إلى عملك قال فخرج دفيف من ليلته فلحق بيزيد بن حاتم وهو بمصر * وحدثني خالد بن خداش قال سمعت عدة من الازد يحدثون عن جابر بن حماد وكان على شرطة سفيان أنه قال لسفيان قبل خروج ابراهيم بيوم إنى مررت في مقبرة بنى يشكر فصيحوا بى ورموني بالحجارة فقال له أكان لك طريق * وحدثني أبو عمر الحوضى حفص بن عمر قال مر عاقب صاحب شرط سفيان يوم الاحد قبل ظهور ابراهيم بيوم في مقبرة بنى يشكر فقيل له هذا إبراهيم يريد الخروج فقال كذبتم ولم يعرج على ذلك قال أبو عمر الحوضى جعل أصحاب ابراهيم ينادون سفيان وهو محصور اذكر بيعتك في دار المخزوميين قال أبو عمرو حدثنى محارب ابن نصر قال مر سفيان بعد قتل ابراهيم في سفينة وأبو جعفر مشرف من قصره فقال إن هذا لسفيان قالوا نعم قال والله للعجب كيف يفلتنى ابن الفاعلة قال الحوضى قال سفيان لقائد من قواد ابراهيم أقم عند فليس كل أصحابك يعلم ما كان بينى وبين ابراهيم قال وحدثني نصر بن فرقد قال كان كرزم السدوسى يغدو على سفيان بخبر ابراهيم ويروح ويعلمه من يأتيه فلا يعرض له ولا يتبع له أثرا وذكر أن سفيان بن معاوية كان عامل المنصور أيامئذ على البصرة وكان قد مالا ابراهيم ابن عبد الله على أمره فلا ينصح لصاحبه * اختلف في وقت قدوم ابراهيم البصرة فقال بعض كان قدومه إياها أول يوم من شهر رمضان في سنة 145 ذكر من قال ذلك * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال قال محمد بن عمر لما ظهر محمد ابن عبد الله بن الحسن وغلب على المدينة ومكة وسلم عليه بالخلافة وجه أخاه إبراهيم ابن عبد الله إلى البصرة فدخلها في أول يوم من شهر رمضان سنة 145 فغلب عليها وبيض بها وبيض بها أهل البصرة معه وخرج معه عيسى بن يونس ومعاذ ابن معاذ بن العوام وإسحاق بن يوسف الازرق ومعاوية بن هشام وجماعة كثيرة من الفقهاء وأهل العلم فلم يزل يالبصرة شهر رمضان وشوالا فلما بلغه قتل أخيه محمد بن عبد الله تأهب واستعد وخرج يريد أبا جعفر بالكوفة وقد ذكرنا قول

[ 251 ]

من قال كان مقدم إبراهيم البصرة في أول سنة 143 غير أنه كان مقيما بها مختفيا يدعو أهلها في السر إلى البيعة لاخيه محمد * فذكر سهل بن عقيل عن أبيه أن سفيان كان يرسل إلى قائدين كانا قدما عليه من عند أبى جعفر مددا له قبل ظهور إبراهيم فيكونان عنده فلما وعده إبراهيم بالخروج أرسل إليهما فاحتبسهما عنده تلك الليلة حتى خرج فأحاط به وبهما فأخذهما * وحدثت عن محمد بن معروف بن سويد قال حدثنى أبى قال وجه أبو جعفر مجالدا ومحمدا ويزيد قوادا ثلاثة كانوا إخوة قبل ظهور إبراهيم فقدموا جندهم فجعلوا يدخلون البصرة تترى بعضهم على أثر بعض فأشفق إبراهيم أن يكثروا بها فظهر * وذكر نصر بن قديد أن إبراهيم خرج ليلة الاثنين لغرة شهر رمضان من سنة 145 فصار إلى مقبرة بنى يشكر في بضعة عشر رجلا فارسا فيهم عبيد الله بن يحيى بن حصين الرقاشى قال وقدم تلك الليلة أبو حماد الابرص مددا لسفيان في ألفى رجل فنزل الرحبة إلى أن ينزلوا فسار إبراهيم فكان أول شئ أصاب دواب أولئك الجند وأسلحتهم وصلى بالناس الغداة في المسجد الجامع وتحصن سفيان في الدار ومعه فيها جماعة من بنى أبيه وأقبل الناس إلى إبراهيم من بين ناظر وناصر حتى كثروا فلما رأى ذلك سفيان طلب الامان فأجيب إليه فدس إلى إبراهيم مطهر بن جويرية السدوسى فأخذ لسفيان الامان وفتح الباب ودخل إبراهيم الدار فلما دخلها ألقى له حصير في مقدم الايوان فهبت ريح فقلبته ظهرا لبطن فتطير الناس لذلك فقال إبراهيم إنا لا نتطير ثم جلس عليه مقلوبا والكراهة ترى في وجهه فلما دخل إبراهيم الدار خلى عن كل من كان فيها فيما ذكر غير سفيان بن معاوية فإنه حبسه في القصر وقيده قيدا خفيفا فأراد إبراهيم فيما ذكر بذلك من فعله أن يرى أبا جعفر أنه عنده محبوس وبلغ جعفرا ومحمدا ابني سليمان بن على وكانا بالبصرة يومئذ مصير إبراهيم إلى دار الامارة وحبسه سفيان فأقبلا فيما قيل في ستمائة من الرجالة والفرسان والناشبة يريدانه فوجه إبراهيم اليهما المضاء بن القاسم الجزرى في ثمانية عشر فارسا وثلاثين راجلا فهزمهم المضاء ولحق محمدا رجل من أصحاب المضاء فطعنه في فخذه ونادى مناد لابراهيم

[ 252 ]

ابن عبد الله النخعي وعلى ديوان خراجها ثابت بن موسى وعلى خراسان حميد ابن قحطبة وعلى قضاء بغداد مع قضاء الكوفة شريك بن عبد الله وقيل كان القاضى على بغداد يوم مات المنصور عبيد الله محمد بن صفوان الجمحى وشريك بن عبد الله على قضاء الكوفة خاصة وقيل إن شريكا كان إليه قضاء الكوفة والصلاة بأهلها وكان على الشرط ببغداد يوم مات المنصور فيما ذكر عمر بن عبد الرحمن أخو عبد الجبار بن عبد الرحمن وقيل كان موسى بن كعب وعلى ديوان خراج البصرة وأرضها عمارة بن حمزة وعلى قضائها والصلاة عبيد الله بن الحسن العنبري وعلى أحداثها سعيد بن دعلج (وأصاب) الناس فيما ذكر محمد بن عمر في هذه السنة وباء شديد ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومائة ذكر ما كان فيها من الاحداث فمن ذلك غزوة العباس بن محمد الصائفة فيها حتى بلغ أنقرة وكان على مقدمة العباس الحسن الوصيف في الموالى وكان المهدى ضم إليه جماعة من قواد أهل خراسان وغيرهم وخرج المهدى فعسكر بالبردان وأقام فيه حتى أنفذ العباس بن محمد ومن قطع عليه البعث معه ولم يجعل العباس على الحسن الوصيف ولاية في عزل ولا غيره ففتح في غزاته هذه المدينة للروم ومطمورة معها وانصرفوا سالمين لم يصب من المسلمين أحد (وهلك) في هذه السنة حميد بن قحطبة وهو عامل المهدى على خراسان فولى المهدى مكانه أبا عون عبد الملك بن يزيد (وفيها) ولى حمزة بن مالك سجستان وولى جبرئيل بن يحيى سمرقند (وفيها) بنى المهدى مسجد الرصافة (وفيها) بنى حائطها وحفر خندقها (وفيها) عزل المهدى عبد الصمد بن على عن المدينة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم عن موجدة واستعمل عليها مكانه محمد بن عبد الله الكثيرى ثم عزله واستعمل عليها مكانه عبيد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن صفوان الجمحى (وفيها) وجه المهدى عبد الملك بن شهاب المسمعى في البحر إلى بلاد الهند

[ 253 ]

ابن الحارث بن هشام بن المغيرة فقالوا له أنت أولى من هذا الهجيمى فأخذها حفص وخرج منها اليشكرى وولى حفص شرطه أبا مقرن الهجيمى * وذكر عمر ابن عبد الغفار بن عمرو الفقيمى ابن أخى الفضل بن عمرو الفقيمى قال كان إبراهيم واجدا على هارون بن سعد لا يكلمه فلما ظهر إبراهيم قدم هارون بن سعد فأتى سلم بن أبى واصل فقال له أخبرني عن صاحبك أما به إلينا حاجة في أمره هذا قال بلى لعمر الله ثم قام فدخل على إبراهيم فقال هذا هارون بن سعد قد جاءك قال لا حاجة لى به قال لا تفعل في هارون تزهد فلم يزل به حتى قبله وأذن له فدخل عليه فقال له هارون استكفنى أهم أمورك إليك فاستكفاه واسط واستعمله عليها قال سليمان بن أبى شيخ حدثنى أبو الصعدى قال أتانا هارون بن سعد العجلى من أهل الكوفة وقد وجهه إبراهيم من البصرة وكان شيخا كبيرا وكان أشهر من معه من أهل البصرة الطهوى وكان معه ممن يشبه الطهوى في نجدته من أهل واسط عبد الرحيم الكلبى وكان شجاعا وكان من قدم به أو قدم عليه عبدويه كردام الخراساني وكان من فرسانهم صدقة بن بكار وكان منصور بن جمهور يقول إذا كان معى صدقة بن بكار فما أبالى من لقيت فوجه أبو جعفر إلى واسط لحرب هارون بن سعد عامر بن إسماعيل المسلى في خمسة آلاف في قول بعضهم وقال بعضهم في عشرين ألفا وكانت بينهم وقعات * وذكر عن ابن أبى الكرام أنه قال قدمت على أبى جعفر برأس محمد وعامر بن إسماعيل بواسط محاصر عارون ابن سعد وكانت الحرب بين أهل واسط وأصحاب أبى جعفر قبل شخوص إبراهيم من البصرة * فذكر سليمان بن أبى شيخ قال عسكر عامر بن إسماعيل من وراء النيل فكانت أول حرب جرت بينه وبين هارون فضربه عبد سقاء وجرحه وصرعه وهو لا يعرفه فأرسل إليه أبو جعفر بظبية فيها صمغ عربي وقال داوبها جراحتك فالتقوا غير مرة فقتل من أهل البصرة وأهل واسط خلق كثير وكان هارون ينهاهم عن القتال ويقول لو لقى صاحبنا صاحبهم تبين لنا الامر فاستبقوا أنفسكم فكانوا لا يفعلون فلما شخص إبراهيم إلى باخمرى كف الفريقان من أهل

[ 254 ]

واسط وعامر بن إسماعيل بعضهم عن بعض وتوادعوا على ترك الحرب إلى أن يلتقى الفريقان ثم يكونوا تبعا للغالب فلما قتل إبراهيم أراد عامر بن إسماعيل دخول واسط فمانعه أهلها الدخول قال سليمان لما جاء قتل إبراهيم هرب هارون ابن سعد وصالح أهل واسط عامر بن إسماعيل على أن يؤمنهم فلم يثق كثير منهم بأمانه فخرجوا منها ودخلها عامر بن إسماعيل وأقام بواسط فلم يهج أحدا * وكان عامر فيما ذكر صالح أهل واسط على أن لا يقتل أحدا بواسط فكانوا يقتلون كل من يجدونه من أهل واسط خارجا منها ولما وقع الصلح بين أهل واسط وعامر بعد قتل إبراهيم هرب هارون بن سعد إلى البصرة فتوفى قبل أن يبلغها فيما ذكر * وقيل إن هارون بن سعد اختفى فلم يزل مختفيا حتى ولى محمد بن سليمان الكوفة فأعطاه الامان واستدرجه حتى ظهر وأمره أن يفرض لمائتين من أهل بيته فهم أن يفعل وركب إلى محمد فلقيه ابن عم له فقال له أنت مخدوع فرجع فتوارى حتى مات وهدم محمد بن سليمان داره قال ولم يزل إبراهيم مقيما بالبصرة بعد ظهوره بها يفرق العمال في النواحى ويوجه الجيوش إلى البلدان حتى أتاه نعى أخيه محمد * فذكر نصر بن قديد قال فرض إبراهيم فروضا بالبصرة فلما كان قبل الفطر بثلاثة أيام أتاه نعى أخيه محمد فخرج بالناس إلى العيد وهم يعرفون فيه الانكسار وأخبر الناس بقتل محمد فازدادوا في قتال أبى جعفر بصيرة وأصبح من الغد فعسكر واستخلف نميلة على البصرة وخلف ابنه حسنا معه قال سعيد بن هريم حدثنى أبى قال قال على بن داود لقد نظرت إلى الموت في وجه إبراهيم حين خطبنا يوم الفطر فانصرفت إلى أهلى فقلت قتل والله الرجل * وذكر محمد بن معروف عن أبيه أن جعفرا ومحمدا ابني سليمان لما شخصا من البصرة أرسلاه إلى أبى جعفر ليخبره خبر إبراهيم قال فأخبرته خبرهما فقال والله ما أدرى كيف أصنع والله ما في عسكري إلا ألفا رجل فرقت جندي فمع المهدى بالرى ثلاثون ألفا ومع محمد بن الاشعث بإفريقية أربعون ألفا والباقون مع عيسى بن موسى والله لئن سلمت من هذه لا يفارق عسكري ثلاثون ألفا وقال عبد الله بن راشد

[ 255 ]

ما كان في عسكر أبى جعفر كثيرا أحد ما هم إلا سودان وناس يسير وكان يأمر بالحطب فيحزم ثم يوقد بالليل فيراه الرائى فيحسب أن هناك ناسا وما هي إلا نار تضرم وليس عندها أحد قال محمد بن معروف بن سويد حدثنى أبى قال لما ورد الخبر على أبى جعفر كتب إلى عيسى بن موسى وهو بالمدينة إذا قرأت كتابي هذا فأقبل ودع كل ما أنت فيه قال فلم ينشب أن قدم فوجهه على الناس وكتب إلى سلم بن قتيبة فقدم عليه من الرى فضمه إلى جعفر بن سليمان * فذكر عن يوسف ابن قتيبة بن مسلم قال أخبرني أخى سلم بن قتيبة بن مسلم قال لما دخلت على أبى جعفر قال لى اخرج فإنه قد خرج ابنا عبد الله فاعمد لابراهيم ولا يروعنك جمعه فوالله انهما جملا بنى هاشم المقتولان جميعا فابسط يدك وثق بما أعلمتك وستذكر مقالتي لك قال فوالله ما هو إلا أن قتل ابراهيم فجعلت أتذكر مقالته فأعجب قال سعيد ابن سلم فاستعمله على ميسرة الناس وضم إليه بشار بن سلم العقيلى وأبا يحيى بن حريم وأبا هراسة سنان بن مخيس القشيرى وكتب سلم إلى البصرة فلحقت به باهلة عربها ومواليها وكتب المنصور إلى المهدى وهو يومئذ بالرى يأمره بتوجيه خازم بن خزيمة إلى الاهواز فوجهه المهدى فيما ذكر في أربعة آلاف من الجند فصار إليها وحارب بها المغيرة فانصرف إلى البصرة ودخل خازم الاهواز فأباحها ثلاثا * وذكر عن الفضل بن العباس بن موسى وعمر بن ماهان أنهما سمعا السندي يقول كنت وصيفا أيام حرب محمد أقوم على رأس المنصور بالمذبة فرأيته لما كثف أمر إبراهيم وغلظ أقام على مصلى نيفا وخمسين ليلة ينام عليه ويجلس عليه وعليه جبة ملونة قد اتسخ جيبها وما تحت لحيته منها فما غير الجبة ولا هجر المصلى حتى فتح الله عليه إلا أنه كان إذا ظهر للناس علا الجبة بالسواد وقعد على فراشه فإذا بطن عاد إلى هيئته قال فأتته ريسانة في تلك الايام وقد أهديت له امرأتان من المدينة احداهما فاطمة بنت محمد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله والاخرى أم الكريم بنت عبد الله من ولد خالد بن أسيد بن أبى العيص فلم ينظر اليهما فقالت يا أمير المؤمنين إن هاتين المرأتين قد خبثت أنفسهما وساءت ظنونهما لما ظهر

[ 256 ]

من جفائك لهما فنهرها وقال ليست هذه الايام من أيام النساء لا سبيل لى اليهما حتى أعلم أرأس إبراهيم لى أم رأسي لابراهيم وذكر أن محمدا وجعفرا ابني سليمان كتبا إلى أبى جعفر يعلمانه بعد خروجهما من البصرة الخبر في قطعة جراب ولم يقدرا على شئ يكتبان فيه غير ذلك فلما وصل الكتاب إليه فرأى قطعة جراب بيد الرسول قال خلع والله أهل البصرة مع ابراهيم ثم قرأ الكتاب ودعا بعبد الرحمن الختلى و بأبى يعقوب ختن مالك بن الهيثم فوجههما في خيل كثيفة اليهما وأمرهما أن يحبساهما حيث لقياهما وأن يعسكرا معهما ويسمعا ويطيعا لهما وكتب اليهما يعجزهما ويضعفهما ويوبخهما على طمع ابراهيم في الخروج إلى مصر هما فيه واستتار خبره عنهما حتى ظهر وكتب في آخر كتابه أبلغ بنى هاشم عنى مغلغلة * فاستيقظوا إن هذا فعل نوام تعدوا الذئاب على من لا كلاب له * وتتقى مربض المستنفر الحامى وذكر عن جعفر بن ربيعة العامري عن الحجاج بن قتيبة بن مسلم قال دخلت على المنصور أيام حرب محمد وابراهيم وقد جاءه فتق البصرة والاهواز وفارس وواسط والمدائن والسواد وهو ينكت الارض بمخصرته ويتمثل ونصبت نفسي للرماح درية * إن الرئيس لمثل ذاك فعول قال فقلت يا أمير المؤمنين أدام الله اعزازك ونصرك على عدوك أنت كما قال الاعشى وإن حربهم أو قدت بينهم * فحرت لهم بعد إبرادها وجدت صبورا على حرها * وكر الحروب وتردادها فقال يا حجاج إن ابراهيم قد عرف وعورة جانبى وصعوبة ناحيتى وخشونة قرنى وإنما جرأه على المسير إلى من البصرة اجتماع هذه الكور المطلة على عسكر أمير المؤمنين وأهل السواد معه على الخلاف والمعصية وقد رميت كل كورة بحجرها وكل ناحية بسهمها ووجهت إليهم الشهم النجد الميمون المظفر عيسى ابن موسى في كثرة من العدد والعدة واستعنت بالله عليه واستكفيته إياه فإنه

[ 257 ]

لا حول ولا قوة لامير المؤمنين إلا به قال جعفر بن ربيعة قال الحجاج بن قتيبة لقد دخلت على أمير المؤمنين المنصور في ذلك اليوم مسلما وما أظنه يقدر على رد السلام لتتابع الفتوق والخروق عليه والعساكر المحيطة به ولمائة ألف سيف كامنة له بالكوفة بإزاء عسكره ينتظرون به صيحة واحدة فيثبون فوجدته صقرا أحوزيا مشمرا قد قام إلى ما نزل به من النوائب يعركها ويمرسها فقام بها ولم تقعد به نفسه وإنه لكما قال الاول نفس عصام سودت عصاما * وعلمته الكر والاقداما وصيرته ملكا هماما وذكر أبو عبيدة أنه كان عند يونس الجرمى وقد وجه محمد بن عبد الله أخاه لحرب أبى جعفر فقال يونس قدم هذا يريد ان يزيل ملكا فألهته ابنة عمر بن سلمة عما حاوله ولقد أهديت اليتيمة إلى أبى جعفر في تلك الايام فتركها يمزجر الكلب فما نظر إليها حتى انقضى أمر ابراهيم وكان ابراهيم تزوج بعد مقدمه البصرة بهكنة بنت عمر بن سلمة فكانت تأتيه في مصغاتها وألوان ثيابها فلما أراد ابراهيم الشخوص نحو أبى جعفر دخل فيما ذكر بشر بن سلم عليه نميلة والطهوى وجماعة من قواده من أهل البصرة فقالوا له أصلحك الله إنك قد ظهرت على البصرة والاهواز وفارس وواسط فأقم بمكانك ووجه الاجناد فان هزم لك جند أمددتهم بجند وإن هزم لك قائد أمددته بقائد فخيف مكانك واتقاك عدوك وجبيت الاموال وثبتت وطأتك ثم رأيك بعد فقال الكوفيون أصلحك الله إن بالكوفة رجالا لو قد رأوك ما توا دونك وإلا يروك تقعد بهم أسباب شتى فلا يأتونك فلم يزالوا به حتى شخص وذكر عن عبد الله بن جعفر المدينى قال خرجنا مع ابراهيم إلى باخمرى فلما عسكرنا أتانا ليلة من الليالى فقال انطلق بنا نطف في عسكرنا قال فسمع أصوات طنابير وغناء فرجع ثم أتانى ليلة أخرى فقال انطلق بنا فانطلقت معه فسمع مثل ذلك فرجع وقال ما أطمع في نصر عسكر فيه مثل هذا وذكر عن عفان بن مسلم الصفار قال لما عسكر ابراهيم

[ 258 ]

افترض معه رجال من جيراننا فأتيت معسكره فحزرت أن معه أقل من عشرة آلاف فأما داود بن جعفر بن سليمان فانه قال أحصى في ديوان ابراهيم من أهل البصرة مائة ألف ووجه أبو جعفر عيسى بن موسى فيما ذكر ابراهيم بن موسى ابن عيسى في خمسة عشر ألفا وجعل على مقدمته حميد بن قحطبة على ثلاثة آلاف فلما شخص عيسى بن موسى نحو ابراهيم سار معه فيما ذكر أبو جعفر حتى بلغ نهر البصريين ثم رجع أبو جعفر وسار ابراهيم من معسكره بالماخور من خريبة البصرة نحو الكوفة فذكر بعض بنى تيم الله عن أوس بن مهلهل القطعي قال مر بنا ابراهيم في طريقه ذلك ومنزلنا بالقباب التى يدعى قباب أوس فخرجت أتلقاه مع أبى وعمى فانتهينا إليه وهو على برذون له يرتاد منزلا من الارض قال فسمعته يتمثل أبياتا للقطامي أمور لو يدبرها حليم * إذا النهى وهيب ما استطاعا ومعصية الشقيق عليك مما * يزيدك مرة منه استماعا وخير الامر ما استقبلت منه * وليس بأن تتبعه اتباعا ولكن الاديم إذا تفرى * بلى وتعيبا غلب الصناعا فقلت للذى معى انى لاسمع كلام رجل نادم على مسيره ثم سار فلما بلغ كرخثا قال له فيما ذكر عن سليمان بن أبى شيخ عن عبد الواحد بن زياد بن لبيدان هذه بلاد قومي وأنا أعلم بها فلا تقصد قصد عيسى بن موسى وهذه العساكر التى وجهت اليك ولكني أسلك بك إن تركتني طريقا لا يشعر بك أبو جعفر إلا وأنت معه بالكوفة فأبى عليه قال فإنا معشر ربيعة أصحاب بيات فدعني أبيت أصحاب عيسى بياتا قال انى أكره البيات وذكر عن سعيد بن هريم ان أباه أخبره قال قلت لابراهيم إنك غير ظاهر على هذا الرجل حتى تأخذ الكوفة فإن صارت لك مع تحصنه بها لم تقم له بعدها قائمة ولى بعدبها أهيل فدعني أسر إليها مختفيا في السر ثم أجهر فانهم إن سمعوا داعيا اليك أجاو. فان سمع أبو جعفر الهيعة بأرجاء الكوفة لم برد وجهه شئ دون حلوان قال فأقبل على بشير الرجال فقال ما ترى يا أبا محمد قال إنا

[ 259 ]

لو وثقنا بالذى تصف لكان رأيا ولكنا لا نأمن أن تجيبك منهم طائفة فيرسل إليهم أبو جعفر خيلا فيطأ البرئ والنطف والصغير والكبير فتكون قد تعرضت لمأثم ذلك ولم تبلغ منه ما أملت فقلت لبشير أخرجت حين خرجت لقتال أبى جعفر وأصحابه وأنت تتوقى قتل الضعيف والصغير والمرأة والرجل أو ليس قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجه السرية فيقاتل فيكون في ذلك نحو ما كرهت فقال إن أولئك كانوا مشركين كلهم وهؤلاء أهل ملتنا ودعوتنا وقبلتنا حكمهم غير حكم أولئك فاتبع إبراهيم رأيه ولم يأذن له وسار إبراهيم حتى نزل باخمرى وذكر خالد بن أسيد الباهلى أنه لما نزلها أرسل إليه سلم بن قتيبة حكيم بن عبد الكريم إنك قد أصحرت ومثلك أنفس به عن الموت فخندق على نفسك حتى لا تؤتى إلا من مأتى واحد فان أنت لم تفعل فقد أعرى أبو جعفر عسكره فتخفف في طائفة حتى تأتيه فتأخذ بقفاه قال فدعا ابراهيم أصحابه فعرض ذلك عليهم فقالوا نختدق على أنفسنا ونحن ظاهرون عليهم لا والله لا نفعل قال فنأتيه قالوا ولم وهو في أيدينا متى أردناه فقال إبراهيم لحكيم قد تسمع فارجع راشدا فذكر إبراهيم بن سلم أن أخاه حدثه عن أيه قال لما التقينا صف لهم أصحابنا فخرجت من صفهم فقلت لابراهيم إن الصف إذا انهزم بعضه تداعى فلم يكن لهم نظام فاجعلهم كراديس فإن انهزم كردوس ثبت كردوس فتنادوا لا إلا قتال أهل الاسلام يريدون قوله تعالى " يقاتلون في سبيله صفا " وذكر يحيى بن شكر مولى محمد بن سليمان قال قال المضاء لما نزلنا باخمرى أتيت إبراهيم فقلت له إن هؤلاء القوم مصبحوك بما يسد عليك مغرب الشمس من السلاح والكراع وإنما معك رجال عراة من أهل البصرة فدعني أبيته فوالله لاشتتن جموعه فقال إنى أكره القتل فقلت تريد الملك وتكره القتل * وحدثني الحارث قال حدثنى ابن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال لما بلغ إبراهيم قتل أخيه محمد بن عبد الله خرج يريد أبا جعفر المنصور بالكوفة فكتب أبو جعفر إلى عيسى بن موسى يعلمه ذلك ويأمره أن يقبل إليه فوافاه رسول أبى جعفر وكتابه وقد أحرم بعمرة فرفضها

[ 260 ]

وأقبل إلى أبى جعفر فوجهه في القواد والجند والسلاح إلى إبراهيم بن عبد الله وأقبل إبراهيم ومعه جماعة كثيرة من أفناء الناس أكثر من جماعة عيسى بن موسى فالتقوا بباخمرى وهى على ستة عشر فرسخا من الكوفة فاقتتلوا بها قتالا شديدا وانهزم حميد بن قحطبة وكان على مقدمة عيسى بن موسى وانهزم الناس معه فعرض لهم عيسى بن موسى يناشدهم الله والطاعة فلا يلوون عليه ومروا منهزمين وأقبل حيمد بن قحطبة منهزما فقال له عيسى بن موسى يا حميد الله الله والطاعة فقال لا طاعة في الهزيمة ومر الناس كلهم حتى لم يبق منهم أحد بين يدى عيسى بن موسى وعسكر إبراهيم بن عبد الله فثبت عيسى بن موسى في مكانه الذى كان فيه لا يزول وهو في مائة رجل من خاصته وحشمه فقيل له أصلح الله الامير لو تنحيت عن هذا المكان حتى يثوب اليك الناس فتكربهم فقال لا أزول عن مكاني هذا أبدا حتى أقتل أو يفتح الله على يدى ولا يقال انهزم وذكر عبد الرحيم بن جعفر بن سليمان بن على أن إسحاق بن عيسى بن على حدثه أنه سمع عيسى بن موسى يحدث أباه أنه قال لما أراد أمير المؤمنين توجيهي إلى إبراهيم قال ان هؤلاء الخبثاء يعنى المنجمين يزعمون أنك لا قى الرجل وأن لك جولة حين تلقاه ثم يفئ اليك أصحابك وتكون العاقبة لك قال فوالله لكان كما قال ما هو إلا أن التقينا فهزمونا فلقد رأيتنى وما معى الا ثلاثة أو أربعة فأقبل على مولى لى كان ممسكا بلجام دابتي فقال جعلت فداك علام تقيم وقد ذهب أصحابك فقلت لا والله لا ينظر أهل بيتى إلى وجهى أبدا وقد انهزمت عن عدوهم قال فوالله لكان أكثر ما عندي أن جعلت أقول لمن مربى ممن أعرف من المنهزمين أقرئوا أهل بيتى منى السلام وقولوا لهم إنى لم أجد فداء أفديكم به أعز على من نفسي وقد بذلتها دونكم قال فوالله انا لعلى ذلك والناس منهزمين ما يلوى أحد على أحد وصمد ابنا سليمان جعفر ومحمد لابراهيم فخرجا عليه من ورائه ولا يشعر من بأعقابنا من أصحاب ابراهيم حتى نظر بعضهم إلى بعض وإذا القتال من ورائهم فكروا نحوه وعقبنا في آثارهم راجعين فكانت اياها قال فسمعت عيسى بن موسى يومئذ يقول لابي فوالله يا أبا العباس لولا ابنا سليمان

[ 261 ]

يومئذ لا فتضحنا وكان من صنع الله ان أصحابنا لما انهزموا يومئذ اعترض لهم نهر ذوثنيتين مرتفعتين فحالتا بينهم وبين الوثوب ولم يجدوا مخاضة فكروا راجعين بأجمعهم فذكر عن محمد بن اسحاق بن مهران أنه قال كان بباخمرى ناس من آل طلحة فمخروها على ابراهيم وأصحابه وبثقوا الماء فأصبح أهل عسكره مرتطمين في الماء وقد زعم أن ابراهيم هو الذى مخر ليكون قتاله من وجه واحد فلما انهزموا منعهم الماء من الفرار فلما انهزم أصحاب ابراهيم وثبت ابراهيم ثبت معه جماعة من أصحابه يقاتلون دونه اختلف في مبلغ عددهم فقال بعضهم كانوا خمسمائة وقال بعضهم كانوا أربعمائة وقال بعضهم بل كانوا سبعين * فحدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال قال محمد بن عمر لما انهزم أصحاب عيسى بن موسى وثبت عيسى مكانه أقبل ابراهيم بن عبد الله في عسكره يدنو ويدنو غبار عسكره حتى يراه عيسى ومن معه فبيناهم على ذلك إذا فارس قد أقبل وكر راجعا يجرى نحو ابراهيم لا يعرج على شئ فإذا هو حميد بن قحطبة قد غير لامته وعصب رأسه بعصابة صفراء فكر الناس يتبعونه حتى لم يبق أحد ممن كان انهزم إلا كر راجعا حتى خالطوا القوم فقاتلوهم قتالا شديدا حتى قتل الفريقان بعضهم بعضا وجعل حميد بن قحطبة يرسل بالرؤوس إلى عيسى بن موسى إلى أن أتى برأس ومعه جماعة كثيرة وضجة وصياح فقالوا رأس ابراهيم بن عبد الله فدعا عيسى بن موسى ابن أبى الكرام الجعفري فأراه إياه فقال ليس هذا وجعلوا يقتتلون يومهم ذلك إلى أن جاء سهم عائر لا يدرى من رمى به فوقع في حلق إبراهيم بن عبد الله فنحره فتنحى عن موقفه وقال أنزلوني فأنزلوه عن مركبه وهو يقول " وكان أمر الله قدرا مقدورا " أردنا أمرا وأراد الله غيره فأنزل إلى الارض وهو مثخن واجتمع عليه أصحابه وخاصته يحمونه ويقاتلون دونه ورأى حميد بن قحطبة اجتماعهم فأنكرهم فقال لاصحابه شدوا على تلك الجماعة حتى تزيلوهم عن موضعهم وتعلموا ما اجتمعوا عليه فشدوا عليهم فقاتلوهم أشد القتال حتى أفرجوهم عن إبراهيم وخلصوا إليه فحزوا رأسه فأتوا به عيسى بن موسى فأراه ابن أبى الكرام الجعفري فقال نعم هذا رأسه

[ 262 ]

فنزل عيسى إلى الارض فسجد وبعث برأسه إلى أبى جعفر المنصور وكان قتله يوم الاثنين لخمس ليال بقين من ذى القعدة سنة 145 وكان يوم قتل ابن ثمان وأربعين سنة ومكث منذ خرج إلى أن قتل ثلاثة أشهر إلا خمسة أيام وذكر عبد الحميد أنه سأل أبا صلابة كيف قتل إبراهيم قال إنى لانظر إليه واقفا على دابة ينظر إلى أصحاب عيسى قدولوا ومنحوه أكتافهم ونكص عيسى بدابته القهقرى وأصحابه يقتلونهم وعليه قباء زرد فآذاه الحر فحل أزرار قبائه فشال الزرد حتى سال عن ثدييه وحسر عن لبته فأتته نشابة عائرة فأصابته في لبته فرأيته اعتنق فرسه وكر راجعا وأطافت به الزيدية وذكر إبراهيم بن محمد بن أبى الكرام قال حدثنى أبى قال لما انهزم أصحاب عيسى تبعتهم رايات إبراهيم في آثارهم فنادى منادى إبراهيم ألا لا تتبعوا مدبرا فكرت الرايات راجعة ورآها أصحاب عيسى فخالوهم انهزموا فكروا في آثارهم فكانت الهزيمة وذكر أن أبا جعفر لما بلغته جولة أصحاب عيسى عزم على الرحيل إلى الرى فذكر سلم بن فرقد حاجب سليمان بن مجالد أنه قال لما التقوا هزم أصحاب عيسى هزيمة قبيحة حتى دخل أوائلهم الكوفة فأتاني صديق لى كوفى فقال أيها الرجل تعمل والله لقد دخل أصحابك الكوفة فهذا أخو أبى هريرة في دار فلان وهذا فلان في دار فلان فانظر لنفسك وأهلك ومالك قال فأخبرت بذلك سليمان بن مجالد فأخبر به أبا جعفر فقال لا تكشفن من هذا شيئا ولا تلتفتن إليه فانى لا آمن أن يهجم على ما أكره وأعدد على كل باب من أبواب المدينة إبلا ودواب فان أتينا من ناحية صرنا إلى الناحية الاخرى فقيل لسلم إلى أين أراد أبو جعفر يذهب إن دهمه أمر قال كان عزم على إتيان الرى فبلغني أن نيبخت المنجم دخل على أبى جعفر فقال يا أمير المؤمنين الظفر لك وسيقتل إبراهيم فلم يقبل ذلك منه فقال له احبسني عندك فان لم يكن الامر كما قلت لك فاقتلني فبينا هو كذلك إذ جاءه الخبر بهزيمة إبراهيم فتمثل ببيت معقر بن أوس بن حمار البارقى فألقت عصاها واستقرت بها النوى * كما قر عينا بالاياب المسافر

[ 263 ]

فأفطع أبو جعفر نيبخت ألفى جريب بنهر جوبر فذكر أبو نعيم الفضل بن دكين أن أبا جعفر لما أصبح من الليلة التى أتى فيها برأس إبراهيم وذلك ليلة الثلاثاء لخمس بقين من ذى القعدة أمر برأسه فنصب رأسه في السوق وذكر أن أبا جعفر لما أتى برأسه فوضع بين يديه بكى حتى قطرت دموعه على خد إبراهيم تم قال أما والله إن كنت لهذا لكارها ولكنك ابتليت بى وابتليت بك وذكر عن صالح مولى المنصور أن المنصور لما أتى برأس إبراهيم بن عبد الله وضعه بين يديه وجلس مجلسا عاما وأذن للناس فكان للداخل يدخل فيسلم ويتناول إبراهيم فيسئ القول فيه ويذكر منه القبيح التماسا لرضى أبى جعفر وأبو جعفر ممسك متغير لونه حتى دخل جعفر بن حنظلة البهرانى فوقف فسلم ثم قال عظم الله أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمك وغفر له ما فرط فيه من حقك فاصفر لون أبى جعفر وأقبل عليه فقال أبا خالد مرحبا وأهلا ههنا فعلم الناس أن ذلك قد وقع منه فدخلوا فقالوا مثل ما قال جعفر بن حنظلة (وفى هذه السنة) خرجت الترك والخزر بباب الابواب فقتلوا من المسلمين بأرمينية جماعة كثيرة (وحج) بالناس في هذه السنة السرى بن عبد الله بن الحارث بن العباس بن عبد المطلب وكان عامل أبى جعفر على مكة وكان وإلى المدينة في هذه السنة عبد الله بن الربيع الحارثى ووالى الكوفة وأرضيها عيسى بن موسى ووالى البصرة سلم بن قتيبة الباهلى وكان على قضائها عباد بن منصور وعلى مصر يزيد بن حاتم ثم دخلت سنة ست وأربعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك استتمام أبى جعفر مدينته بغداد ذكر محمد بن عمر أن أبا جعفر تحول من مدينة ابن هبيرة إلى بغداد في صفر سنة 146 فنزلها وبنى مدينتها

[ 264 ]

ذكر الخبر عن صفة بنائه إياها قد ذكرنا قبل السبب الباعث لابي جعفر على بنائها والسبب الذى من أجله اختار البقعة التى بنى فيها مدينته ونذكر الآن صفة بنائه إياها: ذكر عن رشيد أبى داود بن رشيد أن أبا جعفر شخص إلى الكوفة حين بلغه خروج محمد بن عبد الله وقد هيأ لبناء مدينة بغداد ما يحتاج إليه من خشب وساج وغير ذلك واستخلف حين شخص على إصلاح ما أعد لذلك مولى له يقال له أسلم فبلغ أسلم أن إبراهيم بن عبد الله قد هزم عسكر أبى جعفر فأحرق ما كان خلفه عليه أبو جعفر وساج وخشب خوفا أن يؤخذ منه ذلك إذا غلب مولاه فلما بلغ أبا جعفر ما فعل من ذلك مولاه اسلم كتب إليه يلومه على ذلك فكتب إليه أسلم يخبر أنه خاف أن يظفر بهم إبراهيم فيأخذه فلم يقل له شيئا وذكر عن إسحق بن إبراهيم الموصلي عن أبيه قال لما أراد المنصور بناء مدينة بغداد شاور أصحابه فيها وكان ممن شاوره فيها خالد بن برمك فأشار بها فذكر عن على بن عصمة أن خالد بن برمك خط مدينة أبى جعفر له وأشار بها عليه فلما احتاج إلى الانقاض قال له ما ترى في نقض بناء مدينة إيوان كسرى بالمدائن وحمل نقضه إلى مدينتي هذه قال لا أرى ذلك يا أمير المؤمنين قال ولم قال لانه علم من أعلام الاسلام يستدل به الناظر إليه على أنه لم يكن ليزال مثل أصحابه عنه بأمر دنيا وانما هو على أمر دين ومع هذا يا أمير المؤمنين فان فيه مصلى على ابن أبى طالب صلوات الله عليه قال هيهات يا خالد أبيت إلا الميل إلى أصحابك العجم وأمر أن ينقض القصر الابيض فنقضت ناحية منه وحمل نقضه فنظر في مقدار ما يلزمهم للنقض والحمل فوجدوا ذلك أكثر من ثمن الجديد لو عمل فرفع ذلك إلى المنصور فدعا بخالد بن برمك فأعلمه ما يلزمهم في نقضه وحمله وقال له ما ترى قال يا أمير المؤمنين قذ كنت أرى قبل أن لا تفعل فاما إذا فعلت فانى أرى أن تهدم الآن حتى تلحق بقواعده لئلا يقال إنك قد عجزت عن هدمه فأعرض المنصور عن ذلك وأمر أن لا يهدم فقال موسى بن داود المهندس قال لى المأمون وحدثني بهذا الحديث يا موسى إذا بنيت لى بناء فاجعله ما يعجز عن هدمه ليبقى

[ 265 ]

طلله ورسمه وذكر أن أبا جعفر احتاج إلى الابواب للمدينة فزعم أبو عبد الرحمن الهمانى أن سليمان بن داود كان بنى مدينة بالقرب من موضع بناء الحجاج واسط يقال لها الزندورد واتخذت له الشياطين لها خمسة أبواب من حديد لا يمكن الناس اليوم عمل مثلها فنصبها عليها فلم تزل عليها إلى أن بنى الحجاج واسط وخربت تلك المدينة فنقل الحجاج أبوابها فصيرها على مدينته بواسط فلما بنى أبو جعفر المدينة أخذ تلك الابواب فنصبها على المدينة فهى عليها إلى اليوم وللمدينة ثمانية أبواب أربعة داخلة وأربعة خارجة فصار على الداخلة أربعة أبواب من هذه الخمسة وعلى باب القصر الخارج الخامس منها وصير على باب خراسان الخارج بابا جئ به من الشأم من عمل الفراعنة وصير على باب الكوفة الخارج بابا جئ به من الكوفة كان عمله خالد بن عبد الله القسرى وأمر باتخاذ باب لباب الشأم فعمل ببغداد فهو أضعف الابواب كلها وبنيت المدينة مدورة لئلا يكون الملك إذا نزل وسطها إلى موضع منها أقرب منه إلى موضع وجعل أبوابها أربعة على تدبير العساكر في الحروب وعمل لها سورين فالسور الداخل أطول من السور الخارج وبنى قصره في وسطها والمسجد الجامع حول القصر وذكر ان الحجاج بن أرطاة هو الذى خط مسجد جامعها بأمر أبى جعفر ووضع أساسه وقيل ان قبلتها على غير صواب وإن المصلى فيه يحتاج أن ينحرف إلى باب البصرة قليلا وإن قبلة مسجد الرصافة أصوب من قبلة مسجد المدينة لان مسجد المدينة بنى على القصر ومسجد الرصافة بنى قبل القصر وبنى القصر عليه فلذلك صار كذلك وذكر يحيى بن عبد الخالق أن أباه حدثه ان أبا جعفر ولى كل ربع من المدينة قائدا يتولى الاستحثاث على الفراغ من بناء ذلك الربع وذكر هارون بن زياد بن خالد بن الصلت قال أخبرني أبى قال ولى المنصور خالد ابن الصلت النفقة على ربع من أرباع المدينة وهى تبنى قال خالد فلما فرغت من بناء ذلك الربع رفعت إليه جماعة النفقة عليه فحسبها بيده فبقى على خمسة عشر درهما فحبسني بها في حبس الشرقية أياما حتى أديتها وكان اللبن الذى صنع لبناء المدينة اللبنة منها ذراعا في ذراع وذكر عن بعضهم أنه هدم من السور الذى يلى باب

[ 266 ]

المحول قطعة فوجد فيها لبنة مكتوبا عليها بمغرة وزنها مائة وسبعة عشرة رطلا قال فوزناها فوجدناها على ما كان مكتوبا عليها من الوزن وكانت مقاصير جماعة من قواد أبى جعفر وكتابه تشرع أبوابها إلى رحبة المسجد وذكر عن يحيى بن الحسن ابن عبد الخالق خال الفضل بن الربيع أن عيسى بن على شكا إلى أبى جعفر فقال يا أمير المؤمنين ان المشى يشق على من باب الرحبة إلى القصر وقد ضعفت قال فتحمل في محفة قال إنى أستحيى من الناس قال وهل بقى أحد يستحيا منه قال يا أمير المؤمنين فأنزلني منزلة راوية من الراويا قال وهل يدخل المدينة راوية أو راكب قال فأمر الناس بتحويل أبوابهم إلى فصلان الطاقات فكان لا يدخل الرحبة أحد إلا ماشيا قال ولما أمر المنصور بسد الابواب مما يلى الرحبة وفتحها إلى الفصلان صيرت الاسواق في طاقات المدينة الاربع في كل واحد سوق فلم تزل على ذلك مدة حتى قدم عليه بطريق من بطارقة الروم وافدا فأمر الربيع ان يطوف به في المدينة وما حولها ليرى العمران والبناء فطاف به الربيع فلما انصرف قال كيف رأيت مدينتي وقد كان أصعد إلى سور المدينة وقباب الابواب قال رأيت بناء حسناء إلا انى قد رأيت أعداءك معك في مدينتك قال ومن هم قال السوقة قال فأضب عليها أبو جعفر فلما انصرف البطريق أمر بإخراج السوق من المدينة وتقدم إلى ابراهيم بن حبيش الكوفى وضم إليه جواس بن المسيب اليماني مولاه وأمرهما أن يبنيا الاسواق ناحية الكرخ ويجعلاها صفوفا وبيوتا لكل صنف وأن يدفعاها إلى الناس فلما فعلا ذلك حول السوق من المدينة إليها ووضع عليهم الغلة على قدر الذرع فلما كثر الناس بنوا في مواضع من الاسواق لم يكن رغب في البناء فيها ابراهيم بن حبيش وجواس لانها لم تكن على تقدير الصفوف من أموالهم فألزموا من الغلة أقل مما ألزم الذين نزلوا في بناء السلطان وذكر بعضهم أن السبب في نقل أبى جعفر التجار من المدينة إلى الكرخ وما قرب منها مما هو خارج المدينة انه قيل لابي جعفر إن الغرباء وغيرهم يبيتون فيها ولا يؤمن أن يكون فيهم جواسيس ومن يتعرف الاخبار أو أن يفتح أبواب

[ 267 ]

المدينة ليلا لموضع السوق فأمر بإخراج السوق من المدينة وجعلها للشرط والحرس وبنى للتجار بباب طاق الحرانى وباب الشأم والكرخ وذكر عن الفضل بن سليمان الهاشمي عن أبيه أن سبب نقله الاسواق من مدينة السلام ومدينة الشرقية إلى باب الكرخ وباب الشعير وباب المحول أن رجلا كان يقال له أبو زكرياء يحيى بن عبد الله ولا المنصور حسبة بغداد والاسواق سنة 157 والسوق في المدينة وكان المنصور يتبع من خرج مع محمد وابراهيم ابني عبد الله ابن حسن وقد كان لهذا المحتسب معهم سبب فجمع على المنصور جماعة استغواهم من السفلة فشغبوا واجتمعوا فأرسل المنصور إليهم أبا العباس الطوسى فسكنهم وأخذ أبا زكرياء فحبسه عنده فأمره أبو جعفر بقتله فقتله بيده حاجب كان لابي العباس الطوسى يقال له موسى على باب الذهب في الرحبة بأمر المنصور وأمر أبو جعفر بهدم ما شخص من الدور في طريق المدينة ووضع الطريق على مقدار أربعين ذراعا وهدم ما زاد على ذلك المقدار وأمر بنقل الاسواق إلى الكرخ وذكر عن أبى جعفر أنه لما أمر بإخراج التجار من المدينة إلى الكرخ كلمه أبان بن صدقة في بقال فأجابه إليه على أن لا يبيع إلا الخل والبقل وحده ثم أمر أن يجعل في كل ربع بقال واحد على ذلك المثال وذكر عن على بن محمد أن الفضل بن الربيع حدثه أن المنصور لما فرغ من بناء قصره بالمدينة دخله فطاف فيه واستحسنه واستنظفه وأعجبه ما رأى فيه غير أنه استكثره ما أنفق عليه قال ونظر إلى موصع فيه استحسنه جدا فقال لى اخرج إلى الربيع فقل له اخرج إلى المسيب فقل له يحضرني الساعه بناء فارها قال فخرجت إلى المسيب فأخبرته فبعث إلى رئيس البنائين فدعاه فأدخله على أبى جعفر فلما وقف بين يديه قال له كيف عملت لاصحابنا في هذا القصر وكم أخذت من الاجرة لكل ألف آجرة ولبنة فبقى البناء لا يقدر على أن يرد عليه شيئا فخافه المسيب فقال له المنصور مالك لا تكلم فقال لا علم لى يا أمير المؤمنين قال ويحك قل وأنت آمن من كل ما تخافه قال يا أمير المؤمنين لا والله ما أقف عليه ولا أعلمه قال فأخذ بيده وقال له تعال لا علمك الله

[ 268 ]

خيرا وأدخله الحجرة التى استحسنها فأراه مجلسا كان فيها فقال له أنظر إلى هذا المجلس وابن لى بإزائه طاقا يكون شبيها بالبيت لا تدخل فيه خشبا قال نعم يا أمير المؤمنين قال فأقبل البناء وكل من معه يتعجبون من فهمه بالبناء والهندسة فقال له البناء ما أحسن أن أجئ به على هذا ولا أقوم به على الذى تريد فقال له فأنا أعينك عليه قال فأمر بالآجر والجص فجئ به ثم أقبل يحصى جميع ما دخل في بناء الطاق من الآجر والجص ولم يزل كذلك حتى فرغ منه في يومه وبعض اليوم الثاني فدعا بالمسيب فقال له ادفع إليه أجره على حسب ما عمل معك قال فحاسبه المسيب فأصابه خمسة دراهم فاستكثر ذلك المنصور وقال لا أرضى بذلك فلم يزل به حتى نقصه درهما ثم أخذ المقادير ونظر مقدار الطاق من الحجرة حتى عرفه ثم أخذ الوكلاء والمسيب يحملان النفقات وأخذ معه الامناء من البنائين والمهندسين حتى عرفوه قيمة ذلك فلم يزل يحسبه شيئا شيئا وحملهم على ما رفع في أجرة بناء الطاق فخرج على المسيب مما في يده ستة آلاف درهم ونيف فأخذه بها واعتقله فما برح من القصر حنى أداها إليه وذكر عن عيسى بن المنصور أنه قال وجدت في خزائن أبى المنصور في الكتب أنه أنفق على مدينة السلام وجامعها وقصر الذهب بها والاسواق والفصلان والخنادق وقبابها وأبوابها أربعة آلاف ألف وثمانمائة وثلاثة وثلاثين درهما ومبلغها من الفلوس مائة ألف ألف فلس وثلاثة وعشرون ألف فلس وذلك أن الاستاذ من البنائين كان يعمل يومه بقيراط فضة والروز كارى بحبتين إلى ثلاث حبات (وفى هذه السنة) عزل المنصور عن البصرة سلم بن قتيبة وولاها محمد بن سليمان بن على ذكر الخبر عن سبب عزله إياه ذكر عبد الملك بن شيبان أن يعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن الهاشمي قال كتب أبو جعفر إلى سلم بن قتيبة لما ولاه البصرة أما بعد فاهدم دور من خرج مع إبراهيم واعقر نخلهم فكتب إليه سلم بأى ذلك أبدأ أبا لدور أم بالنخل فكتب إليه أبو جعفر أما بعد فقد كتبت إليك آمرك بإفساد تمرهم فكتبت تستأذننى في

[ 269 ]

أية تبدأ به بالبرنى أم بالشهريز وعزله وولى محمد بن سليمان فقدم فعاث وذكر عن يونس بن نجدة قال قدم علينا سلم بن قتيبة أميرا بعد الهزيمة على شرطه أبو برقة يزيد بن سلم فأقام بها سلم أشهرا خمسة ثم عزل وولى علينا محمد بن سليمان قال عبد الملك بن شيبان هدم محمد بن سليمان لما قدم دار يعقوب بن الفضل ودار أبى مروان في بنى يشكر ودار عون بن مالك ودار عبد الواحد بن زياد ودار الخليل بن الحصين في بنى عدى ودار عفو الله بن سفيان وعقر نخلهم وغزا الصائفة في هذه السنة جعفر بن حنظلة البهرانى (وفى هذه السنة) عزل عن المدينة عبد الله بن الربيع وولى مكانه جعفر بن سليمان فقدمها في شهر ربيع الاول وعزل أيضا في هذه السنة عن مكة السرى بن عبد الله ووليها عبد الصمد بن على (وحج) بالناس في هذه السنة عبد الوهاب بن ابراهيم بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس كذلك قال محمد بن عمر وغيره ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائة ذكر الاخبار عن الاحداث التى كانت فيها فمما كان فيها من ذلك إغارة استرخان الخوارزمي في جمع من الترك على المسلمين بناحية أرمينية وسبيه من المسلمين وأهل الذمة خلقا كثيرا ودخولهم تفليس وقتلهم حرب بن عبد الله الراوندي الذى تنسب إليه الحربية بغداد وكان حرب هذا فيما ذكر مقيما بالموصل في ألفين من الجند لمكان الخوارج الذين بالجزيرة وكان أبو جعفر حين بلغه تحزب الترك فيما هناك وجه إليهم لحربهم جبرئيل بن يحيى وكتب إلى حرب يأمره بالمسير معه فسار معه حرب فقتل حرب وهزم جبرئيل وأصيب من المسلمين من ذكرت (وفى هذه السنة) كان مهلك عبد الله بن على بن عباس (واختلفوا) في سبب هلاكه فقال بعضهم ما ذكره على بن محمد النوفلي عن أبيه أن أبا جعفر حج سنة 147 بعد تقدمته المهدى على عيسى بن موسى بأشهر وقد كان عزل عيسى بن موسى عن الكوفة وأرضها وولى مكانه محمد بن سليمان

[ 270 ]

ابن على وأوفده إلى مدينة السلام فدعا به فدفع إليه عبد الله بن على سرا في جوف الليل ثم قال له يا عيسى إن هذا أراد أن يزيل النعمة عنى وعنك وأنت ولى عهدي بعد المهدى والخلافة صائرة إليك فخذه إليك فاضرب عنقه وإياك أن تخور أو تضعف فتنقض على أمرى الذى دبرت ثم مضى لوجهه وكتب إليه من طريقه ثلاث مرات يسأله ما فعل في الامر الذى أو عز إليه فيه فكتب إليه قد أنفذت ما أمرت به فلم يشك أبو جعفر في أنه قد فعل ما أمره به وأنه قد قتل عبد الله بن على فكان عيسى حين دفعه إليه ستره ودعا كاتبه يونس بن فروة فقال له إن هذا الرجل دفع إلى عمه وأمرني فيه بكذا وكذا فقال له أراد أن يقتلك ويقتله أمرك بقتله سرا ثم يدعيه عليك علانية ثم يقيدك به قال فما الرأى قال الرأى أن تستره في منزلك فلا تطلع على أمره أحدا فان طلبه منك علانية دفعته إليه علانية ولا تدفعه إليه سرا أبدا فانه وإن كان أسره اليك فان أمره سيظهر ففعل ذلك عيسى وقدم المنصور ودس إلى عمومته من يحركهم على مسألته هبة عبد الله بن على لهم ويطمعهم في أنه سيفعل فجاؤا إليه وكلموه ورققوه وذكروا له الرحم وأظهروا له رقة فقال نعم على بعيسى بن موسى فأتاه فقال له يا عيسى قد علمت أنى دفعت اليك عمى وعمك عبد الله بن على قبل خروجي إلى الحج وأمرتك أن يكون في منزلك قال قد فعلت ذلك يا أمير المؤمنين قال فقد كلمني عمومتك فيه فرأيت الصفح عنه وتخلية سبيله فأتنا به فقال يا أمير المؤمنين ألم تأمرني بقتله فقتلته قال ما أمرتك بقتله إنما أمرتك بحبسه في منزلك قال قد أمرتنى بقتله قال له المنصور كذبت ما أمرتك بقتله ثم قال لعمومته إن هذا قد أقر لكم بقتل أخيكم وادعى أنى أمرته بذلك وقد كذب قالوا فادفعه الينا نقتله به قال شأنكم به فأخرجوه إلى الرحبة واجتمع الناس وشهر الامر فقام أحدهم فشهر سيفه وتقدم إلى عيسى ليضربه فقال له عيسى أفاعل أنت قال إى والله قال لا تعجلوا ردوني إلى أمير المؤمنين فردوه إليه فقال انما أردت بقتله أن تقتلني هذا عمك حى سوى إن أمرتنى بدفعه اليك دفعته قال ائتنا به فأتاه به فقال له عيسى دبرت على أمرا فخشيته فكان كما خشيت شأنك وعمك قال يدخل حتى

[ 271 ]

أرى رأيى ثم انصرفوا ثم أمر به فجعل في بيت أساسه ملح وأجرى في أساسه الماء فسقط عليه فمات فكان من أمره ما كان وتوفى عبد الله بن على في هذه السنة ودفن في مقابر باب الشأم فكان أول من دفن فيها وذكر عن ابراهيم بن عيسى ابن المنصور بن برية أنه قال كانت وفاة عبد الله بن على في الحبس سنة 147 وهو ابن اثنتين وخمسين سنة قال ابراهيم بن عيسى لما توفى عبد الله بن على ركب المنصور يوما ومعه عبد الله بن عياش فقال له وهو يجاريه أتعرف ثلاثة خلفاء أسماؤهم على العين مبدؤها قتلوا ثلاثة خوارج مبدؤ أسمائهم العين قال لا أعرف إلا ما تقول العامة إن عليا قتل عثمان وكذبوا وعبد الملك بن مروان قتل عبد الرحمن ابن محمد بن الاشعث وعبد الله بن الزبير وعمرو بن سعيد وعبد الله بن على سقط عليه البيت فقال له المنصور فسقط على عبد الله بن على البيت فأنا ما ذنبي قال ما قلت إن لك ذنبا (وفى هذه السنة) خلع المنصور عيسى بن موسى وبايع لابنه المهدى وجعله ولى عهد من بعده وقال بعضهم ثم من بعده عيسى بن موسى ذكر الخبر عن سبب خلعه إياه وكيف كان الامر في ذلك (اختلف) في الذى وصل به أبو جعفر إلى خلعه فقال بعضهم السبب الذى وصل به أبو جعفر إلى ذلك هو أن أبا جعفر أقر عيسى بن موسى بعد وفاة أبى العباس على ما كان أبو العباس ولاه من ولاية الكوفة وسوادها وكان له مكرما مجلا وكان إذا دخل عليه أجلسه عن يمينه وأجلس المهدى عن يساره فكان ذلك فعله به حتى عزم المنصور على تقديم المهدى في الخلافة عليه وكان أبو العباس جعل الامر من بعده لابي جعفر ثم من بعد أبى جعفر لعيسى بن موسى فلما عزم المنصور على ذلك كلم عيسى بن موسى في تقديم ابنه عليه برفيق من الكلام فقال عيسى يا أمير المؤمنين فكيف بالايمان والمواثيق التى على وعلى المسلمين لى من العتق والطلاق وغير ذلك من مؤكد الايمان ليس إلى ذلك سبيل يا أمير المؤمنين فلما رأى أبو جعفر امتناعه تغير لونه وباعده بعض المباعدة وأمر بالاذن للمهدى قبله فكان يدخل فيجلس عن يمين المنصور في مجلس عيسى ثم يؤذن لعيسى

[ 272 ]

فيدخل فيجلس دون مجلس المهدى عن يمين المنصور أيضا ولا يجلس عن يساره في المجلس الذى كان يجلس فيه المهدى فيغتلظ من ذلك المنصور ويبلغ منه فيأمر بالاذن للمهدى ثم يأمر بعده بالاذن لعيسى بن على فيلبث هنيهة ثم عبد الصمد ابن على ثم يلبث هنيهة ثم عيسى بن موسى فإذا كان بعد ذلك قدم في الاذن للمهدى على كل حال ثم يخلط في الآخرين فيقدم بعض من أخر ويؤخر بعض من قدم ويوهم عيسى بن موسى أنه انما يبدأ بهم لحاجة تعرض ولمذا كرتهم بالشئ من أمره ثم يؤذن لعيسى بن موسى من بعدهم وهو في ذلك كله صامت لا يشكو منه شيئا ولا يستعتب ثم صار إلى أغلظ من ذلك فكان يكون في المجلس معه بعض ولده فيسمع الحفر في أصل الحائط فيخاف أن يخر عليه الحائط وينتثر عليه التراب وينظر إلى الخشبة من سقف المجلس قد حفر عن أحد طرفيها لتقلع فيسقط التراب على قلنسوته وثيابه فيأمر من معه من ولده بالتحويل ويقوم هو فيصلى ثم يأتيه الاذن فيقوم فيدخل بهيئته والتراب عليه لا ينفضه فإذا رآه المنصور قال له يا عيسى ما يدخل على أحد بمثل هيئتك من كثرة الغبار عليك والتراب أفكل هذا من الشارع فيقول أحسب ذلك يا أمير المؤمنين وإنما يكلمه المنصور بذلك ليستطعمه أن يشكو إليه شيئا فلا يشكو وكان المنصور قد أرسل إليه في الامر الذى أراده منه عيسى بن على فكان عيسى بن موسى لا يحمد منه مدخله فيه كأنه كان يغرى به فقيل إنه دس لعيسى ابن موسى بع ما يتلفه فنهض من المجلس فقال له المنصور إلى أين يا أبا موسى قال أجد غمزا يا أمير المؤمنين قال ففى الدار إذا قال الذى أجده أشد مما أقيم معه في الدار قال فإلى أين قال إلى المنزل ونهض فصار إلى حراقته ونهض المنصور في أثره إلى الحراقة متفزعا له فاستأذنه عيسى في المصير إلى الكوفة فقال بل تقيم فتعالج ههنا فأبى وألح عليه فأذن له وكان الذى جرأه على ذلك طبيبه بختيشوع أبو جبرئيل وقال إنى والله ما أجترئ على معالجتك بالحضرة وما آمن على نفسي فأذن له المنصور وقال له أنا على الحج في سنتى هذه فأنا مقيم عليك بالكوفة حتى تفيق إن شاء الله وتقارب وقت الحج فشخص المنصور حتى صار بظهر الكوفة في موضع يدعى

[ 273 ]

الرصافة فأقام بها أيام فآجرى هناك الخيل وعاد عيسى غير مرة ثم رجع إلى مدينة السلام ولم يحج واعتل بقلة الماء في الطريق وبلغت العلة من عيسى بن موسى كل مبلغ حتى تمعط شعره ثم أفاق من علته تلك فقال فيه يحيى بن زياد بن أبى حزابة البرجمى أبو زياد أفلت من شربة الطبيب كما * أفلت ظبى الصريم من فتره من قانص ينفذ الفريص إذا * ركب سهم الحتوف في وتره دافع عنك المليك صولة لي‍ * - ث يريد الاسد في ذرى خمر حتى أتانا وفيه داخلة * تعرف في سمعه وفى بصره أزعر قد طار عن مفارقه * وحف أثيث النبات من شعره وذكر أن عيسى بن على كان يقول للمنصور إن عيسى بن موسى إنما يمتنع من البيعة للمهدى لانه يربص هذا الامر لابنه موسى فموسى الذى يمنعه فقال المنصور لعيسى بن على كلم موسى بن عيسى وخوفه على أبيه وعلى ابنه فكلم عيسى بن على موسى في ذلك فأيأسه فتهدده وحذره غضب المنصور فلما وجل موسى وأشفق وخاف أن يقع به المكروه أتى العباس بن محمد فقال أي عم إنى مكلمك بكلام لا والله ما سمعه منى أحد قط ولا يسمعه أحدا أبدا وإنما أخرجه منى إليك موضع الثقة بك والطمأنينة إليك وهو أمانة عندك فانما هي نفسي أنثلها في يدك قال قل يا ابن أخى فلك عندي ما تحبه قال أرى ما يسام أبى من إخراج هذا الامر من عنقه وتصييره للمهدى فهو يؤذى بصنوف الاذى والمكروه فيتهدد مرة ويؤخر أذنه مرة وتهدم عليه الحيطان مرة وتدس إليه الحتوف مرة فأبى لا يعطى على هذا شيئا لا يكون ذلك أبدا ولكن ههنا وجها فلعله يعطى عليه إن أعطى وإلا فلا قال فما هو يا ابن أخى فانك قد أصبت ورققت قال يقبل عليه أمير المؤمنين وأنا شاهد فيقول له يا عيسى انى أعلم أنك لست تضن بهذا الامر على المهدى لنفسك لتعالى سنك وقرب أجلك فانك تعلم أنه لا مدة لك تطول فيه وإنما تضن به لمكان ابنك موسى أفتراني أدع ابنك يبقى بعدك ويبقى ابني معه فيلى عليه كلا والله

[ 274 ]

لا يكون ذلك أبدا ولاثبن على ابنك وأنت تنظر حتى تيأس منه وآمن أن يلى على ابني أترى ابنك اثر عندي من ابني ثم يأمر بى فإما خنقت واما شهر على سيف فان أجاب إلى شئ فعسى أن يفعل بهذا السبب فأما بغيره فلا فقال العباس جزاك الله يا ابن أخى خيرا فقد فديت أباك بنفسك وآثرت بقاءه على حظك نعم الرأى رأيت ونعم المسلك سلكت ثم أتى أبا جعفر فأخبره الخبر فجزى المنصور موسى خيرا وقال قد أحسن وأجمل وسأفعل ما أشار به ان شاء الله فلما اجتمعوا وعيسى ابن على حاضر أقبل المنصور على عيسى بن موسى فقال يا عيسى انى لا أجهل مذهبك الذى تضمره ولا مداك الذى تجرى إليه في الامر الذى سألتك انما تريد هذا الامر لا بنك هذا المشؤم عليك وعلى نفسه فقال عيسى بن على يا أمير المؤمنين غمزني البول قال فندعو لك بإناء تبول فيه قال أفمجلسك يا أمير المؤمنين ذاك ما لا يكون ولكن أقرب البلاليع من أدل عليها فآتيها فأمر من يدله فانطلق فقال عيسى بن موسى لابنه موسى قم مع عمك فاجمع عليه ثيابه من ورائه وأعطه منديلا إن كان معك يتنشف به فلما جلس عيسى يبول جمع موسى عليه ثيابه من ورائه وهو لا يراه فقال من هذا فقال موسى بن عيسى فقال بأبى أنت وبأبى أب ولدك والله إنى لاعلم أنه لا خير في هذا الامر بعد كما إنكما لاحق به ولكن المرء مغرى مما تعجل فقال موسى في نفسه أمكننى والله هذا من مقاتله وهو الذى يغرى بأبى والله لاقتلنه بما قال لى ثم لا أبالى أن يقتلنى أمير المؤمنين بعده بل يكون في قتله عزاء لابي وسلو عنى إن قتلت فما رجعا إلى موضعهما قال موسى يا أمير المؤمنين اذكر لابي أمرا فسرده ذلك وظن أنه يريد أن يذاكره بعض أمرهم فقال قم فقام إليه فقال يا أبت إن عيسى بن على قد قتلك وإياى قتلات بما يبلغ عنا وقد أمكننى من مقاتله قال وكيف قال قال لى كيت وكيت فأخبر أمير المؤمنين فيقتله فتكون قد شفيت نفسك وقتلته قبل أن يقتلك وإياى ثم لا نبالي ما كان بعد فقال أف لهذا رأيا ومذهبا ائتمنك عمك على مقالة أراد أن يسرك بها فجعلتها سببا لمكروهه وتلفه لا يسمعن هذا منك أحد وعد إلى مجلسك

[ 275 ]

فقام فعاد وانتظر أبو جعفر أن يرى لقيامه إلى أبيه وكلامه أثرا فلم يره فعاد إلى وعيده الاول وتهدده فقال أما والله لاعجلن لك فيه ما يسوءك ويوئسك من بقائه بعدك أيا ربيع قم إلى موسى فاحنقه بحمائله فقام الربيع فضم حمائله عليه فجعل يخنقه بها خنقا رويدا وموسى يصيح الله الله يا أمير المؤمنين في وفى دمى فإنى لبعيد مما تظن بى وما يبالى عيسى أن تقتلني وله بضعة عشر نفرا ذكرا كلهم عنده مثلى أو يتقدمني وهو يقول اشدد يا ربيع ائت على نفسه والربيع يوهم أنه يريد تلفه وهو يراخى خناقه وموسى يصيح فلما رأى ذلك عيسى قال والله يا أمير المؤمنين ما ظننت أن الامر يبلغ منك هذا كله فمر بالكف عنه فإنى لم أكن لارجع إلى أهلى وقد قتل بسبب هذا الامر عبد من عبيدى فكيف با بنى فها أنا أشهدك أن نسائى طوالق ومماليكى أحرار وما أملك في سبيل الله تصرف ذلك فيمن رأيت يا أمير المؤمنين وهذه يدى بالبيعة للمهدى فأخذ بيعته له على ما أحب ثم قال يا أبموسى إنك قد قضيت حاجتى هذه كارها ولى حاجة أحب أن تقضيها طائعا فتغسل بها ما في نفسي من الحاجة الاولى قال وما هي يا أمير المؤمنين قال تجعل هذا الامر من بعد المهدى لك قال ما كنت لادخل فيها بعد إذ خرجت منها فلم يدعه هو ومن حضره من أهل بيته حتى قال يا أمير المؤمنين أنت أعلم فقال بعض أهل الكوفة ومر عليه عيسى في موكبه هذا الذى كان غدا فصار بعد غد وهذه القصة فيما قيل منسوبة إلى آل عيسى انهم يقولونها * وأما الذى يحكى عن غيرهم في ذلك فهو أن المنصور أراد البيعة للمهدى فكلم الجند في ذلك فكانوا إذا رأوا عيسى راكبا أسمعوه ما كره فشكا ذلك إلى المنصور فقال للجند لا تؤذوا ابن أخى فانه جلدة بين عينى ولو كنت تقدمت اليكم لضربت أعناقكم فكانوا يكفون ثم يعودون فمكث بذلك زمانا ثم كتب إلى عيسى بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عبد الله المنصور أمير المؤمنين إلى عيسى بن موسى سلام عليك فإنى أحمد اليك الله الذى لا إله إلا هو أما بعد فالحمد لله ذى المن القديم والفضل العظيم والبلاء الحسن الجميل الذى ابتدأ الخلق بعلمه وأنفذ القضاء بأمره فلا يبلغ مخلوق كنه حقه ولا ينال في عظمته كنه ذكره يدبر ما أراد من الامور بقدرته ويصدرها عن مشيئته لا قاضى فيها غيره

[ 276 ]

ولا نفاذلها إلا به يجريها على إذ لالها يستأمر فيها وزيرا ولا يشاور فيها معينا ولا يلتبس عليه شئ أراده يمضى قضاؤه فيما أحب العباد وكرهوا لا يستطيعون منه امتناعا ولا عن أنفسهم دفاعا رب الارض ومن عليها له الخلق والامر تبارك الله رب العالمين ثم انك قد علمت الحال التى كنا عليها في ولاية الظلمة كيف كانت قوتنا وحيلتنا لما اجترأ عليه أهل بيت اللعنة فيما أحببنا وكرهنا فصبرنا أنفسنا على ما دعونا إليه من تسليم الامور إلى من أسندوها إليه واجتمع رأيهم عليه نسام الخسف ونوطأ بالعسف لا ندع ظلما ولا نمنع ضيما ولا نعطى حقا ولا ننكر منكرا ولا نستطيع لها ولا لانفسنا نفعا حتى إذا بلغ الكتاب أجله وانتهى الامر إلى مدته وأذن الله في هلاك عدوه وارتاح بالرحمة لاهل بيت نبيه صلى الله عليه وسلم فابتعث الله لهم أنصارا يطلبون بثأرهم ويجاهدون عدوهم ويدعون إلى حبهم وينصرون دولتهم من أرضين متفرقة وأسباب مختلفة وأهواء مؤتلفة فجمعهم الله على طاعتنا وألف بين قلوبهم بمودتنا على نصرتنا وأعزهم بنصرنا لم نلق منهم رجلا ولم نشهر معهم سيفا إلا ما قذف الله في قلوبهم حتى ابتعثهم لنا من بلادهم ببصائر نافذة وطاعة خالصة يلقون الظفر ويعودون بالنصر وينصرون بالرعب لا يلقون أحدا إلا هزموه ولا واترا إلا قتلوه حتى بلغ الله بنا بذلك أقصى مدانا وغاية منانا ومنتهى آمالنا وإظهار حقنا واهلاك عدونا كرامة من الله جل وعزلنا وفضلا منه علينا بغير حول منا ولا قوة ثم لم نزل من ذلك في نعمة الله وفضله علينا حتى نشأ هذا الغلام فقذف الله له في قلوب أنصار الدين الذين ابتعثتهم لنا مثل ابتدائه لنا أول أمرنا واشرب قلوبهم مودته وقسم في صدورهم محبته فصاروا لا يذكرون الا فضله ولا ينوهون الا باسمه ولا يعرفون الا حقه فلما رأى أمير المؤمنين ما قذف الله في قلوبهم من مودته وأجرى على ألسنتهم من ذكره ومعرفتهم إياه بعلاماته واسمه ودعاء العامة إلى طاعته أيقنت نفس أمير المؤمنين أن ذلك أمر تولاه الله وصنعه لم يكن للعباد فيه أمر ولا قدرة ولا مؤامرة ولا مذاكرة للذى رأى أمير المؤمنين من اجتماع الكلمة وتتابع العامة حتى ظن أمير

[ 277 ]

المؤمنين أنه لولا معرفة المهدى بحق الابوة لافضت الامور إليه وكان أمير المؤمنين لا يمنع مما اجتمعت عليه العامة ولا يجد مناصا عن خلاص ما دعوا إليه وكان أشد الناس على أمير المؤمنين في ذلك الاقرب فالاقرب من خاصته وثقاته من حرسه وشرطه فلم يجد أمير المؤمنين بدا من استصلاحهم ومتابعتهم وكان أمير المؤمنين وأهل بيته أحق من سارع إلى ذلك وحرص عليه ورغب فيه وعرف فضله ورجا بركته وصدق الرواية فيه وحمد الله إذ جعل في ذريته مثل ما سألت الانبياء قبله إذ قال العبد الصالح " رب هب لى من لدنك وليا يرثنى ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا " فوهب الله لا مير المؤمنين وليا ثم جعله تقيا مباركا مهديا وللنبى صلى الله عليه وسلم سميا وسلب من انتحل هذا الاسم ودعا إلى تلك الشبهة التى تحير فيها أهل تلك النية وافتتن بها أهل تلك الشقوة فانتزع ذلك منهم وجعل دائرة السوء عليهم وأقر الحق قراره من أعلن للمهدى مناره وللدين أنصار فأحب أمير المؤمنين أن يعلمك الذى اجتمع عليه رأى رعيته وكنت في نفسه بمنزلة ولده يحب من سترك ورشدك وزينك ما يحب لنفسه وولده ويرى لك إذا بلغك من حال ابن عمك ما ترى من اجتماع الناس عليه أن يكون ابتداء ذلك من قبلك ليعلم أنصارنا من أهل خراسان وغيرهم انك أسرع إلى ما أحبوا مما عليه رأيهم في صلاحهم منهم إلى ذلك من أنفسهم وان ما كان عليه من فضل عرفوه للهدى أو أملوه فيه كنت أحظى الناس بذلك وأسرهم به لمكانه وقرابته فاقبل نصح أمير المؤمنين لك تصلح وترشد والسلام عليك ورحمة الله * فكتب إليه عيسى بن موسى جوابها (بسم الله الرحمن الرحيم) لعبد الله عبد الله أمير المؤمنين من عيسى بن موسى سلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله فإنى أحمد اليك الله الذى لا إله إلا هو أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه ما أجمعت عليه من خلاف الحق وركوب الاثم في قطيعة الرحم ونقض ما أخذ الله عليه من الميثاق من العامة بالوفاء للخلافة والعهد لى من بعدك لتقطع بذلك ما وصل الله من حبله وتفرق بين ما ألف الله جمعه وتجمع بين ما فرق الله أمره مكابرة لله في سمائه وحولا على الله في قضائه ومتابعة للشيطان في هواه ومن كابر الله صرعه ومن

[ 278 ]

نازعه قمعه ومن ما كره عن شئ خدعه ومن توكل على الله منعه ومن تواضع لله رفعه ان الذى أسس عليه البناء وخط عليه الحذاء من الخليفة الماضي عهد لى من الله وأمر نحن فيه سواء ليس لاحد من المسلمين فيه رخصة دون أحد فان وجب وفاء فيه فما الاول بأحق به من الآخر وإن حل من الآخر شئ فما حرم ذلك من الاول بل الاول الذى تلا خبره وعرف أثره وكشف عما ظن به وأمل فيه أسرع وكان الحق أولى بالذى أراد أن يصنع أولا فلا يدعك إلى الامن من البلاء اغترار بالله وترخيص للناس في ترك الوفاء فإن من أجابك إلى ترك شئ وجب لى واستحل ذلك منى لم يخرج إذا أمكنته الفرصة وأفتنته بالرخصة أن يكون إلى مثل ذلك منك أسرع ويكون بالذى أسست من ذلك أنجع فاقبل العاقبة وارض من الله بما صنع وخذ ما أوتيت بقوة وكن من الشاكرين فإن الله عز وجل زائدا من شكره وعدا منه حقالا خلف فيه فمن راقب الله حفظه ومن أضمر خلافه خذله والله يعلم خائنة الاعين وما تخفى الصدور ولسنا مع ذلك نأمن من حوادث الامور وبغتات الموت قبل ما ابتدأت به من قطيعتي فإن تعجل بى أمر كنت قد كفيت مؤونة ما اغتنمت له وسترت قبح ما أردت إظهاره وإن بقيت بعدك لم تكن أو عرت صدري وقطعت رحمى ولا أظهرت أعدائي في اتباع أثرك وقبول أدبك وعمل بمثالك وذكرت أن الامور كلها بيد الله هو مدبرها ومقدرها ومصدرها عن مشيئته فقد صدقت ان الامور بيد الله وقد حق على من عرف ذلك ووصفه العمل به والانتهاء إليه واعلم أنا لسنا جررنا إلى أنفسنا نفعا ولا دفعنا عنها ضرا ولا نلنا الذى عرفته بحولنا ولا قوتنا ولو وكلنا في ذلك إلى أنفسنا وأهوائنا لضعفت قوتنا وعجزت قدرتنا في طلب ما بلغ الله بنا ولكن الله إذا أراد عزما لانقاذ أمره وإنجاز وعده وإتمام عهده وتأكيد عقده أحكم إبرامه وأبرم أحكامه ونور إعلانه وثبت أركانه حين أسس بنيانه فلا يستطيع العباد تأخير ما عجل ولا تعجيل ما أخر غير أن الشيطان عدو مضل مبين قد حذر الله طاعته وبين عداوته ينزع بين ولاة الحق وأهل طاعته ليفرق جمعهم ويشتت شملهم ويوقع العداوة والبغضاء بينهم

[ 279 ]

ويتبرأ منهم عند حقائق الامور ومضايق البلايا وقد قال الله عز وجل في كتابه (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في امنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم) ووصف الذين اتقوا فقال (إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) فأعيذ أمير المؤمنين بالله من أن يكون نيته وضمير سريرته خلاف ما زين الله به عز وجل من كان قبله فانه قد سألتهم أبناؤهم ونازعتهم أهواؤهم إلى مثل الذى هم به أمير المؤمنين فآثروا الحق على ما سواه وعرفوا أن الله لا غالب لقضائه ولا مانع لعطائه ولم يعلموا يأمنوا مع ذلك تغيير النعم وتعجيل النقم فآثروا الآجلة وقبلوا العاقبة وكرهوا التغيير وخافوا التبديل فأظهروا الجميل فتمم الله لهم أمورهم وكفاهم ما أهمهم ومنع سلطانهم وأعز أنصارهم وكرم أعوانهم وشرف بنيانهم فتمت النعم وتظاهرت المنن فاستوجبوا الشكر فثم أمر الله وهم كارهون والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله فلما بلغ أبا جعفر المنصور كتابه أمسك عنه وغضب غضبا شديدا وعاد الجند لاشد ما كانوا يصنعون منهم أسد ابن المرزبان وعقبة بن سلم ونصر بن حرب بن عبد الله في جماعة فكانوا يأتون باب عيسى فيمنعون من يدخل إليه فإذا ركب مشوا خلفه وقالوا أنت البقرة التى قال الله فذبحوها وما كادوا يفعلون فعاد فشكاهم فقال له المنصور يا ابن أخى أنا والله أخافهم عليك وعلى نفسي قد أشربوا حب هذا الفتى فلو قدمته بين يديك فيكون بينى وبينك لكفوا فأجاب عيسى إلى أن يفعل * وذكر عن إسحاق الموصلي عن الربيع أن المنصور لما رجع إليه من عند عيسى جواب كتابه الذى ذكرنا وقع في كتابه أسل عنها تنل منها عوضا في الدنيا وتأمن تبعتها في الآخرة * وقد ذكر في وجه خلع المنصور عيسى بن موسى قول غير هذين القولين وذلك ما ذكره أبو محمد المعروف بالاسوارى بن عيسى الكاتب قال أراد أبو جعفر أن يخلع عيسى بن موسى من ولاية العهد ويقدم المهدى عليه فأبى أن يجيبه إلى ذلك وأعيا الامر أبا جعفر فيه فبعث إلى خالد بن برمك فقال له كلمه يا خالد فقد ترى

[ 280 ]

امتناعه من البيعة للمهدى وما قد تقدمنا به في أمره فهل عندك حيلة فيه فقد أعيتنا وجوه الحيل وضل عنا الرأى فقال نعم يا أمير المؤمنين تضم إلى ثلاثين رجلا من كبار الشيعة ممن تختاره قال فركب خالد بن برمك وركبوا معه فساروا إلى عيسى بن موسى فأبلغوه رسالة أبى جعفر المنصور فقال ماكنت لاخلع نفسي وقد جعل الله عز وجل الامر لى فأداره خالد بكل وجه من وجوه الحذر والطمع فأبى عليه فخرج خالد عنه وخرجت الشيعة بعده فقال لهم خالد ما عندكم في أمره قالوا نبلغ أمير المؤمنين رسالته ونخبره بما كان مناومنه قال لا ولكنا نخبر أمير المؤمنين أنه قد أجاب ونشهد عليه إن أنكره قالوا له افعل فإنا نفعل فقال لهم هذا هو الصواب وأبلغ أمير المؤمنين فيما حاول وأراد قال فساروا إلى أبى جعفر وخالد معهم فأعلموه أنه قد أجاب فأخرج التوقيع بالبيعة للمهدى وكتب بذلك إلى الآفاق قال وأتى عيسى بن موسى لما بلغه الخبر أبا جعفر منكرا لما ادعى عليه من الاجابة إلى تقديم المهدى على نفسه وذكره الله فيما قدهم به فدعاهم أبو جعفر فسألهم فقالوا نشهد عليه أنه قد أجاب وليس له أن يرجع فأمضى أبو جعفر الامر وشكر لخالد ما كان منه وكان المهدى يعرف ذلك له ويصف جزالة الرأى منه فيه * وذكر عن على بن محمد بن سليمان قال حدثنى أبى عن عبد الله بن أبى سليم مولى عبد الله ابن الحارث بن نوفل قال إنى لاسير مع سليمان بن عبد الله بن الحارث بن نوفل وقد عزم أبو جعفر على أن يقدم المهدى على عيسى بن موسى في البيعة فإذا نحن بأبى بخيلة الشاعر ومعه ابناه وعبداه وكل واحد منهما يحمل شيئا من متاع فوقف عليهم سليمان بن عبد الله فقال أبا بخيلة ما هذا الذى أرى وما هذه الحال التى أنت فيها قال كنت نازلا على القعقاع وهو رجل من آل زرارة وكان يتولى لعيسى بن موسى الشرطة فقال له اخرج عنى فان هذا الرجل قد اصطنعتي وقد بلغني أنك قلت شعرا في هذه البيعة للمهدى فأخاف أن يبلغه ذلك أن يلزمنى لائمة لنزولك على فأزعجني حتى خرجت قال فقال لى يا عبد الله انطلق بأبى نخيلة فبوئه في منزلي موضعا صالحا واستوص به وبمن معه خيرا ثم خبر سليمان بن عبد الله

[ 281 ]

أبا جعفر بشعر أبى نخيلة الذى يقول فيه عيسى فزحلفها إلى محمد * حتى تؤدى من يد إلى يد فيكم وتغنى وهى في تزيد * فقد رضينا بالغلام الامرد قال فلما كان في اليوم الذى بايع فيه أبو جعفر لابنه المهدى وقدمه على عيسى دعا بأبى نخيلة فأمره فأنشد الشعر فكلمه سليمان بن عبد الله وأشار عليه في كلامه أن يجزل له العطية وقال إنه شئ يبقى لك في الكتب ويتحدث الناس به على الدهر ويخلد على الايام ولم يزل به حتى أمر له بعشرة آلاف درهم * وذكر عن حيان بن عبد الله بن حبران الحمانى قال حدثنى أبو نخيلة قال قدمت على أبى جعفر فأقمت ببابه شهرا لا أصل إليه حتى قال لى ذات يوم عبد الله بن الربيع الحارثى يا أبا نخيلة إن أمير المؤمنين يرشح ابنه للخلافة والعهد وهو على تقدمته بين يدى عيسى بن موسى فلو قلت شيئا تحثه على ذلك وتذكر فضل المهدى كنت بالحرى أن تصيب منه خيرا ومن ابنه فقلت دونك عبد الله أهل ذاكا * خلافة الله التى أعطاكا أصفاك أصفاك بها أصفاكا * فقد نظرنا زمنا أباكا ثم نظرناك لها إياكا * ونحن فيهم والهوى هواكا نعم فنستدرى إلى ذراكا * أسند إلى محمد عصاكا فابنك ما استرعيته كفاكا * فأحفظ الناس لها أدناكا فقد جفلت الرجل والاوراكا * وحكت حتى لم أجد محاكا ودرت في هذا وذا وذاكا * وكل قول قلت في سواكا زور وقد كفر هذا ذاكا وقلت أيضا كلمتي التى أقول فيها إلى أمير المؤمنين فاعمندى * سيرى إلى بحر البحور المزبد أنت الذى يا ابن سمى أحمد * ويا ابن بيت العرب المشيد بل يا أمين الواحد المؤبد * إن الذى ولاك رب المسجد

[ 282 ]

أمسى ولى عهدها بالاسعد * عيسى فزحلفها إلى محمد من قبل عيسى معهدا عن معهد * حتى تؤدى من يد إلى يد فيكم وتغنى وهى في تزيد * فقد رضينا بالغلام الامرد بل قد فرغنا غير أن لم نشهد * وغير أن العقد لم يؤكد فلو سمعنا لجة امدد امدد * كانت لنا كدعقة الورد الصدى فبادر بالبيعة ورد الحشد * تبين من يومك هذا أو غد فهو الذى تم فما من عند * وزاد ما شئت فزده يزدد ورده منك رداء يرتد * فهو رداء السابق المقلد قد كان يروى انها كأن قد * عادت ولو قد فعلت لم تردد فهى ترامى فدفدا عن فدفد * حينا فلو قد حان ورد الورد وحان تحويل الغوى المفسد * قال لها الله هلمى وارشدي فأصبحت نازلة بالمعهد * والمحتد المحتد خير المحتد لم يرم تزمار النفوس الحسد * بمثل قرم ثابت مؤيد لما انتحوا قدحا بزند مصلد * بلوا بمشزور القوى المستحصد يزداد إيقاظا على التهدد * فداولوا باللين والتعبد صمصامة تأكل كل مبرد قال فرويت وصارت في أفواه الخدم وبلغت أبا جعفر فسأل عن قائلها فأخبر أنها لرجل من بنى سعد بن زيد مناة فأعجبه فدعاني فأدخلت عليه وإن عيسى بن موسى لعن يمينه والناس عنده ورؤس القواد والجند فلما كنت بحيث يرانى ناديت يا أمير المؤمنين أدنني منك حتى أفهمك وتسمع مقالتي فأو مأبيده فأدنيت حتى كنت قريبا منه فلما صرت بين يديه قلت ورفعت صوتي أنشده من هذا الموضع ثم رجعت إلى أول الارجوزة فأنشدتها من أولها إلى هذا الموضع أيضا فأعدت عليه حتى أتيت على آخرها والناس منصتون وهو يتسار بما أنشده مستمعا له فلما خرجنا من عنده إذ رجل واضع يده على منكبي فالتفت فإذا عقال بن

[ 283 ]

شبة يقول أما أنت فقد سررت أمير المؤمنين فان التأم الامر على ما تحب وقلت فلعمري لتصيبن منه خيرا وان يك غير ذلك فاتبغ نفقا في الارض أو سلما في السماء قال فكتب له المنصور بصلة إلى الرى فوجه عيسى في طلبه فلحق في طريقه فذبح وسلخ وجهه * وقيل قتل بعد ما انصرف من الرى وقد أخذ الجائزة * وذكر عن الوليد بن محمد العنبري أن سبب اجابة عيسى أبا جعفر إلى تقديم المهدى عليه كان أن سلم بن قتيبة قال له أيها الرجل بايع وقدمه على نفسك فانك لن تخرج من الامر قد جعل لك الامر من بعده وترضى أمير المؤمنين قال أو ترى ذلك قال نعم قال فانى أفعل فأتى سلم المنصور فأعلمه إجابة عيسى فسر بذلك وعظم قدر سلم عنده وبايع الناس للمهدى ولعيسى بن موسى من بعده وخطب المنصور خطبته التى كان فيها تقديم المهدى على عيسى وخطب عيسى بعد ذلك فقدم المهدى على نفسه ووفى له المنصور بما كان ضمن له (وقد ذكر) عن بعض صحابة أبى جعفر أنه قال تذاكرنا أمر أبى جعفر المنصور وأمر عيسى بن موسى في البيعة وخلعه إياها من عنقه وتقديمها المهدى فقال لى رجل من القواد سماه والله الذى لا إله غيره ما كان خلعه إياها منه إلا برضى من عيسى وركون منه إلى الدراهم وقلة علمه بقدر الخلافة وطلبا للخروج منها أتى يوم خرج للخلع فخلع نفسه وإنى لفى مقصورة مدينة السلام إذ خرج علينا أبو عبيدة كاتب المهدى في جماعة من أهل خراسان فتكلم عيسى فقال إنى قد سلمت ولاية العهد لمحمد بن أمير المؤمنين وقدمته على نفسي فقال أبو عبيد الله ليس هكذا أعز الله الامير ولكن قل ذلك بقه وصدقه وأخبر بما رغبت فيه فأعطيت قال نعم قد بعت نصيبي من تقدمة ولاية العهد من عبد الله أمير المؤمنين لابنه محمد المهدى بعشرة آلاف ألف درهم وثلاثمائة ألف بين ولدى فلان وفلان وفلان سماهم وسبعمائة ألف لفلانة امرأة من نسائه سماها بطيب نفس منى وحب لتصييرها إليه لانه أولى بها وأحق وأقوى عليها وعلى القيام بها وليس لى فيها حق لتقدمته قليل ولا كثير فما ادعيته بعد يومى هذا فأنا فيه مبطل لا حق لى فيه ولا دعوى ولا طلبة قال

[ 284 ]

والله وهو في ذلك ربما نسى الشئ بعد الشئ فيوقفه عليه أبو عبيد الله حتى فرغ حبا للاستيثاق منه وختم الكتاب وشهد عليه الشهود وأنا حاضر حتى وضع عليه عيسى خطه وخاتمه والقوم جميعا ثم دخلوا من باب المقصورة إلى القصر قال وكسا أمير المؤمنين عيسى وابنه موسى وغيره من ولده كسوة بقيمة ألف ألف درهم ونيف ومائتي ألف درهم * وكانت ولاية عيسى بن موسى الكوفة وسوادها وما حولها ثلاث عشرة سنة حتى عزله المنصور واستعمل محمد بن سليمان بن على حين امتنع من تقديم المهدى على نفسه * وقيل إن المنصور إنما ولى محمد بن سليمان الكوفة حين ولاه إياها ليستخف بعيسى فلم يفعل ذلك محمد ولم يزل معظما له مبجلا (وفى هذه السنة) ولى أبو جعفر محمد بن أبى العباس بن أخيه البصرة فاستعفي منها فأعفاه فانصرف عنها إلى مدينة السلام فمات بها فصرخت امرأته البغوم بنت على بن الربيع واقتيلاه فضربها رجل من الحرس بحلويز على عجيزتها فتعاوره خدم لمحمد بن أبى العباس فقتلوه فطل دمه وكان محمد بن أبى العباس حين شخص عن البصرة استخلف بها عقبة بن سلم فأقره عليها أبو جعفر إلى سنة 151 (وحج) بالناس في هذه السنة المنصور وكان عامله فيها على مكة والطائف عمه عبد الصمد ابن على وعلى المدينة جعفر بن سليمان وعلى الكوفة وأرضها محمد بن سليمان وعلى البصرة عقبة بن سلم وعلى قضائها سوار بن عبد الله وعلى مصر يزيد بن حاتم ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك توجيهه المنصور حميد بن قحطبة إلى أرمينية لحرب الترك الذين قتلوا حرب بن عبد الله وعاثوا بتفليس فسار حميد إلى أرمينية فوجدهم قد ارتحلوا فانصرف ولم يلق منهم أحدا (وفى هذه السنة) عسكر صالح بن على بدابق فيما ذكر ولم يغز (وحج) بالناس فيها جعفر بن أبى جعفر المنصور وكانت ولاة الامصار في هذه السنة ولاتها في السنة التى قبلها

[ 285 ]

ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك غزوة العباس بن محمد الصائفة أرض الروم ومعه الحسن ابن قحطبة ومحمد بن الاشعث فهلك محمد بن الاشعث في الطريق (وفى هذه السنة) استتم المنصور بناء سور مدينة بغداد وفرغ من خندقها وجميع أمورها (وفيها) شخص إلى حديثة الموصل ثم انصرف إلى مدينة السلام (وحج) في هذه السنة بالناس محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس (وفى هذه السنة) عزل عبد الصمد بن على عن مكة ووليها محمد بن إبراهيم * وكانت عمال الامصار في هذه السنة العمال الذين كانوا عمالها في سنة 147 وسنة 148 غير مكة والطائف فإن واليها كان في هذه السنة محمد بن ابراهيم بن محمد بن على ابن عبد الله بن عباس ثم دخلت سنة خمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك خروج أستاذ سيس في أهل هراة وباذغيس وسجستان وغيرها من كور خراسان وكان فيما ذكر في زهاء ثلثمائة ألف مقاتل فغلبوا على عامة خراسان وساروا حتى التقوا هم وأهل مرو الروذ فخرج إليهم الاجثم المروروذى في أهل مرو الروذ فقاتلوه قتالا شديدا حتى قتل الاجثم وكثر القتل في أهل مرو الروذ وهزم عدة من القواد منهم معاذ بن مسلم بن معاذ وجبرئيل بن يحيى وحماد بن عمرو وأبو النجم السجستاني وداود بن كراز فوجه المنصور وهو بالبردان خازم بن خزيمة إلى المهدى فولاه المهدى محاربة أستاذ سيس وضم القواد إليه * فذكر أن معاوية بن عبيد الله وزير المهدى كان يوهن أمر خازم والمهدى يومئذ بنيسابور وكان معاوية يخرج الكتب إلى خازم بن خزيمة وإلى غيره من القواد بالامر والنهى فاعتل خازم وهو في عسكره فشرب الدواء

[ 286 ]

ثم ركب البريد حتى قدم على المهدى بنيسابور فسلم عليه واستخلاه وبحضرته أبو عبيد الله فقال المهدى لا عيق عليك من أبى عبيد الله فقل ما بدالك فأبى خازم أن يخبره أو يكلمه حتى قام أبو عبيد الله فلما خلابه شكا إليه أمر معاوية بن عبيد الله وأخبره بعصبيته وتحامله وما كان يرد من كتبه عليه وعلى من قبله من القواد وما صاروا إليه بذلك من الفساد والتآمر في أنفسهم والاستبداد بآرائهم وقلة السمع والطاعة وأن أمر الحرب لا يستقيم إلا برأس أن لا يكون في عسكره لواء يخفق على رأس أحد إلا لواؤه أو لواء هو عقده وأعلمه أنه غير راجع إلى قتال أستاذ سيس ومن معه إلا بتفويض الامر إليه وإعفائه من معاوية بن عبيد الله وأن يأذن له في حل ألوية القواد الذين معه وأن يكتب إليهم بالسمع له والطاعة فأجابه المهدى إلى كل ما سأل فانصرف خازم إلى عسكره فعمل برأيه وحل لواء من رأى حل لوائه من القواد وعقد لواء لمن أراد وضم إليه من كان انهزم من الجنود فجعلهم حشوا يكثر بهم من معه في أخريات الناس ولم يقدمهم لما في قلوب المغلوبين من روعة الهزيمة وكان من ضم إليه من هذه الطبقة اثنين وعشرين ألفا ثم انتخب ستة آلاف رجل من الجند فضمهم إلى اثنى عشر ألفا كانوا معه متخيرين وكان بكار بن مسلم العقيلى فيمن انتخب ثم تعبأ للقتال وخندق واستعمل الهيثم بن شعبة بن ظهير على ميمنته ونهار بن حصين السعدى على ميسرته وكان بكار بن مسلم العقيلى على مقدمته وترار خدا على ساقته وكان من أبناء ملوك أعاجم خراسان وكان لواؤه مع الزبر قان وعلمه مع مولاه بسام فمكر بهم وراوغهم في تنقله من موضع إلى موضع وخندق إلى خندق حتى قطعهم وكان أكثرهم رجالة ثم سار خازم إلى موضع فنزله وخندق عليه وأدخل خندقه جميع ما أراد وأدخل فيها جميع أصحابه وجعل له أربعة أبواب وجعل على كل باب منها من أصحابه الذين انتخب وهم أربعة آلاف وجعل مع بكار صاحب مقدمته ألفين تكملة الثمانية عشر ألفا وأقبل الآخرون ومعهم المرور والفؤوس والزبل يريدون دفن الخندق ودخوله فأتوا الخندق من الباب الذى كان عليه بكار بن مسلم فشدوا عليه شدة لم يكن لاصحاب بكار نهاية دون أن انهزموا

[ 287 ]

حتى دخلوا عليهم الخندق * فلما رأى ذلك بكار رمى بنفسه فترجل على باب الخندق ثم نادى أصحابه يا بنى الفواجر من قبلى يؤتى المسلمون فترجل من معه من عشيرته وأهله نحو من خمسين رجلا فمنعوا بابهم حتى أجلوا القوم عنه وأقبل إلى الباب الذى كان عليه خازم رجل كان مع أستاذ سيس من أهل سجستان يقال له الحريش وهو الذى كان يدبر أمرهم فلما رآه خازم مقبلا بعث إلى الهيثم بن شعبة وكان في الميمنة أن اخرج من بابك الذى أنت عليه فخذ غير الطريق الذى يوصلك إلى الباب الذى عليه بكار فان القوم قد شغلوا بالقتال وبالاقبال الينا فإذا علوت فجزت مبلغ أبصارهم فأتهم من خلفهم وقد كانوا في تلك الايام يتوقعون قدوم أبى عون وعمرو بن سلم بن قتيبة من طخارستان وبعث خازم إلى بكار بن مسلم إذا رأيت رايات الهيثم بن شعبة قد جاءتك من خلفك فكبروا وقولوا قد جاء أهل طخارستان ففعل ذلك أهل الهيثم وخرج خازم في القلب على الحريش السجستاني فاجتلدوا بالسيوف جلادا شديدا وصبر بعضهم لبعض فبيناهم على تلك الحال إذا نظروا إلى أعلام الهيثم وأصحابه فتنادوا فيما بينهم وجاء أهل طخارستان فلما نظر أصحاب الحريش إلى تلك الاعلام ونظر من كان بإزاء بكار ابن مسلم إليها شد عليهم أصحاب خازم فكشفوهم ولقيهم أصحاب الهيثم فطعنوهم بالرماح ورموهم بالنشاب وخرج عليهم نهار بن حصين وأصحابه من ناحية الميسرة وبكار بن مسلم وأصحابه من ناحيتهم فهزموهم ووضعوا فيهم السيوف فقتلهم المسلمون وأكثروا فكان من قتل منهم في تلك المعركة نحوا من سبعين ألفا وأسروا أربعة عشر ألفا ولجأ أستاذ سيس إلى جبل في عدة من أصحابه يسيرة فقدم خازم الاربعة عشر ألف أسير فضرب أعناقهم وسار حتى نزل باستاذ سيس في الجبل الذى كان لجأ إليه ووافى خازما بذلك المكان أبو عون وعمرو بن سلم بن قتيبة في أصحابهما فأنزلهم خازم ناحية وقال كونوا مكانكم حتى نحتاج إليكم فحصر خازم استاذ سيس وأصحابه حتى نزلوا على حكم أبى عون ولم يرضوا إلا بذلك فرضى بذلك خازم فأمر أبا عون باعطائهم أن ينزلوا على حكمه ففعل فلما نزلوا على حكم

[ 288 ]

أبى عون حكم فيهم أن يوثق استاذ سيس وبنوه وأهل بيته بالحديد وأن يعتق الباقون وهم ثلاثون ألفا فأنفذ ذلك خازم من حكم أبى عون وكساكل رجل منهم ثوبين وكتب خازم بما فتح الله عليه وأهلك عدوه إلى المهدى فكتب بذلك المهدى إلى أمير المؤمنين المنصور * وأما محمد بن عمر فانه ذكر أن خروج استاذ سيس والحريش كان في سنة 150 وان استاذ سيس هزم في سنة 151 (وفى هذه السنة) عزل المنصور جعفر بن سليمان عن المدينة وولاها الحسن ابن يزيد بن حسن بن حسن بن على بن أبى طالب صلوات الله عليه (وفيها) توفى جعفر بن أبى جعفر المنصور الاكبر بمدينة السلام وصلى عليه أبوه المنصور ودفن ليلا في مقابر وقريش ولم تكن للناس في هذه السنة صائفة قيل أن أبا جعفر كان ولى الصائفة في هذه السنة أسيدا فلم يدخل بالناس أرض العدو ونزل مرج دابق (وحج) بالناس في هذه السنة عبد الصمد بن على بن عبد الله بن عباس وكان العامل على مكة والطائف في هذه السنة عبد الصمد بن على بن عبد الله بن عباس وقيل كان العامل على مكة والطائف في هذه السنة محمد بن ابراهيم بن محمد وعلى المدينة الحسن بن زيد العلوى وعلى الكوفة محمد بن سليمان بن على وعلى البصرة عقبة بن سلم وعلى قضائها سوار وعلى مصر يزيد بن حاتم ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الاحداث التى كانت فيها فمن ذلك ما كان من إغارة الكرك فيها في البحر على جدة ذكر ذلك محمد بن عمر (وفيها) ولى عمر بن حفص بن عثمان بن أبى صفرة أفريقية وعزل عن السند وولى موضعه هشام بن عمرو التغلبي ذكر الخبر عن سبب عزم المنصور عمر بن حفص عن السند وتوليته إياه أفريقية واستعماله على السند هشام بن عمرو وكان سبب ذلك فيما ذكر على بن محمد بن سليمان بن على العباسي عن أبيه أن المنصور ولى عمر بن حفص الصفرى الذى يقال له هزار مرد السند فأقام بها

[ 289 ]

حتى خرج محمد بن عبد الله بالمدينة وإبراهيم بالبصرة فوجه محمد بن عبد الله ابنه عبد الله بن محمد الذى يقال له الاشتر في نفر من الزيدية إلى البصرة وأمرهم أن يشتروا مهارة خيل عتاق بها ويمضوا بها معهم إلى السند ليكون سببا له إلى الوصول إلى عمر بن حفص وإنما فعل ذلك به لانه كان فيمن بايعه من قواد أبى جعفر وكان له ميل إلى آل أبى طالب فقدموا البصرة على إبراهيم بن عبد الله فاشتروا منها مهارة وليس في بلاد السند والهند شئ أنفق من الخيل العتاق ومضوا في البحر حتى صاروا إلى السند ثم صاروا إلى عمر بن حفص فقال نحن قوم نخاسون ومعنا خيل عتاق فأمرهم أن يعرضوا خيلهم فعرضوها عليه فلما صاروا إليه قال له بعضهم أدنني منك أذكر لك شيئا فأدناه منه وقال له إنا جئناك بما هو خير لك من الخيل ومالك فيه خير الدنيا والآخرة فأعطنا الامان على خلتين إما أنك قبلت ما أتيناك به وإما سترت وأمسكت عن أذانا حتى نخرج من بلادك راجعين فأعطاههم الامان فقالوا ما للخيل أتيناك ولكن هذا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن محمد ابن عبد الله بن حسن بن حسن أرسله أبوه إليك وقد خرج بالمدينة ودعا لنفسه بالخلافة وخرج أخوه إبراهيم بالبصرة وغلب عليها فقال بالرحب والسعة ثم بايعهم له وأمر به فتوارى عنده ودعا أهل بيته وقواده وكبراء أهل البلد للبيعة فأجابوه فقطع الاعلام البيض والاقبية البيض والقلانس البيض وهيأ لبسته من البياض يصعد فيها إلى المنبر وتهيأ لذلك يوم خميس فلما كان يوم الاربعاء إذا حراقة قد وافت من البصرة فيها رسول لخليدة بنت المعارك امرأة عمر بن حفص بكتاب إليه تخبره بقتل محمد بن عبد الله فدخل على عبد الله فأخبره الخبر وعزاه ثم قال له إنى كنت بايعت لابيك وقد جاء من الامر ما ترى فقال له إن أمرى قد شهر ومكاني قد عرف ودمى عنقك فانظر لنفسك أو دع قال قد رأيت رأيا ههنا مالك من ملوك السند عظيم المملكة كثير التبع وهو على شركة أشد الناس تعظيما لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رجل وفى فأرسل إليه فاعقد بينك وبينه عقدا وأوجهك إليه تكون عنده فلست ترام معه قال افعل ما شئت ففعل ذلك فصار إليه فأظهر

[ 290 ]

إكرامه وبره برا كثيرا وتسللت إليه الزيدية حتى صار إليه منهم أربعمائة إنسان من أهل البصائر فكان يركب فيهم فيصيد ويتنزه في هيئة الملوك وآلاتهم فلما قتل محمد وإبراهيم انتهى خبر عبد الله الاشتر إلى المنصور فبلغ ذلك منه فكتب إلى عمر ابن حفص يخبره بما بلغه فجمع عمر بن حفص قرابته فقرأ عليهم كتاب المنصور يخبرهم أنه إن أقر بالقصة لم ينظره المبصور أن يعزله وإن صار إليه قتله وإن امتنع حاربه فقال له رجل من أهل بيته ألق الذنب على واكتب إليه بخبرى وخذني الساعة فقيدني واحبسني فإنه سيكتب احمله إلى فاحملني إليه فلم يكن ليقدم على لموضعك في السند وحال أهل بيتك بالبصرة قال إنى أخاف عليك خلاف ما تظن قال إن قتلت أنا فنفسي فداؤك فإنى سخى بها فداء لنفسك فإن حييت فمن الله فأمر به فقيد وحبس وكتب إلى المنصور يخبره بذلك فكتب إليه المنصور يأمره بحمله إليه فلما صار إليه قدمه فضرب عنقه ثم مكث يروى من يولى السند فأقبل يقول فلان فلان ثم يعرض عنه فبينا هو يوما يسير ومعه هشام بن عمرو التغلبي والمنصور ينظر إليه في موكبه إذا انصرف إلى منزله فلما ألقى ثوبه دخل الربيع فآذنه بهشام فقال أو لم يكن معى آنفا قال ذكر أن له حاجة عرضت مهمة فدعا بكرسى فقعد عليه ثم أذن له فلما مثل بين يديه قال يا أمير المؤمنين إنى انصرفت إلى منزلي من الموكب فلقيتنى أختى فلانة بنت عمرو فرأيت من جمالها وعقلها ودينها ما رضيتها لامير المؤمنين فجئت لاعرضها عليه فأطرق المنصور وجعل ينكت الارض بخيزرانة في يده وقال اخرج يأتك أمرى فلما ولى قال يا ربيع لولا بيت قاله جرير في بنى تغلب لتزوجت أخته وهو قوله لا تطلبن خؤولة في تغلب * فالزنج أكرم منهم أخوالا فأخاف أن تلد لي ولدا فيعير بهذا البيت ولكن اخرج إليه فقل له يقول لك أمير المؤمنين لو كانت لى حاجة إلى لم أعدل عنها غير التزويج ولو كانت لى حاجة إلى التزويج لقبلت ما أتيتني به فجزاك الله عما عمدت له خيرا وقد عوضتك من ذلك ولاية السند وأمره أن يكاتب ذلك الملك فإن أطاعه وسلم إليه عبد الله

[ 291 ]

ابن محمد وإلا حاربه وكتب إلى عمر بن حفص بولايته أفريقية فخرج هشام بن عمرو التغلبي إلى السند فوليها وأقبل عمر بن حفص يخوض البلاد حتى صار إلى أفريقية فلما صار هشام بن عمرو إلى السند كره أخذ عبد الله وأقبل يرى الناس أنه يكاتب الملك ويرفق به فاتصلت الاخبار بأبى جعفر بذلك فجعل يكتب إليه يستحثه فبينا هو كذلك إذ خرجت خارجة ببعض بلاد السند فوجه إليهم أخاه سفنجا فخرج يجر الجيش وطريقه بجنبات ذلك الملك فبينا هو يسير إذا هو برهج قد ارتفع من موكب فظن أنه مقدمة للعدو الذى يقصد فوجه طلائعه فرجعت فقالت ليس هذا عدوك الذى تريد ولكن هذا عبد الله بن محمد الاشتر العلوى ركب متنزها يسير على شاطئ مهران فمضى يريده فقال له نصاحه هذا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد علمت أن أخاك تركه متعمدا مخافة أن يبوء بدمه ولم يقصدك إنما خرج متنزها وخرجت تريد غيره فأعرض عنه وقال ما كنت لادع أحدا يجوزه ولا أدع أحدا يحظى بالتقرب إلى المنصور يأخذه وقتله وكان في عشرة فقصد قصده وذمر أصحابه فحمل عليه فقاتله عبد الله وقاتل أصحابه بين يديه حتى قتل وقتلوا جميعا فلم يفلت منهم مخبر وسقط بين القتلى فلم يشعر به وقيل إن أصحابه قذفوه في مهران لما قتل لئلا يؤخذ رأسه فكتب هشام بن عمرو بذلك كتاب فتح إلى المنصور يخبره أنه قصده قصدا فكتب إليه المنصور يحمد أمره ويأمره بمحاربة الملك الذى آواه وذلك أن عبد الله كان اتخذ جواري وهو بحضرة ذلك الملك فأولد منهن واحدة محمد بن عبد الله وهو أبو الحسن محمد العلوى الذى يقال له ابن الاشتر فحاربه حتى ظفر به وغلب على مملكته وقتله ووجه بأم ولد عبد الله وابنه إلى المنصور فكتب المنصور إلى واليه بالمدينة يخبره بصحة نسب الغلام وبعث به إليه وأمره أن يجمع آل أبى طالب وأن يقرأ عليهم كتابه بصحة نسب الغلام ويسلمه إلى أقربائه (وفى هذه السنة) قدم على المنصور ابنه المهدى من خراسان وذلك في شوال منها فوفد إليه للقائه وتهنئة المنصور بمقدمه عامة أهل بيته من كان منهم بالشأم والكوفة والبصرة وغيرها فأجازهم وكساهم وحملهم وفعل مثل ذلك بهم

[ 292 ]

المنصور وجعل لابنه المهدى صحابة منهم وأجرى لكل رجل منهم خمسمائة درهم (وفى هذه السنة) ابتدأ المنصور ببناء الرصافة في الجانب الشرقي من مدينة السلام لابنه محمد المهدى ذكر الخبر عن سبب بنائه ذلك له * ذكر عن أحمد بن محمد الشروى عن أبيه أن المهدى لما قدم من خراسان أمره المنصور بالمقام بالجانب الشرقي وبنى له الرصافة وعمل لها سورا وخندقا وميدانا وبستانا وأجرى له الماء فكان يجرى من نهر المهدى إلى الرصافة * وأما خالد بن يزيد بن وهب بن جرير بن خازم فانه ذكر أن محمد بن موسى بن محمد ابن إبراهيم بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس حدثه أن أباه حدثه أن الراوندية لما شغبوا على أبى جعفر وحاربوه على باب الذهب دخل عليه قثم بن العباس ابن عبيد الله بن العباس وهو يومئذ شيخ كبير مقدم عند القوم فقال له أبو جعفر أما ترى ما نحن فيه من التياث الجند علينا قد خفت أن تجتمع كلمتهم فيخرج هذا الامر من أيدينا فما ترى قال يا أمير المؤمنين عندي في هذا رأى إن أنا أظهرته لك فسد وإن تركتني أمضيته صلحت لك خلافتك وهابك جندك فقال له أفتمضى في خلافتي أمرا لا تعلمني ما هو فقال له إن كنت عندك متهما على دولتك فلا تشاورني وإن كنت مأمونا عليها فدعني أمضى رأيى فقال له فأمضه قال فانصرف قثم إلى منزله فدعا غلاما له فقال له إذا كان غدا فتقدمني فاجلس في دار أمير المؤمنين فإذا رأيتنى قد دخلت وتوسطت أصحاب المراتب فخذ بعنان بغلتي فاستوقفني واستحلفني بحق رسول الله وحق العباس وحق أمير المؤمنين لما وقفت لك وسمعت مسألتك وأجبتك عنها فإنى سأنتهرك وأغلظ لك القول فلا يهولنك ذلك منى وعاودني بالمسألة فانى سأشتمك فلا يرو عنك ذلك وعاودني بالقول والمسألة فانى سأضربك بسوطي فلا يشق ذلك عليك فقل لى أي الحيين أشرف اليمن أم مضر فإذا أجبتك فخل عنان بغلتي وأنت حر قال فغدا الغلام فجلس حيث أمره من دار الخليفة فلما جاء الشيخ فعل الغلام ما أمره به مولاه وفعل المولى ما كان قاله له ثم قال له

[ 293 ]

قل فقال أي الحيين أشرف اليمن أم مضر قال فقال قثم مضر كان منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيها كتاب الله عز وجل وفيها بيت الله ومنها خليفة الله قال فامتعضت اليمن إذ لم يذكر لها شئ من شرفها فقال له قائد من قواد اليمن ليس الامر كذلك مطلقا بغير شرفة ولا فضيلة لليمن ثم قال لغلامه قم فخذ بعنان بغلة الشيخ فاكبحها كبحا عنيفا تطأ من به منه قال ففعل الغلام ما أمره به مولاه حتى كاد أن يقعيها على عراقيبها فامتعضت من ذلك مضر فقالت أيفعل هذا بشيخنا فأمر رجل منهم غلامه فقال اقطع يد العبد فقام إلى غلام اليماني فقطع يده فنفر الحيان وصرف قثم بغلته فدخل على أبى جعفر وافترق الجند فصارت مضر فرقة واليمن فرقة والخراسانية فرقة وربيعة فرقة فقال قثم لابي جعفر قد فرقت بين جندك وجعلتهم أحزابا كل حزب منهم يخاف أن يحدث عليك حدثا فتضربه بالحزب الآخر وقد بقى عليك في التدبير بقية قال ماهى قال أعبر بابنك فأنزله في ذلك الجانب قصرا وحوله وحول من جيشك معه قوما فيصير ذلك بلدا وهذا بلدا فان فسد عليك أهل هذا الجانب ضربتهم بأهل ذلك الجانب وإن فسد عليك أهل ذلك الجانب ضربتهم بأهل هذا الجانب وان فسدت عليك مضر ضربتها باليمن وربيعة والخراسانية وإن فسدت عليك اليمن ضربتها بمن أطاعك من مضر وغيرها قال فقبل أمره ورأيه فاستوى له ملكه وكان ذلك سبب البناء في الجانب الشرقي وفى الرصافة واقطاع القواد هناك قال وتولى صالح صاحب المصلى القطائع في الجانب الشرقي ففعل كفعل أبى العباس الطوسى في فضول القطائع في الجانب الغربي فله بباب الجسر وسوق يحيى ومسجد خصير وفى الرصافة وطريق الزواريق على دجلة مواضع بناء بما استوهب من فضل الاقطاع عن أهله وصالح رجل من أهل خراسان (وفى هذه السنة) جدد المنصور البيعة لنفسه ولابنه محمد المهدى من بعده ولعيسى بن موسى من بعد المهدى على أهل بيته في مجلسه في يوم جمعة وقد عمهم بالاذن فيه فكان كل من بايعه منهم يقبل يده ويد المهدى ثم يمسح على يد عيسى بن موسى ولا يقبل يده * وغزا الصائفة في هذه

[ 294 ]

الستة عبد الوهاب بن ابراهيم بن محمد (وفيها) شخص عقبة بن سلم من البصرة واستخلف عليها ابنه نافع بن عقبة إلى البحرين فقتل سليمان بن حكيم العبدى وسبى أهل البحرين وبعث ببعض من سبى منهم وأسارى منهم إلى أبى جعفر فقتل منهم عدة ووهب بقيتهم للمهدى فمن عليهم وأعتقهم وكسا كل إنسان منهم ثوبين من ثياب مرو ثم عزل عقبة بن سلم عن البصرة * فذكر عن افريك جارية أسد بن المرزبان أنها قالت بعث المنصور أسد بن المرزبان إلى عقبة بن سلم إلى البحرين حين قتل منهم من قتل ينظر في أمره فما يله ولم يستقص عليه وورى عنه فبلغ ذلك أبا جعفر وبلغه أنه أخذ منه مالا فبعث إليه أبا سويد الخراساني وكان صديق أسد وأخاه فلما رآه مقبلا على البريد فرح وكان ناحية من عسكر عقبة فتطاول له وقال صديقى فوقف عليه فوثب ليقوم إليه فقال له أبو سويد بنشين بنشين فجلس فقال له أنت سامع مطيع قال نعم قال مد يدك فمد يده فضربها فأطنها ثم مد رجله ثم مد يده ثم رجله حتى قطع الاربع ثم قال مد عنقك فمد فضرب عنقه قالت افريك فأخذت رأسه فوضعته في حجري فأخذه منى فحله إلى المنصور فما أكلت افريك لحما حتى ماتت وزعم الواقدي أن أبا جعفر ولى معن بن زائدة في هذه السنة سجستان (وحج) بالناس في هذه السنة محمد ابن ابراهيم بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس وكان العامل على مكة والطائف محمد بن ابراهيم وعلى المدينة الحسن بن زيد وعلى الكوفة محمد بن سليمان بن على وعلى البصرة جابر بن توبة الكلابي وعلى قضائها سوار بن عبد الله وعلى مصر يزيد بن حاتم ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الاحداث التى كانت فيها فمن ذلك ما كان من قتل الخوارج فيها معن بن زائدة الشيباني ببست سجستان (وفيها) غزا حميد بن قحطبة كابل وكان المنصور ولاه خراسان في سنة 152

[ 295 ]

وغزا فيما ذكر الصائفة عبد الوهاب بن إبراهيم ولم يدرب وقيل إن الذى غزا الصائفة في هذه السنة محمد بن ابراهيم (وفيها) عزل المنصور جابر بن توبة عن البصرة وولاها يزيد بن منصور (وفيها) قتل أبو جعفر هاشم بن الاشتاخنج وكان عصى وخالف في افريقية فحمل إليه هو وابن خالد المروروذى فقتل ابن الاشتاخنج بالقادسية وهو متوجه إلى مكة (وحج) بالناس في هذه السنة المنصور فذكر أنه شخص من مدينة السلام في شهر رمضان ولا يعلم بشخوصه محمد بن سليمان وهو عامله على الكوفه يومئذ ولا عيسى بن موسى ولا غيرهما من أهل الكوفة حتى قرب منها (وفيها) عزل يزيد بن حاتم عن مصر ووليها محمد بن سعيد وكان عمال الامصار في هذه السنة هم العمال في السنة الخالية إلا البصرة فان عاملها في هذه السنة كان يزيد بن منصور وإلا مصر فان عاملها كان في هذه السنة محمد بن سعيد ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك تجهيز المنصور جيشا في البحر لحرب الكرك بعد مقدمه البصرة منصرفا من مكة إليها بعد فراغه من حجه وكانت الكرك أغارت على جدة فلما قدم المنصور البصرة في هذه السنة جهز منها جيشا لحربهم فنزل الجسر الاكبر حين قدمها فيما ذكر وقدمته هذه البصرة القدمة الآخرة وقيل إنه إنما قدمها القدمة الآخرة في سنة 155 وكانت قدمته الاولى في سنة 145 وأقام بها أربعين يوما وبنى بها قصرا ثم انصرف منها إلى مدينة السلام (وفيها) غضب المنصور على أبى أيوب الموريانى فحبسه وأخاه وبنى أخيه سعيدا ومسعودا ومخلدا ومحمدا وطالبهم وكانت منازلهم المناذر وكان سبب غضبه عليه فيما قيل سعى أبان بن صدقة كاتب أبى أيوب إليه (وفى هذه السنة) قتل عمر بن حفص بن عثمان بن أبى صفرة بافريقية قتله أبو حاتم الاباضي وأبو عاد ومن كان معهما من البربر

[ 296 ]

وكانوا فيما ذكر ثلثمائة ألف وخمسين ألفا الخيل منها خمسة وثلاثون ألفا ومعهم أبو قرة الصفرى في أربعين ألفا وكان يسلم عليه قبل ذلك بالخلافة أربعين يوما (وفيها) حمل عباد مولى المنصور وهرثمة بن أعين ويوسف بن علوان من خراسان في سلاسل لتعصبهم لعيسى بن موسى (وفيها) أخذ المنصور الناس بلبس القلانس الطوال المفرطة الطول وكانوا فيما ذكر يحتالون لها بالقصب من داخل فقال أبو دلامة وكنا نرجى من إمام زيادة * فزاد الامام المصطفى في القلانس تراها على هام الرجال كأنها * دنان يهود جللت بالبرانس (وفيها) توفى عبيد ابن بنت أبى ليلى قاضى الكوفة فاستقضى مكانه شريك بن عبد الله النخعي (وفيها) غزا الصائفة معيوف بن يحيى الحجورى فصار إلى حصن من حصون الروم ليلا وأهله نيام فسبى وأسر من كان فيه من المقاتلة ثم صار إلى اللاذقية المحترقة ففتحها وأخرج منها ستة آلاف رأس من السبى سوى الرجال البالغين (وفيها) ولى المنصور بكار بن مسلم العقيلى على أرمينية (وحج) بالناس في هذه السنة محمد بن أبى جعفر المهدى * وكان على مكة والطائف يومئذ محمد بن ابراهيم وعلى المدينة الحسن بن زيد بن الحسن وعلى الكوفة محمد بن سليمان وعلى البصرة يزيد بن منصور وعلى قضائها سوار وعلى مصر محمد بن سعيد وذكر الواقدي أن يزيد بن منصور كان في هذه السنة والى اليمن من قبل أبى جعفر المنصور ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك خروج المنصور إلى الشأم ومصيره إلى بيت المقدس وتوجيهه يزيد ابن حاتم إلى افريقية في خمسين ألفا فيما ذكر لحرب الخوارج الذين كانوا بها الذين قتلوا عامله عمر بن حفص * وذكر أنه أنفق على ذلك الجيش ثلاثة وستين

[ 297 ]

ألف ألف درهم (وفى هذه السنة) عزم المنصور فيما ذكر على بناء مدينة الرافقة فذكر عن محمد بن جابر عن أبيه أن أبا جعفر لما أراد بناءها امتنع أهل الرقة وأرادوا محاربته وقالوا تعطل علينا أسواقنا وتذهب بمعائشنا وتضيق منازلنا فهم بمحاربتهم وبعث إلى راهب في الصومعة هنالك فقال له هل لك علم بأن إنسانا يبنى ههنا مدينة فقال بلغني أن رجلا يقال له مقلاص يبنيها فقال أنا والله مقلاص * وذكر محمد بن عمر أن صاعقة سقطت في هذه السنة في المسجد الحرام فقتلت خمسة نفر (وفيها) هلك أبو أيوب الموريانى وأخوه خالد وأمر المنصور موسى بن دينار حاجب أبى العباس الطوسى بقطع أيدى بنى أخى أبى أيوب وأرجلهم وضرب أعناقهم وكتب بذلك إلى المهدى ففعل ذلك موسى وأنفذ فيهم ما أمره به (وفيها) ولى عبد الملك بن ظبيان النميري على البصرة * وغزا الصائفة في هذه السنة زفر بن عاصم الهلالي فبلغ الفرات (وحج) بالناس في هذه السنة محمد بن إبراهيم وهو عامل أبى جعفر على مكة والطائف وكان على المدينة الحسن بن زيد وعلى الكوفة محمد بن سليمان وعلى البصرة عبد الملك بن أيوب بن ظبيان وعلى قضائها سوار بن عبد الله وعلى السند هشام بن عمرو وعلى افريقية يزيد بن حاتم وعلى مصر محمد بن سعيد ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الاحداث التى كانت فيها فمن ذلك افتتاح يزيد بن حاتم إفريقية وقتله أبا عاد وأبا حاتم ومن كان معهما واستقامت بلاد المغرب ودخل يزيد بن حاتم القيروان (وفيها) وجه المنصور ابنه المهدى لبناء مدينة الرافقة فشخص إليها فبناها على بناء مدينته ببغداد في أبوابها وفصولها ورحابها وشوارعها وسور سورها وخندقها ثم انصرف إلى مدينته (وفيها) فيما ذكر محمد بن عمر خندق أبو جعفر على الكوفة والبصرة وضرب عليهما سورا وجعل ما أنفق على سور ذلك وخندقه من أموال أهله * وعزل فيها المنصور عبد الملك بن أيوب بن ظبيان عن البصرة واستعمل عليها الهيثم بن معاوية

[ 298 ]

العتكى وضم إليه سعيد بن دعلج وأمره ببناء سور لها يطيف بها وخندق عليها من دون السور من أموال أهلها ففعل ذلك * وذكر أن المنصور لما أراد الامر ببناء سور الكوفة وبحفر خندق لها أمر بقسمة خمسة دراهم خمسة دراهم على أهل الكوفة وأراد بذلك علم عددهم فلما عرف عددهم أمر بجبايتهم أربعين درهما أربعين درهما من كل إنسان فجبوا ثم أمر بإنفاق ذلك على سور الكوفة وحفر الخنادق لها فقال شاعرهم يالقومى ما لقينا * من أمير المؤمنينا * قسم الخمسة فينا * وجبانا الاربعينا (وفيها) طلب صاحب الروم الصلح إلى المنصور على أن يؤدى إليه الجزية وغزا الصائفة في هذه السنة يزيد بن أسيد السلمى (وفيها) عزل المنصور أخاه العباس بن محمد عن الجزيرة وغرمه مالا وغضب عليه وحبسه * فذكر عن بعض بنى هاشم أنه قال كان المنصور ولى العباس بن محمد الجزيرة بعد يزيد بن أسيد ثم غضب عليه فلم يزل ساخطا عليه حتى غضب على بعض عمومته من ولد على بن عبد الله بن عباس أما إسماعيل بن على أو غيره فاعتوره أهله وعمومته ونساؤهم يكلمونه فيه وضيقوا عليه فرضى عنه فقال عيسى بن موسى يا أمير المؤمنين إن آل على بن عبد الله وإن كانت نعمك عليهم سابغة فانهم يرجعون إلى الحسد لنا فمن ذلك أنك غضبت على إسماعيل بن على منذ أيام فضيقوا عليك وأنت غضبان على العباس بن محمد منذ كذا وكذا فما رأيت أحدا منهم كلمك فيه قال فدعا العباس فرضى عنه قال وقد كان يزيد بن أسيد عند عزل العباس إياه عن الجزيرة شكا إلى أبى جعفر العباس وقال يا أمير المؤمنين إن أخاك أساء عزلي وشتم عرضى فقال له المنصور اجمع بين إحساني اليك وإساءة أخى يعتدلا فقال يزيد بن أسيد يا أمير المؤمنين إذا كان إحسانكم جزاء بإساءتكم كانت طاعتنا تفضلا منا عليكم (وفيها) استعمل المنصور على حرب الجزيرة وخراجها موسى بن كعب (وفى هذه السنة) عزل المنصور عن الكوفة محمد بن سليمان بن على في قول بعضهم واستعمل مكانه عمرو بن زهير أخا المسيب بن زهير وأما عمر بن شبة فانه زعم

[ 299 ]

أنه عزل محمد بن سليمان عن الكوفة في سنة 153 وولاها عمرو بن زهير الضبى أخا المسيب بن زهير في هذه السنة قال وهو حفر الخندق بالكوفة ذكر الخبر عن سبب عزل المنصور محمد بن سليمان بن على ذكر أن محمد بن سليمان أتى في عمله على الكوفة بعبد الكريم بن أبى العوجاء وكان خال معن بن زائدة فأمر بحبسه قال أبو زيد فحدثني قثم بن جعفر والحسين ابن أيوب وغيرهما أن شفعاءه كثروا بمدينة السلام ثم ألحوا على أبى جعفر فلم يتكلم فيه إلا ظنين فأمر بالكتاب إلى محمد بالكف عنه إلى أن يأتيه رأيه فكلم ابن أبى العوجاء أبا الجبار وكان منقطعا إلى أبى جعفر ومحمد ثم إلى أبنائهما بعد هما فقال له ان أخرني الامير ثلاثة أيام فله مائة ألف ولك أنت كذا وكذا فأعلم أبو الجبار محمدا فقال أذكر تنيه والله قد كنت نسيته فإذا انصرفت من الجمعة فأذكرنيه فلما انصرف أذكره فدعا به وأمر بضرب عنقه فلما أيقن أنه مقتول قال أما والله لئن قتلتموني لقد وضعت أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال وأحل فيها الحرام والله لقد فطرتكم في يوم صومكم وصومتكم في يوم فطركم فضربت عنقه وورد على محمد رسول أبى جعفر بكتابه إياك أن تحدث في أمر ابن أبى العوجاء شيئا فانك إن فعلت فعلت بك وفعلت يتهدده فقال محمد للرسول هذا رأس ابن أبى العوجاء وهذا بدنه مصلوبا بالكناسة فأخبره أمير المؤمنين بما أعلمتك فلما بلغ الرسول أبا جعفر رسالته تغيظ عليه وأمر بالكتاب بعزله وقال والله لهممت أن أقيده به ثم أرسل إلى عيسى بن على فأتاه فقال هذا عملك أنت أشرب بتولية هذا الغلام فوليته غلاما جاهلا لا علم له بما يأتي يقدم على رجل يقتله من غير أن يطلع رأيى فيه ولا ينتظر أمرى وقد كتبت بعزله وبالله لا فعلن به ولا فعلن بتهدده فسكت عنه عيسى حتى سكن غضبه ثم قال يا أمير المؤمنين إن محمدا إنما قتل هذا الرجل على الزندقة فان كان قتله صوابا فهو لك وإن كان خطأ فهو على محمد والله يا أمير المؤمنين لئن عزلته على تفية ما صنع ليذهبن بالثناء والذكر ولترجعن القالة من العامة عليك فأمر بالكتب فمزقت وأقر على

[ 300 ]

عمله وقال بعضهم إنما عزل المنصور محمد بن سليمان عن الكوفة لامور قبيحة بلغته عنه اتهمه فيها وكان الذى أنهى ذلك إليه المساور بن سوار الجرمى صاحب شرطه وفى مساور يقول حماد لحسبك من عجيب الدهر أنى * أخاف وأتقى سلطان جرم (وفى هذه السنة) أيضا عزل المنصور الحسن بن زيد عن المدينة واستعمل عليها عبد الصمد بن على وجعل معه فليح بن سليمان مشرفا عليه وكان على مكة والطائف محمد بن إبراهيم بن محمد وعلى الكوفة عمرو بن زهير وعلى البصرة الهيثم بن معاوية وعلى أفريقية يزيد بن حاتم وعلى مصر محمد بن سعيد ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الاحداث التى كانت فيها فمن ذلك ما كان من ظفر الهيثم بن معاوية عامل أبى جعفر على البصرة بعمرو ابن شداد عامل إبراهيم بن عبد الله على فارس فقتل بالبصرة وصلب ذكر الخبر عن سبب الظفر به ذكر عمر أن محمد بن معروف حدثه قال أخبرني أبى قال ضرب عمرو بن شداد خادما له فأتى عامل البصرة إما ابن دعلج وإما الهيثم بن معاوية فدله عليه فأخذ فقتله وصلبه في المربد في موضع دار إسحاق بن سليمان وكان عمرو مولى لبنى جمح فقال بعضهم ظفر به الهيثم بن معاوية وخرج يريد مدينة السلام فنزل بقصر له على شاطئ نهر يعرف بنهر معقل فأقبل بريد من عند أبى جعفر ومعه كتاب إلى الهيثم بن معاوية بدفع عمرو بن شداد إليه فدفعه الهيثم إليه فأقدمه البصرة ثم أتى به ناحية الرحبة فخلا به يسائله فلم يظفر منه بشئ يحب علمه فقطلا يديه رجليه وضرب عنه وصلبه في مربد البصرة (وفى هذه السنة) عزل المنصور الهيثم ابن معاوية عن البصرة وأعمالها واستعمل سوار بن عبد الله القاضى على الصلاة وجمع له القضاء والصلاة وولى المنصور سعيد بن دعلج شرط البصرة وأحداثها

[ 301 ]

(وفيها) توفى الهيثم بن معاوية بعد ما عزل عن البصرة فجاءة بمدينة السلام وهو على بطن جارية له فصلى عليه المنصور ودفن في مقابر بنى هاشم (وفى هذه السنة) عزا الصائفة زفر بن عاصم الهلالي (وحج) بالناس في هذه السنة العباس بن محمد بن على وكان العامل على مكة محمد بن إبراهيم وكان مقيما بمدينة السلام وابنه إبراهيم بن محمد خليفته بمكة وكان إليه مع مكة الطائف وعلى الكوفة عمرو بن زهير وعلى الاحداث والجوالى والشرط وصدقات أرض العرب بالبصرة سعيد ابن دعلج وعلى الصلاة بها والقضاء سوار بن عبد الله وعلى كور دجلة والاهواز وفارس عمارة بن حمزة وعلى كرمان والسند هشام بن عمرو وعلى أفريقية يزيد ابن حاتم وعلى مصر محمد بن سعيد ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك ابتناء المنصور قصره الذى على شاطئ دجلة الذى يدعى الخلد وقسم بناءه على مولاه الربيع وأبان بن صدقة (وفيها) قتل يحيى أبو زكرياء المحتسب وقد ذكرنا قبل سبب قتله إياه (وفيها) حول المنصور الاسواق من مدينة السلام إلى باب الكرخ وغيره من المواضع وقد مضى أيضا ذكرنا سبب ذلك قبل (وفيها) ولى المنصور جعفر بن سليمان على البحرين فلم يتم ولايته ووجه مكانه أميرا عليها سعيد بن دعلج فبعث سعيد ابنه تميما عليها (وفيها) عرض المنصور جنده في السلاح والخيل على عينه في مجلس اتخذه على شط دجلة دون قطربل وأمر أهل بيته وقرابته وصحابته يومئذ بلبس السلاح وخرج هو وهو لابس درعا وقلنسوة تحت البيضة سوداء لا طئة مصرية (وفيها) توفى عامر ابن إسماعيل المسلى بمدينة السلام فصلى عليه المنصور ودفن في مقابر بنى هاشم (وفيها) توفى سوار بن عبد الله وصلى عليه بن دعلج واستعمل المنصور مكانه عبيد الله بن الحسن بن الحصين العنبري (وفيها) عقد المنصور الجسر عند

[ 302 ]

باب الشعير وجرى ذلك على يد حميد القاسم الصيرفى بأمر الربيع الحاجب (وفيها) عزل محمد بن سعيد الكاتب عن مصر واستعمل عليه مطر مولى أبى جعفر المنصور (وفيها) ولى معبد بن الخليل السند وعزل عنها هشام بن عمرو ومعبد يومئذ بخراسان كتب إليه بولايته * وغزا الصائفة فيها يزيد بن أسيد السلمى ووجه سنانا مولى البطال إلى بعض الحصون فسبى وغنم وقال محمد بن عمر الذى غزا الصائفة في هذه السنة زفر بن عاصم (وحج) بالناس في هذه السنة ابراهيم بن يحيى بن محمد بن على بن عبد الله ابن عباس قال محمد بن عمر كان على المدينة يعنى إبراهيم هذا وقال غيره كان على المدينة في هذه السنة عبد الصمد بن على وكان على مكة والطائف محمد بن إبراهيم وعلى الاهواز وفارس عمارة بن حمزة وعلى كرمان والسند معبد بن الخليل وعلى مصر مطر مولى المنصور ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك توجيه المنصور ابنه المهدى إلى الرقة وأمره إياه بعزل موسى بن كعب عن الموصل وتولية يحيى بن خالد بن برمك عليها وكان سبب ذلك فيما ذكر الحسن بن وهب بن سعيد عن صالح بن عطية قال كان المنصور قد ألزم خالد بن برمك ثلاثة آلاف ألف ونذر دمه فيها وأجله ثلاثة أيام بها فقال خالد لابنه يحيى يا بنى إنى قد أوذيت وطولبت بما ليس عندي وإنما يراد بذلك دمى فانصرف إلى حرمتك وأهلك فما كنت فاعلا بهم بعد موتى فافعله ثم قال له يا بنى لا يمنعنك ذلك من أن تلقى إخواننا وأن تمر بعمارة بن حمزة وصالح صاحب المصلى ومبارك التركي فتعلمهم حالنا قال فذكر صالح بن عطية أن يحيى حدثه قال أتيتهم فمنهم من تجهمنى وبعث بالمال سرا إلى ومنهم من لم يأذن لى وبعث بالمال في أثرى قال واستأذنت على عمارة بن حمزة فدخلت عليه وهو في صحن داره مقابل بوجهه الحائط فما انصرف إلى بوجهه فسلمت عليه

[ 303 ]

فرد على ردا ضعيفا وقال يا بنى كيف أبوك قلت بخير يقرأ عليك السلام ويعلمك ما قد لزمه من هذا الغرم ويستسلفك مائة ألف درهم قال فما رد على قليلا ولا كثيرا قال فضاق بى موضعي ومادت بى الارض قال ثم كلمته فيما أتيته له قال فقال إن أمكننى شئ فسيأتيك قال يحيى فانصرفت وأنا أقول في نفسي لعن الله كل شئ يأتي من تيهك وعجبك وكبرك وصرت إلى أبى فاخبرته الخبر ثم قلت له وأراك تثق من عمارة بن حمزة بما لا يوثق به قال فوالله إنى لكذلك إذ طلع رسول عمارة بن حمزة بالمائة ألف قال فجمعنا في يومين ألفى ألف وسبعمائة ألف وبقيت ثلثمائة ألف بوجودها يتم ما سعينا له وبتعذرها يبطل قال فوالله إنى لعلى الجسر ببغداد مارا مهموما مغموما إذ وثب إلى زاجر فقال فرخ الطائر أخبرك قال فطويته مشغول القلب عنه فلحقني وتعلق بلجامى وقال لى أنت والله مهموم ووالله ليفرجن الله همك ولتمرن غدا في هذا الموضع واللواء بين يديك قال فأقبلت أعجب من قوله قال فقال لى إن كان ذلك فلى عليك خمسة آلاف درهم قلت نعم ولو قال خمسون ألفا لقلت نعم لبعد ذلك عندي من أن يكون قال ومضيت وورد على المنصور انتقاض الموصل وانتشار الاكراد بها فقال من لها فقال له المسيب بن زهير وكان صديقا لخالد بن برمك عندي يا أمير المؤمنين رأى أرى أنك لا تنتصحه وأنك ستلقاني بالرد له ولكني لا أدع نصحك فيه والمشورة عليك به قال قل فلا استغشك قلت يا أمير المؤمنين ما رميتها بمثل خالد قال ويحك فيصلح لنا بعدما أتينا إليه قال نعم يا أمير المؤمنين إنما قومته بذلك وأنا الضامن عليه قال فهو لها والله فليحضرني غدا فأحضر فصفح له عن الثلثمائة ألف الباقية وعقد له قال يحيى ثم مررت بالزاجر فلما رأني قال أنا ههنا أنتظرك منذ غدوة قلت امض معى فمضى معى فدفعت إليه الخمسة آلاف قال وقال لى أبى أي بنى إن عمارة تلزمه حقوق وتنوبه نوائب فأته فاقرأه السلام وقل له إن الله قد وهب لنا رأى أمير المؤمنين وصفح لنا عما بقى علينا وولانى الموصل وقد أمر برد ما استسلفت منك قال فأتيته فوجدته على مثل

[ 304 ]

الحال التى لقيته عليه فسلمت فما رد السلام على ولا زادني على أن قال كيف أبوك قلت بخير يقول كذا وكذا قال فاستوى جالسا ثم قال لى ما كنت إلا قسطارا لا بيك يأخذ منى إذا شاء ويرد إذا شاء قم عنى لا قمت قال فرجعت إلى أبى فأعلمته فقال لى أبى يا بنى هو عمارة ومن لا يعترض عليه قال فلم يزل خالد على الموصل إلى أن توفى المنصور ويحيى على أذربيجان فذكر عن أحمد بن محمد بن سوار الموصلي أنه قال ما هبنا قط أميرا هيبتنا خالد بن برمك من غير أن تشتد عقوبته ولا نرى منه جبرية ولكن هيبة كانت له في صدورنا وذكر أحمد بن معاوية بن بكر الباهلى عن أبيه قال كان أبو جعفر غضب على موسى بن كعب وكان عامله على الجزيرة والموصل فوجه المهدى إلى الرقة لبناء الرافقة وأظهر أنه يريد بيت المقدس وأمر بالمرور والمضى على الموصل فإذا صار بالبلد أخذ موسى بن كعب فقيده وولى خالد بن برمك الموصل مكانه ففعل المهدى ذلك وخلف خالدا على الموصل وشخص معه أخوا خالد الحسن وسليمان ابنا برمك وقد كان المنصور دعا قبل ذلك يحيى بن خالد فقال له قد أردتك لامرمهم من الامور واخترتك لثغر من الثغور فكن على أهبة ولا يعلم بذلك أحد حتى أدعو بك فكتم أباه الخبر وحضر الباب فيمن حضر فخرج الربيع فقال يحيى بن خالد فقام فأخذ بيده فأدخله على المنصور فخرج على الناس وأبوه حاضر واللواء بين يديه على أذربيجان فأمر الناس بالمضي معه فمضوا في موكبه وهنئوه وهنئوا أباه خالدا بولايته فاتصل عملهما وقال أحمد بن معاوية كان المنصور معجبا بيحيى وكان يقول ولد الناس ابنا وولد يحيى أبا (وفى هذه السنة) نزل المنصور قصره الذى يعرف بالخلد (وفيها) سخط المنصور على المسيب بن زهير وعزله عن الشرطة وأمر بحبسه وتقييده وكان سبب ذلك أنه قتل أبان بن بشير الكاتب بالسياط لامر كان وجد عليه فيما كان من شركته لاخيه عمرو بن زهير في ولاية الكوفة وخراجها وولى مكان المسيب الحكم بن يوسف صاحب الحراب ثم كلم المهدى أباه في المسيب فرضى عنه بعد حبسه اياه أياما وأعاد إليه ما كان يلى من شرطه (وفيها)

[ 305 ]

وجه المنصرر نصر بن حرب التميمي واليا على ثغر فارس (وفيها) سقط المنصور عن دابته بجر جرايا فانشج ما بين حاجبيه وذلك أنه كان خرج لما وجه ابنه المهدى إلى الرقة مشيعا له حتى بلغ موضعا يقال له جب سماقا ثم عدل إلى حولا يا ثم أخذ على النهروانات فانتهى فيما قيل إلى ثبق من النهروانات يصب إلى نهر ديالى فأقام على سكره ثمانية عشر يوما فأعياه فمضى إلى جرجرايا فخرج منها للنظر إلى ضيعة كانت لعيسى بن على هناك فصرع من يومه ذلك عن برذون له ديزج فشج في وجهه وقدم عليه وهو بجرجرايا أسارى من ناحية عمان من الهند بعث بهم إليه تسنيم بن الحوارى مع ابنه محمد فهم بضرب أعناقهم فساءلهم فأخبروه بما التبس به أمرهم عليه فأمسك عن قتلهم وقسمهم بين قواده ونوابه (وفيها) انصرف المهدى إلى مدينة السلام من الرقة فدخلها في شهر رمضان (وفيها) أمر المنصور بمرمة القصر الابيض الذى كان كسرى بناه وأمر أن يغرم كل من وجد في داره شيئا من الآجر الخسروانى مما نقضه من بناء الاكاسرة وقال هذا فئ المسلمين فلم يتم ذلك ولا ما أمر به من مرمة القصر (وفيها) غزا الصائفة معيوب بن يحيى من درب الحدث فلقى العدو فاقتتلوا ثم تحاجزوا (وفى هذه السنة) حبس محمد بن ابراهيم بن محمد بن على وهو أمير مكة فيما ذكر بأمر المنصور إياه بحبسهم ابن جريج وعباد بن كثير والثوري ثم أطلقهم من الحبس بغير اذن أبى جعفر فغضب عليه أبو جعفر وذكر عمر بن شبة ان محمد ابن عمران مولى محمد بن ابراهيم بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس حدثه عن أبيه قال كتب المنصور إلى محمد بن ابراهيم وهو أمير على مكة يأمره بحبس رجل من آل على بن أبى طالب كان بمكة وبحبس ابن جريج وعباد بن كثير والثوري قال فحبسهم فكان له سمار يسامرونه بالليل فلما كان وقت سمره جلس وأكب على الارض ينظر إليها ولم ينطق بحرف حتى تفرقوا قال فدنوت منه فقلت له قدرأيت ما بك فمالك قال عمدت إلى ذى رحم فحبسته وإلى عيون من عيون الناس فحبستهم فيقدم أمير المؤمنين ولا أدرى ما يكون فلعله أن يأمر بهم فيقتلوا فيشتد سلطانه وأهلك دينى قال فقلت له فتصنع ماذا قال أو ثر الله وأطلق القوم اذهب إلى إبلى

[ 306 ]

فخذ راحلة منها وخذ خمسين دينارا فأت بها الطالبى واقرأه السلام وقل له إن ابن عمك يسألك ان تحلله من ترويعه إياك وتركب هذه الراحلة وتأخذ هذه النفقة قال فلما أحس بى جعل يتعوذ بالله من شرى فلما أبلغته قال هو في حل ولا حاجة لى إلى الراحلة ولا إلى النفقة قال قلت إن أطيب لنفسه أن تأخذ ففعل قال ثم جئت إلى ابن جريج وإلى سفيان بن سعيد وعباد بن كثير فأبلغتهم ما قال قالوا هو في حل قال فقلت لهم يقول لكم لا يظهرن أحد منكم مادام المنصور مقيما قال فلما قرب المنصور وجهنى محمد بن ابراهيم بألطاف فلما أخبر المنصور أن رسول محمد بن ابراهيم قدم أمر بالابل فضربت وجوهها قال فلما صار إلى بئر ميمون لقيه محمد ابن ابراهيم فلما أخبر بذلك أمر بدوابه فضربت وجوهها فعدل محمد فكان يسير في ناحية قال وعدل بأبى جعفر عن الطريق في الشق الايسر فأنيخ به ومحمد واقف قبالته ومعه طبيب له فلما ركب أبو جعفر وسار وعديله الربيع أمر محمد الطبيب فمضى إلى موضع مناخ أبى جعفر فرأى نجوه فقال لمحمد رأيت نجو رجل لا تطول به الحياة فلما دخل مكة لم يلبث أن مات وسلم محمد (وفيها) شخص أبو جعفر من مدينة السلام متوجها إلى مكة وذلك في شوال فنزل فيما ذكر عند قصر عبدويه فانقض في مقامه هنالك كوكب لثلاث بقين من شوال بعد اضاءة الفجر فبقى أثره بينا إلى طلوع الشمس ثم مضى إلى الكوفة فنزل الرصافة ثم أهل منها بالحج والعمرة وساق معه الهدى وأشعره وقلده لايام خلت من ذى القعدة فلما سار منازل من الكوفة عرض له وجعه الذى توفى منه (واختلف) في سبب الوجع الذى كانت منه وفاته فذكر عن على بن محمد بن سليمان النوفلي عن أبيه أنه كان يقول كان المنصور لا يستمرئ طعامه ويشكو ذلك إلى المتطببين ويسألهم أن يتخذوا له الجوارشنات فكانوا يكرهون ذلك ويأمرونه أن يقل من الطعام ويخبرونه أن الجوارشنات تهضم في الحال وتحدث من العلة ما هو أشد منه عليه حتى قدم عليه طبيب من أطباء الهند فقال له كما قال له غيره فكان يتخذ له سفوفا جوارشنا يابسا فيه الافاويه والادوية الحارة فكان يأخذ فيهضم طعامه فأحمده قال فقال لى أبى قال

[ 307 ]

لى كثير من متطببى العراق لا يموت والله أبو جعفر أبدا إلا بالبطن قال قلت له وما علمك قال هو يأخذ الجوارشن فيهضم طعامه ويخلق من زئبر معدته في كل يوم شيئا وشحم مصارينه فيموت ببطنه وقال لى أضرب لذلك مثلا أرأيت لو أنك وضعت جرا على مرفع ووضعت تحتها آجرة جديدة فقطرت أما كان قطرها يثقب الآجرة على طول الدهر أو ما علمت أن لكل قطرة خدا قال فمات والله أبو جعفر كما قال بالبطن وقال بعضهم كان بدء وجعه الذى مات فيه من حر أصابه من ركوبه في الهواجر وكان رجلا محرورا على سنه يغلب عليه المرار الاحمر ثم هاض بطنه فلم يزل كذلك حتى نزل بستان ابن عامر فاشتد به فرحل عنه فقصر عن مكة ونزل بئر ابن المرتفع فأقام بها يوما وليلة ثم صار منها إلى بئر ميمون وهو يسأل عن دخوله الحرم ويوصى الربيع بما يريد أن يوصيه وتوفى بها في السحر مع أو طلوع الفجر ليلة السبت لست خلون من ذى الحجة ولم يحضره عند وفاته إلا خدمه والربيع مولاه فكتم الربيع موته ومنع النساء وغير هن من البكاء عليه والصراخ ثم أصبح فحضر أهل بيته كما كانوا يحضرون وجلسوا مجالسهم فكان أول من دعى به عيسى بن على فمكث ساعة ثم أذن لعيسى بن موسى وقد كان فيما خلا يقدم في الاذن على عيسى بن على فكان ذلك مما ارتيب به ثم أذن للاكابر وذوى الاسنان من أهل البيت ثم لعامتهم فأخذ الربيع بيعتهم لامير المؤمنين المهدى ولعيسى بن موسى من بعده على يد موسى بن المهدى حتى فرغ من بيعة بنى هاشم ثم دعا بالقواد فبايعوا ولم ينكل منهم عن ذلك رجل إلا على بن عيسى بن ماهان فانه أبى عند ذكر عيسى ابن موسى أن يبايع له فلطمه محمد بن سليمان وقال من هذا العلج وأمصه وهم بضرب عنقه فبايع وتتابع الناس بالبيعة وكان المسيب بن زهير أول من استثنى في البيعة وقال عيسى بن موسى إن كان كذلك فأمصوه وخرج موسى بن المهدى إلى مجلس العامة فبايع من بقى من القواد والوجوه وتوجه العباس بن محمد ومحمد ابن سليمان إلى مكة ليبايع أهلها بها وكان العباس يومئذ المتكلم فبايع الناس للمهدى بين الركن والمقام وتفرق عدة من أهل بيت المهدى في نواحى مكة والعسكر

[ 308 ]

فبايعه الناس وأخذ في جهاز المنصور وغسله وكفنه وتولى ذلك من أهل بيته العباس بن محمد والربيع والريان وعدة من خدمه ومواليه ففرغ من جهازه مع صلاة العصر وغطى من وجهه وجميع جسده بأكفانه إلى قصاص شعره وأبدى رأسه مكشوفا من أجل الاحرام وخرج به أهل بيته والاخص من مواليه وصلى عليه فيما زعم الواقدي عيسى بن موسى في شعب الخوز وقيل إن الذى صلى عليه إبراهيم بن يحيى بن محمد بن على وقيل إن المنصور كان أوصى بذلك وذلك أنه كان خليفته على الصلاة بمدينة السلام وذكر على بن محمد النوفلي عن أبيه أن إبراهيم ابن يحيى صلى عليه في المضارب قبل أن يحمل لان الربيع قال لا يصلى عليه أحد يطمع في الخلافة فقدموا إبراهيم بن يحيى وهو يومئذ غلام حدث ودفن في المقبرة التى عند ثنية المدنيين التى تسمى كذا وتسمى ثنية المعلاة لانها بأعلى مكة ونزل في قبره عيسى ابن على والعباس بن محمد وعيسى بن موسى والربيع والريان مولياه ويقطين بن موسى (واختلف) في مبلغ سنه يوم توفى فقال بعضهم كان يوم توفى ابن أربع وستين سنة وقال بعضهم كان يومئذ ابن خمس وستين سنة وقال بعضهم كان يوم توفى ابن ثلاث وستين سنة وقال هشام بن الكلبى هلك المنصور وهو ابن ثمان وستين سنة وقال هشام ملك المنصور اثنتين وعشرين سنة إلا أربعة وعشرين يوما (واختلف) عن أبى معشر في ذلك فحدثني أحمد بن ثابت الرازي عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عنه أنه قال توفى أبو جعفر قبل يوم التروية بيوم يوم السبت فكانت خلافته اثنتين وعشرين سنة إلا ثلاثة أيام وروى عن ابن بكار عنه أنه قال إلا سبع ليال وقال الواقدي كانت ولاية أبى جعفر اثنتين وعشرين سنة إلا ستة أيام وقال عمر بن شبة كانت خلافته اثنتين وعشرين سنة غير يومين (وحج) بالناس في هذه السنة إبراهيم بن يحيى بن محمد بن على (وفى هذه السنة) هلك طاغية الروم ذكر الخبر عن صفة أبى جعفر المنصور ذكر أنه كان أسمر طويلا نحيفا خفيف العارضين وكان ولد بالحميمة

[ 309 ]

ذكر الخبر عن بعض سيره ذكر عن صالح بن الوجيه عن أبيه قال بلغ المنصور أن عيسى بن موسى قتل رجلا من ولد نصر بن سيار كان مستخفيا بالكوفة فدل عليه فضرب عنقه فأنكر ذلك وأعظمه وهم في عيسى بأمر كان فيه هلاكه ثم قطعه عن ذلك جهل عيسى بما فعل فكتب إليه أما بعد فانه لولا نظر أمير المؤمنين واستبقاؤه لم يؤخرك عقوبة قتل ابن نصر بن سيار واستبدادك به بما يقطع أطماع العمال في مثله فامسك عمن ولاك أمير المؤمنين أمره من عربي وأعجمي وأحمر وأسود ولا تستبدن على أمير المؤمنين بإمضاء عقوبة في أحد قبله تباعة فانه لا يرى أن يأخذ أحدا بظنة قد وضعها الله عنه بالتوبة ولا بحدث كان منه في حرب أعقبه الله منها سلما ستر به عن ذى غلة وحجز به عن محنة ما في الصدور وليس ييأس أمير المؤمنين لاحد ولا لنفسه من الله من إقبال مدبر كما أنه لا يأمن إدبار مقبل ان شاء الله والسلام وذكر عن عباس بن الفضل قال حدثنى يحيى بن سليم كاتب الفضل بن الربيع قال لم ير في دار المنصور لهو قط ولا شئ يشبه اللهو واللعب والعبث الا يوما واحدا فإنا رأينا ابنا له يقال له عبد العزيز أخا سليمان وعيسى ابني أبى جعفر من الطلحية توفى وهو حدث قد خرج على الناس متنكبا قوسا متعمما بعمامة مترديا ببرد في هيئة غلام أعرابي راكبا على قعود بين جو القين فيهما مقل ونعال ومساويك وما يهديه الاعراب فعجب الناس من ذلك وأنكروه قال فمضى الغلام حتى عبر الجسر وأتى المهدى بالرصافة فأهدى إليه ذلك فقبل المهدى مافى الجواليق وملاهما دراهم فانصرف بين الجوالقين فعلم أنه ضرب من عبث الملوك وذكر عن حماد التركي قال كنت واقفا على رأس المنصور فسمع جلبة في الدار فقال ما هذا يا حماد انظر فذهبت فإذا خادم لم قد جلس بين الجوارى وهو يضرب لهن بالطنبور وهن يضحكن فجئت فأخبرته فقال وأى شئ الطنبور فقلت خشبة من حالها وأمرها ووصفتها له فقال لى أصبت صفته فما يدريك أنت ما الطنبور قلت رأيته بخراسان قال نعم هناك ثم قال هات نعلي فأتيته بها فقام يمشى رويدا حتى أشرف عليهم

[ 310 ]

فرآهم فلما بصروا به تفرقوا فقال خذوه فأخذ فقال اضرب به رأسه فلم أزل أضرب به رأسه حتى كسرته ثم قال أخرجه من قصرى واذهب به إلى حمران بالكرخ وقل له يبيعه وذكر العباس بن الفضل عن سلام الابرش قال كنت وأنا وصيف وغلام آخر نخدم المنصور داخلا في منزله وكانت له حجرة فيها بيت وفسطاط وفراش ولحاف يخلو فيه وكان من أحسن الناس خلقا ما لم يخرج إلى الناس وأشد احتمالا لما يكون من عبث الصبيان فإذا لبس ثيابه تغير لونه وتربد وجهه واحمرت عيناه فيخرج فيكون منه ما يكون فإذا قام من مجلسه رجع بمثل ذلك فنستقبله في ممشاه فربما عاتبناه وقال لى يوما يا بنى إذا رأيتنى قد لبست ثيابي أو رجعت من مجلسي فلا يدنون منى أحد منكم مخافة أن أعره بشئ وذكر أبو الهيثم خالد بن يزيد بن وهب بن جرير بن حازم قال حدثنى عبد الله بن محمد يلقب بمنقار من أهل خراسان وكان من عمال الرشيد قال حدثنى معن بن زائدة قال كنافى الصحابة سبعمائة رجل فكنا ندخل على المنصور في كل يوم قال فقلت للربيع اجعلني في آخر من يدخل فقال لى لست بأشرفهم فتكون في أولهم ولا بأخسهم نسبا فتكون في آخرهم وأن مرتبتك لتشبه نسبك قال فدخلت على المنصور ذات يوم وعلى دراعة فضفاضة وسيف حنفى أقرع بنعله الارض عمامة قد سدلتها من خلفي وقدامي قال فسلمت عليه وخرجت فلما صرت عند الستر صاح بى يا معن صيحة أنكرتها فقلت لبيك يا أمير المؤمنين قال إلى فدنوت منه فإذا به قد نزل عن عرشه إلى الارض وجثا على ركبتيه واستل عمودا من بين فراشين واستحال لونه ودرت أو داجه فقال إنك لصاحبي يوم واسط لا نجوت إن نجوت منى قال قلت يا أمير المؤمنين تلك نصرتي لباطلهم فكيف نصرتي لحقك قال فقال لى كيف قلت فأعدت عليه القول فما زال يستعيدني حتى رد العمود في مستقره واستوى متربعا واصفر لونه فقال يا معن إن لى باليمن هنات قلت يا أمير المؤمنين ليس لمكتوم رأى قال فقال أنت صاحبي فاجلس فجلست وأمر الربيع بإخراج كل من كان في القصر فخرج فقال لى إن صاحب اليمن قدهم بمعصيتي وإنى أريد

[ 311 ]

أن آخذه أسيرا ولا يفوتنى شئ من ماله فما ترى قال قلت يا أمير المؤمنين ولنى اليمن وأظهر أنك ضممتنى إليه ومر الربيع يزيح علتى في كل ما أحتاج إليه ويخرجني من يومى هذا لئلا ينتشر الخبر قال فاستل عهدا من بين فراشين فوقع فيه اسمى وناولنيه ثم دعا الربيع فقال يا ربيع انا قد ضممنا معنا إلى صاحب اليمن فأزح علته فيما يحتاج إليه من الكراع والسلاح ولا يمسى إلا وهو راجل ثم قال ودعني فودعته وخرجت إلى الدهليز فلقينى أبو الوالى فقال يا معن اعزز على أن تضم إلى ابن أخيك قال فقلت إنه لا غضاضة على الرجل أن يضمه سلطانه إلى ابن أخيه فخرجت إلى اليمن فأتيت الرجل فأخذته أسيرا وقرأت عليه العهد وقعدت في مجلسه وذكر حماد بن أحمد اليماني قال حدثنى محمد بن عمر اليمامى أبو الردينى قال أراد معن بن زائدة أن يوفد إلى المنصور قوما يسلون سخيمته ويستعطفون قلبه عليه وقال قد أفنيت عمرى في طاعته وأتعبت نفسي وأفنيت رجالى في حرب اليمن ثم يسخط على أن أنفقت المال في طاعته فانتخب جماعة من عشيرته من أفناء ربيعة فكان فيمن اختار مجاعة ابن الازهر فجعل يدعو الرجال واحدا واحدا ويقول ماذا أنت قائل لامير المؤمنين إذا وجهتك إليه فيقول أقول وأقول حتى جاءه مجاعة بن الازهر فقال أعز الله الامير تسألني عن مخاطبة رجل بالعراق وأنا باليمن أقصد لحاجتك حتى أتأتي لها كما يمكن وينبغى فقال أنت صاحبي ثم التفت إلى عبد الرحمن بن عتيق المزني فقال له شد على عضد ابن عمك وقدمه أمامك فان سها عن شئ فتلافه واختار من أصحابه ثمانية نفر معهما حتى تموا عشرة وودعهم ومضوا حتى صاروا إلى أبى جعفر فلما صاروا بين يديه تقدموا فابتدأ مجاعة بن الازهر بحمد الله والثناء عليه والشكر حتى ظن القوم أنه انما قصد لهذا ثم كر على ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وكيف اختاره الله من بطون العرب ونشر من فضله حتى تعجب القوم ثم كر على ذكر أمير المؤمنين المنصور وما شرفه الله به وما قلده ثم كر على حاجته في ذكر صاحبه فلما انتهى كلامه قال المنصور أما ما وصفت من حمد الله فالله أجل وأكبر من أن تبلغه الصفات وأما ما ذكرت من النبي صلى الله عليه وسلم فقد فضله الله

[ 312 ]

بأكثر مما قلت وأما ما وصفت به أمير المؤمنين فإنه فضله الله بذلك وهو معينه على طاعته ان شاء الله وأما ما ذكرت من صاحبك فكذبت ولؤمت اخرج فلا يقبل ما ذكرت قال صدق أمير المؤمنين ووالله ما كذبت في صاحبي فاخرجوا فلما صاروا إلى آخر الايوان أمر برده مع أصحابه فقال ما ذكرت فكر عليه الكلام حتى كأنه كان في صحيفة يقرأه فقال له مثل القول الاول فأخرجوا حتى برزوا جميعا وأمر بهم فوقفوا ثم التفت إلى من حضر من مضر فقال هل تعرفون فيكم مثل هذا والله لقد تكلم حتى حسدته وما منعنى أن أتم على رده الا أن يقال تعصب عليه لانه ربعى وما رأيت كاليوم رجلا أربط جأشا ولا أظهر بيانا رده يا غلام فلما صار بين يديه أعاد السلام وأعاد أصحابه فقال له المنصور اقصد لحاجتك وحاجة صاحبك قال يا أمير المؤمنين معن بن زائدة عبدك وسيفك وسهمك رميت به عدوك فضرب وطعن ورمى حتى سهل ما حزن وذل ما صعب واستوى ما كان معوجا من اليمن فأصبحوا من خول أمير المؤمنين أطال الله بقاءه فان كان في نفس أمير المؤمنين هنة من ساع أو واش أو حاسد فأمير المؤمنين أولى بالتفضل على عبده ومن أفنى عمره في طاعته فقبل وفادتهم وقبل العذر من معن وأمر بصرفهم إليه فلما صاروا إلى معن وقرأ الكتاب بالرضى قبل ما بين عينيه وشكر أصحابه وخلع عليهم وأجازهم على أقدارهم وأمرهم بالرحيل إلى منصور فقال مجاعة آليت في مجلس من وائل قسما * ألا أبيعك يا معن بأطماع يا معن إنك قد أوليتني نعما * عمت لجيما وخصت آل مجاع فلا أزال إليك الدهر منقطعا * حتى يشيد بهلكى هتفه الناعي قال وكانت نعم معن على مجاعة أته سأله ثلاث حوائج منها أنه كان يتعشق امرأة من أهل بيته سيدة يقال لها زهراء لم يتزوجها أحد بعد وكانت إذا ذكر لها قالت بأى شئ يتزوجني أبجبته الصوف أم بكسائه فلما رجع إلى معن كان أول شئ سأله أن يزوجه بها وكان أبوها في جيش معن فقال أريد زهراء وأبوها في عسكرك أيها الامير فزوجه إياها على عشرة آلاف درهم وأمهرها من عنده

[ 313 ]

فقال له معن حاجتك الثانية قال الحائط الذى فيه منزلي بحجر وصاحبه في عسكر الامير فاشتراه منه وصيره له وقال حاجتك الثالثة قال تهب لى مالا قال فأمر له بثلاثين ألف درهم تمام مائة ألف درهم وصرفه إلى منزله وذكر عن محمد ابن سالم الخوارزمي وكان أبوه من قواد خراسان قال سمعت أبا الفرج خال عبد الله بن جبلة الطالقاني يقول سمعت أبا جعفر يقال ما كان أحوجنى إلى أن يكون على بابى أربعة نفر لا يكون على بابى أعف منهم قيل له يا أمير المؤمنين من هم قال هم أركان الملك ولا يصلح الملك إلا بهم كما أن السرير لا يصلح إلا بأربع قوائم ان نقصت واحدة وهى أما أحدهم فقاض لا تأخذه في الله لومة لائم والآخر صاحب شرطة ينصف الضعيف من القوى والثالث صاحب خراج يستقصى ولا يظلم الرعية فانى عن ظلمها غنى والرابع ثم عض على أصبعه السبابة ثلاث مرات يقول في كل مرة آه آه قيل له ومن هو يا أمير المؤمنين قال صاحب بريد يكتب بخبر هؤلاء على الصحة وقيل إن المنصور دعا بعامل من عماله قد كسر خراجه فقال له أدما عليك قال والله ما أملك شيئا ونادى المنادى أشهد أن لا إله إلا الله فقال يا أمير المؤمنين هب ما على لله ولشهادة أن لاإله إلا الله فخلى سبيله قال وولى المنصور رجلا من أهل الشأم شيئا من الخراج فأوصاه وتقدم إليه فقال ما أعرفني بما في نفسك الساعة يا أخا أهل الشأم تخرج من عندي الساعة فتقول الزم الصحة يلزمك العمل قال وولى رجلا من أهل العراق شيئا من خراج السواد فأوصاه وتقدم إليه فقال ما أعرفني بما في نفسك تخرج الساعة فتقول من عال بعدها فلا اجتبر اخرج عنى وامض إلى عملك فوالله لئن تعرضت لذلك لا بلغن من عقوبتك ما تستحقه قال فوليا له جميعا وصححا وناصحا * ذكر الصباح ابن عبد الملك الشيباني عن إسحاق بن موسى بن عيسى أن المنصور ولى رجلا من العرب حضرموت فكتب إليه والى البريد أنه يكثر الخروج في طلب الصيد ببزاة وكلاب قد أعدها فعزله وكتب إليه ثكلتك أمك وعدمتك عشيرتك ما هذه العدة التى أعددتها للنكاية في الوحش انا إنما استكفيناك أمور المسلمين ولم

[ 314 ]

نستكفك أمور الوحش سلم ما كنت تلى من عملنا إلى فلان بن فلان والحق بأهلك ملوما مدحورا * وذكر الربيع أنه قال أدخل على المنصور سهيل بن سالم البصري وقد ولى عملا فعزل فأمر بحبسه واستئدائه فقال سهيل عبدك يا أمير المؤمنين قال بئس العبد أنت قال لكنك يا أمير المؤمنين نعم المولى قال أمالك فلا قال وذكر عن الفضل بن الربيع عن أبيه أنه قال بينا أنا قائم بين يدى المنصور أو على رأسه إذ أتى بخارجى قد هزم له جيوشا فأقامه ليضرب عنقه ثم اقتحمته عينه فقال يا ابن الفاعلة مثلك يهزم الجيوش فقال له الخارجي ويلك وسوءة لك بينى وبينك أمس السيف والقتل واليوم القذف والسب وما كان يؤمنك أن أرد عليك وقد يئست من الحياة فلا تستقيلها أبدا قال فاستحيى منه المنصور وأطلقه فما رأى له وجها حولا * ذكر عبد الله بن عمرو الملحى أن هارون بن محمد بن اسماعيل بن موسى الهادى قال حدثنى عبد الله بن محمد بن أبى أيوب المكى عن أبيه قال حدثنى عمارة بن حمزة قال كنت عند المنصور فانصرفت من عنده في وقت انتصاف النهار وبعد أن بايع الناس للمهدى فجاءني المهدى في وقت انصرافي فقال لى قد بلغني أن أبى قد عزم أن يبايع لجعفر أخى وأعطى الله عهدا لئن فعل لاقتلنه فمضيت من فورى إلى أمير المؤمنين فقلت هذا أمر لا يؤخر فقال الحاجب الساعة خرجت قلت أمر حدث فأذن لى فدخلت إليه فقال لى هيه يا عمارة ما جاء بك قلت أمر حدث يا أمير المؤمنين أريد أن أذكره قال فأنا أخبرك به قبل أن تخبرني جاءك المهدى فقال كيت وكيت قلت والله يا أمير المؤمنين لكأنك حاضر ثالثنا قال قل له نحن أشفق عليه من أن نعرضه لك * وذكر عن احمد بن يوسف بن القاسم قال سمعت ابراهيم بن صالح يقول كنا في مجلس ننتظر الاذن فيه على المنصور فتذاكرنا الحجاج فمنا من حمده ومنا من ذمه فكان ممن حمده معن بن زائدة وممن ذمه الحسن بن زيد ثم أذن لنا فدخلنا على المنصور فانبرى الحسن بن زيد فقال يا أمير المؤمنين ما كنت أحسبنى أبقى حتى يذكر الحجاج في دارك وعلى بساطك فيثنى عليه فقال أبو جعفر وما استنكرت من

[ 315 ]

ذلك رجل استكفاه قوم فكفاهم والله لوددت أنى وجدت مثل الحجاج حتى أستكفيه أمرى وأنزله أحد الحرمين قال فقال له معن يا أمير المؤمنين إن لك مثل الحجاج عدة لو استكفيتهم كفوك قال ومن هم كأنك تريد نفسك قال وان أردتها فلم أبعد من ذلك قال كلا لست كذاك إن الحجاج ائتمنه قوم فأدى إليهم الامانة وإنا ائتمناك فخنتنا * ذكر الهيثم بن عدى عن أبى بكر الهذلى قال سرت مع أمير المؤمنين المنصور إلى مكة وسايرته يوما فعرض لنا رجل على ناقة حمراء تذهب في الارض وعليه جبة خز وعمامة عدنية وفى يده سوط يكاد يمس الارض سرى الهيئة فلما رآه أمرنى فدعوته فجاء فسأله عن نسبه وبلاده وبادية قومه وعن ولاة الصدقة فأحسن الجواب فأعجبه ما رأى منه فقال أنشدني فأنشده شعر الاوس ابن حجر وغيره من الشعراء من بنى عمرو بن تميم وحدثه حتى أتى على شعر لطريف بن تميم العنبري وهو قوله إن قناتي لنبع لا يؤيسها * غمز الثقاف ولا دهن ولا نار متى أجر خائفا تأمن مسارحه * وإن أخف آمنا تقلق به الدار إن الامور إذا أوردتها صدرت * إن الامور لها ورد وإصدار فقال ويحك وما كان طريف فيكم حيث قال هذا الشعر قال كان أثقل العرب على عدوه وطأة وأدركهم بثأرو أيمنهم نقيبة وأعساهم قناة لمن رام هضمه وأقراهم لضيفه وأحوطهم من وراء جاره اجتمعت العرب بعكاظ فكلهم أقر له بهذه الخلال غير أن امرءا أراد أن يقصر به فقال والله ما أنت ببعيد النجعة ولا قاصد الرمية فدعاه ذلك إلى أن جعل على نفسه ألا يأكل إلا لحم قنص يقتنصه ولا ينزع كل عام عن غزوة يبعد فيها أثره قال يا أخا بنى تميم لقد أحسنت إذ وصفت صاحبك ولكني أحق ببيتيه منه أنا الذى وصف لا هو * وذكر أحمد بن خالد الفقيمى أن عدة من بنى هاشم حدثوه أن المنصور كان شغله في صدر نهاره بالامر والنهى والولايات والعزل وشحن الثغور والاطراف وأمن السبل والنظر في الخراج والنفقات ومصلحة معاش الرعية لطرح عالتهم والتلطف لسكونهم وهدئهم فإذا

[ 316 ]

صلى العصر جلس لاهل بيته الا من أحب أن يسامره فإذا صلى العشاء الآخرة نظر فيما ورد عليه من كتب الثغور والاطراف والآفاق وشاور سماره من ذلك فيما أرب فإذا مضى ثلث الليل قام إلى فراشه وانصرف سماره فإذا مضى الثلث الثاني قام من فراشه فأسبغ وضوءه وصف في محرابه حتى يطلع الفجر ثم يخرج فيصلى بالناس ثم يدخل فيجلس في إيوانه قال إسحاق حدثت عن عبد الله بن الربيع قال قال أبو جعفر لاسماعيل بن عبد الله صف لى الناس فقال أهل الحجاز مبتدأ الاسلام وبقية العرب وأهل العراق ركن الاسلام ومقاتلة عن الدين وأهل الشأم حصن الامة وأسنة الائمة وأهل خراسان فرسان الهيجاء وأعنة الرجال والترك منابت الصخور وأبناء المغازى وأهل الهند حكماء استغنوا ببلادهم فاكتفوا بها عما يليهم والروم أهل كتاب وتدين نخاهم الله من القرب إلى البعد والانباط كان ملكهم قديما فهم لكل قوم عبيد قال فأى الولاة أفضل قال الباذل للعطاء والمعرض عن السيئة قال فأيهم أخرق قال أنهكهم للرعية وأتعبهم لها بالخرق والعقوبة قال فالطاعة على الخوف أبلغ في حاجة الملك أم الطاعة على المحبة قال يا أمير المؤمنين الطاعة عند الخوف تسر الغدر وتبالغ عند المعاينة والطاعة على المحبة تضمر الاجتهاد وتبالغ عند الغفلة قال فأى الناس أولاهم بالطاعة قال أولاهم بالمضرة والمنفعة قال ما علامة ذلك قال سرعة الاجابة وبذل النفس قال فمن ينبغى للملك أن يتخذه وزيرا قال أسلمهم قلبا وأبعدهم من الهوى * وذكر عن أبى عبيد الله الكاتب قال سمعت المنصور يقول للمهدى حين عهد له بولاية العهد يا أبا عبد الله استدم النعمة بالشكر والقدرة بالعفو والطاعة بالتألف والنصر بالتواضع ولا تنس مع نصيبك من الدنيا نصيبك من رحمة الله * وذكر الزبير ابن بكار قال حدثنى مبارك الطبري قال سمعت أبا عبيد الله يقول سمعت المنصور يقول للمهدى لا تبرم أمرا حتى تفكر فيه فان فكر العاقل مرآته تريه حسنه وسيئه * وذكر الزبير أيضا عن مصعب بن عبد الله عن أبيه قال سمعت أبا جعفر المنصور يقول للمهدى يا أبا عبد الله لا يصلح السلطان إلا بالتقوى ولا تصلح رعيته

[ 317 ]

الا بالطاعة ولا تعمر البلاد بمثل العدل ولا تدوم نعمة السلطان وطاعته الا بالمال ولا تقدم في الحياطة بمثل نقل الاخبار وأقدر الناس على العفو أقدرهم على العقوبة وأعجز الناس من ظلم من هو دونه واعتبر عمل صاحبك وعلمه باختباره وعن المبارك الطبري أنه سمع أبا عبيد الله يقول سمعت المنصور يقول للمهدى يا أبا عبد الله لا تجلس مجلسا الا ومعك من أهل العلم من يحدثك فان محمد بن شهاب الزهري قال الحديث ذكر ولا يحبه الا ذكور الرجال ولا يبغضه إلا مؤنثوهم وصدق أخو زهرة * وذكر عن على بن مجاهد بن محمد بن على أن المنصور قال للمهدى يا أبا عبد الله من أحب الحمد أحسن السيرة ومن أبغض الحمد أساءها وما أبغض أحد الحمد الا استذم وما استذم إلا كره وقال المبارك الطبري سمعت أبا عبيد الله يقول قال المنصور للمهدى يا أبا عبد الله ليس العاقل الذى يحتال للامر الذى وقع فيه حتى يخرج منه ولكنه الذى يحتال للامر الذى غشيه حتى لا يقع فيه وذكر الفقيمى عن عتبة بن هارون قال قال أبو جعفر يوما للمهدى كم راية عندك قال لا أدرى قال هذا والله التضييع أنت لامر الخلافة أشد تضييعا ولكن قد جمعت لك مالا يضرك معه ما ضيعت فاتق الله فيما خولك * وذكر على بن محمد عن حفص بن عمر بن حماد عن خالصة قالت دخلت على المنصور فإذا هو يتشكى وجع ضرسه فلما سمع حسى قال ادخلي فلما دخلت إذا هو واضع يده على صدغيه فسكت ساعة ثم قال لى يا خالصة كم عندك من المال قلت ألف درهم قال ضعى يدك على رأسي واحلفى قلت عندي عشرة آلاف دينار قال احمليها إلى فرجعت فدخلت على المهدى والخيزران فأخبرتهما فركلني المهدى برجله وقال لى ما ذهب بك إليه ما به من وجع ولكني سألته أمس مالا فتمارض احملي إليه ما قلت ففعلت فلما أتاه المهدى قال يا أبا عبد الله تشكو الحاجة وهذا عند خالصة وقال على بن محمد قال واضح مولى أبى جعفر قال قال أبو جعفر يوما انظر ما عندك من الثياب الخلقان فاجمعها فإذا علمت بمجئ أبى عبد الله فجئني بها قبل أن يدخل وليكن معها رقاع ففعلت ودخل عليه المهدى وهو يقدر الرقاع فضحك وقال يا أمير المؤمنين من

[ 318 ]

ههنا يقول الناس نظروا في الدينار والدرهم وما دون ذلك ولم يقل دانق فقال المنصور إنه لا جديد لمن لا يصلح خلقه هذا الشتاء قد حضر ونحتاج إلى كسوة للعيال والولد قال فقال المهدى فعلى كسوة أمير المؤمنين وعياله وولده فقال له دونك فافعل * وذكر على بن مرثد أبو دعامة الشاعر أن أشجع بن عمرو السلمى حدثه عن المؤمل بن أميل * وذكره أيضا عبد الله بن الحسن الخوارزمي أن أبا قدامة حدثه أن المؤمل بن أميل حدثه قال قدمت على المهدى قال ابن مرثد في خبره وهو ولى عهد وقال الخوارزمي قدمت عليه الرى وهو ولى عهد فأمر لى بعشرين ألف درهم لابيات امتدحته بها فكتب بذلك صاحب البريد إلى المنصور وهو بمدينة السلام يخبره أن المهدى أمر لشاعر بعشرين ألف درهم فكتب إليه المنصور يعذله ويلومه ويقول له إنما كان ينبغى لك أن تعطى الشاعر بعد أن يقيم ببابك سنة أربعة آلاف درهم قال أبو قدامة فكتب إلى كاتب المهدى أن يوجه إليه بالشاعر فطلب فلم يقدر عليه فكتب إليه أنه قد توجه إلى مدينة السلام فوجه المنصور قائدا من قواده فأجلسه على جسر النهروان وأمره أن يتصفح الناس رجلا رجلا ممن يمر به حتى يظفر بالمؤمل فلما رآه قال له من أنت قال أنا المؤمل بن أميل من زوار الامير المهدى قال إياك طلبت قال المؤمل فكاد قلبى ينصدع خوفا من أبى جعفر فقبض على ثم أتى بى باب المقصور وأسلمنى إلى الربيع فدخل إليه الربيع فقال هذا الشاعر قد ظفرنا به فقال أدخلوه على فأدخلت عليه فسلمت فرد على السلام فقلت ليس ههنا إلا خير قال أنت المؤمل بن أميل قلت نعم أصلح الله أمير المؤمنين قال هيه أتيت غلاما غرا فخدعته قال فقلت نعم أصلح الله أمير المؤمنين أتيت غلاما غرا كريما فخدعته فانخدع قال فكان ذلك أعجبه فقال أنشدني ما قلت فيه فأنشدته هو المهدى إلا أن فيه * مشابه صورة القمر المنير تشابه ذا وذا فهما إذا ما * أنارا مشكلان على البصير فهذا في الظلام سراج ليل * وهذا في النهار سراج نور

[ 319 ]

ولكن فضل الرحمن هذا * على ذا بالمنابر والسرير وبالملك العزيز فذا أمير * وماذا بالامير ولا الوزير ونقص الشهر يخمد ذا وهذا * منير عند نقصان الشهور فيا ابن خليفة الله المصفى * به تعلو مفاخرة الفخور لئن فت الملوك وقد توافوا * إليك من السهولة والوعور لقد سبق الملوك أوك حتى * بقوا من بين كاب أو حسير وجئت وراءه تجرى حثيثا * وما بك حين تجرى من فتور فقال الناس ما هذان إلا * بمنزلة الخليق من الجدير لئن سبق الكبير فأهل سبق * له فضل الكبير على الصغير وإن بلغ الصغير مدى كبير * لقد خلق الصغير من الكبير فقال والله لقد أحسنت ولكن هذا لا يساوى عشرين ألف درهم وقال لى أين المال قلت ها هو ذا قال يا ربيع انزل معه فأعطه أربعة آلاف درهم وخذ منه الباقي قال فخرج الربيع فحط ثقلى ووزن لى أربعة آلاف درهم وأخذ الباقي قال فلما صارت الخلافة إلى المهدى ولى ابن ثوبان المظالم فكان يجلس للناس بالرصافة فإذا ملا كساءه رقاعا رفعها إلى المهدى فرفعت إليه يوما رقعة أذكره قصتي فلما دخل بها ابن ثوبان جعل المهدى ينظر في الرقاع حتى إذا نظر في رقعتي ضحك فقال له ابن ثوبان أصلح الله أمير المؤمنين ما رأيتك ضحكت من شئ من هذا الرقاع إلا من هذه الرقعة قال هذه رقعة أعرف سببها ردوا إليه العشرين الالف درهم فردت إلى وانصرفت * وذكر واضح مولى المنصور قال إنى لواقف على رأس أبى جعفر يوما إذ دخل عليه المهدى وعليه قباء أسود جديد فسلم وجلس ثم قام منصرفا وأتبعه أبو جعفر بصره لحبه له وإعجابا به فلما توسط الرواق عتر بسيفه فتخرق سواده فقام ومضى لوجهه غير مكترث لذلك ولا حافل به فقال أبو جعفر ردوا أبا عبد الله فرددناه إليه فقال يا أبا عبد الله أستقلالا للمواهب أم بطرا للنعمة أم قلة علم بموضع المصيبة كأنك جاهل بمالك وعليك وهذا الذى أنت

[ 320 ]

فيه عطاء من الله إن شكرته عليه زادك فإن عرفت موضع البلاء منه فيه عافاك فقال المهدى لا أعدمنا الله بقاءك يا أمير المؤمنين وإرشادك والحمد لله على نممه وأسأل الله الشكر على مواهبه والخلف الجميل برحمته ثم انصرف قال العباس بن الوليد بن مزيد قال سمعت ناعم بن مزيد يذكر عن الوضين بن عطاء قال استزارني أبو جعفر وكانت بينى وبينه خلالة قبل الخلافة فصرت إلى مدينة السلام فخلونا يوما فقال لى يا أبا عبد الله ما مالك قلت الخير الذى يعرفه أمير المومنين قال وما عيالك قلت ثلاث بنات والمرأة وخادم لهن قال فقال لى أربع في بيتك قلت نعم قال فوالله لردد ذلك على حتى ظننت أنه سيمولنى قال ثم رفع رأسه إلى فقال أنت أيسر العرب أربع مغازل يدرن في بيتك * رذكر بشر المنجم قال دعاني أبو جعفر يوما عند المغرب فبعثني في بعض الامر فلما رجعت رفع ناحية مصلاه فإذا دينار فقال لى خذ هذا واحتفظ به قال فهو عندي إلى الساعة * وذكر أبو الجهم بن عطية قال حدثنى أبو مقاتل الخراساني ورفع غلام له إلى أبى جعفر أن له عشرة آلاف درهم فأخذها منه وقال هذا مالى قال ومن أين يكو مالك فوالله ما وليت لك عملا قط ولا بينى وبينك رحم ولا قرابة قال بلى كنت تزوجت مولاة لعيينة بن موسى بن كعب فورثتك مالا وكان ذلك قد عصى وأخذ مال وهو وال على السند فهذا المال من ذلك المال * وذكر مصعب عن سلام عن أبى حارثة النهدي صاحب بيت المال قال ولى أبو جعفر رجلا باروسما فلما انصرف أراد أن يتعلل عليه لئلا يعطيه شيئا فقال له أشركتك في أمانتى ووليتك فيئا من فئ المسلمين فخنته فقال أعيذك بالله يا أمير المؤمنين ما صحبني من ذلك شئ إلا درهم منه مثقال صررته في كمى إذا خرجت من عندك اكتريت به بغلا إلى عيالي فأدخل بيتى ليس معى شئ من مال الله ولا مالك فقال ما أظنك إلا صادقا هلم درهمنا فأخذه منه فوضعه تحت لبده فقال ما مثلى ومثلك الا مثل مجير أم عامر قال وما مجير أم عامر فذكر قصة الضبع ومجيرها قال وانما عالظه أبو جعفر لئلا يعطيه شيئا * وذكر عن هشام بن محمد أن قثم بن العباس

[ 321 ]

دخل على أبى جعفر فكلمه في حاجة فقال له أبو جعفر دعني من حاجتك هذه أخبرني لم سميت قثما قال لا والله يا أمير المؤمنين ما أدرى قال القثم الذى يأكل ويزل أما سمعت قول الشاعر: وللكبراء أكل كيف شاؤا * وللصغراء أكل واقتثام * وذكر عن ابراهيم بن عيسى أن المنصور وهب لمحمد بن سليمان عشرين ألف درهم ولجعفر أخيه عشرة آلاف درهم فقال جعفر يا أمير المؤمنين تفضله على وأنا أسن منه قال وأنت مثله ! إنا لا نلتفت إلى ناحية إلا وجدنا من أثر محمد فيها شيئا وفى منزلنا من هداياه بقية وأنت لم تفعل من هذا شيئا * وذكر عن سوادة بن عمر والسلمى عن عبد الملك بن عطاء وكان في صحابة المنصور قال سمعت بن هبيرة وهو يقول في مجلسه ما رأيت رجلا قط في حرب ولا سمعت به في سلم أمكر ولا أبدع ولا أشد تيقظا من المنصور لقد حصرني في مدينتي تسعة أشهر ومعى فرسان العرب فجهدنا كل الجهد أن ننال من عسكره شيئا نكسره به فما تهيأ ولقد حصرني وما في رأسي بيضاء فخرجت إليه وما في رأسي سوداء وإنه لكما قال الاعشى: يقوم على الرغم من قومه * فيعفو إذا شاء أو ينتقم أخو الحرب لا ضرع واهن * ولم ينتعل بنعال خذم * وذكر ابراهيم بن عبد الرحمن أن أبا جعفر كان نازلا على رجل يقال له أزهر السمان وليس بالمحدث وذلك قبل خلافته فلما ولى الخلافة صار إليه إلى مدينة السلام فأدخل عليه فقال حاجتك قال يا أمير المؤمنين على دين أربعة آلاف درهم ودارى مستهدمة وابنى محمد يريد البناء بأهله فأمر له باثنى عشر ألف درهم ثم قال يا أزهر لا تأتنا طالب حاجة قال أفعل فلما كان بعد قليل عاد فقال يا أزهر ما جاء بك قال جئت مسلما يا أمير المؤمنين قال إنه ليقع في نفسي أشياء إنك أتينا لما أتيتنا له في المرة الاولى فأمر له باثنى عشر ألف درهم أخرى ثم قال يا أزهر لا تأتنا طالب حاجة ولا مسلما قال نعم يا أمير المؤمنين ثم لم يلبث أن عاد فقال يا أزهر ما جاء بك قال دعاء سمعته منك أحببت أن آخذه عنك قال لا ترده فإنه غير مستجاب

[ 322 ]

لانى قد دعوت الله به أن يريحني من خلقتك فلم يفعل وصرفه ولم يعطه شيئا وذكر الهيثم بن عدى أن ابن عباش حدثه أن ابن هبيرة أرسل إلى المنصور وهو محصور بواسط والمنصور بإزائه إنى خارج يوم كذا وكذا وداعيك إلى المبارزة فقد بلغني تجبينك إياى فكتب إليه يا ابن هبيرة إنك امرؤ متعد طورك جار في عنان غيك يعدك الله ما هو مصدقه ويمنيك الشيطان ما هو مكذبه ويقرب ما الله مباعده فرويدا يتم الكتاب أجله وقد ضربت مثلى ومثلك بلغني أن أسدا لقى خنزيرا فقال له الخنزير قاتلني فقال الاسد إنما أنت خنزير ولست لى بكف ء ولا نظير ومتى فعلت الذى دعوتني إليه فقتلتك قيل لى قتلت خنزيرا فلم أعتقد بذلك فخرا ولا ذكرا وإن نالنى منك شئ كان سبة على فقال إن أنت لم تفعل رجعت إلى السباع فأعلمتها أنك نكلت عنى وجبنت عن قتالي فقال الاسد احتمال عار كذبك أيسر على من لطخ شاربى بدمك وذكر عن محمد بن رياح الجوهرى قال ذكر لابي جعفر تدبير هشام بن عبد الملك في حرب كانت له فبعث إلى رجل كان معه ينزل الرصافة رصافة هشام يسأله عن ذلك الحرب فقدم عليه فقال أنت صاحب هشام قال نعم يا أمير المؤمنين قال فأخبرني كيف فعل في حرب دبرها في سنة كذا وكذا قال إنه فعل فيها رحمه الله كذا وكذا ثم أتبع بأن قال فعل كذا رضى الله عنه فأحفظ ذلك المنصور فقال قم عليك غضب الله تطأ بساطى وتترحم على عدوى فقام الشيخ وهو يقول إن لعدوك قلادة في عنقي ومنة في رقبتي لا ينزعها عنى إلا غاسلى فأمر المنصور برده وقال اقعد هيه كيف قلت فقلت إنه كفانى الطلب وصان وجهى عن السؤال فلم أقف على باب عربي ولا أعجمى منذ رأيته أفلا يجب على أن أذكره بخير وأتبعه بثنائي فقال بلى الله أم نهضت عنك وليلة أدتك أشهد أنك نهيض حرة وغراس كريم ثم استمع منه وأمر له ببر فقال يا أمير المؤمنين ما آخذه لحاجة وما هو إلا أنى أتشرف بحبائك وأتبجح بصلتك فأخذ الصلة وخرج فقال المنصور عند مثل هذا تحسن الصنيعة ويوضع المعروف ويجاد بالمصون وأين في عسكرنا مثله * وذكر عن حفص بن غياث عن ابن عياش قال كان أهل الكوفة لا تزال الجماعة منهم قد طعنوا

[ 323 ]

على عاملهم وتظلموا على أميرهم وتكلموا كلاما فيه طعن على سلطانهم فرفع ذلك في الخبر فقال للربيع اخرج إلى من بالباب من أهل الكوفة فقل لهم إن أمير المؤمنين يقول لكم لئن اجتمع اثنان منكم في موضع لاحلقن رؤسهما ولحاهما ولاضربن ظهورهما فالزموا منازلكم واتقوا على أنفسكم فخرج إليهم الربيع بهذه الرسالة فقال له ابن عياش يا شبه عيسى ابن مريم أبلغ أمير المؤمنين عنا كما أبلغتنا عنه فقل له والله يا أمير المؤمنين مالنا بالضرب طاقة فأما حلق اللحى فإذا شئت وكان ابن عياش منتوفا فأبلغه فضحك وقال قاتله الله ما أدهاه وأخبثه وقال موسى ابن صالح حدثنى محمد بن عقبة الصيداوي عن نصر بن حرب وكان في حرس أبى جعفر قال رفع إلى رجل قد جئ به من بعض الآفاق قد سعى في فساد الدولة فأدخلته على أبى جعفر فلما رآه قال أصبغ قال نعم يا أمير المؤمنين قال ويلك ما أعتقتك وأحسنت اليك قال بلى قال فسعيت في نقض دولتي وإفساد ملكى قال أخطأت وأمير المؤمنين أولى بالعفو قال فدعا أبو جعفر عمارة وكان حاضرا فقال يا عمارة هذا أصبغ فجعل يثبت في وجهى وكان في عينيه سوء فقال نعم يا أمير المؤمنين قال على بكيس عطائي فأنى بكيس فيه خمسمائة درهم فقال خذها فإنها وضح ويلك وعليك بعملك وأشار بيده يحركها فقال عمارة فقلت لاصبغ ما كان عنى أمير المؤمنين قال كنت وأنا غلام أعمل الحبال فكان يأكل من كسبى قال نصر ثم أتى به ثانية فأدخلته كما أدخلته قبل فلما وقف بين يديه أحد النظر إليه ثم قال أصبغ فقال نعم يا أمير المؤمنين قال فقص عليه ما فعل به وذكره إياه فأقر به وقال الحمق يا أمير المؤمنين فقدمه فضرب عنقه * وذكر على بن محمد بن سليمان النوفلي قال حدثنى أبى قال كان خضاب المنصور زعفرانيا وذلك أن شعره كان لينا لا يقبل الخضاب وكانت لحيته رقيقة فكنت أراه على المنبر يخطب ويبكى فيسرع الدمع على لحيته حتى تكف لقلة الشعر ولينه * وذكر ابراهيم بن عبد السلام ابن أخى السندي بن شاهك السندي قال ظفر المنصور برجل من كبراء بنى أمية فقال انى أسألك عن أشياء فاصدقني ولك الامان قال نعم فقال له المنصور من أين

[ 324 ]

أتى بنو أمية حتى انتشر أمرهم قال من تضييع الاخبار قال فأى الاموال وجدوها أنفع قال الجوهر قال فعند من وجدوا الوفاء قال عند مواليهم قال فأراد المنصور أن يستعين في الاخبار بأهل بيته ثم قال أضع من أقدارهم فاستعان بمواليه * وذكر على بن محمد الهاشمي أن أباه محمد بن سليمان حدثه قال بلغني أن المنصور أخذ الدواء في يوم شات شديد البرد فأتيته أسأله عن موافقة الدواء له فأدخلت مدخلا من القصر لم أدخله قط ثم صرت إلى حجيرة صغيرة وفيها بيت واحد ورواق بين يديه في عرض البيت وعرض الصحن على اسطوانة ساج وقد سدل على وجه الرواق بوارى كما يصنع بالمساجد فدخلت فإذا في البيت مسح ليس فيه شئ غيره إلا فراشه ومرافقه ودثاره فقلت يا أمير المؤمنين هذا بيت أربابك عنه فقال يا عم هذا بيت مبيتى قلت ليس هنا غير هذا الذى أرى قال ما هو إلا ما ترى قال وسمعته يقول عمن حدثه عن جعفر بن محمد قال قيل إن أبا جعفر يعرف بلباس جبة هروية مرقوعة وأنه يرقع قميصه فقال جعفر الحمد لله الذى لطف له حتى ابتلاه بفقر نفسه أو قال بالفقر في ملكه قال وحدثني أبى قال كان المنصور لا يولى أحدا ثم يعزله إلا ألقاه في دار خالد البطين وكان منزل خالد على شاطئ دجلة ملاصقا لدار صالح المسكين فيستخرج من المعزول مالا فما أخذ من شئ أمر به فعزل وكتب عليه اسم من أخذ منه وعزل في بيت مال وسماه بيت مال المظالم فكثر ما في ذلك البيت من المال والمتاع ثم قال للمهدى إنى قد هيأت لك شيئا ترضى به الخلق ولا تغرم من مالك شيئا فإذا أنامت فادع هؤلاء الذين أخذت منهم هذه الاموال التى سميتها المظالم فاردد عليهم كل ما أخذ منهم فإنك تستحمد إليهم وإلى العامة ففعل ذلك المهدى لما ولى قال على بن محمد فكان المنصور ولى محمد بن عبيد الله بن محمد بن سليمان ابن محمد بن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث البلقاء ثم عزله وأمر أن يحمل إليه مع مال وجد عنده فحمل إليه على البريد وألفى معه ألفا دينار فحملت مع ثقله على البريد وكان مصلى سوسنجرد ومضربة ومرفقة ووسادتين وطستا وابريقا وأشناندانه نحاس فوجد ذلك مجموعا كهيئته الا أن المتاع قد تأكل فأخذ الالفى دينار

[ 325 ]

واستحيا أن يخرج ذلك المتاع وقال لا أعرفه فتركه ثم ولاه المهدى بعد ذلك اليمن وولى الرشيد ابنه الملقب ربرا المدينة * وذكر أحمد بن الهيثم بن جعفر بن سليمان ابن على قال حدثنى صباح بن خاقان قال كنت عند المنصور حين أتى برأس إبراهيم ابن عبد الله بن حسن فوضع بين يديه في ترس فأكب عليه بعض السيافة فبصق في وجهه فنظر إليه أبو جعفر نظرا شديدا وقال لى دق أنفقه قال فضربت أنفه بالعمود ضربة لو طلب له أنف بألف دينار ما وجد وأخذته أعمدة الحرس فما زال يهشم بها حتى خمد ثم جربرجله قال الاصمعي حدثنى جعفر بن سليمان قال قدم أشعب أيام أبى جعفر بغداد فأطاف به فتيان بنى هاشم فغناهم فإذا ألحانه طربة وخلقه على حاله فقال له جعفر لمن هذا الشعر لمن طلل بذات الجي‍ * - ش أمسى دارسا خلقا علون بظاهر البيدا * ء فالمحزون قد قلقا فقال أخذت الغناء من معبد ولقد كنت آخذ عنه اللحن فإذا سئل عنه قال عليكم بأشعب فانه أحسن تأدية له منى قال الاصمعي وقال جعفر بن سليمان قال أشعب لابنه عبيدة إنى أرانى سأخرجك من منزلي وأنتفى منك قال ولم يا أبه قال لانى أكسب خلق الله لرغيف وأنت ابني قد بلغت هذا المبلغ من السن وأنت في عيالي ما تكسب شيئا قال بلى والله انى لاكسب ولكن مثل الموزة لا تحمل حتى تموت أمها * وذكر على بن محمد بن سليمان الهاشمي أن أباه محمدا حدثه أن الاكاسرة كان يطين لها في الصيف سقف بيت في كل يوم فتكون قائلة الملك فيه وكان يؤتى بأطنان القصب والخلاف طوالا غلاظا فترصف حول البيت ويؤتى بقطع الثلج العظام فتجعل مابين أضعافها وكانت بنو أمية تفعل ذلك وكان أول من اتخذ الخيش المنصور * وذكر بعضهم أن المنصور كان يطين له في أول خلافته بيت في الصيف يقيل فيه فاتخذ له أبو أيوب الخوزى ثيابا كثيفة تبل وتوضع على سبايك فيجد بردها فاستطابها وقال ما أحب هذه الثياب ان اتخذت أكثف من هذه إلا حملت من الماء أكثر مما تحمل وكانت أبرد فاتخذ له الخيش فكان

[ 326 ]

ينصب على قبة ثم اتخذ الخلفاء بعده الشرائج واتخذها الناس وقال على بن محمد عن أبيه إن رجلا من الراوندية كان يقال له الابلق وكان أبرص فتكلم بالغلو ودعا بالراوندية إليه فزعم أن الروح التى كانت في عيسى ابن مريم صارت في على بن أبى طالب ثم في الائمة في واحد بعد واحد إلى ابراهيم بن محمد وأنهم آلهة واستحلوا الحرمات فكان الرجل منهم يدعو الجماعة منهم إلى منزله فيطعمهم ويسقيهم ويحملهم على امرأته فبلغ ذلك أسد بن عبد الله فقلتهم وصلبهم فلم يزل ذلك فيهم إلى اليوم فعبدوا أبا جعفر المنصور وصعدوا إلى الخضراء فألقوا أنفسهم كأنهم يطيرون وخرج جماعتهم على الناس بالسلاح فأقبلوا يصيحون بأبى جعفر أنت أنت قال فخرج إليهم بنفسه فقاتلهم فأقبلوا يقولون وهم يقاتلون أنت أنت قال فحكى لنا عن بعض مشيختنا أنه نظر إلى جماعة الراوندية يرمون أنفسهم من الخضراء كأنهم يطيرون فلا يبلغ أحدهم الارض إلا وقد تفتت وخرجت روحه قال أحمد بن ثابت مولى محمد بن سليمان بن على عن أبيه أن عبد الله بن على لما توارى من المنصور بالبصرة عند سليمان بن على أشرف يوما ومعه بعض مواليه ومولى لسليمان بن على فنظر إلى رجل له جمال وكمال يمشى التخاجى ويجر أثوابه من الخيلاء فالتفت إلى مولى لسليمان بن على فقال من هذا قال له فلان بن فلان الاموى فاستشاط غضبا وصفق بيديه عجبا وقال إن في طريقنا لنبكا بعد يا فلان لمولى له انزل فأتني برأسه وتمثل قول سديف علام وفيم نترك عبد شمس * لها في كل راعية ثغاء فما بالرمس في حران منها * ولو قتلت بأجمعها وفاء وذكر على بن محمد المدائني أنه قدم على أبى جعفر المنصور بعد انهزام عبد الله ابن على وظفر المنصور به وحبسه إياه ببغداد وفد من أهل الشأم فيهم الحارث ابن عبد الرحمن فقام عدة منهم فتكلموا ثم قام الحارث بن عبد الرحمن فقال أصلح الله أمير المؤمنين إنا لسنا وفد مباهاة ولكنا وفد توبة وإنا ابتلينا بفتنة استفزت كريمنا واستخفت حليمنا فنحن بما قدمنا معترفون ومما سلف منا معتذرون فإن

[ 327 ]

تعاقبنا فبما أجرمنا وإن تعف عنا فبفضلك علينا فاصفح عنا إذ ملكت وامنن إذ قدرت وأحسن إذ ظفرت فطالما أحسنت قال أبو جعفر قد فعلت * وذكر عن الهيثم بن عدى عن زيد مولى عيسى بن نهيك قال دعاني المنصور بعد موت مولاى فقال يا زيد قلت لبيك يا أمير المؤمنين قال كم خلف أبو زيد من المال قلت ألف دينار أو نحوها قال فأين هي قلت أنفقتها الحرة في مأتمه قال فاستعظم ذلك وقال أنفقت الحرة في مأتمه ألف دينار ما أعجب هذا ثم قال كم خلف من البنات قلت ستا فأطرق مليا ثم رفع رأسه وقال اغد إلى باب المهدى فغدوت فقيل لى أمعك بغال فقلت لم أو مر بذلك ولا بغيره ولا أدرى لم دعيت قال فأعطيت ثمانين ومائة ألف دينار وأمرت أن أدفع إلى كل واحدة من بنات عيسى ثلاثين ألف دينار ثم دعاني المنصور فقال أقبضت ما أمرنا به لبنات أبى زيد قلت نعم يا أمير المؤمنين قال اغد على بأكفائهن حتى أزوجهن منهم قال فغدوت عليه بثلاثة من ولد العكى وثلاثة من آل نهيك من بنى عمهن فزوج كل واحدة منهن على ثلاثين ألف درهم وأمر أن تحمل إليهن صدقاتهن من ماله وأمرني أن أشترى بما أمر به لهن ضياعا يكون معاشهن منها ففعلت ذلك وقال الهيثم فرق أبو جعفر على جماعة من أهل بيته في يوم واحد عشرة آلاف درهم وأمر للرجل من أعمامه بألف ألف ولا نعرف خليفة قبله ولا بعده وصل بها أحدا من الناس وقال العباس ابن الفضل أمر المنصور لعمومته سليمان وعيسى وصالح واسماعيل بنى على بن عبد الله ابن عباس لكل رجل منهم بأنف ألف معونة له من بيت المال وكان أول خليفة أعطى ألف ألف من بيت المال فكانت تجرى في الدواوين * وذكر عن إسحاق ابن ابراهيم الموصلي قال حدثنى الفضل بن الربيع عن أبيه قال جلس أبو جعفر المنصور للمدنيين مجلسا عاما ببغداد وكان وفد إليه منهم جماعة فقال لينتسب كل من دخل على منكم فدخل عليه فيمن دخل شاب من ولد عمرو بن حزم فانتسب ثم قال يا أمير المؤمنين قال الاحوص فينا شعرا أمنعنا أموالنا من أجله منذ ستين سنة فقال أبو جعفر فأنشدني فأنشده

[ 328 ]

لا تأوين لحزمى رأيت به * فقرا وإن ألقى الحزمى في النار الناخسين بمروان بذى خشب * والداخلين على عثمان في الدار قال والشعر في المدح للوليد بن عبد الملك فأنشده القصيدة فلما بلغ هذا الموضع قال الوليد أذكرتني ذنب آل حزم فأمر باستصفاء أموالهم فقال أبو جعفر أعد على الشعر فأعاده ثلاثا فقال له أبو جعفر لا جرم انك تحتظى بهذا الشعر كما حرمت به ثم قال لابي أيوب هات عشرة آلاف درهم فادفعها إليه لغنائه إلينا ثم أمر أن يكتب إلى عماله أن يرد ضياع آل حزم عليهم ويعطو غلاتها في كل سنة من ضياع بنى أمية وتقسم أموالهم بينهم على كتاب الله على التناسخ ومن مات منهم وقر على ورثته قال فانصرف الفتى بما لم ينصرف به أحد من الناس * وحدثني جعفر بن أحمد بن يحيى قال حدثنى أحمد بن أسد قال أبطأ المنصور عن الخروج إلى الناس والركوب فقال الناس هو عليل وكثروا فدخل عليه الربيع فقال يا أمير المؤمنين لامير المؤمنين طول البقاء والناس يقولون قال ما يقولون قال يقولون عليل فأطرق قليلا ثم قال يا ربيع مالنا وللعامة إنما تحتاج العامة إلى ثلاث خلال فإذا فعل ذلك بها فما حاجتهم إذا أقيم لهم من ينظر من أحكامهم فينصف بعضهم من بعض ويؤمن سبلهم حتى لا يخافوا في ليلهم ولا نهارهم ويسد ثغورهم وأطرافهم حتى لا يجيئهم عدوهم وقد فعلنا ذلك بهم ثم مكث أياما وقال يا ربيع اضرب الطبل فركب حتى رآه العامة وذكر على بن محمد قال حدثنى أبى قال وجه أبو جعفر مع محمد بن أبى العباس بالزنادقة والمجان فكان فيهم حماد عجرد فأقاموا معه بالبصرة يظهر منهم المجون وإنما أراد بذلك أن يبغضه إلى الناس فأظهر محمد أنه يعشق زينب بنت سليمان بن على فكان يركب إلى المربد فيتصدى لها يطمع أن تكون في بعض المناظر تنظر إليه فقال محمد لحماد قل لى فيها شعرا فقال فيها أبياتا يقول فيها يا ساكن المربد قد هجت لى * شوقا فما أنفك بالمربد قال فحدثني أبى قال كان المنصور نازلا على أبى سنتين فعرفت الخصيب المتطيب لكثرة اتيانه إياه وكان الخصيب يظهر النصرانية وهو زنديق معطل

[ 329 ]

لا يبالى من قتل فأرسل إليه المنصور رسولا يأمره أن يتوخى قتل محمد بن أبى العباس فاتخذ سما قاتلا ثم انتظر علة تحدث بمحمد فوجد حرارة فقال له الخصيب خذ شربة دواء فقال هيئها لى فهيأها وجعل فيها ذلك السم ثم سقاه إياها فمات منها فكتبت بذلك أم محمد بن أبى العباس إلى المنصور تعلمه أن الخصيب قتل ابنها فكتب المنصور يأمر بحمله إليه فلما صار إليه ضربه ثلاثين سوطا ضربا خفيفا وحبسه أياما ثم وهب له ثلثمائة درهم وخلاه قال وسمعت أبى يقول كان المنصور شرط لام موسى الحميرية ألا يتزوج عليها ولا يتسرى وكتبت عليه بذلك كتابا أكدته وأشهدت عليه شهودا فعزب بها عشرة سنين في سلطانه فكان يكتب إلى الفقيه بعد الفقيه من أهل الحجاز يستفتيه ويحمل إليه الفقيه من أهل الحجاز وأهل العراق فيعرض عليه الكتاب ليفتيه فيه برخصة فكانت أم موسى إذا علمت مكانه بادرته فأرسلت إليه بمال جزيل فإذا عرض عليه أبو جعفر الكتاب لم يفته فيه برخصة حتى ماتت بعد عشر سنين من سلطانه ببغداد فأتته وفاتها بحلوان فأهديت له في تلك الليلة مائة بكر وكانت أم موسى ولدت له جعفرا والمهدى وذكر عن على بن الجعد أنه قال لما قدم بختيشوع الاكبر على المنصور من السوس ودخل عليه في قصره بباب الذهب ببغداد أمر له بطعام يتغدى به فلما وضعت المائدة بين يديه قال شراب فقيل له إن الشراب لا يشرب على مائدة أمير المؤمنين فقال لا آكل طعاما ليس معه شراب فأخبر المنصور بذلك فقال دعوه فلما حضر العشاء فعل به مثل ذلك فطلب الشراب فقيل له لا شرب على مائدة أمير المؤمين الشراب فتعشى وشرب ماء دجلة فلما كان من الغد نظر إلى مائة فقال ما كنت أحسب شيئا يجزى من الشراب فهذا ماء دجلة يجزى من الشراب وذكر عن يحيى بن الحسن أن أباه حدثه قال كتب المنصور إلى عامله بالمدينة أن بع ثمار الضياع ولا تبعها إلا ممن نغلبه ولا يغلبنا فانما يغلبنا المفلس الذى لا مال له ولا رأى لنا في عذابه فيذهب بما لنا قبله ولو أعطاك جزيلا وبعها من الممكن بدون ذلك ممن ينصفك ويوفيك وذكر أبو بكر الهذلى أن أبا جفعر كان يقول

[ 330 ]

ليس بانسان من أسدى إليه معروف فنسيه دون الموت وقال الفضل بن الربيع سمعت المنصور يقول كانت العرب تقول الغوى الفادح خير من الرى الفاضح وذكر عن أبان بن يزيد العنبري أن الهيثم القارئ البصري قرأ عند المنصور " ولا تبذر تبذيرا " إلى آخر الآية فقال له المنصور وجعل يدعو اللهم جنبني وبنى التبذير فيما أنعمت به علينا من عطيتك قال وقرأ الهيثم عنده " الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل " فقال الناس لولا إن الاموال حصن السلطان ودعامة للدين والدنيا وعزهما وزينهما مابت ليلة وأنا أحرز منه دينارا ولا درهما لما أجد لبذل المال من اللذاذة ولما أعلم في اعطائه من جزيل المثوبة ودخل على المنصور رجل من أهل العلم فازدراه واقتحمته عينه فجعل لا يسأله عن شئ إلا وجد عنده فقال له أنى لك هذا العلم قال لم أبخل بعلم علمته ولم أستح من علم أتعلمه قال فمن هناك قال وكان المنصور كثيرا ما يقول من فعل بغير تدبير وقال عن غير تقدير لم يعدم من الناس هازئا أو لا حيا وذكر عن قحطبة قال سمعت المنصور يقول الملوك تحتمل كل شئ من أصحابها إلا ثلاثا افشاء السر والتعرض للحرمة والقدح في الملك وذكر على بن محمد أن المنصور كان يقول سرك من دمك فانظر من تملكه وذكر الزبير بن بكار عن عمر قال لما حمل عبد الجبار بن عبد الرحمن الازدي إلى المنصور بعد خروجه عليه قال له يا أمير المؤمنين قتلة كريمة قال تركتها وراءك يا ابن اللخناء وذكر عن عمر بن شبة أن قحطبة بن غدانة الجشمى وكان من الصحابة قال سمعت أبا جعفر المنصور يخطب بمدينة السلام سنة 152 فقال يا عباد الله لا تظالموا فانها مظلمة يوم القيامة والله لولا يد خاطئة وظلم ظالم لمشيت بين أظهركم في أسواقكم ولو علمت مكان من هو أحق بهذا الامر منى لاتيته حتى أدفعه إليه وذكر إسحاق الموصلي عن النضر ابن حديد قال حدثنى بعض الصحابة أن المنصور كان يقول عقوبة الحليم التعريض وعقوبة السفيه التصريح وذكر أحمد بن خالد قال حدثنى يحيى بن أبى نصر القرشى أن أبان القارئ قرأ عند المنصور " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها

[ 331 ]

كل البسط " الآية فقال المنصور ما أحسن ما أدبنا ربنا قال وقال المنصور من صنع مثل ما صنع إليه فقد كافأ ومن أضعف فقد شكر ومن شكر كان كريما ومن علم أنه إنما صنع إلى نفسه لم يستبطئ الناس في شكرهم ولم يستزدهم من مودتهم فلا تلتمس من غيرك شكرما آتيته إلى نفسك ووقيت به عرضك واعلم أن طالب الحاجة اليك لم يكرم وجهه عن وجهك فأكرم وجهك عن رده وذكر عمر بن شبة أن محمد بن عبد الوهاب المهلبى حدثه قال سمعت إسحاق ابن عيسى يقول لم يكن أحد من بنى العباس يتكلم فيبلغ حاجته على البديهة غير أبى جعفر وداود بن على والعباس بن محمد وذكر عن أحمد بن خالد قال حدثنى إسماعيل بن إبراهيم الفهرى قال خطب المنصور ببغداد في يوم عرفة وقال قوم بل خطب في أيام منى فقال في خطبته أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقه وتسديده وأنا خازنه على فيئه أعمل بمشيئته وأقسمه بإرادته وأعطيه باذنه قد جعلني الله عليه قفلا إذا شاء أن يفتحنى لاعطياتكم وقسم فيئكم وأرزاقكم فتحني وإذا شاء أن يقفلنى أقفلنى فارغبوا إلى الله أيها الناس وسلوه في هذا اليوم الشريف الذى وهب لكم فيه من فضله ما أعلمكم به في كتابه إذ يقول تبارك وتعالى " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " أن يوفقني للصواب ويسددني للرشاد ويلهمنى الرأفة بكم والاحسان اليكم ويفتحني لاعطياتكم وقسم أرزاقكم بالعدل عليكم إنه سمع قريب وذكر عن داود بن رشيد عن أبيه أن المنصور خطب فقال الحمد لله أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فاعترضه معترض عن يمينه فقال أيها الانسان أذكرك من ذكرت به فقطع الخطبة ثم قال سمعا سمعا لمن حفظ عن الله وذكر به وأعوذ بالله أن أكون جبارا عنيدا وأن تأخذني العزة بالاثم لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين وأنت أيها القائل فوالله ما أردت بها وجه الله ولكنك حاولت أن يقال قام فقال فعوقب فصبر وأهون بها ويلك لو هممت فأهتبلها إذ غفرت وإياك وإياكم معشر الناس أختها فان الحكمة علينا نزلت ومن

[ 332 ]

عندنا فصلت فردوا الامر إلى أهله توردوه موارده وتصدروه مصادره ثم عاد في خطبته فكأنه يقرؤها من كفه فقال وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وذكر عن أبى توبة الربيع بن نافع عن ابن أبى الجوزاء أنه قال قمت إلى أبى جعفر وهو يخطب ببغداد في مسجد المدينة على المنبر فقرأت " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون " فأخذت فأدخلت عليه فقال من أنت ويلك إنما أردت أن أقتلك فاخرج عنى فلا أراك قال فخرجت من عنده سليما وقال عيسى بن عبد الله بن حميد حدثنى إبراهيم بن عيسى قال خطب أبو جعفر المنصور في هذا المسجد يعنى به مسجد المدينة ببغداد فلما بلغ اتقوا الله حق تقاته قام إليه رجل فقال وأنت يا عبد الله فاتق الله حق تقاته فقطع أبو جفعر الخطبة وقال سمعا سمعا لمن ذكر بالله هات يا عبد الله فما تقى الله فانقطع الرجل فلم يقل شيئا فقال أبو جعفر الله الله أيها الناس في أنفسكم لا تحملونا من أموركم مالا طاقة لكم به لا يقوم رجل هذا المقام إلا أوجعت ظهره وأطلت حبسه ثم قال خذه اليك يا ربيع قال فوثقنا له بالنجاة وكانت العلامة فيه إذا أراد بالرجل مكروها قال خذه اليك يا مسيب قال ثم رجع في خطبته من الموضع الذى كان قطعه فاستحسن الناس ذلك منه فلما فرغ من الصلاة دخل القصر وجعل عيسى بن موسى يمشى على هيئته خلفه فأحس به أبو جعفر فقال أبو موسى فقال نعم يا أمير المؤمنين قال كأنك خفتني على هذا الرجل قال والله لقد سبق إلى قلبى بعض ذلك إلا أن أمير المؤمنين أكثر علما وأعلى نظرا من أن يأتي في أمره إلا الحق فقال لا تخفني عليه فلما جلس قال على بالرجل فأتى به فقال يا هذا إنك لما رأيتنى على المنبر قلت هذا الطاغية لا يسعني إلا أن أكلمه ولو شغلت نفسك بغير هذا لكان أمثل لك فاشغلها بظماء الهواجر وقيام الليل وتغبير قدميك في سبيل الله أعطه يا ربيع أربعمائة درهم واذهب فلا تعد وذكر عن عبد الله بن صاعد مولى أمير المؤمنين أنه قال حج المنصور بعد بناء بغداد فقام خطيبا بمكة فكان مما حفظ من كلامه " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الارض يرثها عبادي الصالحون " أمر مبرم وقول عدل وقضاء فصل

[ 333 ]

والحمد لله الذى أفلج حجته وبعدا للقوم الظالمين الذين اتخذوا الكعبة غرضا والفئ إرثا وجعلوا القرآن عضين لقد حاق بهم ما كانوا به يستهزئون فكم ترى من بئر معطلة وقصر مشيد أهملهم الله حتى بدلوا السنة واضطهدوا العترة وعندوا واعتدوا واستكبروا وخاب كل جبار عنيد ثم أخذهم فهل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا وذكر الهيثم بن عدى عن ابن عياش قال إن الاحداث لما تتابعت على أبى جعفر تمثل تفرقت الظباء على خداش * فما يدرى خداش ما يصيد قال ثم أمر بإحضار القواد والموالي والصحابة وأهل بيته وأمر حمادا التركي بإسراج الخيل وسليمان بن مجالد بالتقدم والمسيب بن زهير بأخذ الابواب ثم خرج في يوم من أيامه حتى علا المنبر قال فأزعم عليه طويلا لا ينطق قال رجل لشبيب ابن شبة ما لامير المؤمنين لا يتكلم فانه والله ممن يهون عليه صعاب القول فلما باله قال فافترع الخطبة ثم قال مالى أكفكف عن سعد ويشتمني * ولو شتمت بنى سعد لقد سكنوا جهلا على وجبنا عن عدوهم * لبئست الخلتان الجهل والجبن ثم جلس وقال فألقيت عن رأسي القناع ولم أكن * لا كشفه إلا لاحدى العظائم والله لقد عجزوا عن أمر قمنا به فما شكروا الكافي ولقد مهدوا فاستوعروا وغمطوا الحق وغمصوا فماذا حاولوا أشرب رنقا على غصص أم أقيم على ضيم ومضض والله لا أكرم أحدا بإهانة نفسي والله لئن لم يقبلوا الحق ليطلبنه ثم لا يجدونه عندي والسعيد من وعظ بغيره قدم يا غلام ثم ركب وذكر الفقيمى أن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن مولى محمد بن على حدثه أن المنصور لما أخذ عبد الله بن حسن وإخوته والنفر الذين كانوا معه من أهل بيته صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم صلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال يا أهل خراسان أنتم شيعتنا وأنصارنا وأهل دولتنا ولو بايعتم غيرنا لم تبايعوا من هو خير منا وإن أهل

[ 334 ]

بيتى هؤلاء من ولد على بن أبى طالب تركناهم والله الذى لا إله إلا هو والخلافة فلم نعرض لهم فيها بقليل ولا كثير فقام فيها على بن أبى طالب فتلطخ وحكم عليه الحكمين فافترقت عنه الامة واختلفت عليه الكلمة ثم وثبت عليه شيعته وأنصاره وأصحابه وبطانته وثقاته فقتلوه ثم قام من بعده الحسن بن على فوالله ما كان فيها برجل قد عرضت عليه الاموال فقبلها فدس إليه معاوية إنى أجعلك ولى عهدي من بعدى فخدعه فانسلخ له مما كان فيه وسلمه إليه فأقبل على النساء يتزوج في كل يوم واحدة فيطلقها غد فلم يزل على ذلك حتى مات على فراشه ثم قام من بعده الحسين بن على فخدعه أهل العراق وأهل الكوفة أهل الشقاق والنفاق والاغراق في الفتن أهل هذه المدرة السوداء وأشار إلى الكوفة فوالله ماهى بحرب فأحاربها ولا سلم فأسالمها فرق الله بينى وبينها فخذلوه وأسلموه حتى قتل ثم قام من بعده زيد بن على فخدعه أهل الكوفة وغروه فلما أخرجوه وأظهروه أسلموه وقد كان أتى محمد بن على فناشده في الخروج وسأله أن لا يقبل أقاويل أهل الكوفة وقال له انا نجد في بعض علمنا أن بعض أهل بيتنا يصلب بالكوفة وأنا أخاف أن تكون ذلك المصلوب وناشده عمى داود بن على وحذره غدر أهل الكوفة فلم يقبل وأتم على خروجه فقتل وصلب بالكناسة ثم وثب علينا بنو أمية فأماتوا شرفنا وأذهبوا عزنا والله ما كانت لهم عندنا ترة يطلبونها وما كان ذلك كله الا فيهم وبسبب خروجهم عليهم فنفونا من البلاد فصرنا مرة بالطائف ومرة بالشأم ومرة بالشراة حنى ابتعثكم الله لنا شيعة وأنصارا فأحيا شرفنا وعزنا بكم أهل خراسان ودمغ بحقكم أهل الباطل وأظهر حقنا وأصار الينامير اثنا عن نبينا صلى الله عليه وسلم فقر الحق مقره وأظهر مناره وأعز أنصاره وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين فلما استقرت الامور فينا على قرارها من فضل الله فيها وحكمه العادل لنا وثبوا علينا ظلما وحسدا منهم لنا وبغيا لما فضلنا الله به عليهم وأكرمنا به من خلافته وميراث نبيه صلى الله عليه وسلم

[ 335 ]

جهلا على وجبنا عن عدوهم * لبئست الخلتان الجهل والجبن فإنى والله يا أهل خراسان ما أتيت من هذا الامر ما أتيت بجهالة بلغني عنهم بعض السقم والتعرم وقد دسست لهم رجالا فقلت قم يا فلان قم يا فلان فخذ معك من المال كذا وحذوت لهم مثالا يعملون عليه فخرجوا حتى أتوهم بالمدينة فدسوا إليهم تلك الاموال فوالله ما بقى منهم شيخ ولا شاب ولا صغير ولا كبير إلا بايعهم بيعة استحللت بها دماءهم وأموالهم وجلت لى عند ذلك بنقضهم بيعتى وطلبهم الفتنة والتماسهم الخروج على فلا يرون أنى أتيت ذلك على غير يقين ثم نزل وهو يتلو على درج المنبر هذه الآلية (وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل انهم كانوا في شك مريب) قال وخطب المنصور بالمدائن عند قتل أبى مسلم فقال أيها الناس لا تخرجوا من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية ولا تسروا غش الائمة فانه لم يسر أحد قط منكرة الا ظهرت في آثار يده أو فلتات لسانه وأبداها الله لامامه بإعزاز دينه واعلاء حقه انا لن نبخسكم حقوقكم ولن نبخس الدين حقه عليكم انه من نازعنا عروة هذا القميص أجزرناه خبى هذا الغمد وإن أبا مسلم بايعنا وبايع الناس لنا على أنه من نكث بنا فقد أباح دمه ثم نكث بنا فحكمنا عليه حكمه على غيره لنا ولم تمنعنا رعاية الحق له من اقامة الحق عليه وذكر اسحق بن ابراهيم الموصلي أن الفضل بن الربيع أخبره عن أبيه قال قال المنصور قال أبى سمعت أبى على بن عبد الله يقول سادة الدنيا الاسخياء وسادة الآخرة الانبياء وذكر عن ابراهيم بن عيسى أن المنصور غضب على محمد بن جميل الكاتب وأصله من الربذة فأمر ببطحه فقام بحجته فأمر بإقامته ونظر إلى سراويله فإذا هو كتان فأمر ببطحه وضربه خمس عشرة درة وقال لا تلبس سراويل كتان فانه من السرف وذكر محمد بن إسماعيل الهاشمي أن الحسن بن إبراهيم حدثه عن أشياخه أبا جعفر لما قتل محمد بن عبد الله بالمدينة وأخاه إبراهيم بباخمرى وخرج إبراهيم بن حسن بن حسن بمصر فحمل إليه كتب إلى بنى على بن أبى طالب بالمدينة كنابا يذكر لهم فيه إبراهيم بن الحسن بن الحسن وخروجه بمصر وأنه لم

[ 336 ]

يفعل ذلك إلا عن رأيهم وأنهم يدأبون في طلب السلطان ويلتمسون بذلك القطيعة والعقوق وقد عجزوا عن عداوة بنى أمية لما نازعوهم السلطان وضعفوا عن طلب ثأرهم حتى وثب بنو أبيه غضبا لهم على بنى أمية فطلبوا بثأرهم فأدركوا بدمائهم وانتزعوا السلطان عن أيديهم وتمثل في الكتاب بشعر سبيع بن ربيعة بن معاوية اليربوعي فلولا دفاعي عنكم إذ عجزتم * وبالله أحمى عنكم وأدافع لضاعت أمور منكم لا أرى لها * كفاة ومالا يحفظ الله ضائع فسموا لنا من طحطح الناس عنكم * ومن ذا الذى تحنى عليه الاصابع وما زال منا قد علمتم عليكم * على الدهر إفضال يرى ومنافع وما زال منكم أهل غدر وجفوة * وبالله مغتر وللرحم قاطع وإن نحن غبنا عنكم وشهدتم * وقائع منكم ثم فيها مقانع وإتا لنزعاكم وترعون شأنكم * كذلك الامور خافضات روافع وهل تعلون أقدام قوم صدورهم * وهل تعلون فوق السنام الاكارع ودب رجال للرئاسة منكم * كما درجت تحت الغدير الضفادع وذكر عن يحيى بن الحسن بن عبد الخالق قال كان أرزاق الكتاب والعمال أيام أبى جعفر ثلثمائة درهم فلما كانت كذلك لم تزل على حالها إلى أيام المأمون فكان أول من سن زيادة الارزاق الفضل بن سهل فأما في أيام بنى أمية وبنى العباس فلم تزل الارزاق من الثلثمائة إلى ما دونها كان الحجاج يجرى على يزيد بن أبى مسلم ثلثمائة درهم في الشهر وذكر إبراهيم بن موسى بن عيسى بن موسى أن ولاة البريد في الآفاق كلها كانوا يكتبون إلى المنصور أيام خلافته في كل يوم بسعر القمح والحبوب والادم وبسعر كل مأكول وبكل ما يقضى به القاضى في نواحيهم وبما يعمل به الوالى وبما يرد بيت المال من المال وكل حدث وكانوا إذا صلوا المغرب يكتبون إليه بما كان في كل ليلة إذا صلوا الغداة فإذا وردت كتبهم نظر فيها فإذا رأى الاسعار على حالها أمسك وإن تغير شئ منها عن حاله كتب إلى الوالى والعامل هناك وسأل عن العلة

[ 337 ]

التى نقلت ذاك عن سعره فإذا ورد الجواب بالعلة تلطف لذلك برفقة حتى يعود سعره ذلك إلى حاله وإن شك في شئ مما قضى به القاضى كتب إليه بذلك وسأل من بحضرته عن عمله فإن أنكر شيئا عمل به كتب إليه يوبخه ويلومه وذكر اسحاق الموصلي أن الصباح بن خاقان التميمي قال حدثنى رجل من أهلى عن أبيه قال ذكر الوليد عند المنصور أيام نزوله بغداد وفروغه من المدينة وفراغه من محمد وابراهيم ابني عبد الله فقالوا لعن الله الملحد الكافر قال وفى المجلس أبو بكر الهذلى وابن عياش المنتوف والشرقى بن القطامى وكل هؤلاء من الصحابة فقال أبو بكر الهذلى حدثنى ابن عم للفرزدق عن الفرزدق قال حضرت الوليد بن يزيد وعنده ندماؤه وقد اصطبح فقال لابن عائشة تغنى بشعر ابن الزبعرى ليت أشياخى ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الاسل وقتلنا الضعف من ساداتهم * وعدلنا ميل بدر فاعتدل فقال ابن عائشة لا أغنى هذا يا أمير المؤمنين فقال غنه وإلا جدعت لهواتك قال فغناه فقال أحسنت والله إنه لعلى دين ابن الزبعرى يوم قال هذا الشعر قال فلعنه المنصور ولعنه جلساؤه وقال الحمد لله على نعمته وتوحيده وذكر عن أبى بكر الهذلى قال كتب صاحب أرمينية إلى المنصور أن الجند قد شغبوا عليه وكسروا أقفال بيت المال وأخذوا ما فيه فوقع في كتابه اعتزل عملنا مذموما فلو عقلت لم يشغبوا ولو قويت لم ينتبهوا وقال اسحاق الموصلي عن أبيه خرج بعض أهل العبث على أبى جعفر بفلسطين فكتب إلى عامل هناك دمه في دمك إلا توجهه إلى فجد في طلبه فظفر به فأشخص فأمر بادخاله عليه فلما مثل بين يديه قال له أبو جعفر أنت المتوثب على عمالى لانثرن من لحمك أكثر مما يبقى منه على عظمك فقال له وقد كان شيخا كبير السن بصوت ضعيف ضئيل غير مستعل أتروض عرسك بعد ما هرمت * ومن العناء رياضة الهرم فقال فلم تتبين للمنصور مقالته فقال يا ربيع ما يقول فقال يقول العبد عبدكم والمال مالكم * فهل عذابك عنى اليوم منصرف

[ 338 ]

قال يا ربيع قد عفوت عنه فخل سبيله واحتفظ به وأحسن ولايته قال ورفع رجل إلى المنصور يشكو عامله أنه أخذ حدا من ضيعته فأضأفه إلى ماله فوقع إلى عامله في رقعة المتظلم إن آثرت العدل صحبتك السلامة فانصف هذا المتظلم من هذه الظلامة قال ورفع رجل من العامة إليه رقعة في بناء مسجد في محلته فوقع في رقعته من أشراط الساعة كثرة المساجد فزد في خطاك تزدد من الثواب قال وتظلم رجل من أهل السواد من بعض العمال في رقعة رفعها إلى المنصور فوقع فيها ان كنت صادقا فجئ به ملببا فقد أذنا لك في ذلك وذكر عمر بن شبة ان أبا الهذيل العلاف حدثه أن أبا جعفر قال بلغني أن السيد بن محمد مات بالكرخ أو قال بواسط ولم يدفنوه ولئن حق ذلك عندي لاحرقنها وقيل ان الصحيح انه مات في زمان المهدى بكرخ بغداد وانهم تحاموا ان يدفنوه وأنه بعث بالربيع حتى ولى أمره وأمره إن كانوا امتنعوا أن يحرق عليهم منازلهم فدفع ربيع عنهم وقال المدائني لما فرغ المنصور من محمد وابراهيم وعبد الله بن على وعبد الجبار بن عبد الرحمن وصار ببغدا واستقامت له الامور كان يتمثل هذا البيت تبيت من البلوى على حد مرهف * مرارا ويكفى الله ما أنت خائف فال وأنشدني عبد الله بن الربيع قال أنشدني المنصور بعد قتل هؤلاء ورب أمور لا تضيرك ضيرة * وللقلب من مخشاتهن وجيب وقال الهيثم بن عدى لما بلغ المنصور تفرق ولد عبد الله بن حسن في البلاد هربا من عقابه تمثل إن قناتي لنبع لا يؤيسها * غمز الثقاف ولا دهن ولا نار متى أجر خائفا تأمن مسارحه * وإن أخف آمنا تقلق به الدار سيروا إلى وغضوا بعض أعينكم * إنى لكل امرئ من جاره جار وذكر على بن محمد عن وضح مولى أبى جعفر قال أمرنى أبو جعفر أن أشترى له ثوبين لينين فاشتريتهما له بعشرين ومائة درهم فأتيته بهما فقال بكم فقلت بثمانين درهما قال صالحان استحطه فان المتاع إذا أدخل علينا ثم رد على صاحبه كسره

[ 339 ]

ذلك فأخذت الثوبين من صاحبهما فلما كان من الغد حملتهما إليه معى فقال ما صنعت قلت رددتهما عليه فحطنى عشرين درهما قال أحسنت اقطع أحد هما قميصا واجعل الآخر رداء لى ففلت فلبس القميص خمسة عشر يوما لم يلبس غيره وذكر مولى لعبد الصمد بن على قال سمعت عبد الصمد يقول إن المنصور كان يأمر أهل بيته بحسن الهيئة واظهار النعمة وبلزوم الوشى والطيب فان رأى أحدا منهم قد أخل بذلك أو أقل منه قال يا فلان ما أرى وبيص الغالية في لحيتك وإنى لاراها تلمع في لحية فلان فيشحذهم بذلك على الاكثار من الطيب ليتزين بهيئتهم وطيب أزواجهم عند الرعية ويزينهم بذلك عندهم وإن رأى على أحد منهم وشبا طاهرا عضه بلسانه وذكر عن احمد بن خالد قال كان المنصور يسأل مالك بن أدهم كثيرا عن حديث عجلان بن سهيل أخى حوثرة بن سهيل قال كنا جلوسا مع عجلان إذ مر بنا هشام بن عبد الملك فقال رجل من القوم قدمر الاحول قال من تعنى قال هشاما قال تسمى أمير المؤمنين بالنبز والله لولا رحمك لضربت عنقك فقال المنصور هذا والله الذى ينفع مع مثله المحيا والممات وقال أحمد بن خالد قال ابراهيم بن عيسى كان للمنصور خادم أصفر إلى الادمة ماهر لا بأس به فقال له المنصور يوما ما جنسك قال عربي يا أمير المؤمنين قال ومن أي العرب أنت قال من خولان سبيت من اليمن فأخذني عدولنا فجبنى فاسترققت فصرت إلى بعض بنى أمية ثم صرت اليك قال أما إنك نعم الغلام ولكن لا يدخل قصرى عربي يخدم حرمى اخرج عافاك الله فاذهب حيث شئت وذكر أحمد بن ابراهيم بن اسماعيل بن داود ابن معاوية بن بكر وكان من الصحابة أن المنصور ضم رجلا من أهل الكوفة يقال له الفضيل بن عمران إلى ابنه جعفر وجعله كاتبه وولاه أمره فكان منه بمنزلة أبى عبيد الله من المهدى وقد كان أبو جعفر أراد أن يبايع لجعفر بعد المهدى فنصبت أم عبيد الله حاضنة جعفر للفضيل بن عمران فسلت به إلى المنصور وأومأت إلى أنه يعبث بجعفر قال فبعث المنصور الريان مولاه وهارون بن غزوان مولى عثمان ابن نهيك إلى الفضيل وهو مع جعفر بحديثه الموصل وقال إذا رأيتما فضيلا فاقتلاه

[ 340 ]

حيث لقيتماه وكتب لهما كتابا منشورا وكتب إلى جلفر يعلمه ما أمرهما به وقال لا تدفعا الكتبا إلى جعفر حتى تفرغا من ق له قال فخرجا حتى قدما على جعفر وقعدا على بابه ينتظران الاذن فخرج عليهما فضيل فأخذاه وأخرجا كتاب المنصور فلم يعرض لهما أحد فضربا عنقه مكانه ولم يعلم جعفر حتى فرغا منه وكان الفضيل رجلا عفيفا دينا فقيل للمنصور أن الفضيل كان أبرأ الناس مما رمى به وقد عجلت عليه فوجه رسولا وجعل له عشرة آلاف درهم أن أدركه قبل أن يقتل فقدم الرسول قبل أن يجف دمه فذكر معاوية بن بكر عن سويد مولى جعفر أن جعفرا أرسل إليه فقال ويلك ما يقول أمير المؤمنين في قتل رجل عفيف دين مسلم بلا جرم ولا جناية فقال سويد فقلت هو أمير المؤمنين يفعل ما يشاء وهو أعلم بما يصنع فقال يا ماص بظر أمه أكلمك بكلام الخاصة وتكلمني بكلام العامة خذوا برجله فألقوه في دجلة قال فأخذت فقلت أكلمك فقال دعوه فقلت أبوك إنما يسأل عن فضيل ومتى يسأل عنه وقد قتل عمه عبد الله بن عبد الله بن على وقد قتل عبد الله بن الحسن وغيره من أولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ظلما وقتل أهل الدنيا ممن لا يحصى ولا يعد هو قبل أن يسأل عن فضيل جرذانة تجب خصى فرعون قال فضحك وقال دعوه إلى لعنة الله وقال قعنب بن محرز أخبرنا محمد بن عائد مولى عثمان بن عفان أن حفصا الاموى الشاعر كان يقال له حفص بن أبى جمعة مولى عباد بن زياد وكان المنصور صيره مؤدبا للمهدى في مجالسه وكان مداحا لبنى أمية في أيام بنى أمية وأيام المنصور فلم ينكر عليه ذلك المنصور ولم يزل مع المهدى أيام ولايته العهد ومات قبل أن يلى المهدى الخلافة قال وكان مما مدح به بنى أمية قوله أين روقا عبد شمس أينهم * أين أهل الباع منهم والحسب لم تكن أيد لهم عندكم * ما فعلتم آل عبد المطلب أيها السائل عنهم أولوا * جثث تلمع من فوق الخشب تجذوا الاصل منهم سفها * يالقوم للزمان المنقلب فاحلبوا من ما شئتم في صحنكم * فستسقون صرى ذاك الحلب

[ 341 ]

وقيل إن حفصا الاموى دخل على المنصور فكلمه فاستخبره فقال له من أنت فقال مولاك يا أمير المؤمنين قال مولى لى مثلك لا أعرفه قال مولى خادم لك عبد مناف يا أمير المؤمنين فاستحسن ذلك منه وعلم أنه مولى لبنى أمية فضمه إلى المهدى وقال له احتفظ به ومما رثى به قول سلم الخاسر عجبا للذى نعى الناعيان * كيف فاهت بموته الشفتان ملك إن غدا على الدهر يوما * أصبح الدهر ساقطا للجران ليت كفا حثت عليه ترابا * لم تعد في يمينها ببنان حين دانت له البلاد على العس‍ * - ف وأغضى من خوفه الثقلان أين رب الزوراء قد قلدته ال‍ * - ملك عشرون حجة واثنتان إنما المرء كالزناد إذا ما * أخذته قوادح النيران ليس يثنى هواه زجر ولا يق‍ * - دح في حبله ذووا الاذهان قلدته أعنة الملك حتى * قاد أعداءه بغير عنان يكسر الطرف دونه وترى الاي‍ * - دى من خوفه على الاذقان ضم أطراف ملكه ثم أضحى * خلف أقصاهم ودون الدانى هاشمى التشمير لا يحمل الثق‍ * - ل على غارب الشرود الهدان ذو أناة ينسى لها الخائف الخو * ف وعزم يلوى بكل جنان ذهبت دونه النفس حذارا * غير أن الارواح في الابدان ذكر أسماء ولده ونسائه فمن ولده المهدى واسمه محمد وجعفر الاكبر وأمهما أروى بنت منصور أخت يزيد بن منصور الحميرى وكانت تكنى أم موسى وهلك جعفر هذا قبل المنصور وسليمان وعيسى ويعقوب وأمهم فاطمة بنت محمد من ولد طلحة بن عبيد الله وجعفر الاصغر أمه أم ولد كردية كان المنصور اشتراها فتسراها وكان يقال لابنها ابن الكردية وصالح المسكين أمه أم ولد رومية يقال لها قالى الفراشة والقاسم مات قبل المنصور وهو ابن عشرة سنين وأمه أم ولد تعرف بأم القاسم ولها بباب الشأم

[ 342 ]

بستان يعرف إلى اليوم ببستان أم القاسم والعالية أمها امرأة من بنى أمية زوجها المنصور من اسحاق بن سليمان بن على بن عبد الله بن العباس * وذكر عن اسحاق ابن سليمان أنه قال قال لى أبى زوجتك يا بنى أشرف الناس العالية بنت أمير المؤمنين قال فقلت يا أباه من أكفؤنا قال أعداؤنا من بنى أمية ذكر الخبر عن وصاياه * ذكر عن الهيثم بن عدى أن المنصور أوصى المهدى في هذه السنة لما شخص متوجها إلى مكة في شوال وقد نزل قصر عبدويه وأقام بهذا القصر أياما والمهدى معه يوصيه وكان انقض في مقامه بقصر عبدويه كوكب لثلاث بقين من شوال بعد إضاءة الفجر وبقى أثره بينا إلى طلوع الشمس فأوصاه بالمال والسلطان يفعل ذلك كل يوم من أيام مقامه بالغداة والعشي لا يفتر عن ذلك ولا يفترقان الا تحريكا فلما كان اليوم الذى أراد أن يرتحل فيه دعا المهدى فقال له إنى لم أدع شيئا الا قد تقدمت اليك فيه وسأ وصيك بخصال والله ما أظنك تفعل واحدة منها وكان له سفط فيه دفاتر علمه وعليه قفل لا يأمن على فتحه ومفتاحه أحدا يصر مفتاحه في كم قميصه قال وكان حماد التركي يقدم إليه ذلك السفط إذا دعا به فإذا غاب حماد أو خرج كان الذى يليه سلمة الخادم فقال للمهدى انظر هذا السفط فاحتفظ به فان فيه علم آبائك ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة فان أحزنك أمر فانظر في الدفتر الاكبر فان أصبت فيه ما تريد والا فالثاني والثالث حتى بلغ سبعة فان ثقل عليك فالكراسة الصغيرة فإنك واجد فيها ما تريد وما أظنك تفعل وانظر هذه المدينة فاياك أن تستبدل بها فانها بيتك وعزك قد جمعت لك فيها من الاموال ما إن كسر عليك الخراج عشر سنين كان عندك كفاية لارزاق الجند والنفقات وعطاء الذرية ومصلحة الثغور فاحتفظ بها فانك لا تزال عزيزا مادام بيت مالك عامرا وما أظنك تفعل وأوصيك بأهل بيتك أن تظهر كرامتهم وتقدمهم وتكثر الاحسان إليهم وتعظم أمرهم وتوطئ الناس أعقابهم وتوليهم المنابر فان عزك عزهم وذكرهم لك وما أظنك تفعل وانظر مواليك فأحسن إليهم وقربهم واستكثر

[ 343 ]

منهم فانهم مادتك لشدة إن نزلت بك وما أظنك تفعل وأوصيك بأهل خراسان خيرا فإنهم أنصارك وشيعتك الذين بذلوا أموالهم في دولتك ودماءهم دونك ومن لا تخرج محبتك من قلوبهم أن تحسن إليهم وتتجاوز عن مسيئهم وتكافئهم على ما كان منهم وتخلف من مات منهم في أهله وولده وما أظنك تفعل وإياك أن تبنى مدينة الشرقية فإنك لا تتم بناءها وما أظنك تفعل وإياك أن تستعين برجل من بنى سليم وأظنك ستفعل وإياك أن تدخل النساء في شورتك في أمرك وأظنك ستفعل وقال غير الهيثم أن المنصور دعا المهدى عند مسيره إلى مكة فقال يا أبا عبد الله إنى سائر وانى غير راجع فإنا لله وإنا إليه راجعون فاسئل الله بركة ما أقدم عليه هذا كتاب وصيتى مختوما فإذا بلغك أنى قدمت وصار الامر اليك فانظر فيه وعلى دين فأحب أن تقضيه وتضمنه قال هو على يا أمير المؤمنين قال فانه ثلثمائة ألف درهم ونيف ولست استحلها من بيت مال المسلمين فاضمنها عنى وما يفضى اليك من الامر أعظم منها قال أفعل هو على قال وهذا القصر ليس هو لك هولي وقصرى بنيته بمالى فأحب أن تصير نصيبك منه لاخوتك الاصاغر قال نعم قال ورقيقي الخاصة هم لك فاجعلهم لهم فانك تصير إلى ما يغنيك عنهم وبهم إلى ذلك أعظم الحاجة قال أفعل قال أما الضياع فلست أكلفك فيها هذا ولو فعلت كان أحب إلى قال أفعل قال سلم إليهم ما سألتك من هذا وأنت معهم في الضياع قال والمتاع والثياب سلمه لهم قال أفعل قال أحسن الله عليك الخلافة ولك الصنع اتق الله فيما خولك وفيما خلفتك عليه ومضى إلى الكوفة فنزل الرصافة ثم خرج منها مهلا بالعمرة والحج قد ساق هديه من البدن وأشعر وقلد وذلك الايام خلت من ذى القعدة * وذكر أبو يعقوب بن سليمان قال حدثتني جمرة العطارة عطارة أبى جعفر قالت لما عزم المنصور على الحج دعا ريطة بنت أبى العباس امرأة المهدى وكان المهدى بالرى قبل شخوص أبى جعفر فأوصاها بما أراد وعهد إليها ودفع إليها مفاتيح الخزائن وتقدم إليها وأحلفها ووكد الايمان لا تفتح بعض تلك الخزائن ولا تطلع عليها أحدا الا المهدى ولا هي الا أن يصح عندما

[ 344 ]

موته فإذا صح ذلك اجتمعت هي والمهدى وليس معهما ثالث حتى يفتحا الخزانة فلما قدم المهدى من الرى إلى مدينة السلام دفعت إليه المفاتيح وأخبرته عن المنصور أنه تقدم إليها فيه ألا يفتحه ولا يطلع عليه أحدا حتى يصح عندها موته فلما انتهى إلى المهدى موت المنصور وولى الخلافة فتح الباب ومعه ريطة فإذا أزج كبير فيه جماعة من قتلاء الطالبيين وفى آذانهم رقاع فيها أنسابهم وإذا فيهم أطفال ورجال شباب ومشايخ عدة كثيرة فلما رأى ذلك المهدى ارتاع لما رأى وأمر فحفرت لهم حفيرة فدفنوا فيها وعمل عليهم دكان وذكر عن إسحاق ابن عيسى بن على عن أبيه قال سمعت المنصور وهو متوجه إلى مكة سنة 158 وهو يقول للمهدى عند وداعه إياه يا أبا عبد الله انى ولدت في ذى الحجة ووليت في ذى الحجة وقد هجس في نفسي أنى أموت في ذى الحجة من هذه السنة وانما حدانى على الحج ذلك فاتق الله فيما أعهد اليك من أمور المسلمين بعدى يجعل لك فيما كربك وحزنك مخرجا أو قال فرجا ومخرجا ويرزقك السلامة وحسن العاقبة من حيث لا تحتسب احفظ يا بنى محمدا صلى الله عليه وسلم في أمته يحفظ الله عليك أمورك وإياك والدم الحرام فانه حوب عند الله عظيم وعار في الدنيا لازم مقيم والزم الحلال فان فيه ثوابك في الآجل وصلاحك في العاجل وأقم الحدود ولا تعتد فيها فتبور فان الله لو علم أن شيئا أصلح لدينة وأزجر عن معاصيه من الحدود الامر به في كتابه وأعلم أن من شدة غضب الله لسلطانه أمر في كتابه بتضعيف العذاب والعقاب على من سعى في الارض فسادا مع ما ذخر له عنده من العذاب العظيم فقال إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا الآية فالسلطان يا بنى حبل الله المتين وعروته الوثقى ودين الله القيم فاحفظه وحطه وحصنه وذب عنه وأوقع بالملحدين فيه وأقمع المارقين منه واقتل الخارجين عنه بالعقاب لهم والمثلات بهم ولا تجاوز ما أمر الله به في محكم القرآن واحكم بالعدل ولا تشطط فان ذلك أقطع للشغب وأحسم للعدو وأنجع في الدواء وعف عن الفئ فليس بك إليه حاجة مع ما أخلفه لك وافتتح عملك

[ 345 ]

بصلة الرحم وبر القرابة وإياك والاثر والتبذير لاموال الرعية واشحن الثغور واضبط الاطراف وأمن السبل وخص الواسطة ووسع المعاش وسكن العامة وأدخل المرافق عليهم واصرف المكاره عنهم وأعد الاموال واحزنها وإياك والتبذير فإن النوائب غير مأمونة والحوادث غير مضمونة وهى من شيم الزمان وأعد الرجال والكراع والجند ما استطعت وإياك وتأخير عمل اليوم إلى غد فتتدارك عليك الامور وتضيع جد في إحكام الامور النازلات لاوقاتها أولا فأولا واجتهد وشمر فهيا وأعدد رجالا بالليل لمعرفة ما يكون بالنهار ورجالا بالنهار لمعرفة ما يكون بالليل وباشر الامور بنفسك ولا تضجر ولا تكسل ولا تفشل واستعمل حسن الظن بربك وأسئ الظن بعمالك وكتابك وخذ نفسك بالتيقظ وتفقد من يبيت على بابك وسهل إذنك للناس وانظر في أمر النزاع إليك ووكل بهم عينا غير نائمة ونفسا غير لا هية ولا تنم فان أباك لم ينم منذولى الخلافة ولا دخل عينه غمض إلا وقلبه مستيقظ هذه وصيتى اليك والله خليفتي عليك قال ثم ودعه وبكى كل واحد منهما إلى صاحبه * وذكر عمر بن شبة عن سعيد بن هريم قال لما حج المنصور في السنة التى توفى فيها شيعه المهدى فقال يا بنى إنى قد جمعت لك من الاموال ما لم يجمعه خليفة قبلى وجمعت لك من الموالى ما لم يجمعه خليفة قبلى وبنيت لك مدينة لم يكن في الاسلام مثلها ولست أخاف عليك إلا أحد رجلين عيسى بن موسى وعيسى بن زيد فأما عيسى بن موسى فقد أعطاني من العهود والمواثيق ما قبلته ووالله لو لم يكن إلا أن يقول قولا لما خفته عليك فأخرجه من قلبك وأما عيسى بن زيد فأنفق هذه الاموال واقتل هؤلاء الموالى واهدم هذه المدينة حتى تظفر به ثم لا ألومك * وذكر عيسى بن محمد أن موسى بن هارون حدثه قال لما دخل المنصور آخر منزل نزله من طريق مكة نظر في صدر البيت الذى نزل فيه فإذا فيه مكتوب (بسم الله الرحمن الرحيم) أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت * سنوك وأمر الله لا بد واقع أبا جعفر هل كاهن أو منجم * لك اليوم من حر المنية مانع

[ 346 ]

قال فدعا بالمتولى لا صلاح المنازل فقال له ألم آمرك ألا يدخل المنزل أحد من الدعار قال يا أمير المؤمنين والله ما دخلها أحد منذ فرغ منها فقال اقرأ ما في صدر البيت مكتوبا قال ما أرى شيئا يا أمير المؤمنين قال فدعا برئيس الحجبة فقال اقرأ ما على صدر البيت مكتوبا قال ما أرى على صدر البيت شيئا فأملى البيتين فكتبا عنه فالتفت إلى حاجبه فقال اقرأ لى آية من كتاب الله جل وعز تشوقني إلى الله عز وجل فتلا (بسم الله الرحمن الرحيم) وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون فأمر بفكيه فوجئا وقال ما وجدت شيئا تقرأه غير هذه الآية فقال يا أمير المؤمنين محى القرآن من قلبى غير هذه الآية فأمر بالرحيل عن ذلك المنزل تطيرا مما كان وركب فرسا فلما كان في الوادي الذى يقال له سقر وكان آخر منزل بطريق مكة كبابه الفرس فدق ظهره ومات فدفن ببئر ميمون وذكر عن محمد بن عبد الله مولى بنى هاشم قال أخبرني رجل من العلماء وأهل الادب قال هتف بأبى جعفر هاتف من قصره بالمدينة فسمعه يقول: أما ورب السكون والحرك * إن المنايا كثيرة الشرك عليك يا نفس إن أسأت وإن * أحسنت بالقصد كل ذاك لك ما اختلف الليل والنهار ولا * دارت نجوم السماء في الفلك إلا بنقل السلطان عن ملك * إذا انقضى ملكه إلى ملك حتى يصيرانه إلى ملك * ما عز سلطانه بمشترك ذاك بديع السماء والارض والمر * - سى الجبال المسخر الفلك فقال أبو جعفر هذا والله أو ان أجلى * وذكر عبد الله بن عبيد الله أن عبد العزيز بن مسلم حدثه أنه قال دخلت على المنصور يوما أسلم عليه فإذا هو باهت لا يحير جوابا فوثبت لما أرى منه أريد الانصراف عنه فقال لى بعد ساعة إنى رأيت فيما يرى النائم كأن رجلا ينشدنى هذه الابيات: أأخى أخفض من مناكا * فكأن يومك قد أتاكا ولقد أراك الدهر من * تصريفه ما قد أراكا

[ 347 ]

فإذا أردت الناقص ال‍ * - عبد الذليل فأنت ذاكا * ملكت ما ملكته * والامر فيه إلى سواكا فهذا الذى ترى من قلقي وغمى لما سمعت ورأيت فقلت خيرا رأيت يا أمير المؤمنين فلم يلبث إلى أن خرج إلى الحج فمات لوجهه ذاك (وفى هذه السنة) بويع للمهدى بالخلافة وهو محمد بن عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس بمكة صبيحة الليلة التى توفى فيها أبو جعفر المنصور وذلك يوم السبت لست ليال خلون من ذى الحجة سنة 158 كذلك قال هشام بن محمد ومحمد بن عمرو غيرهما (وقال الواقدي) وبويع له ببغداد يوم الخميس لاحدى عشرة بقيت من ذى الحجة من هذه السنة وأم المهدى أم موسى بنت منصور بن عبد الله بن يزيد بن شمر الحميرى و خلافة المهدى محمد بن عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس ذكر الخبر عن صفة العقد الذى عقد للمهدى بالخلافة حين مات والده المنصور بمكة ذكر على بن محمد النوفلي أن أباه حدثه قال خرجت في السنة التى مات فيها أبو جعفر من طريق البصرة وكان أبو جعفر خرج على طريق الكوفة فلقيته بذات عرق ثم سرت معه فكان كلما ركب عرضت له فسلمت عليه وقد كان ادنف وأشفى على الموت فلما صار ببئر ميمون نزل به ودخلنا مكة فقضيت عمرتي ثم كنت أختلف إلى أبى جعفر إلى مضربه فأقيم فيه إلى قرب من الزوال ثم أنصرف وكذلك كان يفعل الهاشميون وأقبلت علته تشتد وتزداد فلما كان في الليلة التى مات فيها ولم نعلم فصليت الصبح في المسجد الحرام مع طلوع الفجر ثم ركبت في ثوبي متقلدا السيف عليهما وأنا أساير محمد بن عون بن عبد الله بن الحارث وكان من سادة بنى هاشم ومشايخهم وكان في ذلك اليوم عليه ثوبان موردان قد أحرم فيهما متقلدا السيف عليهما قال وكان مشايخ بنى هاشم يحبون أن يحرموا في المورد لحديث عمر بن الخطاب وعبد الله بن جعفر وقول على بن أبى طالب فيه فلما

[ 348 ]

صرنا بالابطح لقينا العباس بن محمد ومحمد بن سليمان في خيل ورجالا يدخلان مكة فعدلنا اليهما فسلمنا عليهما ثم مضينا فقال لى محمد بن عون ما ترى حال هذين ودخولهما مكة قلت أحسب الرجل قد مات فأرادا أن يحصنا مكة فكان ذلك كذلك فبينا نحن نسير إذا رجل خفى الشخص في طمرين ونحن بعد في غلس قد جاء فدخل بين أعناق دابتينا ثم أقبل علينا فقال مات والله الرجل ثم خفى عنا فمضينا نحن حتى أتينا العسكر فدخلنا السرادق الذى كنا نجلس فيه في كل يوم فإذا بموسى بن المهدى قد صدر عند عمود السرادق وإذا القاسم بن منصور في ناحية السرادق وقد كان حين لقينا المنصور بذات عرق إذا ركب المنصور بعيره جاء القاسم فسار بين يديه بينه وبين صاحب الشرطة ويومر الناس أن يرفعوا القصص إليه قال فلما رأيته في ناحية السرادق ورأيت موسى مصدرا علمت أن المنصور قد مات قال فبينا أنا جالس إذ أقبل الحسن بن زيد فجلس إلى جنبى فصارت فخذه على فخذي وجاء الناس حتى ملؤا السرادق وفيهم ابن عياش المنتوف فبينا نحن كذلك إذ سمعنا همسا من بكاء فقال لى الحسن أترى الرجل مات قلت لا أحسب ذلك ولكن لعله ثقيل أو أصابته غشية فما راعنا إلا بأبى العنبر الخادم الاسود خادم المنصور قد خرج علينا مشقوق الاقبية من بين يديه ومن خلفه وعلى رأسه التراب فصاح وا أمير المؤمنيناه فما بقى في السرادق أحد إلا قام على رجليه ثم أهووا نحو مضارب أبى جعفر يريدون الدخول فمنعهم الخدم ودفعوا في صدورهم وقال ابن عياش المنتوف سبحان الله أما شهدتم موت خليفة قط اجلسوا رحمكم الله فجلس الناس وقام القاسم فشق ثيابه ووضع التراب على رأسه وموسى جالس على حاله وكان صبيا رطبا ما يتحلحل ثم خرج الربيع وفى يده قرطاس فألقى أسفله على الارض وتناول طرفه ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله المنصور أمير المؤمنين إلى من خلف بعده من بنى هاشم وشيعته من أهل خراسان وعامة المسلمين ثم ألقى القرطاس من يده وبكى وبكى الناس فأخذ القرطاس وقال قد أمكنكم البكاء ولكن هذا عهد عهده أمير المؤمنين لابد من أن نقرأه عليكم فأنصتوا

[ 349 ]

رحمكم الله فسكت الناس ثم رجع إلى القراءة أما بعد فإنى كتبت كتابي هذا وأنا حى في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة وأنا أقرأ عليكم السلام وأسأل الله أن لا يفتنكم بعدى ولا يلبسكم شيعا ولا يذيق بعضكم بأس بعض يا بنى هاشم ويا أهل خراسان ثم أخذ في وصيتهم بالمهدي وأذكارهم البيعة له وحضهم على القيام بدولته والوفاء بعهده إلى آخر الكتاب * قال النوفلي قال أبى وكان هذا شيئا وضعه الربيع ثم نظر في وجوه الناس فدنا من الهاشميين فتناول يد الحسن بن زيد فقال قم يا أبا محمد فبايع فقام معه الحسن فانتهى به الربيع إلى موسى فأجلسه بين يديه فتناول الحسن يد موسى ثم التفت إلى الناس فقال يا أيها الناس إن أمير المؤمنين المنصور كان ضربني واصطفى مالى فكلمه المهدى فرضى عنى وكلمه في رد مالى على فأبى ذلك فأخلفه المهدى من ماله وأضعفه مكان كل علق علقين فمن أولى بأن يبايع لامير المؤمنين بصدر منشرح ونفس طيبة وقلب ناصح منى ثم بايع موسى للمهدى ثم مسح على يده ثم جاء الربيع إلى محمد بن عون فقدمه للسن فبايع ثم جاء الربيع إلى فأنهضني فكنت الثالث وبايع الناس فلما فرغ دخل المضارب فمكث هنيهة ثم خرج الينا معشر الهاشميين فقال انهضوا فنهضنا معه جميعا وكنا جماعة كثيرة من أهل العراق وأهل مكة والمدينة ممن حضر الحج فدخلنا فإذا نحن بالمنصور على سريره في أكفانه مكشوف الوجه فحملناه حتى اتينا به مكة ثلاثة أميال فكأني أنظر إليه أدنو من قائمة سريره نحمله فتحرك الريح فتطير شعر صدغيه وذلك أنه كان قد وقر شعره للحلق وقد نصل خضابه حتى أتينا به حفرته فدليناه فيها قال وسمعت أبى يقول كان أول شئ ارتفع به على بن عيسى بن ماهان أنه لما كان الليلة التى مات فيها أبو جعفر أرادوا عيسى بن موسى على بيعة مجددة للمهدى وكان القائم بذلك الربيع فأبى عيسى بن موسى فأقبل القواد الذين حضروا يقربون ويتباعدون فنهض على بن عيسى بن ماهان فاستل سيفه ثم جاء إليه فقال والله ليبايعن أو لاضربن عنقك فلما رأى ذلك عيسى بايع وبايع الناس بعده (وذكر) عيسى بن محمد أن موسى بن هارون حدثه أن

[ 350 ]

موسى بن المهدى والربيع مولى المنصور وجها منارة مولى المنصور بخبر وفاة المنصور وبالبيعة للمهدى وبعثا بعد بقضيب النبي صلى الله عليه وسلم وبردته التى يتوارثها الخلفاء مع الحسن الشروى وبعث أبو العباس الطوسى بخاتم الخلافة مع منارة ثم خرجوا من مكة وسار عبد الله بن المسيب بن زهير بالحربة بين يدى صالح بن المنصور على ما كان يسير بها بين يديه في حياة المنصور فكسرها القاسم بن نصر بن مالك وهو يومئذ على شرطة موسى بن المهدى واندس على بن عيسى بن ماهان لما كان في نفسه من أذى عيسى بن موسى وما صنع به للراوندية فأظهر الطعن والكلام في مسيرهم وكان من رؤسائهم أبو خالد المروروذى حتى كاد الامر يعظم ويتفاقم حتى لبس السلاح وتحرك في ذلك محمد بن سليمان وقام فيه وغيره من أهل بيته إلا أن محمدا كان أحسنهم قياما به حتى طفئ ذلك وسكن وكتب به إلى المهدى فكتب بعزل على بن عيسى عن حرس موسى بن المهدى وصير مكانه أبا حنيفة حرب بن قيس وهدأ أمر العسكر وتقدم العباس بن محمد ومحمد ابن سليمان إلى المهدى وسبق إليه العباس بن محمد وقدم منارة على المهدى يوم الثلاثاء للنصف من ذى الحجة فسلم عليه بالخلافة وعزاه وأوصل الكتب إليه وبايعه أهل مدينة السلام * وذكر الهيثم بن عدى عن الربيع أن المنصور رأى في حجته التى مات فيها وهو بالعذيب أو غيره من منازل طريق مكه رؤيا وكان الربيع عديله وفزع منها وقال يا ربيع ما أحسبنى إلا ميتا في وجهى هذا وأنك تؤكد البيعة لابي عبد الله المهدى قال الربيع فقلت له بل يبقيك الله يا أمير المؤمنين ويلغ أبو عبد الله محبتك في حياتك إن شاء الله قال وثقل عند ذلك وهو يقول بادر بى إلى حرم ربى وأمنه هاربا من ذنوبي وإسرافي على نفسي فلم يزل كذلك حتى بلغ بئر ميمون فقلت له هذه بئرميمون وقد دخلت الحرم فقال الحمدلله وقضى من يومه قال الربيع فأمرت بالخيم فضربت وبالفساطيط فهيئت وعمدت إلى أمير المؤمنين فألبسته الطويلة والدراعة وسندته وألقيت في وجهه كلة رقيقة يرى منها شخصه ولا يفهم أمره وأدنيت أهله من الكلة حيث لا يعلم بخبره ويرى شخصه

[ 351 ]

ثم دخلت فوقفت بالموضع الذى أوهمهم أنه يخاطبني ثم خرجت فقلت إن أمير المؤمنين مفيق بمن الله وهو يقرأ عليكم السلام ويقول إنى حب أن يؤكد الله أمركم ويكبت عدوكم ويسر وليكم وقد أحببت أن تجددوا بيعة أبى عبد الله المهدى لئلا يطمع فيكم عدو ولا باغ فقال القوم كلهم وفق الله أمير المؤمنين نحن إلى ذاك أسرع قال فدخل فوقف ورجع إليهم فقال هلموا للبيعة فبايع القوم كلهم فلم يبق أحد من خاصته والاولياء ورؤساء من حضره إلا بايع المهدى ثم دخل وخرج باكيا مشقوق الجيب لا طما رأسه فقال بعض من حضر ويلى عليك يا ابن شاة يريد الربيع وكانت أمه ماتت وهى ترضعه فأرضعته شاة قال وحفر للمنصور مائة قبر ودفن في كلها لئلا يعرف موضع قبره الذى هو ظاهر للناس ودفن في غيرها للخوف عليه قال وهكذا قبور خلفاء ولد العباس لا يعرف لاحد منهم قبر قال فبلغ المهدى فلما قدم عليه الربيع قال يا عبد ألم تمنعك جلالة أمير المؤمنين إن فعلت ما فعلت به وقال قوم إنه ضربه ولم يصح ذلك قال وذكر من حضر حجة المنصور قال رأيت صالح بن المنصور وهو مع أبيه والناس معه وإن موسى بن المهدى لفى تباعه ثم رجع الناس وهم خلف موسى وأن صالحا معه وذكر عن الاصمعي أنه قال أول من نعى أبا جعفر المنصور بالبصرة خلف الاحمر وذلك أنا كنا في حلقة يونس فمر بنا فسلم علينا فقال * قد طرقت ببكرها أم طبق * قال يونس وماذا قال تنتجوها خير أضخم العنق * موت الامام فلقة من الفلق (وحج) بالناس في هذه السنة إبراهيم بن يحيى بن محمد بن على وكان المنصور فيما ذكر أوصى بذلك (وكان) العامل في هذه السنة على مكة والطائف إبراهيم ابن يحيى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس وعلى المدينة عبد الصمد بن على وعلى الكوفة عمرو بن زهير الضبى أخو المسيب بن زهير وقيل كان العامل عليها اسماعيل ابن أبى اسماعيل الثقفى وقيل إنه مولى لبنى نصر من قيس وعلى قضائها شريك

[ 352 ]

ابن عبد الله النخعي وعلى ديوان خراجها ثابت بن موسى وعلى خراسان حميد ابن قحطبة وعلى قضاء بغداد مع قضاء الكوفة شريك بن عبد الله وقيل كان القاضى على بغداد يوم مات المنصور عبيد الله محمد بن صفوان الجمحى وشريك بن عبد الله على قضاء الكوفة خاصة وقيل إن شريكا كان إليه قضاء الكوفة والصلاة بأهلها وكان على الشرط ببغداد يوم مات المنصور فيما ذكر عمر بن عبد الرحمن أخو عبد الجبار بن عبد الرحمن وقيل كان موسى بن كعب وعلى ديوان خراج البصرة وأرضها عمارة بن حمزة وعلى قضائها والصلاة عبيد الله بن الحسن العنبري وعلى أحداثها سعيد بن دعلج (وأصاب) الناس فيما ذكر محمد بن عمر في هذه السنة وباء شديد ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومائة ذكر ما كان فيها من الاحداث فمن ذلك غزوة العباس بن محمد الصائفة فيها حتى بلغ أنقرة وكان على مقدمة العباس الحسن الوصيف في الموالى وكان المهدى ضم إليه جماعة من قواد أهل خراسان وغيرهم وخرج المهدى فعسكر بالبردان وأقام فيه حتى أنفذ العباس بن محمد ومن قطع عليه البعث معه ولم يجعل العباس على الحسن الوصيف ولاية في عزل ولا غيره ففتح في غزاته هذه مدينة للروم ومطمورة معها وانصرفوا سالمين لم يصب من المسلمين أحد (وهلك) في هذه السنة حميد بن قحطبة وهو عامل المهدى على خراسان فولى المهدى مكانه أبا عون عبد الملك بن يزيد (وفيها) ولى حمزة بن مالك سجستان وولى جبرئيل بن يحيى سمرقند (وفيها) بنى المهدى مسجد الرصافة (وفيها) بنى حائطها وحفر خندقها (وفيها) عزل المهدى عبد الصمد بن على عن المدينة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم عن موجدة واستعمل عليها مكانه محمد بن عبد الله الكثيرى ثم عزله واستعمل عليها مكانه عبيد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن صفوان الجمحى (وفيها) وجه المهدى عبد الملك بن شهاب المسمعى في البحر إلى بلاد الهند

[ 353 ]

وفرض معه لالفين من أهل البصرة من جميع الاجناد وأشخصهم معه وأشخص معه من المطوعة الذين كانوا يلزمون المرابطات ألفا وخمسمائة رجل ووجه معه قائدا من أبناء أهل الشأم يقال له ابن الجباب المذحجي في سبعمائة من أهل الشأم وخرج معه من مطوعة أهل البصرة بأموالهم ألف رجل فيهم فيما ذكر الربيع بن صبيح ومن الاسواريين والسبابجة أربعة آلاف رجل فولى عبد الملك بن شهاب المنذر بن محمد الجارودي الالف الرجل المطوعة من أهل البصرة وولى ابنه غسان بن عبد الملك الالفى الرجل الذين من فرض البصرة وولى ابنه عبد الواحد بن عبد الملك الالف والخمسمائة الرجل من مطوعة المرابطات وأفرد يزيد بن الحباب في أصحابه فخرجوا وكان المهدى وجه لتجهيزهم حتى شخصوا أبا القاسم محرز بن إبراهيم فمضوا لوجههم حتى أتوا مدينة باربد من بلاد الهند في سنة 160 (وفيها) توفى معبد بن الخليل بالسند وهو عامل المهدى عليها فاستعمل مكانه روح بن حاتم بمشورة أبى عبيد الله وزيره (وفيها) أمر المهدى باطلاق من كان في سجن المنصور إلا من كان قبله تباعة من دم أو قتل ومن كان معروفا بالسعي في الارض بالفساد أو من كان لاحد قبله مظلمة أو حق فأطلقوا فكان ممن أطلق من المطبق يعقوب ابن داود مولى بنى سليم وكان معه في ذلك الحبس محبوسا الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب (وفيها) حول المهدى الحسن ابن إبراهيم من المطبق الذى كان فيه محبوسا إلى نصير الوصيف فحبسه عنده ذكر الخبر عن سبب تحويل المهدى الحسن بن إبراهيم من المطبق إلى نصير ذكر أن السبب في ذلك كان أن المهدى لما أمر باطلاق أهل السجون على ما ذكرت وكان يعقوب بن داود محبوسا مع الحسن بن إبراهيم في موضع واحد فأطلق يعقوب بن داود ولم يطلق الحسن بن إبراهيم ساء ظنه وخاف على نفسه فالتمس مخرجا لنفسه وخلاصا فدس إلى بعض ثقاته فحفر له سربا من موضع مسامت للموضع الذى هو فيه محبوس وكان يعقوب بن داود بعد أن أطلق يطيف بابن علاثة وهو قاضى المهدى بمدينة السلام ويلزمه حتى أنس به وبلغ يعقوب

[ 354 ]

ما عزم عليه الحسن بن إبراهيم من الهرب فأتى ابن علاثة فأخبره أن عنده نصيحة للمهدى وسأله إيصاله إلى أبى عبيد الله فسأله عن تلك النصيحة فأبى أن يخبره بها وحذره فوتها فانطلق ابن علاثة إلى أبى عبيد الله فأخبره خبر يعقوب وما جاء به فأمره بادخاله عليه فلما دخل عليه سأله إيصاله إلى المهدى ليعلمه النصيحة التى له عنده فأدخله عليه فلما دخل على المهدى شكر له بلاءه عنده في اطلاقه اياه ومنه عليه ثم أخبره أن له عنده نصيحة فسأله عنها بمحضر من أبى عبيد الله وابن علاثة فاستخلاه منهما فأعلمه المهدى ثقته بهما فأبى أن يبوح له بشئ حتى يقوما فأفامهما وأخلاه فأخبره خبر الحسن بن ابراهيم وما أجمع عليه وأن ذلك كائن من ليلته المستقبلة فوجه المهدى من يثق به ليأتيه بخبره فأتاه بتحقيق ما أخبره به يعقوب فأمر بتحويله إلى نصير فلم يزل في حبسه إلى أن احتال واحتيل له فخرج هاربا وافتقد فشاع خبره فطلب فلم يظفر به وتذكر المهدى دلالة يعقوب إياه كانت عليه فرجا عنده من الدلالة عليه مثل الذى كان منه في أمره فسأله أبا عبيد الله عنه فأخبره أنه حاضر وقد كان لزم أبا عبيد الله فدعا به المهدى خاليا فذكر له ما كان من فعله في الحسن بن إبراهيم أولا ونصحله فيه وأخبره بما حدث من أمره فأخبره يعقوب أنه لا علم له بمكانه وأنه إن أعطاه أمانا يثق به ضمن له أن يأتيه به على أن يتم له على أمانه ويصله ويحسن إليه فأعطاه المهدى ذلك في مجلسه وضمنه له فقال له يعقوب فاله يا أمير المؤمنين عن ذكره ودع طلبه فان ذلك يوحشه ودعني وإياه حتى أحتال فأتيك به فأعطاه المهدى ذلك وقال يعقوب يا أمير المؤمنين قد بسطت عدلك لرعيتك وأنصفتهم وعممتهم بخيرك وفضلك فعظم رجؤهم وانفسحت آمالهم وقد بقيت أشياء لو ذكرتها لك لم تدع النظر فيها بمثل ما فعلت في غيرها وأشياء مع ذلك خلف بابك يعمل بها لا تعلمها فان جعلت لى السبيل إلى الدخول عليك وأذنت لى في رفعها إليك فعلت فأعطاه المهدى ذلك وجعله إليه وصير سليمان الخادم الاسود خادم المنصور سببه في اعلام المهدى بمكانه كلما أراد الدخول فكان يعقوب يدخل على المهدى ليلا ويرفع إليه النصائح في الامور

[ 355 ]

الحسنة الجميلة من أمر الثغور وبناء الحصون وتقوية الغزاة وتزويج العزاب وفكاك الاسارى والمحبسين والقضاء على الغارمين والصدقة على المتعففين فحظى بذلك عنده وبما رجا أن ينال به من الظفر بالحسن بن ابراهيم واتخذه أخا في الله وأخرج بذلك توقيعا وأثبت في الدواوين فتسبب مائة ألف درهم كانت أول صلة وصله بها فلم تزل منزلته تنمى وتعلو صعدا إلى أن صير الحسن بن ابراهيم في يد المهدى بعد ذلك وإلى أن سقطت منزلته وأمر المهدى بحبسه فقال على بن الخليل في ذلك عجبا لتصريف الامو * ر مسرة وكراهيه والدهر يلعب بالرجا * ل له دوائر جاريه رثت بيعقوب بن دا * وود حبال معاويه وعدت على ابن علاثة ال‍ * - قاضى بوائق عافيه قل للوزير أبى عبي‍ * - د الله هل لك باقيه يعقوب ينظر في الامو * ر وأنت تنظر ناحيه أدخلته فعلا علي‍ * - ك كذاك شؤم الناصية (وفى هذه السنة) عزل المهدى اسماعيل بن أبى اسماعيل عن الكوفة وأحداثها واختلف في من ولى مكانه فقال بعضهم ولى مكانه اسحاق بن الصباح الكندى ثم الاشعثى بمشورة شريك بن عبد الله قاضى الكوفة وقال عمر بن شبة ولى على الكوفة المهدى عيسى بن لقمان بن محمد بن حاطب بن الحارث بن معمر بن حبيب ابن وهب بن حذافة بن جمح فولى على شرطه ابن أخيه عثمان بن سعيد بن لقمان ويقال إن شريك بن عبد الله كان على الصلاة والقضاء وعيسى على الاحداث ثم أفرد شريك بالولاية فجعل على شرطه اسحاق بن الصباح الكندى فقال بعض الشعراء لست تعدو بأن تكون ولو نل‍ * - ت سهيلا صنيعة لشريك قال ويزعمون أن اسحاق لم يشكر لشريك وأن شريكا قال له صلى وصام لدنيا كان يأملها * فقد أصاب ولا صلى ولا صاما

[ 356 ]

(وذكر عمر) أن جعفر بن محمد قاضى الكوفة قال ضم المهدى إلى شريك الصلاة مع القضاء وولى شرطه اسحاق بن الصباح ثم ولى اسحق بن الصباح الصلاة والاحداث بعد ثم ولى اسحق بن الصباح بن عمران بن اسماعيل بن محمد بن الاشعث الكوفة فولى شرطه النعمان بن جعفر الكندى فمات النعمان فولى على شرطه أخاه يزيد بن جعفر (وفيها) عزل المهدى عن أحداث البصرة سعيد بن دعلج وعزل عن الصلاة والقضاء من أهلها عبيد الله بن الحسن وولى مكانهما عبد الملك ابن أيوب بن ظبيان النميري وكتب إلى عبد الملك يأمره بانصاف من تظلم من أهل البصرة من سعيد بن دعلج ثم صرفت الاحداث في هذه السنة عن عبد الملك ابن أيوب إلى عمارة بن حمزة فولاها عمارة رجلا من أهل البصرة يقال له المسور ابن عبد الله بن مسلم الباهلى وأقر عبد الملك على الصلاة (وفيها) عزل قثم بن العباس عن اليمامة عن سخطة فوصل كتاب عزله إلى اليمامة وقد توفى فاستعمل مكانه بشر بن المنذر البجلى (وفيها) عزل يزيد بن منصور عن اليمن واستعمل مكانه رجاء بن روح (وفيها) عزل الهيثم بن سعيد عن الجزيرة واستعمل عليها الفضل بن صالح (وفيها) أعتق المهدى أم ولده الخيزران وتزوجها (وفيها) تزوج المهدى أيضا أم عبد الله بنت صالح بن على أخت الفضل وعبد الله ابني صالح لامهما (وفيها) وقع الحريق في ذى الحجة في السفن ببغداد عند قصر عيسى بن على فاحترق ناس كثير واحترقت السفن بما فيها (وفيها) عزل مطر مولى المنصور عن مصر واستعمل مكانه أبو ضمرة محمد بن سليمان (وفيها) كانت حركة من تحرك من بنى هاشم وشيعتهم من أهل خراسان في خلع عيسى بن موسى من ولاية العهد وتصيير ذلك لموسى بن المهدى فلما تبين ذلك المهدى كتب فيما ذكر إلى عيسى بن موسى في القدوم عليه وهو بالكوفة فأحس عيسى بالذى يراد به فامتنع من القدوم عليه (وقال عمر) لما أفضى الامر إلى المهدى سأل عيسى أن يخرج من الامر فامتنع عليه فأراد الاضرار به فولى على الكوفة روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب فولى على شرطه خالد بن يزيد بن حاتم وكان المهدى يحب أن يحمل روح على عيسى

[ 357 ]

بعض الحمل فيما لا يكون عليه به حجة وكان لا يجد إلى ذلك سبيلا وكان عيسى فد خرج إلى ضيعة له بالرحبة فكان لايدخل الكوفة إلا في شهرين من السنة في شهر رمضان فيشهد الجمع والعيد ثم يرجع إلى ضيعته وفى أول ذى الحجة فإذا شهد العيد رجع إلى ضيعته وكان إذا شهد الجمعة أقبل من داره على دوابة حتى ينتهى إلى أبواب المسجد فينزل على عتبة الابواب ثم يصلى في موضعه فكتب روح إلى المهدى أن عيسى بن موسى لا يشهد الجمع ولا يدخل الكوفة إلا في شهرين من السنة فإذا حضر أقبل على دوابه حتى يدخل رحبة المسجد وهو مصلى الناس ثم يتجاورها إلى أبواب المسجد فتروث دوابه في مصلى الناس وليس يفعل ذلك غيره فكتب إليه المهدى أن اتخذ على أفواه السكك التى تلى المسجد خشبا ينزل عنده الناس فاتخذ روح ذلك الخشب في أفواه السكك فذلك الموضع يسمى الخشبة وبلغ ذلك عيسى ابن موسى قبل يوم الجمعة فأرسل إلى ورثة المختار بن أبى عبيد وكانت دار المختار لزيقة المسجد فابتاعها وأثمن بها ثم أنه عمرها واتخذ فيها حماما فكان إذا كان يوم الخميس أتاها فأقام بها فإذا أراد الجمعة ركب حمارا فدب به إلى باب المسجد فصلى في ناحية ثم رجع إلى داره ثم أوطن الكوفة وأقام بها وألح المهدى على عيسى فقال إنك إن لم تجبني إلى أن تنخلع منها حتى أبايع لموسى وهارون استحللت منك بمعصيتك ما يستحل من العاصى وإن أجبتني عوضتك منها ما هو أجدى عليك وأعجل نفعا فأجابه فبايع لهما وأمر له بعشرة آلاف ألف درهم ويقال عشرين ألف ألف وقطائع كثيرة (وأما غير عمر) فإنه قال كتب المهدى إلى عيسى ابن موسى لماهم بخلعه يأمره بالقدوم عليه فأحس بما يراد به فامتنع من القدوم عليه حتى خيف انتقاضه فانفذ إليه المهدى عمه العباس بن محمد وكتب إليه كتابا وأوصاه بما أحب أن يبلغه فقدم العباس على عيسى بكتاب المهدى ورسالته إليه فانصرف إلى المهدى بجوابه في ذلك فوجه إليه بعد قدوم العباس عليه محمد بن فروخ أبا هريرة القائد في ألف رجل من أصحابه من ذوى البصيرة في التشيع وجعل مع كل رجل منهم طبلا وأمرهم أن يضربوا جميعا بطبولهم عند قدومهم الكوفة فدخلها ليلا في

[ 358 ]

وجه الصبح فضرب أصحابه بطبولهم فراع ذلك عيسى بن موسى روعا شديدا ثم دخل عليه أبو هريرة فأمره بالشخوص فاعتل بالشكوى فلم يقبل ذلك منه وأشخصه من ساعته إلى مدينة السلام (وحج) بالناس في هذه السنة يزيد بن منصور خال المهدى عند قدومه من اليمن حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحق ابن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال محمد بن عمر الواقدي وغيره وكان انصراف يزيد بن منصور من اليمن بكتاب المهدى إليه يأمره بالانصراف إليه وتوليته إياه الموسم وإعلامه اشتياقه إليه وإلى قربه وكان أمير المدينة في هذه السنة عبيد الله بن صفوان الجمحى وعلى صلاة الكوفة وأحداثها اسحاق بن الصباح الكندى وعلى خراجها ثابت بن موسى وعلى قضائها شريك بن عبد الله وعلى صلاة البصرة عبد الملك بن أيوب بن ظبيان النميري وعلى أحداثها عمارة بن حمزة وخليفته على ذلك المسور بن عبد الله بن مسلم الباهلى وعلى قضائها عبيد الله بن الحسن وعلى كور دجلة وكور الاهواز وكور فارس عمارة بن حمزة وعلى السند بسطام بن عمرو وعلى اليمن رجاء بن روح وعلى اليمامة بشر بن المنذر وعلى خراسان أبو عون عبد الملك بن يزيد وعلى الجزيرة الفضل بن صالح وعلى افريقية يزيد بن حاتم وعلى مصر محمد بن سليمان أبو ضمرة ثم دخلت سنة ستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك ما كان من خروج يوسف بن ابراهيم وهو الذى يقال له يوسف البرم بخراسان منكرا هو ومن تبعه ممن كان على رأيه على المهدى فيما زعم الحال التى هو بها وسيرته التى يسير بها واجتمع معه فيما ذكر بشر من الناس كثير فتوجه إليه يزيد بن مزيد فلقيه واقتتلا حتى صارا إلى المعانقة فأسره يزيد وبعث به إلى المهدى وبعث معه من وجوه أصحابه بعدة فلما انتهى بهم إلى النهروان حمل يوسف البرم على بعير قد حول وجهه إلى ذنب البعير وأصحابه على بعير فأدخلوهم الرصافة

[ 359 ]

على تلك الحال فأدخلوه على المهدى فأمر هرثمة بن أعين فقطع يدى يوسف ورجليه وضرب عنقه وعنق أصحابه وصلبهم على جسر دجلة الاعلى مما يلى عسكر المهدى وانما أمر هر ثمة بقتله لانه كان قتل أخا لهرثمة بخراسان (وفيها) قدم عيسى بن موسى مع أبى هريرة يوم الخميس لست خلون من المحرم فيما ذكر الفضل ابن سليمان فنزل دارا كانت لمحمد بن سليمان على شاطئ دجلة في عسكر المهدى فأقام أياما يختلف إلى المهدى ويدخل مدخله الذى كان يدخله لا يكلم بشئ ولا يرى جفوة ولا مكروها ولا تقصيرا به حتى أنس به بعض الانس ثم حضر الدار يوما قبل جلوس المهدى فدخل مجلسا كان يكون للربيع في مقصورة صغيرة وعليها باب وقد اجتمع رؤساء الشيعة في ذلك اليوم على خلعه والوثوب عليه ففعلوا ذلك وهو في المقصورة التى فيها مجلس الربيع فأغلق دونهم المقصورة فضربوا الباب بجرزهم وعمدهم فهشموا الباب وكادوا يكسرونه وشتموه أقبح الشتم وحصروه هنالك وأظهر المهدى انكارا لما فعلوا فلم يرعهم ذلك عن فعلهم بل شدوا في أمره وكانوا بذلك هو وهم أياما إلى أن كاشفه ذوو الاسنان من أهل بيته بحضرة المهدى فأبوا الا خلعه وشتموه في وجهه وكان أشدهم عليه محمد بن سليمان فلما رأى المهدى ذلك من رأيهم وكراهتهم لعيسى وولايته دعاهم إلى العهد لموسى فصار إلى رأيهم وموافقتهم وألح على عيسى في إجابته وإياهم إلى الخروج مما له من العهد في أعناق الناس وتحليلهم منه فأبى وذكر أن عليه أيمانا محرجة في ماله وأهله فأحضر له من الفقهاء والقضاة عدة منهم محمد بن عبد الله ابن علاثة والزنجى بن خالد المكى وغيرهما فأتوه بما رأوا وصار إلى المهدى ابتياع ماله من البيعة في أعناق الناس بما يكون له فيه رضى وعوض مما يخرج له من ماله لما يلزمه من الحنث في يمينه وهو عشرة آلاف ألف درهم وضياع بالزاب الاعلى وكسكر فقبل ذلك عيسى وبقى منذ فاوضه المهدى على الخلع إلى أن أجاب محتسبا عنده في دار الديوان من الرصافة إلى أن صار إلى الرضى بالخلع والتسليم وإلى أن خلع يوم الاربعاء لاربع يقين من المحرم بعد صلاة العصر فبايع للمهدى ولموسى من

[ 360 ]

بعده من الغد يوم الخميس لثلاث بقين من المحرم لارتفاع النهار ثم أذن المهدى لاهل بيته وهو في قبة كان محمد بن سليمان أهداها له مضروبة في صحن الابواب ثم أخذ بيعتهم رجلا رجلا لنفسه ولموسى بن المهدى من بعده حتى أتى إلى آخرهم ثم خرج إلى مسجد الجماعة بالرصافة فقعد على المنبر وصعد موسى حتى كأنه دونه وقام عيسى على أول عتبة من المنبر فحمد الله المهدى وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر بما أجمع عليه أهل بيته وشيعته وقواده وأنصاره وغيرهم من أهل خراسان من خلع عيسى بن موسى وتصيير الامر الذى كان عقد له في أعناق الناس لموسى ابن أمير المؤمنين لاختيارهم له ورضاهم به وما رأى من اجابتهم إلى ذلك لما رجا من مصلحتهم وألفتهم وخاف مخالفتهم في نياتهم واختلاف كلمتهم وأن عيسى قد خلع تقدمه وحللهم مما كان له من البيعة في أعناقهم وأن ما كان له من ذلك فقد صار لموسى ابن أمير المؤمنين بعقد من أمير المؤمنين وأهل بيته وشيعته في ذلك وأن موسى عامل فيهم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم بأحسن السيرة وأعدلها فبايعوا معشر من حضر وسارعوا إلى ما سارع إليه غيركم فإن الخير كله في الجماعة والشركله في الفرقة وأنا أسأل الله لنا ولكن التوفيق برحمته والعمل بطاعته وما يرضيه وأستغفر الله لى ولكم وجلس موسى دونه معتزلا للمنبر لئلا يحول بينه وبين من صعد إليه يبايعه ويمسح على يده ولا يستر وجهه وثبت عيسى قائما في مكانه وقرئ عليه كتاب ذكر الخلع له وخروجه مما كان إليه من ولاية العهد وتحليله جماعة من كان له في عنقه بيعة مما عقدوا له في أعناقهم وأن ذلك من فعله وهو طائع غير مكره راض غير ساخط محب غير مجبر فأقر عيسى بذلك ثم صعد فبايع المهدى ومسح على يده ثم انصرف وبايع أهل بيت المهدى على أسنانهم يبايعون المهدى ثم موسى ويمسحون على أيديهما حتى فرغ آخرهم وفعل من حضر من أصحابه ووجوه القواد والشيعة مثل ذلك ثم نزل المهدى فصار إلى منزله ووكل ببيعة من بقى من الخاصة والعامة خاله يزيد بن منصور فتولى ذلك حتى فرغ من جميع الناس ووفى المهدى لعيسى بما أعطاه وأرضاه مما خلعه منه من ولاية العهد وكتب

[ 361 ]

عليه بخلعه إياه كتابا أشهد عليه فيه جماعة أهل بيته وصحابته وجميع شيعته وكتابه وجنده في الدواوين ليكون حجة على عيسى وقطعا لقوله ودعواه فيما خرج منه وهذه نسخة الشرط الذى كتبه عيسى على نفسه (بسم الله الرحمن الرحيم) هذا كتاب لعبدالله المهدى محمد أمير المؤمنين ولولى عهد المسلمين موسى بن المهدى ولاهل بيته وجميع قواده وجنوده من أهل خراسان وعامة المسلمين في مشارق الارض ومغاربها وحيث كان كائن منهم كتبته للمهدى محمد أمير المؤمنين وولى عهد المسلمين موسى بن محمد بن عبد الله بن محمد بن على فيما جعل إليه من العهد إذ كان إلى حتى اجتمعت كلمة المسلمين واتسق أمرهم وائتلفت أهواؤهم على الرضى بولاية موسى بن المهدى محمد أمير المؤمنين وعرفت الخط في ذلك على والخط فيه لى ودخلت فيما دخل فيه المسلمون من الرضى بموسى ابن أمير المؤمنين والبيعة له والخروج مما كان لى في رقابهم من البيعة وجعلتكم في حل من ذلك وسعة من غير حرج يدخل عليكم أو على أحد من جماعتكم وعامة المسلمين وليس في شئ من ذلك قديم ولا حديث لى دعوى ولا طلبة ولا حجة ولا مقالة ولا طاعة على أحد منكم ولا على عامة المسلمين ولا بيعة في حياة المهدى محمد أمير المؤمنين ولا بعده ولا بعد ولى عهد المسلمين موسى ولا ما كنت حيا حتى أموت وقد بايعت لمحمد المهدى أمير المؤمنين ولموسى ابن أمير المؤمنين من بعده وجعلت لهما ولعامة المسلمين من أهل خراسان وغيرهم الوفاء بما شرطت على نفسي في هذا الامر الذى خرجت منه والتمام عليه على بذلك عهد الله وما اعتقد أحد من خلقه من عهد أو ميثاق أو تغليظ أو تأكيد على السمع والطاعة والنصيحة للمهدى محمد أمير المؤمنين وولى عهده موسى ابن أمير المؤمنين في السر والعلانية والقول والفعل والنية والشدة والرجاء والسراء والضراء والموالاة لهما ولمن والاهما والمعاداة لمن عاداهما كائنا من كان في هذا الامر الذى خرجت منه فإن أنا نكبت أو غيرت أو بدلت أو دغلت أو نويت غير ما أعطيت عليه هذه الايمان أو دعوت إلى خلاف شئ مما حملت على نفسي في هذا الكتاب للمهدى محمد أمير المؤمنين ولولى عهده موسى ابن

[ 362 ]

أمير المؤمنين ولعامة المسلمين أو لم أف بذلك فكل زوجة عندي يوم كتبت هذا الكتاب أو أتزوجها إلى ثلاثين سنة طالق ثلاثا البتة طلاق الحرج وكل مملوك عندي اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة أحرارا لوجه الله وكل مال لى نقد أو عرض أو قرض أو أرض أو قليل أو كثير تالد أو طارف أو أستفيده فيما بعد اليوم إلى ثلاثين سنة صدقة على المساكين يضع ذلك الوالى حيث يرى وعلى من مدينة السلام المشى حافيا إلى بيت الله العتيق الذى بمكة نذرا واجبا ثلاثين سنة لا كفارة لى ولا مخرج منه إلا الوفاء به والله على الوفاء بذلك راع كفيل شهيد وكفى بالله شهيدا وشهيد على عيسى بن موسى بإقراره بما في هذا الشرط أربعمائة وثلاثون من بنى هاشم ومن الموالى والصحابة من قريش والوزراء والكتاب والقضاة وكتب في صفر سنة 160 وختم عيسى بن موسى فقال بعض الشعراء كره الموت أبو موسى وقد * كان في الموت نجاء وكرم خلع الملك وأضحى ملبسا * ثوب لوم ما ترى منه القدم (وفى سنة 160) وافى عبد الملك بن شهاب المسمعى مدينة باربد بمن توجه معه من المطوعة وغيرهم فناهضوها بعد قدومهم بيوم وأقاموا عليها يومين فنصبوا المنجنيق وناهضوها بجميع الآلة وتحاشد الناس وحض بعضهم بعضا بالقرآن والتذكير ففتحها الله عليهم عنوة ودخلت خيلهم من كل ناحية حتى ألجؤوهم إلى بدهم فأشعلوا فيها النيران والنفط فاحترق منهم من احترق وجاهد بعضهم المسلمين فقلتهم الله أجمعين واستشهد من المسلمين بضعة وعشرون رجلا وأفاءها الله عليهم وهاج البحر فلم يقدروا على ركوبه والانصراف فأقاموا إلى أن يطيب فأصابهم في أفواههم داء يقال له حمام قر فمات نحو من ألف رجل منهم الربيع بن صبيح ثم انصرفوا لما أمكنهم الانصراف حتى بلغوا ساحلا من فارس يقال له بحر حمران فعصفت عليهم فيه الريح ليلا فكسرت عامة مراكبهم فغرق منهم بعض ونجا بعض وقدموا معهم بسبي من سبيهم فيهم بنت ملك بأربد على محمد بن سليمان وهو يومئذ والى البصرة (وفيها) صير أبان بن صدقة كاتبا لهارون بن

[ 363 ]

المهدى ووزيرا له (وفيها) عزل أبو عون عن خراسان عن سخطة وولى مكانه معاذ بن مسلم (وفيها) غزا ثمامة بن الوليد العبسى الصائفة (وفيها) غزا الغمر ابن العباس الخثعمي بحر الشأم (وفيها) رد المهدى آل أبى بكرة من نسبهم في ثقيف إلى ولاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان سبب ذلك أن رجلا من آل أبى بكرة رفع ظلامة إلى المهدى وتقرب إليه فيها بولاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال المهدى إن هذا نسب واعتزاء ما تقرون به إلا عند حاجة تعرض لكم وعند اضطرار كم إلى التقرب به إلينا فقال الحكم يا أمير المؤمنين من جحد ذلك فإنا سنقر أنا أسألك أن تردني ومعسر آل أبى بكرة إلى نسبنا من ولاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأمر بآل زياد بن عبيد فيخرجوا من نسبهم الذى ألحقهم به معاوية رغبة عن قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الولد للفراش وللعاهر الحجر فيردوا إلى نسبهم من عبيد في موالى ثقيف فأمر المهدى في آل أبى بكرة وآل زياد أن يرد كل فريق منهم إلى نسبه وكتب إلى محمد بن سليمان كتابا وأمره أن يقرأ في مسجد الجماعة على الناس وأن يرد آل أبى بكرة إلى ولائهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسبهم إلى نفيع بن مسروح وأن يرد على من أقرمنهم ما أمر برده عليهم من أموالهم بالبصرة مع نظرائهم ممن أمر برد ماله عليه وأن لا يرد على من أنكر منهم وأن يجعل الممتحن منهم والمستبرئ لما عندهم الحكم بن سمرقند فأنفذ محمد ما أتاه في آل أبى بكرة إلا في أناس منهم غيب عنهم وأما آل زياد فانه مما قوى رأى المهدى فيهم فيما ذكر على بن سليمان أن أباه حدثه قال حضرت المهدى وهو ينظر في المظالم إذ قدم عليه رجل من آل زياد يقال له الصغدى بن سلم بن حرب فقال له من أنت قال ابن عمك قال أي ابن عمى أنت فانتسب إلى زياد فقال له المهدى يا ابن سمية الزانية متى كنت ابن عمى وغضب وأمر به فوجئ في عنقه وأخرج ونهض الناس قال فلما خرجت لحقني عيسى بن موسى أو موسى بن عيسى فقال أردت والله أن أبعث إليك أن أمير المؤمنين التفت الينا بعد خروجك فقال من عنده علم من آل زياد فوالله ما كان عند أحد منا من ذاك شئ فما عندك يا أبا

[ 364 ]

عبد الله فلما زلت أحدثه في زياد وآل زياد حتى صرنا إلى منزله بباب المحول فقال أسألك بالله والرحم لما كتبت لى هذا كله حتى أروح به إلى أمير المؤمنين وأخبره عنك فانصرفت فكتبت وبعثت به إليه فراح إلى المهدى فأخبره فأمر المهدى بالكتاب إلى هارون الرشيد وكان والى البصرة من قبله يأمره أن يكتب إلى واليها يأمره أن يخرج آل زياد من قريش وديوانهم والعرب وأن يعرض ولد أبى بكرة على ولاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن أقر منهم ترك ماله في يده ومن انتمى إلى ثقيف اصطفى ماله فعرضهم فأقروا جميعا بالولاء الا ثلاثة نفر فاصطفيت أموالهم ثم ان آل زياد بعد ذاك رشوا الديوان حتى ردهم إلى ما كانوا عليه فقال خالد النجار في ذلك، إن زيادا ونافعا وأبا * بكرة عندي من أعجب العجب ذاقر شى كما يقول وذا * مولى وهذا بزعمه عربي نسخة كتاب المهدى إلى والى البصرة في رد آل زياد إلى نسبهم (بسم الله الرحمن الرحيم) أما بعد فان أحق ما حمل عليه ولاة المسلمين أنفسهم وخواصهم وعوامهم في أمورهم وأحكامهم العمل بينهم بما في كتاب الله واتباع لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصبر على ذلك والمواظبة عليه والرضى به فيما وافقهم وخالفهم للذى فيه من إقامة حدود الله ومعرفة حقوقه واتباع مرضاته واحراز جزائه وحسن ثوابه ولما في مخالفة ذلك والصدود عنه وغلبة الهوى لغيره من الضلال والخسار في الدنيا والآخرة وقد كان من رأى معاوية ابن أبى سفيان في استلحاقه زياد بن عبيد عبد آل علاج من ثقيف وادعائه ما أباه بعد معاوية عامة المسلمين وكثير منهم في زمانه لعلمهم بزياد وأبى زياد وأمه من أهل الرضى والفضل والفقه والورع والعلم ولم يدع معاوية إلى ذلك ورع ولا هدى ولا اتباع سنة هادية ولا قدوة من أئمة الحق ما ضية الا الرغبة في هلاك دينه وآخرته والتصميم على مخالفة الكتاب والسنة والعجب بزياد في جلده ونفاذه وما رجا من معونته وموازرته إياه على باطل ما كان يركن إليه في سبرته وآثاره وأعماله الخبيثة * وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر وقال من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة

[ 365 ]

والناس أجمعين لا تقبل الله منه لا صرفا ولا عدلا ولعمري ما ولد زياد في حجر أبى سفيان ولا على فراشه ولا كان عبيد عبدا لابي سفيان ولا سمية أمة له ولا كانا في ملكه ولا صارا إليه لسبب من الاسباب ولقد قال معاوية فيما يعلمه أهل الحفظ للاحاديث عند كلام نصر بن الحجاج بن علاط السلمى ومن كان معه من موالى بنى المغيرة المخزوميين وإرادتهم استلحاقه واثبات دعوته وقد أعدلهم معاوية حجرا تحت بعض فرشه فألقاه إليهم فقالوا له نسوغ لك ما فعلت في زياد ولا تسوغ لنا ما فعلنا في صاحبنا فقال قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خير لكم من قضاء معاوية فخالف معاوية بقضائه في زياد واستلحاقه إياه وما صنع فيه وأقدم عليه أمر الله جل وعزو قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبع في ذلك هواه رغبة عن الحق ومجانبة له وقد قال الله عز وجل (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدى القوم الظالمين) وقال لداود صلى الله عليه وسلم وقد آتاه الحكم والنبوة والمال والخلافة (يا داوود إنا جعلناك خليفة في الارض) الآية إلى آخرها فأمير المؤمنين يسأل الله أن يعصم له نفسه ودينه وأن يعيذه من غلبة الهوى ويوفقه في جميع الامور لما يحب ويرضى إنه سميع قريب وقد رأى أمير المؤمنين أن يرد زيادا ومن كان من ولده إلى أمهم ونسبهم المعروف ويلحقهم بأبيهم عبيد وأمهم سمية ويتبع في ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أجمع عليه الصالحون وأئمة الهدى ولا يجيز لمعاوية ما أقدم عليه مما يخالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وكان أمير المؤمنين أحق من أخذ بذلك وعمل به لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعه آثاره وإحيائه سنته وإبطاله سنن غيره الزائغة الجائرة عن الحق والهدى وقد قال الله جل وعز (فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون) فاعلم أن ذلك من رأى أمير المؤمنين في زياد وما كان من ولد زياد فألحقهم بأبيهم زياد بن عبيد وأمهم سمية واحملهم عليه وأظهره لمن قبلك من المسلمين حتى يعرفوه ويستقيم فيهم فان أمير المؤمنين قد كتب إلى قاضى البصرة وصاحب ديوانهم بذلك والسلام عليك ورحمة

[ 366 ]

الله وبركاته وكتب معاوية بن عبد الله في سنة 159 فلما وصل الكتاب إلى محمد ابن سليمان وقع بإنفاذه ثم كلم فيهم فكف عنهم وقد كان كتب إلى عبد الملك ابن أيوب بن ظبيان النميري بمثل ما كتب به إلى محمد فلم ينفذه لموضعه من قيس وكراهته أن يخرج أحد من قومه إلى غيرهم (وفيها) كانت وفاة عبيد الله بن صفوان الجمحى وهو وال على المدينة فولى مكانه محمد بن عبد الله الكثيرى فلم يلبث الا يسيرا حتى عزل وولى مكانه زفر بن عاصم الهلالي وولى المهدى قضاء المدينة فيها عبد الله بن محمد بن عمران الطلحى (وفيها) خرج عبد السلام الخارجي فقتل (وفيها) عزل بسطام بن عمرو عن السند واستعمل عليها روح بن حاتم (وحج بالناس) في هذه السنة المهدى واستخلف على مدينته حين شخص عنها ابنه موسى وخلف معه يزيد بن منصور خال المهدى ووزيرا له ومدبرا لامره وشخص مع المهدى في هذه السنة ابنه هارون وجماعة من أهل بيته وكان ممن شخص معه يعقوب ابن داود على منزلته التى كانت له عنده فأتاه حين وافى مكة الحسن بن ابراهيم بن عبد الله بن الحسن الذى استأمن له يعقوب من المهدى على أمانه فأحسن المهدى صلته وجائزته وأقطعه مالا من الصوافى بالحجاز (وفيها) نزع المهدى كسوة الكعبة التى كانت عليها وكساها كسوة جديدة وذلك أن حجبة الكعبة فيما ذكر رفعوا إليه أنهم يخافون على الكعبة أن تهدم لكثرة ما عليها من الكسوة فأمر أن يكشف عنها ما عليها من الكسوة حتى بقيت مجردة ثم طلى البيت كله بالخلوق وذكر أنهم لما بلغوا إلى كسوة هشام ووجدوها ديباجا تخينا جيدا ووجدوا كسوة من كان قبله عامتها من متاع اليمن * وقسم المهدى في هذه السنة بمكة في أهلها فيما ذكر مالا عظيما وفى أهل المدينة كذلك فذكر أنه نظر فيما قسم في تلك السفرة فوجد ثلاثين ألف ألف درهم حملت معه ووصلت إليه من مصر ثلثمائة ألف دينار ومن اليمن مائتا ألف دينار قسم ذلك كله وفرق من الثياب مائة ألف ثوب وخمسين ألف ثوب ووسع في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بنزع المقصورة التى في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فنزعت وأراد أن

[ 367 ]

ينقص منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعيده إلى ما كان عليه ويلقى منه ماكان معاوية زاد فيه فذكر عن مالك بن أنس أنه شاور في ذلك فقيل له إن المسامير قد سلكت في الخشب الذى أحدثه معاوية وفى الخشب الاول وهو عتيق فلانأمن إن خرجت المسامير التى فيه وزعزعت أن يتكسر فتركه المهدى وأمر أيام مقامه بالمدينة بإثبات خمسمائة رجل من الانصار ليكونوا معه حر ساله بالعراق وأنصارا وأجرى عليهم أرزاقا سوى أعطياتهم وأقطعهم عند قدومهم معه ببغداد قطيعة تعرف بهم وتزوج في مقامه بها برقية بنت عمرو العثمانية (وفى هذه السنة) حمل محمد بن سليمان الثلج للمهدى حتى وافى به مكة فكان المهدى أول من حمل له الثلج إلى مكة من الخلفاء (وفيها) رد المهدى على أهل بيته وغيرهم قطائعهم التى كانت مقبوضة عنهم * وكان على صلاة الكوفة وأحدثها في هذه السنة اسحق بن الصباح الكندى وعلى قضبائها شريك وعلى البصرة وأحداثها وأعمالها المفردة وكور دجلة والبحرين وعمان وكور الاهواز وفارس محمد بن سليمان وكان على قضاء البصرة فيها عبيد الله بن الحسن وعلى خراسان معاذ بن مسلم وعلى الجزيرة الفضل ابن صالح وعلى السند روح بن حاتم وعلى افريقية يزيد بن حاتم وعلى مصر محمد ابن سليمان أبو ضمرة ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمما كان من ذلك خروج حكيم المقنع بخراسان من قرية من قرى مرو وكان فيما ذكر يقول بتناسخ الارواح يعود ذلك إلى نفسه فاستغوى بشرا كثيرا وقوى وصار إلى ما وراء النهر فوجه المهدى لقتاله عدة من قواده فيهم معاذ بن مسلم وهو يومئذ على خراسان ومعه عقبة بن مسلم وجبرئيل بن يحيى وليث مولى المهدى ثم أفرد المهدى لمحاربته سعيدا الحرشى وضم إليه القواد وابتدأ المقنع بجمع الطعام عدة للحصار في قلعة بكش (وفيها) ظفر نصر بن محمد بن الاشعث الخزاعى بعبدالله

[ 368 ]

ابن مروان بالشأم فقدم به على المهدى قبل أن يوليه السند فحبسه المهدى في المطبق فذكر أبو الخطاب أن المهدى أتى بعبدالله بن مروان بن محمد وكان يكنى أبا الحكم فجلس المهدى مجلسا عاما في الرصافة فقال من يعرف هذا فقام عبد العزيز بن مسلم العقيلى فصار معه قائما ثم قال له أبو الحكم قال نعم ابن أمير المؤمنين قال كيف كنت بعدى ثم التفت إلى المهدى فقال نعم يا أمير المؤمنين هذا عبد الله بن مروان فعجب الناس من جرأته ولم يعرض له المهدى بشئ قال ولما حبس المهدى عبد الله ابن مروان احتيل عليه فجاء عمرو بن سهلة الاشعري فادعى أن عبد الله بن مروان قتل أباه فقدمه إلى عافية القاضى فتوجه عليه الحكم أن يقاد به وأقام عليه البينة فلما كان الحكم يبرم جاء عبد العزيز بن مسلم العقيلى إلى عافية القاضى يتخطى قاب الناس حتى صار إليه فقال يزعم عمرو بن سهلة أن عبد الله بن مروان قتل أباه كذب والله ما قتل أباه غيرى أنا قتلته بأمر مروان وعبد الله بن مروان من دمه برئ فزالت عن عبد الله بن مروان ولم يعرض المهدى لعبد العزيز بن مسلم لانه قتله بأمر مروان (وفيها) غزا الصائفة ثمامة بن الوليد فنزل دابق وجاشت الروم وهو مغتر فأتت طلائعه وعيونه بذلك فلم يحفل بما جاؤا به وخرج إلى الروم وعليها ميخائيل بسرعان الناس فأصيب من المسلمين عدة وكان عيسى بن على مرابطا بحصن مرعش يومئذ فلم يكن للمسلمين في ذلك العام صائفة من أجل ذلك (وفيها) أمر المهدى ببناء القصور في طريق مكة أو سع من القصور التى كان أبو العباس بناها من القادسية إلى زبالة وأمر بالزيادة في قصور أبى العباس وترك منازل أبى جعفر التى كان بناها على حالها وأمر باتخاذ المصانع في كل منهل وبتجديد الاميال والبرك وحفر الركايا مع المصانع وولى ذلك يقطين بن موسى فلم يزل ذلك إليه إلى سنة 171 وكان خليفة يقطين في ذلك أخوه أبو موسى (وفيها) أمر المهدى بالزيادة في مسجد الجامع بالبصرة فزيد فيه من مقدمه مما يلى القبلة وعن يمينه مما يلى رحبة بنى سليم وولى بناء ذلك محمد بن سليمان وهو يومئذ والى البصرة (وفيها) أمر المهدى بنزع المقاصير من مساجد الجماعات وتقصير المنابر وتصيير ها إلى المقدار الذى عليه

[ 369 ]

منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتب بذلك إلى الآفاق فعمل به (وفيها) أمر المهدى يعقوب بن داود بتوجيه الامناء في جميع الآفاق فعمل به فكان لا ينفذ للمهدى كتاب إلى عامل فيجوز حتى يكتب يعقوب بن داود إلى أمينه وثقته بإنفاذ ذلك (وفيها) اتضعت منزلة أبى عبيد الله وزير المهدى وضم يعقوب إليه من متفقهة البصرة وأهل الكوفة وأهل الشأم عددا كثيرا وجعل رئيس البصريين والقائم بأمرهم إسماعيل بن علية الاسدي ومحمد بن ميمون العنبري وجعل رئيس أهل الكوفة وأهل الشأم عبد الاعلى بن موسى الحلبي ذكر السبب الذى من أجله تغيرت منزلة أبى عبيد الله عند المهدى (قد ذكرنا) سبب اتصاله كان به قبل في أيام المنصور وضم المنصور إياه إلى المهدى حين وجهه إلى الرى عند خلع عبد الجبار بن عبد الرحمن المنصور فذكر أبو زيد عمر بن شبة أن سعيد بن إبراهيم حدثه أن جعفر بن يحيى حدثه أن الفضل بن الربيع أخبره أن الموالى كانوا يشنعون على أبى عبيد الله عند المهدى ويسعون عليه عنده فكانت كتب أبى عبيد الله تنفذ عند المنصور بما يريد من الامور وتتخلى الموالى بالمهدي فيبلغونه عن أبى عبيد الله ويحرضونه عليه قال الفضل وكانت كتب أبى عبيد الله تصل إلى أبى تترى يشكو الموالى وما يلقى منهم ولا يزال يذكره عند المنصور ويخبره بقيامه ويستخرج الكتب عنه إلى المهدى بالوصاة به وترك القبول فيه قال فلما رأى أبو عبيد الله غلبة الموالى على المهدى وخلوتهم به نظر إلى أربعة رجال من قبائل شتى من أهل الادب والعلم فضمهم إلى المهدى فكانوا في صحابته فلم يكونوا يدعون الموالى يتخلون به ثم أبا عبيد الله كلم المهدى في بعض أمره إذ اعترض رجل من هؤلاء الاربعة في الامر الذى تلكم فيه فسكت عنه أبو عبيد الله فلم يراده وخرج فأمره أن يحجب عن المهدى فحجبه عنه وبلغ ذلك من خبره أبى قال وحج أبى مع المنصور في السنة التى مات فيها وقام أبى من أمر المهدى بما قام به من أمر البيعة وتجديد ها على بيت المنصور والقواد والموالي فلما قدم تلقيته بعد المغرب فلم أزل معه حتى تجاوز منزله وترك

[ 370 ]

دار المهدى ومضى إلى أبى عبيد الله فقال يا بنى هو صاحب الرجل وليس ينبغى أن نعامله على ما كنا نعامله عليه ولا أن نحاسبه بما كان منا في أمره من نصرتنا له قال فمضينا حتى أتينا باب أبى عبيد الله فما زال واقفا حتى صليت العتمة فخرج الحاجب فقال ادخل فثنى رجله وثنيت رجلى قال إنما استأذنت لك يا أبا الفضل وحدك قال اذهب فأخبره أن الفضل معى قال ثم أقبل على فقال وهذا أيضا من ذلك قال فخرج الحاجب فأذن لنا جميعا فدخلنا أنا وأبى وأبو عبيد الله في صدر المجلس على مصلى متكئ على وسادة فقلت يقوم إلى أبى إذا دخل إليه فلم يقم إليه فقلت يستوى جالسا إذا دنا فلم يفعل فقلت يدعو له بمصلى فلم يفعل فقعد أبى بين يديه على البساط وهو متكئ فجعل يسائله عن مسيره وسفره وحاله وجعل أبى يتوقع أن يسأله عما كان منه في أمر المهدى وتجديد بيعته فأعرض عن ذلك فذهب أبى يبتدئه بذكره فقال قد بلغنا نبأكم قال فذهب أبى لينهض فقال لا أرى الدروب إلا وقد غلقت فلو أقمت قال فقال أبى إن الدروب لا تغلق دوني قال بلى قد أغلقت قال فظن أبى أنه يريد أن يحتبسه ليسكن من مسيره ويريد أن يسأله قال فأقيم قال يا فلان اذهب فهئ لابي الفضل في منزل محمد بن أبى عبيد الله مبيتا فلما رأى أنه يريد أن يخرج من الدار قال فليس تغلق الدروب دوني فأعتزم ثم قام فلما خرجنا من الدار أقبل على فقال يا بنى أنت أحمق قلت وما حمقى أنا قال تقول لى كان ينبغى لك ألا تجئ وكان ينبغى إذا جئت فحجبنا ألا تقيم حتى صليت العتمة وأن تنصرف ولا تدخل وكان ينبغى إذا دخلت فلم يقم إليك أن ترجع ولا تقيم عليه ولم يكن الصواب إلا ما عملت كله ولكن والله الذى لا إله إلا هو واستغلق في اليمين لاخلعن جاهى ولانفقن مالى حتى أبلغ من أبى عبيد الله قال ثم جعل يضطرب بجهده فلا يجد مساغا إلى مكروهه ويحتال الجد إذ ذكر القشيرى الذى كان أبو عبيد الله حجبه فأرسل إليه فجاءه فقال انك قد علمت ما ركبك به أبو عبيد الله وقد بلغ منى كل غاية من المكروه وقد أرغت أمره بجهدي فما وجدت عليه طريقا فعندك حيلة في أمره فقال انما يؤتى أبو عبيد الله من أحد وجوه أذكرها

[ 371 ]

لك يقال هو رجل جاهل بصناعته وأبو عبيد الله أحذق الناس أو يقال هو ظنين في الدين بتقليده وأبو عبيد الله أعف الناس لو كان بنات المهدى في حجرة لكان لهن موضعا أو يقال هو يميل إلى أن يخالف السلطان فليس يؤتى أبو عبيد الله من ذلك الا أنه يميل إلى القدر بعض الميل وليس يتسلق عليه بذاك أن يقال هو متهم ولكن هذا كله مجتمع لك في ابن قال فتناوله الربيع فقبل بين عينيه ثم دب لابن أبى عبيد الله فوالله ما زال يحتال ويدس إلى المهدى ويتهمه ببعض حرم المهدى حتى استحكم عند المهدى الظنة بمحمد بن أبى عبيد الله فأمر فأحضر وأخرج أبو عبيد الله فقال يا محمد اقرأ فذهب ليقرأ فاستعجم عليه القرآن فقال يا معاوية ألم تعلمني أن ابنك جامع للقرآن قال أخبرتك يا امير المؤمنين ولكن فارقني منذ سنين وفى هذه المدة التى نأفيها عنى نسى القرآن قال قم فتقرب إلى الله في دمه فذهب ليقوم فوقع فقال العباس بن محمد إن رأيت يا أمير المؤمنين أن تعفى الشيخ قال ففعل وأمر به فأخرج فضربت عنقه قال فاتهمه المهدى في نفسه فقال له الربيع قتلت ابنه وليس ينبغى أن يكون معك ولا أن تثق به فأوحش المهدى وكان الذى كان من أمره وبلغ الربيع ما أراد واشتفى وزاد * وذكر محمد بن أبى عبد الله يعقوب بن داود قال أخبرني أبى قال ضرب المهدى رجلا من الاشعريين فأوجعه فتعصب أبو عبيد الله له وكان مولى لهم فقال القتل أحسن من هذا يا أمير المؤمنين فقال له المهدى يا يهودى اخرج من عسكري لعنك الله قال ما أدرى إلى أين أخرج إلا إلى النار قال قلت يا أمير المؤمنين أحربهذا أن لمثلها يتوقع قال فقال لى سبحان الله يا أبا عبد الله (وفيها) غزا الغمر بن العباس في البحر (وفيها) ولى نصر بن محمد بن الاشعث السند مكان روح بن حاتم وشخص إليها حتى قدمها ثم عزل وولى مكانه محمد بن سليمان فوجه إليها عبد الملك ابن شهاب المسمعى فقدمها على نصر فبغته ثم أذن له في الشخوص فشخص حتى نزل الساحل على ستة فراسخ من المنصورة فأتى نصر بن محمد عهده على السند فرجع إلى عمله وقد كان عبد الملك أقام بها ثمانية عشر يوما فلم يعرض له فرجع

[ 372 ]

إلى البصرة (وفيها) استقضى المهدى عافية بن يزيد الازدي فكان هو وابن علاثة يقضيان في عسكر المهدى في الرصافة وكان القاضى بمدينة الشرقية عمر بن حبيب العدوى (وفيها) عزل الفضل بن صالح عن الجزيرة واستعمل عليها عبد الصمد ابن على (وفيها) استعمل عيسى بن لقمان على مصر (وفيها) ولى يزيد بن منصور سواد الكوفة وحسان الشروى الموصل وبسطام بن عمرو التغلبي آذربيجان (وفيها) عزل أبا أيوب المسمى سليمان المكى عن ديوان الخراج وولى مكانه أبو الوزير عمر بن مطرف (وفيها) توفى نصر بن مالك من فالج أصابه ودفن في مقابر بنى هاشم وصلى عليه المهدى (وفيها) صرف أبان بن صدقة عن هارون ابن المهدى إلى موسى بن المهدى وجعله له كاتبا ووزيرا وجعل مكانه مع هارون ابن الهدى يحيى بن خالد بن برمك (وفيها) عزل محمد بن سليمان أبا ضمرة عن مصر في ذى الحجة المهدى وولاها سلمة بن رجاء (وحج) بالناس في هذه السنة موسى ابن محمد بن عبد الله الهادى وهو ولى عهد أبيه * وكان عامل الطائف ومكة واليمامة فيها جعفر بن سليمان وعلى صلاة الكوفة وأحداثها إسحاق بن الصباح الكندى وعلى سوادها يزيد بن منصور ثم دخلت سنة اثنتين وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك ما كان من مقتل عبد السلام الخارجي بقنسرين ذكر الخبر عن مقتله ذكر أن عبد السلام بن هاشم اليشكرى هذا خرج بالجزيرة وكثر بها أتباعه واشتدت شوكته فلقيه من قواد المهدى عدة منهم عيسى بن موسى القائد فقتله في عدة ممن معه وهزم جماعة من القواد فوجه إليه المهدى الجنود فنكب غير واحد من القواد منهم شبيب بن واج المروروذى ثم ندى إلى شبيب ألف فارس أعطى كل رجل منهم ألف درهم معونة وألحقهم بشبيب فوافوه فخرج شبيب في أثر

[ 373 ]

عبد السلام فهرب منهم حتى أتى قنسرين فلحقه بها فقتله (وفيها) وضع المهدى دواوين الازمة وولى عليها عمر بن بزيع مولاه فولى عمر بن بزيع النعمان بن عثمان أبا حازم زمام خراج العراق (وفيها) أمر المهدى أن يجرى على المجذمين وأهل السجون في جميع الآفاق (وفيها) ولى ثمامة بن الوليد العبسى الصائفة فلم يتم ذلك (وفيها) خرجت الروم إلى الحدث فهدموا سورها وغزا الصائفة الحسن بن قحطبة في ثلاثين ألف مرتزق سوى المطوعة فبلغ حمة أذرولية فأكثر التحريب والتحريق في بلاد الروم من غير أن يفتح حصنا ويلقى جمعا وسمته الروم التنين وقيل إنه إنما أتى هذه الحمة الحسن ليستنقع فيها للوضح الذى كان به ثم قفل بالناس سالمين وكان على قضاء عسكره وما يجتمع من الفئ حفص بن عامر السلمى (قال وفيها) غزا يزيد بن أسيد السلمى من باب قاليقلا فغنم وفتح ثلاثة حصون واصاب سبيا كثيرا وأسرى (وفيها) عزل على بن سليمان عن اليمن وولى مكانه عبد الله بن سليمان (وفيها) عزل سملة بن رجاء عن مصر ووليها عيسى بن لقمان في المحرم ثم عزل في جمادى الآخرة ووليها واضح مولى المهدى ثم عزل في ذى القعدة ووليها يحيى الحرشى (وفيها) ظهرت المحمرة بجرجان عليهم رجل يقال له عبد القهار فغلب على جرجان وقتل بشرا كثيرا فغزاه عمر بن العلاء من طبرستان فقتل عبد القهار وأصحابه (وحج) بالناس في هذه السنة ابراهيم بن جعفر بن المنصور وكان العباس بن محمد استأذن المهدى في الحج بعد ذلك فعاتبه على ألا يكون استأذنه قبل أن يولى الموسم أحدا فيوليه إياه فقال يا أمير المؤمنين عمدا أخرت ذلك لانى لم أرد الولاية * وكانت عمال الامصار عمالها في السنة التى قبلها ثم إن الجزيرة كانت في هذه السنة إلى عبد الصمد بن على وطبرستان والرويان إلى سعيد بن دعلج وجرجان إلى مهلهل ابن صفوان

[ 374 ]

ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومائة ذكر الخبر عن الاحداث التى كانت فيها فمن ذلك ما كان فيها من هلاك المقنع وذلك أن سعيدا الحرشى حصره بكش فاشتد عليه الحصار فلما أحس بالهلكة شرب سما وسقاه نساءه وأهله فمات وما توا فيما ذكر جميعا ودخل المسلمون قلعته واحتزوا رأسه ووجهوا به إلى المهدى وهو بحلب (وفيها) قطع المهدى البعوث للصائفة على جميع الاجناد من أهل خراسان وغيرهم وخرج فعسكر بالبردان فأقام به نحوا من شهرين يتعبأ فيه ويتهيأ ويعطى الجنود وأخرج بها صلات لاهل بيته الذين شخصوا معه فتوفى عيسى بن على في آخر جمادى الآخرة ببغداد وخرج المهدى من الغد إلى البردان متوجها إلى الصائفة واستخلف ببغداد موسى بن المهدى وكاتبه يومئذ أبان بن صدقة وعلى خاتمه عبد الله بن علاثة وعلى حرسه على بن عيسى وعلى شرطه عبد الله بن حازم فذكر العباس بن محمد أن المهدى لما وجه الرشيد إلى الصائفة سنة 163 خرج يشيعه وأنا معه فلما حاذى قصر مسلمة قلت يا أمير المؤمنين إن لمسلمة في أعناقنا منة كان محمد بن على مربه فأعطاه أربعة آلاف دينار وقال له يا ابن عم هذان ألفان لدينك وألفان لمعونتك فإذا نفدت فلا تحتشمنا فقال لما حدثته الحديث أحضروا من ههنا من ولد مسلمة ومواليه فأمر لهم بعشرين ألف دينار وأمر أن تجرى عليهم الارزاق ثم قال يا أبا الفضل كافينا مسلمة وقضينا حقه قلت نعم وزدت يا أمير المؤمنين وذكر إبراهيم بن زياد عن الهيثم بن عدى أن المهدى أغزى هارون الرشيد بلاد الروم وضم إليه الربيع الحاجب والحسن بن قحطبة قال محمد بن العباس إنى لقاعد في مجلس أبى في دار أمير المؤمنين وهو على الحرس إذ جاء الحسن بن قحطبة فسلم على وقعد على الفراش الذى يقعد أبى عليه فسأل عنه فأعلمته أنه راكب فقال لى يا حبيبي أعلمه أنى جئت وأبلغه السلام عنى وقل له إن أحب أن يقول لامير المؤمنين يقول الحسن بن

[ 375 ]

قحطبة يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك أغزيت هارون وضممتنى والربيع إليه وأنا قريع قوادك والربيع قريع مواليك وليس تطيب نفسي بأن نخلى جميعا بابك وإما أغزيتني مع هارون وأقام الربيع وإما أغزيت الربيع وأقمت ببابك قال فجاء أبى فأبلغته الرسالة فدخل على المهدى فأعلمه فقال أحسن والله الاستعفاء لاكما فعل الحجام بن الحجام يعنى عامر بن اسماعيل وكان استعفى من الخروج مع إبراهيم فغضب عليه واستصفى ماله وذكر عبد الله بن أحمد بن الوضاح قال سمعت جدى أبا بديل قال أغزى المهدى الرشيد وأغزى معه موسى بن عيسى وعبد الملك بن صالح بن على ومولي أبيه الربيع والحاجب والحسن الحاجب فلما فصل دخلت عليه بعد يومين أو ثلاثة فقال ما خلفك عن ولى العهد عن أخويك خاصة يعنى الربيع والحسن الحاجب قلت أمر أمير المؤمنين ومقامى بمدينة السلام حتى يأذن لى قال فسر حتى تلحق به وبهما واذكر ما تحتاج إليه قال قلت ما أحتاج إلى شئ من العدة فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لى في وداعه فقال لى متى تراك خارجا قال قلت من غد قال فودعته وخرجت فلحقت القوم قال فأقبلت أنظر إلى الرشيد يخرج فيضرب بالصوالجة وأنظر إلى موسى بن عيسى وعبد الملك بن صالح وهما يتضاحكان منه قال فصرت إلى الربيع والحسن وكنا لا نفترق فقلت لا جزاكما الله عمن وجهكما ولا عمن وجهتما معه خيرا فقال إيه وما الخبر قال قلت موسى ابن عيسى وعبد الملك بن صالح يتضاحكان من ابن أمير المؤمنين أو ما كنتما تقدران أن تجعلا لهما مجلسا يدخلان عليه فيه ولمن كان معه من القواد في الجمعة ولا يدخلون عليه في سائر أيامه كما يريد قال فبينا نحن في ذلك المسير إذ بعثا إلى في الليل قال فجئت وعندهما رجل فقالا لى هذا غلام الغمر بن يزيد وقد أصبنا معه كتاب الدولة قال ففتحت الكتاب فنظرت فيه إلى سنى المهدى فإذا هي عشر سنين قال فقلت ما في الارض أعجب منكما أتريان أن خبر هذا الغلام يخفى وأن هذا الكتاب يستتر قالا كلا قلت فإذا كان أمير المؤمنين قد نقص من سنيه ما نقص ألستم أول من نعى إليه نفسه قال فتلبدوا والله وسقط في أيديهما فقالا

[ 376 ]

فما الحيلة قلت يا غلام على بعنبسة يعنى الوراق الاعرابي مولى آل أبى بديل فأتى به فقلت خط مثل هذا الخط وورقة مثل هذه الورقة وصير مكان عشر سنين أربعين سنة وصيرها في الورقة قال فوالله لولا أنى رأيت العشر في تلك والاربعين في هذه ما شككت أن الخط ذلك الخط وأن الورقة تلك الورقة قال ووجه المهدى خالد بن برمك مع الرشيد وهو ولى العهد حين وجهه لغزو الروم وتوجه معه الحسن وسليمان ابنا برمك ووجه معه على أمر العسكر ونفقاته وكتابته والقيام بأمره يحيى بن خالد وكان أمر هارون كله إليه وصير الربيع الحاجب مع هارون يغزو عن المهدى وكان الذى بين الربيع ويحيى على حسب ذلك وكان يشاورهما ويعمل برأيهما ففتح الله عليهم فتوحا كثيرة وأبلاهم في ذلك الوجه بلاء جميلا وكان لخالد في ذلك بسمالو أثر جميل لم يكن لاحد وكان منجمهم يسمى البرمكى تبركا به ونظرا إليه قال ولما ندب المهدى هارون الرشيد لما ندبه له من الغزو أمر أن يدخل عليه كتاب أبناء الدعوة لينظر إليهم ويختار له منهم رجلا (قال يحيى) فأدخلوني عليه معهم فوقفوا بين يديه ووقفت آخرهم قال لى يا يحيى أدن فدنوت ثم قال لى اجلس فجلست فجثوت بين يديه فقال لى إنى قد تصفحت أبناء شيعتي وأهل دولتي واخترت منهم رجلا لهارون ابني أضمه إليه ليقوم بأمر عسكر ويتولى كتابته فوقعت عليك خيرتي له ورأيتك أولى به إذ كنت مربيه وخاصته وقد وليتك كتابته وأمر عسكره قال فشكرت ذلك له وقبلت يده وأمر لى بمائة ألف درهم معونة على سفري فوجهت في ذلك العسكر لما وجهت له قال وأوفد الربيع سليمان بن برمك إلى المهدى وأوفد معه وفدا فأكرم المهدى وفادته وفضله وأحسن إلى الوفد الذين كانوا معه ثم انصرفوا من وجههم ذلك (وفى هذه السنة) سنة مسير المهدى مع ابنه هارون عزل المهدى عبد الصمد بن على عن الجزيرة وولى مكانه زفر بن عاصم الهلالي ذكر السبب في عزله إياه ذكر ان المهدى سلك في سفرته هذه طريق الموصل وعلى الجزيرة عبد الصمد

[ 377 ]

ابن على فلما شخص المهدى من الموصل وصار بأرض الجزيرة لم يتلقه عبد الصمد ولا هيأ له نزولا ولا أصلح له قناطر فاضطغن ذلك عليه المهدى فلما لقيه تجهمه وأظهر له جفاء فبعث إليه عبد الصمد بألطاف لم يرضها فردها عليه وازداد عليه سخطا وأمر بأخذه بإقامة النزل له فتعبث في ذلك وتقنع ولم يزل يربى ما يكرهه إلى أن نزل حصن مسلمة فدعا به وجرى بينهما كلام أغلظ له فيه القول المهدى فرد عليه عبد الصمد ولم يحتمله فأمر بحبسه وعزله عن الجزيرة ولم يزل في حبسه في سفره ذلك وبعد أن رجع إلى أن رضى عنه وأقام له العباس بن محمد النزل حتى انتهى إلى حلب فأتته البشرى بها بقتل المقنع وبعث وهو بها عبد الجبار المحتسب لجلب من بتلك الناحية من الزنادقة ففعل وأتاه بهم وهو بدابق فقتل جماعة منهم وصلبهم وأتى بكتب من كتبهم فقطعت بالسكاكين ثم عرض بها جنده وأمر بالرحلة وأشخص جماعة من وافاه من أهل بيته مع ابنه هارون إلى الروم وشيع المهدى ابنه هارون حتى قطع الدرب وبلغ جيحان وارتاد بها المدينة التى تسمى المهدية وودع هارون على نهر جيحان فسار هارون حتى نزل رستاقا من رساتيق أرض الروم فيه قلعة يقال لها سمالو فأقام عليها ثمانيا وثلاثين ليلة وقد نصب عليها المجانيق حتى فتحها الله بعد تخريب لها وعطش وجوع أصاب أهلها وبعد قتل وجراحات كانت في المسلمين وكان فتحها على شروط شرطوها لانفسهم لا يقتلوا ولا يرحلوا ولا يفرق بينهم فأعطوا ذلك فنزلوا ووفى لهم وقفل هارون بالمسلمين سالمين الامن كان أصيب منهم بها (وفى هذه السنة) وفى سفرته هذه صار المهدى إلى بيت المقدس فصلى فيه ومعه العباس بن محمد والفضل بن صالح وعلى ابن سليمان وخاله يزيد بن منصور (وفيها) عزل المهدى ابراهيم بن صالح عن فلسطين فسأله يزيد بن منصور حتى رده عليها (وفيها) ولى المهدى ابنه هارون المغرب كله وآذربيجان وأرمينية وجعل كاتبه على الخراج ثابت بن موسى وعلى رسائله يحيى بن خالد بن برمك (وفيها) عزل زفر بن عاصم عن الجزيرة وولى مكانه عبد الله بن صالح بن على وكان المهدى نزل عليه في مسيره إلى بيت المقدس

[ 378 ]

فأعجب بما رأى من منزله بسلمية (وفيها) عزل معاذ بن مسلم عن خراسان وولاها المسيب بن زهير (وعزل فيها) يحيى الحرشى عن أصبهان وولى مكانه الحكم ابن سعيد (وعزل فيها) سعيد بن دعلج عن طبرستان والرويان وولاهما عمر ابن العلاء (وفيها) عزل مهلهل بن صفوان عن جرجان وولاها هشام بن سعيد (وحج) بالناس في هذه السنة على بن المهدى وكان على اليمامة والمدينة ومكة والطائف فيها جعفر بن سليمان وعلى الصلاة والاحداث بالكوفة إسحاق بن الصباح وعلى قضائها شريك وعلى البصرة وأعمالها وكور دجلة والبحرين وعمان والفرض وكور الاهواز وكور فارس محمد بن سليمان وعلى خراسان المسيب بن زهير وعلى السند نصر بن محمد بن الاشعث ثم دخلت سنة أربع وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك غزوة عبد الكبير بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب من درب الحدث فأقبل إليه ميخائيل البطريق فيما ذكر في نحو من تسعين ألفا فيهم طازاذ الارمني البطريق ففشل عنه عبد الكبير ومنع المسلمين من القتال وانصرف فأراد المهدى ضرب عنقه فكلم فيه فحبسه في المطبق (وفيها) عزل المهدى محمد بن سليمان عن أعماله ووجه صالح بن داود على ماكان إلى محمد بن سليمان ووجه معه عاصم بن موسى الخراساني الكاتب على الخراج وأمره بأخذ حماد بن موسى كاتب محمد بن سليمان وعبيد الله بن عمر خليفته وعماله وتكشيفهم (وفيها) بنى المهدى بعيسا باذ الكبرى قصرا من لبن إلى أن أسس قصره الذى بالآجر الذى سماه قصر السلامة وكان تأسيسه إياه يوم الاربعاء في آخر ذى القعدة (وفيها) شخص المهدى حين أسس هذا القصر إلى الكوفة حاجا فأقام برصافة الكوفة أياما ثم خرج متوجها إلى الحج حتى انتهى إلى العقبة فغلا عليه وعلى من معه الماء وخاف ألا يحمله ومن معه ما بين أيديهم وعرضت له مع ذلك

[ 379 ]

حمى فرجع من العقبة وغضب على يقطين بسبب الماء لانه كان صاحب المصانع واشتد على الناس العطش في منصرفهم وعلى ظهرهم حتى أشفوا على الهلكة (وفيها) توفى نصر بن محمد بن الاشعث بالسند (وفيها) عزل عبد الله بن سليمان عن اليمن عن سخطة ووجه من يستقبله ويفتش متاعه ويحصى ما معه ثم أمر بحبسه عند الربيع حين قدم حتى أقر من المال والجوهر والعنبر بما أقربه فرده إليه وخلى سبيله واستعمل مكانه منصور بن يزيد بن منصور (وفيها) وجه المهدى صالح بن أبى جعفر المنصور من العقبة عند انصرافه عنها إلى مكة ليحج بالناس فأقام صالح للناس الحج في هذه السنة وكان العامل على المدينة ومكة والطائف واليمامة فيها جعفر بن سليمان وعلى اليمن منصور بن يزيد بن منصور وعلى صلاة الكوفة وأحداثها هاشم بن سعيد بن منصور وعلى قضائها شريك بن عبد الله وعلى صلاة البصرة وأحداثها وكور دجلة والبحرين وعمان والفرض وكور الاهواز وفارس صالح بن داود بن على وعلى السند سطيح بن عمر وعلى خراسان المسيب بن زهير وعلى الموصل محمد بن الفضل وعلى قضاء البصرة عبيد الله بن الحسن وعلى مصر إبراهيم بن صالح وعلى افريقية يزيد بن حاتم وعلى طبرستان والرويان وجرجان يحيى الحرشى وعلى دنباوند وقومس فراشة مولى أمير المؤمنين وعلى الرى خلف بن عبد الله وعلى سجستان سعيد بن دعلج ثم دخلت سنة خمس وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك غزوة هارون بن محمد المهدى الصائفة ووجهه أبوه فيما ذكر يوم السبت لاحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة غازيا إلى بلاد الروم وضم إليه الربيع مولاه فوغل هارون في بلاد الروم فافتتح ماجدة ولقيته خيول نقيطا قومس القوامسة فبارزه يزيد بن مزيد فأرجل يزيد ثم سقط نقيطا فضربه يزيد حتى أثخنه وانهزمت الروم وغلب يزيد على عسكرهم وسار إلى الدمشق بنقمودية

[ 380 ]

وهو صاحب المسالح وسار هارون في خمسة وتسعين ألفا وسبعمائة وثلاثة وتسعين رجلا وحمل لهم من العين مائة ألف دينار وأربعة وتسعين ألفا وأربعمائة وخمسين دينارا ومن الورق أحدا وعشرين ألف ألف وأربعمائة ألف وأربعة عشر ألفا وثمانمائة درهم وسار هارون حتى بلغ خليج البحر الذى على القسطنطينية وصاحب الروم يومئذ أغسطه امرأة أليون وذلك أن ابنها كان صغيرا قد هلك أبوه وهو في حجرها فجرت بينهما وبين هارون بن المهدى الرسل والسفراء في طلب الصلح والموادعة وإعطاء الفدية فقبل ذلك منها هارون وشرط عليها الوفاء بما أعطت له وأن تقيم له الادلاء والاسواق في طريقه وذلك أنه دخل مدخلا صعبا مخوفا على المسلمين فأجابته إلى ما سأل والذى وقع عليه الصلح بينه وبينها تسعون أو سبعون ألف دينار تؤديها في نيسان الاول في كل سنة وفى حزيران فقبل ذلك منها فأقامت له الاسواق في منصرفه ووجهت معه رسولا إلى المهدى بما بذلت على أن تؤدى ما تيسر من الذهب والفضة والعرض وكتبوا كتاب الهدنة إلى ثلاث سنين وسلمت الاسارى وكان الذى أفاء الله على هارون إلى أن أذعنت الروم بالجزية خمسة آلاف رأس وستمائة وثلاثة وأربعين رأسا وقتل من الروم في الوقائع أربعة وخمسون ألفا وقتل من الاسارى صبرا ألفان وتسعون أسيرا ومما أفاء الله عليه من الدواب الذلل بأدراتها عشرون ألف دابة وذبح من البقر والغنم مائة ألف رأس وكانت المرتزقة سوى المطوعة وأهل الاسواق مائة ألف وبيع البرذون بدرهم والبغل بأقل من عشرة دراهم والدرع بأقل من درهم وعشرين سيفا بدرهم فقال مروان بن أبى حفصة في ذلك أطفت بقسطنطينية الروم مسندا * إليها القنا حتى اكتسى الذل سورها وما رمتها حتى أتتك ملوكها * بجزيتها والحرب تغلى قدورها (وفيها) عزل خلف بن عبد الله عن الرى وولاها عيسى مولى جعفر (وحج) بالناس في هذه السنة صالح بن أبى جعفر المنصور وكانت عمال الامصار في هذه السنة هم عمالها في السنة الماضية غير أن العامل على أحداث البصرة

[ 381 ]

والصلاة بأهلها كان روح بن حاتم وعلى كور دجلة والبحرين وعمان وكسكر وكور الاهراز وفارس وكرمان كان المعلى مولى أمير المؤمنين المهدى وعلى السنة الليث مولى المهدى ثم دخلت سنة ست وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك قفول هارون بن المهدى ومن كان معه من خليج قسطنطينية في المحرم لثلاث عشرة ليلة بقيت منه وقدمت الروم بالجزية معهم وذلك فيما قيل أربعة وستون ألف دينار عدد الرومية وألفان وخمسمائة دينار عربية وثلاثون ألف رطل مرعزى (وفيها) أخذ المهدى البيعة على قواده لهارون بعد موسى ابن المهدى وسماه الرشيد (وفيها) عزل عبيد الله بن الحسن عن قضاء البصرة وولى مكانه خالد بن طليق بن عمران بن حصين الخزاعى فلم يحمد ولايته فاستعفي أهل البصرة منه (وفيها) عزل جعفر بن سليمان عن مكة والمدينة وما كان إليه من العمل (وفيها) سخط المهدى على يعقوب بن داود ذكر الخبر عن غضب المهدى على يعقوب ذكر على بن محمد النوفلي قال سمعت أبى يذكر قال كان داود بن طهمان وهو أبو يعقوب بن داود واخوته كتابا لنصر بن سيار وقد كتب داود قبله لبعض ولاة خراسان فلما كانت أيام يحيى بن زيد كان يدس إليه والى أصحابه بما يسمع من نصر ويحذرهم فلما خرج أبو مسلم يطلب بدم يحيى بن زيد ويقتل قتلته والمعينين عليه من أصحاب نصر أتاه داود بن طهمان مطمئنا لما كان يعلم مما جرى بينه وبينه فآمنه أبو مسلم ولم يعرض له في نفسه وأخذ أمواله التى استفاد أيام نصر وترك منازله وضيعه التى كانت له ميراثا بمرو فلما مات داود خرج ولده أهل أدب وعلم بأيام الناس وسيرهم وأشعارهم ونظروا فإذا ليست لهم عند بنى العباس منزلة فلم يطمعوا في خدمتهم لحال أبيهم من كتابة نصر فلما رأوا ذلك أظهروا مقالة

[ 382 ]

الزيدية ودنوا من آل الحسين وطمعوا أن يكون لهم دولة فيعيشوا فيها فكان يعقوب يجول البلاد منفردا بنفسه ومع إبراهيم بن عبد الله أحيانا في طلب البيعة لمحمد بن عبد الله فلما ظهر محمد وإبراهيم بن عبد الله كتب على بن داود وكان أسن من يعقوب لابراهيم بن عبد الله وخرج يعقوب مع عدة من إخوته مع إبراهيم فلما قتل محمد وإبراهيم تواروا من المنصور فطلبهم فأخذ يعقوب وعليا فحبسهما في المطبق أيام حياته فلما توفى المنصور من عليهما المهدى فيمن من عليه بتخلية سييله وأطلقهما وكان معهما في المطبق إسحاق بن الفضل بن عبد الرحمن وكانا لا يفارقانه وإخوته الذين كانوا محتبسين معه فجرت بينهم بذلك الصداقة وكان إسحاق بن الفضل بن عبد الرحمن يرى أن الخلافة قد تجوز في صالحي بنى هاشم جميعا فكان يقول كانت الامامة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تصلح إلا في بنى هاشم وفى هذا الدهر لا تصلح إلا فيهم وكان يكثر في قوله للاكبر من بنى عبد المطلب وكان هو ويعقوب بن داود يتجاريان ذلك فلما خلى المهدى سبيل يعقوب مكث المهدى برهة من دهره يطلب عيسى بن زيد والحسن بن إبراهيم بن عبد الله بعد هرب الحسن من حبسه فقال المهدى يوما لو وجدت رجلا من الزيدية له معرفة بآل حسن وبعيسى بن زيد وله فقه فأجتلبه إلى على طريق الفقه فيدخل بينى وبين آل حسن وعيسى بن زيد فدل على يعقوب بن داود فأتى به فأدخل عليه وعليه يومئذ فرو وخفا كبل وعمامة كرابيس وكساء أبيض غليظ فكلمه وفاتحه فوجده رجلا كاملا فسأله عن عيسى بن زيد فزعم الناس أنه وعده الدخول بينه وبينه وكان يعقوب ينتفى من ذلك إلا أن الناس قد وموه بأن منزلته عند المهدى إنما كانت للسعاية بآل على ولم يزل أمره يرتفع عند المهدى ويعلو حتى استوزره وفوض إليه أمر الخلافة فأرسل إلى الزيدية فأتى بهم من كل أوب وولاهم من أمرو الخلافة في المشرق والمغرب كل جليل وعمل نفيس والدنيا كلها في يديه ولذلك يقول بشار بن برد بنى أمية هبوا طال نومكم * إن الخليفة يعقوب بن داؤد

[ 383 ]

ضاعت خلافتكم يا قوم فاطلبوا * خليفة الله بين الدف والعود قال فحسده موالى المهدى فسعوا عليه ومما حظى به يعقوب عند المهدى أنه استأمنه للحسن بن ابراهيم بن عبد الله ودخل بينه وبينه حتى جمع بينهما بمكة قال ولما علم آل الحسن بن على بصنيعه استوحشوا منه وعلم يعقوب أنه إن كانت لهم دولة لم يعش فيها وعلم أن المهدى لا يناظره لكثرة السعاية به إليه فمال يعقوب إلى اسحق بن الفضل وأقبل يربص له الامور وأقبلت السعايات ترد على المهدى بإسحق حتى قيل له إن المشرق والمغرب في يد يعقوب وأصحابه وقد كاتبهم وإنما يكفيه أن يكتب إليهم فيثور وافى يوم واحد على ميعاد فيأخذوا الدنيا لاسحق بن الفضل فكان ذلك قد ملا قلب المهدى عليه قال على بن محمد النوفلي فذكر لى بعض خدم المهدى أنه كان قائما على رأسه يوما يذب إذ دخل يعقوب فجثابين يديه فقال يا أمير المؤمنين قد عرفت اضطرب أمر مصر وأمرتني أن ألتمس لها رجلا يجمع أمرها فلم أزل أرتاد حتى أصبت لها رجلا يصلح لذلك قال ومن هو قال ابن عمك اسحاق بن الفضل فرأى يعقوب في وجهه التغير فنهض فخرج وأتبعه المهدى طرقه ثم قال قتلني الله إن لم أقتلك ثم رفع رأسه إلى وقال اكتم على ويلك قال ولم يزل مواليه يحرضونه عليه ويوحشونه منه حتى عزم على إزالة النعمة عنه (وقال موسى) بن ابراهيم المسعودي قال المهدى وصف لى يعقوب بن داود في منامي فقيل لى ان اتخذه وزيرا فلما رآه قال هذه والله الخلقة التى رأيتها في منامي فاتخذه وزيرا وحظي عنده غاية الحظوة فمكث حينا حتى بنى عيسى باذ فأتاه خادم من خدمه وكان حظيا عنده فقال له ان أحمد بن اسماعيل بن على قال لى قد بنى متنزها أنفق عليه خمسين ألف ألف من بيت مال المسلمين فحفظها عن الخادم ونسى أحمد بن اسماعيل وتوهمها على يعقوب بن داود فبينا يعقوب بين يديه إذ لببه فضرب به الارض فقال مالى ولك يا أمير المؤمنين قال ألست القائل إنى أنفقت على متنزه لى خمسين ألف ألف فقال يعقوب والله ما سمعته أذناى ولا كتبه الكرام الكاتبون فكان هذا أول سبب أمره قال وحدثني أبى قال كان يعقوب بن داود وقد عرف عن المهدى خلعا واستهتارا بذكر النساء والجماع وكان

[ 384 ]

يعقوب بن داود يصف من نفسه في ذلك شيئا كثيرا وكذلك كان المهدى فكانوا يخلون بالمهدي ليلا فيقولون هو على أن يصبح فيثور بيعقوب فإذا أصبح غدا عليه يعقوب وقد بلغه الخبر فإذا نظر إليه تبسم فيقول إن عندك لخيرا فيقول نعم فيقول اقعد بحياتي فحدثني فيقول خلوت بجاريتي البارحة فقالت وقلت فيصنع لذلك حديثا فيحدث المهدى بمثل ذلك ويفترقان على الرضى فيبلغ ذلك من يسعى على يعقوب فيتعجب منه قال وقال لى الموصلي قال يعقوب بن داود للمهدى في أمر أراده هذا والله السرف فقال ويلك وهل يحسن السرف إلا بأهل الشرف ويلك يا يعقوب لولا السرف لم يعرف المكثرون من المقترين وقال على بن يعقوب بن داود عن أبيه قال بعث إلى المهدى يوما فدخلت عليه فإذا هو في مجلس مفروش بفرش مورد متناه في السرو على بستان فيه شجر ورؤوس الشجر مع صحن المجلس وقد اكتسى ذلك الشجر بالاوراد والازهار من الخوخ والتفاح فكل ذلك مورد يشبه فرش المجلس الذى كان فيه فما رأيت شيئا أحسن منه وإذا عنده جارية ما رأيت أحسن منها ولا أشط قواما ولا أحسن اعتدالا عليها نحو تلك الثياب فما رأيت أحسن من جملة ذلك فقال لى يعقوب كيف ترى مجلسنا هذا قلت على غاية الحسن فمتع الله أمير المؤمنين به وهنأه إياه فقال هو لك احمله بما فيه وهذه الجارية ليتم سرورك به قال فدعوت له بما يجب قال ثم قال يعقوب ولى اليك حاجة قال فوثبت قائما ثم قلت يا أمير المؤمنين ما هذا إلا من موجدة وأنا أستعيذ بالله من سخط أمير المؤمنين قال لا ولكن أحب أن تضمن لى قضاء هذه الحاجة فانى لم أسألكها من حيث تتوهم وإنما قلت ذلك على الحقيقة فأحب أن تضمن لى هذه الحاجة وأن تقضيها لى فقلت الامر لامير المؤمنين وعلى السمع والطاعة قال والله قلت والله ثلاثا قال وحياة رأسي قلت وحياة رأسك قال فضع يدك عليه واحلف به قال فوضعت يدى عليه وحلفت له به لا عملن بما قال ولاقضين حاجته قال فلما استوثق منى في نفسه قال هذا فلان بن فلان من ولد على أحب أن تكفيني مؤونته وتريحني منه وتعجل ذلك قال قلت أفعل قال فخذه اليك فحولته إلى وحولت

[ 385 ]

الجارية وجميع ما كان في البيت من فرش وغير ذلك وأمر لي معه بمائة ألف درهم قال فحملت ذلك جملة ومضيت به فلشدة سروري بالجارية صيرتها في مجلس بينى وبينها ستر وبعثت إلى العلوى فأدخلته على نفسي وسألته عن حاله فأخبرني بها وبجمل منها وإذا هو ألب الناس وأحسنهم إبانة قال وقال لى في بعض ما يقول ويحك يا يعقوب تلقى الله بدمى وأنا رجل من ولد فاطمة بنت محمد قال قلت لا والله فهل فيك خير قال ان فعلت خيرا شكرت ولك عندي دعاء واستغفار قال فقلت له أي الطرق أحب اليك قال طريق كذا وكذا قلت فمن هناك ممن تأنس به وتثق بموضعه قال فلان وفلان قلت فابعث اليهما وخذ هذا المال وامض معهما مصاحبا في ستر الله وموعدك وموعدهما للخروج من دارى إلى موضع كذا وكذا الذى اتفقوا عليه في وقت كذا وكذا من الليل وإذا الجارية قد حفظت على قولى فبعثت به مع خادم لها إلى المهدى وقالت هذا جزاؤك من الذى آثرته على نفسك صنع وفعل كذا وكذا حتى ساقت الحديث كله قال وبعث المهدى من وقته ذلك فشحن تلك الطرق والمواضع التى وصفها يعقوب والعلوي برجاله فلم يلبث أن جاؤه بالعلوى بعينه وصاحبيه والمال على السجية التى حكتها الجارية قال وأصحت من غد ذلك اليوم فإذا رسول المهدى يستحضرني قال وكنت خالي الذرع غير ملقى إلى أمر العلوى الا حتى أدخل على المهدى وأجده على كرسى بيده مخصرة فقال يا يعقوب ما حال الرجل قلت يا أمير المؤمنين قد أراحك الله منه قال مات قلت نعم قال والله قلت والله قال قم فضع يدك على رأسي قال فوضعت يدى على رأسه وحلفت له به قال فقال يا غلام أخرج الينا مافى هذا البيت قال ففتح بابه عن العلوى وصاحبيه والمال بعينه قال فبقيت متحيرا وسقط في يدى وامتنع منى الكلام فما أدرى ما أقول قال فقال المهدى لقد حل لى دمك لو آثرت إراقته ولكن احبسوه في المطبق ولا أذكر به فحبست في المطبق واتخذ لى فيه بئر فدليت فيها فكنت كذلك أطول مدة لا أعرف عدد الايام وأصبت ببصرى وطال شعرى حتى استرسل كهيئة شعور البهائم قال فإنى لكذلك إذ دعى بى فمضى

[ 386 ]

بى إلى حيث لا أعلم أين هو فلم أعد أن قيل لى سلم على أمير المؤمنين فسلمت فقال أي أمير المؤمنين أنا قلت المهدى قال رحم الله المهدى قلت فالهادي قال رحم الله الهادى قلت فالرشيد قال نعم قلت ما أشك في وقوف أمير المؤمنين على خبرى وعلتي وما تناهت إليه حالى قال أجل كل ذلك عندي وعرف أمير المؤمنين فسل حاجتك قال قلت المقام بمكة قال نفعل ذلك فهل غير هذا قال قلت ما بقى في مستمع لشئ ولا بلاغ قال فراشدا قال فخرجت فكان وجهى إلى مكة قال ابنه ولم يزل بمكة فلم تطل أيامه بها حتى مات قال محمد بن عبد الله قال لى أبى قال يعقوب ابن داود وكان المهدى لا يشرب النبيذ إلا تحرجا ولكنه كان لا يشتهيه وكان أصحابه عمر بن بزيع والمعلى مولاه والمفضل ومواليه يشربون عنده بحيث يراهم قال وكنت أعظه في سقيهم النبيذ وفى السماع وأقول إنه ليس على هذا استوزرتني ولا على هذا صحبتك أبعد الصلوات الخمس في المسجد الجامع يشرب عندك النبيذ وتسمع السماع قال فكان يقول قد سمع عبد الله بن جعفر قال قلت ليس هذا من حسناته لو أن رجلا سمع في كل يوم كان ذلك يزيده قربة من الله أو بعدا وقال محمد بن عبد الله حدثنى أبى قال كان أبى يعقوب بن داود قد ألح على المهدى في حسمه عن السماع وإسقائه النبيذ حتى ضيق عليه وكان يعقوب قد ضجر بموضعه فتاب إلى الله مما هو فيه واستقبل وقدم النية في تركه موضعه قال فكنت أقول للمهدى يا أمير المؤمنين والله لشربة خمر أشربها أتوب إلى الله منها أحب إلى مما أنا فيه وإنى لاركب إليك فأتمنى يدا خاطئة تصيبني في الطريق فأعفني وول غيرى من شئت فانى أحب أن أسلم عليك أنا وولدى ووالله إنى لا تفزع في النوم وليتني أمور المسلمين وإعطاء الجند وليس دنياك عوضا من آخرتي قال فكان يقول لى اللهم غفرا اللهم أصلح قلبه قال فقال شاعر له فدع عنك يعقوب بن داود جانبا * وأقبل على صهباء طيبة النشر (قال عبد الله بن عمر) وحدثني جعفر بن أحمد بن زيد العلوى قال قال ابن سلام وهب المهدى لبعض ولد يعقوب بن داود جارية وكان بضعف قال فلما كان

[ 387 ]

بعد أيام سأله عنها فقال يا أمير المؤمنين ما رأيت مثلها ما وضعت بينى وبين الارض مطية أوطأ منها حاشى سامع فالتفت المهدى إلى يعقوب فقال له من تراه يعنى يعنينى أو يعنيك فقال له يعقوب من كل شئ تحفظ الاحمق إلا من نفسه وقال على ابن محمد النوفلي حدثنى أبى قال كان يعقوب بن داود يدخل على المهدى فيخلو به ليلا يحادثه ويسامره فبينما هو ليلة عنده وقد ذهب من الليل أكثره خرج يعقوب من عنده وعليه طيلسان مصبوغ هاشمى وهو الازرق الخفيف وكان الطيلسان قد دق دقا شديدا فهو يتقعقع وغلام آخذ بعنان دابته دابة له شهبا ؟ وقد نام الغلام فذهب يعقوب يسوى طيلسانه فتقعقع فنفر البرذون ودنامنه يعقوب فاستدبره فضربه ضربة على ساقه فكسرها وسمع المهدى الوجبة فخرج حافيا فلما رأى ما به أظهر الجزع والفزع ثم أمر به فحمل في كرسى إلى منزله ثم غدا عليه المهدى مع الفجر وبلغ ذلك الناس فغدوا عليه فعاده أياما ثلاثة متتابعة ثم قعد عن عيادته وأقبل يرسل إليه يسأله عن حاله فلما فقد وجهه تمكن السعاة من المهدى فلم تأت عليه عاشرة حتى أظهر السخط عليه فتركه في منزله يعالج ونادى في أصحابه ألا يوجد أحد عليه طيلسان يعقوبي وقلنسوة يعقوبية إلا أخذت ثيابه ثم أمر بيعقوب فحبس في سجن نصر قال النوفلي وأمر المهدى بعزل أصحاب يعقوب عن الولايات في الشرق والغرب وأمر أن يؤخذ أهل بيته وأن يحبسوا ففعل ذلك بهم وقال على بن محمد لما حبس يعقوب بن داود وأهل بيته وتفرق عماله واختفوا وتشردوا أذكر المهدى قصته وقصة إسحاق بن الفضل فأرسل إلى إسحاق ليلا وإلى يعقوب فأتى به من محبسه فقال ألم تخبرني بأن هذا وأهل بيته يزعمون أنهم أحق بالخلافة منا أهل البيت وأن لهم الكبر علينا فقال له يعقوب ما قلت لك هذا قط قال وتكذبني وترد على قولى ثم دعا له بالسياط فضربه اثنى عشر سوطا ضربا مبرحا وأمر به فرد إلى الحبس قال وأقبل إسحاق يحلف أنه لم يقل هذا قط وأنه ليس من شأنه وقال فيما يقول وكيف أقول هذا يا أمير المؤمنين وقد مات جدى في الجاهلية وأبوك الباقي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووارثه فقال أخرجوه

[ 388 ]

فلما كان من الغد دعا بيعقوب فعاوده الكلام الذى كلمه في ليلته فقال يا أمير المؤمنين لا تعجل على حتى أذكرك أتذكر وأنت في طارمة على النهر وأنت في البستان وأنا عندك إذ دخل أبو الوزير قال على وكان أبو الوزير ختن يعقوب بن داود على ابنة صالح بن داود فخبرك هذا الخبر عن إسحاق قال صدقت يا يعقوب قد ذكرت ذلك فاستحى المهدى واعتذر إليه من ضربه ثم رده إلى الحبس فمكث محبوسا أيام المهدى وأيام موسى كلها حتى أخرجه الرشيد بميله كان إليه في حياة أبيه (وفيها) خرج موسى الهادى إلى جرجان وجعل على قضائه أبا يوسف يعقوب ابن إبراهيم (وفيها) تحول المهدى إلى عيسا باذ فنزلها وهى قصر السلامة ونزل الناس بها معه وضرب بها الدنانير والدراهم (وفيها) أمر المهدى بإقامة البريد بين مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وبين مكة واليمن بغالا وإبلا ولم يقم هنالك بريد قبل ذلك وفيها اضطربت خراسان على المسيب بن زهير فولاها الفضل بن سليمان الطوسى أبا العباس وضم إليه معها سجستان فاستخلف على سجستان تميم بن سعيد بن دعلج بأمر المهدى * وفيها أخذ داود بن روح بن حاتم وإسماعيل بن سليمان بن مجالد ومحمد بن أبى أيوب المكى ومحمد بن طيفور في الزندقة فأقروا فاستتابهم المهدى وخلى سبيلهم وبعث بداود بن روح إلى أبيه روح وهو يومئذ بالبصرة عاملا عليها فمن عليه وأمره بتأديبه * وفيها قدم الوضاح الشروى بعبدالله بن أبى عبيد الله الوزير وهو معاوية بن عبيد الله الاشعري من أهل الشأم وكان الذى يسعى به ابن شبابة وقد رمى بالزندقة * وقد ذكرنا أمره ومقتله قبل * وفيها ولى إبراهيم ابن يحيى بن محمد على المدينة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الطائف ومكة عبيد الله بن قثم * وفيها عزل منصور بن يزيد بن منصور عن اليمن واستعمل مكانه عبد الله بن سليمان الربعي * وفيها حلى المهدى عبد الصمد بن على من حبسه الذى كان فيه * وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن يحيى بن محمد * وكان عامل الكوفة في هذه السنة على الصلاة وأحداثها هاشم بن سعيد وعلى صلاة البصرة وأحداثها روح بن حاتم وعلى قضائها خالد بن طليق وعلى كور دجلة

[ 389 ]

وكسكر وأعمال البصرة والبحرين وكور الاهواز وفارس وكرمان المعلى مولى أمير المؤمنين وعلى خراسان وسجستان الفضل بن سليمان الطوسى وعلى مصر إبراهيم بن صالح وعلى إفريقية يزيد بن حاتم وعلى طبرستان والرويان وجرجان يحيى الحرشى وعلى دنباوند وقومس فراشة مولى المهدى وعلى الرى سعد مولى أمير المؤمنين ولم يكن في هذه السنة صائفة للهدنة التى كانت فيها ثم دخلت سنة سبع وستين ومائة ذكر الاحداث التى كانت فيها فمن ذلك ما كان من توجيه المهدى ابنه موسى في جمع كثيف من الجند وجهاز لم يجهز فيما ذكر أحد بمثله إلى جرجان لحرب ونداهر مزوشروين صاحبي طبرستان وجعل المهدى حين جهز موسى إليها أبان بن صدقة على رسائله ومحمد بن جميل على جنده ونفيعا مولى المنصور على حجابته وعلى بن عيسى بن ماهان على حرسه وعبد الله بن خازم على شرطه فوجه موسى الجنود إلى وانداهر مزوشروين وأمر عليهم يزيد بن مزيد فحاصرهما (وفيها) توفى عيسى بن موسى بالكوفة وولى الكوفة يومئذ روح بن حاتم فأشهد روح بن حاتم على وفاته القاضى وجماعة من الوجوه ثم دفن وقيل إن عيسى بن موسى توفى وروح على الكوفة لثلاث بقين من ذى الحجة فحضر روح جنازته فقيل له تقدم فأنت الامير فقال ماكان الله ليرى روحا يصلى على عيسى بن موسى فليتقدم أكبر ولده فأبوا عليه وأبى عليهم فتقدم العباس بن عيسى فصلى على أبيه وبلغ ذلك المهدى فغضب على روح وكتب إليه * قد بلغني ما كان من نكوصك عن الصلاة على عيسى أبنفسك أم بأبيك أم بجدك كنت تصلى عليه أو ليس إنما ذلك مقامي لو حضرت فإذ غبت كنت أنت أولى به لموضعك من السلطان فأمر بمحاسبته وكان يلى الخراج مع الصلاة والاحداث وتوفى عيسى والمهدى واجد عليه وعلى ولده وكان يكره التقدم عليه لجلالته (وفيها) جلد المهدى في طلب الزنادقة والبحث عنهم في الآفاق

[ 390 ]

وقتلهم وولى أمرهم عمر الكلواذى فأخذ يزيد بن الفيض كاتب المنصور فأقر فيها ذكر فحبس فهرب من الحبس فلم يقدر عليه (وفيها) عزل المهدى أبا عبيد الله معاوية بن عبيد الله عن ديوان الرسائل وولاه الربيع الحاجب فاستخلف عليه سعيد بن واقد وكان أبو عبيد الله يدخل على مرتبته (وفيها) فشا الموت وسعال شديد ووباء شديد ببغداد والبصرة (وفيها) توفى أبان بن صدقة بجرجان وهو كاتب موسى على رسائله فوجه المهدى مكانه أبا خالد الاحول يزيد خليفة أبى عبيد الله (وفيها) أمر المهدى بالزيادة في المسجد الحرام فدخلت فيه دور كثيرة وولى بناء ما زيد فيه يقطين بن موسى فكان في بنائه إلى أن توفى المهدى (وفيها) عزل يحيى الحرشى عن طبرستان والرويان وما كان إليه من تلك الناحية ووليها عمر بن العلاء وولى جرجان فراشة مولى المهدى وعزل عنها يحيى الحرشى (وفيها) اظلمت الدنيا لليال بقين من ذى الحجة حتى تعالى النهار ولم يكن فيها صائفة للهدنة التى كانت بين المسلمين والروم وحج بالناس في هذه السنة ابراهيم بن يحيى بن محمد وهو على المدينة ثم توفى بعد فراغه من الحج وقدومه المدينة بأيام وولى مكانه اسحق بن عيسى بن على (وفيها) طعن عقبة بن سلم الهنائى بعيسا باذ وهو في دار عمر بن بزيع اغتاله رجل فطعنه بخنجر فمات فيها وكان العامل على مكة والطائف فيها عبيد الله بن قثم وعلى اليمن سليمان بن يزيد الحارثى وعلى اليمامة عبد الله بن مصعب الزبيري وعلى صلاة الكوفة وأحداثها روح بن حاتم وعلى صلاة البصرة وأحداثها محمد بن سليمان وعلى قضائها عمر بن عثمان التيمى وعلى كور دجلة وكسكر وأعمال البصرة والبحرين وعمان وكور الاهواز وفارس وكرمان المعلى مولى المهدى وعلى خراسان وسجستان الفضل بن سليمان الطوسى وعلى مصر موسى بن مصعب وعلى افريقية يزيد بن حاتم وعلى طبرستان والرويان عمر بن العلاء وعلى جرجان ودنباوند وقومس فراشة مولى المهدى وعلى الرى سعد مولى أمير المؤمنين

[ 391 ]

ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك ما كان من نقض الروم الصلح الذى كان جرى بينهم وبين هارون ابن المهدى الذى ذكرناه قبل وغدرهم وذلك في شهر رمضان من هذه السنة فكان بين أول الصلح وغدر الروم ونكثهم به اثنان وثلاثون شهرا فوجه على ابن سليمان وهو يومئذ على الجزيرة وقنسرين يزيد بن بدر بن البطال في سرية إلى الروم فغنموا وظفروا (وفيها) وجه المهدى سعيد الحرشى إلى طبرستان في أربعين ألف رجل (وفيها) مات عمر الكلواذى صاحب الزنادقة وولى مكانه حمدويه وهو محمد بن عيسى من أهل ميسان (وفيها) قتل المهدى الزنادقة ببغداد (وفيها) رد المهدى ديوانه وديوان أهل بيته إلى المدينة ونقله من دمشق إليها (وفيها) خرج المهدى إلى نهر الصلة أسفل واسط وإنما سمى نهر الصلة فيما ذكر لانه أراد أن يقطع أهل بيته وغيرهم غلته يصلهم بذلك (وفيها) ولى المهدى على ابن يقطين ديوان زمام الازمة على عمر بن بزيع * وذكر أحمد بن موسى بن حمزة عن أبيه قال أول من عمل ديوان الزمام عمر بن بزيع في خلافة المهدى وذلك أنه لما جمعت له الدواوين تفكر فإذا هولا يضبطها إلا بزمام يكون له على كل ديوان فاتخذ دواوين الازمة وولى كل ديوان رجلا فكان واليه على زمام ديوان الخراج اسماعيل بن صبيح ولم يكن لبنى أمية دواوين أزمة (وحج) بالناس في هذه السنة على بن محمد المهدى الذى يقال له ابن ريطة ثم دخلت سنة تسع وستين ومائة ذكر الخبر عن الاحداث التى كانت فيها فمما كان فيها من ذلك خروج المهدى في المحرم إلى ما سبذان ذكر الخبر عن خروجه إليها ذكر أن المهدى كان في آخر أمره قد عزم على تقديم هارون ابنه على ابنه

[ 392 ]

موسى الهادى وبعث إليه وهو بجرجان بعض أهل بيته ليقطع أمر البيعة ويقدم الرشيد فلم يفعل فبعث إليه المهدى بعض الموالى فامتنع عليه موسى من القدوم وضرب الرسول فخرج المهدى بسبب موسى وهو يريده بجرجان فأصابه ما أصابه * وذكر الباهلى أن أبا شكر أخبره وكان من كتاب المهدى على بعض دواوينه قال سأل على بن يقطين المهدى أن يتغدى عنده فوعده أن يفعل ثم اعتزم على إتيان ما سبذان فوالله لقد أمر بالرحيل كأنه يساق إليها سوقا فقال له على يا أمير المؤمنين إنك قد وعدتني أن تتغدى عندي غدا قال فاحمل غداءك إلى النهروان قال فحمله فتغدى بالنهروان ثم انطلق (وفيها) توفى المهدى ذكر الخبر عن سبب وفاته اختلف في ذلك فذكر عن واضح قهرمان المهدى قال خرج المهدى يتصيد بقرية يقال لها الرذ بما سبذان فلم أزل معه إلى بعد العصر وانصرفت إلى مضربى وكان بعيدا من مضربه فلما كان في السحر الاكبر ركبت لاقامة الوظائف فإنى لاسير في برية وقد انفردت عمن كان معى من غلماني وأصحابي إذ لقيني أسود عريان على قتودرحل فدنا منى ثم قال لى أپا سهل عظم الله أجرك في مولاك أمير المؤمنين فهممت أن أعلوه بالسوط فغاب من بين يدى فلما انتهيت إلى الرواق لقيني مسرور فقال لى أبا سهل عظم الله أجرك في مولاك أمير المؤمنين فدخلت فإذا أنا به مسجى في قبة فقلت فارقتكم بعد صلاة العصر وهو أسر ما كان حالا وأصحه بدنا فما كان الخبر قال طردت الكلاب ظبيا فلم يزل يتبعها فاقتحم الظبى باب خربة فاقتحمت الكلاب خلفه واقتحم الفرس خلف الكلاب فدق ظهره في باب الخربة فمات من ساعته * وذكر أن على بن أبى نعيم المروزى قال بعثت جارية من جواري المهدى إلى ضرة لها بلباء فيه سم وهو قاعد في البستان بعد خروجه من عيساباذ فدعا به فأكل منه ففرقت الجارية أن تقول إنه مسموم * وحدثني أحمد بن محمد الرازي أن المهدى كان جالسا في علية في قصر بما سبذان يشرف من منظرة فيها على سفله وكانت جارية حسنة قد عمدت لى كمثراتين كبير تين فجعلتهما في صينية

[ 393 ]

وسمت واحدة منهما وهى أحسنهما وأنضجهما في أسفلها وردت القمع فيها ووضعتها في أعلى الصينية وكان المهدى يعجبه الكمثرى وأرسلت بذلك مع وصيفة لها إلى جارية للمهدى وكان يتحظاها تريد بذلك قتلها فمرت الوصيفة بالصينية التى فيها تلك الكمثرى تريد دفعها إلى الجارية التى أرسلتها حسنة إليها بحيث يراها المهدى من المنظرة فلما رآها ورأى معها الكمثرى دعا بها فمد يده إلى الكمثراة التى في أعلى الصينية وهى المسمومة فأكلها فلما وصلت إلى جوفه صرخ جوفى وسمعت حسنة الصوت وأخبرت الخبر فجاءت تلطم وجهها وتبكى وتقول أردت أن أنفرد بك فقتلتك يا سيدى فهلك من يومه * وذكر عبد الله بن اسماعيل صاحب المراكب قال لما صرنا إلى ماسبذان دنوت إلى عنانه فأمسكت به وما به علة فوالله ما أصبح إلا ميتا فرأيت حسنة وقد رجعت وان على قبتها المسوح فقال أبو العتاهية في ذلك رحن في الوشى وأصبح‍ * - ن عليهن المسوح كل نطاح من الده‍ * - ر له يوم نطوح لست بالباقي ولو ع‍ * - مرت ما عمر نوح فعلى نفسك نح إن * كنت لا بد تنوح وذكر صالح القارئ أن على بن يقطين قال كنا مع المهدى بما سبذان فأصبح يوما فقال إنى أصبحت جائعا فأتى بأرغفة ولحم بارد مطبوخ بالخل فأكل منه ثم قال إنى داخل إلى البهو ونائم فيه فلا تنبهوني حتى أكون أنا الذى أنتبه ودخل البهو فنام ونمنا في الدار في الرواق فانتبهنا ببكائه فقمنا إليه مسرعين فقال أما رأيتم ما رأيت قلنا ما رأينا شيئا قال وقف على الباب رجل لو كان في ألف أو في مائة ألف رجل ما خفى على فأنشد يقول كأنى بهذا القصر قد باد أهله * وأوحش منه ربعه ومنازله وصار عميد القوم من بعد بهجة * وملك إلى قبر عليه جنادله فلم يبق إلا ذكره وحديثه * تنادى عليه معولات حلائله قال فما أنت عليه عاشرة حتى مات وكانت وفاته فيما قال أبو معشر والواقدى

[ 394 ]

في سنة 169 ليلة الخميس لثمان بقين من المحرم وكانت خلافته عشر سنين وشهرا ونصف شهر وقال بعضهم كانت خلافته عشر سنين وتسعة وأربعين يوما وتوفى وهو ابن ثلاث وأربعين سنة وقال هشام بن محمد ملك أبو عبد الله المهدى محمد بن عبد الله سنة 158 في ذى الحجة لست ليال خلون منه فملك عشر سنين وشهرا واثنين وعشرين يوما ثم توفى سنة 169 وهو ابن ثلاث وأربعين سنة ذكر الخبر عن الموضع الذى دفن فيه ومن صلى عليه ذكر أن المهدى توفى بقرية من قرى ما سبذان يقال لها الرذ وفى ذلك يقول بكار بن رباح ألا رحمة الرحمن في كل ساعة * على رمة رمت بما سبذان لقد غيب القبر الذى تم سوددا * وكفين بالمعروف تبتدران وصلى عليه ابنه هارون ولم توجد له جنازة يحمل عليها فحمل على باب ودفن تحت شجرة جوزكان يجلس تحتها وكان طويلا مصمر الخلق جعدا واختلف في لونه فقال بعضهم كان أسمر وقال بعضهم كان أبيض وكان في عينه اليمنى في قول بعضهم نكتة بياض وقال بعضهم كان ذلك بعينه اليسرى وكان ولد بإيذج ذكر بعض سير المهدى وأخباره ذكر عن هارون بن أبى عبيد الله قال كان المهدى إذا جلس للمظالم قال أدخلوا على القضاة لم يكن ردى للمظالم إلا للحياء منهم لكفى * وذكر الحسن بن أبى سعيد قال حدثنى على بن صالح قال جلس المهدى ذات يوم يعطى جوائز تقسم بحضرته في خاصته من أهل بيته والقواد وكان يقرأ عليه الاسماء فيأمر بالزيادة العشرة الآلاف والعشرين الالف وما أشبه ذلك فعرض عليه بعض القواد فقال يحط هذا خمسمائة قال لم حططتني يا أمير المؤمنين قال لانى وجهتك إلى عدو لنا فانهزمت قال كان يسرك أن أقتل قال لا قال فوالذي أكرمك بما أكرمك به من الخلافة لو ثبت لقتلت فاستحى المهدى منه وقال زده خمسة آلاف قال الحسن وحدثني على بن صالح قال غضب المهدى على بعض القواد وكان عتب

[ 395 ]

عليه غير مرة فقال له إلى متى تذنب إلى وأعفو قال إلى أبد نسئ ويبقيك الله فتعفو عنا فكررها عليه مرات فاستحى منه ورضى عنه وذكر محمد بن عمر عن حفص مولى مزينة عن أبيه قال كان هشام الكلبى صديقا لى فكنا نتلاقى فنتحدث ونتناشد فكنت أراه في حال رثة وفى أخلاق على بغلة هزيل والضر فيه بين وعلى بغلته فما راعني إلا وقد لقيني يوما على بغلة شقراء من بغال الخلافة وسرج ولجام من سروج الخلافة ولجمها في ثياب جياد ورائحة طيبة فأظهرت السرور ثم قلت له أرى نعمة ظاهرة قال لى نعم أخبرك عنها فاكتم بينا أنا في منزلي منذ أيام بين الظهر والعصر إذ أتانى رسول المهدى فسرت إليه ودخلت عليه وهو جالس خال ليس عنده أحد وبين يديه كتاب فقال ادن يا هشام فدنوت فجلست بين يديه فقال خذ هذا الكتاب فاقرأه لا يمنعك ما فيه مما تستفظعه أن تقرأه قال فنظرت في الكتاب فلما قرأت بعضه استفظعته فألقيته من يدى ولعنت كاتبه فقال لى قد قلت لك إن استفظعته فلا تلقه اقرأه بحقى عليك حتى تأتى على آخره قال فقرأته فإذا كتاب قد ثلبه فيه كاتبه ثلبا عجيبا لم يبق له فيه شيئا فقلت يا أمير المؤمنين من هذا الملعون الكذاب قال هذا صاحب الاندلس قال قلت فالثلب والله يا أمير المؤمنين فيه وفى آبائه وفى أمهاته قال ثم اندر أت أذكر مثالبهم قال فسر بذلك وقال أقسمت عليك لما أمللت مثالبهم كلها على كاتب قال ودعا بكاتب من كتاب السر فأمره فجلس ناحية وأمرني فضرت إليه فصدر الكاتب من المهدى جوابا وأمللت غليه مثالبهم فأكثرت فلم أبق شيئا حتى فرغت من الكتاب ثم عرضته عليه فأظهر السرور ثم لم أبرح حتى أمر بالكتاب فختم وجعل في خريطة ودفع إلى صاحب البريد وأمر بتعجيله إلى الاندلس قال ثم دعا لى بمنديل فيه عشرة أثواب من جياد الثياب وعشرة آلاف درهم وهذه البغلة بسرجها ولجامها فأعطاني ذلك وقال لى اكتم ما سمعت قال الحسن وحدثني مسور بن مساور قال ظلمنى وكيل للمهدى وغصبني ضيعة لى فأتيت سلاما صاحب المظالم فتظلمت منه وأعطيته رقعة مكتوبة فأوصل الرقعة إلى المهدى وعنده عمه العباس بن محمد وابن علاثة وعافية القاضى قال فقال لى المهدى ادنه فدنوت فقال ما تقول

[ 396 ]

قلت ظلمتني قال فترضى بأحد هذين قال قلت نعم قال فادن منى فدنوت منه حتى التزقت بالفراش قال تكلم قلت أصلح الله القاضى انه طلمنى في ضيعتي هذا فقال القاضى ما تقول يا أمير المؤمنين قال ضيعتي وفى يدى قال قلت أصلح الله القاضى سله صارت الضيعة إليه قبل الخلافة أو بعدها قال فسأله ما تقول يا أمير المؤمنين قال صارت إلى بعد الخلافة قال فأطلقها له قال قد فعلت فقال العباس بن محمد والله يا أمير المؤمنين لهذا المجلس أحب إلى من عشرين ألف ألف درهم قال وحدثني عبد الله بن الربيع قال سمعت مجاهدا الشاعر يقول خرج المهدى متنزها ومعه عمر بن بزيع مولاه قال فانقطعنا عن العسكر والناس في الصيد فأصاب المهدى جوع فقال ويحك هل من شئ قال ما من شئ قلل أرى كوخا وأظنها مبقلة فقصدنا قصده فإذا نبطى في كوخ ومقبلة فسلمنا عليه فرد السلام فقلنا له هل عندك شئ نأكل قال نعم عندي ربيثاء وخبز شعير فقال المهدى إن كان عندك زيت فقد أكملت قال نعم ما شئت وتمر قال فعدا نحو المبقلة فأتاهم ببقل وكراث وبصل فأكلا أكلا كثيرا وكراث قال نعم وشبعا فقال المهدى لعمر بن بزيع قل في هذا شعرا فقال إن من يطعم الربيثاء بالزي‍ * - ت وخبز الشعير بالكراث لحقيق بصفعة أو بثنتي‍ * - ن لسوء الصنيع أو بثلاث فقال المهدى بئس ما قلت ليس هكذا لحقيق ببدرة أو بثنتي‍ * - ن لحسن الصنيع أو بثلاث قال ووافى العسكر والخزائن والخدم فأمر للنبطي بثلاث بدر وانصرف * وذكر محمد بن عبد الله * قال أخبرني أبو غانم قال كان زيد الهلالي رجلا شريفا سخيا مشهورا من بنى هلال وكان نقش خاتمه أفلح يا زيد من ذكى عمله فبلغ ذلك المهدى فقال زيد الهلالي نقش خاتمه أفلح يا زيد من ذكى عمله قال وقال الحسن الوصيف أصابتنا ريح في أيام المهدى حتى ظننا أنها تسوقنا إلى المحشر فخرجت أطلب أمير المؤمنين فوجدته واضعا خده على الارض يقول اللهم احفظ محمدا في أمته اللهم لا تشمت بنا أعداءنا من الامم اللهم إن كنت أخذت هذا العالم

[ 397 ]

بذنبى فهذه ناصيتى بين يديك قال فما لبثنا إلا يسيرا حتى انكشفت الريح وانجلى ما كنا فيه وقال الموصلي قال عبد الصمد بن على قلت للمهدى يا أمير المؤمنين انا أهل بيت قد أشرب قلوبنا حب موالينا وتقديمهم وإنك قد صنعت من ذلك ما أفرطت فيه قد وليتهم أمورك كلها وخصصتهم في ليلك ونهارك ولا آمن تغيير قلوب جندك وقوادك من أهل خراسان قال يا أبا محمد ان الموالى يستحقون ذلك ليس أحد يجتمع لى فيه أن أجلس للعامة فأدعو به فأرفعه حتى تحك ركبته ركبتي ثم يقوم من ذلك المجلس فاستكفيه سياسة دابتي فيكفيها لا يرفع نفسه عن ذلك إلا موالى هؤلاء فانهم لا يتعاظمهم لى ذلك ولو أردت هذا من غيرهم لقال أين وليك والمتقدم في دعوتك وأين من سبق إلى دعوتك لا أدفعه عن ذلك قال على بن محمد قال الفضل بن الربيع قال المهدى لعبدالله ابن مالك صارع مولاى هذا فصارعه فأخذ بعنقه فقال المهدى شد فلما رأى ذلك عبد الله أخذ برجله فسقط على رأسه فصرعه فقال عبد الله للمهدى يا أمير المؤمنين قمت من عندك وأنا من أحب الناس اليك فلم تزل على مع مولاك قال أما سمعت قول الشاعر ومولاك لا يهضم لديك فإنما * هضيمة مولى القوم جدع المناخر قال أبو الخطاب لما حضرت القاسم ين مجاشع التميمي من أهل مرو بقرية يقال لها باران الوفاة أوصى إلى المهدى فكتب شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الاسلام إلى آخر الآية ثم كتب والقاسم بن مجاشع يشهد بذلك ويشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وأن على بن أبى طالب وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم ووارث الامامة بعده قال فعرضت الوصية على المهدى فلما بلغ هذا الموضع رمى بها ولم ينظر فيها قال أبو الخطاب فلم يزل ذلك في قلب أبى عبيد الله الوزير فلما حضرته الوفاة كتب في وصيته هذه الآية قال وقال الهيثم بن عدى دخل على المهدى رجل فقال يا أمير المؤمنين إن المنصور شتمنى وقذف أمي فإما

[ 398 ]

أمرتنى أن أحله وإلا عوضتني واستغفرت الله له قال ولم شتمك قال شتمت عدوه بحضرته فغضب قال ومن عدوه الذى غضب لشتمه قال إبراهيم بن عبد الله ابن حسن قال إن إبراهيم أمس به رحما وأوجب عليه حقا فان كان شتمك كما زعمت فعن رحمه ذب وعن عرضه دفع وما أساء من انتصر لابن عمه قال إنه كان عدوا له قال فلم ينتصر للعداوة وإنما انتصر للرحم فأسكت الرجل فلما ذهب ليولى قال لعلك أردت أمرا فلم تجد له ذريعة عندك أبلغ من هذه الدعوى قال نعم قلل فتبسم وأمر له بخمسة آلاف درهم قال وأتى المهدى برجل قد تنبأ فلما رآه قال أنت نبى قال نعم قال وإلى من بعثت قال وتركتموني أذهب إلى من بعثت إليه وجهت بالغداة فأخذ تمونى بالعشى ووضعتموني في الحبس قال فضحك المهدى منه وخلى سبيله * وذكر أبو الاشعث الكندى قال حدثنى سليمان بن عبد الله قال قال الربيع رأيت المهدى يصلى في بهو له في ليلة مقمرة فما أدرى أهو أحسن أم البهو أم القمر أم ثيابه قال فقرأ هذه الآية (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الارض وتقطعوا أرحامكم * قال فتم صلاته والتفت إلى فقال يا ربيع قلت لبيك يا أمير المؤمنين قال على بموسى وقام إلى صلاته قال فقلت من موسى ابنه موسى أو موسى بن جعفر وكان محبوسا عندي قال فجعلت أفكر قال فقلت ما هو الا موسى بن جعفر قال فأحضرته قال فقطع صلاته وقال يا موسى انى قرأت هذه الآية " فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الارض وتقطعوا أرحامكم " فخفت أن أكون قد قطعت رحمك فوثق لى أنك لا تخرج على قال فقال نعم فوثق له وخلاه * وذكر ابراهيم بن أبى على قال سمعت سليمان ابن داود يقول سمعت المهدى يحدربنا في محراب المسجد على اللحن اليتيم " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، في سورة النساء * وذكر على بن محمد بن سليمان قال حدثنى أبى قال حضرت المهدى وقد جلس للمظالم فتقدم إليه رجل من آل الزبير فذكر ضيعة اصطفاها عن أبيه بعض ملوك بنى أمية ولا أدرى الوليد أم سليمان فأمر أبا عبيد الله أن يخرج ذكرها

[ 399 ]

من الديوان العتيق ففعل فقرأ ذكرها على المهدى وكان ذلك أنها عرضت على عدة منهم لم يروا ردها منهم عمر بن عبد العزيز فقال المهدى يا زبيري هذا عمر بن عبد العزيز وهو منكم معشر قريش كما علمتم لم يردها قال وكل أفعال عمر ترضى قال وأى أفعاله لا ترضى قال منها أنه كان يفرض للسقط من بنى أمية في خرقه في الشرف من العطاء ويفرض للشيخ من بنى هاشم في ستين قال يا معاوية أكذلك كان يفعل عمر قال نعم قال اردد على الزبيري ضيعته * وذكر عمر بن شبة أن أبا سلمة الغفاري حدثه قال كتب المهدى إلى جعفر بن سليمان وهو عامل المدينة أن يحمل إليه جماعة اتهموا بالقدر فحمل إليه رجالا منهم عبد الله بن أبى عبيدة بن محمد ابن عمار بن ياسر وعبد الله بن يزيد بن قيس الهذلى وعيسى بن يزيد بن داب الليثى وابراهيم بن محمد بن أبى بكر الاسامي فادخلوا على المهدى فانبرى له عبد الله ابن أبى عبيدة من بينهم فقال هذا دين أبيك ورأيه قال لا ذاك عمى داود قال لا إلا أبوك على هذا فارقنا وبه كان يدين فأطلقهم * وذكر على بن محمد بن سليمان النوفلي قال حدثنى أبى عن محمد بن عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن جعفر ابن أبى طالب قال رأيت فيما يرى النائم في آخر سلطان بنى أمية كأنى دخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفعت رأسي فنظرت في الكتاب الذى في المسجد بالفسافسا فإذا فيه مما أمر به أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك وإذا قائل يقول يمحو هذا الكتاب ويكتب مكانه اسم رجل من بنى هاشم يقال له محمد فال فقلت أنا محمد وأنا من بنى هاشم فابن من قال ابن عبد الله قلت فأنا ابن عبد الله فاين من قال ابن محمد قلت فأنا ابن محمد فابن من قال ابن على قلت فأنا ابن على فابن من قال ابن عبد الله قلت فأنا ابن عبد الله فأين من قال ابن عباس فلو لم أكن بلغت العباس ما شككت أنى صاحب الامر قال فتحدثت بهذه الرؤيا في ذلك الدهر ونحن لا نعرف المهدى فتحدث الناس بها فدخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع رأسه فنظر فرأى اسم الوليد فقال وانى لارى اسم الوليد في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليوم فدعا بكرسى فألقى له في صحن المسجد

[ 400 ]

وقال ما أنا ببارح حتى يمحى ويكتب اسمى مكانه وأمر أن يحضر العمال والسلاليم وما يحتاج إليه فلم ببرح حتى غير وكتب اسمه * وذكر أحمد بن الهيثم القرشى قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عطاء قال خرج المهدى بعد هدأة من الليل يطوف بالبيت فسمع أعرابية من جانب المسجد وهى تقول قومي مقترون نبت عنهم العيون وفدحتهم الديون وعضتهم السنون بادت رجالهم وذهبت أموالهم وكثر عيالهم أبناء سبيل وإنضاء طريق وصية الله ووصية الرسول فهل من آمر لى بخير كلاه الله في سفره وخلفه في أهله قال فأمر نصيرا الخادم فدفع إليها خمسمائة درهم * وذكر على بن محمد بن سليمان قال سمعت أبى يقول كان أول من افترش الطبري المهدى وذلك أن أباه كان أمره بالمقام بالرى فأهدى إليه الطبري من طبرستان فافترشه وجعل الثلج والخلاف حوله حتى فتح لهم الخيش فطاب لهم الطبري فيه * وذكر محمد بن زياد قال قال المفضل قال لى المهدى اجمع لى الامثال مما سمعتها من البدو وما صح عندك قال فكتبت له الامثال وحروب العرب مما كان فيها فوصلنى وأحسن إلى قال على بن محمد كان رجل من ولد عبد الرحمن بن سمرة أراد الوثوب بالشأم فحمل إلى المهدى فخلى سبيله وأكرمه وقرب مجلسه فقال له يوما أنشدني قصيدة زهير التى هي على الراء وهى لمن الديار بقنة الحجر فأنشده فقال السمرى ذهب والله من يقال فيه مثل هذا الشعر فغضب المهدى واستجهله ونحاه ولم يعاقبه واستحمقه الناس * وذكر أن أبا عون عبد الملك بن يزيد مرض فعاده المهدى فإذا منزل رث وبناء سوء وإذا طاق صفته التى هو فيها لبن قال وإذا مضربة ناعمة في مجلسه فجلس المهدى على وسادة وجلس أبو عون بين يديه فبره المهدى وتوجع لعلته وقال أبو عون أرجو عافية الله يا أمير المؤمنين وألا يميتني على فراشي حتى أقتل في طاعتك وإنى لواثق بأن لا أموت حتى أبلى الله في طاعتك ما هو أهله فإنا قد روينا وروينا قال فأظهر له المهدى رأيا جميلا وقال أوصني بحاجتك وسلنى ما أردت واحتكم في حياتك ومماتك فوالله لئن عجز

[ 401 ]

مالك عن شئ توصى به لاحتملنه كائنا ماكان فقل وأوص قال فشكر أبو عون ودعا وقال يا أمير المؤمنين حاجتى أن ترضى عن عبد الله بن أبى عون وتدعو به فقد طالت موجدتك عليه قال فقال يا أبا عون إنه على غير الطريق وعلى خلاف رأينا ورأيك إنه يقع في الشيخين أبى بكر وعمر ويسئ القول فيهما قال فقال أبو عون هو والله يا أمير المؤمنين على الامر الذى خرجنا عليه ودعونا إليه فان كان قد بدالكم فمرونا بما أحببتم حتى نطيعكم قال فانصرف المهدى فلما كان في الطريق قال لبعض من كان معه من ولده وأهله مالكم لا تكونون مثل أبى عون والله ما كنت أظن منزله إلا مبينا بالذهب والفضة وأنتم إذا وجدتم درهما بنيتم بالساج والذهب * وذكر أبو عبد الله قال حدثنى أبى قال خطب المهدى يوما فقال عباد الله اتقوا الله فقام إليه رجل فقال وأنت فاتق الله فإنك تعمل بغير الحق قال فأخذ فحمل فجعلوا يتلقونه بنعال سيوفهم فلما أدخل عليه قال يا ابن الفاعلة تقول لى وأنا على المنبر اتق الله قال سوءة لك لو كان هذا من غيرك كنت المستعدى بك عليه قال ما أراك الا نبطيا قال ذاك أوكد للحجة عليك أن يكون نبطى يأمرك بتقوى الله قال فرأى الرجل بعد ذلك فكان يحدث بما جرى بينه وبين المهدى قال فقال أبى وأنا حاضر إلا أنى لم أسمع الكلام وقال هارون بن ميمون الخزاعى حدثنا أبو خزيمة البادغيسى قال قال المهدى وما توسل إلى أحد بوسيلة ولا تذرع بذريعة هي أقرب من تذكيره إياى يدا سلفت منى إليه أتبعها أختها فأحسن ربها لان منع الاواخر يقطع شكر الاوائل قال وذكر خالد بن يزيد بن وهب بن جرير أن أباه حدثه قال كان بشار بن برد بن يرجوخ هجا صالح بن داود بن طهمان أخا يعقوب بن داود حين ولى البصرة فقال هم حملوا فوق المنابر صالحا * أخاك فضجت من أخيك المنابر فبلغ يعقوب بن داود هجاؤه فدخل على المهدى فقال يا أمير المؤمنين ان هذا الاعمى المشرك قد هجا أمير المؤمنين قال ويلك وما قال قال يعفينى أمير المؤمنين من إنشاده ذلك قال فأبى عليه إلا أن ينشده فأنشده

[ 402 ]

خليفة يزنى بعماته * يلعب بالدبوق والصولجان أبدلنا الله به غيره * ودس موسى في حر الخيزران قال فوجه في حمله فخاف يعقوب بن داود أن يقدم على المهدى فيمتدحه فيعفو عنه فوجه إليه من يلقيه في البطيحة في الخرارة * وذكر عبد الله بن عمرو حدثنى جدى أبو الحى العبسى قال لما دخل مروان بن أبى حفصة على المهدى فأنشده شعره الذى يقول فيه أنى يكون وليس ذاك بكائن * لبنى البنات وراثة الاعمام فأجازه بسبعين ألف درهم فقال مروان بسبعين ألفا راشنى من حبائه * وما نالها في الناس من شاعر قبلى وذكر أحمد بن سليمان قال أخبرني أبو عدنان السلمى قال قال المهدى لعمارة ابن حمزة من أرق الناس شعرا قال والبة بن الحباب الاسدي وهو الذى يقول ولها ولا ذنب لها * حب كأطراف الرماح في القلب يقدح والحشا * فالقلب مجروح النواحى قال صدقت والله قال فما يمنعك من منادمته يا أمير المؤمنين وهو عربي شريف شاعر ظريف قال يمنعنى والله من منادمته قوله قلت لساقينا على خلوة * أدن كذا رأسك من رأسي ونم على وجهك لى ساعة * إنى امرؤ أنكح جلاسى أفتريد أن تكون جلاسه على هذه الشريطة * وذكر محمد بن سلام أنه كان في زمان المهدى إنسان ضعيف يقول الشعر إلى أن مدح المهدى قال فأدخل عليه فأنشده شعرا يقول فيه * وجوار زفرات * فقال له المهدى أي شئ زفرات قال وما تعرفها أنت يا أمير المؤمنين قال لا والله قال فأنت أمير المؤمنين وسيد المسلمين وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تعرفها اعرفها أنا كلا والله قال ابن سلام أخبرني غير واحد أن طريح بن اسماعيل الثقفى دخل على المهدى فانتسب له وسأله أن يسمع منه فقال ألست الذى يقول للوليد بن يزيد

[ 403 ]

أنت ابن مسلنطح البطاح ولم * يطرق عليك الحنى والولج والله لا تقول لى في مثل هذا أبدا ولا أسمع منك شعرا وإن شئت وصلتك وذكر أن المهدى أمر بالصوم سنة 66 ليستسقى للناس في اليوم الرابع فلما كان في الليلة الثالثة أصابهم الثلج فقال لقيط بن بكير المحاربي في ذلك يا إمام الهدى سقينا بك الغي‍ * - ث وزالت عنا بك اللاواء بت تعبي بالحفظ والناس نوا * م عليهم من الظلام غطاء رقدوا حيث طال ليلك فيهم * لك خوف تضرع وبكاء قد عنتك الامور منهم على الغف‍ * - لة من معشر عصوا وأساؤا وسقينا وقد قحطنا وقلنا * سنة قد تنكرت حمراء بدعاء أخلصته في سواد ال‍ * - ليل لله فاستجيب الدعاء بثلوج تحيى بها الارض حتى * أصبحت وهى زهرة خضراء * وذكر أن الناس في أيام المهدى صاموا شهر رمضان في صميم الصيف وكان أبو دلامة إذ ذاك يطالب بجائزة وعدها إياه المهدى فكتب إلى المهدى رقعة يشكو إليه فيها مالقى من الحر والصوم فقال في ذلك أدعوك بالرحم التى جمعت لنا * في القرب بين قريبنا والابعد ألا سمعت وأنت أكرم من مشى * من منشد يرجو جزاء المنشد حل الصيام فصمته متعبدا * أرجو ثواب الصائم المتعبد وسجدت حتى جبهتي مشجوجة * مما أكلف من نطاح المسجد قال فلما قرأ المهدى الرقعة دعا به فقال أي قرابة بينى وبينك يا ابن اللخناء قال رحم آدم وحواء فضحك منه وأمر له بجائزة * وذكر على بن محمد قال حدثنى أبى عن إبراهيم بن خالد المعيطى قال دخلت على المهدى وقد وصف له غناتى فسألني عن الغناء وعن علمي به وقال لى تغنى النواقيس قلت نعم والصليب يا أمير المؤمنين فصرفني وبلغني أنه قال معيطى ولا حاجة لى إليه فيمن أدنيه من خلوى ولا آنس به ولمعبد المغنى النواقيس في هذا الشعر

[ 404 ]

سلى دار ليلى هل تجيب فتنطق * وأنى ترد القول بيداء سملق وأنى ترد القول دار كأنها * لطول بلاها والتقادم مهرق * وذكر قعنب بن محرز أبو عمرو الباهلى أن الاصمعي حدثه قال رأيت حكم الوادي حين مضى المهدى إلى بيت المقدس فعرض له في الطريق وكان له شعيرات وأخرج دفاله يضربه وقال أنا القائل فمتى تخرج العرو * س فقد طال حبسها قد دنا الصبح أو بدا * وهى لم تقض لبسها فتسرع إليه الحرس فصيح بهم كفوا وسأل عنه فقيل حكم الوادي فأدخله إليه ووصله * وذكر على بن محمد أنه سمع أباه يقول دخل المهدى بعض دوره يوما فإذا جارية له نصرانية وإذا جيبها واسع وقد انكشف عما بين ثدييها وإذا صليب من ذهب معلق في ذلك الموضع فاستحسنه فمد يده إليه فجذبه فأخذه فولولت على الصليب فقال المهدى في ذلك يوم نازعتها الصليب فقالت * ويح نفسي أما تحل الصليبا قال وأرسل إلى بعض الشعراء فأجازه وأمر به فغنى فيه وكان معجبا بهذا الصوت قال وسمعت أبى يقول إن المهدى نظر إلى جارية له عليها تاج فيه نرجس من ذهب وفضة فاستحسنه فقال * يا حبذا النرجس في التاج * فارتج عليه فقال من بالحضرة قالوا عبد الله بن مالك فدعاه فقال إنى رأيت جارية لى فاستحسنت تاجا عليها فقلت * يا حبذا النرجس في التاج فتستطيع أن تزيد فيه قال نعم يا أمير المؤمنين ولكن دعني أخرج فأفكر قال شأنك فخرج وأرسل إلى مؤدب لولده فسأله أجازته فقال * على جبين لاح كالعاج * وأتمها أبياتا أربعة فأرسل بها عبد الله إلى المهدى فأرسل إليه المهدى بأربعين ألفا فأعطى المؤدب منها أربعة آلاف وأخذ الباقي لنفسه وفيها غناء معروف * وذكر أحمد بن موسى بن مضر أبو على قال أنشدني التوزى في حسنة جاريته

[ 405 ]

أرى ماء وبى عطش شديد * ولكن لا سبيل إلى الورود أما يكفيك أنك تملكيني * وأن الناس كلهم عبيدى وأنك لو قطعت يدى ورجلي * لقلت من الرضى أحسنت زيدي * وذكر على بن محمد عن أبيه قال رأيت المهدى وقد دخل البصرة من قبل سكة قريش فرأيته يسير والبابوقة بين يديه بينه وبين صاحب الشرطة عليها قباء أسود متقلدة سيفا في هيئة الغلمان قال وإنى لارى في صدرها شيئا من ثدييها قال على وحدثني أبى قال قدم المهدى إلى البصرة فمر في سكة قريش وفيها منازلنا وكانت الولاة لاتمر فيها إذا قدم الوالى كانوا يتشاءمون بها قل وال مر فيها فأقام في ولايته إلا يسيرا حتى يعزل ولم يمر فيها خليفة قط إلا المهدى كانوا يمرون في سكة عبد الرحمن ابن سمرة وهى تساوى سكة قريش فرأيت المهدى يسير وعبد الله بن مالك على شرطه يسير أمامه في يده الحربة وابنته البانوقة تسير بينه وبين يديه وبين صاحب الشرطة في هيثة الفتيان عليها قباء أسود ومنطقة وشاشية متقلدة السيف وإنى لارى ثدييها قد رفعا القباء لنهود هما قال وكانت البانوقة سمراء حسنة القد حلوة فلما ماتت وذلك ببغداد أظهر عليها المهدى جزعا لم يسمع بمثله فجلس للناس يعزونه وأمر ألا يحجب عنه أحدا فأكثر الناس في التعازى واجتهدوا في البلاغة وفى الناس من ينتقد هذا عليهم من أهل العلم والادب فأجمعوا على أنهم لم يسمعوا تعزية أو جزو لا أبلغ من تعزية شبيب بن شيبة فإنه قال يا أمير المؤمنين الله خير لها منك وثواب الله خير لك منها وأنا أسأل الله ألا يحزنك ولا يفتنك * وذكر صباح ابن عبد الرحمن قال حدثنى أبى قال توفيت البانوقة بنت المهدى فدخل عليه شبيب ابن شيبة فقال أعطاك الله يا أمير المؤمنين على ما رزئت أجرا وأعقبك صبرا لا أجهد الله بلاءك بنقمة ولا نزع منك نعمة ثواب الله خير لك منها ورحمة الله خير لها منك وأحق ما صبر عليه مالا سبيل إلى رده

[ 406 ]

خلافة الهادى (وفى هذه السنة) بويع لموسى بن محمد بن عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله ابن العباس بالخلافة يوم توفى المهدى وهو مقيم بجرجان يحارب أهل طبرستان وكانت وفاة المهدى بما سبذان ومعه ابنه هارون ومولاه الربيع ببغداد خلفه بها فذكر أن الموالى والقواد لما توفى المهدى اجتمعوا إلى ابنه هارون وقالوا له إن علم الجند بوفاة المهدى لم تأمن الشغب والرأى أن يحمل وتنادى في الجند بالقفل حتى تواريه ببغداد فقال هارون ادعوا إلى أبى يحيى بن خالد البرمكى وكان المهدى ولى هارون المغرب كله من الانبار إلى افريقية وأمر يحيى بن خالد أن يتولى ذلك فكانت إليه أعماله ودواوينه يقوم بها ويخلفه على ما يتولى منها إلى أن توفى قال فصار يحيى بن خالد إلى هارون فقال له يا أبت ما تقول فيما يقول عمر بن بزيع ونصير والمفضل قال وما قالوا فأخبره قال ما أرى ذلك قال ولم قال لان هذا ما لا يخفى ولا آمن إذا علم الجند أن يتعلقوا بمحمله ويقولوا لانخليه حتى نعطى لثلاث سنين وأكثر ويتحكموا ويشتطوا ولكن أرى أن يوارى رحمه الله ههنا وتوجه نصيرا إلى أمير المؤمنين الهادى بالخاتم والقضيب والتهئة والتعزية فان البريد إلى نصير فلا ينكر خروجه أحدا إذ كان على بريد الناحية وأن تأمر لمن معك من الجند بجوائز مائتين مائتين وتنادى فيهم بالقفول فانهم إذا قبضوا الدراهم لم تكن لهم همة سوى أهاليهم وأوطانهم ولا عرجة على شئ دون بغداد قال ففعل ذلك وقال الجند لما قبضوا الدراهم بغداد بغداد بتبادرون إليها ويبعثون على الخروج من ما سبذان فلما وافوا بغداد وعلموا خبر الخليفة ساروا إلى باب الربيع فأحرقوه وطالبوا بالارزاق وضجوا وقدم هارون بغداد فبعثت الخيرزان إلى الربيع والى يحيى بن خالد تشاورهما في ذلك فأما الربيع فدخل عليها وأما يحيى فلم يفعل ذلك لعله بشدة غيرة موسى قال وجمعت الاموال حتى أعطى الجند لسنتين فسكتوا وبلغ الخبر الهادى فكتب إلى الربيع كتابا يتوعده فيه

[ 407 ]

بالقتل وكتب إلى يحيى بن خالد يجزيه الخير ويأمره أن يقوم من أمر هارون بما لم يزل يقوم به وأن يتولى أموره وأعماله على ما لم يزل يتولاه قال فبعث الربيع إلى يحيى بن خالد وكان يوده ويثق به ويعتمد على رأيه يا أبا على ما ترى فانه لا صبر لى على جر الحديد قال أرى ألا تبرح موضعك وأن توجه ابنك الفضل يستقبله ومعه من الهدايا والطرف ما أمكنك فانى لارجو أن لا يرجع الا وقد كفيت ما تخاف ان شاء الله قال وكانت أم الفضل ابنه بحيث تسمع منهما مناجاتهما فقلت له نصحك والله قال فانى أحب أن أوصى اليك فانى لا أدرى ما يحدث فقالت لست أنفرد لك بشئ ولا أدع ما يجب وعندي في هذا وغيره ما تحب ولكن أشرك معى في ذلك الفضل ابنك وهذه المرأة فانها جزلة مستحقة لذلك منك ففعل الربيع ذلك وأوصى إليهم قال الفضل بن سليمان ولما شغب الجند على الربيع ببغداد وأخرجوا من كان في حبسه وأحرقوا أبواب دوره في الميدان حضر العباس بن محمد وعبد الملك بن صالح ومحرز بن ابراهيم ذلك فرأى العباس أن يرضوا وتطيب أنفسهم وتفرق جماعتهم باعطائهم أرزاقهم فبذل ذلك لهم فلم يرضوا ولم يثقوا مما ضمن لهم من ذلك حتى ضمنه محرز بن ابراهيم فقنعوا بضمانه وتفرقوا فوفى لهم بذلك وأعطوا رزق ثمانية عشر شهرا وذلك قبل قدوم هارون فلما قدم وكان هو خليفة موسى الهادى ومعه الربيع وزيرا له فوجه الوفود إلى الامصار ونعى إليهم المهدى وأخذ بيعتهم لموسى الهادى وله بولاية العهد من بعده وضبط أمر بغداد وقد كان نصير الوصيف شخص من ما سبذان من يومه إلى جرجان بوفاة المهدى والبيعة له فلما صار إليه نادى بالرحيل وخرج من فوره على البريد جوادا ومعه من أهل بيته وإبراهيم وجعفر ومن الوزراء عبيد الله بن زياد الكاتب صاحب رسائله ومحمد بن جميل كاتب جنده فلما شارف مدينة السلام استقبله الناس من أهل بيته وغيرهم وقد كان احتمل على الربيع ما كان منه وما صنع من توجيه الوفود وإعطائه الجنود قبل قدومه وقد كان الربيع وجه ابنه الفضل فتلقاه بما أعد له من الهدايا فاستقبله بهمذان فأدناه وقربه وقال كيف خلفت

[ 408 ]

مولاى فكتب بذلك إلى أبيه فاستقبله الربيع فعاتبه الهادى فاعتذر إليه وأعلمه السبب الذى دعاه إلى ذلك فقبله وولاه الوزارة مكان عبيد الله بن زياد بن أبى ليلى وضم إليه ما كان عمر بن بزيع يتولاه من الزمام وولى محمد بن جميل ديوان خراج العراقين وولى عبيد الله بن زياد خراج الشأم وما يليه وأقر على حرسه على بن عيسى ابن ماهان وضم إليه ديوان الجند وولى شرطه عبد الله بن مالك مكان عبد الله بن حازم وأقر الخاتم في يد على بن يقطين وكانت موافاة موسى الهادى بغداد عند منصرفه من جرجان لعشر بقين من صفر من هذه السنة سار فيما ذكر عنه من جرجان إلى بغداد في غشرين يوما فلما قدمها نزل القصر الذى يسمى الخلد فأقام به شهرا ثم تحول إلى بستان أبى جعفر ثم تحول إلى عيسا باذ (وفى هذه السنة) هلك الربيع مولى أبى جعفر المنصور (وقد ذكر) على بن محمد النوفلي أن أباه حدثه أنه كان لموسى الهادى جارية وكانت حظية عنده وكانت تحبه وهو بجرجان حين وجهه إليها المهدى فقالت أبياتا وكتبت إليه وهو مقيم بجرجان منها يا بعيد المحل أمسى بجرجان نازلا قال فلما جاءته البيعة وانصرف إلى بغداد لم تكن له همة غيرها فدخل عليها وهى تغنى بأبياتها فأقام عندها يومه وليلته قبل أن يظهر لاحد من الناس (وفى هذه السنة) اشتد طلب موسى الزنادقة فقتل منهم فيها جماعة فكان ممن قتل منهم يزدان بن باذان كاتب يقطين وابنه على بن يقطين من أهل النهروان ذكر عنه أنه حج فنظر إلى الناس في الطواف يهرولون فقال ما أشبههم إلا ببقر تدوس في البيدر وله يقول العلاء بن الحداد الاعمى أيا أمين الله في خلقه * ووارث الكعبة والمنبر ما ذا ترى في رجل كافر * يشبه الكعبة بالبيدر ويجعل الناس إذا ما سعوا * حمرا تدوس البر والدوسر فقتله موسى ثم صلبه فسقطت خشبته على رجل من الحاج فقتلته وقتلت حماره

[ 409 ]

وقتل من بنى هاشم يعقوب بن الفضل * وذكر عن على بن محمد الهاشمي قال كان المهدى أتى بابن لداود بن على زنديقا وأتى بيعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن ابن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب زنديقا في مجلسين متفرقين فقال لكل واحد منهما كلاما واحدا وذلك بعد أن أقرا له بالزندقة أما يعقوب بن الفضل فقال له أقربها بينى وبينك فإما أن أظهر ذلك عند الناس فلا أفعل ولو قرضتني بالمقاريض فقال له ويلك لو كشفت لك السموات وكان الامر كما تقول كنت حقيقا أن تعصب لمحمد ولولا محمد صلى الله عليه وسلم من كنت هل كنت الا إنسانا من الناس أما والله لولا أنى كنت جعلت لله على عهدا إذ ولاني هذا الامر ألا أقتل هاشميا لما ناظرتك ولقتلتك ثم التفت إلى موسى الهادى فقال يا موسى أقسمت عليك بحقى إن وليت هذا الامر بعدى ألا تناظر هما ساعة واحدة فمات ابن داود بن على في الحبس قبل وفاة المهدى وأما يعقوب فبقى حتى مات المهدى وقدم موسى بن جرجان فساعة دخل ذكر وصية المهدى فأرسل إلى يعقوب من ألقى عليه فراشا وأقعدت الرجال عليه حتى مات ثم لهى عنه ببيعته وتشديد خلافته وكان ذلك في يوم شديد الحر فبقى يعقوب حتى مضى من الليل هدء فقيل لموسى يا أمير المؤمنين إن يعقوب قد انتفخ وأروح قال ابعثوا به إلى أخيه إسحاق ابن الفضل فخبروه أنه مات في السجن فجعل في زورق وأتى به إسحاق فنظر فإذا ليس فيه موضع للغسل فدفنه في بستان له من ساعته وأصبح فأرسل إلى الهاشميين يخبرهم بموت يعقوب ويدعوهم إلى الجنازة وأمر بخشبة فعملت في قد الانسان فغشيت قطناو ألبسها أكفانا ثم حملها على السرير فلم يشك من حضرها أنه شئ مصنوع وكان ليعقوب ولد من صلبه عبد الرحمن والفضل وأروى وفاطمة فاما فاطمة فوجدت حبلى منه وأقرت بذلك قال على بن محمد قال أبى فأدخلت فاطمة وامرأة يعقوب بن الفضل وليست بهاشمية يقال لها خديجة على الهادى أو على المهدى من قبل فأقرتا بالزندقة وأقرت فاطمة أنها حامل من أبيها فأرسل بهما إلى ريطة بنت أبى العباس فرأتها مكتحلتين مختضبتين فعذلتهما وأكثرت على

[ 410 ]

الابنة خاصة فقالت أكرهني قالت فما بال الخضاب والكحل والسرور إن كنت مكرهة ولعنتهما قال فخبرت أنهما فزعتا فماتتا فزعا ضرب على رؤوسهما بشئ يقال له الرعبوب ففزعتا منه فماتتا وأما أروى فبقيت فتزوجها ابن عمها الفضل ابن اسماعيل بن الفضل وكان رجلا لا بأس به في دينه (وفيها) قدم ونداهرمز صاحب طبرستان إلى موسى بأمان فأحسن صلته ورده إلى طبرستان ذكر بقية الخبر عن الاحداث التى كانت سنة تسع وستين ومائة ومما كان فيها خروج الحسين بن على بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن على ابن أبى طالب المقتول بفخ ذكر الخبر عن خروجه ومقتله * ذكر عن محمد بن موسى الخوارزمي أنه قال كان بين موت المهدى وخلافة الهادى ثمانية أيام قال ووصل إليه الخبر وهو بجرجان وإلى أن قدم مدينة السلام إلى خروج الحسين بن على بن الحسن وإلى أن قتل الحسين تسعة أشهر وثمانية عشر يوما * وذكر محمد بن صالح أن أبا حفص السلمى حدثه * قال كان إسحاق بن عيسى بن على على المدينة فلما مات المهدى واستخلف موسى شخص إسحاق وافدا إلى العراق إلى موسى واستخلف على المدينة عمر ابن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب * وذكر الفضل بن إسحق الهاشمي أن إسحق بن عيسى بن على استعفى الهادى وهو على المدينة واستأذنه في الشخوص إلى بغداد فأعفاه وولى مكانه عمر بن عبد العزيز وأن سبب خروج الحسين بن على بن الحسن كان أن عمر بن عبد العزيز لما تولى المدينة كما ذكر الحسين ابن محمد عن أبى حفص السلمى أخذ أبا الزفت الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن ومسلم بن جندب الشاعر الهذلى وعمر بن سلام مولى آل عمر على شراب لهم فأمر بهم فضربوا جميعا ثم أمر بهم فجعل في أعناقهم حباب وطيف بهم في المدينة فكلم فيهم وصار إليه الحسين بن على فكلمه وقال ليس هذا عليهم وقد ضربتهم ولم يكن لك أن تضربهم لان أهل العراق لا يرون به بأسا فلم تطوف بهم فبعث إليهم وقد

[ 411 ]

بلغوا البلاط فردهم وأمر بهم إلى الحبس فحبسوا يوما وليلة ثم كلم فيهم فأطلقهم جميعا وكانوا يعرضون ففقد الحسن بن محمد وكان الحسين بن على كفيله قال محمد ابن صالح وحدثني عبد الله بن محمد الانصاري أن العمرى كان كفل بعضهم من بعض فكان الحسين بن على بن الحسن ويحيى بن عبد الله بن الحسن كفيلين بالحسن ابن محمد بن عبد الله بن الحسن وكان قد تزوج مولاة لهم سوداء ابنة أبى ليث مولى عبد الله بن الحسن فكان يأتيها فيقيم عندها فغاب عن العرض يوم الاربعاء والخميس والجمعة وعرضهم خليفة العمرى عشية الجمعة فأخذ الحسين بن على ويحيى بن عبد الله فسألهما عن الحسن بن محمد فغلظ عليهم بعض التغليظ ثم انصرف إلى العمرى فأخبره خبرهم وقال له أصلحك الله الحسن بن محمد غائب مذ ثلاث فقال ائتنى بالحسين ويحيى فذهب فدعا هما فلما دخلا عليه قال لهما أين الحسن بن محمد قالا والله ما ندرى إنما غاب عنا يوم الاربعاء ثم كان يوم الخميس فبلغنا أنه اعتل فكنا نظن أن هذا اليوم لا يكون فيه عرض فكلمهما بكلام أغلظ لهما فيه فحلف يحيى بن عبد الله ألا ينام حتى يأتيه به أو يضرب عليه باب داره حتى يعلم أنه قد جاءه به فلما خرجا قال له الحسين سبحان الله ما دعاك إلى هذا ومن أين تجد حسنا حلفت له بشئ لا تقدر عليه قال انما حلفت على حسن قال سبحان الله فعلى أي شئ حلفت قال والله لا نمت حتى أضرب عليه باب داره بالسيف قال فقال حسين نكسر بهذا ما كان بيننا وبين أصحابنا من الصلة قال قد كان الذى كان فلا بد منه وكانوا قد تواعدوا على أن يخرجوا بمنى أو بمكة في الموسم فيما ذكروا وقد كان قوم من أهل الكوفة من شيعتهم وممن كان بايع لحسين متكمنين في دار فانطلقوا فعملوا في ذلك من عشيتهم ومن ليلتهم حتى إذا كان في آخر الليل خرجوا وجاء يحيى بن عبد الله حتى ضرب باب دار مروان على العمرى فلم يجده فيها فجاء إلى منزله في دار عبد الله بن عمر فلم يجده أيضا فيها وتوارى منهم فجاؤا حتى اقتحموا المسجد حتى إذا أذنوا بالصبح فجلس الحسين على المنبر وعليه عمامة بيضاء وجعل الناس يأتون المسجد فإذا رأوهم رجعوا ولا يصلون فلما صلى الغداة

[ 412 ]

جعل الناس يأتونه ويبايعونه على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم للمرتضى من آل محمد وأقبل خالد البربري وهو يومئذ على الصوافى بالمدينة قائد على مائتين من الجند مقيمين بالمدينة وأقبل فيمن معه وجاء العمرى ووزير ابن اسحاق الازرق ومحمد بن واقد الشروى ومعهم ناس كثير فيهم الحسين بن جعفر بن الحسين بن الحسين على حمار واقتحم خالد البربري الرحبة وقد ظاهر بين درعين وبيده السيف وعمود في منطقته مصلتا سيفه وهو يصيح بحسين أنا كسكاس قتلني الله إن لم أقتلك وحمل عليهم حتى دنا منهم فقام إليه ابنا عبد الله بن حسن يحيى وإدريس فضربه يحيى على أنف البيضة فقطعها وقطع أنفه وشرقت عيناه بالدم فلم يبصر قبرك يذبب عن نفسه بسيفه وهولا يبصر واستدار له إدريس من خلفه فضربه وصرعه وعلواه بأسيافهما حتى قتلاه وشد أصحابهما على درعيه فخلعوهما عنه وانتزعوا سيفه وعموده فجاءوا به ثم أمروا به فجر إلى البلاط وحملوا على أصحابه فانهزموا قال عبد الله بن محمد هذا كله بعينى * وذكر عبد الله بن محمد أن خالدا ضرب يحيى بن عبد الله فقطع البرنس وخلعت ضربته إلى يد يحيى فأثرت وضربه يحيى على وجهه واستدار رجل أعور من أهل الجزيرة فأتاه من خلفه فضربه على رجليه واعتوروه بأسيافهم فقتلوه قال عبد الله بن محمد ودخل عليهم المسودة المسجد حين دخل الحسين بن جعفر على حماره وشدت المبيضة فأخرجوهم وصاح بهم الحسين ارفقوا بالشيخ يعنى الحسين بن جعفر وانتهب بيت المال فأصيب فيه بضعة عشر ألف دينار فضلت من العطاء وقيل إن ذلك كان سبعين ألف دينار كان بعث بها عبد الله بن مالك يفرض بها من خزاعة قال وتفرق الناس وأغلق أهل المدينة عليهم أبوابهم فلما كان من الغد اجتمعوا واجتمعت شيعة ولد العباس فقاتلوهم بالبلاط فيما بين رحبة دار الفضل والزوراء وجعل المسودة يحملون على المبيضة حتى يبلغوا بهم رحبة دار الفضل وتحمل المبيضة عليهم حتى يبلغ بهم الزوراء وفشت الجراحات بنى الفريقين جميعا فاقتتلوا إلى الظهر ثم افترقوا فلما كان في آخر النهار من اليوم الثاني يوم الاحد جاء الخبر بأن مباركا التركي ينزل

[ 413 ]

بئر المطلب فنشط الناس فخرجوا إليه فكلموه أن يجئ فجاء من الغد حتى أتى الثنية واجتمع إليه شيعة بنى العباس ومن أراد القتال فاقتتلوا بالبلاط أشد قتال إلى انتصاف النهار ثم تفرقوا وجاء هؤلاء إلى المسجد ومضى الآخرون إلى مبارك التركي إلى دار عمر بن عبد العزيز بالثنية يقيل فيها وواعد الناس الرواح فلما غفلوا عنه جلس على رواحله فانطلق وراح الناس فلم يجدوه فنا وشوهم شيئا من القتال إلى المغرب ثم تفرقوا وأقام حسين وأصحابه أياما يتجهزون وكان مقامهم بالمدينة أحد عشر يوما ثم خرج يوم أربعة وعشرين لست بقين من ذى القعدة فلما خرجوا من المدينة عاد المؤذنون فأذنوا وعاد الناس إلى المسجد فوجدوا فيه العظام التى كانوا يأكلون وآثارهم فجعلوا يدعون الله عليهم فعل الله بهم وفعل قال محمد بن صالح فحدثني بصير بن عبد الله بن ابراهيم الجمحى أن حسينا لما انتهى إلى السوق متوجها إلى مكة التفت إلى أهل المدينة وقال لا خلف الله عليكم بخير فقال الناس وأهل السوق لابل أنت لا خلف الله عليك بخير ولا ردك وكان أصحابه يحدثونه في المسجد فملؤوه قذرا وبولا فلما خرجوا غسل الناس المسجد قال وحدثني ابن عبد الله بن ابراهيم قال أخذ أصحاب الحسين ستور المسجد فجعلوها خفاتين لهم قال ونادى أصحاب الحسين بمكة أيما عبد أتانا فهو حر فأتاه العبيد وأتاه عبد كان لابي فكان معه فلما أراد الحسين أن يخرج أتاه أبى فكلمه وقال له عمدت إلى مماليك لم تملكهم فأعتقتهم بم تستحل ذلك فقال حسين لاصحابه اذهبوا به فأى عبد عرفه فادفعوه إليه فذهبوا معه فأخذ غلامه وغلامين لجيران لنا وانتهى خبر الحسين إلى الهادى وقد كان حج في تلك السنة رجال من أهل بيته منهم محمد بن سليمان ابن على والعباس بن محمد وموسى بن عيسى سوى من حج من الاحداث وكان على الموسم سليمان بن أبى جعفر فأمر الهادى بالكتاب بتولية محمد بن سليمان على الحرب فقيل له عمك العباس بن محمد قال دعوني لا والله لا أخدع عن ملكى فنفذ الكتاب بولاية محمد بن سليمان بن على على الحرب فلقيهم الكتاب وقد انصرفوا عن الحج وكان محمد بن سليمان قد خرج في عدة من السلاح والرجال وذلك

[ 414 ]

لان الطريق كان مخوفا معورا من الاعراب ولم يحتشد لهم حسين فأتاه خبرهم فهم بصوبه فخرج بخدمه وإخوانه وكان موسى بن على بن موسى قد صار ببطن نخل على الثلاثين من المدينة فانتهى الخبر ومعه إخوانه وجواريه وانتهى الخبر إلى العباس ابن محمد بن سليمان وكاتبهم وساروا إلى مكة فدخلوا فأقبل محمد بن سليمان وكانوا أحرموا بعمرة ثم صاروا إلى ذى طوى فعسكروا بها ومعهم سليمان بن أبى جعفر فانضم إليهم من وافى في تلك السنة من شيعة ولد العباس ومواليهم وقوادهم وكان الناس قد اختلفوا في تلك السنة في الحج وكثروا جدا ثم قدم محمد بن سليمان قدامه تسعين حافرا ما بين فرس إلى بغل وهو على نجيب عظيم وخلفه أربعون راكبا على النجائب عليها الرحال وخلفهم ما بين راكب على الحمير سوى من كان معهم من الرجالة وغيرهم وكثروا في أعين الناس جدا وملؤا فظنوا أنهم أضعافهم فطافوا بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة وحلوا من عمرتهم ثم مضوا فأتوا ذاطوى ونزلوا وذلك يوم الخميس فوجه محمد بن سليمان أبا كامل مولى لاسماعيل بن على في نيف وعشرين فارسا وذلك يوم الجمعة فلقيهم وكان في أصحاب رجل يقال له زيد كان انقطع إلى العباس فأخرجه معه حاجا لما رأى من عبادته فلما رأى القوم قلب ترسه وسيفه وانقلب إليهم وذلك ببطن مر ثم ظفروا به بعد ذلك مشدخا بالاعمدة فلما كان ليلة السبت وجهوا خمسين فارسا كان أول من ندبوا صباح أبو الذيال ثم آخر ثم آخر ثم آخر فكان أبو خلوة الخادم مولى محمد خامسا فأتوا المفضل مولى المهدى فأرادوا أن يصيروه عليهم فأبى وقال لا ولكن صيروا عليهم غيرى وأكون أنا معهم فصيروا عليهم عبد الله بن حميد بن رزين السمر قندى وهو يومئذ شاب ابن ثلاثين سنة فذهبوا وهم خمسون فارسا وذلك ليلة السبت فدنا القوم ورجعت الخيل وتعبأ الناس فكان العباس بن محمد وموسى بن عيسى في الميسرة ومحمد بن سليمان في المدينة وكان معاذ بن مسلم فيما بين محمد بن سليمان والعباس بن محمد فلما كان قبل طلوع الفجر جاء حسين وأصحابه فشد ثلاثة من موالى سليمان بن على أحدهم زنجويه غلام حسان فجاءوا برأس فطرحوه قدام محمد

[ 415 ]

ابن سليمان وقد كانوا قالوا من جاء ؟ أس فله خمسمائة درهم وجاء أصحاب محمد فعرقبوا الابل فسقطت محاملها فقتلوهم وهزموهم وكانوا خرجوا من تلك الثنايا فكان الذين خرجوا مما يلى محمد بن سليمان أقلهم وكان جلهم خرجوا مما يلى موسى بن عيسى وأصحابه فكانت الصدمة بهم فلما فرغ محمد بن سليمان ممن يليه وأسفروا نظروا إلى الذين يلون موسى ابن عيسى فإذاهم مجتمعون كأنهم كبة غزل التفت القلب والميمنة عليهم وانصرفوا نحو مكة لا يدرون ما حال الحسين فما شعرواوهم بذى طوى أو قريبا منها إلا برجل من أهل خراسان يقول البشرى البشرى هذا رأس حسين فأخرجه وبجبهته ضربة طولا وعلى قفاه ضربة أخرى وكان الناس نادوا بالامان حين فرغوا فجاء الحسن ابن محمد أبو الزفت مغمضا إحدى عينيه قد أصابها شئ في الحرب فوقف خلف محمد والعباس واستدار به موسى بن عيسى وعبد الله بن العباس فأمر به فقتل فغضب محمد بن سليمان من ذلك غضبا شديدا ودخل محمد بن سليمان مكة من طريق والعباس ابن محمد من طريق واحتزت الرؤس فكانت مائة رأس ونيفا فيها رأس سليمان بن عبد الله بن حسن وذلك يوم التروية وأخذت أخت الحسين وكانت معه فصيرت عند زينب بنت سليمان واختلطت المنهزمة بالحجاج فذهبوا وكان سليمان بن أبى جعفر شاكيا فلم يحضر القتال ووافى عيسى بن جعفر الحج تلك السنة وكان مع أصحاب حسين رجل أعمى يقص عليهم فقتل ولم يقتل أحد منهم صبرا قال الحسين بن محمد ابن عبد الله وأسر موسى بن عيسى أربعة نفر من أهل الكوفة ومولى لبنى عجل وآخر قال محمد بن صالح حدثنى محمد بن داود بن على قال حدثنا موسى بن عيسى قال قدمت معى بستة أسارى وقال الهادى هيه تقتل أسيرى فقلت يا أمير المؤمنين إنى فكرت فيه فقلت تجئ عائشة وزينب إلى أم أمير المؤمنين فتبكيان عندها وتكلمانها فتكلم له أمير المؤمنين فيطلقه ثم قال هات الاسرى فقلت إنى جعلت لهم العهد والمواثيق بالطلاق والعتاق فقال ائتنى بهم وأمر باثنين فقتلا وكان الثالث منكرا فقلت يا أمير المؤمنين هذا أعلم الناس بآل أبى طالب فإن استبقيته ذلك على كل بغية لك فقال نعم والله يا أمير المؤمنين إنى أرجو أن يكون بقائي صنعا لك فأطرق ثم قال

[ 416 ]

والله لافلاتك من يدى بعد أن وقعت في يدى لشديد فلم يزل يكلمه حتى أمر به أن يؤخر وأمر أن يكتب له طلبته وأما الآخر فصفح عنه وأمر بقتل عذافر الصيرفى وعلى بن السابق الفلاس الكوفى وأن يصلبا فصلبوهما بباب الجسر وأسرا بفخ وغضب على مبارك التركي وأمر بقبض أمواله وتصييره في ساسة الدواب وغضب على موسى بن عيسى لقتله الحسن بن محمد وأمر بقبض أمواله وقال عبد الله بن عمر والثلجى حدثنى محمد بن يوسف بن يعقوب الهاشمي قال حدثنى عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى قال أفلت إدريس بن عبد الله بن حسن ابن حسن بن على بن أبى طالب من وقعة فخ في خلافة الهادى فوقع إلى مصر وعلى بريد مصر واضح مولى لصالح بن أمير المؤمنين المنصور وكان رافضيا خبيثا فحمله على البريد إلى أرض المغرب فوقع بأرض طنجة بمدينة يقال لها وليلة فاستجاب له من بها وبأعراضها من البربر فضرب الهادى عنق واضح وصلبه ويقال إن الرشيد الذى ضرب عنقه وأنه دس إلى إدريس الشماخ اليمامى مولى المهدى وكتب له كتابا إلى إبراهيم بن الاغلب عامله على أفريقية فخرج حتى وصل إلى وليلة وذكر أنه متطبب وأنه من أوليائهم ودخل على ادريس فأنس به واطمأن إليه وأقبل الشماخ يريه الاعظام له والميل إليه والايثار له فنزل عنده بكل منزلة ثم إنه شكا إليه علة في أسنانه فأعطاه سنونا مسموما قاتلا وأمره أن يستن به عند طلوع الفجر لليلته فلما طلع الفجر استن إدريس بالسنون وجعل يرده في فيه ويكثر منه فقتله وطلب الشماخ فلم يظفر به وقدم على إبراهيم بن الاغلب فأخبره بما كان منه وجاءته بعد مقدمه الاخبار بموت إدريس فكتب ابن الاغلب إلى الرشيد بذلك فولى الشماخ بريد مصر وأخباره فقال في ذلك بعض الشعراء أظنه الهنازى أتظن يا إدريس أنك مفلت * كيد الخليفة أو يفيد فرار فليدركنك أو تحل ببلدة * لا يهتدى فيها إليك نهار إن السيوف إذا انتضاها سخطه * طالت وقصر دونها الاعمار ملك كأن الموت يتبع أمره * حتى يقال تطبعه الاقدار

[ 417 ]

وذكر الفضل بن إسحاق الهاشمي أن الحسين بن على لما خرج بالمدينة وعليها العمرى لم يزل العمرى مختفيا مقام الحسين بالمدينة حتى خرج إلى مكة وكان الهادى وجه سليمان بن أبى جعفر لولاية الموسم وشخص معه من أهل بيته ممن أراد الحج العباس بن محمد وموسى بن عيسى واسماعيل بن عيسى بن موسى في طريق الكوفة ومحمد بن سليمان وعدة من ولد جعفر بن سليمان على طريق البصرة ومن الموالى مبارك التركي والمفضل الوصيف وصاعد مولى الهادى وكان صاحب الامر سليمان ومن الوجوه المعروفين يقطين بن موسى وعبيد بن يقطين وأبو الورد عمر بن مطرف فاجتمعوا عند الذي بلغهم من توجه الحسين ومن معه إلى مكة ورأسوا عليهم سليمان بن أبى جعفر لولايته وكان قد جعل أبو كامل مولى اسماعيل على الطلائع فلقوه بفخ وخلفوا عبيد الله بن قثم بمكة للقيام بأمرها وأمر أهلها وقد كان العباس بن محمد أعطاهم الامان على ما أحدثوا وضمن لهم الاحسان إليهم والصلة لارحامهم وكان رسولهم في ذلك المفضل الخادم فأبوا قبول ذلك فكانت الوقعة فقتل من قتل وانهزم الناس ونودى فيهم بالامان ولم يتبع هارب وكان فيمن هرب يحيى وادريس ابنا عبد الله بن حسن فأما ادريس فلحق بتاهرت من بلاد المغرب فلجأ إليهم فأعظموه فلم يزل عندهم إلى أن تلطف له واحتيل عليه فهلك وخلفه ابنه إدريس بن إدريس فهو إلى اليوم بتلك الناحية ما لكين لها وانقطعت عنهم البعوث قال المفضل بن سليمان لما بلغ العمرى وهو بالمدينة مقتل الحسين بفخ وثب على دار الحسين ودور جماعة من أهل بيته وغيرهم ممن خرج مع الحسين فهدمها وحرق النخل وقبض ما لم يحرقه وجعله في الصوافى والمقبوضة قال وغضب الهادى على مبارك التركي لما بلغه من صدوده عن لقاء الحسين بعد أن شارف المدينة وأمر بقبض أمواله وتصييره في سياسة دوابه فلم يزل كذلك إلى وفاة الهادى وسخط على موسى بن عيسى لقتله الحسن بن محمد بن عبد الله أبى الزفت وتركه أن يقدم به أسيرا فيكون المحكم في أمره وأمر بقبض أمواله فلم تزل مقبوضة إلى أن توفى موسى وقدم على موسى ممن أسر بفخ الجماعة وكان فيهم عذافر الصيرفى وعلى بن سابق

[ 418 ]

الفلاس الكوفى فأمر بضرب أعناقهما وصلبهما بباب الجسر ببغداد ففعل ذلك قال ووجه مهرويه مولاه إلى الكوفة وأمره بالتغليظ عليهم لخروج من خرج منهم مع الحسين وذكر على بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن نوفل بن الحارث ابن عبد المطلب قال حدثنى يوسف البزم مولى آل الحسن وكانت أمه مولاة فاطمة بنت حسن قال كنت مع حسين أيام قدم على المهدى فأعطاه أربعين ألف دينار ففرقها في الناس ببغداد والكوفة والله ما خرج من الكوفة وهو يملك شيئا يلبسه إلا فروا ما تحته قميص وإزار الفراش ولقد كان في طريقه إلى المدينة إذا نزل استقرض من مواليه ما يقوم بمؤونتهم في يومهم قال على وحدثني السرى أبو بشر وهو حليف بنى زهرة قال صليت الغداة في اليوم الذى خرج فيه الحسين بن على ابن الحسن صاحب فخ فصلى بنا حسين وصعد المنبر منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس وعليه قميص وعمامة بيضاء قد سدلها من بين يديه ومن خلفه وسيفه مسلول قد وضعه بين رجليه إذ أقبل خالد البربري في أصحابه فلما أراد أن يدخل المسجد بدره يحيى بن عبد الله فشد عليه البربري وإنى لانظر إليه فبدره يحيى بن عبد الله فضربه عليه وجهه فأصاب عينيه وأنفه فقطع البيضة والقلنسوة حتى نظرت إلى قحفه طائرا من موضعه وحمل على أصحابه فانهزموا ثم رجع إلى الحسين فقام بين يديه وسيفه مسلول يقطر دما فتكلم حسين فحمد الله وأثنى عليه وخطب الناس فقال في آخر كلامه يا أيها الناس أنا ابن رسول الله في حرم رسول الله وفى مسجد رسول الله وعلى منبر نبى الله أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فإن لم أف لكم بذلك فلا بيعة لى في أعناقكم قال وكان أهل الزيارة في عامهم ذلك كثيرا فكانوا قد ملؤا المسجد فإذا رجل قد نهض حسن الوجه طويل القامة عليه رداء ممشق أخذ بيد ابن له شاب جميل جلد فتخطى رقاب الناس حتى انتهى إلى المنبر فدنا من حسين وقال با ابن رسول الله خرجت من بلد بعيد وابنى هذا معى وأنا أريد حج بيت الله وزيارة قبر نبيه صلى الله عليه وسلم وما يخطر ببالى هذا الامر الذى حدث منك وقد سمعت ما قلت فعندك وفاء بما جعلت على نفسك قال نعم

[ 419 ]

قال ابسط يدك فأبايعك قال فبايعه ثم قال لابنه ادن فبايع قال فرأيت والله رؤسهما في الرؤس بمنى وذلك أن حججت في ذلك العام قال وحدثني جماعة من أهل المدينة أن مباركا التركي أرسل إلى حسين بن على والله لان أسقط من السماء فتخطفني الطير أو تهوى بى الريح في مكان سحيق أيسر على من أن أشوكك بشوكة أو أقطع من رأسك شعرة ولكن لابد من الاعذار فبيتني فانى منهزم عنك فأعطاه بذلك عهد الله وميثاقه قال فوجه إليه الحسين أو خرج إليه في نفر يسير فلما دنوا من عسكره صاحوا وكبروا فانهزم وانهزم أصحابه حتى لحق بموسى ابن عيسى وذكر أبو المضرحى الكلابي قال أخبرني المفضل بن محمد بن المفضل بن حسين بن عبيد الله بن العباس بن على بن أبى طالب أن الحسين بن على بن حسن ابن حسن قال يومئذ في قوم لم يخرجوا معه وكان قد وعدوه أن يوافوه فتخلفوا عنه متمثلا من عاذ بالسيف لاقى فرصة عجبا * موتا على عجل أو عاش منتصفا لا تقربوا السهل إن السهل يفسدكم * لن تدركوا المجد حتى تضربوا عنفا وذكر الفضل بن العباس الهاشمي أن عبد الله بن محمد المنقرى حدثه عن أبيه قال دخل عيسى بن دأب على موسى بن عيسى عند منصرفه من فخ فوجده خائفا يلتمس عذرا من قتل من قتل فقال له أصلح الله الامير أنشدك شعرا كتب به يزيد بن معاوية إلى أهل المدينة يعتذر فيه من قتل الحسين بن على رضى الله عنه قال أنشدني فأنشده فقال يا أيها الراكب الغادى لطيته * على عذافرة في سيرها قحم أبلغ قريشا على شحط المزار بها * بينى وبين حسين الله والرحم وموقف بفناء البيت أنشده * عهد الاله وما ترعى له الذمم عنفتم قومكم فخرا بأمكم * أم حصان لعمري برة كرم هي التى لا يدانى فضلها أحد * بنت النبي وخير الناس قد علموا وفضلها لكم فضل وغيركم * من قومكم لهم من فضلها قسم

[ 420 ]

إنى لاعلم أو ظنا كعالمه * والظن يصدق أحيانا فينتظم أن سوف يترككم ما تطلبون بها * قتلى تهادا كم العقبان والرخم يا قومنا لا تشبوا الحرب إذ خمدت * ومسكوا بحبال السلم واعتصموا لا تركبوا البغى إن البغى مصرعة * وإن شارب كاس البغى يتخم قد جرب الحرب من كان قبلكم * من القرون وقد بادت بها الامم فأنصفوا قومكم لا تهلكوا بذخا * فرب ذى بذخ زلت به القدم قال فسرى عن موسى بن عيسى بعض ما كان فيه وذكر عبد الله بن عبد الرحمن ابن عيسى بن موسى أن العلاء حدثه أن الهادى أمير المؤمنين لما ورد عليه خلع أهل فخ حلاليله يكتب كتابا بخطه فاغتم بخلوته مواليه وخاصته فدسوا غلاما له فقالوا اذهب حتى تنظر إلى أي شئ انتهى الخبر قال فدنا من موسى فلما رآه قال مالك فاعتل عليه قال فأطرق ثم رفع رأسه إليه فقال رقد الالى ليس السرى من شأنهم * وكفاهم الادلاج من لم يرقد وذكر أحمد بن معاوية بن بكر الباهلى قال حدثنا الاصمعي قال قال محمد بن سليمان ليلة فخ لعمرو بن أبى عمرو المدنى وكان يرمى بين يديه بين الهدفين ارم قال لا والله لا أرمى ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم إنى إنما صحبتك لارمي بين يديك بين الهدفين ولم أصحبك لارمي المسلمين قال فقال المخزومى ارم فرمى فما مات إلا بالبرص قال ولما قتل الحسين بن على وجاء برأسه يقطين بن موسى فوضع بين يدى الهادى قال كأنكم والله جئتم برأس طاغوت من الطواغيت إن أقل ما أجزيكم به أن أحرمكم جوائزكم قال فحرمهم ولم يعطهم شيئا وقال موسى الهادى لما قتل الحسين متمثلا فد أنصف القارة من راماها * إنا إذا ما فئة نلقاها * نرد أولاها على أخراها وغزا الصائفة في هذه السنة معيوف بن يحيى من درب الراهب وقد كانت الروم أقبلت مع البطريق إلى الحدث فهرب الوالى والجند وأهل الاسواق فدخلها العدو ودخل أرض العدو معيوف بن يحيى فبلغ مدينة أشنة فأصابوا سبايا

[ 421 ]

وأسارى وغنموا (وحج) بالناس في هذه السنة سليمان بن أبى جعفر المنصور وكان على المدينة عمر بن عبد العزيز العمرى وعلى مكة والطائف عبيد الله بن قثم وعلى اليمن إبراهيم بن سلم بن قتيبة وعلى اليمامة والبحرين سويد بن أبى سويد القائد الخراساني وعلى عمان الحسن بن تسنيم الحوارى وعلى صلاة الكوفة وأحداثها وصدقاتها وبهقباذ الاسفل موسى بن عيسى وعلى صلاة البصرة وأحداثها محمد بن سليمان وعلى قضائها عمر بن عثمان وعلى جرجان الحجاج مولى الهادى وعلى قومس زياد بن حسان وعلى طبرستان والرويان صالح بن شيخ ابن عميرة الاسدي وعلى أصبهان طيفور مولى الهادى ثم دخلت سنة سبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك وفاة يزيد بن حاتم بافريقية فيها ووليها بعده روح بن حاتم (وفيها) مات عبد الله بن مروان بن محمد في المطبق (وفيها) توفى موسى الهادى بعيسا باذ واختلف في السبب الذى كان به وفاته فقال بعضهم كانت وفاته من قرحة كانت في جوفه وقال آخرون كانت وفاته من قبل جوار لامه الخيزران كانت أمرتهن بقتله لاسباب نذكر بعضها ذكر الخبر عن السبب الذى من أجله كانت أمرتهن بقتله ذكر يحيى بن الحسن أن الهادى نابذ أمه ونافرها لما صارت إليه الخلافة فصارت خالصة إليه يوما فقالت إن أمك تستكسيك فأمر لها بخزانة مملوءة كسوة قال ووجد للخيزران في منزلها من قراقر الوشى ثمانية عشر ألف قرقر قال وكانت الخيزران في أول خلافة موسى تفتات عليه في أموره وتسلك به مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالامر والنهى فأرسل إليها ألا تخرجي من خفر الكفاية إلى بذاذة التبذل فإنه ليس من قدر النساء الاعتراض في أمر الملك وعليك بصلاتك وتسبيحك وتبتلك ولك بعد هذا طاعة مثلك فيما يجب لك قال وكانت الخيزران

[ 422 ]

في خلافة موسى كثيرا ما تكلمه في الحوائج فكان يجيبها إلى كل ما تسأله حتى مضى لذلك أربعة أشهر من خلافته وانثال الناس عليها وطمعوا فيها فكانت المواكب تغدو إلى بابها قال فكلمته يوما في أمر لم يجد إلى إجابتها إليه سبيلا فاعتل بعلة فقالت لا بد من إجابتى قال لا أفعل قالت فإنى قد تضمنت هذه الحاجة لعبد الله ابن مالك قال فغضب موسى وقال ويل على ابن الفاعلة قد علمت أنه صاحبها والله لا قضيتها لك قالت إذا والله لا أسألك حاجة أبدا قال إذا والله لا أبالى وحمى وغضب فقامت مغضبة فقال مكانك تستوعى كلامي والله وإلا فأنا نفى من قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد من قوادى أو أحد من خاصتي أو خدمي لا ضربن عنقه ولا قبضن ماله فمن شاء فليلزم ذلك ما هذه المواكب التى تغدو وتروح إلى بابك في كل يوم أمالك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك إياك ثم إياك ما فتحت بابك لملى أو لذمى فانصرفت ما تعقل ما تطأ فلم تنطق عنده بحلوة ولا مرة بعدها قال يحيى بن الحسن وحدثني أبى قال سمعت خالصة تقول للعباس بن الفضل بن الربيع بعث موسى إلى أمه الخيزران بأرزة وقال استبطتها فأكلت منها فكلى منها قالت خالصة فقلت لها أمسكى حتى تنظري فإنى أخاف أن يكون فيها شئ تكرهينه فجاؤا بكلب فأكل منها فتساقط لحمه فأرسل إليها بعد ذلك كيف رأيت الارزة فقالت وجدتها طيبة فقال لم تأكلي ولو أكلت لكنت قد استرحت منك متى أفلح خليفة له أم قال وحدثني بعض الهاشميين أن سبب موت الهادى كان أنه لما جد في خلع هارون والبيعة لابنه جعفر وخافت الخيزران على هارون منه دست إليه من جواريها لما مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه ووجهت إلى يحيى ين خالد إن الرجل قد توفى فاجدد في أمرك ولا تقصر وذكر محمد بن عبد الرحمن بن بشار أن الفضل ابن سعيد حدثه عن أبيه قال كان يتصل بموسى وصول القواد إلى أمه الخيزران يؤملون بكلامها في قضاء حوائجهم عنده قال وكانت تريد أن تغلب على أمره كما غلبت على أمر المهدى فكان يمنعها من ذلك ويقول ما للنساء والكلام في أمر

[ 423 ]

الرجال فلما كثر عليه مصير من يصير إليها من قواده قال يوما وقد جمعهم أيما خير أنا أو أنتم قالوا بل أنت يا أمير المؤمنين قال فأيما خير أمي أو أمهاتكم قالوا بل أمك يا أمير المؤمنين قال فأيكم يحب أن يتحدث الرجال بخبر أمه فيقولوا فعلت أم فلان وصنعت أم فلان وقالت أم فلان قالوا ما أحد منا يحب ذلك قال فما بال الرجال يأتون أمي فيتحدثون بحديثها فلما سمعوا ذلك انقطعوا عنها البتة فشق ذلك عليها فاعتزلته وحلفت ألا تكلمه فما دخلت عليه حتى حضرته الوفاة وكان السبب في إرادة موسى الهادى خلع أخيه هارون حتى اشتد عليه في ذلك وجد فيما ذكر صالح بن سليمان أن الهادى لما أفضت إليه الخلافة أقر يحيى ابن خالد على ما كان يلى هارون من عمل المغرب فأراد الهادى خلع هارون الرشيد والبيعة لابنه جعفر بن موسى الهادى وتابعه على ذلك القواد منهم يزيد بن مزيد وعبد الله بن مالك وعلى بن عيسى ومن أشبههم فخلعوا هارون وبايعوا لجعفر ابن موسى ودسوا إلى الشيعة فتكلموا في أمره وتنقصوه في مجلس الجماعة وقالوا لا نرضى به وصعب أمرهم حتى ظهر وأمر الهادى ألا يسار قدام الرشيد بحربة فاجتنبه الناس وتركوه فلم يكن أحد يجترئ أن يسلم عليه ولا يقربه وكان يحيى ابن خالد يقوم بإنزال الرشيد ولا يفارقه هو وولده فيما ذكر قال صالح وكان اسماعيل بن صبيح كاتب يحيى بن خالد فأحب أن يضعه موضعا يستعلم له فيه الاخبار وكان إبراهيم الحرانى في موضع الوزارة لموسى فاستكتب إسماعيل ورفع الخبر إلى الهادى وبلغ ذلك يحيى بن خالد فأمر اسماعيل أن يشخص إلى حران فصار إليها فلما كان بعد أشهر سأل الهادى ابراهيم الحرانى من كاتبك قال فلان كاتب وسماه فقال أليس بلغني أن اسماعيل بن صبيح كاتبك قال باطل يا أمير المؤمنين اسماعيل بحران قال وسعى إلى الهادى بيحيى بن خالد وقيل له انه ليس عليك من هارون خلاف وانما يفسده يحيى بن خالد فابعث إلى يحيى وتهدده بالقتل وأرمه بالكفر فأغضب ذلك موسى الهادى على يحيى بن خالد وذكر أبو حفص الكرماني ان محمد بن يحيى بن خالد حدثه قال بعث الهادى إلى يحيى ليلا فأيس من

[ 424 ]

من نفسه وودع أهله وتحنط وجدد ثيابه ولم يشك انه يقتله فلما أدخل عليه قال يا يحيى مالى ولك قال أنا عبدك يا أمير المؤمنين فما يكون من العبد إلى مولاه إلا طاعته قال فلم تدخل بينى وبين أخى وتفسده على قال يا أمير المؤمنين من أنا حتى أدخل بينكما إنما صيرني المهدى معه وأمرني بالقيام بأمره فقمت بما أمرنى به ثم أمرتنى بذلك فانتهيت إلى أمرك قال فما الذى صنع هارون قال ما صنع شيئا ولا ذلك فيه ولا عنده قال فسكن غضبه وقد كان هارون طاب نفسا بالخلع فقال له يحيى لا تفعل فقال أليس يترك لى الهنئ والمرئ فهما يسعاننى وأعيش مع ابنة عمى وكان هارون يجد بأم جعفر وجدا شديدا فقال له يحيى وأين هذا من الخلافة ولعلك ألا يترك هذا في يدك حتى يخرج أجمع ومنعه من الاجابة قال الكرماني فحدثني صالح بن سليمان قال بعث الهادى إلى يحيى بن خالد وهو بعيسا باذليلا فراعه ذلك فدخل عليه وهو في خلوة فأمر بطلب رجل كان أخافه فتغيب عنه وكان الهادى يريد أن ينادمه ويمنعه مكانه من هارون فنادمه وكلمه يحيى فيه فآمنه وأعطاه خاتم ياقوت أحمر في يده وقال هذا أمانة وخرج يحيى فطلب الرجل وأتى الهادى به فسر بذلك قال وحدثني غير واحد أن الرجل الذى طلبه كان ابراهيم الموصلي قال صالح بن سليمان قال الهادى يوما للربيع لا يدخل على يحيى بن خالد إلا آخر الناس قال فبعث إليه الربيع وتفرغ له قال فلما جلس من غد أذن حتى لم يبق أحد ودخل عليه يحيى وعنده عبد الصمد ابن على والعباس بن محمد وجلة أهله وقواده فما زال يدنيه حتى أجلسه بين يديه وقال له إنى كنت أظلمك وأكفرك فاجعلني في حل فتعجب الناس من اكرامه إياه وقوله فقبل يحيى يده وشكر له فقال له الهادى من الذى يقول فيك يا يحيى: لو يمس البخيل راحة يحيى * لسخت نفسه ببذل النوال قال تلك راحتك يا أمير المؤمنين لا راحة عبدك قال وقال يحيى للهادي في خلع الرشيد لما كلمه فيه يا أمير المؤمنين إنك إن حملت الناس على نكث الايمان هانت عليهم أيمانهم وإن تركتهم على بيعة أخيك ثم بايعت لجعفر من بعده كان ذلك أو كد لبيعته فقال صدقت ونصحت ولى في هذا تدبير قال الكرماني وحدثني

[ 425 ]

خزيمة بن عبد الله قال أمر الهادى بحبس يحيى بن خالد على ما أراده عليه من خلع الرشيد فرفع إليه يحيى رقعة إن عندي نصيحة فدعا به فقال يا أمير المؤمنين أخلني فأخلاه فقال يا أمير المؤمنين أرأيت إن كان الامر أسأل الله ألا نبلغه وأن يقدمنا قبله أتظن أن الناس يسلمون الخلافة لجعفر وهو لم يبلغ الحلم ويرضون به لصلاتهم وحجهم وغزوهم قال والله ما أظن ذلك قال يا أمير المؤمنين أفتأمن أن يسمو إليها أهلك وجلتهم مثل فلان وفلان ويطمع فيها غيرهم فتخرج من ولد أبيك فقال له نبهتنى يا يحيى قال وكان يقول ما كلمت أحدا من الخلفاء كان أعقل من موسى قال وقال له لو أن هذا الامر لم يعقد لاخيك أما كان ينبغى أن تعقده له فكيف بأن تحله عنه وقد عقده المهدى له ولكن أرى أن تقر هذا الامر يا أمير المؤمنين على حاله فإذا بلغ جعفر وبلغ الله به أتيته بالرشيد فخلع نفسه وكان أول من يبايعه ويعطيه صفقة يده فقال فقبل الهادى قوله ورأيه وأمر بإطلاقه وذكر الموصلي عن محمد بن يحيى قال كان عزم الهادى بعد كلام أبى له على خلع الرشيد وحمله عليه جماعة من مواليه وقواده أجابه إلى الخلع أو لم يجبه واشتد غضبه منه وضيق عليه وقال يحيى لهارون استأذنه في الخروج إلى الصيد فإذا خرجت فاستبعد ودافع الايام فرفع هارون رقعة يستأن فأذن له فمضى إلى قصر مقاتل فأقام به أربعين يوما حتى أنكر الهادى أمره وغمه احتباسه وجعل يكتب إليه ويصرفه فتعلل عليه حتى تفاقم الامر وأظهر شتمه وبسط مواليه وقواده ألسنتهم فيه والفضل ابن يحيى إذ ذاك خليفة أبيه والرشيد بالباب فكان يكتب إليه بذلك فانصرف وطال الامر قال الكرماني فحدثني يزيد مولى يحيى بن خالد قال بعثت الخيزران عاتكة ظئرا كانت لهارون إلى يحيى فشقت جيبها بين يديه وتبكى إليه وتقول له قالت لك السيدة الله الله في ابني لا تقتله ودعه يجيب أخاه إلى ما يسأله ويريده منه فبقاؤه أحب إلى من الدنيا بجمع ما فيها قال فصاح بها وقال لها وما أنت وهذا إن يكن ما تقولين فانى وولدى وأهلي سنقتل قبله فإن اتهمت عليه فلست بمتهم على نفسي ولا عليهم قال ولما لم ير الهادى يحيى بن خالد يرجع عما كان عليه لهارون بما بذل له

[ 426 ]

من اكرام ولا أقطاع ولا صلة بعث إليه يتهدده بالقتل إن لم يكف عنه قال فلم تزل تلك الحال من الخوف والخطر وماتت أم يحيى وهو في الخلد ببغداد لان هارون كان ينزل الخلد ويحيى معه وهو ولى العهد نازل في داره يلقاه في ليله ونهاره وذكر محمد بن القاسم بن الربيع قال أخبرني محمد بن عمرو الرومي قال حدثنى أبى قال جلس موسى الهادى بعد ما ملك في أول خلافته جلوسا خاصا ودعا بابراهيم بن جعفر بن أبى جعفر وابراهيم بن سلم بن قتيبة والحراني فجلسوا عن يساره ومعهم خادم له أسود يقال له أسلم ويكنى أبا سليمان وكان يثق به ويقدمه فبينا هو كذلك إذ دخل صالح صاحب المصلى فقال هارون بن المهدى فقال ائذن له فدخل فسلم عليه وقبل يديه وجلس عن يمينه بعيدا من ناحية فأطرق موسى ينظر إليه وأدمن ذلك ثم التفت إليه فقال يا هارون كأنى بك تحدث نفسك بتمام الرؤيا وتؤمل ما أنت منه بعيد ودون ذلك خرط القتاد تؤمل الخلافة قال فبرك هارون على ركبتيه وقال يا موسى إنك إن تجبرت وضعت وإن تواضعت رفعت وإن ظلمت ختلت وإنى لارجو أن يفضى الامر إلى فأنصف إن ظلمت وأصل من قطعت وأصير أولادك أعلى من أولادي وأزوجهم بناتى وأبلغ ما يجب من حق الامام المهدى قال فقال له موسى ذلك الظن بك يا أبا جعفر ادن منى فدنا منه فقبل يديه ثم ذهب يعود إلى مجلسه فقال له لا والشيخ والجليل والملك النبيل أعنى أباك المنصور لا جلست إلا معى وأجلسه في صدر المجلس معه ثم قال يا حرانى احمل إلى أخى ألف ألف دينار وإذا افتتح الخراج فاحمل إليه النصف منه واعرض عليه ما في الخزائن من مالنا وما أخذ من أهل بيت اللعنة فيأخذ جميع ما أراد قال ففعل ذلك ولما قام قال لصالح أدن دابته إلى البساط قال عمرو الرومي وكان هارون يأنس بى فقمت إليه فقلت يا سيدى ما الرؤيا التى قال لك أمير المؤمنين قال قال المهدى أريت في منامي كأنى دفعت إلى موسى قضيبا وإلى هارون قضيبا فأورق من قضيب موسى أعلاه قليلا فأما هارون فأورق قضيبه من أوله إلى آخره فدعا المهدى الحكم بن موسى الضمرى وكان يكنى أبا سفيان فقال له عبر هذه الرؤيا فقال يملكان جميعا فأما موسى فتقل أيامه وأما هارون

[ 427 ]

فيبلغ مدى ما عاش خليفة وتكون أيامه أحسن أيام ودهره أحسن دهر قال ولم يلبث إلا أياما يسيرة ثم اعتل موسى ومات وكانت علته ثلاثة أيام قال عمرو الرومي أفضت الخلافة إلى هارون فزوج حمدونة من جعفر بن موسى وفاطمة من إسماعيل بن موسى ووفى بكل ما قال وكان دهره أحسن الدهور * وذكر أن الهادى كان قد خرج إلى الحديثة حديثة الموصل فمرض بها واشتد مرضه فانصرف فذكر عمرو اليشكرى وكان في الخدم قال انصرف الهادى من الحديثة بعد ما كتب إلى جميع عماله شرقا وغربا بالقدوم عليه فلما نقل اجتمع القوم الذين كانوا بايعوا لجعفر ابنه فقالوا إن صار الامر إلى يحيى قتلنا ولم يستبقنا فتآمروا على أن يذهب بعضهم إلى يحيى بأمر الهادى فيضرب عنقه ثم قالوا لعل أمير المؤمنين يفيق من مرضه فما عذرنا عنده فأمسكوا ثم بعث الخيزران إلى يحيى تعلمه أن الرجل لمآبه وتأمره بالاستعداد لما ينبغى وكانت المستولية على أمر الرشيد وتدبير الخلافة إلى أن هلك فأحضر الكتاب وجمعوا في منزل الفضل بن يحيى فكتبوا لليلتهم كتبا من الرشيد إلى العمال بوفاة الهادى وأنهم قد ولاهم الرشيد وما كانوا يلون فلما مات الهادى أنفذوها على البرد * وذكر الفضل بن سعيد أن أباه حدثه أن الخيزران كانت قد حلفت ألا تكلم موسى الهادى وانتقلت عنه فلما حضرته الوفاة وأتاها الرسول فأخبرها بذلك فقالت وما أصنع به فقالت لها خالصة قومي إلى ابنك أيتها الحرة فليس هذا وقت تعتب ولا تغضب فقالت أعطوني ماء أتوضأ للصلاة ثم قالت أما أنا كنا نتحدث أنه يموت في هذه الليلة خليفة ويملك خليفة ويولد خليفة قال فمات موسى وملك هارون وولد المأمون قال الفضل فحدثت بهذا الحديث عبد الله بن عبيد الله فساقه لى مثل ما حدثنيه أبى فقلت فمن أين كان للخيزران هذا العلم قال إنها كانت قد سمعت من الاوزاعي * ذكر يحيى بن الحسن أن محمد بن سليمان بن على حدثه قال حدثتني عمتى زينب ابنة سليمان قالت لما مات موسى بعيسا باذ أخبرتنا الخيزران الخبر ونحن أربع نسوة أنا وأختى وأم الحسن وعائشة بنيات سليمان ومعنا ريطة أم على فجاءت خالصة فقالت لها ما فعل الناس

[ 428 ]

قالت يا سيدتي مات موسى ودفنوه قالت ان كان مات موسى فقد بقى هارون هات لى سويقا فجاءت بسويق فشربت وسقتنا ثم قالت هات لساداتي أربعمائة ألف دينار ثم قالت ما فعل ابني هارون قالت حلف ألا يصلى الظهر الا ببغداد قالت هاتوا الرحائل فما جلوسي ههنا وقد مضى فلحقته ببغداد ذكر الخبر عن وقت وفاته ومبلغ سنه وقدر ولايته ومن صلى عليه قال أبو معشر توفى موسى الهادى ليلة الجمعة للنصف من شهر ربيع الاول حدثنا بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحق وقال الواقدي مات موسى بعيسا باذ للنصف من شهر ربيع الاول وقال هشام بن محمد هلك موسى الهادى لاربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول ليلة الجمعة في سنة 170 وقال بعضهم توفى ليلة الجمعة لستة عشر يوما منه وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر وقال هشام ملك أربعة عشر شهرا وتوفى وهو ابن ست وعشرين سنة وقال الواقدي كانت ولايته سنة وشهرا واثنين وعشرين يوما وقال غيرهم توفى يوم السبت لعشر خلت من ربيع الاول أو ليلة الجمعة وهو ابن ثلاث وعشرين سنة وكانت خلافته سنة وشهرا وثلاثة وعشرين يوما وصلى عليه أخوه هارون بن محمد الرشيد وكان كنيته أبا محمد وأمه الخيزران أم ولد ودفن بعيسا باذ الكبرى في بستانه * وذكر الفضل بن اسحق أنه كان طويلا جسيما جميلا أبيض مشربا حمرة وكان بشفته العليا تقلص وكان يلقب موسى أطبق وكان ولد بالسيروان من الرى ذكر أولاده وكان له من الاولاد تسعة: سبعة ذكور وابنتان فأما الذكور أحدهم جعفر وهو الذى كان يرشحه للخلافة والعباس وعبد الله واسحق واسماعيل وسليمان وموسى بن موسى الاعمى كلهم من أمهات أولاد وكان الاعمى وهو موسى ولد بعد موت أبيه والابنتان إحداهما أم عيسى كانت عند المأمون والاخرى أم العباس بنت موسى تلقب نونة

[ 429 ]

ذكر بعض أخباره وسيره ذكر ابراهيم بن عبد السلام ابن أخى السندي أبو طوطة قال حدثنى السندي بن شاهك قال كنت مع موسى بجرجان فأتاه نعى المهدى والخلافة فركب البريد إلى بغداد ومعه سعيد بن سلم ووجهني إلى خراسان فحدثني سعيد بن سلم قال سرنا بين أبيات جرجان وبساتينها قال فسمع صوتا من بعض تلك البساتين من رجل يتغنى فقال لصاحب شرطته على بالرجل الساعة قال فقلت يا أمير المومنين ما أشبه قصة هذا الخائن بقصة سليمان بن عبد الملك قال وكيف قال قلت له كان سليمان بن عبد الملك في متنزه له ومعه حرمه فسمع من بستان آخر صوت رجل يتغنى فدعا صاحب شرطته فقال على بصاحب الصوت فأتى به فلما مثل بين يديه قال له ما حملك على الغناء وأنت إلى جنبى ومعى حرمى أما علمت أن الرماك إذا سمعت صوت الفحل حنت إليه يا غلام جبه فجب الرجل فلما كان في العام المقبل رجع سليمان إلى ذلك المتنزه فجلس مجلسه الذى فيه فذكر الرجل وما صنع به فقال لصاحب شرطته على بالرجل الذى كنا جببناه فأحضره فلما مثل بين يديه قال له إما بعت فوفيناك وإما وهبت فكا فأناك قال فوالله ما دعاه بالخلافة ولكنه قال له يا سليمان الله الله إنك قطعت نسلى فذهبت بماء وجهى وحرمتني لذتي ثم تقول إما وهبت فكافأناك وإما بعت فوفيناك لا والله حتى أقف بين يدى الله قال فقال موسى يا غلام رد صاحب الشرطة فرده فقال لا تعرض للرجل * وذكر أبو موسى هارون ابن محمد بن إسماعيل بن موسى الهادى أن على بن صالح حدثه أنه كان يوما على رأس الهادى وهو غلام وقد كان جفا المظالم عامة ثلاثة أيام فدخل عليه الحرانى فقال له يا أمير المؤمنين إن العامة لا تنقاد على ما أنت عليه لم تنظر في المظالم منذ ثلاثة أيام فالتفت إلى وقال يا على ائذن للناس على بالجفلى لا بالنقرى فخرجت من عنده أطير على وجهى ثم وقفت فلم أدر ما قال لى فقلت أراجع أمير المؤمنين فيقول أتحجبني ولا تعلم كلامي ثم أدركني ذهني فبعثت إلى أعرابي كان قد وفد وسألته عن الجفلى والنقرى فقال الجفلى جفالة والنقرى ينقر خواصهم فأمرت

[ 430 ]

بالستور فرفعت وبالابواب ففتحت فدخل الناس على بكرة أبيهم فلم يزل ينظر في المظالم إلى الليل فلما تقوض المجلس مثلت بين يديه فقال كأنك تريد أن تذكر شيئا يا على قلت نعم يا أمير المؤمنين كلمتني بكلام لم أسمعه قبل يومى هذا وخفت مراجعتك فتقول أتحجبني وأنت لم تعلم كلامي فبعثت إلى أعرابي كان عندنا ففسر لى الكلام فكافئه عنى يا أمير المؤمنين قال نعم مائة ألف درهم تحمل إليه فقلت له يا أمير المؤمنين إنه أعرابي جلف وفى عشرة آلاف درهم ما أغناه وكفاه فقال ويلك يا على أجود وتبخل قال وحدثني على بن صالح قال ركب الهادى يوما يريد عيادة أمه الخيزران من علة كانت وجدتها فاعترضه عمر بن بزيع فقال له يا أمير المومنين ألا أدلك على وجه هو أعود عليك من هذا فقال وما هو يا عمر قال المظالم لم تنظر فيها منذ ثلاث قال فأومأ إلى المطرقة أن يميلوا إلى دار المظالم ثم بعث إلى الخيزران بخادم من خدمه يعتذر إليها من تخلفه وقال قل لها إن عمر بن بزيع أخبرنا من حق الله بما هو أوجب علينا من حقك فملنا إليه ونحن عائدون اليك في غد إن شاء الله * وذكر عن عبد الله بن مالك أنه قال كنت أتولى الشرطة للمهدى وكان المهدى يبعث إلى ندماء الهادى ومغنيه ويأمرني بضربهم وكان الهادى يسألنى الرفق بهم والترفيه لهم ولا ألتفت إلى ذلك وأمضى لما أمرنى به المهدى قال فلما ولى الهادى الخلافة أيقنت بالتلف فبعث إلى يوما فدخلت عليه متكفنا متحنطا وإذا هو على كرسى والسيف والنطع بين يديه فسلمت فقال لا سلم الله على الآخر تذكر يوم بعثت اليك في أمر الحرانى وما أمر أمير المؤمنين به من ضربه وحبسه فلم تجبني وفى فلان وفلان فجعل يعدد ندماءه فلم تلتفت إلى قولى ولا أمرى قلت نعم يا أمير المؤمنين أفتأذن في استيفاء الحجة قال نعم قلت ناشدتك بالله يا أمير المؤمنين أيسرك أنك وليتني ما ولاني أبوك فأمرتني بأمر فبعث إلى بعض بنيك بأمر يخالف به أمرك فاتبعت أمره وعصيت أمرك قال لا قلت فكذلك أنا لك وكذا كنت لابيك فاستدناني فقبلت يديه فأمر بخلع فصبت على وقال قد وليتك ما كنت تتولاه فامض راشدا فخرجت من عنده

[ 431 ]

فصرت إلى منزلي مفكرا في أمرى وآمره وقلت حدث يشرب والقوم الذين عصيته في أمرهم ندماؤه ووزراؤه وكتابه فكأني بهم حين يغلب عليهم الشراب قد أزالو ارأيه في وحملوه من أمرى على ما كنت أكره وأتخوفه قال فإنى لجالس وبين يدى بنية لى في وقتى ذلك والكانون بين يدى ورقاق أشطره بكامخ وأسخنه وأضعه للصبية وإذا ضجة عظيمة حتى توهمت أن الدنيا قد اقتلعت وتزلزلت بوقع الحوافر وكثرة الضوضاء فقلت هاه كان والله ما ظننت ووافاني من أمره ما تخوفت فإذا الباب قد فتح وإذا الخدم قد دخلوا وإذا أمير المؤمنين الهادى على حمار في وسطهم فلما رأيته وثبت عن مجلسي مبادرا فقبلت يده ورجله وحافر حماره فقال لى يا عبد الله إنى فكرت في أمرك فقلت يسبق إلى قلبك أنى إذا شربت وحولي أعداؤك أزالوا ما حسن من رأيى فيك فأقلقك وأوحشك فصرت إلى منزلك لاونسك وأعلمك أن السخيمة قد زالت عن قلبى لك فهات فأطعمني مما كنت تأكل فافعل فيه ما كنت تفعل لتعلم أنى قد تحرمت بطعامك وأنست بمنزلك فيزول خوفك ووحشتك فأدنيت إليه ذلك الرقاق والسكرجة التى فيها الكامخ فأكل منها ثم قال هاتوا الزلة التى أزللتها لعبد الله من مجلسي فأدخلت إلى أربعمائة بغل موقرة دراهم وقال هذه زلتك فاستعن بها على أمرك واحتفظ لى هذه البغال عندك لعلى أحتاج إليها يوما لبعض أسفاري ثم قال أظلك الله بخير وانصرف راجعا * فذكر موسى بن عبد الله أن أباه أعطاه بستانه الذى كان وسط داره ثم بنى حوله معالف لتلك البغال وكان هو يتولى النظر إليها والقيام عليها أيام حياة الهادى كلها * وذكر محمد بن عبد الله بن يعقوب بن داود ابن طهمان السلمى قال أخبرني أبى قال كان على بن عيسى بن ماهان يغضب غضب الخليفة ويرضى رضى الخليفة وكان أبى يقول ما لعربي ولا لعجمي عندي ما لعلى بن عيسى فانه دخل إلى الحبس وفى يده سوط فقال أمرنى أمير المؤمنين موسى الهادى أن أضربك مائة سوط قال فأقبل يضعه على يدى ومنكبي يمسني به مسا إلى أن عد مائة وخرج فقال له ما صنعت بالرجل قال صنعت به ما أمرت

[ 432 ]

قال فما حاله قال مات قال إنا لله وإنا إليه راجعون ويلك فضحتني والله عند الناس هذا رجل صالح يقول الناس قتل يعقوب بن داود قال فلما رأى شدة جزعه قال هو حى يا أمير المؤمنين لم يمت قال الحمد لله على ذلك قال وكان الهادى قد استخلف حجابته بعد الربيع ابنه الفضل فقال له لا تحجب عنى الناس فان ذلك يزيل عنى البركة ولا تلق إلى أمرا إذا كشفته أصبته باطلا فان ذلك يوقع الملك ويضر بالرعية وقال موسى بن عبد الله أتى موسى برجل فجعل يقرعه بذنوبه ويتهدده فقال له الرجل يا أمير المؤمنين اعتذاري مما تقر عنى به رد عليك واقراري يوجب على ذنبا ولكني أقول فإن كنت ترجو في العقوبة رحمة * قلا تزهدن عند المعافاة في الاجر قال فأمر بإطلاقه * وذكر عمر بن شبة أن سعيد بن سلم كان عند موسى الهادى فدخل عليه وفد اليوم وعلى سعيد بن سلم قلنسوة وكان قد صلع وهو حدث فقال له موسى ضع قلنسوتك حتى تتشايخ بصلعتك * وذكر يحيى بن الحسن بن عبد الخالق أن أباه حدثه قال خرجت إلى عيساباذ أريد الفضل بن الربيع فلقيت موسى أمير المؤمنين وهو خليفة وأنا لا أعرفه فإذا هو في غلالة على فرس وبيده قناة لا يدرك أحدا إلا طعنه فقال لى يا ابن الفاعلة قال فرأيت انسانا كأنه صنم وكنت رأيته بالشأم وكان فخذاه كفخذي بعير فضربت يدى إلى قائم السيف فقال لى رجل ويلك أمير المؤمنين فحركت دابتي وكان شهريا حملني عليه الفضل بن الربيع وكان اشتراه بأربعة آلاف درهم فدخلت دار محمد بن القاسم صاحب الحرس فوقف على الباب وبيده القناة وقال اخرج يا ابن الفاعلة فلم أخرج ومر فمضى قلت للفضل فانى رأيت أمير المؤمنين وكان من القصة كذا وكذا فقال لا أرى لك وجها إلا ببغداد إذا جئت أصلى الجمعة فالقني قال فما دخلت عيساباذ حتى هلك الهادى * وذكر الهيثم بن عروة الانصاري أن الحسين بن معاذ بن مسلم وكان رضيع موسى الهادى قال لقد رأيتنى أخلو مع موسى فلا أجد له هيبة في قلبى عند الخلوة لما كان يبسطني وصار عنى فأصرعه غير هائب له وأضرب به الارض فإذا تلبس لبسة

[ 433 ]

الخلافة ثم جلس مجلس الامر والنهى قمت على رأسه فوالله ما أملك نفسي من الرعدة والهيبة له * وذكر يحيى بن الحسن بن عبد الخالق أن محمد بن سعيد بن عمر ابن مهران حدثه عن أبيه عن جده قال كانت المرتبة لابراهيم بن سلم بن قتيبة عند الهادى فمات ابن لابراهيم يقال له سلم فأتاه موسى الهادى يعزيه عنه على حمار أشهب لا يمنع مقبل ولا يرد عنه مسلم حتى نزل في رواقه فقال له يا ابراهيم سرك وهو عدو وفتنة وحزنك وهو صلاة ورحمة فقال يا أمير المؤمنين ما بقى منى جزء كان فيه حزن إلا وقد امتلا عزاء قال فلما مات ابراهيم صارت المرتبة لسعيد بن سلم بعده * وذكر عمر بن شبة أن على بن الحسين بن على بن الحسين ابن على بن أبى طالب كان يلقب بالجزرى تزوج رقية بنت عمرو العثمانية وكانت تحت المهدى فبلغ ذلك موسى الهادى في أول خلافته فأرسل إليه فجهله وقال أعياك النساء إلا امرأة أمير المؤمنين فقال ما حرم الله على خلقه إلا نساء جدى صلى الله عليه وسلم فأما غيرهن فلا ولا كرامة فشجه بمخصرة كانت في يده وأمر بضربه خمسمائة سوط فضرب وأراده أن يطلقها فلم يفعل فحمل من بين يديه في نطع فألقى ناحية وكان في يده خاتم سرى فرآه بعض الخدم وقد غشى عليه من الضرب فأهوى إلى الخاتم فقبض على يد الخادم فدقها فصاح وأتى موسى فأراه يده فاستشاط وقال يفعل هذا بخادمي مع استخفافه بأبى وقوله لى وبعث إليه ما حملك على ما فعلت قال قل له وسله ومره أن يضع يده على رأسك وليصدقك ففعل ذلك موسى فصدقه الخادم فقال أحسن والله أنا أشهد أنه ابن عمى لو لم يفعل لا نتفيت منه وأمر بإطلاقه * وذكر أبو ابراهيم المؤذن أن الهادى كان يثب على الدابة وعليه درعان وكان المهدى يسميه ريحانتي * وذكر محمد بن عطاء بن مقدم الواسطي أن أباه حدثه أن المهدى قال لموسى يوما وقد قدم إليه زنديق فاستتابه فأبى أن يتوب فضرب عنقه وأمر بصلبه يا بنى إن صار لك هذا الامر فتجرد لهذه العصابة يعنى أصحاب مانى فانها فرقة تدعو الناس إلى ظاهر حسن كاجتناب الفواحش والزهد في الدنيا والعمل للآخرة ثم تخرجها إلى تحريم اللحم ومس

[ 434 ]

الماء الطهور وترك قتل الهوام تحرجا وتحوبا ثم تخرجها من هذه إلى عباده اثنين أحدهما النور والآخر الظلمة ثم تبيح بعد هذا نكاح الاخوات والبنات والاغتسال بالبول وسرقة الاطفال من الطرق لتنقذهم من ضلال الظلمة إلى هداية النور فارفع فيها الخشب وجرد فيها السيف وتقرب بأمرها إلى الله لا شريك له فانى رأيت جدك العباس في المنام قلدني بسيفين وأمرني بقتل أصحاب الاثنين قال فقال موسى بعد أن مضت من أيامه عشرة أشهر أما والله لئن عشت لاقتلن هذه الفرقة كلها حتى لا أترك منها عينا تطرف ويقال إنه أمر أن يهيأ له ألف جذع فقال هذا في شهر كذا ومات بعد شهرين * وذكر أيوب بن عنابة أن موسى بن صالح بن شيخ حدثه أن عيسى بن دأب كان أكثر أهل الحجاز أدبا وأعذبهم ألفاظا وكان قد حظى عند الهادى حظوة لم تكن عنده لاحد وكان يدعو له بمتكإ وما كان يفعل ذلك بأحد غيره في مجلسه وكان يقول ما استطلت بك يوما ولا ليلة ولا غبت عن عينى إلا تمنيت ألا أرى غيرك وكان لذيذ المفاكهة طيب المسامرة كثير النادرة جيد الشعر حسن الانتزاع له قال فأمر له ذات ليلة بثلاثين ألف دينار فلما أصبح ابن دأب وجه قهرمانه إلى باب موسى وقال له الق الحاجب وقل له يوجه الينا بهذا المال فلقى الحاجب فأبلغه رسالته فتبسم وقال هذا ليس إلى فانطلق إلى صاحب التوقيع ليخرج له كتابا إلى الديوان فتدبره هناك ثم تفعل فيه كذا وكذا فرجع إلى ابن دأب فأخبره فقال دعها ولا تعرض لها ولا تسأل عنها قال فبينا موسى في مستشرف له ببغداد إذ نظر إلى ابن دأب قد أقبل وليس معه إلا غلام واحد فقال لابراهيم الحرانى أما ترى ابن دأب ما غير من حاله ولا تزين له وقد بررناه بالامس ليرى أثرنا عليه فقال له ابراهيم فان أمرنى أمير المؤمنين عرضت له بشئ من هذا قال لا هو أعلم بأمره ودخل ابن دأب فأخذ في حديثه إلى أن عرض له موسى بشئ من أمره فقال أرى ثوبك غسيلا وهذا شتاء يحتاج فيه إلى الجديد اللين فقال يا أمير المؤمنين باعى قصير عما أحتاج إليه قال وكيف وقد صرفنا اليك من برنا

[ 435 ]

ما ظننا أن فيه صلاح شأنك قال ما وصل إلى ولا قبضته فدعا صاحب بيت مال الخاصة فقال عجل له الساعة ثلاثين ألف دينار فأحضرت وحملت بين يديه * وذكر على بن محمد أن أباه حدثه عن على بن يقطين قال إنى لعند موسى ليلة مع جماعة من أصحابه إذ أتاه خادم فساره بشئ فنهض سريعا وقال لا تبرحوا ومضى فأبطأ ثم جاء وهو يتنفس فألقى بنفسه على فراشه يتنفس ساعة حتى استراح ومعه خادم يحمل طبقا مغطى بمنديل فقام بين يديه فأقبل يرعد فعجبنا من ذلك ثم جلس وقال للخادم ضع ما معك فوضع الطبق وقال ارفع المنديل فرفعه فإذا في الطبق رأسا جاريتين لم أر والله أحسن من وجوههما قط ولا من شعورهما وإذا على رؤسهما الجوهر منظوم على الشعر وإذا رائحة طيبة تفوح فأعظمنا ذلك فقال أتدرون ما شأنهما قلنا لا قال بلغنا أنهما تتحابان قد اجتمعتا على الفاحشة فوكلت هذا الخادم بهما ينهى إلى أخبارهما فجاءني فأجبرني أنهما قد اجتمعتا فجئت فوجدتهما في لحاف واحد على الفاحشة فقتلتهما ثم قال يا غلام ارفع الرأسين قال ثم رجع في حديثه كأن لم يصنع شيئا * وذكر أبو العباس بن أبى مالك اليمامى أن عبد الله بن محمد البواب فال كنت أحجب الهادى خليفة الفضل بن الربيع قال فإنه ذات يوم جالس وأنا في داره وقد تغدى ودعا بالنبيذ وقد كان قبل ذلك دخل على أمه الخيزران فسألته أن يولى خاله الغطريف اليمن فقال أذكريني به قبل أن أشرب قال فلما عزم على الشرب وجهت إليه منيرة أو زهرة تذكره فقال ارجعي فقولي اختاري له طلاق ابنته عبيدة أو ولاية اليمن فلم تفهم إلا قوله اختاري له فمرت فقالت قد اخترت له ولاية اليمن فطلق ابنته عبيدة فسمع الصياح فقال ما لكم فأعلمته الخبر فقال أنت أخترت له فقالت ما هكذا أديت إلى الرسالة عنك قال فأمر صالحا صاحب المصلى أن يقف بالسيف على رؤس الندماء ليطلقوا نساءهم فخرج إلى بذلك الخدم ليعلموني ألا آذن لاحد قال وعلى الباب رجل واقف متلفع بطيلسانه يراوح بين قدميه فعن لى بيتان فأنشدتهما وهما خليلي من سعد ألما فسلما * على مريم لا يبعد الله مريما

[ 436 ]

وقولا لها هذا الفراق عزمته * فهل من نوال بعد ذاك فيعلما قال فقال لى الرجل المتلفع بطيلسانه فنعلما فقلت ما الفرق بين يعلما ونعلما فقال إن الشعر يصلحه معناه ويفسده معناه ما حاجتنا إلى أن يعلم الناس أسرارنا فقلت له أنا أعلم بالشعر منك قال فلمن الشعر قلت للاسود بن عمارة النوفلي فقال لى فأنا هو فدنوت منه فأخبرته خبر موسى واعتذرت إليه من مراحعتى إياه قال فصرف دابته وقال هذا أحق منزل بأن يترك قال مصعب الزبيري قال أبو المعافى أنشدت العباس بن محمد مديحا في موسى وهارون يا خيزران هناك ثم هناك * إن العباد يسوسهم إبناك قال فقال لى إنى أنصحك قال اليماني لا تذكر أمي بخير ولا بشر * وذكر أحمد بن صالح بن أبى فنن قال حدثنى يوسف الصيقل الشاعر الواسطي قال كنا عند الهادى بجرجان قبل الخلافة ودخوله بغداد فصعد مستشرفا له حسنا فغنى بهذا الشعر واستقلت رجالهم * بالردينى شرعا فقال كيف هذا الشعر فأنشدوه فقال كنت أشتهى أن يكون هذا الغناء في شعرأرق من هذا اذهبوا إلى يوسف الصيقل حتى يقول فيه قال فأتوني فأخبروني الخبر فقلت لا تلمني أن أجزعا * سيدى قد تمنعا وابلائي إن كان ما * بيننا قد تقطعا إن موسى بفضله * جمع الفضل أجمعا قال فنظر فإذا بعير أمامه فقال أو قروا هذا دراهم ودنانير واذهبوا بها إليه قال فأتوني بالبعير موقرا * وذكر محمد بن سعد قال حدثنى أبو زهير قال كان ابن دأب أحظى الناس عند الهادى فخرج الفضل بن الربيع يوما فقال إن أمير المؤمنين يأمر من ببابه بالانصراف فأما أنت يا ابن دأب فادخل قال ابن دأب فدخلت عليه وهو منبطح على فراشه وإن عينيه لحمراوان من السهر وشرب الليل فقال لى

[ 437 ]

حدثنى بحديث في الشراب فقلت نعم يا أمير المؤمنين خرجت رجلة من كنانة ينتجعون الخمر من الشأم فمات أخ لاحدهم فجلسوا عند قبره يشربون فقال أحدهم لا تصرد هامة من شربها * أسقه الخمر وإن كان قبر أسق أوصالا وهاما وصدى * قاشعا يقشع قشع المبتكر كان حرا فهوى فيمن هوى * كل عود وفنون منكسر قال فدعا بدواة فكتبها ثم كتب إلى الحرانى بأربعين ألف ألف درهم وقال عشرة آلاف لك وثلاثون ألف للثلاثة الابيات قال فأتيت الحرانى فقال صالحنا على عشرة آلاف على أنك تحلف لنا ألا تذكرها لامير المؤمنين فحلفت ألا أذكرها لامير المؤمنين حتى يبدأني فمات ولم يذكرها حتى أفضت الخلافة إلى الرشيد * وذكر أبو دعامة أن سلم بن عمرو الخاسر مدح موسى الهادى فقال بعيساباذ حر من قريش * على جنباته الشرب الرواء يعوذ المسلمون بحقوتيه * إذا ماكان خوف أو رجاء وبالميدان دور مشرفات * يشيدهن قوم أدعياء وكم من قائل إنى صحيح * وتأباه الخلائق والرواء له حسب يضن به ليبقى * وليس لما يضن به بقاء على الضبى لوم ليس يخفى * يغطيه فينكشف الغطاء لعمري لو أقام أبو خديج * بناء الدار ما انهدم البناء قال وقال سلم الخاسر لما تولى الهادى الخلافة بعد المهدى لقد فاز موسى بالخلافة والهدى * ومات أمير المؤمنين محمد فمات الذى عم البرية فقده * وقام الذى يكفيك من يتفقد وقال أيضا تخفى الملوك لموسى عند طلعته * مثل النجوم لقرن الشمس إذ طلعا وليس خلق يرى بدرا وطلعته * من البرية إلا ذل أو خضعا وقال أيضا

[ 438 ]

لولا الخليفة موسى بعد والده * ما كان للناس من مهديهم خلف ألا ترى أمة الامي واردة * كأنها من نواحى البحر تغترف من راحتي ملك قد عم نائله * كأن نائله من جوده سرف وذكر إدريس بن أبى حفصة أن مروان بن أبى حفصة حدثه قال لما ملك موسى الهادى دخلت عليه فأنشدته إن خلدت بعد الامام محمد * نفسي لما فرحت بطول بقائها قال ومدحت فقلت فيه بسبعين ألفا شد ظهرى وراشنى * أبوك وقد عاينت من ذاك مشهدا وإنى أمير المؤمنين لواثق * بأن لا يرى شربى لديك مصردا فلما أنشدته قال ومن يبلغ مدى المهدى ولكنا سنبلغ رضاك قال وعاجلته المنية فلم يعطنى شيئا ولا أخذت من أحد درهما حتى قام الرشيد * وذكر هارون ابن موسى القروى قال حدثنى أبو غزية عن الضحاك بن معن السلمى قال دخلت على موسى فأنشدته يا منزلي شجو الفؤاد تكلما * فلقد أرى بكما الرباب وكلثما ما منزلان على التقادم والبلى * أبكى لما تحت الجوانح منكما رد السلام على كبير شاقه * طللان قد درسها فهاج فسلما قال ومدحته فيها فلما بلغت سبط الانامل بالفعال أحاله * أن ليس يترك في الخزائن درهما التفت إلى احمد الخازن فقال ويحك يا احمد كأنه نظر الينا البارحة قال وكان قد أخرج تلك الليلة مالا كثيرا ففرقه * وذكر عن اسحاق الموصلي أو غيره عن إبراهيم قال كنا يوما عند موسى وعنده ابن جامع ومعاذ بن الطبيب وكان أول يوم دخل علينا معاذ وكان معاذ حاذقا بالاغانى عارفا بأقدمها فقال من أطربني منكم فله حكمه فغناه ابن جامع غناء فلم يحركه وفهمت غرضه في الاغانى فقال هات يا إبراهيم فغنيته

[ 439 ]

سليمى أجمعت بينا * فأين نقولها أينا فطرب حتى قام من مجلسه ورفع صوته وقال أعد فأعدت فقال هذا غرضي فاحتكم فقلت يا أمير المؤمنين حائط عبد الملك وعينه الخرارة فدارت عيناه في رأسه حتى صارتا كأنهما جمر تان ثم قال يا ابن اللخناء أردت أن تسمع العاة أنك طربتني وأنى حكمتك فأقطعتك أما والله لولا بادرة جهلك التى غلبت على صحيح عقلك لضربت الذى فيه عيناك ثم أطرق هنيئة فرأيت ملك الموت بينى وبينه ينتظر أمره ثم دعا إبراهيم الحرانى فقال خذ بيد هذا الجاهل فأدخله بيت المال فليأخذ منه ما شاء فأدخلني الحرانى بيت المال فقال كم تأخذ قلت مائة بدرة قال دعني أؤامره قال قلت فثمانين قال حتى أؤامره فعملت ما أراد فقلت سبعين بدرة لى وثلاثين لك قال الآن جئت بالحق فشأنك فانصرفت بسعمائة ألف وانصرف ملك الموت عن وجهى وذكر على بن محمد قال حدثنى صالح بن على بن عطية الاضخم عن حكم الوادي قال كان الهادى يشتهى من الغناء الوسط الذى يقل ترجيعه ولا يبلغ أن يستخف به جدا قال فبينا نحن ليلة عنده وعنده ابن جامع والموصلي والزبير ابن دحمان والغنوي إذ دعا بثلاث بدور وأمر بهن فوضعن في وسط المجلس ثم ضم بعضهن إلى بعض وقال من غناني صوتا في طريقي الذى أشتهيه فهن له كلهن قال وكان فيه خلق حسن كان إذا كره شيئا لم يوقف عليه وأعرض عنه فغناه ابن جامع فأعرض عنه وغنى القوم كلهم فأقبل يعرض حتى تغنيت فوافقت ما يشتهى فصاح أحسنت أحسنت اسقوني فشرب وطرب فقمت فجلست على البدور وعلمت انى قد حويتها فحضر ابن جامع فأحسن المحضر وقال يا أمير المؤمنين هو والله كما قلت وما منا أحد إلا وقد ذهب عن طريقك غيره قال فقال هي لك وشرب حتى بلغ حاجته على الصوت ونهض فقال مروا ثلاثة من الفراشين يحملونها معه فدخل وخرجنا نمشي في الصحن منصرفين فلحقني ابن جامع فقلت جعلت فداك يا أبا القاسم فعلت ما يفعل مثلك في نسبك فانظر فيها بما شئت فقال هنأك الله وددنا أنا زد ناك ولحقنا الموصلي فقال أجزنا فقلت ولم لم تحسن محضرك

[ 440 ]

لا والله ولا درهما واحدا وذكر محمد بن عبد الله قال قال لى سعيد القارئ العلاف وكان صاحب أبان القارئ إنه كان عند موسى جلساؤه فيهم الحرانى وسعيد بن سلم وغيرهما وكانت جارية لموسى تسقيهم وكانت ماجنة فكانت تقول لهذا يا جلفي وتعبث بهذا وهذا ودخل يزيد بن مزيد فسمع ما تقول لهم فقال لها والله الكبير لئن قلت لى مثل ما تقولين لهم لاضربنك ضربة بالسيف فقال لها موسى ويلك إنه والله يفعل ما يقول فإياك قال فأمسكت عنه ولم تعابثه قط قال وكان سعيد العلاف وأبان القارئ أباضيين وذكر أحمد بن إبراهيم بن اسماعيل بن داود الكاتب قال حدثنى ابن القداح قال كانت للربيع جارية يقال لها أمة العزيز فائقة الجمال ناهدة الثديين حسنة القوام فأهداها إلى المهدى فلما رأى جمالها وهيئتها قال هذه لموسى أصلح فوهبها له فكانت أحب الخلق إليه وولدت له بنيه الاكابر ثم إن بعض أعداء الربيع قال لموسى إنه سمع الربيع يقول ما وضعت بينى وبين الارض مثل أمة العزيز فغار موسى من ذلك غيرة شديدة وحلف ليقتلن الربيع فلما استخلف دعا الربيع في بعض الايام فتغدى معه وأكرمه وناوله كأسا فيها شراب عسل قال فقال الربيع فعلمت أن نفسي فيها وأنى إن رددت الكأس ضرب عنقي مع ما قد علمت أن في قلبه على من دخولي على أمه وما بلغه عنى ولم يسمع منى عذرا فشربتها وانصرف الربيع إلى منزله فجمع ولده وقال لهم إنى ميت في يومى هذا أو من غد فقال له ابنه الفضل ولم تقول هذا جعلت فداك فقال إن موسى سقاني شربة سم بيده فأنا أجد عملها في بدنى ثم أوصى بما أراد ومات في يومه أو من غده ثم تزوج الرشيد أمة العزيز بعد موت موسى الهادى فأولدها على بن الرشيد وزعم الفضل بن سليمان ابن إسحاق الهاشمي أن الهادى لما تحول إلى عيساباذ في أول السنة التى ولى الخلافة فيها عزل الربيع عما كان يتولاه من الوزارة وديوان الرسائل وولى مكانه عمر ابن بزيع وأقر الربيع على الزمام فلم يزل عليه إلى أن توفى الربيع وكانت وفاته بعد ولاية الهادى بأشهر وأوذن بموته فلم يحضر جنازته وصلى عليه هارون الرشيد وهو يومئذ ولى عهد وولى موسى مكان الربيع إبراهيم بن ذكوان الحرانى واستخلف

[ 441 ]

على ما تولاه اسماعيل بن صبيح ثم عزله واستخلف بحيى بن سليم وولى اسماعيل زمام ديوان الشأم وما يليها وذكر يحيى بن الحسن بن عبد الخالق خال الفضل بن الربيع أن أباه حدثه أن موسى الهادى قال أريد قتل الربيع فما أدرى كيف أفعل به فقال له سعيد بن سلم تأمر رجلا باتخاذ سكين مسموم وتأمر بقتله ثم تأمر بقتل ذلك الرجل قال هذا الرأى فأمر رجلا فجلس له في الطريق وأمره بذلك فخرج بعض خلفاء الربيع فقال له إنه قد أمر فيك بكذا وكذا فأخذ في غير ذلك الطريق فدخل منزله فتمارض فمرض بعد ذلك ثمانية أيام فمات ميتة نفسه وكانت وفاته سنة 169 وهو الربيع بن يونس خلافة هارون الرشيد بويع للرشيد هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس بالخلافة ليلة الجمعة الليلة التى توفى فيها أخوه موسى الهادى وكانت سنه يوم ولى اثنتين وعشرين سنة وقيل كان يوم بويع بالخلافة ابن إحدى وعشرين سنة وأمه أم ولد يمانية جرشية يقال لها خيزران وولد بالرى لثلاث بقين ذى الحجة سنة 145 في خلافة المنصور وأما البرامكة فإنها فيما ذكر تزعم أن الرشيد ولد أول يوم من المحرم سنة 149 وكان الفضل بن يحيى ولد قبله بسبعة أيام وكان مولد الفضل لسبع بقين من ذى الحجة سنة 148 فجعلت أم الفضل ظئرا للرشيد وهى زينب بنت منير فأرضعت الرشد بلبان الفضل وأرضعت الخيزران الفضل بلبان الرشيد وذكر سليمان بن أبى شيخ أنه لما كان الليلة التى توفى فيها موسى الهادى أخرج هرثمة بن أعين هارون الرشيد ليلا فأقعده للخلافة فدعا هارون يحيى بن خالد بن برمك وكان محبوسا وقد كان عزم موسى على قتله وقتل هارون الرشيد في تلك الليلة قال فحضر يحيى وتقلد الوزارة ووجه إلى يوسف بن القاسم بن صبيح الكاتب فأحضره وأمره بإنشاء الكتب فلما كان غداة تلك الليلة وحضر القواد فام يوسف بن القاسم فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد صلى الله عليه وسلم ثم

[ 442 ]

تكلم بكلام أبلغ فيه وذكر موت موسى وقيام هارون بالامر من بعده وما أمر به للناس من الاعطيات وذكر أحمد بن القاسم أنه حدثه عمه على بن يوسف بن القاسم هذا الحديث فقال حدثنى يزيد الطبري مولانا أنه كان حاضرا يحمل دواة أبى يوسف بن القاسم فحفظ الكلام قال قال بعد الحمد لله عز وجل والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إن الله بمنه ولطفه من عليكم معاشر أهل بيت نبيه بيت الخلافة ومعدن الرسالة وإياكم أهل الطاعة من أنصار الدولة وأعوان الدعوة من نعمه التى لا تحصى بالعدد ولا تنقضي مدى الابد وأياديه التامة أن جمع ألفتكم وأعلى أمركم وشد عضدكم وأوهن عدوكم وأظهر كلمة الحق وكنتم أولى بها وأهلها فأعزكم الله وكان الله قويا عزيزا فكنتم أنصار دين الله المرتضى والذابين بسيفه المنتضى عن أهل بيت نبيه صلى الله عليه وسلم وبكم استنقذهم من أيدى الظلمة أئمة الجور والناقضين عهد الله والسافكين الدم الحرام والآكلين الفئ والمستأثرين به فاذكروا ما أعطاكم الله من هذه النعمة واحذروا أن تغيروا فيغيربكم وأن الله عز وجل استأثر بخليفته موسى الهادى الامام فقبضه إليه وولى بعده رشيدا مرضيا أمير المؤمنين بكم رؤوفا رحيما من محسنكم قبولا وعلى مسيئكم بالعفو عطوفا وهو أمتعه الله بالنعمة وحفظ له ما استرعاه إياه من أمر الامة وتولاه بما تولى به أولياءه وأهل طاعته يعدكم من نفسه الرأفة بكم والرحمة لكم وقسم أعطيا تكم فيكم عند استحقاقكم ويبذل لكم من الجائزة مما أفاء الله على الخلفاء مما في بيوت الاموال ما ينوب عن رزق كذا وكذا شهرا عير مقاص لكم بذالك فيما تستقبلون من أعطياتكم وحاملا باقى ذالك للدفع عن حريمكم وما لعله أن يحدث في النواحى والاقطار من العصاة المارقين إلى بيوت الاموال حتى تعود الاموال إلى جمامها وكثرتها والحال التى كانت عليها فاحمدوا الله وجددوا شكرا يوجب لكم المزيد من إحسانه إليكم بما جدد لكم من رأى أمير المؤمنين وتفضل به عليكم أيده الله بطاعته وارغبوا إلى الله له في البقاء ولكم به في إدامة النعماء لعلكم ترحمون واعطوا صفقة أيمانكم وقوموا إلى بيعتكم حاطكم الله وحاط عليكم وأصلح بكم وعلى أيديكم

[ 443 ]

وتولاكم ولاية عباده الصالحين وذكر يحيى بن الحسن بن عبد الخالق قال حدثنى محمد ابن هشام المخزومى قال جاء يحيى بن خالد إلى الرشيد وهو نائم في لحاف بلا إزار لما توفى موسى فقال قم يا أمير المؤمنين فقال له الرشيد كم تروعني إعجابا منك بخلافتى وأنت تعلم حالى عند هذا الرجل فإن بلغه هذا فما تكون حالى فقال له هذا الحرانى وزير موسى وهذا خاتمه قال فقعد في فراشه فقال أشر على قال فبينما هو يكلمه إذ طلع رسول آخر فقال قد ولد لك غلام فقال قد سميته عبد الله ثم قال ليحيى أشر على فقال أشير عليك أن تقعد لحالك على أرمنيته قال قد فعلت ولا والله لا صليت بعيسا باذ إلا عليها ولا صليت الظهر إلا ببغداد وإلا ورأس أبى عصمة بين يدى قال ثم لبس ثيابه وخرج فصلى عليه وقدم أبا عصمة فضرب عنقه وشد جمته في رأس قناة ودخل بها بغداد وذلك أنه كان مضى هو وجعفر بن موسى الهادى راكبين فبلغا إلى قنطرة من قناطر عيسا باذ فالتفت أبو عصمة إلى هارون فقال له مكانك حتى يجوز ولى العهد فقال هارون السمع والطاعة للامير فوقف حتى جاز جعفر فكان هذا سبب قتل أبى عصمة قال ولما صار الرشيد إلى كرسى الجسر دعا بالغواصين فقال كان المهدى وهب لى خاتما شراؤه مائة ألف دينار يسمى الجبل فدخلت على أخى وهو في يدى فلما انصرفت لحقني سليم الاسود على الكرسي فقال يأمرك أمير المؤمنين أن تعطيني الخاتم فرميت به في هذا الموضع فغاصوا فأخرجوه فسر به غاية السرور قال محمد بن اسحق الهاشمي حدثنى غير واحد من أصحابنا منهم صباح بن خاقان التميمي أن موسى الهادى كان خلع الرشيد وبايع لابنه جعفر وكان عبد الله بن مالك على الشرط فلما توفى الهادى هجم خزيمة بن خازم في تلك الليلة فأخذ جعفرا من فرشاه وكان خزيمة في خمسة آلاف من مواليه معهم السلام فقال والله لاضربن عنقك أو تخلعها فلما كان من الغد ركب الناس إلى باب جعفر فأتى به خزيمة فأقامه على باب الدار في العلو والابواب مغلقة فأقبل جعفر ينادى يا معشر المسلمين من كانت لى في عنقه بيعة فقد أحللته منها والخلافة لعمى هارون ولا حق لى فيها وكان سبب مشى عبد الله بن مالك الخزاعى إلى مكة على اللبود

[ 444 ]

لانه كان شاور الفقهاء في أيمانه التى حلف بها لبيعة جعفر فقالوا له كل يمين لك تخرج منها إلا المشى إلى بيت الله ليس فيه حيلة فحج ماشيا وحظي خزيمة بذلك عند الرشيد وذكر أن الرشيد كان ساخطا على ابراهيم الحرانى وسلام الابرش يوم مات موسى فأمر بحبسهما وقبض أموالهما فحبس ابراهيم عند يحيى بن خالد في داره فكلم فيه محمد ابن سليمان هارون وسأله الرضى عنه وتخلية سبيله والاذن له في الانحدار معه إلى البصرة فأجابه إلى ذلك (وفى هذه السنة) عزل الرشيد عمر بن عبد العزيز العمرى عن مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وما كان إليه من عملها وولى ذلك اسحاق بن سليمان بن على (وفيها) ولد محمد بن هارون الرشيد وكان مولده فيما ذكر أبو حفص الكرماني عن محمد بن يحيى بن خالد يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال من هذه النة وكان مولد المأمون قبله في ليلة الجمعة النصف من شهر ربيع الاول (وفيها) قلد الرشيد يحيى بن خالد الوزارة وقال له قد قلدتك أمر الرعية وأخرجته من عنقي اليك فاحكم في ذلك بما ترى من الصواب واستعمل من رأيت واعزل من رأيت وأمض الامور على ما ترى ودفع إليه خاتمه ففى ذلك يقول ابراهيم الموصلي: ألم تر أن الشمس كانت سقيمة * فلما ولى هارون أشرق نورها. بيمن أمين الله هارون ذى الندى * فهارون واليها ويحيى وزيرها وكانت الخيزران هي الناظرة في الامور وكان يحيى يعرض عليها ويصدر عن رأيها (وفيها) وأمر هارون بسهم ذوى القربى فقسم بين بنى هاشم السوية (وفيها) آمن من كان هاربا أو مستخفيا غير نفر من الزنادقة منهم يونس بن فروة ويزيد ابن الفيض وكان ممن ظهر من الطالبيين طبا طبا وهو ابراهيم بن اسماعيل وعلى بن الحسن بن ابراهيم بن عبد الله بن الحسن (وفيها) عزل الرشيد الثغور كلها عن الجزيرة وقنسرين وجعلها حيزا واحدا وسميت العواصم (وفيها) عمرت طرسوس على يدى أبى سليم فرج الخادم التركي ونزلها الناس (وحج) بالناس في هذه السنة هارون الرشيد من مدينة السلام فأعطى أهل الحرمين عطاء كثيرا وقسم

[ 445 ]

فيهم مالا جليلا وقد قيل إنه حج في هذه السنة وغزا فيها وفى ذلك يقول داود بن رزين: بهارون لاح النور في كل بلدة * وقام به في عدل سيرته النهج إمام بذات الله أصبح شغله * وأكثر ما يعنى به الغزو والحج تضيق عيون الناس عن نور وجهه * إذا ما بدا للناس منظره البلج وإن أمين الله هارون ذا الندى * ينيل الذى يرجوه أضعاف ما يرجو وغزا الصائفة في هذه السنة سليمان بن عبد الله البكائى وكان العامل فيها على المدينة اسحق بن سليمان الهاشمي وعلى مكة والطائف عبيد الله بن قثم وعلى الكوفة موسى ابن عيسى وخليفته عليها ابنه العباس بن موسى وعلى البصرة والبحرين والفرض وعمان واليمامة وكور الاهواز وفارس محمد بن سليمان بن على ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك قدوم أبى العباس الفضل بن سليمان الطوسى مدينة السلام منصرفا عن خراسان وكان خاتم الخلافة حين قدم مع جعفر بن محمد بن الاشعث فلما قدم أبو العباس الطوسى أخذه الرشيد منه فدفعه إلى أبى العباس ثم لم يلبث أبو العباس الا يسيرا حتى توفى فدفع الخاتم إلى يحيى بن خالد فاجتمعت ليحيى الوزارتان (وفيها) قتل هارون أبا هريرة محمد بن فروخ وكان على الجزيرة فوجه إليه هارون أبا حنيفة حرب بن قيس فقدم به مدينة السلام فضرب عنقه في قصر الخلد (وفيها) أمر هارون بإخراج من كان في مدينة السلام من الطالبيين إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم خلا العباس بن الحسن بن عبد الله بن على ابن أبى طالب وكان أبوه الحسن بن عبد الله فيمن أشخص وخرج الفضل بن سعيد الحروري فقتله أبو خالد المروروذى (وفى هذه السنة) وكان قدوم روح بن حاتم أفريقية وخرجت في هذه السنة الخيزران إلى مكة في شهر رمضان فأقامت بها إلى

[ 446 ]

وقت الحج فحجت (وحج) بالناس في هذه السنة عبد الصمد بن على بن عبد الله بن العباس ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك شخوص الرشيد فيها إلى مرج القلعة مرتادا بها منزلا ينزله ذكر السبب في ذلك ذكر أن الذى دعاه إلى الشخوص إليها أنه استثقل مدينة السلام فكان يسميها البخار فخرج إلى مرج القلعة فاعتل بها فانصرف وسميت تلك السفرة سفرة المرتاد (وفيها) عزل الرشيد يزيد بن مزيد عن أرمينية وولاها عبيد الله بن المهدى * وغزا الصائفة فيها اسحاق بن سليمان بن على (وحج) بالناس في هذه السنة يعقوب ابن أبى جعفر المنصور (وفيها) وضع هارون عن أهل السواد العشر الذى كان يؤخذ منهم بعد النصف ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك وفاة محمد بن سليمان بالبصرة لليال بقين من جمادى الآخرة منها وذكر أنه لما مات محمد بن سليمان وجه الرشيد إلى كل ما خلفه رجلا أمره باصطفائه فأرسل إلى ما خلف من الصامت من قبل صاحب بيت ماله رجلا وإلى الكسوة بمثل ذلك وإلى الفرش والرقيق والدواب من الخيل والابل وإلى الطيب والجوهر وكل آلة برجل من قبل الذى يتولى كل صنف من الاصناف فقدموا البصرة فأخذوا جميع ما كان لمحمد مما يصلح للخلافة ولم يتركوا شيئا الا الخرثى الذى لا يصلح للخلفاء وأصابوا له ستين ألف ألف فحملوها مع ما حمل فلما صارت في السفن أخبر الرشيد بمكان السفن التى حملت ذلك فأمر أن يدخل جميع ذلك خزائنه الا المال فإنه أمر بصكاك فكتبت للندماء وكتبت للمغنين صكاك صغار

[ 447 ]

لم تدر في الديوان ثم دفع إلى كل رجل صكا بما رأى أن يهب له فأرسلوا وكلاءهم إلى السفن فأخذوا الامال على أمر لهم به في الصكاك أجمع لم يدخل منه بيت ماله دينار ولا درهم واصطفى ضياعه وفيها ضيعة يقال لها برشيد بالاهواز لها غلة كثيرة * وذكر على بن محمد عن أبيه قال لما مات محمد بن سليمان أصيب في خزانته لباسه مذكان صبيا في الكتاب إلى أن مات مقادير السنين فكان من ذلك ما عليه آثار النقس قال وأخرج من خزانته ما كان يهدى له من بلاد السند ومكران وكرمان وفارس والاهواز واليمامة والرى وعمان من الالطاف والادهان والسمك والحبوب والجبن وما أشبه ذلك ووجد أكثره فاسدا وكان من ذلك خمسمائة كنعدة ألقيت من دار جعفر ومحمد في الطريق فكانت بلاء قال فمكثنا حينا لا نستطيع أن نمر بالمربد من نتنها (وفيها) توفيت الخيزران أم هارون الرشيد وموسى الهادى ذكر الخبر عن وقت وفاتها ذكر يحيى بن الحسن أن أباه حدثه قال رأيت الرشيد يوم ماتت الخيزران وذلك في سنة 173 وعليه جبة سعدية وطيلسان خرق أزرق قد شدبه وسطه وهو آخذ بقائمة السرير حافيا يعدو في الطين حتى أتى مقابر قريش فغسل رجليه ثم دعا بخف وصلى عليها ودخل قبرها فلما خرج من المقبرة وضع له كرسى فجلس عليه ودعا الفضل بن الربيع فقال له وحق المهدى وكان لا يحلف بها الا إذا اجتهد انى لاهم لك من الليل بالشئ من التولية وغيرها فتمنعني أمي فأطيع أمرها فخذا لخاتم من جعفر فقال الفضل بن الربيع لاسماعيل بن صبيح أنا أجل أبا الفضل عن ذلك بأن أكتب إليه وآخذه ولكن إن رأى أن يبعث به قال وولى الفضل نفقات العامة والخاصة وبادوريا والكوفة وهى خمسة طساسيج فأقبلت حاله تنمى إلى سنة 187 وقيل إن وفاة محمد بن سليمان والخيزران كانت في يوم واحد (وفيها) أقدم الرشيد جعفر بن محمد بن الاشعث من خراسان وولاها ابنه العباس بن جعفر ابن محمد بن الاشعث (وحج) بالناس فيها هارون وذكر أنه خرج محرما من مدينة السلام

[ 448 ]

ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك ما كان بالشأم من العصبية فيها (وفيها) ولى الرشيد اسحاق بن سليمان الهاشمي السند ومكران (وفيها) استقضى الرشيد يوسف بن أبى يوسف وأبوه حى (وفيها) هلك روح بن حاتم (وفيها) خرج الرشيد إلى باقردى وبازبدى وبنى بباقردى قصرا فقال الشاعر في ذلك بقردى وبازبدى مصيف ومربع * وعذب يحاكى السلسبيل برود وبغداد ما بغداد أما ترابها * فخرء وأما حرها فشديد وغزا الصائفة عبد الملك بن صالح (وحج) بالناس فيها هارون الرشيد فبدأ بالمدينة فقسم في أهلها مالا عظيما ووقع الوباء في هذه السنة بمكة فأبطأ عن دخولها هارون ثم دخلها يوم التروية وفقضى طوافه وسعيه ولم ينزل بمكة ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك عقد الرشيد لابنه محمد بمدينة السلام من بعده ولاية عهد المسلمين وأخذ له بذلك بيعة القواد والجند تسميته إياه الامين وله يومئذ خمس سنين فقال سلم الخاسر: قد وفق الله الخليفة إذ بنى * بيت الخليفة للهجان الازهر فهو الخليفة عن أبيه وجده * شهدا عليه بمنظر وبمخبر قد بايع الثقلان في مهد الهدى * لمحمد بن زبيدة ابنة جعفر ذكر الخبر عن سبب بيعة الرشيد له وكان السبب في ذلك فيما ذكر روح مولى الفضل بن يحيى بن خالد أنه رأى عيسى بن جعفر قد صار إلى الفضل بن يحيى فقال له أنشدك الله لما عملت في البيعة لابن أختى يعنى محمد بن زبيدة بنت جعفر بن المنصور فانه ولد لك

[ 449 ]

وخلافته لك فوعده أن يفعل وتوجه الفضل على ذلك وكانت جماعة من بنى العباس قد مدوا أعناقهم إلى الخلافة بعد الرشيد لانه لم يكن له ولى عهد فلما بايع له أنكروا بيعته لصغر سنه قال وقد كان الفضل لما تولى خراسان أجمع على البيعة لمحمد * فذكر محمد بن الحسين بن مصعب أن الفضل بن يحيى لما صار إلى خراسان فرق فيهم أموالا وأعطى الجند أعطيات متتابعات ثم أظهر البيعة لمحمد بن الرشيد فبايع الناس له وسماه الامين فقال في ذلك النمري: أمست بمرو على التوفيق قد صفقت * على يد الفضل أيدى العجم والعرب ببيعة لولى العهد أحكمها * بالنصح منه وبالاشفاق والحدب قد وكد الفضل عقد الا انتقاض له * لمصطفى من بنى العباس منتخب قال فلما تناهى الخير إلى الرشيد بذلك وبايع له أهل المشرق بايع لمحمد وكتب إلى الآفاق فبويع له في جميع الامصار فقال أبان اللاحقى في ذلك: عزمت أمير المؤمنين على الرشد * برأى هدى فالحمد لله ذى الحمد وعزل فيها الرشيد عن خراسان العباس بن جعفر وولاها خاله الغطريف ابن عطاء (وفيها) صار يحيى بن عبد الله بن حسن إلى الديلم فتحرك هناك * وغزا الصائفة فيها عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح فبلغ إقريطية وقال الواقدي الذى غزا الصائفة في هذه السنة عبد الملك بن صالح قال وأصابهم في هذه الغزاة برد قطع أيديهم وأرجلهم (وحج) بالناس فيها هارون الرشيد ثم دخلت سنة ست وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك ما كان من تولية الرشيد الفضل بن يحيى كور الجبال وطبرستان ودنباوند وقومس وأرمينية وآذربيجان (وفيها) ظهر يحيى بن عبد الله بن حسن ابن حسن بن على بن أبى طالب بالديلم

[ 450 ]

ذكر الخبر عن مخرج يحيى وما كان من أمره ذكر أبو حفص الكرماني قال كان أول خبر يحيى بن عبد الله بن حسن ابن حسن بن على بن أبى طالب أنه ظهر بالديلم واشتدت شوكته وقوى أمره ونزع إليه الناس من الامصار والكور فاغتم لذلك الرشيد ولم يكن في تلك الاما يشرب النبيذ فندب إليه الفضل بن يحيى في خمسين ألف رجل ومعه صناديد القواد وولاه كور الجبال والرى وجرجان وطبرستان وقومس ودنباوند والرويان وحملت معه الاموال ففرق الكور على قواده فولى المثنى بن الحجاج ابن قتيبة بن مسلم طبرستان وولى على بن الحجاج الخزاعى جرجان وأمر له بخمسمائة ألف درهم وعسكر بالنهرين وامتدحه الشعراء فأعطاهم فأكثر وتوسل إليه الناس بالشعر ففرق فيهم أموالا كثيرة وشخص الفضل بن يحيى واستخلف منصور بن زياد بباب أمير المؤمنين تجرى كتبه على يديه وتنفذ الجوابات عنها إليه وكانوا يثقون بمنصور وابنه في جميع أمورهم لقديم صحبته لهم وحرمته بهم ثم مضى من معسكره فلم تزل كتب الرشيد تتابع إليه بالبر واللطف والجوائز والخلع فكاتب يحيى ورفق به واستماله وناشده وحذره وأشار عليه وبسط أمله ونزل الفضل بطالقان الرى ودستبى بموضع يقال له أشب وكان شديد البرد كثير الثلوج ففى ذلك يقول أبان بن عبد الحميد اللاحقى: لدور أمس بالدولا * ب حيث السبب ينعرج أحب إلى من دور * أشب إذا هم ثلج قال فأقام الفضل بهذا الموضع وواتر كتبه على يحيى وكاتب صاحب الديلم وجعل له ألف ألف درهم على أن يسهل له خروج يحيى إلى ما قبله وحملت إليه فأجاب يحيى إلى الصلح والخروج على يديه على أن يكتب له الرشيد أما نا بخطه على نسخة ببعث بها إليه فكتب الفضل بذلك إلى الرشيد قسره وعظم موقعه عنده وكتب أمانا ليحيى بن عبد الله وأشهد عليه الفقهاء والقضاء وجلة بن هاشم ومشايخهم منهم عبد الصمد بن على والعباس بن محمد ومحمد بن إبراهيم وموسى بن عيسى ومن أشبههم

[ 451 ]

ووجه به مع جوائز وكرامات وهدايا فوجه الفضل بذلك إليه فقدم يحيى بن عبد الله عليه وورد به الفضل بغداد فلقيه الرشيد بكل ما أحب وأمر له بمال كثير وأجرى له أرزاقا سنية وأنزله منزلا سريا بعد أن أقام في منزل يحيى بن خالد أياما وكان يتولى أمره بنفسه ولا يكل ذلك إلى غيره وأمر الناس بإتيانه بعد انتقاله من منزل يحيى والتسليم عليه وبلغ الرشيد الغاية في اكرام الفضل ففى ذلك يقول مروان بن أبى حفصة ظفرت فلا شلت يد برمكية * رتقت بها الفتق الذى بين هاشم على حين أعيى الراتقين التئامه * فكفوا وقالوا ليس بالمتلائم فأصبحت قد فازت يداك بخطة * من المجد باق ذكرها في المواسم وما زال قدح الملك يخرج فائزا * لكم كلما ضمت قداح المساهم قال وأنشدني أبو ثمامة الخطيب لنفسه فيه للفضل يوم الطالقان وقبله * يوم أناخ به على خاقان ما مثل يوميه اللذين تواليا * في غزوتين توالتا يومان سد الثغور ورد ألفة هاشم * بعد الشتات فشعبها متدان عصمت حكومته جماعة هاشم * من أن يجرد بينها سيفان تلك الحكومة لا التى عن لبسها * عظم النبا وتفرق الحكمان فأعطاه الفضل مائة ألف درهم وخلع عليه وتغنى إبراهيم به * وذكر أحمد ابن محمد بن جعفر عن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن قال لما قدم يحيى بن عبد الله من الديلم أتيته وهو في دار على بن أبى طالب فقلت يا عم ما بعدك مخبر ولا بعدى مخبر فأخبرني خبرك فقال يا ابن أخى والله إن كنت إلا كما قال حييى بن أخطب لعمرك مالام ابن أخطب نفسه * ولكنه من يخذل الله يخذل يجاهد حتى أبلغ النفس حمدها * وقلقل يبغى العز كل مقلقل وذكر الضبى أن شيخا من النوفليين قال دخلنا على عيسى بن جعفر وقد

[ 452 ]

وضعت له وسائد بعضها فوق بعض وهو قائم متكئ عليها وإذا هو يضحك من شئ في نفسه متعجبا منه فقلنا ما الذى يضحك الامير أدام الله سروره قال لقد دخلنى اليوم سرور ما دخلنى مثله قط فقلنا تمم الله للامير سروره وزاده سرورا فقال والله لا أحدثكم به إلا قائما واتكأ على الفرش وهو قائم فقال كنت اليوم عند أمير المؤمنين الرشيد فدعا بيحيى بن عبد الله فأخرج من السجن مكبلا في الحديد وعنده بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير وكان بكار شديد البغض لآل أبى طالب وكان يبلغ هارون عنهم ويسئ بأخبارهم وكان الرشيد ولاه المدينة وأمره بالتضييق عليهم قال فلما دعى بيحيى قال له الرشيد هيه هيه متضاحكا وهذا يزعم أيضا أنا سممناه فقال يحيى ما معنى يزعم ها هوداء لساني قال وأخرج لسانه أخضر مثل السلق قال فتربد هارون واشتد غضبه فقال يحيى يا أمير المؤمنين إن لنا قرابة ورحما ولسنا بترك ولا ديلم يا أمير المؤمنين إنا وأنتم أهل بيت واحد فأذكرك الله وقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم علام تحبسني وتعذبني قال فرق له هارون وأقبل الزبيري على الرشيد فقال يا أمير المؤمنين لا يغرك كلام هذا فانه شاق عاص وإنما هذا منه مكر وخبث إن هذا أفسد علينا مدينتنا وأظهر فيها العصيان قال فأقبل يحيى عليه فوالله ما استأذن أمير المؤمنين في الكلام حتى قال أفسد عليكم مدينتكم ومن أنتم عافاكم الله قال الزبيري هذا كلامه قدامك فكيف إذا غاب عنك يقول ومن أنتم استخفافا بنا قال فأقبل عليه يحيى فقال نعم ومن أنتم عافاكم الله المدينة كانت مهاجر عبد الله بن الزبير أم مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أنت حتى تقول أفسد علينا مدينتنا وإنما بآبائى وآباء هذا هاجر أبوك إلى المدينة ثم قال يا أمير المؤمنين إنما الناس نحن وأنتم فان خرجنا عليكم قلنا أكلتم وأجعتمونا ولبستم وأعريتمونا وركبتم وأرجلتمونا فوجدنا بذلك مقالا فيكم ووجدتم بخروجنا عليكم مقالا فينا فتكافأ فيه القول ويعود أمير المؤمنين على أهله بالفضل يا أمير المؤمنين فلم يجترئ هذا وضرباؤه على

[ 453 ]

أهل بيتك يسعى بهم عندك إنه والله ما يسعى بنا إليك نصيحة منه لك وإنه يأتينا فيسعى بك عندنا عن غير نصيحة منه لنا إنما يريد أن يباعد بيننا ويشتفي من بعض ببعض والله يا أمير المؤمنين لقد جاء إلى هذا حيث قتل أخى محمد بن عبد الله فقال لعن الله قاتله وأنشدني فيه مرثية قالها نحوا من عشرين بيتا وقال إن تحركت في هذا الامر فأنا أول من يبايعك وما يمنعك أن تلحق بالبصرة فأيدينا مع يدك قال فتغير وجه الزبير واسود فأقبل عليه هارون فقال أي شئ يقول هذا قال كاذب يا أمير المؤمنين ما كان مما قال حرف قال فأقبل على يحيى بن عبد الله فقال تروى القصيدة التى رثاه بها قال نعم يا أمير المؤمنين أصلحك الله قال فأنشدها إياه فقال الزبيري والله يا أمير المؤمنين الذى لا إله إلا هو حتى أتى على آخر اليمين الغموس ما كان مما قال شئ ولقد يقول على ما لم أقل قال فأقبل الرشيد على يحيى بن عبد الله فقال قد حلف فهل من بينة سمعوا هذه المرثية منه قال لا يا أمير المؤمنين ولكن أستحلفه بما أريد قال فاستحلفه قال فأقبل على الزبيري فقال قل أنا برئ من حول الله وقوته موكل إلى حولي وقوتى إن كنت قلته فقال الزبيري يا أمير المؤمنين أي شئ هذا من الحلف أحلف له بالله الذى لا إله إلا هو ويستحلفنى بشئ لا أدرى ما هو قال يحيى بن عبد الله يا أمير المؤمنين إن كان صادقا فما عليه أن يحلف بما أستحلفه به فقال له هارون احلف له ويلك قال فقال أنا برئ من حول الله وقوته موكل إلى حولي وقوتى قال فاضطرب منها وأرعد فقال يا أمير المؤمنين ما أدرى أي شئ هذه اليمين التى يستحلفنى بها وقد حلفت له بالله العظيم أعظم الاشياء قال فقال هارون له لتحلفن له أولا صدقن عليك ولا عاقبنك قال فقال أنا برئ من حول الله وقوته موكل إلى حولي وقوتى إن كنت قلته قال فخرج من عند هارون فضربه الله بالفالج فمات من ساعته قال فقال عيسى بن جعفر والله ما يسرني أن يحيى ما نقصه حرفا مما كان جرى بينهما ولا قصر في شئ من مخاطبته إياه قال وأما الزبير يون فيزعمون أن امرأته قتلته وهى من ولد عبد الرحمن ابن عوف وذكر إسحاق بن محمد النخعي أن الزبير بن هشام حدثه عن أبيه أن

[ 454 ]

بكار بن عبد الله تزوج امرأة من ولد عبد الرحمن بن عوف وكان له من قلبها موضع فاتخذ عليها جارية وأغارها فقالت لغلامين له زنجيين إنه قد أراد قتلكما هذا الفاسق ولا طفتهما فتعاوناني على قتله قالا نعم فدخلت عليه وهو نائم وهما جميعا معها فقعدا على وجهه حتى مات قال ثم إنها سقتهما نبيذا حتى تهوعا حول الفراش ثم أخرجتهما ووضعت عند رأسه قنينة فلما أصبح اجتمع أهله فقالت سكر فقاء فشرق فمات فأخذ الغلامان فضربا ضربا مبرحا فأقرا بقتله وأنها أمرتهما بذلك فأخرجت من الدار ولم تورث * وذكر أبو الخطاب أن جعفر بن يحيى ابن خالد حدثه ليلة وهو في سمره قال دعا الرشيد اليوم بيحيى بن عبد الله بن حسن وقد حضره أبو البخترى القاضى ومحمد بن الحسن الفقيه صاحب أبى يوسف وأحضر الامان الذى كان أعطاه يحيى فقال لمحمد بن الحسن ما تقول في هذا الامان أصحيح هو قال هو صحيح فحاجه في ذلك الرشيد فقال له محمد بن الحسن ما تصنع بالامان لو كان محاربا ثم ولى كان آمنا فاحتملها الرشيد على محمد بن الحسن ثم سأل أبا البخترى أن ينظر في الامان فقال أبو البخترى هذا منتقض من وجه كذا وكذا فقال الرشيد أنت قاضى القضاة وأنت أعلم بذلك فمزق الامان وتفل فيه أبو البخترى وكان بكار بن عبد الله بن مصعب حاضر المجلس فأقبل على يحيى ابن عبد الله بوجهه فقال شققت العصا وفارقت الجماعة وخالفت كلمتنا وأردت خليفتنا وفعلت بنا وفعلت فقال يحيى ومن أنتم رحمكم الله قال جعفر فوالله ما تمالك الرشيد أن ضحك ضحكا شديدا قال وقام يحيى ليمضى إلى الحبس فقال له الرشيد انصرف أما ترون به أثر علة هذا الآن إن مات قال الناس سموه قال يحيى كلا ما زلت عليلا منذ كنت في الحبس وقبل ذلك أيضا كنت عليلا قال أبو الخطاب فما مكث يحيى بعد هذا إلا شهرا حتى مات وذكر أبو يونس إسحاق بن إسمعيل قال سمعت عبد الله بن العباس بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن على الذى يعرف بالخطيب قال كنت يوما على باب الرشيد أنا وأبى وحضر ذلك اليوم من الجند والقواد ما لم أر مثلهم على باب خليفة قبله ولا بعده قال فخرج الفضل

[ 455 ]

ابن الربيع إلى أبى فقال له ادخل ومكث ساعة ثم خرج إلى فقال ادخل فدخلت فإذا أنا بالرشيد معه امرأة يكلمها فأومأ إلى أبى أنه لا يريد أن يدخل اليوم أحد فاستأذنت لك لكثرة من رأيت حضر الباب فإذا دخلت هذا المدخل زادك ذلك نبلا عند الناس فما مكثنا إلا قليلا حتى جاء الفضل بن الربيع فقال إن عبد الله ابن مصعب الزبيري يستأذن في الدخول فقال إنى لا أريد أن أدخل اليوم أحدا فقال قال إن عندي شيئا أذكره فقال قل له يقله لك قال قد قلت له ذلك فزعم أنه لا يقول إلا لك قال أدخله وخرج ليدخله وعادت المرأة وشغل بكلامها وأقبل على أبى فقال إنه ليس عنده شئ يذكره وإنما أراد الفضل بهذا ليوهم من على الباب أن أمير المؤمنين لم يدخلنا لخاصة خصصنا بها وإنما أدخلنا لامر نسأل عنه كما دخل هذا الزبيري وطلع الزبيري فقال يا أمير المؤمنين ههنا شئ أذكره فقال له قل فقال له إنه سر فقال ما من العباس سر فنهضت فقال ولا منك يا حبيبي فجلست فقال قل فقال إنى والله قد خفت على أمير المؤمنين من امرأته وبنته وجاريته التى تنام معه وخادمه الذى يناوله ثيابه وأخص خلق الله به من قواده وأبعدهم منه قال فرأيته قد تغير لونه فقال فماذا قال جاءتني دعوة يحيى بن عبد الله بن حسن فعلمت أنها لم تبلغني مع العداوة بيننا وبينهم حتى لم يبق على بابك أحدا إلا وقد أدخله في الخلاف عليك قال فتقول له هذا في وجهه قال نعم قال الرشيد أدخله فدخل فأعاد القول الذى قال له فقال يحيى بن عبد الله والله يا أمير المؤمنين لقد جاء بشئ لو قيل لمن هو أقل منك فيمن هو أكثر منى وهو مقتدر عليه لما أفلت منه أبدا ولى رحم وقرابة فلم لا تؤخر هذا الامر ولا تعجل فلعلك أن تكفى مؤنتي بغير يدك ولسانك وعسى بك أن تقطع رحمك من حيث لا تعلمه أبا هله بين يديك وتصبر قليلا فقال يا عبد الله قم فصل إن رأيت ذلك وقام يحيى فاستقبل القبلة فصلى ركعتين خفيفتين وصلى عبد الله ركعتين ثم برك يحيى ثم قال ابرك ثم شبك يمينه وفى يمينه وقال اللهم إن كنت تعلم أنى دعوت عبد الله بن مصعب إلى الخلاف على هذا ووضع يده عليه وأشار إليه فاسحتنى بعذاب من عندك وكلنى

[ 456 ]

إلى حولي وقوتى وإلا فكله إلى حوله وقوته واسحته بعذاب من قبلك آمين رب العالمين فقال عبد الله آمين رب العالمين فقال يحيى بن عبد الله لعبد الله بن مصعب قل كما قلت فقال عبد الله اللهم إن كنت تعلم أن يحيى بن عبد الله لم يدعنى إلى الخلاف على هذا فكلني إلى حولي وقوتى واسحتنى بعذاب من عندك وإلا فكله إلى حوله وقوته واسحته بعذاب من عندك آمين رب العالمين وتفرقا فأمر بيحيى فحبس في ناحية من الدار فلما خرج وخرج عبد الله بن مصعب أقبل الرشيد على أبى فقال فعلت به كذا وكذا وفعلت به كذا وكذا فعدد أياديه عليه فكلمه أبى بكلمتين لا يدفع بهما عن عصفور خوفا على نفسه وأمرنا بالانصراف فانصرفنا فدخلت مع أبى أنزع عنه لباسه من السواد وكان ذلك من عادتي فبينما أنا أحل عنه منطقته إذ دخل عليه الغلام فقال رسول عبد الله بن مصعب فقال أدخله فلما دخل قال له ما وراءك قال يقول لك مولاى أنشدك الله ألا بلغت إلى فقال أبى للغلام قل له لم أزل عند أمير المؤمنين إلى هذا الوقت وقد وجهت اليك بعبد الله فما أردت أن تلقيه إلى فألقه إليه وقال للغلام اخرج فانه يخرج في أثرك وقال لى إنما دعاني ليستعين بى على ما جاء به من الافك فان أعنته قطعت رحمى من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن خالفته سعى بى وإنما يتدرق الناس بأولادهم ويتقون بهم المكاره فاذهب إليه فكل ما قال لك فليكن جوابك له أخبر أبى فقد وجهتك وما آمن عليك وقد كان قال لى أبى حين انصرفنا وذاك أنا احتبسنا عند الرشيد أما رأيت الغلام المعترض في الدار لا والله ما صرفنا حتى فرغ منه يعنى يحيى إنا لله وإنا إليه راجعون وعبد الله يحتسب أنفسنا فخرجت مع الرسول فلما صرت في بعض الطريق وأنا مغموم بما أقدم عليه قلت للرسول ويحك ما أمره وما أزعجه بالارسال إلى أبى في هذا الوقت فقال إنه لما جاء من الدار فساعة نزل عن الدابة صاح بطني بطني قال عبد الله بن عباس فما حفلت بهذا الكلام من قول الغلام ولا التفت إليه فلما صرنا على باب الدرب وكان في درب لا منفذ له فتح البابين فإذا النساء قد خرجن منشورات الشعور مختزمات بالحبال يلطمن وجوههن وينادين بالويل وقد مات

[ 457 ]

الرجل فقلت والله ما رأيت أمرا أعجب من هذا وعطفت دابتي راجعا أركض ركضا لم أركض مثله قبله ولا بعده إلى هذه الغاية والغلمان والحشم ينتظر وننى لتعلق قلب الشيخ بى فلما رأوني دخلوا يتعادون فاستقبلني مرعوبا في قميص ومنديل ينادى ما وراءك يا بنى قلت إنه قد مات قال الحمد لله الذى قتله وأراحك وإيانا منه فما قطع كلامه حتى ورد خادم للرشيد يأمر أبى بالركوب وإياى معه فقال أبى ونحن في الطريق نسير لو جاز أن يدعى ليحيى نبوة لا دعاها أهله رحمة الله عليه وعند الله نحتسبه ولا والله ما نشك في أنه قد قتل فمضينا حتى دخلنا على الرشيد فلما نظر إلينا قال يا عباس بن الحسن أما علمت بالخبر فقال أبى بلى يا أمير المؤمنين فالحمد لله الذى صرعه بلسانه ووقاك الله يا أمير المؤمنين قطع أرحامك فقال الرشيد الرجل والله سليم على ما يحب ورفع الستر فدخل يحيى وأنا والله أتبين الارتياع في الشيخ فلما نظر إليه الرشيد صاح به يا أبا محمد أما علمت أن الله قد قتل عدوك الجبار قال الحمد لله الذى أبان لامير المؤمنين كذب عدوه على وأعفاه من قطع رحمه والله يا أمير المؤمنين لو كان هذا الامر مما أطلبه وأصلح له وأريده فكيف ولست بطالب له ولا مريده ولم يكن الظفر به إلا بالاستعانة به ئم لم يبق في الدنيا غيرى وغيرك وغيره ما تقويت به عليك أبدا وهذا والله من إحدى آفاتك وأشار إلى الفضل بن الربيع والله لو وهبت له عشرة آلاف درهم ثم طمع معى في زيادة تمرة لباعك بها فقال أما العباسي فلا تقل له إلا خيرا وأمر له في هذا اليوم بمائة ألف دينار وكان حبسه بعض يوم قال أبو يونس كان هارون حبسه ثلاث حبسات مع هذه الحبسة وأوصل إليه أربعمائة ألف دينار (وفى هذه السنة) هاجت العصبية بالشأم بين النزارية واليمانية ورأس للنزارية يومئذ أبو الهيذام ذكر الخبر عن هذه الفتنة ذكر أن هذه الفتنة هاجت بالشأم وعامل السلطان بها موسى بن عيسى فقتل بين النزارية واليمانية على العصبية من بعضهم لبعض بشر كثير فولى الرشيد موسى

[ 458 ]

ابن يحيى بن خالد الشأم وضم إليه من القواد والاجناد ومشايخ الكتاب جماعة فلما ورد الشأم أحلت لدخوله إلى صالح بن على الهاشمي فأقام موسى بها حتى أصلح بين أهلها وسكنت الفتنة واستقام أمرها فانتهى الخبر إلى الرشيد بمدينة السلام ورد الرشيد الحكم فيهم إلى يحيى فعفا عنهم وعما كان بينهم وأقدمهم بغداد وفى ذلك يقول إسحاق بن حسان الخزيمى من مبلغ يحيى ودون لقائه * زأرات كل خنابس همهام يا راعى الاسلام غير مفرط * في لين مغتبط وطيب مشام تعذى مشاربه وتسقى شربة * ويبيت بالربوات والاعلام حتى تنخنخ ضاربا بجرانه * ورست مراسيه بدار سلام فلكل ثغر حارس من قلبه * وشعاع طرف ما يفتر سام وقال في موسى غير أبى يعقوب قد هاجت الشأم هيجا * يشيب رأس وليده فصب موسى عليها * بخيله وجوده فدانت الشأم لما * أتى بسنح وحيده هو الجواد الذى ب‍ * - ذ كل جود بجنوده أعداه جود أبيه * يحيى وجود جدوده فجاد موسى بن يحيى * بطارف وتليده ونال موسى ذرى المج‍ * - د وهو حشو مهوده خصصته بمديحي * منثوره وقصيده من البرامك عود * له فأكرم بعوده حووا على الشعر طرا * خفيفه ومديده (وفيها) عزل الرشيد الغطريف بن عطاء عن خراسان وولاها حمزة بن ما لك بن الهيثم الخزاعى وكان حمزة يلقب بالعروس (وفيها) ولى الرشيد جعفر ابن يحيى بن خالد بن برمك مصر فولاها عمر بن مهران

[ 459 ]

ذكر الخبر عن سبب تولية الرشيد جعفرا مصر وتولية جعفر عمر إياها ذكر محمد بن عمر أن أحمد بن محمد بن مهران حدثه أن الرشيد بلغه أن موسى بن عيسى عازم على الخلع وكان على مصر فقال والله لا أعزله إلا بأخس من على بابى انظروا لى رجلا فذكر عمر بن مهران وكان إذ ذاك يكتب للخيزران ولم يكتب لغيرها وكان رجلا أحول مشوه الوجه وكان لباسه لباسا خسيسا أرفع ثيابه طيلسانه وكانت قيمته ثلاثين درهما وكان يشمر ثيابه ويقصر أكمامه ويركب بغلا وعليه رسن ولجام حديد ويردف غلامه خلفه فدعا به فولاه مصر خراجها وضياعها وحربها فقال أمير المؤمنين أتولاها على شريطة قال وما هي قال يكون أذنى إلى إذا أصلحت البلاد انصرفت فجعل ذلك له فمضى إلى مصر واتصلت ولاية عمر بن مهران بموسى بن عيسى فكان يتوقع قدومه فدخل عمر بن مهران مصر على بغل وغلامه أبو درة على بغل ثقل فقصد دار موسى بن عيسى والناس عنده فدخل فجلس في أخريات الناس فلما تفرق أهل المجلس قال موسى بن عيسى لعمر ألك حاجة يا شيخ قال نعم أصلح الله الامير ثم قام بالكتب فدفعها إليه فقال يقدم أبو حفص أبقاه الله قال فأنا أبو حفص قال أنت عمر بن مهران قال نعم قال لعن الله فرعون حين يقول أليس لى ملك مصر ثم سلم له العمل ورحل فتقدم عمر بن مهران إلى أبى درة غلامه فقال له لا تقبل من الهدايا إلا ما يدخل في الجراب لا تقبل دابة ولا جارية ولا غلاما فجعل الناس يبعثون بهداياهم فجعل يرد ما كان من الالطاف ويقبل المال والثياب ويأتى بها عمر فيوقع عليها أسماء من بعث بها ثم وضع الجباية وكان بمصر قوم قد اعتادوا المطل وكسر الخراج فيبدأ برجل منهم فلواه فقال والله لا تؤدى ما عليك من الخراج إلا في بيت المال بمدينة السلام ان سلمت قال فأنا أؤدى فتحمل عليه فقال قد حلفت ولا أحنث فأشخصه مع رجلين من الجند وكان العمال إذ ذاك يكاتبون الخليفة فكتب معهم إلى الرشيد إنى دعوت بفلان بن فلان وطالبته بما عليه من الخراج فلو اني واستنظرنى فأنظرته ثم دعوته فدافع ومال إلى الالطاط فآليت ألا يؤديه إلا في بيت المال بمدينة

[ 460 ]

السلام وجملة ما عليه كذاوكذا قد أنفذته مع فلان بن فلان وفلان بن فلان من جند أمير المؤمنين من قيادة فلان بن فلان فان رأى أمير المؤمنين أن يكتب إلى بوصوله فعل إن شاء الله تعالى قال فلم يلوه أحد بشئ من الخراج فاستأدى الخراج النجم الاول والنجم الثاني فلما كان في النجم الثالث وقعت المطالبة والمطل فأحضر أهل الخراج والتجار فطالبهم فدافعوه وشكوا الضيقة فأمر باحضار تلك الهدايا التى بعث بها إليه ونظر في الاكياس وأحضر الجهبذ فوزن ما فيها وأجزاها عن أهلها ثم دعا بالاسفاط فنادى على ما فيها فباعها وأجزى أثمانها عن أهلها ثم قال يا قوم حفظت عليكم هدايا كم إلى وقت حاجتكم إليها فأدوا الينا مالنا فأدوا إليه حتى أغلق مال مصر فانصرف ولا يعلم أنه أغلق مال مصر غيره وانصرف فخرج على بغل وأبو درة على بغل وكان إذنه إليه (وغزا) الصائفة في هذه السنة عبد الرحمن بن عبد الملك فافتتح حصنا (وحج) بالناس في هذه السنة سليمان ابن أبى جعفر المنصور وحجت معه فيما ذكر الواقدي زبيدة زوجة هارون وأخوها معها ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك عزل الرشيد فيما ذكر جعفر بن يحيى عن مصر وتوليته إياها إسحاق بن سليمان وعزله حمزة بن مالك عن خراسان وتوليته إياها الفضل ابن يحيى إلى ما كان يليه من الاعمال من الرى وسجستان (وغزا) الصائفة فيها عبد الرزاق بن عبد الحميد التغلبي (وكان فيها) فيما ذكر الواقدي ريح وظلمة وحمرة ليلة الاحد لاربع ليال بقين من المحرم ثم كانت ظلمة ليلة الاربعاء لليلتين بقيتا من المحرم من هذه السنة ثم كانت ريح وظلمة شديد يوم الجمعة لليلة خلت من صفر (وحج) بالناس فيها هارون الرشيد

[ 461 ]

ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك وثوب الحوفية بمصر من قيس وقضاعة وغيرهم بعامل الرشيد عليهم إسحاق بن سليمان وقتالهم إياه وتوجيه الرشيد إليه هرثمة بن أعين في عدة من القواد المضمومين إليه مددا لاسحاق بن سليمان حتى أذعن أهل الحوف ودخلوا في الطاعة وأدواما كان عليهم من وظائف السلطان وكان هرثمة إذ ذاك عامل الرشيد على فلسطين فلما انقضى أمر الحوفية صرف هارون إسحق بن سليمان عن مصر وولاها هرثمة نحوا من شهر ثم صرفه وولاها عبد الملك بن صالح (وفيها) كان وثوب أهل إفريقية بعبدويه الانباري ومن معه من الجند هنالك فقتل الفضل بن روح بن حاتم وأخرج من كان بها من آل المهلب فوجه الرشيد إليهم هرثمة بن أعين فرجعو إلى الطاعة وقد ذكر أن عبدويه هذا لما غلب على أفريقية وخلع السلطان عظم شأنه وكثر تبعه ونزع إليه الناس من النواحى وكان وزير الرشيد يومئذ يحيى بن خالد بن برمك فوجه إليه يحيى بن خالد بن برمك يقطين بن موسى ومنصور بن زياد كاتبه فلم يزل يحيى بن خالد يتابع على عبدويه الكتب بالترغيب في الطاعة والتخويف للمعصية والاعذار إليه والاطماع والعدة حتى قبل الامان وعاد إلى الطاعة وقدم بغداد فوفى له يحيى بما ضمن له وأحسن إليه وأخذ له أمانا من الرشيد ووصله ورأسه وفى هذه السنة) فوض الرشيد أموره كلها إلى يحيى بن خالد بن برمك (وفيها) خرج الوليد بن طريف الشارى بالجزيرة وحكم بها ففتك بإبراهيم بن خازم بن خزيمة بنصيبين ثم مضى منها إلى أرمينية (وفيها) شخص الفضل بن يحيى إلى خراسان واليا عليها فأحسن السيرة بها وبنى بها المساجد والرباطات غزا ما وراء النهر فخرج إليه خاراخره ملك أشر وسنة وكان ممتنعا وذكر أن الفضل بن يحيى اتخذ بخراسان جندا من العجم سماهم العباسية وجعل ولاءهم لهم وأن عدتهم بلغت خمسمائة ألف رجل وأنه قدم منهم بغداد

[ 462 ]

عشرون ألف رجل فسموا ببغداد الكرنبية وخلف الباقي منهم بخراسان على أسمائهم ودفاترهم وفى ذلك يقول مروان بن أبى حفصة ما الفضل إلا شهاب لا أفول له * عند الحروب إذا ما تأفل الشهب حام على ملك قوم غر سهمهم * من الوراثة في أيديهم سبب أمست يد لبنى ساقى الحجيج بها * كتائب مالها في غيرهم أرب كتائب لبنى العباس قد عرفت * ما ألف الفضل منها العجم والعرب أثبت خمس مئين في عدادهم * من الالوف التى أحصت لك الكتب يقارعون عن القوم الذين هم * أولى بأحمد في الفرقان ن نسبوا إن الجواد ابن يحيى الفضل لا ورق * يبقى على جود كفيه ولا ذهب ما مر يوم له مذ شد مئزره * ألا تمول أقوام بها يهب كم غاية في الندى والبأس أحرزها * للطالبين مداها دونها تعب يعطى اللهى حين لا يعطى الجوادولا * ينبو إذا سلت الهندية العضب ولا الرضى والرضى لله غايته * إلى سوى الحق يدعوه ولا الغضب قد فاض عرفك حتى ما يعادله * غيت مغيث ولا بحر له حدب قال وكان مروان بن أبى حفصة قد أنشد الفضل في معسكره قبل خروجه إلى خراسان ألم تر أن الجود من لدن آدم * تحدر حتى صار في راحة الفضل إذا ما أبو العباس راحت سماؤه * فيالك من هطل ويالك من وبل إذا أم طفل راعها جوع طفلها * دعته بإسم الفضل فاعتصم الطفل ليحيى بك الاسلام إنك عزه * وإنك من قوم صغيرهم كهل وذكر محمد بن العباس ان الفضل بن يحيى أمر له بمائة ألف درهم وكساه وحمله على بغلة قال وسمعته يقول أصبت في قدمتى هذه سبعمائة ألف درهم وفيه يقول تخيرت للمدح ابن يحبى بن خالد * فحسبي ولم أظلم بأن أتخيرا له عادة أن يبسط العدل والندى * لمن ساس من قحطان أو من تنزرا

[ 463 ]

إلى المنبر الشرقي سار ولم يزل * له والد يعلو سريرا ومنبرا يعدوا ويحيى البرمكى ولا يرى * له الدهر إلا قائدا أو مؤمرا ومدحه سلم الخاسر فقال وكيف تخاف من بؤس بدار * تكنفها البرامكة البحور وقوم منهم الفضل بن يحيى * نفير ما يوازنه نفير له يومان يوم ندى وباس * كأن الدهر بينهما أسير إذا ما البرمكى غدا ابن عشر * فهمته وزير أو أمير وذكر الفضل بن إسحاق الهاشمي أن إبراهيم بن جبريل خرج مع الفضل بن يحيى إلى خراسان وهو كاره للخروج فأحفظ الفضل عليه ذلك قال إبراهيم فدعاني يوما بعد ما أغفلني حينا فدخلت عليه فلما صرت بين يديه سلمت فمارد على فقلت في نفسي شر والله وكان مضطجعا فاستوى جالسا ثم قال ليفرج روعك يا ابراهيم فان قدرتي عليك تمنعني منك قال ثم عقد لي على سجستان فلما حملت خراجها وهبه لى وزادني خمسمائة ألف درهم قال وكان ابراهيم على شرطه وحرسه فوجهه إلى كابل فافتتحها وغنم غنائم كثيرة قال وحدثني الفضل بن العباس بن جبريل وكان مع عمه إبراهيم قال وصل إلى إبراهيم في ذلك الوجه سبعة آلاف ألف وكان عنده من مال الخراج أربعة آلاف ألف درهم فلما قدم بغداد وبنى داره في البغيين استزار الفضل ليريه نعمته عليه وأعد له الهدايا والطرف وآنية الذهب والفضة وأمر بوضع الاربعة الآلاف ألف في ناحية من الدار قال فلما قعد الفضل بن يحيى قدم إليه الهدايا والطرف فأبى أن يقبل منها شيئا وقال له لم آتك إلا لاسليك فقال انها نعمتك أيها الامير قال ولك عندنا مزيد قال فلم يأخذ من جميع ذلك إلا سوطا سجزيا وقال هذا من آلة الفرسان فقال له هذا المال من مال الخراج فقال هو لك فأعاد عليه فقال أما لك بيت يسعه فسوغه ذلك وانصرف قال ولما قدم الفضل بن يحيى من خراسان خرج الرشيد إلى بستان أبى جعفر يستقبله وتلقاه بنو هاشم والناس من القواد والكتاب والاشراف فجعل يصل الرجل

[ 464 ]

بالالف ألف وبالخمسمائة ألف ومدحه مروان بن أبى حفصة فقال حمدنا الذى أدى ابن يحيى فاصبحت * بمقدمه تجرى لنا الطير أسعدا وما هجعت حتى رأته عيوننا * وما زلن حتى آب بالدمع حشدا لقد صبحتنا خيله ورجاله * بأروع بدء الناس بأسا وسوددا نفى عن خراسان العدو كما نفى * ضحى الصبح جلباب الدجى فتغردا لقد راع من أمسى بمرو مسيره * إلينا وقالوا شعبنا قد تبددا على حين ألقى قفل كل ظلامة * وأطلق بالعفو الاسير المقيدا وأفشى بلا من مع الغدل فيهم * أيادى عرف باقيات وعودا فأذهب روعات المخاوف عنهم * وأصدر باغى الامن فيهم وأوردا وأجدى على الايتام فيهم بعرفه * فكان من الآباء أحنى وأعودا إذا الناس راموا غاية الفضل في الندى * وفى البأس ألفوها من النجم أبعدا سما صاعدا بالفضل يحيى وخالد * إلى كل أمر كان أسنى وأمجدا يلين لمن أعطى الخليفة طاعة * ويسقى دم العاصى الحسام المهندا أذلت مع الشرك النفاق سيوفه * وكانت لاهل الدين عزا مؤبدا وشد القوى من بيعة المصطفى الذى * على فضله عهد الخليفة قلدا سمى النبي الفاتح الخاتم الذى * به الله أعطى كل خير وسددا أبحت جبال الكابلي ولم تدع * بهن لنيران الضلالة موقدا فأطلعتها خيلا وطئن جموعه * قتيلا وماسورا وفلا مشردا وعادت على ابن البرم نعماك بعدما * تحوب مخذولا يرى الموت مفردا وذكر العباس بن جرير إن حفص بن مسلم وهو أخو رزام بن مسلم مولى خالد ابن عبد الله القسرى حدثه أنه قال دخلت على الفضل بن يحيى مقدمه من خراسان وبين يديه بدر تفرق بخواتيمها فما فضت بدرة منها فقلت كفى الله بالفضل بن يحيى بن خالد * وجود يديه بخل كل بخيل قال فقال لى مروان بن أبى حفصة وددت أنى سبقتك إلى هذا البيت وأن

[ 465 ]

على غرم عشرة آلاف درهم (وغزا) فيها الصائفة معاوية بن زفر بن عاصم وغزا الشاتية فيها سليمان بن راشد ومعه البيد بطريق صقلية (وحج) بالناس فيها محمد بن إبراهيم بن محمد بن على وكان على مكة ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك انصراف الفضل بن يحيى عن خراسان واستخلافه عليها عمرو بن شرحبيل (وفيها) ولى الرشيد خراسان منصور بن يزيد بن منصور الحميرى (وفيها) شرى بخراسان حمزة بن اترك السجستان (وفيها) عزل الرشيد محمد بن خالد بن برمك عن الحجبة وولاها الفضل بن الربيع (وفيها) رجع الوليد بن طريف الشارى إلى الجزيرة واشتدت شوكته وكثر تبعه فوجه الرشيد إليه يزيد بن مزيد الشيباني فراوغه يزيد ثم لقيه وهو مغتر فوق هيت فقتله وجماعة كانوا معه وتفرق الباقون فقال الشاعر: وائل بعضها يقتل بعضا * لا يفل الحديد إلا الحديد قالت الفارعة أخت الوليد: أيا شجر الخابور مالك مورقا * كأنك لم تجزع على ابن طريف فتى لا يحب الزاد إلا من التقى * ولا المال إلا من قنا وسيوف واعتمر الرشيد في هذه السنة في شهر رمضان شكرا لله على ما أبلاه في الوليد بن طريف فلما قضى عمرته انصرف إلى المدينة فأقام بها إلى وقت الحج ثم حج بالناس فمشى من مكة إلى منى ثم إلى عرفات وشهد المشاهد والمشاعر ماشيا ثم انصرف على طريق البصرة وأما الواقدي فانه قال لما فرغ من عمرته أقام بمكة حتى أقام للناس حجهم

[ 466 ]

ثم دخلت سنة ثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك العصبية التى هاجت بالشأم بين أهلها ذكر الخبر عما صار إليه أمرها ذكر أن هذه العصبية لما حدثت بالشأم بين أهلها وتفاقم أمرها اغتم بذلك من أمرهم الرشيد فعقد لجعفر بن يحيى على الشأم وقال له إما أن تخرج أنت أو أخرج أنا فقال له جعفر بل أقيك بنفسى فشخص في جلة القواد والكراع والسلاح وجعل على شرطه العباس بن محمد بن المسيب بن زهير وعلى حرسه شبيب بن حميد بن قحطبة فأتاهم فأصلح بينهم وقتل زواقيلهم والمتلصصة منهم ولم يدع بها رمحا ولا فرسا فعادوا إلى الامن والطمأنينة وأطفأ تلك النائرة فقال منصور النمري لما شخص جعفر لقد أوقدت بالشأم نيران فتنة * فهذا أو ان الشأم تخمد نارها إذا جاش موج البحر من آل برمك * عليها خبت شهبانها وشرارها رماها أمير المؤمنين بجعفر * وفيه تلافى صدعها وانجبارها رماها بميمون النقيبة ماجد * تراضى به قحطانها ونزارها تدلت عليهم صخرة برمكية * دموغ لهام الناكثين انجدارها غدوت تزحى غابة في رؤسها * نجوم الثريا والمنايا ثمارها إذا خفقت راياتها وتجرست * بها الريح هال السامعين انبهارها فقولوا لاهل الشأم لا يسلبنكم * حجاكم طويلات المنى وقصارها فإن أمير المؤمنين بنفسه * أتاكم وإلا نفسه فخيارها هو الملك المأمول للبر والتقى * وصولاته لا يستطاع خطارها وزير أمير المؤمنين وسيفه * وصعدته والحرب تدمى شفارها ومن تطو أسرار الخليفة دونه * فعندك ماواها وأنت قرارها

[ 467 ]

وفيت فلم تغدر لقوم بذمة * ولم تدن من حال ينالك عارها طبيب بإحياء الامور إذا التوت * من الدهر أعناق فأنت جبارها إذا ما ابن يحيى جعفر قصدت له * ملمات خطب له ترعه كبارها لقد نشأت بالشأم منك غمامة * يؤمل جدواها ويخشى دمارها فطوبى لاهل الشأم ياويل أمها * أتاها حياها أو أتاها بوارها فإن سالموا كانت غمامة نائل * وغيث وإلا فالدماء قطارها أبوك أبو الاملاك يحيى بن خالد * أخو الجود والنعمى الكبار صغارها كأين ترى في البرمكيين من ندى * ومن سابقات ما يشق غبارها غدا بنجوم السعد من حل رحله * إليك وعزت عصبة أنت جارها عذيري من الاقدار هل عزماتها * مخلفتى عن جعفر واقتسارها فعين الاسى مطروفة لفراقه * ونفسي إليه ما ينام اذكارها وولى جعفر بن يحيى صالح بن سليمان البلقاء وما يليها واستخلف على الشأم عيسى بن العكى وانصرف فازداد الرشيد له إكراما فلما قدم على الرشيد دخل عليه فيما ذكر فقبل يديه ورجليه ثم مثل بين يديه فقال الحمد لله يا أمير المؤمنين الذى أنسى وحشتي وأجاب دعوتي ورحم تضرعي وأنسأ في أجلى حتى أرانى وجه سيدى وأكرمني بقربه وامتن على بتقبيل يده وردنى إلى خدمته فوالله إن كنت لاذكر غيبتى عنه ومخرجي والمقادير التى أزعجتني فأعلم أنها كانت بمعاص لحقتني وخطايا أحاطت بى ولو طال مقامي عنك يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك لخفت ان يذهب عقلي إشفاقا على قربك وأسفا على فراقك وأن يعجل بى عن إذنك الاشتياق إلى رؤيتك والحمد لله الذى عصمني في حال الغيبة وأمتعنى بالعافية وعرفني الاجابة ومسكني بالطاعة وحال بينى وبين استعمال المعصية فلم أشخص إلا عن رأيك ولم أقدم الا عن إذنك وأمرك ولم يختر منى أجل دونك والله يا أمير المؤمنين فلا أعظم من اليمين بالله لقد عاينت مالو تعرض لى الدنيا كلها لاخترت عليها قربك ولما رأيتها عوضا من المقام معك ثم اقل له بعقب هذا الكلام في هذا المقام إن الله

[ 468 ]

يا أمير المؤمنين لم يزل يبليك في خلافتك بقددرما يعلم من نيتك ويريك في رعيتك غاية أمنيتك فيصلح لك جماعتهم ويجمع ألفتهم ويلم شعثهم حفظا لك فيهم ورحمة لهم وإنما هذا للتمسك بطاعتك والاعتصام بحبل مرضاتك والله المحمود على ذلك وهو مستحقه وفارقت يا أمير المؤمنين أهل كور الشأم وهم منقادون لامرك نادمون على ما فرط من معصيتهم لك متمسكون بحبلك نازلون على حكمك طالبون لعفوك واثقون بحلمك مؤملون فضلك آمنون بادارتك حالهم في ائتلافهم كحالهم كانت في اختلافهم وحالهم في ألفتهم كحالهم كانت في امتناعهم وعفو أمير المؤمنين عنهم وتغمده لهم سابق لمعذرتهم وصلة أمير المؤمنين لهم وعطفه عليهم متقدم عنده لمسألتهم وايم الله يا أمير المؤمنين لئن كنت قد شخصت وقد أخمد الله شرارهم وأطفأ نارهم ونفى مراقهم وأصلح دهماؤهم وأولانى الجميل فيهم ورزقني الانتصار منهم فما ذلك كله إلا ببركتك ويمنك وريحك ودوام دولتك السعيدة الميمونة الدائمة وتخوفهم منك ورجائهم لك والله يا أمير المؤمنين ما تقدمت إليهم إلا بوصيتك وما عاملتهم إلا بأمرك ولا سرت فيهم إلا على حد ما مثلته لى ورسمته ووقفتني عليه ووالله ما انقادوا إلا لدعوتك وتوحد الله بالصنع لك وتخوفهم من سطوتك وما كان الذى كان منى وإن كنت بذلت جهدي وبلغت مجهودي قاضيا ببعض حقك على بل ما ازدادت نعمتك على عظما إلا ازددت عن شكرك عجزا وضعفا وما خلق الله أحدا من رعيتك أبعد من أن يطمع نفسه في قضاء حقك منى وما ذلك إلا أن أكون باذلا مهجتي في طاعتك وكل ما يقرب إلى موافقتك ولكني أعرف من أياديك عندي ما لا أعرف مثلها عند غيرى فكيف بشكرى وقد أصبحت واحد أهل دهري فيما صنعته في وبى أم كيف بشكرى وإنما أقوى على شكرك بإكرامك إياى وكيف بشكرى ولو جعل الله شكرى في إحصاء ما أوليتني لم يأت على ذلك عدى وكيف بشكرى وأنت كهفي دون كل كهف لى وكيف بشكرى وأنت لا ترضى لى ما أرضاه لى وكيف بشكرى وأنت تجدد من نعمتك عندي ما يستغرق كل ما سلف عندك لى أم كيف بشكرى وأنت تنسينى ما تقدم من

[ 469 ]

إحسانك إلى ما تجدده لى أم كيف بشكرى وأنت تقدمنى بطولك على جميع أكفائي أم كيف بشكرى وأنت ولي أم كيف بشكرى وأنت المكرم لى وأنا أسأل الله الذى رزقني ذلك منك من غير استحقاق له إذا كان الشكر مقصرا عن بلوغ تأدية بعضه بل دون شقص من عشر عشيره أن يتولى مكافأتك عنى بما هو أوسع له وأقدر عليه وأن يقضى عنى حقك وجليل منتك فإن ذلك بيده وهو القادر عليه (وفى هذه السنة) أخذ الرشيد الخاتم من جعفر بن يحيى فدفعه إلى أبيه يحيى بن خالد (وفيها) ولى جعفر بن يحيى خراسان وسجستان واستعمل جعفر عليهما محمد بن الحسن بن قحطبة (وفيها) شخص الرشيد من مدينة السلام مريدا الرقة على طريق الموصل فلما نزل البردان ولى عيسى بن جعفر خراسان وعزل عنها جعفر بن يحيى فكانت ولاية جعفر بن يحيى إياها عشرين ليلة (وفيها) ولى جعفر بن يحيى الحرس (وفيها) هدم الرشيد سور الموصل بسبب الخوارج الذين خرجوا منها ثم مضى إلى الراقة فنزلها واتخذها وطنا (وفيها) عزل هرثمة بن أعين عن أفريقية وأقفله إلى مدينة السلام فاستخلفه جعفر بن يحيى على الحرس (وفيها) كانت بأرض مصر زلزلة شديدة فسقط رأس منارة الاسكندرية (وفيها) حكم خراشة الشيباني وشرى بالجزيرة فقتله مسلم بن بكار بن مسلم العقيلى (وفيها) خرجت المحمرة بجرجان فكتب على بن عيسى بن ماهان ان الذى هيج ذلك عليه عمرو بن محمد العمركى وأنه زنديق فأمر الرشيد بقتله فقتل بمرو (وفيها) عزل الفضل بن يحيى عن طبرستان والرويان وولى ذلك عبد الله ابن خازم وعزل الفضل أيضا عن الرى ووليها محمد بن يحيى بن الحارث بن شخير وولى سعيد بن سلم الجزيرة * وغزا الصائفة فيها معاوية بن زفر بن عاصم (وفيها) صار الرشيد إلى البصرة منصرفه من مكة فقدمها في المحرم منها فنزل المحدثة أياما ثم تحول منها إلى قصر عيسى بن جعفر بالخريبة ثم ركب في نهر سيحان الذى احتفره يحيى بن خالد حتى نظر إليه وسكر نهر الابلة ونهر معقل حتى استحكم أمر سيحان ثم شخص عن البصرة لا ثنتى عشرة ليلة بقيت من المحرم فقدم مدينة السلام

[ 470 ]

ثم شخص إلى الحيرة فسكنها وابتنى بها المنازل وأقطع من معه الخطط وأقام نحوا من أربعين يوما فوثب به أهل الكوفة وأساء وامجاورته فارتحل إلى مدينة السلام ثم شخص من مدينة السلام إلى الرقة واستخلف بمدينة السلام حين شخص إلى الرقة محمدا الامين وولاه العراقين (وحج) بالناس في هذه السنة موسى بن عيسى ابن موسى بن محمد بن على ثم دخلت سنة احدى وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فكان فيها غزو الرشيد أرض الروم فافتتح بها عنوة حصن الصفصاف فقال مروان بن أبى حفصة إن أمير المؤمنين المصطفى * قد ترك الصفصاف قاعا صفصفا (وفيها) غزا عبد الملك بن صالح الروم فبلغ أنقرة وافتتح مطمورة (وفيها) توفى الحسن بن قحطبة وحمزة بن مالك (وفيها) غلبت المحمرة على جرجان (وفيها) أحدث الرشيد عند نزوله الرقة في صدور كتبه الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم (وحج) بالناس في هذه السنة هارون الرشيد فأقام للناس الحج ثم صدر معجلا وتخلف عنه يحيى بن خالد ثم لحقه بالغمرة فاستعفاه من الولاية فأعفاه فرد إليه الخاتم وسأله الاذن في المقام بمكة فأذن له فانصرف إلى مكة ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فكان فيها انصراف الرشيد من مكة ومسيره إلى الرقة وبيعته بها لابنه عبد الله المأمون بعد ابنه محمد الامين وأخذ البيعة له على الجند بذلك بالرقة وضمه إياه إلى جعفر بن يحيى ثم توجيهه إياه إلى مدينة السلام ومعه من أهل بيته جعفر بن أبى جعفر المنصور وعبد الملك بن صالح ومن القواد على بن عيسى فبويع له بمدينة السلام حين قدمها وولاه أبو خراسان وما يتصل بها إلى همذان وسماه المأمون (وفيها)

[ 471 ]

حملت ابنة خاقان ملك الخزر إلى الفضل بن يحيى فماتت ببرذعة وعلى أرمينية يومئذ سعيد بن سلم بن قتيبة الباهلي فرجع من كان معها من الطراخنة إلى أبيها فأخبروه أن ابنته قتلت غيلة فحنق لذلك وأخذ في الاهبة لحرب المسلمين وانصرف فيها يحيى بن خالد إلى المدينة السلام غزا فيها الصائفة عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح فبلغ دفسوس مدينة أصحاب الكهف (وفيها) سملت الروم عينى ملكهم قسطنطين بن اليون وأقروا أمه رينى وتلقب أغسطه (وحج) بالناس فيها موسى ابن عيسى بن موسى بن محمد بن على ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومائة ذكر الخبر عن الاحداث التى كانت فيها فمن ذلك خروج الخزر بسبب ابنة خاقان من باب الابواب وإيقاعهم بالمسلمين هنالك وأهل الذمة وسبيهم فيما ذكر أكثر من مائة ألف فانتهكوا أمرا عظيما لم يسمع في الاسلام بمثله فولى الرشيد أرمينية يزيد بن مزيد مع آذربيجان وقواه بالجند ووجهه وأنزل خزيمة بن خازم نصيبين رداءا لا أهل أرمينية * وقد قيل في سبب دخول الخزر أرمينية غير هذا القول وذلك ما ذكره محمد بن عبد الله أن أباه حدثه أن سبب دخول الخزر أرمينية في زمان هارون كان أن سعيد بن سلم ضرب عنق المنجم السلمى بفأس فدخل ابنه بلاد الخزر واستجاشهم على سعيد فدخلوا أرمينية من الثلمة فانهزم سعيد ونكحوا المسلمات وأقاموا فيها أظن سبعين يوما فوجه هارون خزيمة بن خازم ويزيد بن مزيد إلى أرمينية حتى أصلحا ما أفسد سعيد وأخرجا الخزر وسدت الثلمة (وفيها) كتب الرشيد إلى على بن عيسى بن ماهان وهو بخراسان بالمصير إليه وكان سبب كتابه إليه بذلك أنه كان حمل عليه وقيل له إنه قد أجمع على الخلاف فاستخلف على بن عيسى ابنه يحيى على خراسان فأقره الرشيد فوافاه على وحمل إليه مالا عظيما فرده الرشيد إلى خراسان من قبل ابنه المأمون لحرب أبى الخصيب فرجع (وفيها) خرج بنسا من خراسان أبو الخصيب

[ 472 ]

وهيب بن عبد الله النسائي مولى الحريش (وفيها) مات موسى بن جعفر بن محمد ببغداد ومحمد بن السماك القاضى (وفيها) حج بالناس العباس بن موسى الهادى بن محمد بن عبد الله بن محمد بن على ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث ففيها قدم هارون مدينة السلام في جمادى الآخرة منصرفا إليها من الرقة في الفرات في السفن فلما صار إليها أخذ الناس بالبقايا وولى استخراج ذلك فيما ذكر عبد الله بن الهيثم بن سام بالحبس والضرب وولى حماد البربري مكة واليمن وولى داود بن يزيد بن حاتم المهلبى السند ويحيى الحرشى الجبل ومهرويه الرازي طبرستان وقام بأمر افريقية إبراهيم الاغلب فولاها إياه الرشيد (وفيها) خرج أبو عمرو الشارى فوجه إليه زهير القصاب فقتله بشهر زور (وفيها) طلب أبو الخصيب الامان فأعطاه ذلك على بن عيسى فوافاه بمرو فأكرمه (وحج) بالناس فيها ابراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن على ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك ما كان من قتل أهل طبرستان مهرويه الرازي وهو واليها فولى الرشيد مكانه عبد الله بن سعيد الحرشى (وفيها) قتل عبد الرحمن الانباري أبان ابن قحطبة الخارجي بمرج القلعة (وفيها) عاث حمزة الشارى بباذ غيس من خراسان فوثب عيسى بن على بن عيسى على عشرة آلاف من أصحاب حمزة فقتلهم وبلغ كابل وزابلستان والقندهار فقال أبو الغدافر في ذلك كان عيسى يكون ذا القرنين * بلغ المشرقين والمغربين لم يدع كابلا ولا زابلستا * ن فما حولها إلى الرخجين (وفيها) خرج أبو الخصيب ثانية بنسا وغلب عليها وعلى أبيورد وطوس

[ 473 ]

ونيسابور وزحف إلى مرو فأحاط بها فهزم ومضى نحو سرخس وقوى أمره (وفيها) مات يزيد بن مزيد ببرذعة فولى مكانه أسد بن يزيد (وفيها) مات يقطين ابن موسى بغداد (وفيها) مات عبد الصمد بن على ببغداد في جمادى الآخرة ولم يكن ثغرقط فأدخل القبر بأسنان الصبى وما نقص له سن (وشخص) فيها الرشيد إلى الرقة على طريق الموصل (واستأذنه) فيها يحيى بن خالد في العمرة والجوار فأذن له فخرج في شعبان واعتمر عمرة شهر رمضان ثم رابط بجدة إلى وقت الحج ثم حج ووقعت في المسجد الحرام صاعقة فقتلت رجلين (وحج) بالناس فيها منصور بن محمد بن عبد الله بن محمد بن على ثم دخلت سنة ست وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث ففيها كان خروج على بن عيسى بن ماهان من مرو لحرب أبى الخصيب إلى نسا فقتله بها وسبى نساءه وذراريه واستقامت خراسان (وفيها) حبس الرشيد ثمامة ابن أشرس لوقوفه على كذبه في أمر أحمد بن عيسى بن زيد (وفيها) مات جعفر ابن أبى جعفر المنصور عند هرثمة وتوفى العباس بن محمد ببغداد (وحج) بالناس فيها هارون الرشيد وكان شخوصه من الرقة للحج في شهر رمضان من هذه السنة فمر بالانبار ولم يدخل مدينة السلام ولكنه نزل منزلا على شاطئ الفرات يدعى الدارات بينه وبين مدينة السلام سبعة فراسخ وخلف بالرقة إبراهيم بن عثمان بن نهيك وأخرج معه ابنيه محمدا الامين وعبد الله المأمون وليى عهده فبدأ بالمدينة فأعطى أهلها ثلاثة أعطية كانوا يقدمون إليه فيعطيهم عطاء ثم إلى محمد فيعطيهم عطاء ثانيا ثم إلى المأمون فيعطيهم عطاء ثالثا ثم صار إلى مكة فأعطى أهلها عطاء فبلغ ذلك ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار وكان الرشيد عقد لابنه محمد ولاية العهد فيما ذكر محمد بن يزيد عن ابراهيم بن محمد الحجبى يوم الخميس في شعبان سنة 173 وسماه الامين وضم إليه الشأم والعراق في سنة 175 ثم بايع لعبدالله المأمون بالرقة في سنة 183 وولاه

[ 474 ]

من حد همذان إلى آخر المشرق فقال في ذلك سلم بن عمرو الخاسر بايع هارون إمام الهدى * لذى الحجى والخلق الفاضل المخلف المتلف أمواله * والضامن الاثقال للحامل والعالم الناقد في علمه * والحاكم الفاضل والعادل والراتق الفاتق حلف الهدى * والقائل الصادق والفاعل لخير عباس إذا حصلوا * والمفضل المجدي على العائل أبرهم برا وأولاهم * لعرف عند الحدث النازل لمشبه المنصور في ملكه * ذا تدجت ظلمة الباطل فتم لمأمون نور الهدى * وانكشف الجهل عن الجاهل وذكر الحسن بن قريش أن القاسم بن الرشيد كان في حجر عبد الملك بن صالح فلما بايع الشريد لمحمد والمأمون كتب إليه عبد الملك بن صالح يا أيها الملك الذى * لو كان نجما كان سعدا إعقد لقاسم بيعة * واقدح له في الملك زندا الله فرد واحد * فاجعل ولاة العهد فردا فكان ذلك أول ما حض الرشيد على البيعة للقاسم ثم بايع للقاسم ابنه وسماه المؤتمن وولاه الجزيرة والثغور والعواصم فقال في ذلك حب الخليفة حب لا يدين * من كان لله عاص يعمل الفتنا الله قلد هارون سياستنا * لما اصطفاه فأحيا الدين والسننا وقلد الارض هارون لرأفته * بنا أمينا ومأموما ومؤتمنا قال ولما قسم الارض بين أولاده الثلاثة قال بعض العامة قد أحكم أمر الملك وقال بعضهم بل قد ألقى بأسهم بينهم وعاقبة ما صنع في ذلك مخوفة على الرعية وقالت الشعراء في ذلك فقال بعضهم أقول لغمة في النفس منى * ودمع العين يطرد اطرادا خذى للهول عدته بحزم * ستلقى ما سيمنعك الرقادا

[ 475 ]

فانك إن بقيت رأيت أمرا * يطيل لك الكآبة والسهادا رأى الملك المهذب شر رأى * بقسمته الخلافة والبلادا رأى مالو تعقبه بعلم * لبيض من مفارقه السوادا أراد به ليقطع عن بنيه * خلافهم ويبتذلوا الودادا فقد غرس العداوة غير آل * وأورث شمل ألفتهم بدادا وألقح بينهم حربا عوانا * وسلس لاجتنابهم القيادا فويل للرعية عن قليل * لقد أهدى لها الكرب الشدادا وألبسها بلاء غير فان * وألزمها التضعضع والفسادا ستجري من دمائهم بحور * زواخر لا يرون لها نفادا فوزر بلائهم أبدا عليه * أغيا كان ذلك أم رشادا قال وحج هارون ومحمد وعبد الله معه وقواده ووزراؤه وقضاته في سنة 186 وخلف بالرقة ابراهيم بن عثمان بن نهيك العكى على الحرم والخزائن والاموال والعسكر وأشخص القاسم ابنه إلى منبج فأنزله إياها بمن ضم إليه من القواد والجند فلما قضى مناسكه كتب لعبدالله المأمون ابنه كتابين أجهد الفقهاء والقضاة آراءهم فيهما أحدهما على محمد بما اشترط عليه من الوفاء بما فيه من تسليم ما ولى عبد الله من الاعمال وصير إليه من الضياع والغلات والجواهر والاموال والآخر نسخة البيعة التى أخذها على الخاصة والعامة والشروط لعبدالله على محمد وعليهم وجعل الكتابين في البيت الحرام بعد أخذه البيعة على محمد واشهاده عليه بها الله وملائكته ومن كان في الكعبة معه من سائر ولده وأهل بيته ومواليه وقواده ووزرائه وكتابه وغيرهم وكانت الشهادة بالبيعة والكتاب في البيت الحرام وتقدم إلى الحجبة في حفظهما ومنع من أراد إخراجهما والذهاب بهما فذكر عبد الله ابن محمد ومحمد بن يزيد التميمي وإبراهيم الحجبى أن الرشيد حضر وأحضر وجوه بنى هاشم والقواد والفقهاء وأدخلوا البيت الحرام وأمر بقراءة الكتاب على عبد الله ومحمد وأشهد عليهما جماعة من حضر ثم رأى أن يعلق الكتاب في الكعبة

[ 476 ]

فلما رفع ليعلق وقع فقيل إن هذا الامر سريع انتقاضه قبل تمامه وكانت نسخة الكتاب (بسم الله الرحمن الرحيم) هذا كتاب لعبدالله هارون أمير المؤمنين كتبه محمد بن هارون أمير المؤمنين في صحة من عقله وجواز من أمره طائعا غير مكره ان أمير المؤمنين ولانى العهد من بعده وصير البيعة لى في رقاب المسلمين جميعا وولى عبد الله بن هارون أمير المؤمنين العهد والخلافة وجميع أمور المسلمين بعدى برضى منى وتسليم طائعا غير مكره وولاه خراسان وثغورها وكورها وحربها وجندها وخراجها وطرزها وبريدها وبيوت أموالها وصدقاتها وعشرها وعشورها وجميع أعمالها في حياته وبعده وشرطت لعبدالله هارون أمير المؤمنين برضى منى وطيب نفسي ان لاخى عبد الله بن هارون على الوفاء بما عقد له هارون أمير المؤمنين من العهد والولاية الخلافة وأمور المسلمين جميعا بعدى وتسليم ذلك له وما جعل له من ولاية خراسان وأعمالها كلها ومما أقطعه أمير المؤمنين من قطعية أو جعل له من عقدة أو ضيعة من ضياعه أو ابتاع من الضياع والعقد وما أعطاه في حياته وصحته من مال أو حلى أو جوهر أو متاع أو كسوة أو منزل أو دواب أو قليل أو كثير فهو لعبدالله بن هارون أمير المؤمنين موفرا مسلما إليه وقد عرفت ذلك كله شيئا شيئا فان حدث بأمير المؤمنين حدث الموت وأفضت الخلافة إلى محمد بن أمير المؤمنين فعلى محمد إنفاذا ما أمره به هارون أمير المؤمنين في تولية عبد الله بن هارون أمير المؤمنين خراسان وثغورها ومن ضم إليه من أهل بيت أمير المؤمنين بقرماسين وإن يمض عبد الله بن أمير المؤمنين إلى خراسان والرى والكور التى سماها أمير المؤمنين حيث كان عبد الله بن أمير المؤمنين من معسكر أمير المؤمنين وغيره من سلطان أمير المؤمنين وجميع من ضم إليه أمير المؤمنين حيث أحب من لدن الرى إلى أقصى عمل خراسان ليس لمحمد بن أمير المؤمنين أن يحول عنه قائدا ولا مفقودا ولا رجلا واحدا ممن ضم إليه من أصحابه الذين ضمهم إلى أمير المؤمنين ولا يحول عبد الله ابن أمير المؤمنين عن ولايته النى ولاه إياها هارون أمير المؤمنين من ثغور خراسان

[ 477 ]

وأعمالها كلها ما بين عمل الرى مما يلى همذان إلى أقصى خراسان وثغورها وبلادها وما هو منسوب إليها ولا شخصه إليه ولا يفرق أحدا من أصحابه وقواده عنه ولا يولى عليه أحدا ولا يبعث عليه ولا على أحد من عماله ولاة أموره بندارا ولا محاسبا ولا عاملا ولا يدخل عليه في صغير من أمره ولا كبير ضررا ولا يحول بينه وبين العمل في ذلك كله برأيه وتدبيره ولا يعرض لاحد ممن ضم إليه أمير المؤمنين من أهل بيته وصحابته وقضاته وعماله وكتابه وقواده وخدمه ومواليه وجندم بما يلتمس إدخال الضرر والمكروه عليهم في أنفسهم ولا قراباتهم ولا مواليهم ولا أحد يتنسل منهم ولا في دمائهم ولا في أموالهم ولا في ضياعهم ودورهم ورباعهم وأمتعتهم ورقيقهم ودوابهم شيئا من ذلك صغيرا ولا كبيرا ولا أحد من الناس بأمره ورأيه وهواه وبترخيص له في ذلك وادهان منه فيه لاحد من ولد آدم ولا يحكم في أمرهم ولا أحد من قضاته ومن عماله وممن كان بسبب منه بغير حكم عبد الله ابن أمير المؤمنين ورأيه ورأى قضاته وإن نزع إليه أحد ممن ضم أمير المؤمنين إلى عبد الله ابن أمير المؤمنين من أهل بيت أمير المؤمنين وصحابته وقواده وعماله وكتابه وخدمه ومواليه وجنده ورفض اسمه ومكتبه ومكانه مع عبد الله ابن أمير المؤمنين عاصيا له أو مخالفا عليه فعلى محمد ابن أمير المؤمنين رده إلى عبد الله بن أمير المؤمنين بصغر له وقمإ حتى ينفذ فيه رأيه وأمره فإن أراد محمد ابن أمير المؤمنين خلع عبد الله بن أمير المؤمنين عن ولاية العهد من بعده أو عزل عبد الله بن أمير المؤمنين عن ولاية خراسان وثغورها وأعمالها والذى من حد عملها مما يلى همذان والكور التى سماها أمير المؤمنين في كتابه هذا أو صرف أحد من قواده الذين ضمهم أمير المؤمنين إليه ممن قدم قرماسين أو أن ينتقصه قليلا أو كثيرا مما جعله أمير المؤمنين له بوجه من الوجوه أو بحيلة من الحيل صغرت أو كبرت فلعبد الله ابن هارون أمير المؤمنين الخلافة بعد أمير المؤمنين وهو المقدم على محمد ابن أمير المؤمنين وهو ولى الامر من بعد أمير المؤمنين والطاعة من جميع قواد أمير المؤمنين هارون من أهل خراسان وأهل العطاء

[ 478 ]

وجميع المسلمين في جميع الاجناد والامصار لعبدالله ابن أمير المؤمنين والقيام معه والمجاهدة لمن خالفه والنصر له والذب عنه ما كانت الحياة في أبدانهم وليس لاحد منهم جميعا من كانوا أو حيث كانوا أن يخالفه ولا يعصيه ولا يخرج من طاعته ولا يطيع محمد ابن أمير المؤمنين في خلع عبد الله بن هارون أمير المؤمنين وصرف العهد عنه من بعده إلى غيره أو ينتقصه شيئا مما جعله له أمير المؤمنين هارون في حياته وصحته واشترط في كتابه الذى كتبه عليه في البيت الحرام وفى هذا الكتاب وعبد الله ابن أمير المؤمنين المصدق في قوله وأنتم في حل من البيعة التى في أعناقكم لمحمد ابن أمير المؤمنين هارون إن نقص شيئا مما جعله له أمير المؤمنين هارون وعلى محمد بن هارون أمير المؤمنين أن ينقاد لعبدالله ابن أمير المؤمنين هارون ويسلم له الخلافة وليس لمحمد بن أمير المؤمنين هارون ولا لعبدالله ابن أمير المؤمنين أن يخلعا القاسم ابن أمير المؤمنين هارون ولا يقدما عليه أحدا من أولادهما وقراباتهما ولا غيرهم من جميع البرية فإذا أفضت الخلافة إلى عبد الله بن أمير المؤمنين فالامر إليه في امضاء ما جعله أمير المؤمنين من العهد للقاسم بعده أو صرف ذلك عنه إلى من رأى من ولده واخوته وتقديم من أراد أن يقدم قبله وتصيير القاسم ابن أمير المؤمنين بعد من قدم قبله يحكم في ذلك بما أحب ورأى فعليكم معشر المسلمين انفاذ ما كتب به أمير المؤمنين في كتابه هذا وشرط عليهم وأمر به وعليكم السمع والطاعة لامير المؤمنين فيما ألزمكم و أوجب عليكم لعبدالله ابن أمير المؤمنين وعهد الله وذمته وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وذمم المسلمين والعهود والمواثيق التى أخذ الله على الملائكة المقربين والنبيين والمرسلين ووكدها في أعناق المؤمنين والمسلمين لتفن لعبدالله أمير المؤمنين بما سمى ولمحمد وعبد الله والقاسم بنى أمير المؤمنين بما سمى وكتب في كتابه هذا واشترط عليكم وأقررتم به على أنفسكم فإن أنتم بدلتم من ذلك شيئا أو غيرتم أو نكثتم أو خالفتم ما أمركم به أمير المؤمنين واشترط عليكم في كتابه هذا فبرئت منكم ذمة الله وذمه رسوله محمد صلى الله عليه وسلم

[ 479 ]

وذمم المؤمنين والمسلمين وكل مال هو اليوم لكل رجل منكم أو يستفيده إلى خمسين سنة فهو صدقة على المساكين وعلى كل رجل منكم المشى إلى بيت الله الحرام الذى بمكة خمسين حجة نذرا واجبا لا يقبل الله منه إلا الوفاء بذلك وكل مملوك لاحد منكم أو يملكه فيما يستقبل إلى خمسين سنة حر وكل امرأة له فهى طالق ثلاثا البتة طلاق الحرج لا مثنوية فيها والله عليكم بذلك كفيل وراع وكفى بالله حسيبا نسخة الشرط الذى كتب عبد الله ابن أمير المؤمنين بخط يده في الكعبة هذا كتاب لعبدالله هارون أمير المؤمنين كتبه له عبد الله بن هارون أمير المؤمنين في صحة من عقله وجواز من أمره وصدق نية فيما كتب في كتابه هذا ومعرفة بما فيه من الفضل والصلاح له ولاهل بيته وجماعة المسلمين إن أمير المؤمنين هارون ولانى العهد والخلافة وجميع أمور المسلمين في سلطانه بعد أخى محمد بن هارون وولانى في حياته ثغور خراسان وكورها وجميع أعمالها وشرط على محمد بن هارون الوفاء بما عقد لى من الخلافة وولاية أمور العباد والبلاد بعده وولاية خراسان وجميع أعمالها ولا يعرض لى في شئ مما أقطعنى أمير المؤمنين وابتاع لى من الضياع والعقد والرباع وابتعت منه من ذلك وما أعطاني أمير المؤمنين من الاموال والجوهر والكساء والمتاع والدواب والرقيق وغير ذلك ولا يعرض لى ولا لاحد من عمالى وكتابي بسبب محاسبة ولا يتبع لى في ذلك ولا لاحد منهم أبدا ولا يدخل على ولا عليهم ولا على من كان معى ومن استعنت به من جميع الناس مكروها في نفس ولادم ولاشعر ولا بشر ولا مال ولا صغير من الامور ولا كبير فأجابه إلى ذلك وأقربه وكتب له كتابا أكد فيه على نفسه ورضى به أمير المؤمنين هارون وقبله وعرف صدق نيته فيه فشرطت لامير المؤمنين وجعلت له على نفسي أن أسمع لمحمد وأطيع ولا أعصيه وأنصحه ولا أغشه وأوفى ببيعته وولايته ولا أغدر ولا أنكث وأنفذ كتبه وأموره وأحسن موازرته وجهاد عدوه في ناحيتى ما وفى لى بما شرط

[ 480 ]

لامير المؤمنين في أمرى وسمى في الكتاب الذى كتبه لامير المؤمنين ورضى به أمير المؤمنين ولم يتبعني بشئ من ذلك ولم ينقض أمرا من الامور التى شرطها أمير المؤمنين لى عليه فان احتاج محمد ابن أمير المؤمنين إلى جندو كتب إلى يأمرنى بأشخاصه إليه أو إلى ناحية من النواحى أو إلى عدو من أعدائه خالفه أو أراد نقص شئ من سلطانه أو سلطاني الذى أسنده أمير المؤمنين إلينا وولانا إياه فعلى أن أنفذ أمره ولا أخالفه ولا أقصر في شئ كتب به إلى وإن أراد محمد أن يولى رجلا من ولده العهد والخلافة من بعدى فذلك له ما وفي لى بما جعله أمير المؤمنين إلى واشترطه لى عليه وشرط على نفسه في أمرى وعلى انفاذ ذلك والوفاء له به ولا أنقص من ذلك ولا أغيره ولا أبدله ولا أقدم قبله أحدا من ولدى ولا قريبا ولا بعيدا من الناس أجمعين الا أن يولى أمير المؤمنين هارون أحدا من ولده العهد من بعدى فيلزمني و محمدا الوفاء له وجعلت لامير المؤمنين ومحمد على الوفاء بما شرطت وسميت في كتابي هذا ما وفي لى محمد بجميع ما اشترط لى أمير المؤمنين عليه في نفسي وما أعطاني أمير المؤمنين من جميع الاشياء المسماة في هذا الكتاب الذى كتبه لى و على عهد الله وميثاقه وذمة أمير المؤمنين وذمتي وذمم آبائى وذمم المؤمنين وأشد ما أخذ الله على النبيين والمرسلين من خلقه أجمعين من عهوده ومواثيقه والايمان المؤكدة التى أمر الله بالوفاء بها ونهى عن نقضها وتبديلها فان أنا نقضت شيئا مما شرطت وسميت في كتابي هذا أو غيرت أو بدلت أو نكثت أو غدرت فبرئت من الله عز وجل ومن ولايته ودينه ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقيت الله يوم القيامة كافرا مشركا وكل امرأة هي لى اليوم أو أتزوجها إلى ثلاثين سنة طالق ثلاثا البتة طلاق الحرج وكل مملوك هو لى اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة أحرار لوجه الله وعلى المشى إلى بيت الله الحرام الذى بمكة ثلاثين حجة نذرا واجبا على في عنقي حافيا راجلا لا يقبل الله منى إلا الوفاء بذلك وكل مال لى أو أملكه إلى ثلاثين سنة هدى بالغ الكعبة وكل ما جعلت لامير المؤمنين وشرطت في كتابي هذا لازم لى لا أضمر غيره ولا أنوى غيره وشهد سليمان ابن

[ 481 ]

أمير المؤمنين وفلان وفلان وكتب في ذى الحجة سنة ست وثمانين ومائة نسخة كتاب هارون بن محمد الرشيد إلى العمال بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن الله ولى أمير المؤمنين وولى ما ولاه والحافظ لما استرعاه وأكرمه به من خلافته وسلطانه والصانع له فيما قدم وأخر من أموره والمنعم عليه بالنصر والتأييد في مشارق الارض ومغاربها والكالئ والحافظ والكافي من جميع خلقه وهو المحمود على جميع آلائه المسؤل تمام حسن ما أمضى من قضائه لامير المؤمنين وعادته الجميلة عنده وإلهام ما يرضى به ويوجب له عليه أحسن المزيد من فضله وقد كان من نعمة الله عز وجل عند أمير المؤمنين وعندك وعند عوام المسلمين ما تولى الله من محمد وعبد الله ابني أمير المؤمنين من تبليغه بهما أحسن ما أملت الامة ومدت إليه أعناقها وقذف الله لهما في قلوب العامة من المحبة والمودة والسكون اليهما والثقة بهما لعماد دينهم وقوام أمورهم وجمع ألفتهم وصلاح دهمائهم ودفع المحذور والمكروه من الشتات والفرقة عنهم حتى ألقوا اليهما أزمتهم وأعطوهما بيعتهم وصفقات أيمانهم بالعهود والمواثيق ووكيد الايمان المغلظة عليهم أراد الله فلم يكن له مرد وأمضاه فلم يقدر أحد من العباد على نقضه ولا إزالته ولا صرف له عن محبته ومشيئته وما سبق في علمه منه وأمير المؤمنين يرجو تمام النعمة عليه وعليهما في ذلك وعلى الامة كافة لا عاقب لامر الله ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولم يزل أمير المؤمنين منذ اجتمعت الامة على عقد العهد لمحمد ابن أمير المؤمنين من بعد أمير المؤمنين لعبدالله ابن أمير المؤمنين من بعد محمد ابن أمير المؤمنين يعمل فكره ورأيه ونظره ورؤيته فيما فيه الصلاح لهما ولجميع الرعية والجمع للكلمة واللم للشعث والدفع الشتات والفرقة والحسم لكيد أعداء النعم من أهل الكفر والنفاق والغل والشقاق والقطع لآمالهم من كل فرصة يرجون إدراكها وإنتهازها منهما بانتقاص حقهما ويستخير الله أمير المؤمنين في ذلك ويسأله العزية له على ما فيه الخيرة لهما ولجميع الامة والقوة في أمر الله وحقه وائتلاف أهوائهما وصلاح ذات بينهما وتحصينهما من كيد أعداء النعم ورد

[ 482 ]

حسدهم ومكرهم وبغيهم وسعيهم بالفساد بينهما فعزم الله لامير المؤمنين على الشخوص بهما إلى بيت الله وأخذ البيعة منهما لامير المؤمنين بالسمع والطاعة والانفاذ لامره واكتتاب الشرط على كل واحد منهما لامير المؤمنين ولهما بأشد المواثيق والعهود وأغلظ الايمان والتوكيد والاخذ لكل واحد منهما على صاحبه بما التمس به أمير المؤمنين اجتماع ألفتهما ومودتهما وتواصلهما وموازرتهما ومكانفتهما على حسن النظر لانفسهما ولرعية أمير المؤمنين التى استرعاهما والجماعة لدين الله عز وجل وكتابه وسنن نبيه صلى الله عليه وسلم والجهاد لعدو المسلمين من كانوا وحيث كانوا وقطع طمع كل عدو مظفر للعداوة ومسرلها وكل منافق ومارق وأهل الاهواء الضالة المضلة من فرقة تكيد بكيد توقعه بينهما وبدحس يدحس به لهما وما يلتمس أعداء الله وأعداء النعم وأعداء دينه من الضرب بين الامة والسعى بالفساد في الارض والدعاء إلى البدع والضلالة نظرا من أمير المؤمنين لدينه ورعيته وأمة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ومناصحة لله ولجميع المسلمين وذبا عن سلطان الله الذى قدره وتوحد فيه للذى حمله إياه والاجتهاد في كل ما فيه قربة إلى الله وما ينال به رضوانه والوسيلة عنده فلما قدم مكة أظهر لمحمد وعبد الله رأيه في ذلك وما نظر فيه لهما فقبلا كل ما دعا هما إليه من التوكيد على أنفسهما بقبوله وكتابا لامير المؤمنين في بطن بيت الله الحرام بخطوط أيديهما بمحضر ممن شهد الموسم من أهل بيت أمير المؤمنين وقواده وصحابته وقضاته وحجبة الكعبة وشهاداتهم عليهما كتابين استودعهما أمير المؤمنين الحجبة وأمر بتعليقهما في داخل الكعبة فلما فرغ أمير المؤمنين من ذلك كله في داخل بيت الله الحرام وبطن الكعبة أمر قضاته الذين شهدوا عليهما وحضروا كتابهما أن يعلموا جميع من حضر الموسم من الحاج والعمار ووفود الامصار ما شهدوا عليه من شرطهما وكتابهما وقراءة ذلك عليهم ليفهموه ويعوه ويعرفوه ويحفظوه ويؤدوه إلى إخوانهم وأهل بلدانهم وأمصارهم ففعلوا ذلك وقرئ عليهم الشرطان جميعا في المسجد الحرام فانصرفوا وقد اشتهر ذلك

[ 483 ]

عندهم وأثبتوا الشهادة عليه وعرفوا نظر أمير المؤمنين وعنايته بصلاحهم وحقن دمائهم ولم شعتهم وإطفاء جمرة أعداء الله أعداء دينه وكتابه وجماعة المسلمين عنهم وأظهروا الدعاء لامير المؤمنين والشكر لما كان منه في ذلك وقد نسخ لك أمير المؤمنين ذينك الشرطين اللذين كتبهما لامير المؤمنين ابناه محمد وعبد الله في بطن الكعبة في أسفل كتابه هذا فاحمد الله عز وجل على ما صنع لمحمد وعبد الله وليى عهد المسلمين حمدا كثيرا واشكره ببلائه عند أمير المؤمنين وعند وليى عهد المسلمين وعندك وعند جماعة أمة محمد صلى الله عليه وسلم كثيرا واقرأ كتاب أمير المؤمنين على من قبلك من المسلمين وأفهمهم إياه وقم به بينهم وأثبته في الديوان قبلك وقبل قواد أمير المؤمنين ورعيته قبلك واكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون في ذلك إن شاء الله وحسبنا الله ونعم الوكيل وبه الحول والقوة والطول وكتب إسماعيل بن صبيح يوم السبت لسبع ليال بقين من المحرم سنة ست وثمانين ومائة قال وأمر هارون الرشيد لعبدالله المأمون بمائة ألف دينار وحملت له إلى بغداد من الرقة قال وكان الرشيد بعد مقتل جعفر بن يحيى بالعمر صار إلى الرقة ثم قدم بغداد وقد كانت توالت عليه الشكاية من على بن عيسى بن ماهان من خراسان وكثر عليه القول عنده فأجمع على عزله من خراسان وأحب أن يكون قريبا منه فلما صار إلى بغداد شخص بعد مدة منها إلى قرماسين وذلك في سنة 189 وأشخص إليها عدة رجال من القضاة وغيرهم وأشهدم أن جميع ماله في عسكره من الاموال والخزائن والسلاح والكراع وما سواه أجمع لعبدالله المأمون وأنه ليس له فيه قليل ولا كثير بوجه ولا سبب وجدد البيعة له على من كان معه ووجه هرثمة بن أعين صاحب حرسه إلى بغداد فأعاد أخذ البيعة على محمد بن هارون أمير المؤمنين وعلى من كان بحضرته لعبدالله والقاسم على النسخة التى كان أخذها عليه الرشيد بمكة وجعل أمر القاسم في خلعه وإقراره إلى عبد الله إذا أفضت إليه الخلافة فقال إبراهيم الموصلي في بيعة هارون لابنيه في الكعبة خير الامور مغبة * وأحق أمر بالتمام

[ 484 ]

أمر قضى إحكامه ال‍ * - ر حمن في البيت الحرام ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك قتل الرشيد جعفر بن يحيى بن خالد وإيقاعه بالبرامكة ذكر الخبر عن سبب قتله إياه وكيف كان قتله وما فعل به وبأهل بيته أما سبب غضبه عليه الذى قتله عنده فانه مختلف فيه فمن ذلك ما ذكر عن بختيشوع ابن جبريل عن أبيه انه قال إنى لقاعد في مجلس الرشيد إذ طلع يحيى بن خالد وكان فيما مضى يدخل بلا إذن فلما دخل وصار بالقرب من الرشيد وسلم رد عليه ردا ضعيفا فعلم يحيى أن أمرهم قد تغير قال ثم أقبل على الرشيد فقال يا جبريل يدخل عليك وأنت في منزلك أحد بلا إذنك فقلت لا ولا يطمع في ذلك قال فما بالنا يدخل علينا بلا إذن فقام يحيى فقال يا أمير المؤمنين قدمنى الله قبلك والله ما ابتدأت ذلك الساعة وما هو إلا شئ كان خصني به أمير المؤمنين ورفع به ذكرى حتى ان كنت لادخل وهو في فراشه مجردا حينا وحينا في بعض إزاره وما علمت أن أمير المؤمنين كره ما كان يحب وإذ قد علمت فإنى أكون عنده في الطبقة الثانية من أهل الاذن أو الثالثة إن أمرنى سيدى بذلك قال فاستحيى قال وكان من أرق الخلفاء وجها وعيناه في الارض ما يرفع إليه طرفه ثم قال ما أردت ما تكره ولكن الناس يقولون قال فظننت أنه لم يسنح له جواب يرتضيه فأجاب بهذا القول ثم أمسك عنه وخرج يحيى وذكر عن أحمد بن يوسف أن ثمامة بن أشرس قال أول ما أنكر يحيى بن خالد من أمره أن محمد بن الليث رفع رسالة إلى الرشيد يعظه فيها ويذكر أن يحيى بن خالد لا يغنى عنك من الله شيئا وقد جعلته فيما بينك وبين الله فكيف أنت إذا وقفت بين يديه فسألك عما عملت في عباده وبلاده فقلت يا رب إنى استكفيت يحيى أمور عبادك أتراك تحتج بحجة يرضى بها مع كلام فيه توبيخ وتقريع فدعا الرشيد

[ 485 ]

يحيى وقد تقدم إليه خبر الرسالة فقال تعرف محمد بن الليث قال نعم قال فأى الرجال هو قال متهم على الاسلام فأمر به فوضع في المطبق دهرا فلما تنكر الرشيد للبرامكة ذكره فأمر بإخراجه فأحضر فقال له بعد مخاطبة طويلة يا محمد أتحبني قال لا والله يا أمير المؤمنين قال تقول هذا قال نعم وضعت في رجلى الاكبال وحلت بينى وبين العيال بلا ذنب أتيت ولا حدث أحدثت سوى قول حاسد يكيد الاسلام وأهله ويحب الالحاد وأهله فكيف أحبك قال صدقت وأمر بإطلاقه ثم قال يا محمد أتحبني قال والله يا أمير المؤمنين ولكن قد ذهب ما في قلبى فأمر أن يعطى مائة ألف درهم فأحضرت فقال يا محمد أتحبى قال أما الآن فنعم قد أنعمت على وأحسنت إلى قال انتقم الله ممن ظلمك وأخذ لك بحقك ممن بعثنى عليك قال فقال الناس في البرامكة فأكثروا وكان ذلك أول ما ظهر من تغير حالهم قال وحدثني محمد بن الفضل بن سفيان مولى سليمان بن أبى جعفر قال دخل يحيى بن خالد بعد ذلك على الرشيد فقام الغلمان إليه فقال الرشيد لمسرور الخادم مر الغلمان ألا يقوموا ليحيى إذا دخل الدار قال فدخل فلم يقم إليه أحد فاربد لونه قال وكان الغلمان والحجاب عبد إذ رأوه أعرضوا عنه قال فكان ربما استسقى الشربة من الماء أو غيره فلا يسقونه بالحرى إن سقوه أن يكون ذلك بعد أن يدعو بها مرارا وذكر أبو محمد اليزيدى وكان فيما قيل من أعلم الناس بأخبار القوم قال من قال إن الرشيد قتل جعفر بن يحيى بغير سبب يحيى بن عبد الله ابن حسن فلا تصدقه وذلك أن الرشيد دفع يحيى إلى جعفر فحبسه ثم دعا به ليلة من الليالى فسأله عن شئ من أمره فأجابه إلى أن قال اتق الله في أمرى ولا تتعرض أن يكون خصمك غدا محمد صلى الله عليه وسلم فوالله ما أحدثت حدثا ولا أويت محدثا فرق عليه وقال له اذهب حيث شئت من بلاد الله قال وكيف أذهب ولا آمن أن أوخذ بعد قليل فأرد اليك أو إلى غيرك فوجه معه من أداه إلى مأمنه وبلغ الخبر الفضل بن الربيع من عين كانت له عليه من خاص خدمه فعلا الامر فوجده حقا وانكشف عنده فدخل على الرشيد فأخبره فأراه أنه لا يعبأ بخبره وقال

[ 486 ]

وما أنت وهذا لا أم لك فلعل ذلك عن أمرى فانكسر الفضل وجاءه جعفر فدعا بالغداء فأكلا وجعل يلقمه ويحادثه إلى أن كان آخر ما دار بينهما أن قال ما فعل يحيى بن عبد الله قال بحاله يا أمير المؤمنين في الحبس الضيق والاكبال قال بحياتي فأحجم جعفر وكان من أدق الخلق ذهنا وأصحهم فكرا فهجس في نفسه انه قد علم بشئ من أمره فقال لا وحياتك يا سيدى ولكن أطلقته وعلمت أنه لا حياة به ولا مكروه عنده قال نعم ما فعلت ما عدوت ما كان في نفسي فلما خرج أتبعه بصره حتى كاد أن يتوارى عن وجهه ثم قال قتلني الله بسيف الهدى على عمل الضلالة إن لم أقتلك فكان من أمره ما كان وحدث إدريس بن بدر قال عرض رجل للرشيد وهو يناظر يحيى فقال يا أمير المؤمنين نصيحة فادع بى اليك فقال لهرثمة خذ الرجل إليك وسله عن نصيحته هذه فسأله فأبى أن يخبره وقال هي سر من أسرار الخليفة فأخبر هرثمة الرشيد بقوله قال فقل له لا يبرح الباب حتى أفرغ له قال فلما كان في الهاجرة انصرف من كان عنده ودعا به فقال أحلني فالتفت هارون إلى بنيه فقال انصرفوا يا فتيان فوثبوا وبقى خاقان وحسين على رأسه فنظر إليهما الرجل فقال الرشيد تنحيا عنى ففعلا ثم أقبل على الرجل فقال هات ما عندك فقال على أن تؤمنني قال على أن أؤمنك وأحسن إليك قال كنت بحلوان في خان من خاناتها فإذا أنا بيحيى بن عبد الله في دراعة صوف غليظة وكساء صوف أخضر غليظ وإذا معه جماعة ينزلون إذا نزل ويرحلون إذا رحل ويكونون منه بصدد يوهمون من رآهم انهم لا يعرفونه وهم من أعوانه ومع كل واحد منهم منشور يأمن به إن عرض له قال أو تعرف يحيى بن عبد الله قال أعرفه قديما وذلك الذى حقق معرفتي به بالامس قال فصفه لى قال مربوع أسمر رقيق السمرة أجلح حسن العينين عظيم البطن قال صدقت هو ذاك قال فما سمعته يقول قال ما سمعته يقول شيئا غير إنى رأيته يصلى ورأيت غلاما من غلمانه أعرفه قديما جالسا على باب الخان فلما فرغ من صلاته أتاه بثوب غسيل فألقاه في عنقه ونزع جبة الصوف فلما كان بعد الزوال صلى صلاة ظننتها العصر وأنا أرمقه أطال

[ 487 ]

في الاولتين وخفف في الآخر تين فقال لله أبوك لجاد ما حفظت عليه نعم تلك صلاة العصر وذاك وقتها عند القوم أحسن الله جزاءك وشكر سعيك فمن أنت قال أنا رجل من أعقاب أبناء هذه الدولة وأصلى من مرو ومولدى مدينة السلام قال فمنزلك بها قال نعم فأطرق مليا ثم قال كيف احتمالك لمكروه تمتحن به في طاعتي قال أبلغ من ذلك حيث أحب أمير المؤمنين قال كن بمكانك حتى أرجع فظفر في حجزة كانت خلف ظهره فأخرج كيسا فيه ألفا دينار فقال خذ هذه ودعني وما أدبر فيك فأخذها وضم عليها ثيابه ثم قال يا غلام فأجابه خاقان وحسين فقال أصفعا ابن اللخناء فصفعاه نحوا من مائة ضفعة ثم قال أخرجاه إلى من بقى في الدار وعمامته في عنقه وقولا هذا جزاء من يسعى بباطنه أمير المؤمنين وأوليائه ففعلا ذلك وتحدثوا بخبره ولم يعلم بحال الرجل أحد ولا بما كان ألقى إلى الرشيد حتى كان من أمر البرامكة ما كان وذكر يعقوب بن إسحاق ان إبراهيم بن المهدى حدثه قال أتيت جعفر بن يحيى في داره التى ابتناها فقال لى أما تعجب من منصور بن زياد قال قلت فيما ذا قال سألته هل ترى في دارى عيبا قال نعم ليس فيها لبنة ولا صنوبرة قال إبراهيم فقلت الذى يعيبها عندي انك أنفقت عليها نحوا من عشرين ألف ألف درهم وهو شئ لا آمنه عليك غدا بين يدى أمير المؤمنين قال هو يعلم انه قد وصلنى بأكثر من ذلك وضعف ذلك سوى ما عرضنى له قال قلت إن العدو إنما يأتيه في هذا من جهة أن يقول يا أمير المؤمنين إذا أنفق على دار عشرين ألف ألف درهم فأين نفقاته وأين صلاته وأين النوائب التى تنوبه وما ظنك يا أمير المؤمنين بما وراء ذلك وهذه جملة سريعة إلى القلب والموقف على الحاصل منها صعب قال إن سمع منى قلت إن لامير المؤمنين نعما على قوم قد كفروها بالستر لها أو بإظهار القليل من كثيرها وأنا رجل نظرت إلى نعمته عندي فوضعتها في رأس جبل ثم قلت للناس تعالوا فانظروا وذكر زيد بن على بن حسين بن زيد ان إبراهيم بن المهدى حدثه أن جعفر بن يحيى قال له يوما وكان جعفر بن يحيى صاحبه عند الرشيد وهو الذى قربه منه إنى قد استربت

[ 488 ]

بأمر هذا الرجل يعنى الرشيد وقد ظننت أن ذلك لسابق سبق في نفسي منه فأردت أن أعتبر ذلك بغير فكنت أنت فارمق ذلك في يومك هذا وأعلمنى ما ترى منه قال ففعلت ذلك في يومى فلما نهض الرشيد من مجلسه كنت أول أصحابه نهض عنه حتى صرت إلى شجر في طريقي فدخلتها ومن معى وأمرتهم بإطفاء الشمع وأقبل الندماء يمرون بى واحدا واحدا فأراهم ولا يرونى حتى إذا لم يبق منهم أحد إذا أنا بجعفر قد طلع فلما جاوز الشجر قال اخرج يا حبيبي قال فخرجت فقال ما عندك فقلت حتى تعلمني كيف علمت أنى ههنا قال عرفت عنايتك بما أعنى به وإنك لم تكن لتنصرف أو تعلمني ما رأيت منه وعلمت أنك تكره أن ترى واقفا في مثل هذا الوقت وليس في طريقك موضع أستر من هذا الموضع فقضيت بأنك فيه قلت نعم قال فهات ما عندك قلت رأيت الرجل يهزل إذا جددت ويجد إذا هزلت قال كذا هو عندي فانصرف يا حبيبي قال فانصرفت قال وحدثني على بن سليمان أنه سمع جعفر بن يحيى يوما يقول ليس لدارنا هذه عيب إلا أن صاحبها فيها قليل البقاء يعنى نفسه وذكر عن موسى بن يحيى قال خرج أبى إلى الطواف في السنة التى أصيب فيها وأنا معه من بين ولده فجعل يتعلق بأستار الكعبة ويردد الدعاء ويقول اللهم ذنوبي جمة عظيمة لا يحصيها غيرك ولا يعرفها سواك اللهم ان كنت تعاقبني فاجعل عقوبتي في الدنيا وإن أحاط ذلك بسمعي وبصرى ومالى وولدى حتى تبلغ رضاك ولا تجعل عقوبتي في الآخرة قال وحدثني أحمد بن الحسن بن حرب قال رأيت يحيى وقد قابل البيت وتعلق بأستار الكعبة وهو يقول اللهم إن كان رضاك في أن تسلبني نعمتك عندي فاسلبني اللهم إن كان رضاك في أن تسلبني أهلى وولدى فاسلبني اللهم إلا الفضل قال ثم ولى ليمضى فلما قرب من باب المسجد كر مسرعا ففعل مثل ذلك وجعل يقول اللهم إنه سمج بمثلى أن يرغب اليك ثم يستثنى عليك اللهم والفضل قال فلما انصرفوا من الحج نزلوا الانبار ونزل الرشيد بالعمر ومعه وليا العهد الامين والمأمون ونزل الفضل مع الامين وجعفر مع المأمون ويحيى في منزل خالد بن عيسى كاتبه ومحمد بن يحيى في منزل ابن نوح صاحب

[ 489 ]

الطراز ونزل محمد بن خالد مع المأمون بالعمر مع الرشيد قال وخلا الرشيد بالفضل ليلا ثم خلع عليه وقلده وأمره أن ينصرف مع محمد الامين ودعا بموسى بن يحيى فرضى عنه وكان غضب عليه بالحيرة في بدأته لان على بن عيسى بن ماهان اتهمه عند الرشيد في أمر خراسان وأعلمه طاعة أهلها له ومحبتهم إياه وأنه يكاتبهم ويعمل على الانسلال إليهم والوثوب به معهم فوقر ذلك في نفس الرشيد عليه وأوحشه منه وكان موسى أحد الفرسان الشجعان فلما قدح على بن عيسى فيه أسرع ذلك في الرشيد وعمل فيه القليل منه ثم ركب موسى دين واختفى من غرمائه فتوهم الرشيد أنه صار إلى خراسان كما قيل له فلما صار إلى الحيرة في هذه الحجة وافاه موسى من بغداد فحبسه الرشيد عند العباس بن موسى بالكوفة فكان ذلك أول ثلمة ثلموا بها فركبت أم الفضل بن يحيى في أمره ولم يكن يردها في شئ فقال يضمنه أبوه فقد رفع إلى فيه فضمنه يحيى ودفعه إليه ثم رضى عنه وخلع عليه وكان الرشيد قد عتب على الفضل بن يحيى وثقل مكانه عليه لتركه الشرب معه فكان الفضل يقول لو علمت أن الماء ينقص من مروتى ما شربته وكان مشغوفا بالسماع قال وكان جعفر يدخل في منادمة الرشيد حتى كان أبوه ينهاه عن منادمته ويأمره بترك الانس به فيترك أمر أبيه ويدخل معه فيما يدعوه إليه * وذكر عن سعيد ابن هريم أن يحيى كتب إلى جعفر حين أعيته حيلته فيه إنى انما أهملتك ليعثر الزمان بك عثرة تعرف بها أمرك وإن كنت لاخشى أن تكون التى لا شوى لها قال وقد كان يحيى قال للرشيد يا أمير المؤمنين أنا والله أكره مداخلة جعفر معك ولست آمن أن ترجع العاقبة في ذلك على منك فلو أعقبته واقتصرت به على ما يتولاه من جسيم أعمالك كان ذلك واقعا بموافقتي وآمن لك على قال الرشيد يا أبت ليس بك هذا ولكنك إنما تريد أن تقدم عليه الفضل * وقد حدثنى أحمد ابن زهير أحسبه عن عمه زاهر بن حرب أن سبب هلاك جعفر والبرامكه أن الرشيد كان لا يصبر عن جعفر وعن أخته عباسة بنت المهدى وكان يحضرهما إذا جلس للشرب وذلك بعد أن أعلم جعفرا قلة صبره عنه وعنها وقال لجعفر أزوجكها

[ 490 ]

ليحل لك النظر إليها إذا أحضرتها مجلسي وتقدم إليه ألا يمسها ولا يكون منه شئ مما يكون للرجل إلى زوجته فزوجها منه على ذلك فكان يحضرهما مجلسه إذا جلس للشرب ثم يقوم عن مجلسه ويخليهما فيثملان من الشراب وهما شابان فيقوم إليها جعفر فيجامعها فحملت منه وولدت غلاما فخافت على نفسها من الرشيد إن علم بذلك فوجهت بالمولود مع حواضن له من مماليكها إلى مكة فلم يزل الامر مستورا عن هارون حتى وقع بين عباسة وبين بعض جواريها شر فأنهت أمرها وأمر الصبى إلى الشريد وأخبرته بمكانه ومع من هو من جواريها وما معه من الحلى الذى كانت زينته به أمه فلما حج هارون هذه الحجة أرسل إلى الموضع الذى كانت الجارية أخبرته أن الصبى به من يأتيه بالصبى وبمن معه من حواضنه فلما أحضروا سأل اللواتى معهن الصبى فأخبرنه بمثل القصة التى أخبرته بها الرافعة على عباسة فأراد فيما زعم قتل الصبى ثم تحوب من ذلك وكان جعفر يتخذ للرشيد طعاما كلما حج بعسفان فيقريه إذا انصرف شاخصا من مكة إلى العراق فلما كان في هذا العام اتخذ الطعام جعفر كما كان يتخذه هنا لك ثم استزاره فاعتل عليه الرشيد ولم يحضر طعامه ولم يزل جعفر معه حتى نزل منزله من الانبار فكان من أمره وأمر أبيه ما أنا ذاكره إن شاء الله تعالى ذكر الخبر عن مقتل جعفر ذكر الفضل بن سليمان بن على أن الرشيد حج في سنة 186 وأنه انصرف من مكة فوافى الحيرة في المحرم من سنة 187 عند انصرافه من الحج فأقام في قصر عون العبادي أياما ثم شخص في السفن حتى نزل العمر الذى بناحية الانبار فلما كان ليلة السبت لانسلاخ المحرم أرسل مسرورا الخادم ومعه حماد بن سالم أبو عصمة في جماعة من الجند فأطافوا بجعفر بن يحيى ليلا ودخل عليه مسرور وعنده ابن بختيشوع المتطبب وأبو زكار الاعمى المغنى الكلوذانى وهو في لهوه فأخرجه إخراجا عنيفا يقوده حتى أتى به المنزل الذى فيه الرشيد فحبسه وقيده بقيد حمار وأخبر الرشيد بأخذه إياه ومجيئه به فأمر بضرب عنقه ففعل ذلك * وذكر عن

[ 491 ]

على بن أبى سعيد أن مسرورا الخادم حدثه قال أرسلني الرشيد لآتيه بجعفر بن يحيى لما أراد قتله فأتيته وعنده أبو زكار الاعمى المغنى وهو يغنيه فلا تبعد فكل فتى سيأتي * عليه الموت يطرق أو يغادى قال فقلت له يا أبا الفضل الذى جئت له من ذلك قد والله طرقك أجب أمير المؤمنين قال فرفع يديه ووقع على رجلى يقبلهما وقال حتى أدخل فأوصى قلت أما الدخول فلا سبيل إليه ولكن أوص بما شئت فتقدم في وصيته بما أراد وأعتق مماليكه ثم أتتنى رسل أمير المؤمنين تستحثنى به قال فمضيت به إليه فأعلمته فقال لى وهو في فراشه ائتنى برأسه فأتيت جعفرا فأخبرته فقال يا أبا هاشم الله الله والله ما أمرك بما أمرك به إلا وهو سكران فدافع بأمرى حتى أصبح أؤامره في ثانية فعدت لاؤامره فلما سمع حسى قال يا ماص بظر أمه ائتنى برأس جعفر فعدت إلى جعفر فأخبرته فقال عاوده في ثالثة فأتيته فحذفني بعمود ثم قال نفيت من المهدى إن أنت جئتني ولم تأتني برأسه لارسلن اليك من يأتيني برأسك أولا ثم برأسه آخرا قال فخرجت فأتيته برأسه قال وأمر الرشيد في تلك الليلة بتوجيه من أحاط بيحيى بن خالد وجميع ولده ومواليه ومن كان منهم بسبيل فلم يفلت منهم أحد كان حاضرا وحول الفضل ابن يحيى ليلا فحبس في ناحية من منازل الرشيد وحبس يحيى بن خالد في منزله وأخذ ما وجد لهم من مال وضياع ومتاع وغير ذلك ومنع أهل العسكر من أن يخرج منهم خارج إلى مدينة السلام أو إلى غيرها ووجه من ليلته رجاء الخادم إلى الرقة في قبض أموالهم وما كان لهم وأخذ كل ما كان من رقيقهم ومواليهم وحشمهم وولاه أمورهم وفرق الكتب من ليلته إلى جميع العمال في نواحى البلدان والاعمال بقبض أموالهم وأخذ وكلائهم فلما أصبح بعث بجثة جعفر بن يحيى مع شعبة الخفتانى وهرثمة بن أعين وابراهيم بن حميد المروروذى وأتبعهم عدة من خدمه وثقاته منهم مسرور الخادم إلى منزل جعفر بن يحيى وابراهيم بن حميد وحسين الخادم إلى منزل الفضل بن يحيى ويحيى بن عبد الرحمن ورشيد الخادم إلى منزل يحيى ومحمد بن يحيى وجعل معه هرثمة بن أعين وأمر بقبض جميع مالهم

[ 492 ]

وكتب إلى السندي الحرشى بتوجيه جيفة جعفر إلى مدينة السلام ونصب رأسه على الجسر الاوسط وقطع جثته وصلب كل قطعة منها على الجسر الاعلى والجسر الاسفل ففعل السندي ذلك وأمضى الخدم ما كانوا وجهوا فيه وحمل عدة من أولاد الفضل وجعفر ومحمد الاصاغر إلى الرشيد فأمر بإطلاقهم وأمر بالنداء في جميع البرامكة ألا أمان لمن آواهم الا محمد بن خالد وولده وأهله وحشمه فانه استثناهم لما ظهر من نصيحة محمد له وعرف براءته مما دخل فيه غيره من البرامكة وخلى سبيل يحيى قبل شخوصه من العمرو وكل بالفضل ومحمد وموسى بن يحيى وبأبى المهدى صهرهم حفظة من قبل هرثمة بن أعين إلى أن وافى بهم الرقة فأمر الرشيد بقتل أنس بن أبى شيخ يوم قدم الرقة وتولى قتله إبراهيم بن عثمان بن نهيك ثم صلب وحبس يحيى بن خالد مع الفضل ومحمد في دير القائم وجعل عليهم حفظة من قبل مسرور الخادم وهرثمة بن أعين ولم يفرق بينهم وبين عدة من خدمهم ولا ما يحتاجون إليه وصير معهم زبيدة بنت منير أم الفضل ودنانير جارية يحيى وعدة من خدمهم وجواريهم ولم تزل حالهم سهلة إلى أن سخط الرشيد على عبد الملك ابن صالح فعمهم بالتثقيف بسخطه وجدد له ولهم التهمة عند الرشيد فضيق عليهم وذكر الزبير بن بكار أن جعفر بن الحسين اللهمى حدثه أن الرشيد أتى بأنس ابن أبى شيخ صبح الليلة التى قتل فيها جعفر بن يحيى فدار بينه وبينه كلام فأخرج الرشيد سيفا من تحت فراشه وأمر أن تضرب عنقه وجعل يتمثل ببيت قيل في قتل أنس قبل ذلك تلمظ السيف من شوق إلى أنس * فالسيف يلحظ والاقدار تنتظر قال فضرب عنقه فسبق السيف الدم فقال الرشيد رحم الله عبد الله بن مصعب وقال الناس إن السيف كان سيف الزبير بن العوام وذكر بعضهم أن عبد الله بن مصعب كان على خبر الناس للرشيد فكان أخبره عن أنس أنه على الزندقة فقتله لذلك وكان أحد أصحاب البرامكة وذكر محمد بن اسحاق أن جعفر بن محمد بن حكيم الكوفى حدثه قال حدثنى السندي بن شاهك قال إنى لجالس يوما فإذا أنا بخادم

[ 493 ]

قد قدم على البريد ودفع إلى كتابا صغيرا ففضضته فإذا كتاب الرشيد بخطه فيه (بسم الله الرحمن الرحيم) يا سندى إذا نظرت في كتابي هذا فان كنت قاعدا فقم وإن كنت قائما فلا تقعد حتى تصير إلى قال السندي فدعوت بدوابي ومضيت وكان الرشيد بالعمر فحدثني العباس بن الفضل بن الربيع قال جلس الرشيد في الزوفى الفرات ينتظرك وارتفعت غبرة فقال لى يا عباس ينبغى أن يكون هذا السندي وأصحابه قلت يا أمير المؤمنين ما أشبهه أن يكون هو قال فطلعت قال السندي فنزلت عن دابتي ووقفت فأرسل إلى الرشيد فصرت إليه ووقفت ساعة بين يديه فقال لمن كان عنده من الخدم قوموا فقاموا فم يبق الا العباس بن الفضل وأنا ومكث ساعة ثم قال للعباس اخرج ومر برفع التخاتج المطروحة على الزوففعل ذلك فقال لى ادن منى فدنوت منه فقال لى تدرى فيم أرسلت اليك قلت لا والله يا أمير المؤمنين قال قد بعثت اليك في أمر لو علم به زر قميصي رميت به في الفرات يا سندى من أوثق قوادى عندي قلت هرثمة قال صدقت فمن أوثق خدمي عندي قلت مسرور الكبير قال صدقت امض من ساعتك هذه وجد في سيرك حتى توافي مدينة السلام فاجمع ثقات أصحابك وأرباعك ومرهم أن يكونوا وأعوانهم على أهبة فإذا انقطعت الرجل فصر إلى دور البرامكة فوكل بكل باب من أبوابهم صاحب ربع ومره أن يمنع من يدخل ويخرج خلاباب محمد بن خالد حتى يأتيك أمرى قال ولم يكن حرك البرامكة في ذلك الوقت قال السندي فجئت أركض حتى أتيت مدينة السلام فجمعت أصحابي وفعلت ما أمرنى به قال فلم ألبث أن أقدم على هرثمة ابن أعين ومعه جعفر بن يحيى على بغل بلا أكاف مضروب العنق وإذا كتاب أمير المؤمنين يأمرنى أن أشطره باثنين وأن أصلبه على ثلاثة جسور قال ففعلت ما أمرنى به قال محمد بن اسحاق فلم يزل جعفر مصلوبا حتى أراد الرشيد الخروج إلى خراسان فمضيت فنظرت إليه فلما صار بالجانب الشرقي على باب خزيمة ابن خازم دعا بالوليد بن جشم الشارى من الحبس وأمر أحمد بن الجنيد الختلى وكان سيافه فضرب عنقه ثم التفت إلى السندي فقال ينبغى أن يحرق هذا

[ 494 ]

يعنى جعفرا فلما مضى جمع السندي له شوكا وحطبا وأحرقه وقال محمد بن اسحاق لما قتل الرشيد جعفر بن يحيى قيل ليحيى بن خالد قتل أمير المؤمنين ابنك جعفرا قال كذلك يقتل ابنه قال فقيل له خربت ديارك قال كذلك تخرب دورهم وذكر الكرماني أن بشار التركي حدثه أن الرشيد خرج إلى الصيد وهو بالعمر في اليوم الذى قتل جعفرا في آخره فكان ذلك اليوم يوم جمعة وجعفر ابن يحيى معه قد خلا به دون ولاة العهد وهو يسير معه وقد وضع يده على عاتقه وقبل ذلك ما غلفه بالغالية بيد نفسه ولم يزل معه ما يفارقه حتى انصرف مع المغرب فلما أراد الدخول ضمه إليه وقال له لولا أنى على الجلوس الليلة مع النساء لم أفارقك فأقم أنت في منزلك واشرب أيضا واطرب لتكون أنت في مثل حالى فقال لا والله ما أشتهى ذلك إلا معك فقال له بحياتي لما شربت فانصرف عنه إلى منزله فلم تزل رسل الرشيد عنده ساعة بعد ساعة تأتيه بالانقال والابخرة والرياحين حتى ذهب الليل ثم بعث إليه مسرورا فحبس عنده وأمر بقتله وحبس الفضل ومحمد وموسى ووكل سلاما الابرش بباب يحيى بن خالد ولم يعرض لمحمد بن خالد ولا لاحد من ولده وحشمه قال فحدثني العباس بن بزيع عن سلام قال لما دخلت على يحيى في ذلك الوقت وقد هتكت الستور وجمع المتاع قال لى يا أبا سلمة هكذا تقوم الساعة قال سلام فحدثت بذلك الرشيد بعد ما انصرفت إليه فأطرق مفكرا قال وحدثني أيوب بن هارون بن سليمان بن على قال كان سكنى إلى يحيى فلما نزلوا الانبار خرجت إليه فأنا معه في تلك العشية التى كان آخر أمره وقد صار إلى أمير المؤمنين في حراقته فدخل إليه من باب صاحب الخاصة فكلمه في حوائج الناس وغيرها من إصلاح الثغور وغزو البحر ثم خرج فقال للناس قد أمر أمير المؤمنين بقضاء حوائجكم وبعث إلى أبى صالح يحيى بن عبد الرحمن يأمره بإنفاذ ذلك ثم لم يزل يحدثنا عن أبى مسلم وتوجيه معاذ بن مسلم حتى دخل منزله بعد المغرب ووافانا في وقت السحر خبر مقتل جعفر وزوال أمرهم قال فكتبت إلى يحبى أعزيه فكتب إلى أنا بقضاء الله راض وبالخيار منه عالم ولا يؤاخذ الله

[ 495 ]

العباد إلا بذنوبهم وما ربك بظلام للعبيد وما يعفو الله أكثر ولله الحمد قال وقتل جعفر بن يحيى في ليلة السبت أوله ليلة من صفر سنة 187 وهو ابن سبع وثلاثين سنة وكانت الوزارة إليهم سبع عشرة سنة وفي ذلك يقول الرقاشى أيا سبت يا شر السبوت صبيحة * ويا صفر المشؤوم ما جئت أشأما أنى السبت بالامر الذى هد ركننا * وفي صفر جاء البلاء مصمما قال وذكر عن مسرور أنه أعلم الرشيد أن جعفرا سأله أن تقع عينه عليه فقال لا لانه يعلم إن وقعت عينى عليه لم أقتله قال وفيهم يقول الرقاشى وقد ذكر أن هذا الشعر لابي نواس ألان استرحنا واستراحت ركابنا * وأمسك من يحدى ومن كان يحتد فقل للمطايا قد أمنت من السرى * وطى الفيافي فدفدا بعد فدفد وقل للمنايا قد ظفرت بجعفر * ولن تظفرى من بعده بمسود وقل للعطايا بعد فضل تعطلي * وقل للرزايا كل يوم تجددى ودونك سيفا برمكبا مهندا * أصيب بسيف هاشمى مهند وفيهم يقول في شعر له طويل إن يغدر الزمن الخؤون بنا فقد * غدر الزمان بجعفر ومحمد حتى إذا وضح النهار تكشفت * عن قتل أكرم هالك لم يلحد والبيض لولا أنها مأمورة * ما فل حد مهند بمهند يا آل برمك كم لكم من نائل * وندا كعد الرمل غير مصرد إن الخليفة لا يشك أخوكم * لكنه في برمك لم يولد نازعتموه رضاع أكرم حرة * مخلوقة من جوهر وزبرجد ملك له كانت يد فياضة * أبدا تجود بطارف وبمتلد كانت يدا للجود حتى غلها * قدر فأضحى الجود مغلول اليد وفيهم يقول سيف بن إبراهيم هوت أنجم الجدوى وشلت يد الندى * وغاضت بحور الجود بعد البرامك

[ 496 ]

هوت أنجم كانت لابناء برمك * بها يعرف الحادى طريق المسالك وقال ابن أبى كريمة كل معير أعير مرتبة * بعد فتى برمك على غرر صالت عليه من الزمان يد * كان بها صائلا على البشر وقال العطوى أبو عبد الرحمن أما والله لولا قول واش * وعين للخليفة لا تنام لطفنا حول جذعك واستلمنا * كما للناس بالحجر استلام على الدنيا وساكنها جميعا * ودولة آل برمك السلام وفي قتل جعفر قال أبو العتاهية قولا لمن يرتجى الحياة أما * في جعفر عبرة ويحياه كانا وزيرى خليفة الله ها * رون هما ما هما خليلاه فذاكم جعفر برمته * في حالق رأسه ونصفاه والشيخ يحيى الوزير أصبح قد * نحاه عن نفسه وأقصاه شتت بعد التجميع شملهم * فأصبحوا في البلاد قد تاهوا كذاك من يسخط الاله بما * يرضى به العبد يجزه الله سبحان من دانت الملوك له * أشهد أن لا إله إلا هو طوبى لمن تاب بعد غرته * فتاب قبل الممات طوباه قال وفى هذه السنة هاجت العصبية بدمشق بين المضرية واليمانية فوجه الرشيد محمد بن منصور بن زياد فأصلح بينهم (وفيها) زلزلت المصيصة فانهدم بعض سورها ونضب ماؤهم ساعة من الليل (وفيها) خرج عبد السلام بآمد فحكم فقتله يحيى بن سعيد العقيلى (وفيها) مات يعقوب بن داود بالرقة (وفيها) أغزى الرشيد ابنه القاسم الصائفة فوهبه الله وجعله قربانا له ووسيلة وولاه العواصم (وفيها) غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح وحبسه

[ 497 ]

ذكر الخبر عن سبب غضبه عليه وما أوجب حبسه ذكر احمد بن ابراهيم بن اسماعيل ان عبد الملك بن صالح كان له ابن يقال له عبد الرحمن كان من رجال الناس وكان عبد الملك يكنى به وكان لابنه عبد الرحمن لسان على فأفأة فيه فنصب لابيه عبد الملك وقمامة فسعيا به إلى الرشيد وقالا له انه يطلب الخلافة ويطمع فيها فأخذه وحبسه عند الفضل بن الربيع فذكر أن عبد الملك ابن صالح أدخل على الرشيد حين سخط عليه فقال له الرشيد أكفرا بالنعمة وجحودا لجليل المنة والتكرمة فقال يا أمير المؤمنين لقد بؤت إذا بالندم وتعرضت لا ستحلال النقم وما ذاك إلا بغى حاسد نافسني فيك مودة القرابة وتقديم الولاية إنك يا أمير المؤمنين خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته وأمينه على عترته لك عليها فرض الطاعة وأداء النصيحة ولها عليك العدل في حكمها والتثبت في حادثها والغفران لذنوبها فقال له الرشيد أتضع لى من لسانك وترفع لى من جنانك هذا كاتبك قمامة يخبر بغلك وفساد نيتك فاسمع كلامه فقال عبد الملك أعطاك ما ليس في عقدة ولعله لا يقدر أن يعضهن ولا يبهتني بما لم يعرفه منى وأحضر قمامة فقال له الرشيد تكلم غير هائب ولا خائف قال أقول إنه عازم على الغدر بك والخلاف عليك فقال عبد الملك أهو كذاك يا قمامة قال قمامة نعم لقد أردت ختل أمير المؤمنين فقال عبد الملك كيف لا يكذب على من خلفي وهو يبهتني في وجهى فقال له الرشيد وهذا ابنك عبد الرحمن يخبرني بعتوك وفساد نيتك ولو أردت أن أحتج عليك بحجة لم أجد أعدل من هذين لك فبم تدفعهما عنك فقال عبد الملك بن صالح هو مأمور أو عاق مجبور فان كان مأمورا فمعذور وإن كان عاقا ففاجر كفور أخبر الله عز وجل بعداوته وحذر منه بقوله (إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فأحذروهم * قال فنهض الرشيد وهو يقول أما أمرك فقد وضح ولكني لا أعجل حتى أعلم الذى يرضى الله فيك فانه الحكم بينى وبينك فقال عبد الملك رضيت بالله حكما وبأمير المؤمنين حاكما فانى أعلم أنه يؤثر كتاب الله على هواه وأمر الله على رضاه قال فلما كان بعد ذلك

[ 498 ]

جلس مجلسا آخر فسلم لما دخل فلم يرد عليه فقال عبد الملك ليس هذا يوما أحتج فيه ولا أجاذب منازعا وخصما قال ولم قال لان أوله جرى على غير السنة فأنا أخاف آخره قال وما ذاك قال لم ترد على السلام أنصف نصفة العوام قال السلام عليكم اقتداء بالسنة وإيثارا للعدل واستعمالا للتحية ثم التفت نحو سليمان ابن أبى جعفر فقال وهو يخاطب بكلامه عبد الملك أريد حياته ويريد قتلى * البيت - ثم قال أما والله لكأنى أنظر إلى شؤبوبها قد همع وعارضها قد لمع وكأني بالوعيد قد أورى نارا تستطع فأقلع عن براجم بلا معاصم ورؤس بلا غلاصم فمهلا مهلا فبى والله سهل لكم الوعر وصفا لكم الكدر وألقت اليكم الامور أثناء أزمتها فنذارلكم نذار قبل حلول داهية خبوط باليد لبوط بالرجل فقال عبد الملك اتق الله يا أمير المؤمنين فيما ولاك وفي رعيته التى استرعاك ولا تجعل الكفر مكان الشكر ولا العقاب موضع الثواب فقد نخلت لك النصيحة ومحضت لك الطاعة وشددت أواخى ملكك بأثقل من ركني يلملم وتركت عدوك مشتغلا فالله الله في ذى رحمك أن تقطعه بعد أن بللته بظن أفصح الكتاب لى بعضه أو ببغى باغ ينهس اللحم ويالغ الدم فقد والله سهلت لك الوعور وذلك لك الامور وجمعت على طاعتك القلوب في الصدور فكم من ليل تمام فيك كابدته ومقام ضيق لك قمته كنت فيه كما قال أخو بنى جعفر بن كلاب ومقام ضيق فرجته * ببنانى ولساني وجدل لو يقوم الفيل أو فياله * زل عن مثل مقامي وزحل قال فقال له الرشيد أما والله لولا الابقاء على بنى هاشم لضربت عنقك وذكر زيد بن على بن الحسين العلوى قال لما حبس الرشيد عبد الملك بن صالح دخل عليه عبد الله بن مالك وهو يومئذ على شرطه فقال أفى إذن أنا فأتكلم قال لا والله العظيم يا أمير المؤمنين ما علمت عبد الملك إلا ناصحا فعلام حبسته قال ويحك بلغني عنه ما أوحشني ولم آمنه أن يضرب بين ابني هذين يعنى الامين والمأمون فان كنت ترى أن نطلقه من الحبس أطلقناه قال أما إذا حبسته يا أمير المؤمنين فلست

[ 499 ]

أرى في قرب المدة أن تطلقه ولكن أرى أن تحبسه محبسا كريما يشبه محبس مثلك مثله قال فانى أفعل قال فدعا الرشيد الفضل بن الربيع فقال امض إلى عبد الملك بن صالح إلى محبسه فقل له انظر ما تحتاج إليه في محبسك فأمر به حتى يقام لك فذكر قصته وما سأل قال وقال الرشيد يوما لعبد الملك بن صالح في بعض ما كلمه ما أنت لصالح قال فلمن أنا قال لمروان الجعدى قال ما أبالى أي الفحلين غلب على فحبسه الرشيد عند الفضل بن الربيع فلم يزل محبوسا حتى توفى الرشيد فأطلقه محمد وعقد له على الشأم فكان مقيما بالرقة وجعل لمحمد عهد الله وميثاقه لئن قتل وهو حى لا يعطى المأمون طاعة أبدا فمات قبل محمد فدفن في دار من دور الامارة فلما خرج المأمون يريد الروم أرسل إلى ابن له حول أباك من دارى فنبشت عظامه وحولت وكان قال لمحمد إن خفت فالجأ إلى فوالله لاصوننك وذكر أن الرشيد بعث في بعض أيامه إلى يحيى بن خالد أن عبد الملك بن صالح أراد الخروج ومنازعتي في الملك وقد علمت ذلك فأعلمني ما عندك فيه فانك إن صدقتني أعدتك إلى حالك فقال والله يا أمير المؤمنين ما اطلعت من عبد الملك على شئ من هذا ولو اطلعت عليه لكنت صاحبه دونك لان ملكك كان ملكى وسلطانك كان سلطاني والخير والشر كان فيه على ولى فكيف يجوز لعبد الملك أن يطمع في ذلك منى وهل كنت إذا فعلت ذلك به يفعل بى أكثر من فعلك أعيذك بالله أن تظن بى هذا الظن ولكنه كان رجلا محتملا يسرنى أن يكون في أهلك مثله فوليته لما أحمدت من مذهبه وملت إليه لادبه واحتماله قال فلما أتاه الرسول بهذا أعاد إليه فقال إن أنت لم تقر عليه قتلت الفضل ابنك فقال له أنت مسلط علينا فافعل ما أردت على أنه إن كان من هذا الامر شئ فالذنب فيه لى فبم يدخل الفضل في ذلك فقال الرسول للفضل قم فإنه لا بد لى من انفاذ أمر أمير المؤمنين فيك فلم يشك أنه قاتله فودع أباه وقال له ألست راضيا عنى قال بلى فرصي الله عنك ففرق بينهما ثلاثة أيام فلما لم يجد عنده من ذلك شيئا جمعهما كما كانا وكان يأتيهم منه أغلظ رسائل لما كان أعداؤهم يقرفونهم به عنده فلما أحد

[ 500 ]

مسرور بيد الفضل لما أعلمه به بلغ من يحيى فأخرج ما في نفسه فقال له قل له يقتل ابنك مثله قال مسرور فلما سكن عن الرشيد الغضب قال كيف قال فأعدت عليه القول قال قد خفت والله قوله لانه قل ما قال لى شيئا إلا رأيت تأويله * وقيل بينما الرشيد يسير وفي موكبه عبد الملك بن صالح إذ هتف به هاتف وهو يساير عبد الملك فقال يا أمير المؤمنين طأطئى من أشرافه وقصر من عنانه واشدد من شكائمه وإلا أفسد عليك ناحيته فالتفت إلى عبد الملك فقال ما يقول هذا يا عبد الملك فقال عبد الملك مقال باغ ودسيس حاسد فقال له هارون صدقت نقص القوم ففضلتهم وتخلقوا وتقدمتهم حتى برز شأوك فقصر عنه غيرك ففى صدورهم جمرات التخلف وحزازات النقص فقال عبد الملك لا أطفأها الله وأضرمها عليهم حتى تورثهم كمدا دائما أبدا وقال الرشيد لعبد الملك بن صالح وقد مر بمنبج وبها مستقر عبد الملك هذا منزلك قال هو لك يا أمير المؤمنين ولى بك قال كيف هو قال دون بناء أهلى وفوق منازل منبج قال فكيف ليلها قال سحر كله (وفى هذه السنة) دخل القاسم بن الرشيد أرض الروم في شعبان فأناخ على قرة وحاصرها ووجه العباس بن جعفر بن محمد بن الاشعث فأناخ على حصن سنان حتى جهدوا فبعثت إليه الروم تبذل له ثلثمائة وعشرين رجلا من أسارى المسلمين على أن يرحل عنهم فأجابهم إلى ذلك ورحل عن قرة وحصن سنان صلحا ومات على بن عيسى بن موسى في هذه الغزاة بأرض الروم وهو مع القاسم (وفى هذه السنة) نقض صاحب الروم الصلح الذى كان جرى بين الذى قبله وبين المسلمين ومنع ما كان ضمنه الملك لهم قبله ذكر الخبر عن سبب نقضهم ذلك وكان سبب ذلك أن الصلح كان جرى بين المسلمين وصاحب الروم وصاحبتهم يومئذ رينى وقد ذكرنا قبل سبب الصلح الذى كان بين المسلمين وبينها فعادت الروم على رينى فخلعتها وملكت عليها نقفور والروم تذكر أن نفقور هذا من أولاد جفنة من غسان وأنه قبل الملك كان يلى ديوان الخروج ثم ماتت رينى

[ 501 ]

بعد خمسة أشهر من خلع الروم إياها فذكر أن نقفور لما ملك واستوثقث له الروم بالطاعة كتب إلى الرشيد من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب أما بعد فإن الملكة التى كانت قبلى أقامتك مقام الرخ وأقامت نفسها مقام البيدق فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقا بحمل أمثالها إليها لكن ذاك ضعف النساء وحمقهن فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أموالها وافتد نفسك بما يقع به المصادرة لك وإلا فالسيف بيننا وبينك قال فلما قرأ الرشيد الكتاب استفزه الغضب حتى لم يمكن أحدا أن ينظر إليه دون أن يخاطبه وتفرق جلساؤه خوفا من زيادة قول أو فعل يكون منهم واستعجم الرأى على الوزير من أن يشير عليه أو يتركه يستبد برأيه دونه فدعا بدواة وكتب على ظهر الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة والجواب ما تراه دون أن تسمعه والسلام ثم شخص من يومه وسار حتى أناخ بباب هرقلة ففتح وغنم واصطفى وأفاد وخرب وحرق واصطلم فطلب نقفور الموادعة على خراج يؤديه في كل سنة فأجابه إلى ذلك فلما رجع من غزوته وصار بالرقة نقض نقفور العهد وخان الميثاق وكان البرد شديدا فيئس نقفور من رجعته إليه وجاء الخبر بارتداده عما أخذ عليه فما تهيأ لاحد إخباره بذلك إشفاقا عليه وعلى أنفسهم من الكرة في مثل تلك الايام فاحتيل له بشاعر من أهل جندة أكنى أبا محمد عبد الله بن يسوف ويقال هو الحجاج بن يوسف التيمى فقال نقض الذى أعطيته نقفور * وعليه دائرة البوار تدور أبشر أمير المؤمنين فإنه * غنم أتاك به الاله كبير فلقد تباشرت الرعية أن أتى * بالنقض عنه وافد وبشير ورجت يمينك أن تعجل غزوة * تشفى النفوس مكانها مذكور أعطاك جزيته وطأطأ خده * حذر الصوارم والردى محذور فأجرته من وقعها وكأنها * بأكفنا شعل الضرام تطير

[ 502 ]

وصرفت بالطول العساكر قافلا * عنه وجارك آمن مسرور نقفور إنك حين تغدر إن نأى * عنك الامام لجاهل مغرور أظننت حين غدرت أنك مفلت * هبلتك أمك ما ظننت غرور ألقاك حينك في زواخر بحره * فطمت عليك من الامام بحور إن الامام على اقتسارك قادر * قربت ديارك أم نأت بك دور ليس الامام وإن غفلنا غافلا * عما يسوس بحزمه ويدير ملك تجرد للجهاد بنفسه * فعدوه أبدا به مقهور يا من يريد رضى الاله بسعيه * والله لا يخفى عليه ضمير لا نصح ينفع من يغش إمامه * والنصح من نصحائه مشكور نصح الامام على الانام فريضة * ولاهلها كفارة وطهور وفى ذلك يقول إسماعيل بن القاسم أبو العتاهية إمام الهدى أصبحت بالدين معنيا * وأصبحت تسقى كل مستمطر ريا لك اسمان شقا من رشاد ومن هدى * فأنت الذى تدعى رشيدا ومهديا إذا ما سخطت الشئ كان مسخطا * وإن ترض شيئا كان في الناس مرضيا بسطت لنا شرقا وغربا يد العلى * فأوسعت شرقيا وأوسعت غربيا ووشيت وجه الارض بالجود والندى * فأصبح وجه الارض بالجود موشيا قضى الله أن صفا لهارون ملكه * وكان قضاء الله في الخلق مقضيا تحلبت الدنيا لهارون بالرضى * فأصبح نقفور لهارون ذميا وقال التيمى: لجت بنقفور أسباب الردى عبثا * لما رأته بغيل الليث قد عبثا ومن يزر غيله لا يخل من فزع * إن فات أنيابه والمخلب الشبثا خان العهود ومن ينكث بها فعلى * حوبائه لا على أعدائه نكثا كان الامام الذى ترجى فواضله * أذاقه ثمر الحلم الذى ورثا فرد ألفته من بعد أن عطفت * أزواجه مرها يبكينه شعثا

[ 503 ]

فلما فرغ من إنشاده قال أوقد فعل نقفور ذلك وعلم أن الوزراء قد احتالوا في ذلك فكر راجعا في أشد محنة وأغلظ كلفة حتى أناخ بفنائه فلم يبرح حتى رضى وبلغ ما أراد فقال أبو العتاهية ألا نادت هرقلة بالخراب * من الملك الموفق بالصواب غدا هارون يرعد بالمنايا * ويبرق بالمذكرة القضاب ورايات يحل النصر فيها * تمر كأنها قطع السحاب أمير المؤمنين ظفرت فاسلم * وأبشر بالغنيمة والاياب (وفيها) قتل في قول الواقدي إبراهيم بن عثمان بن نهيك وأما غير الواقدي فإنه قال في سنة 188 ذكر الخبر عن سبب مقتله ذكر عن صالح الاعمى وكان في ناحية إبراهيم بن عثمان بن نهيك قال كان إبراهيم بن عثمان كثيرا ما يذكر جعفر بن يحيى والبرامكة فيبكى جزعا عليهم وحبالهم إلى أن خرج من حد البكاء ودخل في باب طالبي الثأر والاحن فكان إذا خلا بجواريه وشرب وقوى عليه النبيذ قال يا غلام سيفى ذا المنية وكان قد سمى سيفه ذا المنية فيجيئه غلامه بالسيف فينتضيه ثم يقول واجعفراه واسيداه والله لا قتلن قاتلك ولاثأرن بدمك عن قليل فلما كثر هذا من فعله جاء ابنه عثمان إلى الفضل بن الربيع فأخبره بقوله فدخل الفضل فأخبر الرشيد فقال أدخله فدخل فقال ما الذى قال الفضل عنك فأخبره بقول أبيه وفعله فقال الرشيد فهل سمع هذا أحد معك قال نعم خادمه نوال فدعا خادمه سرا فسأله فقال لقد قال ذاك غير مرة ولا مرتين فقال الرشيد ما يحل لى أن أقتل وليا من أوليائي بقول غلام وخصى لعلهما تواصيا على هذا لمنافسة الابن على المرتبة ومعاداة الخادم لطول الصحبة فترك ذلك أياما ثم أراد أن يمتحن إبراهيم بن عثمان بمحنة تزيل الشك عن قلبه والخاطر عن وهمه فدعا الفضل بن الربيع فقال إنى أريد محنة إبراهيم بن عثمان فيما رفع ابنه عليه فإذا رفع الطعام فادع بالشراب وقل له أجب أمير المؤمنين

[ 504 ]

فينادمك إذا كنت منه بالمحل الذى أنت به فإذا شرب فاخرج وأخلني وإياه ففعل ذلك الفضل بن الربيع وقعد إبراهيم للشراب ثم وثب حين وثب الفضل بن الربيع للقيام فقال له الرشيد مكانك يا ابراهيم فقعد فلما طابت نفسه أو ما الرشيد إلى الغلمان فتنحوا عنه ثم قال يا ابراهيم كيف أنت وموضع السر منك قال يا سيدى إنما أنا كأخص عبيدك وأطوع خدمك قال ان في نفسي أمرا أريد أن أودعكه وقد ضاق صدري به وأسهرت به ليلى قال يا سيدى إذا لا يرجع عنى اليك أبدا وأخفيه عن جنبى أن يعلمه ونفسي أن تذيعه قال ويحك انى ندمت على قتل جعفر ابن يحيى ندامة ما أحسن أن أصفها فوددت أنى خرجت من ملكى وأنه كان بقى لى فما وجدت طعم النوم منذ فارقته ولا لذة العيش منذ قتلته قال فلما سمعها إبراهيم أسبل دمعه وأذرى عبرته وقال رحم الله أبا الفضل وتجاوز عنه والله يا سيدى لقد أخطأت في قتله وأوطئت العشوة في أمره وأين يوجد في الدنيا مثله وقد كان منقطع القرين في الناس أجمعين دينا فقال الرشيد قم عليك لعنة الله يا ابن اللخناء فقام ما يعقل ما يطأ فانصرف إلى أمه فقال يا أم ذهبت والله نفسي قالت كلا إن شاء الله وما ذاك يا بنى قال ذاك ان الرشيد امتحننى بمحنة والله ولو كان لى ألف نفس لم أنج بواحدة منها فما كان بين هذا وبين أن أدخل عليه ابنه فضربه بسيفه حتى مات إلا ليال قلائل (وحج) بالناس في هذه السنة عبيد الله بن العباس بن محمد بن على ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائه ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك غزو ابراهيم بن جبريل الصائفة ودخوله أرض الروم من درب الصفصاف فخرج للقائه نقفور فورد عليه من ورائه أمر صرفه عن لقائه فانصرف ومر بقوم من المسلمين فجرح ثلاث جراحات وانهزم وقتل من الروم فيما ذكر أربعون ألفا وسبعمائة وأخذ أربعة آلاف دابة (وفيها) رابط القاسم بن الرشيد بدابق (وحج) بالناس فيها الرشيد فجعل طريقه على المدينة

[ 505 ]

فأعطى أهلها نصف العطاء وهذه الحجة هي آخر حجة حجها الرشيد فيما زعم الواقدي وغيره ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك ما كان من شخوص هارون الرشيد أمير المؤمنين فيها إلى الرى ذكر الخبر عن سبب شخوصه إليها وما أحدث في خرجته تلك في سفره ذكر أن الرشيد كان استشار يحيى بن خالد في تولية خراسان على بن عيسى ابن ماهان فأشار عليه أن لا يفعل فخالفه الرشيد في أمره وولاه اياها فلما شخص على بن عيسى إليها ظلم الناس وعسر عليهم وجمع مالا جليلا ووجه إلى هارون منها هدايا لم ير مثلها قط من الخيل والرقيق والثياب والمسك والاموال فقعد هارون بالشماسية على دكان مرتفع حين وصل ما بعث به على إليه وأحضرت تلك الهدايا فعرضت عليه فعظمت في عينه وجل عنده قدرها وإلى جانبه يحيى بن خالد فقال له يا أبا على هذا الذى أشرت علينا ألا نوليه هذا الثغر فقد خالفناك فيه فكان في خلافك البركة وهو كالمازح معه إذ ذاك فقد ترى ما أنتج رأينا فيه وما قل من رأيك فقال يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك أنا وان كنت أحب ان أصيب في رأيى وأوفق في مشورتي فأنا أحب من ذلك أن يكن رأى أمير المؤمنين أعلى وفراسته أثقب وعلمه أكثر من علمي ومعرفته فوق معرفتي وما أحسن هذا وأكثره ان لم يكن وراءه ما يكره أمير المؤمنين وما أسأل الله أن يعيذه ويعفيه من سوء عاقبته ونتائج مكروهه قال وما ذاك فأعلمه قال ذاك انى أحسب أن هذه الهدايا ما اجتمعت له حتى ظلم فيها الاشراف وأخذ أكثرها ظلما وتعديا ولو أمرنى أمير المؤمنين لاتيته بضعفها الساعة من بعض تجار الكرخ قال وكيف ذاك قال قد ساومنا عونا على السقط الذى جاءنا به من الجوهر وأعطيناه به سبعة آلاف ألف فأبى أن يبيعه فأبعث إليه الساعة

[ 506 ]

بحاجبي يأمره أن يرده إلينا لنعيد فيه نظرنا فإذا جاء به جحدناه وربحنا سبعة آلاف ألف ثم كنا نفعل بتاجرين من كبار التجار مثل ذلك وعلى أن هذا أسلم عاقبة وأستر أمرا من فعل على بن عيسى في هذه الهدايا بأصحابها فأجمع لامير المؤمنين في ثلاث ساعات أكثر من قيمة هذه الهدايا بأهون سعى وأيسر أمر وأجمل جباية مما جمع على في ثلاث سنين فوقرت في نفس الرشيد وحفظها وأمسك عن ذكر على بن عيسى عنده فلما عاث على بن عيسى بخراسان ووتر أشرافها وأخذ أموالهم واستخف برجالهم كتب رجال من كبرائها ووجوهها إلى الرشيد وكتبت جماعة من كورها إلى قراباتها وأصحابها تشكو سوء سيرته وخبث طعمته ورداءة مذهبه وتسأل أمير المؤمنين أن يبدلها به من أحب من كفاته وأنصاره وأبناء دولته وقواده فدعا يحيى بن خالد فشاوره في أمر على بن عيسى وفى صرفه وقال أشر على برجل ترضاه لذلك الثغر يصلح ما أفسد الفاسق ويرتق فأشار عليه بيزيد بن مزيد فلم يقبل مشورته وكان قيل للرشيد إن على ابن عيسى قد أجمع على خلافك فشخص إلى الرى من أجل ذلك منصرفه من مكة فعسكر بالنهروان لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الاولى ومعه ابناه عبد الله المأمون والقاسم ثم سار إلى الرى فلما صار بقرماسين أشخص إليه جماعة من القضاة وغيرهم وأشهدهم أن جميع ماله في عسكره ذلك من الاموال والخزائن والسلاح والكراع وما سوى ذلك لعبد الله المأمون وأنه ليس له فيه قليل ولا كثير وجدد البيعة له على من كان معه ووجه هرثمة بن أعين صاحب حرسه إلى بغداد فأعاد أخذ البيعة على محمد بن هارون الرشيد وعلى من بحضرته لعبد الله والقاسم وجعل أمر القاسم في خلعه وإقراره إلى عبد الله إذا أفضت الخلافة إليه ثم مضى الرشيد عند انصراف هرثمة إليه إلى الرى فأقام بها نحوا من أربعة أشهر حتى قدم عليه على بن عيسى من خراسان بالاموال والهدايا والطرف من المتاع والمسك والجوهر وآنية الذهب والفضة والسلاح والدواب وأهدى بعد ذلك إلى جميع من كان معه من ولده وأهل بيته وكتابه وخدمه وقواده على

[ 507 ]

قدر طبقاتهم ومراتبهم ورأى منه خلاف ما كان ظن به غير وما كان يقال فيه فرضى عنه ورده إلى خراسان وخرج وهو مشيع له فذكر أن البيعة أخذت للمأمون والقاسم بولاية العهد بعد أخويه محمد وعبد الله وسمى المؤتمن حين وجه هارون هرثمة لذلك بمدينة السلام يوم السبت لاحدى عشرة ليلة خلت من رجب من هذه السنة فقال الحسن بن هانئ في ذلك تبارك من ساس الامور بعلمه * وفضل هارونا على الخلفاء نزال بخير ما انطوينا على التقى * وما ساس دنيانا أبو الامناء (وفى هذه السنة) حين صار الرشيد إلى الرى بعث حسينا الخادم إلى طبرستان فكتب له ثلاثة كتب من ذلك كتاب فيه أمان لشروين أبى قارن والآخر فيه أمان لوندا هرمز جد مازيار والثالث فيه أمان لمرزبان بن جستان صاحب الديلم فقدم عليه صاحب الديم فوهب له وكساه ورده وقدم عليه سعيد الحرشى بأربعمائة بطل من طبرستان فأسلموا على يد الرشيد وقدم ونداهرمز وقبل الامان وضمن السمع والطاعة وأداء الخراج وضمن على شروين مثل ذلك فقبل ذلك منه الرشيد وصرفه ووجه معه هرثمة فأخذ ابنه وابن شروين رهينه وقدم عليه الرى أيضا خزيمة بن خازم وكان والى أرمينية فأهدى هدايا كثيرة (وفى هذه السنة) ولى هارون عبد الله بن ملك طبرستان والرى والرويان ودنباوند وقومس همذان وقال أبو العتاهية في خرجة هارون هذه وكان هارون ولد بالرى إن أمين الله في خلقه * حن به البر إلى مولده ليصلح الرى وأقطارها * ويمطر الخير بها من يده وولى هارون في طريقه محمد بن الجنيد الطريق ما بين همذان والرى وولى عيسى بن جعفر بن سليمان عمان فقطع البحر من ناحية جزيرة ابن كاوان فافتتح حصنابها وحاصر آخر فهجم عليه ابن مجلد الازدي وهو غار فأسره وحمله إلى عمان في ذى الحجة وانصرف الرشيد بعد ارتحال على بن عيسى إلى خراسان عن الرى بأيام فأدركه الاضحى بقصر اللصوص فضحى بها ودخل مدينة السلام

[ 508 ]

يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ذى الحجة فلما مر بالجسر أمر بإحراق جثة جعفر ابن يحيى وطوى بغداد ولم ينزلها ومضى من فوره متوجها إلى الرقة فنزل السيلحين وذكر عن بعض قواد الرشيد أن الرشيد قال لما ورد بغداد والله إنى لاطوى مدينة ما وضعت بشرق ولا غرب مدينة أيمن ولا أيسر منها وإنها لوطني ووطن آبائى ودار مملكة بنى العباس ما بقوا وحافظوا عليها وما رأى أحد من آبائى سوءا ولا نكبة منها ولا سئ بها أحد منهم قط ولنعم الدار هي ولكني أريد المناخ على ناحية أهل الشقاق والنفاق والبغض لائمة الهدى والحب لشجرة اللعنة بنى أمية مع ما فيها من المارقة والمتلصصة ومخيفي السبيل ولولا ذلك ما فارقت بغداد ما حييت ولا خرجت عنها أبدا وقال العباس بن الاحنف في طى الرشيد بغداد ما أنخنا حتى ارتحلنا فما نف‍ * رق بين المناخ والارتحال سائلونا عن حالنا إذ قدمنا * فقرنا وداعهم بالسؤال (وفى هذه السنة) كان الفداء بين المسلمين والروم فلم يبق بأرض الروم مسلم إلا فودى به فيما ذكر فقال مروان بن أبى حفصة في ذلك وفكت بك الاسرى التى شيدت لها * محابس ما فيها حميم يزورها على حين أعيا المسلمين فكاكها * وقالوا سجون المشركين قبورها ورابط فيها القاسم بدابق (وحج) بالناس فيها العباس بن موسى بن عيسى بن موسى ثم دخلت سنة تسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك ما كان من ظهور رافع بن ليث بن نصر بن سيار بسمرقند مخالفا لهارون وخلعه إياه ونزعه يده من طاعته ذكر الخبر عن سبب ذلك وكان سبب ذلك فيما ذكر لنا أن يحيى بن الاشعث بن يحيى الطائى تزوج ابنة

[ 509 ]

لعمه أبى النعمان وكانت ذات يسار ولسان فأقام بمدينة السلام وتركها بسمرقند فلما طال مقامه بها وبلغها أنه قد اتخذ أمهات أولاد التمست سببا للتخلص منه فعى عليها وبلغ رافعا خبرها فطمع فيها وفى مالها فدس إليه من قال لها إنه لاسبيل لها إلى التخلص من صاحبها إلا أن تشرك بالله وتحضر لذلك قوما عدولا وتكشف شعرها بين أيديهم ثم تتوب فتحل للازواج ففعلت ذلك وتزوجها رافع وبلغ الخبر يحيى بن الاشعث فرفع ذلك إلى الرشيد فكتب إلى على بن عيسى يأمره أن يفرق بينهما وأن يعاقب رافعا ويجلده الحد ويقيده ويطوف به في مدينة سمرقند مقيدا على حمار حتى يكون عظة لغيره فدرأ سليمان بن حميد الازدي عنه الحد وحمله على حمار مقيدا حتى طلقها ثم حبسه في سجن سمرقند فهرب من الحبس ليلا من عند حميد بن المسيح وهو يومئذ على شرط سمرقند فلحق بعلى بن عيسى ببلخ فطلب الامان فلم يجبه على إليه وهم بضرب عنقه فكلمه فيه ابنه عيسى بن على وجدد طلاق المرأة وأذن له في الانصراف إلى سمرقند فانصرف إليها فوثب بسليمان ابن حميد عامل على بن عيسى فقتله فوجه على بن عيسى إليه ابنه فمال الناس إلى سباع بن مسعدة فرأسوه عليهم فوثب على رافع فقيده فوثبوا على سباع فقيدوه ورأسوا رافعا وبايعوه وطابقه من وراء النهر ووافاه عيسى بن على فلقيه رافع فهزمه فأخذ على بن عيسى في فرض الرجال والتأهب للحرب (وفى هذه السنة) غزا الرشيد الصائفة واستخلف ابنه عبد الله المأمون بالرقة وفوض إليه الامور وكتب إلى الآفاق بالسمع له والطاعة ودفع إليه خاتم المنصور يتيمن به وهو خاتم الخاصة نقشه: الله ثقتى آمنت به (وفيها) أسلم الفضل بن سهل على يد المأمون (وفيها) خرجت الروم إلى عين زربة وكنيسة السوداء فأغارت وأسرت فاستنقذ أهل المصيصة ما كان في أيديهم (وفيها) فتح الرشيد هرقلة وبث الجيوش والسرايا بأرض الروم وكان دخلها فيما قيل في مائة ألف وخمسة وثلاثين ألف مرتزق سوى الاتباع وسوى المطوعة وسوى من لا ديوان له وأناخ عبد الله بن مالك على ذى الكلاع ووجه داود بن عيسى بن موسى سائحا في أرض الروم في سبعين ألفا وافتتح شراحيل

[ 510 ]

ابن معن بن زائدة حصن الصقالبة ودبسة وافتتح يريد بن مخلد الصفصاف وملقوبية وكان فتح الرشيد هرقلة في شوال وأخربها وسبى أهلها بعد مقام ثلاثين يوما عليها وولى حميد بن معيوف سواحل بحر الشأم إلى مصر فبلغ حميد قبرس فهدم وحرق وسبى من أهلها ستة عشر ألفا فأقدمهم الرافقة فتولى بيعهم أبو البخترى القاضى فبلغ أسقف قبرس ألفى دينار وكان شخوص هارون إلى بلاد الروم لعشر بقين من رجب واتخذ قلنسوة مكتوبا عليها غاز حاج فكان يلبسها فقال أبو المعالى الكلابي فمن يطلب لقاءك أو يرده * فبالحرمين أو أقصى الثغور ففى أرض العدو على طمر * وفى أرض الترفه فوق كور وما حاز الثغور سواك خلق * من المتخلفين على الامور ثم صار الرشيد إلى الطوانة فعسكر بها ثم رحل عنها وخلف عليها عقبة بن جعفر وأمره ببناء منزل هنا لك وبعث نقفور إلى الرشيد بالخراج والجزية عن رأسه وولى عهده وبطارقته وسائر أهل بلده خمسين ألف دينار منها عن رأسه أربعة دنانير وعن رأس ابنه استبراق دينارين وكتب نقفور مع بطريقين من عظماء بطارقته في جارية من سبى هرقلة كتابا نسخته لعبدالله هارون أمير المؤمنين من نقفور ملك الروم سلام عليكم أبا بعد أيها الملك إن لى اليك حاجة لا تضرك في دينك ولا دنياك هنية يسيرة أن تهب لا بنى جارية من بنات أهل هرقلة كنت قد خطبتها على ابني فإنى رأيت أن تسعفني بحاجتي فعلت والسلام عليك ورحمة الله وبركاته واستهداه أيضا طيبا وسرادقا من سراد قاته فأمر الرشيد بطلب الجارية فأحضرت وزينت وأجلست على سرير في مضبه الذى كان نازلا فيه وسلمت الجارية والمضرب بما فيه من الآنية والمتاع إلى رسول نقفور وبعث إليه بما سأل من العطر وبعت إليه من التمور والاخبصة والزبيب والترياق فسلم ذلك كله إليه رسول الرشيد فأعطاه نقفور وقر دراهم إسلامية على برذون كميت كان مبلغه خمسين ألف درهم ومائة ثوب ديباج ومائتي ثوب بزيون واثنى عشر

[ 511 ]

بازيا وأربعة أكلب من كلاب الصيد وثلاثة براذين وكان نقفور اشترط ألا يخرب ذا الكلاع ولا صمله ولا حصن سنان واشترط الرشيد عليه ألا يعمر هر قلة وعلى أن يحمل نقفور ثلثمائة ألف دينار (وخرج) في هذه السنة خارجي من عبد القيس يقال له سيف بن بكر فوجه إليه الرشيد محمد بن يزيد بن مزيد فقتله بعين النورة ونقض أهل قبرس العهد فغزاهم معيوف بن يحيى فسبى أهلها (وحج) بالناس فيها عيسى بن موسى الهادى ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك ما كان من خروج خارجي يقال له ثروان بن سيف بناحية حولايا فكان ينتقل بالسواد فوجه إليه طوق بن مالك فهزمه طوق وجرحه وقتل عامة أصحابه وظن طوق أنه قد قتل ثروان فكتب بالفتح وهرب ثروان مجروحا (وفيها) خرج أبو النداء بالشأم فوجه الرشيد في طلبه يحيى بن معاذ وعقد له على الشأم (وفيها) وقع الثلج بمدينة السلام (وفيها) ظفر حماد البربري بهيصم اليماني (وفيها) غلظ أمر رافع بن ليث بسمرقند (وفيها) كتب أهل نسف إلى رافع يعطونه الطاعة ويسألونه أن يوجه إليهم من يعينهم على قتل عيسى بن على فوجه صاحب الشاش في اتراكه وقائدا من قواده فأتوا عيسى بن على فأحد قوابه وقتلوه في ذى القعدة ولم يعرضوا لاصحابه (وفيها) ولى الرشيد حمويه الخادم بريد خراسان (وفيها) غزا يزيد بن مخلد الهبيرى أرض الروم في عشرة آلاف فأخذت الروم عليه المضيق فقتلوه على مرحلتين من طرسوس في خمسين رجلا وسلم الباقون (وفيها) ولى الرشيد غزو الصائفة هرثمة بن أعين وضم إليه ثلاثين ألفا من جند خراسان ومعه مسرور الخادم إليه النفقات وجميع الامور خلا الرئاسة ومضى الرشيد إلى درب الحدث فرتب هنا لك عبد الله بن مالك ورتب سعيد بن سلم بن قتيبة بمرعش فأغارت الروم عليها وأصابوا من المسلمين وانصرفوا

[ 512 ]

وسعيد بن سلم مقيم وبعث محمد بن يزيد بن مزيد إلى طرسوس فأقام الرشيد بدرب الحدث ثلاثة أيام من شهر رمضان ثم انصرف إلى الرقة (وفيها) أمر الرشيد بهدم الكنائس بالثغور وكتب إلى السندي بن شاهك يأمره بأخذ أهل الذمة بمدينة السلام بمخالفة هيئتهم هيئة المسلمين في لباسهم وركوبهم (وفيها) عزل الرشيد على بن عيسى بن ماهان عن خراسان وولاها هرثمة ذكر الخبر عن سبب عزل الرشيد على بن عيسى وسخطه عليه قال أبو جعفر فد ذكرنا قبل سبب هلاك ابن على بن عيسى وكيف قتل ولما قتل ابنه عيسى خرج على عن بلخ حتى أتى مرو مخافة أن يسير إليها رافع ابن الليث فيستولى عليها وكان ابنه عيسى دفن في بستان داره ببلخ أموالا عظيمة قيل إنها كانت ثلاثين ألف ألف ولم يعلم بها على بن عيسى ولا اطلع على ذلك إلا جارية كانت له فلما شخص على عن بلخ أطلعت الجارية على ذلك بعض الخدم وتحدث به الناس فاجتمع قراء أهل بلخ ووجوهها فدخلوا البستان فانتهبوه وأباحوه للعامة فبلغ الرشيد الخبر فقال خرج على من بلخ عن غير أمرى وخلف مثل هذا المال وهو يزعم أنه قد أفضى إلى حلى نسائه فيما أنفق على محاربة رافع فعزله عند ذلك وولى هرثمة بن أعين واستصفى أموال على بن عيسى فبلغت أمواله ثمانين ألف ألف وذكر عن بعض الموالى أنه قال كنا بجرجان مع الرشيد وهو يريد خراسان فوردت خزائن على بن عيسى التى أخذت له على ألف وخمسمائة بعير وكان على مع ذلك قد أذل الاعالى من أهل خراسان وأشرافهم وذكر أنه دخل عليه يوما هشام بن فر خسرو والحسين بن مصعب فسلما عليه فقال للحسين لا سلم الله عليك يا ملحد بن الملحد والله إنى لاعرف ما أنت عليه من عداوتك للاسلام وطعنك في الدين وما أنتظر بقتلك الا اذن الخليفة فيه فقد أباح الله دمك وأرجو أن يسفكه الله على يدى عن قريب ويعجلك إلى عذابه ألست المرجف بى في منزلي هذا بعد ما ثملت من الخمر وزعمت أنه جاءتك كتب من مدينة السلام بعزلي اخرج إلى سخط الله لعنك الله فعن قريب ما تكون من

[ 513 ]

أهلها فقال له الحسين أعيذ بالله الامير أن يقبل قول واش أو سعاية باغ فإنى برئ مما قرفت به قال كذبت لا أم لك قد صح عندي أنك ثملت من الخمر وقلت ما وجب عليك به أغلظ الادب ولعل الله أن يعاجلك ببأسه ونقمته اخرج عنى غير مستور ولا مصاحب فجاء الحاجب فأخذ بيده فأخرجه وقال لهشام بن فرخسر وصارت دارك دار الندوة تجمع فيها اليك السفهاء وتطعن على الولاة سفك الله دمى إن لم أسفك دمك فقال هشام جعلت فداء الامير أنا والله مظلوم مرحوم والله ما أدع في تقريض الامير جهدا وفى وصفه قولا إلا خصصته به وقلته فيه فان كنت إذا قلت خيرا نقل اليك شر فما حيلتى قال كذبت لا أم لك لانا أعلم بما ينطوى عليه جوانحك من ولدك وأهلك فاخرج فعن قريب أريح منك نفسي فخرج فلما كان في آخر الليل دعا ابنته عالية وكانت من أكبر ولده فقال لها أي بنية إنى أريد أن أفضى اليك بأمر إن أنت أظهرته قتلت وإن حفظته سلمت فاختارى بقاء أبيك على موته قالت وما ذاك جعلت فداك قال إنى أخاف هذا الفاجر على بن عيسى على دمى وقد عزمت على أن أظهر أن الفالج أصابني فإذا كان في السحر فاجمعي جواريك وتعالى إلى فراشي وحركيني فإذا رأيت حركتي قد ثقلت فصيحى أنت وجواريك وابعثي إلى أخوتك فأعلميهم علتى وإياك ثم إياك أن تطلعى على صحة بدنى أحدا من خلق الله من قريب أو بعيد ففعلت وكانت عاقلة حازمة فأقام مطروحا على فراشه حينا لا يتحرك الا إن حرك فيقال إنه لم يعلم من أهل خراسان أحد من عزل على بن عيسى بخبر ولا أثر غير هشام فانه توهم عزله فصح توهمه ويقال إنه خرج في اليوم الذى قدم فيه هرثمة لتلقيه فرآه في الطريق رجل من قواد على بن عيسى فقال صح الجسم فقال ما زال صحيحا بحمد الله وقال بعضهم بل رآه على بن عيسى فقال أين بك فقال أتلقى أميرنا أبا حاتم قال ألم تكن عليلا قال بلى فوهب الله العافية وعزل الله الطاغية في ليلة واحدة وأما الحسين بن مصعب فانه خرج إلى مكة مستجيرا بالرشيد من على بن عيسى فأجاره ولما عزل الرشيد على عزل على بن عيسى دعا فيما بلغني هرثمة بن أعين مستخليا

[ 514 ]

به فقال إنى لم أشاور فيك أحدا ولم أطلعه على سرى فيك وقد اضطرب على ثغور المشرق وأنكر أهل خراسان أمر على بن عيسى إذ خالف عهدي ونبذه وراء ظهره وقد كتب يستمد ويستجيش وأنا كاتب إليه فأخبره أنى أمده بك وأوجه إليه معك من الاموال والسلاح والقوة والعدة ما يطمئن إليه قلبه وتتطلع إليه نفسه وأكتب معك كتابا بخطى فلا تفضنه ولا تطلعن فيه حتى تصل إلى مدينة نيسابور فإذا نزلتها فاعمل بما فيه وامتثله ولا تجاوزه إن شاء الله وأنا موجه معك رجاء الخادم بكتاب أكتبه إلى على بن عيسى بخطى ليتعرف ما يكون منك ومنه وهون عليه أمر على فلا تظهرنه عليه ولا تعلمنه ما عزمت عليه وتأهب للمسير وأظهر لخاصتك وعامتك انى أوجهك مددا لعلى بن عيسى وعونا له قال ثم كتب إلى على ابن عيسى بن ماهان كتابا بخطه نسخته (بسم الله الرحمن الرحيم) يا ابن الزانية رفعت من قدرك ونوهت باسمك وأوطأت سادة العرب عقبك وجعلت أبناء ملوك العجم خولك وأتباعك فكان جزائي أن خالفت عهدي ونبذت وراء ظهرك أمرى حتى عثت في الارض وظلمت الرعية وأسخطت الله وخليفته بسوء سيرتك ورداءة طعمتك وظاهر خيانتك وقد وليت هرثمة بن أعين مولاى ثغر خراسان وأمرته أن يشدو طأته عليك وعلى ولدك وكتابك وعمالك ولا يترك وراء ظهوركم درهما ولا حقا لمسلم ولا معاهد الا أخذ كم به حتى ترده إلى أهله فان أبيت ذلك وأباه ولدك وعمالك فله أن يبسط عليكم العذاب ويصب عليكم السياط ويحل بكم ما يحل بمن نكت وغير وبدل وخالف وظلم وتعدى وغشم انتقاما لله عز وجل بادئا ولخليفته ثانيا وللمسلمين والمعاهدين ثالثا فلا تعرض نفسك للتى لا شوى لها وأخرج مما يلزمك طائعا أو مكرها وكتب عهد هرثمة بخطه هذا ما عهد هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى هرثمة بن أعين حين ولاه ثغر خراسان وأعماله وخراجه أمره بتقوى الله وطاعته ورعاية أمر الله ومراقبته وأن يجعل كتب الله إماما في جميع ما هو بسبيله فيحل حلاله ويحرم حرامه ويقف عند متشابهه ويسأل عنه أولى الفقه في دين الله وأولى العلم بكتاب الله أو يرده إلى إمامه ليريه الله عز وجل فيه رأيه ويعزم له على رشده وأمره أن

[ 515 ]

يستوثق من الفاسق على بن عيسى وولده وعماله وكتابه وأن يشد عليهم وطأته ويحل بهم سطوته ويستخرج منهم كل مال يصح عليهم من خراج أمير المؤمنين وفئ المسلمين فإذا استنظف ما عندهم وقبلهم من ذلك نظر في حقوق المسلمين والمعاهدين وأخذهم بحق كل ذى حق حتى يردوه إليهم فان ثبتت قبلهم حقوق لامير المؤمنين وحقوق للمسلمين فدافعوا بها وجحدوها أن يصب عليهم سوط عذاب الله وأليم نقمته حتى يبلغ بهم الحال التى إن تخطاها بأدنى أدب تلفت أنفسهم وبطلت أرواحهم فإذا خرجوا من حق كل ذى حق أشخصهم كما تشخص العصاة من خشونة الوطاء وخشونة المطعم والمشرب وغلظ الملبس مع الثقات من أصحابه إلى باب أمير المومنين إن شاء الله فاعمل يا أبا حاتم بما عهدت اليك فإنى آثرت الله وديني على هواى وإرادتي فكذلك فليكن عملك وعليه فليكن أمرك ودبر في عمال الكور الذين تمر بهم في صعودك مالا يستوحشون معه إلى أمر يريبهم وظن يرعبهم وابسط من آمال أهل ذلك الثغر ومن أمانهم وعذرهم ثم اعمل بما يرضى الله منك وخليفته ومن ولاك الله أمره إن شاء الله هذا عهدي وكتابي بخطى وأنا أشهدا لله وملائكته وحملة عرشه وسكان سمواته وكفى بالله شهيدا وكتب أمير المؤمنين بخط يده لم يحضره إلا الله وملائكته ثم أمر أن يكتب كتاب هرثمة إلى على بن عيسى في معاونته وتقوية أمره والشد على يديه فكتب وظهر الامر بها وكانت كتب حمويه وردت على هارون ان رافعا لم يخلع ولا نزع السواد ولا من شايعه وانما غايتهم عزل على ابن عيسى الذى قد سامهم المكروه * ومن ذلك ما كان من شخوص هرثمة بن أعين إلى خراسان واليا عليها ذكر الخبر عما كان من أمره في شخوصه إليها وأمر على بن عيسى وولده ذكر أن هرثمة مضى في اليوم السادس من اليوم الذى كتب له عهده الرشيد وشيعه الرشيد وأوصاه بما يحتاج إليه فلم يعرج هرثمة على شئ ووجه إلى على بن عيسى في الظاهر أموالا وسلاحا وخلعا وطيبا حتى إذا نزل نيسابور جمع حماعة

[ 516 ]

من ثقات أصحابه وأولى السن والتجربة منهم فدعا كل رجل منهم سراوخلابه ثم أخذ عليهم العهود والمواثيق أن يكتموا أمره ويطووا سره وولى كل رجل منهم كورة على نحو ما كانت حاله عنده فولى جرجان ونيسابور والطبسين ونسا وسرخس وأمر كل واحد منهم بعد أن دفع إليه عهده بالمسير إلى عمله الذى ولاه على أخفى الحالات وأسترها والتشبه بالمجتازين في ورودهم الكور ومقامهم فيها إلى الوقت الذى سماه لهم وولى اسماعيل بن حفص بن مصعب جرجان بأمر الرشيد ثم مضى حتى إذا صار من مرو على مرحلة دعا جماعة من ثقات أصحابه وكتب لهم أسماء ولد على بن عيسى وأهل بيته وكتابه وغيرهم في رقاع ودفع إلى كل رجل منهم رقعة باسم من وكله بحفظه إذا هو دخل عليه مرو خوفا من أن يهربوا إذا ظهر أمره ثم وجه إلى على بن عيسى إن أحب الامير أكرمه الله أن يوجه ثقاته لقبض ما معى من أموال فعل فإنه إذا تقدم المال أمامى كان أقوى للامير وأفت في عضد أعدائه وأيضا فانى لا آمن عليه إن خلفته وراء ظهرى أن يطمع فيه بعض من تسمو إليه نفسه إلى أن يقتطع بعضه ويفترض غفلتنا عند دخول المدينة فوجه على ابن عيسى جها بذته وقهارمته لقبض المال وقال هرثمة لخزانه اشغلوهم هذه الليلة واعتلوا عليهم في حمل المال بعلة تقرب من اطماعهم وتزيل الشك عن قلوبهم ففعلوا وقال لهم الخزان حتى نؤامر أبا حاتم في دواب المال والبغال ثم ارتحل نحو مدينة مرو فلما صار منها على ميلين تلقاه على بن عيسى في ولده وأهل بيته وقواده بأحسن لقاء وآنسه فلما وقعت عين هرثمة عليه ثنى رجله لينزل عن دابته فصاح به على والله لئن نزلت لانزلن فثبت على سرجه ودنا كل منهما من صاحبه فاعتنقا وسارا وعلى يسأل هرثمة عن أمر الرشيد وحاله وهيئته وحال خاصته وقواده وأنصار دولته وهرثمة يجيبه حتى صارا إلى قنطرة لا يجوزها إلا فارس فحبس هرثمة لجام دابته وقال لعلى سر على بركة الله فقال على لا والله لا أفعل حتى تمضى أنت فقال إذا والله لا أمضى فأنت الامير وأنا الوزير فمضى وتبعه هرثمة حتى دخلا مرو وصارا إلى منزل على ورجاء الخادم لا يفارق هرثمة في ليل ولا

[ 517 ]

نهار ولا ركوب ولا جلوس فدعا على بالغداء فطعما وأكل ممهما رجاء الخادم وكان عازما على أن لا يأكل معهما فغمزه هرثمة وقال كل فانك جائع ولا أرى لجائع ولا حاقن فلما رفع الطعام قال له على قد أمرت أن يفرغ لك قصر على الماشان فان رأيت أن تصير إليه فعلت فقال له هرثمة إن معى من الامور مالا تحمل تأخير المناظرة فيها ثم دفع رجاء الخادم كتاب الرشيد إلى على وأبلغه رسالته فلما فض الكتاب فنظر إلى أول حرف منه سقط في يده وعلم أنه قد حل به ما يخافه ويتوقعه ثم أمر هرثمة بتقييده وتقييد ولده وكتابه وعماله وكان رحل ومعه وقر من قيود وأغلال فلما استوثق منه صار إلى المسجد الجامع فخطب وبسط من آمال الناس وأخبر أن أمير المؤمنين ولاه ثغورهم لما انتهى إليه من سوء سيرة الفاسق على ابن عيسى وما أمره به وفيه وفى عماله وأعوانه وأنه بالغ من ذلك ومن انصاف العامة والخاصة والاخذ لهم بحقوقهم أقصى مواضع الحق وأمر بقراءة عهده عليهم فأظهروا السرور بذلك وانفسحت آمالهم وعظم رجاؤهم وعلت بالتكبير والتهليل أصواتهم وكثر الدعاء لامير المؤمنين بالبقاء وحسن الجزاء ثم انصرف فدعا بعلى ابن عيسى وولده وعماله وكتابه فقال اكفوني مؤنتكم واعفوني من الاقدام بالمكروه عليكم ونادى في أصحاب ودائهم ببراءة الذمة من رجل كانت لعلى عنده وديعة أو لاحد من ولده أو كتابه أو عماله وأخفاها ولم يظهر عليها فأحضره الناس ما كانوا أو دعوا الا رجلا من أهل مرو وكان من أبناء المجوس فانه لم يزل يتلطف للوصول إلى على بن عيسى حتى صار إليه فقال له سرا لك عندي مال فان احتجت إليه حملته اليك أولا فأولا وصبرت للقتل فيك ايثارا للوفاء وطلبا لجميل الثناء وان استغنيت عنه حبسته عليك حتى ترى فيه رأيك فعجب على منه وقال لو اصطنعت مثلك ألف رجل ما طمع في السلطان ولا الشيطان أبدا ثم سأله عن قيمة ما عنده فذكر له أنه أودعه مالا وثيابا ومسكا وأنه لا يدرى ما قدر ذلك غير أنه أو دعه بخطه وأنه محفوظ لم يشذ منه شئ فقال له دعه فان ظهر عليه سلمته ونجوت بنفسك وان سلمت به رأيت فيه رأيى وجزاه الخير وشكر له فعله ذلك

[ 518 ]

أحسن شكر وكافأه عليه وبره وكان يضرب به المثل بوفائه فذكر أنه لم يتستر عن هرثمة من مال على الا ماكان أودعه هذا الرجل وكان يقال له العلاء بن ماهان فاستنظف هرثمة ما وراء ظهورهم حتى حلى نسائهم فكان الرجل يدخل إلى المنزل فيأخذ جميع ما فيه حتى إذا لم يبق فيه إلا صوف أو خشب أو مالا قيمة له قال للمرأة هاتى ما عليك من الحلى فتقول للرجل إذا دنا منها لينزع ما عليها يا هذا ان كنت محسنا فاصرب بصرك عنى فوالله لا تركت شيئا من بغيتك على الا دفعته اليك فان كان الرجل يتحوب من الدنو إليها أجابها إلى ذلك حتى ربما نبذت إليه بالخاتم والخلخال وما قيمته عشرة دراهم ومن كان بخلاف هذه الصفة قال لا أرضى حتى أفتشك لا تكونين قد خبأت ذهبا أو درا أو ياقوتا فيضرب يده إلى مغابنها وأرفاغها فيطلب فيها ما يظن أنها قد سترته عنه حتى إذا ظن أنه قد أحكم هذا كله وجهه على بعير بلا وطاء تحته وفى عنقه سلسلة وفى رجله قيود ثقال ما يقدر معها على نهوض واعتماد فذكر عمن شهد أمر هرثمة وأمره أن هرثمة لما فرغ من مطالبة على بن عيسى وولده وكتابه وعماله بأموال أمير المؤمنين أقامهم لمظالم الناس فكان إذا برد للرجل عليه أو على أحد من أصحابه حق قال اخرج للرجل من حقه وإلا بسطت عليك فيقول على أصلح الله الامير أجلني يوما أو يومين فيقول ذلك إلى صاحب الحق فإن شاء فعل ثم يقبل على الرجل فيقول أترى أن تدعه فان قال نعم قال فانصرف وعد إليه فيبعث على إلى العلاء بن ماهان فيقول له صالح فلانا عنى من كذا وكذا على كذا وكذا أو على ما رأيت فيصالحه ويصلح أمره * وذكر أنه قام إلى هرثمة رجل فقال له أصلح الله الامير ان هذا الفاجر أخذ منى درقة ثمينة لم يملك أحد مثلها فاشتراها على كره منى ولم أرد بيعها بثلاثة آلاف درهم فأتيت قهرمانه أطلب ثمنها فلم يعطنى شيئا فأقمت حولا أنتظر ركوب هذا الفاجر فلما ركب عرضت له وصحت به أيها الامير أنا صاحب الدرقة ولم آخذ لها ثمنا إلى هذه الغاية فقذف أمي ولم يعطنى حقى فخذلى بحقى من مالى وقذفه أمي فقال لك بينة قال نعم جماعة حضروا كله فأحضرهم

[ 519 ]

فأشهدهم على دعواه فقال هرثمة وجب عليك الحد قال ولم قال لقذفك أم هذا من قال من فقهك وعلمك هذا قال هذا دين المسلمين قال فأشهد أن أمير المؤمنين قد قذفك غير مرة ولا مرتين وأشهد أنك قد قذفت بنيك مالا أحصى مرة حاتما ومرة أعين فمن يأخذ لهؤلاء بحدودهم منك ومن يأخذ لك من مولاك فالتفت هرثمة إلى صاحب الدرقة فقال أرى لك أن تطالب هذا الشيطان بدرقتك أو ثمنها وتترك مطالبته بقذفه أمك ولما حمل هرثمة عليا إلى الرشيد كتب إليه كتابا يخبره ما صنع نسخته (بسم الله الرحمن الرحيم) أما بعد فإن الله عز وجل لم يزل يبلى أمير المؤمنين في كل ما قلده من خلافته واسترعاه من أمور عباده وبلاده أجمل البلاء وأكمله ويعرفه في كل ما حضره ونأى عنه من خاص أموره وعامها ولطيفها وجليلها أتم الكفاية وأحسن الولاية ويعطيه في ذلك كله أفضل الامنية ويبلغه فيه أقصى غاية الهمة امتنانا منه عليه وحفظا لما جعل إليه مما تكفل بإعزازه وإعزاز أوليائه وأهل حقه وطاعته فنستتم الله أحسن ما عوده وعودنا من الكفاية في كل ما يؤدينا إليه ونسأله توفيقا لما نقضى به المفترض من حقه في الوقوف عند أمره والاقتصار على رأيه ولم أزل أعز الله أمير المؤمنين مذ فصلت عن معسكر أمير المؤمنين ممتثلا ما أمرنى به فيما أنهضني له لا أجاوز ذلك ولا أتعداه إلى غيره ولا أتعرف اليمن والبركة إلا في امتثاله إلى أن حللت أوائل خراسان صائنا للامر الذى أمرنى أمير المؤمنين بصيانته وستره لا افضى ذلك إلى خاصى ولا إلى عامى ودبرت في مكاتبة أهل الشاش وفرغانة وخذلهما عن الخائن وقطع طمعه وطمع من قبله عنهما ومكاتبة من ببلخ بما كنت كتبت به إلى أمير المؤمنين وفسرت له فلما نزلت نيسابور عملت في أمر الكور التى اجتزت عليها بتولية من وليت عليها قبل مجاوزتي إياها كجرجان ونيسارو ونسا وسرخس ولم آل الاحتياط في ذلك واختيار الكفاة وأهل الامانة والصحة من ثقات أصحابي وتقدمت إليهم في ستر الامر وكتمانه وأخذت عليهم بذلك أيمان البيعة ودفعت إلى كل رجل منهم عهده بولايته وأمرتهم بالمسير إلى كور أعمالهم على

[ 520 ]

أخفى الحالات وأسترها والتشبه بالمجتازين في ورودهم الكور ومقامهم بها إلى الوقت الذى سميت لهم وهو اليوم الذى قدرت فيه دخولي إلى مرو والتقائى وعلى ابن عيسى وعملت في استكفائى إسماعيل بن حفص بن مصعب أمر جرجان بما كنت كتبت به إلى أمير المؤمنين فنفذ أولئك العمال لامرى وقال كل رجل منهم في الوقت الذى وقت له بضبط عمله وإحكام ناحيته وكفى الله أمير المؤمنين المؤنة في ذلك بلطيف صنعه ولما صرت من مدينة مرو على منزل اخترت عدة من ثقات أصحابي وكتبت بتسمية ولد على بن عيسى وكتابه وأهل بيته وغيرهم رقاعا ودفعت إلى كل رجل منهم رقعة باسم من وكلته بحفظه في دخولي ولم آمن لو قصرت في ذلك وأخرته أن يصيروا عند ظهور الخبر وانتشاره إلى التغيب والانتشار فعملوا بذلك ورحلت عن موضعي نحو مدينة مرو فلما صرت منها على ميلين تلقاني على بن عيسى في ولده وأهل بيته وقواده فلقيته بأحسن لقاء وآنسته وبلغت من توقيره وتعظيمه والتماس النزول إليه أول ما بصرت به ما ازداد به انسا وثقة إلى ما كان ركن إليه قبل ذلك مما كان يأتيه من كتبي فانها لم تنقطع عنه بالتعظيم والاجلال منى له والالتماس لالقى سوء الظن عنه لئلا يسق إلى قلبه أمر ينتقض به ما دبر أمير المؤمنين في أمره وأمرني به في ذلك وكان الله تبارك وتعالى هو المنفرد بكفاية أمير المؤمنين الامر فيه إلى أن ضمنى وإياه مجلسه وصرت إلى الا كل معه فلما فرغنا من ذلك بدأنى يسألنى المصير إلى منزل كان ارتاده لى فأعلمته ما معى من الامور التى لا تحتمل تأخير المناظرة فيها ثم دفع إليه رجاء الخادم كتاب أمير المؤمنين وأبلغه رسالته فعلم عند ذلك أن قد حل به الامر الذى جناه على نفسه وكسبته يداه من سخط أمير المؤمنين وتغيرت رأيه بخلافه أمره وتعديه سيرته ثم صرت إلى التوكيل به ومضيت إلى المسجد الجامع فبسطت آمال الناس ممن حضر وافتتحت القول بما حملني أمير المؤمنين إليهم وأعلمتهم إعظام أمير المؤمنين ما أتاه ووضح عنده من سوء سيرة على وما أمرنى به فيه وفى عماله وأعوانه وإنى بالغ من ذلك ومن انصاف العامة والخاصة والاخذ لهم بحقوقهم أقصى غايتهم وأمرت

[ 521 ]

بقراءة عهدي عليهم وأعلمتهم أن ذلك مثالي وإمامي وإنى به أقتدى وعليه أحتذى فمتى زلت عن باب واحد من أبوابه فقد ظلمت نفسي وأحللت بها ما يحل بمن خالف رأى أمير المؤمنين وأمره فأظهر والسرور بذلك والاستبشار وعلت بالتكبير والتهليل أصواتهم وكثرة دعاؤهم لامير المؤمنين بالبقاء وحسن الجزاء ثم انكفأت إلى المجلس الذى كان على بن عيسى فيه فصرت إلى تقييده وتقييد ولده وأهل بيته وكتابه وعماله واستيثاق منهم جميعا وأمرتهم بالخروج إلى من الاموال التى احتجنوها من أموال أمير المؤمنين وفئ المسلمين وإعفائي بذلك من الاقدام عليهم بالمكروه والضرب وناديت في أصحاب ودائعهم بإخراج ما كان عندهم فحملوا إلى إلى أن كتبت إلى أمير المؤمنين صدرا صالحا من الورق والعين وأرجو أن يعين الله على استيفاء ما قبلهم واستنظاف ما وراء ظهورهم ويسهل الله من ذلك أفضل ما لم يزل يعوده أمير المؤمنين من الصنع في مثله من الامور التى يعنى بها إن شاء الله تعالى ولم أدع عند قدومى مرو التقدم في توجيه الرسل وانفاذ الكتب البالغة في الاعذار والانذار والتبصير والارشاد إلى رافع ومن قبله من أهل سمرقند وإلى من ببلخ على حسن ظنى بهم في الاجابة ولزوم الطاعة والاستقامة ومعهما تنصرف به رسلي إلى يا أمير المؤمنين من أخبار القوم في اجابتهم وامتناعهم أعمل على حسبه من أمرهم وأكتب بذلك إلى أمير المؤمنين على حقه وصدقه وأرجو أن يعرف الله أمير المؤمنين في ذلك من جميل صنعه ولطيف كفايته ما لم تزل عادته جارية به عنده بمنه وطوله وقوته والسلام الجواب من الرشيد (بسم الله الرحمن الرحيم) أما بعد فقد بلغ أمير المؤمنين كتابك بقدومك مرو في اليوم الذى سميت وعلى الحال التى وصفت وما فسرت وما كنت قدمت من الحيل قبل ورودك إياها وعملت به في أمر الكور التى سميت وتولية من وليت عليها قبل نفوذك عنها ولطفت له من الامر الذى استجمع لك به ما أردت من أمر الخائن على بن عيسى وولده وأهل بيته ومن صار في يدك من عماله

[ 522 ]

وأصحاب عماله واحتذائك في ذلك كله ما كان أمير المؤمنين مثل لك ووفقك وفهم أمير المؤمنين كل ما كتبت به وحمد الله على ذلك كثيرا وعلى تسديده إياك وما أعانك به من توفيقه حتى بلغت ارادة أمير المؤمنين وأدركت طلبته وأحسنت ما كان يحب بك وعلى يديك أحكامه مما كان اشتد به اعتناؤه ولج به اهتمامه وجزاك الخير على نصيحتك وكفايتك فلا أعدم الله أمير المؤمنين أحسن ما عرفه منك في كل ما أهاب بك إليه واعتمد بك عليه وأمير المؤمنين يأمرك أن تزداد جدا واجتهادا فيما أمرك به من تتبع أموال الخائن على بن عيسى وولده وكتابه وعماله ووكلائه وجهابذته والنظر فيما اختانوا به أمير المؤمنين في أمواله وظلموا به الرعية في أموالهم وتتبع ذلك واستخراجه من مظانه ومواضعه التى صارت إليه ومن أيدى أصحاب الودائع التى استودعوها إياهم واستعمال اللين والشدة في ذلك كله حتى تصير إلى استنظاف ما وراء ظهورهم ولا تبقى من نفسك في ذلك بقية وفى انصاف الناس منهم في حقوقهم ومظالمهم حتى لا تبقى لمتظلم منهم قبلهم طلامة إلا استقضيت ذلك له وحملته وإياهم على الحق والعدل فيها فإذا بلغت أقصى غاية الاحكام والمبالغة في ذلك فأشخص الخائن وولده وأهل بيته وكتابه وعماله إلى أمير المؤمنين في وثاق وعلى الحال التى استحقوها من التغيير والتنكيل بما كسبت أيديهم وما الله بظلام للعبيد ثم اعمل بما أمرك به أمير المؤمنين منا لشخوص إلى سمرقند ومحاولة ما قبل خامل ومن كان على رأيه ممن أظهر خلافا وامتناعا من أهل كور ما وراء النهر وطخارستان بالدعاء إلى الفيئة والمراجعة وبسط أمانات أمير المؤمنين التى حملكها إليهم فإن قبلوا وأنابوا وراجعوا ما هو أملك بهم وفرقوا جموعهم فهو ما يحب أمير المؤمنين أن يعاملهم به من العفو عنهم والاقالة لهم إذ كانوا رعيته وهو الواجب على أمير المؤمنين لهم إذ أجابهم إلى طلبتهم وآمن روعهم وكفاهم ولاية من كرهوا ولايته وأمر بإنصافهم في حقوقهم وظلاماتهم وإن خالفوا ما ظن أمير المؤمنين فحاكمهم إلى الله إذ طغوا وبغوا وكرهوا العافية وردوها فإن أمير المؤمنين قد قضى ما عليه فغير ونكل وعزل واستبدل وعفا عمن أحدث وصفح عمن اجترم

[ 523 ]

وهو يشهد الله عليهم بعد ذلك في خلاف إن آثروه وعنود إن أظهروه وكفى بالله شهيدا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم إليه يتوكل واليه ينيب والسلام وكتب اسماعيل بن صييح بين يدى أمير المؤمنين (وحج) بالناس في هذه السنة الفضل بن العباس بن محمد بن على وكان وإلى مكة ولم يكن للمسلمين بعد هذه السنة صائفة إلى سنة 215 ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث ففيها كان الفداء بين المسلمين والروم على يدى ثابت بن نصر بن مالك (وفيها) وافى الرشيد من الرقة في السفن مدينة السلام يريد الشخوص إلى خراسان لحرب رافع وكان مصيره ببغداد يوم الجمعة لخمس ليال بقين من شهر ربيع الآخر واستخلف بالرقة ابنه القاسم وضم إليه خزيمة بن خازم ثم شخص من مدينة السلام عشية الاثنين لخمس خلون من شعبان بعد صلاة العصر من الخيزرانية فبات في بستان أبى جعفر ثم سار من غد إلى النهروان فعسكر هنا لك ورد حمادا البربري إلى أعماله واستخلف ابنه محمدا بمدينة السلام * وذكر عن ذى الرئاستين أنه قال قلت للمأمون لما أراد الرشيد الشخوص إلى خراسان لحرب رافع لست تدرى ما يحدث بالرشيد وهو خارج إلى خراسان وهى ولايتك ومحمد المقدم عليك وإن أحسن ما يصنع بك أن يخلعك وهو ابن زبيدة وأخواله بنو هاشم وزبيدة وأموالها فاطلب إليه أن يشخصك معه فسأله الاذن فأبى عليه فقلت له قل له أنت عليل وإنما أردت أن أخدمك ولست أكلفك شيئا فأذن له وسار فذكر محمد بن الصباح الطبري أن أباه شيع الرشيد حين خرج إلى خراسان فمضى معه إلى النهروان فجعل يحادثه في الطريق إلى أن قال له يا صباح لا أحسبك تراني أبدا قال فقلت بل يردك الله سالما قد فتح الله عليك وأراك في أملك قال يا صباح ولا أحسبك تدرى ما أجد قلت لا والله قال فتعال حين أريك قال فانحرف عن الطريق قدر مائة ذراع فاستظل بشجرة وأومأ إلى خدمه الخاصة

[ 524 ]

فتنحوا ثم قال أمانة الله يا صباح أن تكتم على فقلت يا سيدى عبدك الذليل تخاطبه مخاطبة الولد قال فكشف عن بطنه فإذا عصابة حرير حوالى بطنه فقال هذه علة أكتمها الناس كلهم ولكل واحد من ولدى على رقيب فمسرور رقيب المأمون وجبريل بن بختيشوع رقيب الامين وسمى الثالث فذهب عنى اسمه وما منهم أحد إلا وهو يحصى أنفاسي ويعد أيامى ويستطيل عمرى فان أردت أن تعرف ذلك فالساعة أدعو بدابة فيجئوننى ببرذون أعجف قطوف ليزيد في علتى فقلت يا سيدى ما عندي في هذا الكلام جواب ولا في ولاة العهود غير أنى أقول جعل الله من يشنأك من الجن والانس والقريب والبعيد فداك وقدمهم إلى تلك قبلك ولا أرانا فيك مكروها أبدا وعمر بك الله الاسلام ودعم ببقائك أركانه وشد بك أرجاءه وردك الله مظفرا مفلحا على أفضل أملك في عدوك وما رجوت من ربك قال أما أنت فقد تخلصت من الفريقين قال ثم دعا ببرذون فجاءوا به كما وصف فنظر إلى فركبه وقال انصرف غير مودع فإن لك أشغالا فودعته وكان آخر العهد به (وفيها) تحرك الخرمية بناحية آذربيجان فوجه إليهم الرشيد عبد الله بن مالك في عشرة آلاف فارس فأسر وسبى ووافاه بقرماسين فأمر بقتل الاسارى وبيع السبى (وفيها) مات على بن ظبيان القاضى بقصر اللصوص (وفيها) قدم يحيى بن معاذ بأبى النداء على الرشيد وهو بالرقة فقتله (وفيها) فارق عجيب بن عنبسة والاحوص بن مهاجر في عدة من أبناء الشيعة رافع بن ليث وصاروا إلى هرثمة (وفيها) قدم بابن عائشة وبعدة من أهل أحواف مصر (وفيها) ولى ثابت بن نصر بن مالك الثغور وغزا فافتتح مطمورة (وفيها) كان الفداء بالبدندون (وفيها) تحرك ثروان الحروري وقتل عامل السلطان بطف البصرة (وفيها) قدم بعلى بن عيسى بغداد فحبس في داره (وفيها) مات عيسى بن جعفر بطرارستان وقيل بالدسكرة وهو يريد اللحاق بالرشيد (وفيها) قتل الرشيد الهيصم اليماني (وحج) بالناس في هذه السنة العباس بن عبيد الله بن جعفر بن أبى جعفر المنصور

[ 525 ]

ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك وفاة الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك في الحبس بارقة في المحرم وكان بدء علته فيما ذكر من ثقل أصابه في لسانه وشقه وكان يقول ما أحب أن يموت الرشيد فيقال له أما تحب أن يفرج الله عنك فيقول إن أمرى قريب من أمره ومكث يعالج أشهرا ثم صلح فجعل يتحدث ثم اشتد عليه فعقد لسانه وطرفه ووقع لمآبه فمكث في تلك الحال يوم الخميس ويوم الجمعة وتوفى مع اذان الغداة قبل وفاة الرشيد بخمسة أشهر وهو في خمس وأربعين سنة وجزع الناس عليه وصلى عليه إخوانه في القصر الذى كانوا فيه قبل إخراجه ثم أخرج فصلى عليه الناس على جمازته (وفيها) مات سعيد الطبري المعروف بالجوهري (وفيها) وافى هارون جرجان في صفر فوافاه بها خزائن على بن عيسى على ألف بعير وخمسمائة بعير ثم رحل من جرجان فيما ذكر في صفر وهو عليل إلى طوس فلم يزل بها إلى أن توفى واتهم هرثمة فوجه ابنه المأمون قبل وفاته بثلاث وعشرين ليلة إلى مرو ومعه عبد الله بن مالك ويحيى بن معاذ وأسد بن يزيد بن مزيد والعباس بن جعفر بن محمد بن الاشعث والسندى بن الحرشى ونعيم بن حازم وعلى كتابته ووزارته أيوب بن أبى سمير ثم اشتد بهارون الوجع حتى ضعف عن السير * وكانت بين هرثمة وأصحاب رافع فيها وقعة فتح فيها بخارى وأسر أخا رافع بشير ابن الليث فبعث به إلى الرشيد وهو بطوس * فذكر عن ابن جامع المروزى عن أبيه قال كنت فيمن جاء إلى الرشيد بأخى رافع قال فدخل عليه وهو على سرير مرتفع عن الارض بقدر عظم الذراع وعليه فرش بقدر ذالك أو قال أكثر وفي يده مرآة ينظر إلى وجهه قال فسمعته يقول إنا لله وإنا إليه راجعون ونظر إلى أخى رافع فقال أما والله يا ابن اللخناء إنى لارجو أن لا يفوتنى خامل يريد رافعا كما لم تفتني فقال له يا أمير المؤمنين قد كنت لك حربا وقد أظفرك الله بى فافعل

[ 526 ]

ما يحب الله أكن لك سلما ولعل الله أن يلين لك قلب رافع إذا علم أنك قد مننت على فغضب وقال والله لو لم يبق من أجلى إلا أن أحرك شفتي بكلمة لقلت اقتلوه ثم دعا بقصاب فقال لا تشحذ مداك اتركها على حالها وفصل هذا الفاسق وعجل لا يحضرن أجلى وعضوان من أعضائه في جسمه ففصله حتى جعله أشلاء فقال عد أعضاءه فعددت له أعضاءه فإذا هي أربعة عشر عضوا فرفع يديه إلى السماء فقال اللهم كما مكنتني من ثأرك وعدوك فبلغت فيه رضاك فمكني من أخيه ثم أغمى عليه وتفرق من حضره (وفيها) مات هارون الرشيد ذكر الخبر عن سبب وفاته والموضع الذى توفى فيه * ذكر عن جبريل بن بختيشوع أنه قال كنت مع الرشيد بالرقة وكنت أول من يدخل عليه في كل غداة فأتعرف حاله في ليلته فان كان أنكر شيئا وصفه ثم ينبسط فيحدثني بحديث جواريه وما عمل في مجلسه ومقدار شربه وساعات جلوسه ثم يسألنى عن أخبار العامة وأحوالها فدخلت عليه في غداة يوم فسلمت فلم يكد يرفع طرفه ورأيته عابسا مفكرا مهموما فوقفت بين يديه مليا من النهار وهو على تلك الحال فلما طال ذلك أقدمت عليه فقلت يا سيدى جعلني الله فداك ما حالك هكذا أعلة فأخبرني بها فلعله يكون عندي دواؤها أو حادثة في بعض من تحب فذاك ما لا يدفع ولا حيلة فيه إلا التسليم والغم لا درك فيه أو فتق ورد عليك في ملكك فلم تخل الملوك من ذلك وأنا أولى من أفضيت إليه بالخبر وتروحت إليه بالمشورة فقال ويحك يا جبريل ليس غمى وكربي لشئ مما ذكرت ولكن لرؤيا رأيتها في ليلتى هذه وقد أفزعتني وملات صدري وأفرحت قلبى قلت فرجت عنى يا أمير المؤمنين فدنوت منه فقبلت رجله وقلت أهذا الغم كله الرؤيا إنما تكون من خاطر أو بخارات ردية أو من تهاويل السوداء وإنما هي أضغاث أحلام بعد هذا كله قال فأقصها عليك رأيت كأنى جالس على سريري هذا إذ بدت من تحتي ذراع أعرفها وكف أعرفها لا أفهم اسم صاحبها وفي الكف تربة حمراء فقال لى قائل أسمعه ولا أرى شخصه هذه التربة التى تدفن فيها فقلت

[ 527 ]

وأين هذه التربة قال بطوس وغابت اليد وانقطع الكلام وانتبهت فقلت يا سيدى هذه والله رؤيا بعيدة ملتبسة أحسبك أخذت مضجعك ففكرت في خراسان وحروبها وما قد ورد عليك من انتقاض بعضها قال قد كان ذاك قال قلت فلذلك الفكر خالطك في منامك من خالطك فولد هذه الرؤيا فلا تحفل بها جعلني الله فداك وأتبع هذا الغم سرورا يخرجه من قلبك لا يولد علة قال فما برحت أطيب نفسه بضروب من الحيل حتى سلى وانبسط وأمر بإعداد ما يشتهيه ويزيد في ذلك اليوم في لهوه ومرت الايام فنسى ونسينا تلك الرؤيا فما خطرت لاحد منا ببال ثم قدر مسيره إلى خراسان حين خرج رافع فلما صار في بعض الطريق ابتدأت به العلة فلم تزل تتزايد حتى دخلنا طوس فنزلنا في منزل الجنيد بن عبد الرحمن في ضيعة له تعرف بسناباذ فبينا هو يمرض في بستان له في ذلك القصر إذ ذكر تلك الرؤيا فوثب متحاملا يقوم ويسقط فاجتمعنا إليه كل يقول يا سيدى ما حالك وما دهاك فقال يا جبريل تذكر رؤياي بالرقة في طوس ثم رفع رأسه إلى مسرور فقال جئني من تربة هذا البستان فمضى مسرور فأتى بالتربة في كفه حاسرا عن ذراعه فلما نظر إليه قال هذه والله الذراع التى رأيتها في منامي وهذه والله الكف بعينها وهذه والله التربة الحمراء ما خرمت شيئا وأقبل على البكاء والنحيب ثم مات بها والله بعد ثلاثة ودفن في ذلك البستان * وذكر بعضهم أن جبريل بن بختيشوع كان غلط على الرشيد في علته في علاج عالجه به كان سبب منيته فكان الرشيد هم ليلة مات بقتله وأن يفصله كما فصل أخا رافع ودعا بجبريل بن بختيشوع ليفعل ذلك به فقال له جبريل أنظرني إلى غد يا أمير المؤمنين فانك ستصبح في عافية فمات في ذلك اليوم * وذكر الحسن بن على الربعي أن أباه حدثه عن أبيه وكان جمالا معه مائة جمل قال هو حمل الرشيد إلى طوس قال قال الرشيد احفروا لى قبرا قبل أن أموت فحفروا له قال فحملته في قبة أقود به حتى نظر إليه قال فقال يا ابن آدم تصير إلى هذا * وذكر بعضهم أنه لما اشتدت به العلة أمر بقبره فحفر في موضع من الدار التى كان فيها نازلا بموضع يسمى المثقب في دار حميد بن أبى غانم الطائى

[ 528 ]

فلما فرغ من حفر القبر أنزل فيه قوما ما فقرؤا فيه القرآن حتى ختموا وهو في محفة على شفير القبر وذكر محمد بن زياد بن محمد بن حاتم بن عبيد الله بن أبى بكرة أن سهل بن مساعد حدثه قال كنت عند الرشيد في بيته الذى قبض فيه وهو يجود بنفسه فدعا بملحفة غليظة فاحتبى بها وجعل يقاسى ما يقاسى فنهضت فقال لى اقعد يا سهل فقعدت وطال جلوسي لا يكلمني ولا أكلمه والملحفة تنحل فيعيد الاحتباء بها فلما طال ذلك نهضت فقال لى إلى أين يا سهل قلت يا أمير المؤمنين ما يسع قلبى أن أرى أمير المؤمنين يعانى من العلة ما يعانى فلو اضطجعت يا أمير المؤمنين كان أروح لك قال فضحك ضحك صحيح ثم قال يا سهل انى أذكر في هذه الحال قول الشاعر وإنى من قوم كرام يزيدهم * شماسا وصبرا شدة الحدثان وذكر عن مسرور الكبير قال لما حضرت الرشيد الوفاة وأحس بالموت أمرنى أن أنشر الوشى فآتيه بأجود ثوب أقدر عليه وأغلاه قيمة فلم أجد ذلك في ثوب واحد ووجدت ثوبين أغلى شئ قيمة وجدته متقاربين في أثمانهما الا أن أحدهما أغلى من الآخر شيئا وأحدهما أحمر والآخر أخضر فجئته بهما فنظر اليهما وخبرته قيمتهما فقال اجعل أحسنهما كفني والآخر إلى موضعه وتوفى فيما ذكر في موضع يدعى المثقب في دار حميد بن أبى غانى نصف الليل ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة من هذه السنة وصلى عليه ابنه صالح وحضر وفاته الفضل بن الربيع واسماعيل بن صبيح وعن خدمه مسرور وحسين ورشيد وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة وشهرين وثمانية وعشر يوما أولها ليلة الجمعة لاربع عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الاول سنة 170 وآخرها ليلة السبت لثلاث ليال خلون من جمادى الآخرة سنة 193 وقال هشام بن محمد استخلف أبو جعفر الرشيد هارون بن محمد ليلة الجمعة لاربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول سنة 170 وهو يومئذ ابن اثنتين وعشرين سنة وتوفى ليلة الاحد غرة جمادى الاولى وهو ابن خمس وأربعين سنة سنة 193 فملك ثلاثا وعشرين سنة وشهرا وستة عشر يوما وقيل كان سنه يوم توفى سبعا وأربعين سنة وخمسة أشهر

[ 529 ]

وخمسة أيام أولها لثلاث بقين من ذى الحجة سنة 145 وآخرها يومان مضيا من جمادى الآخرة سنة 193 وكان جميلا وسيما أبيض جعدا وقدوخطه الشيب ذكر ولاة الامصار في أيام هارون الرشيد ولاة المدينة إسحاق بن عيسى بن على، عبد الملك بن صالح بن على، محمد بن عبد الله، موسى بن عيسى بن موسى، إبراهيم بن محمد بن إبراهيم على بن عيسى بن موسى، محمد بن إبراهيم، عبد الله بن مصعب الزبيري، بكار بن عبد الله بن مصعب، أبو البخترى وهب بن وهب (ولاة مكة) العباس بن محمد بن إبراهيم، سليمان بن جعفر بن سليمان، موسى بن عيسى بن موسى، عبد الله بن محمد بن إبراهيم، عبد الله بن قثم بن العباس، محمد بن إبراهيم، عبيد بن قثم، عبد الله بن محمد بن عمران، عبد الله بن محمد بن إبراهيم، العباس بن موسى بن عيسى، على بن موسى بن عيسى، محمد بن عبد الله العثماني، حماد البربري، سليمان بن جعفر بن سليمان، أحمد بن إسماعيل بن على، الفضل بن العباس ابن محمد (ولاة الكوفة) موسى بن عيسى بن موسى، يعقوب بن أبى جعفر، موسى ابن عيسى بن موسى، العباس بن عيسى بن موسى، إسحاق بن الصباح الكندى، جعفر ابن جعفر بن أبى جعفر، موسى بن عيسى بن موسى، العباس بن عيسى بن موسى، موسى بن عيسى بن موسى (ولاة البصرة) محمد بن سليمان بن على، سليمان بن أبى جعفر، عيسى بن جعفر بن أبى جعفر: خزيمة بن خازم، عيسى بن جعفر، جرير بن يزيد، جعفر بن سليمان، جعفر بن أبى جعفر، عبد الصمد بن على مالك بن على الخزاعى، إسحاق بن سليمان بن على، سليمان بن أبى جعفر، عيسى بن جعفر، الحسن بن جميل مولى أمير المؤمنين، إسحاق بن عيسى بن على (ولاة خراسان) أبو العباس الطوسى، جعفر بن محمد بن الاشعث. العباس بن جعفر، الغطريف بن عطاء سليمان بن راشد على الخراج. حمزة بن مالك. الفضل بن يحيى، منصور بن يزيد بن منصور، جعفر ابن يحيى خليفته بها على بن الحسن بن قحطبة، على بن عيسى بن ماهان، هرثمة بن أعين ذكر بعض سير الرشيد ذكر العباس بن محمد عن أبيه عن العباس قال كان الرشيد يصلى في كل يوم

[ 530 ]

مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا إلا أن تعرض له علة وكان يتصدق من صلب ماله في كل يوم بألف درهم بعد زكاته وكان إذا حج حج معه مائة من الفقهاء وأنبائهم وإذا لم يحج أحج ثلاثمائة رجل بالنفقة السابغة والكسوة الباهرة وكان يقتفى آثار المنصور ويطلب العمل بها إلا في بذل المال فإنه لم ير خليفة قبله كان أعطى منه للمال ثم المأمون من بعده وكان لا يضيع عنده إحسان محسن ولا يؤخر ذلك في أول ما يجب ثوابه وكان يحب الشعراء والشعر ويميل إلى أهل الادب والفقه ويكره المراء في الدين ويقول هو شئ لا نتيجة له وبالحرى ألا يكون فيه ثواب وكان يحب المديح ولا سيما من شاعر فصيح ويشتريه بالثمن الغالى وذكر بن أبى حفصة أن مروان بن أبى حفصة دخل عليه في سنة 181 يوم الاحد لثلاث خلون من شهر رمضان فأنشده شعره الذى يقول فيه وسدث بهارون الثغور فأحكمت * به من أمور المسلمين المرائر وما انفك معقودا بنصر لواؤه * له عسكر عنه تشظى العساكر وكل ملوك الروم أعطاه جزية * على الرغم قسرا عن يد وهو صاغر لقد ترك الصفصاف هارون صفصفا * كأن لم يدمنه من الناس حاضر أناخ على الصفصاف حتى اسباحه * فكابره فيها ألج مكابر إلى وجهه تسمو العيون وما سمت * إلى مثل هارون العيون النواظر ترى حوله الاملاك من آل هاشم * كما حفت البدر النجوم الزواهر يسوق يديه من قريش كرامها * وكلتاهما بحر على الناس زاخر إذا فقد الناس الغمام تتابعت * عليهم بكفيك الغيوم المواطر ع‍... ثقة ألقت إليك أمورها * قريش كما ألقى عصاه المسافر أمور بميراث النبي وليتها * فأنت لها بالحزم طاو وناشر إليكم تناهت فاستقرت وإنما * إلى أهله صارت بهن المصاير خلفت لنا المهدى في العدل والندى * فلا العرف منزور ولا الحكم جائر وأبناء عباس نجوم مضيئة * إذا غاب نجم لاح آخر زاهر

[ 531 ]

على بنى ساقى الحجيج تتابعت * أوائل من معروفكم وأواخر فأصبحت قد أيقنت أن لست بالغا * مدى شكر نعما كم وإنى لشاكر وما الناس إلا وارد لحياضكم * وذو نهل بالرى عنهن صادر حصون بنى العباس في كل مأزق * صدور العوالي والسيوف البواتر فطورا يهزون القواطع والقنا * وطورا بأيديهم تهز المحاضر بأيدى عظام النفع والضر لا تنى * بهم للعطايا والمنايا بوادر ليهنكم الملك الذى أصبحت بكم * أسرته مختالة والمنابر أبوك ولى المصطفى دون هاشم * وإن رغمت من حاسديك المناخر فأعطاه خمسة آلاف دينار فقبضها بين يديه وكساه خلعته وأمر له بعشرة من رقيق الروم وحمله على برذون من خاص مراكبه وذكر أنه كان مع الرشيد بن أبى مريم المدنى وكان مضحاكا له محداثا فكيها فكان الرشيد لا يصبر عنه ولا يمل محادثته وكان ممن قد جمع إلى ذلك المعرفة بأخبار أهل الحجاز وألقاب الاشراف ومكايد المجان فبلغ من خاصته بالرشيد أن بوأه منزلا في قصره وخلطه بحرمه وبطانته ومواليه وغلمانه فحجاء ذات ليلة وهو نائم وقد طلع الفجر وقام الرشيد إلى الصلاة فألفاه نائما فكشف اللحاف عن ظهره ثم قال له كيف أصبحت قال يا هذا ما أصبحت بعد اذهب إلى عملك قال ويلك قم إلى الصلاة قال هذا وقت صلاة أبى الجارود وأنا من أصحاب أبى يوسف القاضى فمضى وتركه نائما وتأهب الرشيد للصلاة فجاء غلامه فقال أمير المؤمنين قد قام إلى الصلاة فقام فألقى عليه ثيابه ومضى نحوه فإذا الرشيد يقرأ في صلاة الصبح فانتهى إليه وهو يقرأ " ومالى لا أعبد الذى فطرني " فقال ابن أبى مريم لا أدرى والله فما تمالك الرشيد أن ضحك في صلاته ثم التفت إليه وهو كالمغضب فقال يا ابن أبى مريم في الصلاة أيضا قال يا هذا وما صنعت قال قطعت على صلاتي قال والله ما فعلت إنما سمعت منك كلاما غمني حين قلت " ومالى لا أعبد الذى فطرني " فقلت لا أدرى والله فعاد فضحك وقال إياك والقرآن والدين ولك ما شئت بعد هما وذكر بعض خدم الرشيد أن العباس بن محمد أهدى غالية إلى الرشيد فدخل عليه

[ 532 ]

وقد حملها معه فقال يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك قد جئتك بغالية ليس لاحد مثلها أما مسكها فمن سرر الكلاب التبتية العتيقة وأما عنبرها فمن عنبر بحر عدن وأما بانها فمن فلان المدنى المعروف بجودة عمله وأما مركبها فانسان بالبصرة عالم بتأليفها حاذق بتركيبها فإن رأى أمير المؤمنين أن يمن على بقبولها فعل فقال الرشيد لخاقان الخادم وهو على رأسه يا خاقان أدخل هذه الغالية فأدخلها خاقان فإذا هي في برنية عظيمة من فضة وفيها ملعقة فكشف عنها وابن أبى مريم حاضر فقال يا أمير المؤمنين هبها لى قال خذها اليك فاغتاظ العباس وطار أسفا وقال ويلك عمدت إلى شئ منعته نفسي وآثرت به سيدى فأخذته فقال أمه فاعلة ان دهن بها لا أسته قال فضحك الرشيد ثم وثب ابن أبى مريم فألقى طرف قميصه على رأسه وأدخل يده في البرنية فجعل يخرج منها ما حملت يده فيضعه في استه مرة وفى أرفاغه ومغابنه أخرى ثم سود بها وجهه ورأسه وأطرافه حتى أتى على جميع جوارحه وقال لخاقان أدخل إلى غلامي فقال الرشيد وما يعقل مما هو فيه من الضحك ادع غلامه فدعاه فقال له اذهب بهذه الباقية إلى فلانة امرأته فقل لها ادهني بهذا حرك إلى أن أنصرف فأتيك فأخذها الغلام ومضى والرشيد يضحك قد ذهب به الضحك ثم أقبل على العباس فقال والله أنت شيخ أحمق تجئ إلى خليفة الله فتمدح عنده غالية أما تعلم أن كل شئ تمطر السماء وكل شئ تخرج الارض له وكل شئ هو في الدنيا فملك يده وتحت خاتمه وفى قبضته وأعجب من هذا أنه قيل لملك الموت انظر كل شئ يقول لك هذا فأنفذه فمثل هذا يمدح عنده الغالية ويخطب في ذكرها كأنه بقال أو عطار أو تمار قال فضحك الرشيد حتى كاد ينقطع نفسه ووصل ابن أبى مريم في ذلك اليوم بمائة ألف درهم وذكر عن زيد بن على بن حسين بن زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب قال أراد الرشيد أن يشرب الدواء يوما فقال له ابن أبى مريم هل لك أن تجعلني حاجبك غدا عند أخذك الدواء وكل شئ أكسبه فهو بينى وبينك قال افعل فبعث إلى الحاجب الزم غدا منزلك فانى قد وليت ابن أبى مريم الحجابة وبكر بن أبى مريم فوضع له الكرسي وأخذ الرشيد دواءه وبلغ الخبر بطانته

[ 533 ]

فجاء رسول أم جعفر يسأل عن أمير المؤمنين وعن دوائه فأوصله إليه وتعرف حاله وانصرف بالجواب وقال للرسول أعلم السيدة ما فعلت في الاذن لك قبل الناس فأعلمها فبعثت إليه بمال كثير ثم جاء رسول يحيى بن خالد ففعل به مثل ذلك ثم جاء رسول جعفر والفضل ففعل كذلك فبعث إليه كل واحد من البرامكة بصلة جزيلة ثم جاء رسول الفضل بن الربيع فرده ولم يأذن له وجاءت رسل القواد والعظماء فما أحد سهل اذنه إلا بعث إليه بصلة جزيلة فما صار العصر حتر صار إليه ستون ألف دينار فلما خرج الرشيد من العلة ونقى بدنه من الدواء دعاه فقال له ما صنعت في يومك هذا قال يا سيدى كسبت ستين ألف دينار فاستكثرها وقال وأين حاصلي قال معزول قال قد سوغناك حاصلنا فأهد الينا عشرة آلاف تفاحة ففعل فكان أربح من تاجره الرشيد وذكر عن اسماعيل بن صبيح قال دخلت على الرشيد فإذا جارية على رأسه وفى يدها صحفة وملعقة في يدها الاخرى وهى تلعقة أولا فأولا قال فنظرت إلى شئ أبيض رقيق فلم أدر ما هو قال وعلم أنى أحب أن أعرفه فقال يا اسماعيل بن صبيح قلت لبيك يا سيدى قال تدرى ما هذا قلت لا قال هذا جشيش الارز والحنطة وماء نخالة السميد وهو نافع للاطراف المعوجة وتشنيج الاعصاب ويصفى البشرة ويذهب بالكلف ويسمن البدن ويجلو الاوساخ قال فلم تكن لى همة حين انصرفت إلا أن دعوت الطباخ فقلت بكر على كل غداة بالجشيش قال وما هو فوصفت له الصفة التى سمعتها قال تضجر من هذا في اليوم الثالث فعمله في اليوم الاول فاستطبته وعلمه في اليوم الثاني فصار دونه وجاء به في اليوم الثالث فقلت لا تقدمه وذكر أن الرشيد اعتل علة فعالجه الاطباء فلم يجد من علته افاقة فقال له أبو عمر الاعجمي بالهند طبيب يقال له منكه رأيتهم يقدمونه على كل من بالهند وهو أحد عبادهم وفلا سفتهم فلو بعث إليه أمير المؤمنين لعل الله أن يبعث له الشفاء على يده قال فوجه الرشيد من حمله ووجه إليه بصلة تعينه على سفره قال فقدم فعالج الرشيد فبرئ من علته بعلاجه فأجرى له رزقا واسعا وأموالا كافية فبينا منكه مارا بالخلد إذا هو برجل من المانيين قد بسط كساءه وألقى عليه عقاقير كثيرة وقام

[ 534 ]

يصف دواء عنده معجونا فقال في صفته هذا دواء للحمى الدائمة وحمى الغب وحمى الربع والمثلثة ولوجع الظهر والركبتين والبواسير والرياح ولو جع الفاصل ووجع العينين ولوجع البطن والصداع والشقيقة ولتقطير البول والفالج والارتعاش فلم يدع علة في البدن إلا ذكر أن ذلك الدواء شفاء منها فقال منكه لترجمانه ما يقول هذا فترجم له ما سمع فتبسم منكه وقال على كل حال ملك العرب جاهل وذاك أنه إن كان الامر على ما قال هذا فلم حملني من بلادي وقطعني عن أهلى وتكلف الغليظ من مؤنتي وهو يجد هذا نصب عنه وبإزائه وإن كان الامر ليس كما يقول هذا فلم لا يقتله فإن الشريعة قد أباحت دمه ودم من أشبهه لانه إن قتل فإنما هي نفس يحيى بقتلها خلق كثير وإن ترك هذا الجاهل قتل في كل يوم نفسا وبالحرى أن يقتل اثنتين وثلاثا وأربعا في كل يوم وهذا فساد في التدبير ووهن في المملكة وذكر أن يحيى بن خالد ابن برمك ولى رجلا بعض أعمال الخراج بالسواد فدخل إلى الرشيد يودعه وعنده يحيى وجعفر بن يحيى فقال الرشيد ليحيى وجعفر أوصياه فقال له يحيى وفروا عمر وقال له جعفر أنصف وانتصف فقال له الرشيد أعدل وأحسن وذكر عن الرشيد أنه غضب على يزيد بن مزيد الشيباني ثم رضى عنه وأذن له فدخل عليه فقال يا أمير المؤمنين الحمد لله الذى سهل لنا سبيل الكرامة وحل لنا النعمة بوجه لقائك وكشف عنا صبابة الكرب بأفضالك فجزاك الله في حال سخطك رضى المنيبين وفى حال رضاك جزاء المنعمين الممتنين المتطولين فقد جعلك الله وله الحمد تنيب تحرجا عند الغضب وتتطول ممتنا بالنعم وتفعو عن المسئ تفضلا بالعفو وذكر مصعب بن عبد الله الزبيري أن أباه عبد الله بن معصب أخبره أن الرشيد قال له ما تقول في الذين طعنوا على عثمان قال قلت يا أمير المؤمنين طعن عليه ناس وكان معه ناس فأما الذين طعنوا عليه فتفرقوا عنه فهم أنواع الشيع وأهل البدع وأنواع الخوارج وأما الذين كانوا معه فهم أهل الجماعة إلى اليوم فقال لى ما أحتاج أن أسأل بعد هذا اليوم عن هذا قال مصعب وقال أبى وسألني عن منزلة أبى بكر وعمر كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 535 ]

فقلت له كانت منزلتهما في حياته منه منزلتهما في مماته فقال كفيتني ما أحتاج إليه قال وولى سلام أو رشيد الخادم بعض خدام الخاصة ضياع الرشيد بالثغور والشأمات فتواترت الكتب بحسن سيرته وتوقيره وحمد الناس له فأمر الرشيد بتقديمه والاسحان إليه وضم ما أحب أن يضم إليه من ضياع الجزيرة ومصر قال فقدم فدخل عليه وهو يأكل سفرجلا قد أتى به من بلخ وهو يقشره ويأكل منه فقال له يا فلان ما أحسن ما انتهى إلى مولاك عنك ولك عنده ما تحب وقد أمرت لك بكذا وكذا ووليتك كذا وكذا فسل حاجتك قال فتكلم وذكر حسن سيرته وقال أنسيتهم والله يا أمير المؤمنين سيرة العمرين قال فغضب واستشاط وأخذ سفرجلة فرماه بها وقال يا ابن اللخناء العمرين العمرين العمرين هبنا احتملناها لعمر بن عبد العزيز نحتملها لعمر بن الخطاب * وذكر عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب أن أبا بكر ابن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز حدثه عن الضحاك ابن عبد الله وأثنى عليه خيرا قال أخبرني بعض ولد عبد الله بن عبد العزيز قال قال الرشيد والله ما أدرى ما آمر في هذا العمرى أكره أن أقدم عليه وله خلف أكرههم وإنى لاحب أن أعرف طريقه ومذهبه وما أثق بأحد أبعثه إليه فقال عمر بن بزيغ والفضل بن الربيع فنحن يا أمير المؤمنين قال فأنتما فخرجا من العرج إلى موضع من البادية يقال له خلص وأخذوا معهما أدلاء من أهل العرج حتى إذا وردا عليه في منزله أتياه مع الضحى فإذا هو في المسجد فأناخا راحلتيهما ومن كان معهما من أصحابهما ثم أتياه على زى الملوك من الريح والثياب والطيب فجلسا إليه وهو في مسجد له فقالا له يا أبا عبد الرحمن نحن رسل من خلفنا من أهل المشرق يقولون لك اتق الله ربك فإذا شئت فقم فأقبل عليهما وقال ويحكما فيمن ولمن قالا أنت والله ما أحب أنى لقيت الله بمحجمة دم امرئ مسلم وأن لى ما طلعت عليه الشمس فلما أيسا منه قالا فإن معنا شيئا تستعين به على دهرك قال لا حاجة لى فيه أنا عنه في عنى فقالا له إنها عشرون ألف دينار قال

[ 536 ]

لا حاجة لى فيها قالا فأعطها من شئت قال أنتما فأعطياها من رأيتما ما أنا لكما بخادم ولا عون قال فلما يئسا منه ركبا راحلتيهما حتى أصبحا مع الخليفة بالسقيا في المنزل الثاني فوجدا الخليفة ينتظرهما فلما دخلا عليه حدثاه بما كان بينهما وبينه فقال ما أبالى ما أصنع بعد هذا فحج عبد الله في تلك السنة فبينا هو واقف على بعض أولئك الباعة يشترى لصبيانه إذا هارون يسعى بين الصفا والمروة على دابة إذ عرض له عبد الله وترك ما يريد فأتاه حتى أخذ بلجام دابته فأهوت إليه الاجناد والاحراس فكفهم عنه هارون فكلمه قال فرأيت دموع هارون وإنها لتسيل على معرفة دابته ثم انصرف * وذكر محمد بن أحمد مولى بنى سليم قال حدثنى الليث بن عبد العزيز الجوزجانى وكان مجاورا بمكة أربعين سنة أن بعض الحجبة حدثه أن الرشيد لما حج دخل الكعبة وقام على أصابعه وقال يا من يملك حوائج السائلين ويعلم ضمير الصامتين فان لكل مسألة منك ردا حاضرا وجوابا عتيدا ولكل صامت منك علم محيط ناطق بمواعيدك الصادقة وأياديك الفاضلة ورحمتك الواسعة صل على محمد وعلى آل محمد واغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا يا من لا تضره الذنوب ولا تخفى عليه العيوب ولا تنقصه مغفرة الخطايا يا من كبس الارض على الماء وسد الهواء بالسماء واختار لنفسه الاسماء صل على محمد وخرلى في حميع أمرى يا من خشعت له الاصوات بألوان اللغات يسألونك الحاجات إن من حاجتى اليك أن تغفر لى إذا توفيتنى وصرت في لحدي وتفرق عنى أهلى وولدى اللهم لك الحمد حمدا يفضل على كل حمد كفضلك على جميع الخلق اللهم صل على محمد صلاة تكون له رضى وصل على محمد صلاة تكون له حرزا وأجزه عنا خيرا الجزاء في الآخرة والاولى اللهم أحينا سعداء وتوفنا شهداء واجعلنا سعداء مرزوقين ولا تجعلنا أشقياء محرومين * وذكر على بن محمد عن عبد الله قال أخبرني القاسم بن يحيى قال بعث الرشيد إلى ابن أبى داود والذين يخدمون قبر الحسن بن على في الحير قال فأتى بهم فنظر إليه الحسن بن راشد وقال ما لك قال بعث إلى هذا الرجل يعنى الرشيد فأحضرني ولست آمنه على نفسي قال له فإذا

[ 537 ]

دخلت عليه فسألك فقل له الحسن بن راشد وضعني في ذلك الموضع فلما دخل عليه قال هذا القول قال ما أخلق أن يكون هذا من تخليط الحسن احضروه قال فلما حضر قال ما حملك على أن صيرت هذا الرجل في الحير قال رحم الله من صيره في الحير أمرتنى أم موسى أن أصيره فيه وأن أجرى عليه في كل شهر ثلاثين درهما فقال ردوه إلى الحير وأجروا عليه ما أجرته أم موسى وأم موسى هي أم المهدى ابنة يزيد بن منصور وذكر على بن محمد أن أباه حدثه قال دخلت على الرشيد في دار عون العبادي فإذا هو في هيئة الصيف في بيت مكشوف وليس فيه فرش على مقعد عند باب في الشق الايمن من البيت وعليه غلالة رقيقة وإزار رشيدي عريض الاعلام شديد التضريج وكان لا يخيش البيت الذى هو فيه لانه كان يؤذيه ولكنه كان يدخل عليه برد الخيش ولا يجلس فيه وكان أول من اتخذ في بيت مقيله في الصيف سقفا دون سقف وذلك أنه لما بلغه أن الاكاسرة كانوا يطينون ظهور بيوتهم في كل يوم من خارج ليكف عنهم حر الشمس فاتخذ هو سقفا يلى سقف البيت الذى يقيل فيه وقال على عن أبيه خبرت أنه كان له في كل يوم القيظ تغار من فضة يعمل فيه العطار الطيب والزعفران والافاويه وماء الورد ثم يدخل إلى بيت مقيله ويدخل معه سبع غلائل قصب رشيدية تقطيع النساء ثم تغمس الغلائل في ذلك الطيب يؤتى في كل يوم بسبع جوار فتخلع عن كل جارية ثيابها ثم تخلع عليها غلالة وتجلس على كرسى مثقب وترسل الغلالة على الكرسي فتجلله ثم تبخر من تحت الكرسي بالعود المدرج في العنبر أمدا حتى يجف القميص عليها يفعل ذلك بهن ويكون ذلك في بيت مقيله فيعبق ذلك البيت بالبخور والطيب * وذكر على بن حمزة أن عبد الله بن عباس بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن على بن أبى طالب قال قال لى العباس بن الحسن قال لى الرشيد أراك تكثر من ذكر ينبع وصفتها فصفها لى وأوجز قال قلت بكلام أو بشعر قال بكلام وشعر قال قلت جدتها في أصل عذقها وعذقها مسرح شأنها قال فتبسم فقلت له يا وادى القصر نعم القصر والوادى * من منزل حاضر إن شئت أو بادى ترى قراقيره والعيس واقفة * والضب والنون والملاح والحادي

[ 538 ]

وذكر محمد بن هارون عن أبيه قال حضرت الرشيد وقال له الفضل بن الربيع يا أمير المؤمنين قد أحضرت ابن السماك كما أمرتنى قال أدخله فدخل فقال له عظني قال يا أمير المؤمنين اتق الله وحده لا شريك له واعلم أنك واقف غدا بين يدى الله ربك ثم مصروف إلى إحدى منزلتين لا ثالثة لهما جنة أو نار قال فبكى هارون حتى اخضلت لحيته فأقبل الفضل على ابن السماك فقال سبحان الله وهل يتخالج أحدا شك في أن أمير المؤمنين مصروف إلى الجنة إن شاء الله لقيامه بحق الله وعدله في عباده وفضله قال فلم يحفل بذلك ابن السماك من قوله ولم يلتفت إليه وأقبل على أمير المؤمنين فقال يا أمير المؤمنين إن هذا يعنى الفضل ابن الربيع ليس والله معك ولا عندك في ذلك اليوم فاتق الله وانظر لنفسك قال فبكى هارون حتى شفقنا عليه وأفحم الفضل بن الربيع فلم ينطق بحرف حتى خرجنا قال ودخل ابن السماك على الرشيد يوما فبينا هو عنده إذ استسقى ماء فأتى بقلة من ماء فلما أهوى بها إلى فيه ليشربها قال له ابن السماك على رسلك يا أمير المؤمنين بقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم لو منعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها قال بنصف ملكى قال اشرب هنأك الله فلما شربها قال له أسألك بقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم لو منعت خروجها من بدنك بماذا كنت تشتريها قال بجميع ملكى قال ابن السماك إن ملكا قيمته شربة ماء لجدير ألا ينافس فيه فبكى هارون فأشار الفضل بن الربيع إلى ابن السماك بالانصراف فانصرف قال ووعظ الرشيد عبد الله بن عبد العزيز العمرى فتلقى قوله نعم يا عم فلما ولى لينصرف بعث إليه بألفى دينار في كيس مع الامين والمأمون فاعترضاه بها وقالا يا عم يقول لك أمير المؤمنين خذها وانتفع بها أو فرقها فقال هو أعلم بمن يفرقها عليه ثم أخذ من الكيس دينارا وقال كرهت أن أجمع سوء القول وسوء الفعل وشخص إليه إلى بغداد بعد ذلك فكره الرشيد مصيره إلى بغداد وجمع العمريين فقال مالى ولا بن عمكم احتملته بالحجاز فشخص إلى دار مملكتي يريد أن يفسد على أوليائي ردوه عنى فقالوا لا يقبل منا فكتب إلى

[ 539 ]

موسى بن عيسى أن يرفق به حتى يرده فدعا له عيسى ببنى عشر سنين قد حفظ الخطب والمواعظ فكلمه كلاما كثيرا ووعظه بما لم يسمع العمرى بمثله ونهاه عن التعرض لامير المؤمنين فأخذ نعله وقام وهو يقول " فاعترفوا بذنبهم فسحقا لاصحاب السعير " * وذكر بعضهم أنه كان مع الرشيد بالرقة بعد أن شخص من بغداد فخرج يوما مع الرشيد إلى الصيد فعرض له رجل من النساك فقال يا هارون اتق الله فقال لابراهيم بن عثمان بن نهيك خذ هذا الرجل إليك حتى أنصرف فلما رجع دعا بغدائه ثم أمر أن يطعم الرجل من خاص طعامه فلما أكل وشرب دعا به فقال يا هذا انصفني في المخاطبة والمسألة قال ذاك أقل ما يجب لك قال فأخبرني أنا شر وأخبث أم فرعون قال بل فرعون قال أنا ربكم الاعلى وقال ما علمت لكم من إله غيرى قال صدقت فأخبرني فمن خير أنت أم موسى ابن عمران قال موسى كليم الله وصفيه اصطنعه لنفسه وأتمنه على وحيه وكلمه من بين خلقه قال صدقت أفما تعلم أنه لما بعثه وأخاه إلى فرعون قال لهما قولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى * ذكر المفسرون أنه أمرهما أن يكنياه وهذا وهو في عتوه وجبريته على ما قد علمت وأنت جئتني وأنا بهذه الحالة التى تعلم أؤدى أكثر فرائض الله على ولا أعبد أحدا سواه أقف عند أكبر حدوده وأمره ونهيه فوعظتني بأغلظ الالفاظ وأشنعها وأخشن الكلام وأفظعه فلا بأدب الله تأدبت ولا بأخلاق الصالحين أخذت فما كان يؤمنك أن أسطو بك فإذا أنت قد عرضت نفسك لما كنت عنه غنيا قال الزاهد أخطأت يا أمير المؤمنين وأنا استغفرك قال قد غفر لك الله وأمر له بعشرين ألف درهم فأبى أن يأخذها وقال لا حاجة لى في المال أنا رجل سائح فقال هرثمة وخزرة ترد على أمير المؤمنين يا جاهل صلته فقال الرشيد امسك عنه ثم قال له لم نعطك هذا المال لحاجتك إليه ولكن من عادتنا أنه لا يخاطب الخليفة أحد ليس من أوليائه ولا أعدائه إلا وصله ومنحه فأقبل من صلتنا ما شئت وضعها حيث أحببت فأخذ من المال ألفى درهم وفرقها على الحجاب ومن حضر الباب

[ 540 ]

ذكر من كان عند الرشيد من النساء المهائر قيل إنه تزوج زبيدة وهى أم جعفر بنت جعفر بن المنصور وأعرس بها في سنة 165 في خلافة المهدى ببغداد في دار محمد بن سليمان التى صارت بعد للعباسة ثم صارت للمعتصم بالله فولدت له محمدا الامين وماتت ببغداد في جمادى الاولى سنة 216 وتزوج أمة العزيز أم ولد موسى فولدت له على بن الرشيد وتزوج أم محمد ابنة صالح المسكين وأعرس بها بالرقة في ذى الحجة سنة 187 وأمها أم عبد الله ابنة عيسى بن على صاحبة دار أم عبد الله بالكرخ التى فيها أصحاب الدبس كانت أملكت من إبراهيم بن المهدى ثم خلعت منه فتزوجها الرشيد وتزوج العباسة ابنة سليمان بن أبى جعفر وأعرس بها في ذى الحجة سنة 187 حملت هي وأم محمد ابنة صالح إليه وتزوج عزيزة ابنة الغطريف وكانت قبله عند سليمان بن أبى جعفر فطلقها فخلف عليها الرشيد وهى ابنة أخى الخيزران وتزوج الجرشية العثمانية وهى ابنة عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان وسميت الجرشية لانها ولدت بجرش باليمن وجدة أبيها فاطمة بنت الحسين بن على بن أبى طالب وعم أبيها عبد الله بن حسن بن حسن بن على بن أبى طالب رضى الله عنهم ومات الرشيد عن أربع مهائر أم جعفر وأم محمد ابنة صالح وعباسة ابنة سليمان والعثمانية وولد للرشيد من الرجال (محمد الاكبر) وأمة زبيدة (وعبد الله المأمون) وأمه أم ولد يقال لها مراجل (والقاسم المؤتمن) وأمه أم ولد يقال لها قصف (ومحمد أبو إسحاق المعتصم) وأمه أم ولد يقال لها ماردة (وعلى) أمه أمة العزيز (وصالح) وأمه أم ولد يقال لها رئم (ومحمد أبو عيسى) وأمه أم ولد يقال لها عرابة (ومحمد أبو يعقوب) وأمه أم ولد يقال لها شذرة (ومحمد أبو العباس) وأمه أم ولد يقال لها خبث (ومحمد أبو سليمان) وأمه أم ولد يقال لها رواح (ومحمد أبو على) وأمه أم ولد يقال لها دواج (ومحمد أبو احمد) أمه أم ولد يقال لها كتمان * ومن النساء سكينة وأمها قصف وهى أخت القاسم وأم حبيب أمها ماردة وهى أخت أبى إسحاق المعتصم وأروى أمها حلوب وأم الحسن وأمها

[ 541 ]

عرابة وأم محمد وهى حمدونة وفاطمة وأمها غصص واسمها مصفى وأم أبيها وأمها سكر وأم سلمة وأمها رخنق وخديجة وأمها شجر وهى أخت كريب وأم القاسم وأمها حزق ورملة أم جعفر وأمها حلى وأم على أمها أنيق وأم الغالية أمها سمندل وريطة وأمها زينة * ذكر يعقوب بن إسحاق الاصفهانى قال قال المفضل بن محمد الضبى وجه إلى الرشيد فما علمت إلا وقد جاءني الرسل ليلا فقالوا أجب أمير المؤمنين فخرجت حتى صرت إليه وذلك في يوم خميس وإذا هو متكئ ومحمد بن زبيدة عن يساره والمأمون عن يمينه فسلمت فأومأ إلى فجلست فقال لى يا مفضل قلت لبيك يا أمير المؤمنين قال كم اسم في " فسيكفيكهم " قلت ثلاثة أسماء يا أمير المؤمنين قال وما هي قلت الكاف لرسول الله صلى الله عليه وسلم والهاء والميم وهى للكفار والياء وهى لله عز وجل قال صدقت هكذا أفادنا هذا الشيخ يعنى الكسائي ثم التفت إلى محمد فقال له أفهمت يا محمد قال نعم قال أعد على المسألة كما قال المفضل فأعادها ثم التفت إلى فقال يا مفضل عندك مسألة تسألنا عنها بحضرة هذا الشيخ قلت نعم يا أمير المؤمنين قال وما هي قلت قول الفرزدق أخذنا بآفاق السماء عليكم * لنا قمراها والنجوم الطوالع قال هيهات أفادناها متقدما قبلك هذا الشيخ لنا قمراها يعنى الشمس والقمر كما قالوا سنة العمرين سنة أبى بكر وعمر قال قلت فأزيد في السؤال قال زد قلت فلم استحسنوا هذا قال لانه إذا اجتمع اسمان من جنس واحد وكان أحدهما أخف على أفواه القائلين غلبوه وسموا به الآخر فلما كانت أيام عمر أكثر أيام أبى بكر وفتوحه أكثر واسمه أخف غلبوه وسموا أبا بكر باسمه قال الله عز وجل " بعد المشرقين) وهو المشرق والمغرب قلت قد بقيت زيادة في المسألة فقال يقال في هذا غير ما قلنا قال هذا وفى ما قالوا وتمام المعنى عند العرب قال ثم التفت إلى فقال ما الذى بقى قلت بقيت الغاية التى إليها أجرى الشاعر المفتخر في شعره قال وما هي قلت أراد بالشمس إبراهيم وبالقمر محمدا صلى الله عليه وسلم وبالنجوم الخلفاء الراشدين من آبائك الصالحين قال فاشرأب أمير المؤمنين وقال يا فضل

[ 542 ]

ابن الربيع احمل إليه مائة ألف درهم لقضاء دينه وانظر من الباب من الشعراء فيوذن لهم فإذا العماني ومنصور النمري فأذن لهما فقال أدن منى الشيخ فدنا منه وهو يقول قل للامام المقتدى بأمه * ما قاسم دون مدى ابن أمه * فقد رضيناه فقم فسمه فقال الرشيد ما ترضى أن تدعو إلى عقد البيعة له وأنا جالس حتى تنهضني قائما قال قيام عزم يا أمير المؤمنين لا قيام حتم فقال يوتى بالقاسم فأتى به وطبطب في أرجوزته فقال الرشيد للقاسم إن هذا الشيخ قد دعا إلى عقد البيعة لك فأجزل له العطية فقال حكم أمير المؤمنين قال وما أنا وذاك هات النمري فدنا منه وأنشده ما تنقضي حسرة منا ولا جزع - حتى بلغ - ما كان أحسن أيام الشباب وما * أبقى حلاوة ذكراه التى تدع ما كنت أو في شبابى كنه غرته * حتى مضى فإذا الدنيا له تبع قال للرشيد لا خير في دنيا لا يخطر فيها ببرد الشباب * وذكر أن سعيد بن سلم الباهلى دخل على الرشيد فسلم عليه فأومأ إليه الرشيد فجلس فقال يا أمير المؤمنين أعرابي من باهلة واقف على باب أمير المومنين ما رأيت قط أشعر منه قال أما أنك أسبحت هذين يعنى العماني ومنصور النمري وكانا حاضريه نهبى لهما احجارك قال هما يا أمير المؤمنين يهباني فيؤذن للاعرابي فأذن له فإذا أعرابي في جبة خز ورداء يمان قد شد وسطه ثم ثناه على عاتقه وعمامة قد عصبها على خديه وأرخى لها عذبة فمثل بين يدى أمير المؤمنين وألقيت الكراسي فجلس الكسائي والمفضل وابن سلم والفضل بن الربيع فقال ابن سلم للاعرابي خذ في شرب أمير المؤمنين فاندفع الاعرابي في شعره فقال أمير المؤمنين أسمعك مستحسنا وأنكرك متهما عليك فان يكن هذا الشعر لك وأنت قلته من نفسك فقل لنا في هذين بيتين يعنى محمدا والمأمون وهما حفافاه فقال يا أمير المؤمنين حملتني على القدر في غير الحذر روعة الخلافة وبهر البديهة ونفور القوافى على الروية فيمهلني أمير المؤمنين يتألف إلى نافراتها ويسكن روعى قال قد أمهلتك يا أعرابي وجعلت اعتذارك بدلا من

[ 543 ]

امتحانك فقال يا أمير المؤمنين نفست * الخناق وسهلت ميدان النفاق ثم أنشأ يقول هما طنباها بارك الله فيهما * وأنت أمير المؤمنين عمودها بنيت بعبدالله بعد محمد * ذرى قبة الاسلام فاهتز عودها فقال وأنت يا اعرابي بارك الله فيك فسلنا ولا تكن مسألتك دون إحسانك قال الهنيدة يا أمير المؤمنين قال فتبسم أمير المؤمنين وأمر له بمائة ألف درهم وسبع خلع * وذكر أن الرشيد قال لابنه القاسم وقد دخل عليه قبل أن يبايع له أنت للمأمون ببعض حمل هذا قال ببعض حطه وقال للقاسم يوما قبل البيعة له قد أوصيت الامين والمأمون بك قال أما أنت يا أمير المؤمنين فقد توليت النظر لهما ووكلت النظر لى إلى غيرك وقال مصعب بن عبد الله الزبيري قدم الرشيد مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه ابناه محمد الامين وعبد الله المأمون فأعطى فيها العطايا وقسم في تلك السنة في رجالهم ونسائهم ثلاثة أعطية فكانت الثلاثة الاعطية التى قسمها فيهم ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار وفرض في تلك السنة لخمسمائة من وجوه موالى المدينة ففرض لبعضهم في الشرف منهم يحيى بن مسكين وابن عثمان ومخراق مولى بنى تميم وكان يقرأ القرآن بالمدينة وقال إسحاق المولى لما بايع الرشيد لولده كان فيمن بايع عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير فلما قدم ليبايع قال لا قصرا عنها ولا بلغتهما * حتى يطول على يديك طوالها فاستحسن الرشيد ما تمثل وأجزل له صلته قال والشعر لطريح بن اسماعيل قاله في الوليد بن يزيد وفى ابنيه وقال أبو الشيص يرثى هارون الرشيد غربت في الشرق شمس * فلها عينان تدمع ما رأينا قط شمسا * غربت من حيث تطلع وقال أبو نواس الحسن بن هانئ جرت جوار بالسعد والنحس * فنحن في مأتم وفى عرس القلب يبكى والسن ضاحكة * فنحن في وحشة وفى انس

[ 544 ]

يضحكنا القائم الامين ويب‍ * - كينا وفاة الامام بالامس بدران بدرا ضحى ببغداد بال‍ * - خلد وبدر بطوس في رمس وقيل مات هارون الرشيد وفى بيت المال تسعمائة ألف ألف ونيف خلافة الامين (وفى هذه السنة) بويع لمحمد الامين بن هارون بالخلافة في عسكر الرشيد وعبد الله بن هارون المأمون يومئذ بمرو وكان فيما ذكر قد كتب حمويه مولى المهدى صاحب البريد بطوس إلى أبى مسلم سلام مولاه وخليفته ببغداد على البريد والاخبار يعلمه وفاة الرشيد فدخل على محمد فغزاه وهنأه بالخلافة وكان أول الناس فعل ذلك ثم قدم عليه رجاء الخادم يوم الاربعاء لاربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة كان صالح بن الرشيد أرسله إليه بالخبر بذلك وقيل ليلة الخميس للنصف من جمادى الآخر قفأظهر يوم الجمعة وستر خبره بقية يومه وليلته وخاض الناس في أمره ولما قدم كتاب صالح على محمد الامين مع رجاء الخادم بوفاة الرشيد وكان نازلا في قصره بالخلد تحول إلى قصر أبى جعفر بالمدينة وأمر الناس بالحصور ليوم الجمعة فحضروا وصلى بهم فلما قضى صلاته صعد المنبر فحدم الله وأئنى عليه ونعى الرشيد إلى الناس وعزى نفسه والناس ووعدهم خيرا وبسط الآمال وآمن الاسود والابيض وبايعه جلة أهل بيته وخاصته ومواليه وقواده ثم دخل ووكل بيعته على من بقى منهم عم أبيه سليمان بن أبى جعفر فبايعهم وأمر السندي بمبايعة جميع الناس من القواد وسائر الجند وأمر للجند ممن بمدينة السلام برزق أربعة وعشرين شهرا وبخواص من كانت له خاصة لهذه الشهور (وفى هذه السنة) كان بدء اختلاف الحال بين الامين محمد وأخيه المأمون وعزم كل واحد منهما بالخلاف على صاحبه فيما كان والدهما هارون أخذ عليهما العمل به في الكتاب الذى ذكرنا أنه كان كتب عليهما وبينهما

[ 545 ]

ذكر الخبر عن السبب الذى كان أوجب اختلاف حالهما فيما ذكرت (قال أبو جعفر) قد ذكرنا قبل أن الرشيد جدد حين شخص إلى خراسان البيعة للمأمون على القواد الذين معه وأشهد من معه من القواد وسائر الناس وغيرهم أن جميع من معه من الجند مضمومون إلى المأمون وأن جميع ما معه من مال وسلاح وآلة وغير ذلك للمأمون فلما بلغ محمد بن هارون أن أباه قد اشتدت علته وأنه لمآبه بعث من يأتيه بخبره في كل يوم فأرسل بكر بن المعتمر وكتب معه كتبا وجعلها في قوائم صناديق منقورة ألبسها جلود البقر وقال لا يظهرن أمير المؤمنين ولا أحد ممن في عسكره على شئ من أمرك وما توجهت فيه ولا ما معك ولو قتلت حتى يموت امير المؤمنين فإذا مات فادفع إلى كل رجل منهم كتابه فلما قدم بكر بن المعتمر طوس بلغ هارون قدومه فدعا به فسأله ما أقدمك قال بعثنى محمد لاعلم له علم خبرك وآتيه به قال فهل معك كتاب قال لا فأمر بما معه ففتش فلم يصيبوا معه شيئا فهدده بالضرب فلم يقر بشئ فأمر به فحبس وقيد فلما كان في الليلة التى مات فيها هارون أمر الفضل بن الربيع أن يصير إلى محبس بكر بن المعتمر فيقرره فإن أقر وإلا ضرب عنقه فصار إليه فقرره فلم يقر بشئ ثم غشى على هارون فصاح النساء فأمسك الفضل عن قتله وصار إلى هارون ليحضره ثم أفاق هارون وهو ضعيف قد شغل عن بكر وعن غيره لحس الموت ثم غشى عليه غشية ظنوا أنها هي وارتفعت الضجة فبعث بكر بن المعتمر برقعة منه إلى الفضل بن الربيع مع عبد الله بن أبى نعيم يسأله أن لا تعجلوا بأمر ويعلمه أن معه أشياء يحتاجون إلى علمها وكان بكر محبوسا عند حسين الخادم فلما توفى هارون في الوقت الذى توفى فيه دعا الفضل بن الربيع ببكر عن ساعته فسأله عما عنده فأنكر أن يكون عنده شئ وخشى على نفسه من أن يكون هارون حيا حتى صح عنده موت هارون وأدخله عليه فأخبره أن عنده كتبا من أمير المؤمنين محمد وأنه لا يجوز له إخراجها وهو على حاله في قيوده وحبسه فامتنع حسين الخادم من إطلاقه حتى أطلقه الفضل فأتاهم بالكتب التى عنده وكانت في قوائم

[ 546 ]

المطابخ المجلدة بجلود البقر فدفع إلى كل إنسان منهم كتابه وكان في تلك الكتب كتاب من محمد بن هارون إلى حسين الخادم بخطه يأمره بتخلية بكر بن المعتمر وإطلاقه فدفعه إليه وكتاب إلى عبد الله المأمون فاحتبس كتاب المأمون عنده ليبعثه إلى المأمون بمرو وأرسلوا إلى صالح بن الرشيد وكان مع أبيه بطوس وذلك أنه كان أكبر من يحضر هارون من ولده فأتاهم في تلك الساعة فسألهم عن أبيه هارون فأعلموه فجزع جزعا شديدا ثم دفعوا إليه كتاب أخيه محمد الذى جاء به بكر وكان الذين حضروا وفاة هارون هم الذين ولوا أمره وغسله وتجهيزه وصلى عليه ابنه صالح وكانت نسخة كتاب محمد إلى أخيه عبد الله المأمون إذا ورد عليك كتاب أخيك أعاذه الله من فقدك عند حلول مالا مرد له ولا مدفع مما قد أخف وتناسخ الامم الخالية والقرون الماضية بما عزاك الله به واعلم أن الله جل ثناؤه قد اختار لامير المؤمنين أفضل الدارين وأجزل الحظين فقبضه الله طاهرا زاكيا قد شكر سعيه وغفر ذنبه إن شاء الله فقم في أمرك قيام ذى الحزم والعزم والناظر لاخيه ونفسه وسلطانه وعامة المسلمين وإياك أن يغلب عليك الجزع فانه يحبط الاجر ويعقب الوزر وصلوات الله على أمير المؤمنين حيا وميتا وإنا لله وإنا إليه راجعون وخذ البيعة على من قبلك من قوادك وجندك وخاصتك وعامتك لاخيك ثم لنفسك ثم للقاسم ابن أمير المؤمنين على الشرطية التى جعلها لك أمير المؤمنين من نسخها له وإثباتها فانه مقلد من ذاك ما قلدك الله وخليفته وأعلم من قبلك رأيى في صلاحهم وسد خلتهم والتوسعة عليهم فمن أنكرته عند بيعته أو اتهمته على طاعته فابعث إلى برأسه مع خبره وإياك وإقالته فان النار أولى به واكتب إلى عمال ثغورك وأمراء أجنادك بما طرقك من المصيبة بأمير المؤمنين وأعلمهم أن الله لم يرض الدنيا له ثوابا حتى قبضه إلى روحه وراحته وجنته مغبوطا محمودا قائدا لجميع خلفائه إلى الجنة ان شاء الله ومرهم أن يأخذوا البيعة على أجنادهم وخواصهم وعوامهم على مثل ما أمرتك به من أخذها

[ 547 ]

على من قبلك وأو عز إليهم في ضبط ثغورهم والقوة على عدوهم انى متفقد حالاتهم ولام شعثهم وموسع عليهم ولا آن في تقوية أجنادى وأنصاري وليكن كتبك إليهم كتبا عامة لتقرأ عليهم فان ذلك ما يسكنهم ويبسط أملهم واعمل بما نأمر به لمن حضرك أو نأى عنك من أجنادك على حسب ما ترى وتشاهد فان أخاك يعرف حسن اختيارك وصحة رأيك وبعد نظرك وهو يستحفظ الله لك ويسأله أن يشد بك عضده ويجمع بك أمره انه لطيف لما يشاء وكتب بكر بن المعتمر بين يدى وأملائي في شوال سنة 192 وإلى أخيه صالح (بسم الله الرحمن الرحيم) إذا ورد عليك كتابي هذا عند وقوع ما قد سبق في علم الله ونفذ من قضائه في خلفائه وأوليائه وجرت به سنته في الانبياء والمرسلين والملائكة المقربين فقال (كل شئ هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون) فاحمدوا الله على ما صار إليه أمير المؤمنين من عظيم ثوابه ومرافقة أنبيائه صلوات الله عليهم انا إليه راجعون واياه نسأل أن يحسن الخلافة على أمة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وقد كان لهم عصمة وكهفا وبهم رؤفا رحيما فشمر في أمرك واياك أن تلقى بيديك فان أخاك قد اختارك لما استنهضك له وهو متفقد مواقع فقد انك فحقق ظنه ونسأل الله التوفيق وخذ البيعة على من قبلك من ولد أمير المؤمنين وأهل بيته ومواليه وخاصته وعامته لمحمد أمير المؤمنين ثم لعبدالله ابن أمير المؤمنين ثم للقاسم ابن أمير المؤمنين على الشريطة التى جعلها أمير المؤمنين صلوات الله عليه من فسخها على القاسم أو اثباتها فان السعادة واليمن في الاخذ بعهده والمضى على مناهجه وأعلم من قبلك من الخاصة والعامة رأيى في استصلاجهم ورد مظالمهم وتفقد حالاتهم وأداء أرزاقهم وأعطياتهم عليهم فان شغب شاغب أو نعر ناعر فاسط به سطوة تجعله نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين واضمم إلى الميمون ابن الميمون الفضل بن الربيع ولد أمير المؤمنين وخدمه وأهله ومره بالمسير معهم فيمن معه وجنده ورابطته وصير إلى عبد الله بن مالك أمر

[ 548 ]

العسكر وأحداثه فانه ثقة على ما يلى مقبول عند العامة واضمم إليه جميع جند الشرط من الروابط وغيرهم إلى من معه من جنده ومره بالجد والتيقظ وتقديم الحزم في أمره كله ليله ونهاره فان أهل العداوة والنفاق لهذا السلطان يغتنمون مثل حلول هذه المصيبة وأقر حاتم بن هرثمة على ما هو عليه ومره بحراسة ما يحفظ به قصور أمير المؤمنين فانه ممن لا يعرف إلا بالطاعة ولا يدين إلا بها بمعاقد من الله مما قدم له من حال أبيه المحمود عند الخلفاء ومر الخدم بإحضار روابطهم من يسد بهم وبأجنادهم مواضع الخلل من عسكرك فانهم حد من حدودك وصير مقدمتك إلى أسد بن يزيد بن مزيد وساقتك إلى يحيى بن معاذ فيمن معه من الجنود ومرهما بمناوبتك في كل ليلة والزم الطريق الاعظم ولا تعدون المراحل فان ذلك أرفق بك ومر أسد بن يزيد أن يتخير رجلا من أهل بيته أو قواده فيصير إلى مقدمته ثم يصير أمامه لتهيئة المنازل أو بعض الطريق فان لم يحضرك في عسكرك بعض من سميت فاختر لمواضعهم من تثق بطاعته ونصيحته وهيبته عند العوام فان ذلك لن يعوزك من قوادك وأنصارك إن شاء الله وإياك أن تنفذ رأيا أو تبرم أمرا إلا برأى شيخك وبقية آبائك الفضل بن الربيع وأقرر جميع الخدم على ما في أيديهم من الاموال والسلاح والخزائن وغير ذلك ولا تخرجن أحدا منهم من ضمن ما يلي إلى أن تقدم على وقد أوصيت بكر بن المعتمر بما سيلغكه واعمل في ذلك بقدر ما تشاهد وترى وان أمرت لاهل العسكر بعطاء أو رزق فليكن الفضل بن الربيع المتولي لا عطائهم على دواوين يتخذها لنفسه بمحضر من أصحاب الدواوين فان الفضل بن الربيع لم يزل مثل ذلك لمهمات الامور وأنفذ إلى عند وصول كتابي هذا اليك اسماعيل بن صبيح وبكر بن المعتمر على مركبيهما من البريد ولا يكون لك عرجة ولا مهلة بموضعك الذى أنت فيه حتى توجه إلى بعسكرك بما فيه من الاموال والخزائن إن شاء الله أخوك يستدفع الله عنك ويسأله لك حسن التأييد برحمته وكتب بكر بن المعتمر بين يدى وإملائي في شوال سنة 192 وخرج رجاء الخادم بالخاتم والقضيب والبردة وبنعي هارون حين دفن

[ 549 ]

حتى قدم بغداد ليلة الخميس وقيل يوم الاربعاء فكان من الخبر ما قد ذكرت قبل وقيل إن نعى الريد لما ورد بغداد صعد اسحاق بن عيسى بن على المنبر فحمد الله وأنثى عليه ثم قال أعظم الناس رزئه وأحسن الناس بقية رزؤنا فانه لم يرزأ أحد كرزئنا فمن له مثل عوضنا ثم نعاه إلى الناس وحضن الناس على الطاعة * وذكر الحسن الحاجب أن الفضل بن سهل أخبره قال استقبل الرشيد وجوه أهل خراسان وفيهم الحسين بن مصعب قال ولقيني فقال لى الرشيد ميت أحد هذين اليومين وأمر محمد بن الرشيد ضعيف والامر أمر صاحبك مد يدك فمد يده فبايع للمأمون بالخلافة قال ثم أتانى بعد أيام ومعه الخليل بن هشام فقال هذا ابن أخى وهو لك ثقة خذ بيعته وكان المأمون قد رحل من مرو إلى قصر خالد بن حماد على فرسخ من مرو يريد سمرقند وأمر العباس بن المسيب بإخراج الناس واللحوق بالعكسر فمر به اسحاق الخادم ومعه نعى الرشيد فغم العباس قدومه فوصل إلى المأمون فأخبره فرجع المأمون إلى مرو ودخل دار الامارة دار أبى مسلم ونعى الرشيد على المنبر وشق ثوبه ونزل وأمر للناس بمال وبايع لمحمد ولنفسه وأعطى الجند رزق اثنى عشر شهرا قال ولما قرأ الذين وردت عليهم كتب محمد بطوس من القواد والجند وأولاد هارون تشاوروا في اللحاق بمحمد فقال الفضل بن الربيع لا أدع ملكا حاضرا لآخر لا يدرى ما يكون من أمره وأمر الناس بالرحيل ففعلوا ذلك محبة منهم للحوق بأهلهم ومنازلهم ببغداد وتركوا العهود التى كانت أخذت عليهم للمأمون فانتهى اخبر بذلك من أمرهم إلى المأمون بمرو فجمع من معه من قواد أبيه فكان معه منهم عبد الله بن مالك ويحيى بن معاذ وشبيب ابن حميد بن قحطبة والعلاء مولى هارون والعباس بن المسيب بن زهير وهو على شرطته وأيوب بن أبى سمير وهو على كتابته وكان معه من أهل بيته عبد الرحمن ابن عبد الملك بن صالح وذو الرئاستين وهو عنده من أعظم الناس قدرا وأخصهم به فشاورهم وأخبرهم الخبر فأشاروا عليه أن يلحقهم في ألفى فارس جريدة فيردهم وسمى لذلك قوم فدخل عليه ذو الرئاستين فقال له إن فعلت ما

[ 550 ]

أشاروا به عليك جعلت هؤلاء هدية إلى محمد ولكن الرأى أن تكتب إليهم كتابا وتوجه إليهم رسولا فتذكرهم البيعة وتسألهم الوفاء وتحذرهم الحنث وما يلزمهم في ذلك في الدنيا والدين قال قلت له إن كتابك ورسلك تقوم مقامك فتستبرئ ما عند القوم وتوجه سهل بن صاعد وكان على قهرمته فانه يأملك ويرجو أن ينال أمله فلن يألوك نصحا وتوجه نوفلا الخادم مولى موسى أمير المؤمنين وكان عاقلا فكتب كتابا ووجههما فلحقاهم بنيسابور قد رحلوا ثلاث مراحل فذكر الحسن بن أبى سعد عن سهل بن صاعد أنه قال لما أوصلت إلى الفضل بن الربيع كتابه فقال لى انما أنا واحد منهم قال لى سهل وشد على عبد الرحمن ابن جبلة بالرمح فأمره على جنبى ثم قال قل لصاحبك والله لو كنت حاضرا لو ضعت الرمح في فيك هذا جوابي قال ونال من المأمون فرجعت بالخبر قال الفضل بن سهل فقلت للمأمون أعداء قد استرحت منهم ولكن افهم عنى ما أقول لك ان هذه الدولة لم تكن قط أعزمنها أيام بى جعفر فخرج عليه المقنع وهو يدعى الربوبية وقال بعضهم طلب بدم أبى مسلم فتضعضع العسكر بخروجه بخراسان فكفاه الله المؤنة ثم خرج بعده يوسف البرم وهو عند بعض المسلمين كافر فكفى الله المؤنة ثم خرج أستاذ سيس يدعو إلى الكفر فسار المهدى من الرى إلى نيسابور فكفى المؤنة ولكن ما أضع أكبر عليك أخبرني كيف رأيت الناس حين ورد عليهم خبر رافع قال رأيتهم اضطربوا اضطرابا شديدا قلت وكيف بك وأنت نازل في اخوالك وبيعتك في أعناقهم كيف يكون اضطراب أهل بغداد اصبر وأنا أضمن لك الخلافة ووضعت يدى على صدري قال قد فعلت وجعلت الامر اليك فقم به قال قلت والله لاصدقنك إن عبد الله بن مالك ويحيى بن معاذ ومن سمينا من أمراء الرؤساء إن قاموا لك بالامر كان أنفع منى لك برئاستهم المشهورة ولما عندهم من القوة على الحرب فمن قام بالامر كنت خادما له حتى تصير إلى محبتك وترى رأيك في فلقيتهم في منازلهم وذكرتهم البيعة التى في أعناقهم وما يجب عليهم من الوفاء قال فكأني جئتهم بجيفة على طبق فقال بعضهم هذا لا يحل اخرج وقال بعضهم من الذى يدخل

[ 551 ]

بين أمير المؤمنين وأخيه فجئت وأخبرته قال قم بالامر قال قلت قد قرأت القرآن وسمعت الاحاديث وتفقهت في الدين فالرأى أن تبعث إلى من بالحضرة من الفقهاء فتدعوهم إلى الحق والعمل به وإحياء السنة وتقعد على اللبود وترد المظالم ففعلنا وبعثنا إلى الفقهاء وأكرمنا القواد والملوك وأبناء الملوك فكنا نقول للتميمي نقيمك مقام موسى بن كعب وللربعي مقام أبى داود خالد بن إبراهيم ولليماني نقيمك مقام قحطبة ومالك بن الهيثم فكنا ندعو كل قبيلة إلى نقباء ورؤساء الدولة كاستمالتنا الرؤس وقلنا مثل ذلك وحططنا عن خراسان ربع الخراج فحسن موقع ذلك منهم وسروا به وقالوا ابن أختنا وابن عم النبي صلى الله عليه وسلم قال على بن إسحاق لما أفضت الخلافة إلى محمد وهدأ الناس ببغداد أصبح صبيحة السبت بعد بيعته بيوم فأمر ببناء ميدان حول قصر أبى جعفر في المدينة للصوالجة واللعب فقال في ذلك شاعر من أهل بغداد بنى أمين الله ميدانا * وصير الساحة بستانا وكانت الغزلان فيه بانا * يهدى إليه فيه غزلانا (وفى هذه السنة) شخصت أم جعفر من الرقة بجميع ما كان معها هنالك من الخزائن وغير ذلك في شعبان فتلقاها ابنها محمد الامين بالانبار في جميع من كان ببغداد من الوجوه وأقام المأمون على ما كان يتولى من عمل خراسان ونواحيها إلى الرى وكاتب الامين وأهدى إليه هدايا كثيرة وتواترت كتب المأمون إلى محمد بالتعظيم والهدايا إليه من طرف خراسان من المتاع والآنية والمسك والدواب والسلاح (وفى هذه السنة) دخل هرثمة حائط سمرقند ولجأ رافع إلى المدينة الداخلة وراسل رافع الترك فوافوه فصار هرثمة بين رافع والترك ثم انصرف الترك فضعف رافع * وقتل في هذه السنة نقفور ملك الروم في حرب برجان وكان ملكه فيما قيل سبع سنين وملك بعد استبراق بن نقفور وهو مجروح فبقى شهرين فمات وملك ميخائيل بن جورجس ختنه على أخته (وحج بالناس) في هذه السنة داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن على وكان والى مكة * وأقر محمد

[ 552 ]

ابن هارون أخاه القاسم بن هارون في هذه السنة على ما كان أبوه هارون ولاه من عمل الجزيرة واستعمل عليها خزيمة بن خازم وأقر القاسم على قنسرين والعواصم ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك ما كان من مخالفة أهل حمص عاملهم إسحاق بن سليمان وكان محمد ولاه إياها فلما خالفوه انتقل إلى سلمية فصرفه محمد عنهم وولى مكانه عبد الله بن سعيد الحرشى ومعه عافية بن سليمان فحبس عدة من وجوههم وضرب مدينتهم من نواحيها بالنار وسألوه الامان فأجابهم وسكنوا ثم هاجوا فضرب أيضا أعناق عدة منهم (وفيها) عزل محمد أخاه القاسم عن جميع ما كان أبوه هارون ولاه من عمل الشأم وقنسرين والعواصم والثغور وولى مكانه خزيمة بن خازم وأمره بالمقام بمدينة السلام (وفيه هذه السنة) أمر محمد بالدعاء لابنه موسى على المنابر بالامرة (وفيها) مكر كل واحد منهما بصاحبه محمد الامين وعبد الله المأمون وظهر بينهما الفساد ذكر الخبر عن سبب ذلك ذكر أن الفضل بن الربيع فكر بعد مقدمه العراق على محمد منصرفا عن طوس وناكثا للعهود التى كان الرشيد أخذها عليه لابنه عبد الله وعلم أن الخلافة إن أفضت إلى المأمون يوما وهو حى لم يبق عليه وكان في ظفره به عطبه فسعى في إغراء محمد به وحثه على خلعه وصرف ولاية العهد من بعده إلى ابنه موسى ولم يكن ذلك من رأى محمد ولا عزمه بل كان عزمه فيما ذكر عنه الوفاء لاخويه عبد الله والقاسم بما كان أخذ عليه لهما والده من العهود والشروط فلم يزل الفضل به يصغر في عينه شأن المأمون ويزين له خلعه حتى قال له ما تنتظر يا أمير المؤمنين بعبدالله والقاسم أخويك فان البيعة كانت لك م قدمة قبلهما وإنما أدخلا فيها بعدك واحدا بعد واحد وأدخل في ذلك من رأيه معه على بن عيسى بن ماهان والسندى وغيرهما ممن بحضرته

[ 553 ]

فأزال محمدا عن رأيه فأول ما بدأ به محمد عن رأى الفضل بن الربيع فيما دبر من ذلك أن كتب إلى جميع العمال في الامصار كلها بالدعاء لابنه موسى بالامرة بعد الدعاء له وللمأمون والقاسم بن الرشيد فذكر الفضل بن إسحاق بن سليمان أن المأمون لما بلغه ما أمر محمد من الدعاء لابنه موسى وعزله القاسم عما كان الرشيد ضم إليه من الاعمال وإقدامه اياه مدينة السلام علم أنه يدبر عليه في خلعه فقطع البريد عن محمد وأسقط اسمه من الطرز وكان رافع بن الليث بن نصر بن سيار لما انتهى إليه من الخبر عن المأمون وحسن سيرته في أهل عمله وإحسانه إليهم بعث في طلب الامان لنفسه فسارع إلى ذلك هرثمة وخرج رافع فلحق بالمأمون وهرثمة بعد مقيم بسمرقند فأكرم المأمون رافعا وكان مع هرثمة في حصار رافع طاهر بن الحسين ولما دخل رافع في الامان استأذن هرثمة المأمون في القدوم عليه فعبر نهر بلخ بعسكره والنهر جامد فتلقاه الناس وولاه المأمون الحرس فأنكر ذلك كله محمد فبدأ بالتدبير على المأمون فكان من التدبير أنه كتب إلى العباس بن عبد الله بن مالك وهو عامل المأمون على الرى وأمره أن يبعث إليه بغرائب غروس الرى مريدا بذلك امتحانه فبعث إليه ما أمره به وكتب المأمون وذا الرئاستين فبلغ ذلك من أمره المأمون فوجه الحسن بن على المأمونى وأردفه بالرسهمى على البريد وعزل العباس بن عبد الله بن مالك فذكر عن الرسهمى أنه لم ينزل عن دابته حتى اجتمع إليه ألف رجل من أهل الرى ووجه محمد إلى المأمون ثلاثة أنفس رسلا أحدهم العباس بن موسى بن عيسى والآخر صالح صاحب المصلى والثالث محمد بن عيسى بن نهيك وكتب معهم كتابا إلى صاحب الرى أن استقبلهم بالعدة والسلاح الظاهر وكتب إلى والى قومس ونيسابور وسرخس بمثل ذلك ففعلوا ثم وردت الرسل مرو وقد أعدلهم من السلاح وضروب العدد والعتاد ثم صاروا إلى المأمون فأبلغوه رسالة محمد بمسألته تقديم موسى على نفسه ويذكر له أنه سماه الناطق بالحق وكان الذى أشار عليه بذلك على بن عيسى بن ماهان وكان يخبره أن أهل خراسان يطيعونه فرد المأمون ذلك وأباه قال فقال لى ذو الرئاستين قال العباس بن موسى بن عيسى بن موسى وما عليك أيها الامير من

[ 554 ]

ذلك فهذا جدى عيسى بن موسى قد خلع فما ضره ذلك قال فصحت به اسكت فان جدك كان في أيديهم أسيرا وهذا بين أخواله وشيعته قال فانصرفوا وأنزل كل واحد منهم منزلا قال ذو الرئاستين فأعجبني ما رأيت من ذكاء العباس بن موسى فخلوت به فقلت يذهب عليك في فهمك وسنك أن تأخذ بحظك من الامام وسمى المأمون في ذلك اليوم بالامام ولم يسم بالخلافة وكان سبب ما سمى به الامام ما جاء من خلع محمد له وقد كان محمد قال للذين أرسلهم قد تسمى المأمون بالامام فقال لى العباس قد سميتموه الامام قال قلت له قد يكون امام المسجد والقبيلة فان وفيتم لم يضركم وإن غدرتم فهو ذاك قال ثم قلت للعباس لك عندي ولاية الموسم ولا ولاية أشرف منها ولك من مواضع الاعمال بمصر ما شئت قال فما برح حتى أخذت عليه البيعة للمأمون بالخلافة فكان بعد ذلك يكتب الينا بالاخبار ويشير علينا بالرأى قال فأخبرني على بن يحيى السرخسى قال مربى العباس بن موسى ذاهبا إلى مرو وقد كنت وصفت له سيرة المأمون وحسن تدبير ذى الرئاستين واحتماله الموضع فلم يقبل ذلك منى فلما رجع مربى فقلت له كيف رأيت قال ذو الرئاستين أكثر مما وصفت فقلت صافحت الامام قال نعم قلت امسح يدك على رأسي قال ومضى القوم إلى محمد فأخبروه بامتناعه قال فألح الفضل بن الربيع وعلى بن عيسى على محمد في البيعة لابنه وخلع المأمون وأعطى الفضل الاموال حتى بايع لابنه موسى وسماه الناطق بالحق وأحضنه على بن عيسى وولاه العراق قال وكان أول من أخذ له البيعة بشر بن السميدع الازدي وكان واليا بلد ثم أخذها صاحب مكة وصاحب المدينة على خواص من الناس قليل دون العامة قال ونهى الفضل بن الربيع عن ذكر عبد الله والقاسم الدعاء لهما على شئ من المنابر ودس لذكر عبد الله والوقيعة فيه ووجه إلى مكة كتابا مع رسول من حجبة البيت يقال له محمد بن عبد الله بن عثمان بن طلحة في أخذ الكتابين اللذين كان هارون كتبهما وجعلهما في الكعبة لعبدالله على محمد فقدم بهما عليه وتكلم في ذلك بقية الحجبة فلم يحفل بهم وخافوا على أنفسهم فلما صار بالكتابين إلى محمد قبضهما منه وأجازه بجائزة عظيمة ومرقهما

[ 555 ]

وأبطلهما وكان محمد فيما ذكر كتب إلى المأمون قبل مكاشفة المأمون إياه بالخلاف عليه يسأله أن يتجافى له عن كور من كور خراسان سماها وأن يوجه العمال إليها من قبل محمد وأن يحتمل توجيه رجل من قبله يوليه البريد عليه ليكتب إليه بخبره فلما ورد إلى المأمون الكتاب بذلك كبر ذلك عليه واشتد فبعث إلى الفضل بن سهل وإلى أخيه الحسن فشاورهما في ذلك فقال الفضل الامر مخطر لك من شيعتك وأهل بيتك بطانة ولهم تأنيس بالمشاورة وفى قطع الامر دونهم وحشة وظهور قلة ثقة فرأى الامير في ذلك وقال الحسن كان يقال شاور في طلب الرأى من تثق بنصيحته وتألف العدو فيما لا اكتتام له بمشاورته فأحضر المأمون الخاصة من الرؤساء والاعلام وقرأ عليهم الكتاب فقالوا جميعا له أيها الامير تشاور في مخطر فاجعل لبديهتنا حظا من الروية فقال المأمون ذلك هو الحزم وأجلهم ثلاثا فلما اجتمعوا بعد ذلك قال أحدهم أيها الامير قد حلمت على كرهين ولست أرى خطأ مدافعة بمكروه أو لهما مخافة مكروه آخرهما وقال آخر كان يقال أيها الامير أسعدك الله إذا كان الامر مخطرا فإعطاؤك من نازعك طرفا من بغيته أمثل من أن تصير بالمنع إلى مكاشفته وقال آخر إنه كان يقال إذا كان علم الامور مغيبا عنك فخذ ما أمكنك من هدية يومك فإنك لا تأمن أن يكون فساد يومك راجعا بفساد غدك وقال آخر لئن خفت للبذل عاقبة إن أشهد منها لما يبعث إلا نأمن الفرقة وقال آخر لا أرى مفارقة منزلة سلامة فلعلي أعطى معها العافية فقال الحسن فقد وجب حقكم باجتهادكم وإن كنت من الرأى على مخالفتكم قال المأمون فناظرهم قال لذلك ما كان الاجتماع وأقبل الحسن عليهم فقال هل تعلمون أن محمدا تجاوز إلى طلب شئ ليس له بحق قالوا نعم ويحتمل ذلك لمن نخاف من ضرر منعه قال تثقون بكفه بعد إعطائه إياها فلا يتجاوز الطلب إلى غيرها قالوا لا ولعل سلامة تقع من دون ما تخاف وتتوقع قال فان تجاور بعدها بالمسألة أفما ترونه قد توهن بما بذل منها في نفسه قالوا ندفع ما يعرض له في عاقبه بمدافعة ما تنجزون في عاجله قال فهذا خلاف ما سمعناه من قول الحكماء قبلنا قالوا استصلح عاقبة أمرك باحتمال

[ 556 ]

ما عرض من كره يومك ولا تلتمس هدية يومك باخطار أدخلته على نفسك في غدك قال المأمون للفضل ما تقول فيما اختلفوا فيه قال أيها الامير أسعدك الله هل يؤمن محمد أن يكون طلبك بفضل قوتك ليستظهر بها عليك غدا على مخالفتك وهل يصير الحازم إلى فضلة من عاجل الدعة بخطر يتعرض له في عاقبه بل إنما أشار الحكماء بحمل ثقل فيما يرجون به صالح عواقب أمورهم فقال المأمون بل بإيثار العاجلة صار من صار إلى فساد العاقبة في أمر دنيا وآخرة قال القوم قد قلنا بمبلغ الرأى والله يؤيد الامير بالتوفيق فقال اكتب يا فضل إليه فكتب قد بلغني كتاب أمير المؤمنين يسأل التجافي عن مواضع سماها مما أثبته الرشيد في العقد وجعل أمره إلى وما وأمر رآه أمير المؤمنين أحد يجاوز أكثره غير أن الذى جعل إلى الطرف الذى أنا به لا ظنين في النظر لعامته ولا جاهل بما أسند إلى من أمره ولو لم يكن ذلك مثبتا بالعهود والمواثيق المأخوذة ثم كنت على الحال التى أنا عليها من إشراف عدو مخوف الشوكة وعامة لا تتألف عن هضمها وأجناد لا يستتبع طاعتها الا بالاموال وطرف من الافضال لكان في نظر أمير المؤمنين لعامته وما يحب من لم أطرافه ما يوجب عليه أن يقسم له كثيرا من عنايته وأن يستصلحه ببذل كثير من ماله فكيف بمسألة ما أوجبه الحق ووكدته مأخودة العهد وإنى لاعلم أن أمير المؤمنين لو علم من الحال ما علمت لم يطلع ما كتب بمسألته إلى ثم أنا على ثقة من القبول بعد البيان إن شاء الله وكان المأمون قد وجه حارسة إلى الحد فلا يجوز رسول من العراق حتى يوجهوه مع ثقات من الامناء ولا يدعه يستعلم خبرا ولا يوثرا أثرا ولا يستتبع بالرغبة ولا بالرهبة أحدا ولا يبلغ أحدا قولا ولا كتابا فحصر أهل خراسان من أن يستمالوا برغبة أو أن تودع صدورهم رهبة أو يحملوا على منول خلاف أو مفارقة ثم وضع على مراصد الطرق ثقات من الحراس لا يجوز عليهم إلا من لا يدخل الظنة في أمره ممن أتى بجواز في مخرجه إلى دار مآبه أو تاجر معروف مأمون في نفسه ودينه ومنع الاشتاتات من جواز السبل والقطع بالمتاجر والوغول في البلدان في هيئة الطارئة والسابلة وفتشت

[ 557 ]

الكتب وكان أول من أقبل من قبل محمد مناظرا في منعه ما كان سأل جماعة وإنما وجهوا ليعلم أنهم قد عاينوا وسمعوا ثم يلتمس منهم أن يبذلوا ويحرموا فيكون مما قالوا حجة يحتج بها أو ذريعة إلى ما التمس فلما صاروا إلى حد الرى وجدوا تدبيرا مؤيدا وعقدا مستحصدا متأ كدا وأخذتهم الاحراس من جوانبهم فحفظوا في حال خلعهم وإقامتهم من أن يخبروا أو يستخبروا وكتب بخبرهم من مكانهم فجاء الاذن في حملهم فحملوا محرسين لا خبر يصل إليهم ولا خبر يتطلع منهم إلى غيرهم وقد كانوا معدين لبث الخبر في العامة وإظهار الحجة المفارقة والدعاء لاهل القوة إلى المخالفة يبذلون الاموال ويضمنون لهم معظم الولايات والقطائع والمنازل فوجدوا جميع ذلك ممنوعا محسوما حتى صاروا إلى باب المأمون وكان الكتاب النافذ إلى المأمون أما بعد فان أمير المؤمنين الرشيد وإن كان أفردك بالطرف وضم ما ضم اليك من كور الجبل تأييدا لامرك وتحصينا لطرفك فان ذلك لا يوجب لك فضلة المال عن كفايتك وقد كان هذا الطرف وخراجه كافيا لحدثه ثم تتجاوز بعد الكفاية إلى ما يفضل من رده وقد ضم لك إلى الطرف كورا من أمهات كور الاموال لا حاجة لك فيها فالحق فيها أن تكون مردودة في أهلها ومواضع حقها فكتبت إليك أسألك رد تلك الكور إلى ما كانت عليه من حالها ليكون فضول ردها مصروفة إلى مواضعها وأن تأذن لقائم بالخبر يكون بحضرتك يؤدى إلينا علم ما نعنى به من خبر طرفك فكتبت تلط دون ذلك بما إن تم أمرك عليه صيرنا الحق إلى مطالبتك فاثن عن همك أثن عن مطالبتك إن شاء الله فلما قرأ المأمون الكتاب كتب مجيبا له أما بعد فقد بلغني كتاب أمير المؤمنين ولم يكتب فيما جهل فأكشف له عن وجهه ولم يسأل مالا يوجبه حق فليزمنى الحجة بترك اجابته وانما يتجاوز المناظر إن منزلة النصفة ما ضاقت النصفة عن أهلها فمتى تجاوز متجاوز وهى موجودة الوسع ولم يكن تجاوزها إلا عن نقضها واحتمال ما في تركها فلا تبعثني يا ابن أبى على مخالفتك وأنا مذعن بطاعتك ولا على قطيعتك وأنا على ايثار ما تحب من صلتك وارض مما حكم به الحق في أمرك أكن بالمكان

[ 558 ]

الذى أنزلنى به الحق فيما بينى وبينك والسلام ثم أحضر الرسل فقال إن أمير المؤمنين كتبت إليه في أمر كتب إلى جوابه فأبلغوه الكتاب وأعلموه أنى لا أزال على طاعته حتى يضطرني بترك الحق الواجب إلى مخالفته فذهبوا يقولون فقال قفوا أنفسكم حيث وقفنا بالقول بكم وأحسنوا تأدية ما سمعتم فقد أبلغتمونا من كتابنا مالا عسى أن تقولوه لنا فانصرف الرسل فلم يثبتوا لانفسهم حجة ولم يحملوا خبرا يودونه إلى صاحبهم ورأو اجدا غير مشوب بهزل في منع مالهم من حقهم الواقع بزعمهم فلما وصل كتاب المأمون إلى محمد وصل منه ما فظع به وتخمط غيظا بما تردد منه وأمر عند ذلك بما ذكرناه من الامساك للدعاء له على المنابر وكتب إليه أما بعد فقد بلغني كتابك عامطا لنعمة الله عليك فيما مكن لك من ظلها متعرضا لحراق نار لا قبل لك بها ولحطك عن الطاعة كان أودع وان كان قد تقدم منى متقدم فليس بخارج من مواضع نفعك إذ كان راجعا على العامة من رعيتك وأكثر من ذلك ما يمكن لك من منزلة السلامة ويثبت لك من حال الهدنة فأعلمني رأيك أعمل عليه ان شاء الله وذكر سهل بن هارون عن الحسن بن سهل ان المأمون قال لذى الرئاستين ان ولدى وأهلي ومالى الذى أفرده الرشيد لى بحضرة محمد وهو مائة ألف ألف وأنا إليها محتاج وهى قبله فما ترى في ذلك وراجعه مرارا فقال له ذو الرئاستين أيها الامير بك حاجة إلى فضلة مالك وأن يكون أهلك في دارك وجنابك وان أنت كتبت فيه كتاب عزمة فمنعك صار إلى خلع عهده فان فعل حملك ولو بالكره على محاربته وأنا أكره ان تكون المستفتح باب الفرقة ما أرتجه الله دونك ولكن تكتب كتاب طالب لحقك وتوجه أهلك على مالا يوجب عليه المنع نكثا لعهدك فان أطاع فنعمة وعافية وان أبى لم تكن تبعث على نفسك حربا فاكتب إليه فكتب عنه أما بعد فإن نظر أمير المؤمنين للعامة نظر من لا يقتصر عنه على اعطاء النصفة من نفسه حتى يتجاوزها إليهم ببره وصلته إذ كان ذلك رأيه في عامته فأحر بأن يكون على مجاوزة ذلك بصنوه وقسيم نسبه فقد تعلم يا أمير المؤمنين حالا أنا عليها من ثغور حللت بين لهواتها وأجناد لا تزال

[ 559 ]

موقنة بنشر غيها وبنكث آرائها وقلة الخرج قبلى والاهل والولد والمال قبل أمير المؤمنين وما للاهل وإن كانوا في كفاية من بر أمير المؤمنين فكان لهم والدا بد من الاشراف والنزوع إلى كنفى ومالى بالمال من القوة والظهير على لم الشعث بحضرتي وقد وجهت لحلم العيال وحمل ذلك المال فرأى أمير المؤمنين في إجازة فلان إلى الرقة في حمل ذلك المال والامر بمعونته عليه غير محرج له فيه إلى ضيقة تقع بمخالفته أو حامل له على رأى يكون على غير موافقة والسلام فكتب إليه محمدا ما بعد فقد بلغني كتابك بما ذكرت مما عليه رأى أمير المؤمنين في عامته فضلا عما يجب من حق لذى حرمته وخليط نفسه ومحلك بين لهوات ثغور وحاجتك لمحلك بينها إلى فضلة من المال لتأييد أمرك والمال الذى سمى لك من مال الله وتوجيهك من وجهت في حمله وحمل أهلك من قبل أمير المؤمنين ولعمري ما ينكر أمير المؤمنين رأيا هو عليه مما ذكرت لعامته وما يوجب عليه من لحوق أقربيه وعامته وبه إلى ذلك المال الذى ذكرت حاجة في تحصين أمور المسلمين فكان أولى به إجراؤه منه على فرائضه ورده على مواضع حقه وليس بخارج من نفعك ما عاد بنفع العامة من رعيتك وأما ما ذكرت من حمل أهلك فان رأى أمير المؤمنين تولى أمرهم وإن كنت بالمكان الذى أنت به من حق القرابة ولم أر من حملهم على سفرهم مثل الذى رأيت من تعريضهم بالسفر للتشتت وإن رأى ذلك من قبلى أوجههم إليك مع الثقة من رسلي إن شاء الله والسلام قال ولما ورد الكتاب على المأمون قال لاط دون حقنا يريد أن نتوهن مما يمنع من قوتنا ثم يتمكن للوهنة من الفرصة في مخالفتنا فقال له ذو الرئاستين أو ليس من المعلوم دفع الرشيد ذلك المال إلى الامين لجمعه وقبض الامين إياه على أعين الملا من عامته على أنه يحرسه قنية فهو لا ينزع إليها فلا تأخذ عليه مضايقها وأمل له ما لم يضطرك جريرته إلى مكاشفته بها والرأى لزوم عروة الثقة وحسم الفرقة فان تطلع إليها فقد تعرض لله بالمخالفة وتعرضت منه بالامساك للتأييد والمعونة قال وعلم المأمون والفضل أنه سيحدث بعد كتابه من الحدث ما يحتاج إلى علمه ومن الخبر ما يحتاج

[ 560 ]

أن يباشره بالثقة من أصحابه وأنه لا يحدث في ذلك حدثا دون مواطأة رجال النباهة والاقدار من الشيعة وأهل السابقة فرأى أن يختار رجلا يكتب معه إلى أعيان أهل العسكر من بغداد فان أحدث محمد خلعا للمأمون صار إلى ذويها وتلطف لعلم حالات أهلها وإن لم يفعل من ذلك شئ حبس في حقته وأمسك عن إيصالها وتقدم إليه في التعجيل ولما قدم واصل الكتب وكان كتابه مع الرسول الذى وجهه لعلم الخبر أما بعد فان أمير المؤمنين كأعضاء البدن يحدث العلة في بعضها فيكون كره ذلك مؤلما لجميعها وكذلك الحدث في المسلمين يكون في بعضهم فيصل كره ذلك إلى سائرهم للذى يجمعهم من شريعة دينهم ويلزمهم من حرمة آخرتهم ثم ذلك من الائمة أعظم للمكان الذى به الائمة من سائر أممهم وقد كان من الخبر مالا أحسبه إلا سيعود عن مجيئه ويسفر وعما ستر وما اختلف مختلفان فكان أحدهما أزمع على الغدر إلا كان أول معونة المسلمين وموالاتهم في ذات الله وأنت يرحمك الله من الامر بمرأى ومسمع وبحيث إن قلت آذن لقولك وإن لم تجد للقول مساغا فأمسكت عن مخوف أقتدى فيه بك ولن يضيع على الله ثواب الاحسان مع ما يجب علينا بالاحسان من حقك ولحظ حازلك النصيبين أو إحداهما أمثل من الاشراف أحد الحظين مع التعرض لعدمهما فاكتب إلى برأيك وأعلم ذلك لرسولي ليؤديه إلى عنك إن شاء الله وكتب إلى رجال النباهة من أهل العسكر بمثل ذلك قال فوافق قدوم الرسول بغداد ما أمر به من الكف عن الدعاه للمأمون في الخطبة يوم الجمعة وكان بمكان الثقة من كل من كتب إليه معه فمنهم من أمسك عن الجواب وأعرب للرسول عما في نفسه ومنهم من أجاب عن كتابه وكتب أحدهم أما بعد فقد بلغني كتابك وللحق برهان يدل على نفسه يثبت به الحجة على كل من صار إلى مفارقته فكفى غبنا بإضاعة حظ من حظ العاقبة لما مول من حظ عاجله وأبين في الغبن إضافة حظ عاقبه في التعرض للنكبة والوقائع ولى من العلم بمواضع خطر ما أرجو أن يحسن معه النظر منى لنفسي ويضع عنى مؤنة استزادتى إن شاء الله قال وكتب الرسول الموجه إلى

[ 561 ]

بغداد إلى المأمون وذى الرئاستين أما بعد فانى وافيت البلدة وقد أعلن خليطك بتنكيره وقدم علما من اعتراضه ومفارقته بحضرته ودفعت كتبك فوجدت أكثر الناس ولاة السريرة ونقاة العلانية ووجدت المستمالين بالرغبة لا يحوطون إلا عنها ولا ينالون ما احتملوا فيها والمنازع مختلج الرأى لا يجد دافعا منه عن همه ولا راغبا في عامه والمحلون بأنفسهم تحلون تمام الحدث ليسلموا من منهزم حدثهم والقوم على جد ولا تجعلوا للتوادى إن شاء الله والسلام قال ولما قدم على محمد من معسكر المأمون سعيد بن مالك بن قادم وعبد الله بن حميد بن قحطبة والعباس ابن الليث مولى أمير المؤمنين ومنصور بن أبى مطر وكثير بن قادرة فألطفهم وقربهم وأمر لمن كان قبض منهم الستة الاشعر برزق اثنى عشر شهرا وزادهم في الخاصة والعامة ولمن يقبضها بثمانية عشر شهرا قال ولما عزم محمد على خلع المأمون دعا يحيى بن سليم فشاوره في ذلك فقال يحيى يا أمير المؤمنين كيف بذلك لك مع ما قد وكد الرشيد من بيعته وتوثق بها من عهده والاخذ للايمان والشرائط في الكتاب الذى كتبه فقال له محمد إن رأى الرشيد كان فلتة شبهها عليه جعفر بن يحيى بسحره واستماله برقاه وعقده فغرس لنا غرسا مكروها لا ينفعنا ما نحن فيه معه إلا بقطعه ولا يستقيم لنا الامور إلا باجتثاثه والراحة منه فقال أما إذا كان رأى أمير المؤمنين خلعه فلا تجاهره مجاهرة فيستنكرها الناس ويستشنعها العامة ولكن تستدعى الجند بعد الجند والقائد بعد القائد وتؤنسه بالالطاف والهدايا وتفرق ثقاته ومن معه وترغبهم بالاموال وتستميلهم بالاطماع فإذا أو هنت قوته واستفرغت رجاله أمرته بالقدوم عليك فان قدم صار إلى الذى تريد منه وإن أبى كنت قد تناولته وقد كل حده وهيض جناحه وضعف ركنه وانقطع عزه فقال محمد ما أقطع أمرا كصريمة أنت مهذار خطيب ولست بذى رأى فزل عن هذا الرأى إلى الشيخ الموفق والوزير الناصح قم فالحق بمدادك وأقلامك فقال يشوبه صدق ونصيحة وأشرت إلى رأى يخلطه غش وجهل قال فوالله ما ذهبت الايام حتى ذكر كلامه وفرعنه بخطئه وحرفه وقال سهل بن هارون

[ 562 ]

وقد كان الفضل بن سهل دس قوما اختارهم ممن يثق به من القواد والوجوه ببغداد ليكاتبوه بالاخبار يوما يوما فلما هم محمد بخلع المأمون بعث الفضل بن الربيع إلى أحد هؤلاء الرجال يشاوره فيما يرى من ذلك فعظم الرجل عليه أمر نقض العهد للمأمون وقبح الغدر به فقال له الفضل صدقت ولكن عبد الله قد أحدث الحدث الذى وجب به نكض ما أخذ الرشيد له قال أفثبتت الحجة عند العوام بمعلوم حدثه كما تثبت الحجة بما جدد من عهده قال لا قال أفحدث هذا منكم يوجب عند العامة نقض عهدكم ما لم يكن حدثه معلوما يجب به فسخ عهده قال نعم قال الرجل ورفع صوته بالله ما رأيت كاليوم رأى رجل يرتاد به النظر يشاور في رفع ملك في يده بالحجة ثم يصير إلى مطالبته بالعناد والمغالبة قال فأطرق الفضل مليا ثم قال صدقتني الرأى وأجملت نقل الامانة ولكن أخبرني إن نحن أعضنا من قالة العامة ووجدنا مساعدين من شيعتنا وأجنادنا فما القول قال أصلحك الله وهل أجنادك إلا من أحد عامتك في أحد بيعتهم وتمكن برهان الحق في قلوبهم أفليسوا وإن أعطوك ظاهر طاعتهم مع ما تأكد من وثائق العهد في معارفهم فانه لا طاعة دون أن يكون على تثبت من البصائر قال نرغبهم بتشريف حظوظهم قال إذا يصيروا إلى الثقل ثم إلى خذلانك عند حاجتك إلى منا صحتهم قال فما ظنك بأجناد عبد الله قال قوم على بصيرة من أمرهم لتقدم سعيهم وما يتعاهدون من خطبهم قال فما ظنك بعامتهم قال قوم كانوا في بلوى عظيمة من تحيف ولا تهم في أموالهم ثم في أنفسم صاروا به إلى الامنية من المال والرفاغة في المعيشة فهم يدافعون عن نعمة حادثة لهم ويتذكرون بلية لا يأمنون العودة إليها فلا سبيل إلى استفساد عظماء البلاد عليه ليكون محاربتنا إياه بالمكيدة من ناحيته ولا بالزحوف نحوه لمناجزته لمحبة الضعفاء له قد صاروا إليها لما نالوا به من الامان والنصفة وأما ذو القوة فلم يجدوا مطعنا ولا موضع حجة والضعفاء السواد الاكبر قال ما أراك بقيت لنا موضع رأى في اعتراء إلى أجناده ولا تمكن النظر في ناحيته بأجنادنا ثم أشد من ذلك ما قلت به من وهنة أجنادنا وقوة أجناده في مخالفته وما تسخو نفس أمير المؤمنين

[ 563 ]

بترك ما يعرف من حقه ولا نفسي بالهدنة مع تقدم جرى في أمره وربما أقبلت الامور مشرفة بالمخافة ثم تكشف عن الصلح والدرك في العاقبة تم تفرقا قال وكان الفضل بن الربيع أخذ بالمراصد لئلا تجاوز الكتب الحد فكتب الرسول مع امرأة وجعل الكتاب وديعة في عود منقور من أعواد الاكاف وكتب إلى صاحب البريد بتعجيل الخبر وكانت المرأة تمضى على المسالح كالمجتازة من القرية إلى القرية لاتهاج ولا تفنش وجاء الخبر إلى المأمون موافقا لسائر ما ورد عليه من الكتب قد شهد بعضها ببعض فقال لذى الرئاستين هذه أمور قد كان الرأى أخبر عن عينها ثم هذه طوالع تخبر عن أواخرها وكفانا أن تكون مع الحق ولعل كرها يسوق خيرا قال وكان أول ما دبره الفضل بن سهل بعد ترك الدعاء للمأمون وصحة الخبر أن جمع الاجناد التى كان أعدها بجنبات الرى مع أجناد قد كان مكنها فيها وأجناد للقيام بأمرهم وكان البلاد أجدبت بحضرهم فأعد لهم من الحمولة ما يحمل إليهم من كل فج وسبيل حتى ما فقدوا شيئا احتاجوا إليه وأقاموا بالحد لا يتجاوزونه ولا يطلقون يدا بسوء في عامة ولا مجتاز ثم أشخص طاهر بن الحسين فيمن ضم إليه من قواده وأجناده فسار طاهر مغذا لا يلوى على شئ حتى ورد الرى فنزلها ووكل بأطرافها ووضع مسالحه وبث عيونه وطلائعه فقال بعض شعراء خراسان رمى أهل العراق ومن عليها * إمام العدل والملك الرشيد بأحزم من مشى رأيا وحزما * وكيدا نافذا فيما يكيد بداهية تأد خنفقيق * يشيب لهول صولتها الوليد وذكر أن محمدا وجه عصمة بن حماد بن سالم إلى همذان في ألف رجل وولاه حرب كور الجبل وأمره بالمقام بهمذان وأن يوجه مقدمته إلى ساوة واستخلف أخاه عبد الرحمن بن حماد على الحرس وجعل الفضل بن الربيع وعلى بن عيسى يلهبان محمدا ويبعثانه على خلع المأمون والبيعة لابنه موسى (وفى هذه السنة) عقد محمد بن هارون في شهر ربيع الاول لابنه موسى على جميع ما استخلفه عليه ولا يطلقون يدا بسوء في عامة ولا مجتاز ثم أشخص طاهر بن الحسين فيمن ضم إليه من قواده وأجناده فسار طاهر مغذا لا يلوى على شئ حتى ورد الرى فنزلها ووكل بأطرافها ووضع مسالحه وبث عيونه وطلائعه فقال بعض شعراء خراسان رمى أهل العراق ومن عليها * إمام العدل والملك الرشيد بأحزم من مشى رأيا وحزما * وكيدا نافذا فيما يكيد بداهية تأد خنفقيق * يشيب لهول صولتها الوليد وذكر أن محمدا وجه عصمة بن حماد بن سالم إلى همذان في ألف رجل وولاه حرب كور الجبل وأمره بالمقام بهمذان وأن يوجه مقدمته إلى ساوة واستخلف أخاه عبد الرحمن بن حماد على الحرس وجعل الفضل بن الربيع وعلى بن عيسى يلهبان محمدا ويبعثانه على خلع المأمون والبيعة لابنه موسى (وفى هذه السنة) عقد محمد بن هارون في شهر ربيع الاول لابنه موسى على جميع ما استخلفه عليه وجعل صاحب أمره كله على بن عيسى بن ماهان وعلى شرطه محمد بن عيسى بن

[ 564 ]

نهيك وعلى حرسه عثمان بن عيسى بن نهيك وعلى خراجه عبد الله بن عبيدة وعلى ديوان رسائله على بن صالح صاحب المصلى (وفى هذه السنة) وثب الروم على ميخائيل صاحب الروم فهرب وترهب وكان ملكه سنتين فيما قيل (وفيها) ملك على الروم ليون القائد (وفيها) صرف محمد بن هارون اسحاق بن سليمان عن حمص وولاها عبد الله بن سعيد الحرشى ومعه عافية بن سليمان فقتل عدة من وجوههم وحبس عدة وحرق مدينتهم من نواحيها بالنار فسألوه الامان فأجابهم فسكنوا ثم هاجوا فضرب أعناق عدة منهم (تم - بعون الله وحسن توفيقه - الجزء السادس) (ويليه - إن شاء الله - الجزء السابع: وأوله: سنة خمس وتسعين ومائة)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية